پروفایل اشتراکی islamicbook

رمان فصل توت جلد اول كتاب : عجائب النباتات والفواكه والحيوانات | كتاب : زهر الأداب وثمر الألباب 5 | كتاب : خريدة القصر وجريدة العصر | كتاب : المعجم الأوسط للطبراني | الكتاب : بستان الواعظين ورياض السامعين | كتاب : التبيان في أقسام القرآن | کتاب های اهل سنت به منظور مبایل | كتاب : الفرج بعد الشدة - islamicbook.ws | كتاب : معجز أحمد 5 - islamicbook.ws | كتاب : زهر الأداب وثمر الألباب 5 |

رمان فصل توت جلد اول

كتاب : عجائب النباتات والفواكه والحيوانات


فصل في
النبات والفواكه وخواصها
__________
(1) تم نشره بالفعل في مكتبة الثقافة الدينية تحت عنوان " من نوادر المخطوطات ، رمان فصل توت جلد اول مخطوطات جامعة برنستون الأمريكية.

إعلم وفقنا الله تعالى جميعاً إلى التفكر في عجائب صنعته وغرائب قدرته أن عقول العقلاء وأفهام الأذكياء قاصرة متحيرة في أمر النباتات وعجائبها وخواصها وفوائدها ومضارها ومنافعها، وكيف لا وأنت تشاهد اختلاف أشكالها وتباين ألوانـها وعجائب صورة أوراقها وروائح أزهارها. رمان فصل توت جلد اول وكل لون من ألوانـها ينقسم إلى أقسام، كالحمرة مثلاً: رمان فصل توت جلد اول وردي وأرجواني وسوسني وشقائقي، وخمري وعنابي وعقيقي، ودموي ولكي وغير ذلك، مع اشتراك الكل في الحمرة. رمان فصل توت جلد اول ثم عجائب روائحها ومخالفة بعضها بعضاً، واشتراك الكل في طيب الرائحة وعجائب أشكال ثمارها وحبوبها وأوراقها دليل على وحدانية الله سبحانـه وتعالى، ولكل لون وريح وطعم وورق وثمر وزهر وحب وخاصية لا تشبه الأخرى، ولا يعلم حقيقة الحكمة فيها إلا الله تعالى، والذي يعرفه الإنسان من ذلك بالنسبة إلى ما لا يعرفه كقطرة من بحر

حكى المسعودي(1) أن آدم(2) عليه السلام لما أُهبط من الجنة خرج ومعه ثلاثون قضيباً مودعة أصناف الثمار: منـها عشرة لها قشر، وهي: الجوز واللوز والفستق والبندق والشاهبلوط والصنوبر والرمان والنارنج واللوز والخشخاش(3). ومنـها عشرة لا قشر لها، ولثمارها نوى، وهي: الرطب والزيتون والمشمش والخوخ والإجاص والعناب والغبيراء(4)
__________
(1) أبو الحسن علي بن الحسين بن علي الشافعي البغدادي . جغرافي ومؤرخ وأديب عراقي . ولد في بغداد عام 921م ، وتوفي في القاهرة عام 956م . نشأ في بغداد ، وأحاط فيها بعلوم عصره ، ثم طوف في فارس والهند وسيلان ومدغشقر وربما الصين وبعض جزر الشرق الأقصى وجنوب غربي روسيا والبلقان وسوريا ، ثم استقر في مصر وتوفي بالفسطاط .َ وأشـهر أعماله مروج الذهب ومعادن الجوهر من الكتب التاريخية ذات الطابع الموسوعي اذ لا يقتصر فيه المسعودي علي كتابة التاريخ فحسب بل يضمنـه معلومات جغرافية واجتماعية ودينية ويبدأ المسعودي كتابه منذ بدا لخليفة فيتحدث عن الأمم القديمة والرسل حتى يبلغ مبعث النبي صلي الله وعلية وسلم فيتحدث عن رسالته وهجراته وغزواته ثم يتحدث عن الخلافة حتى عام 336 هـ / 947 م وهي السنة الثانية من خلافة المطيع لله العباسي ( 334 – 363 هـ / 945- 974م ).
(2) آدم : أبو البشر ، أول إنسان خلقه الله تعالى ، ونفخ فيه من روحه ، َإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ الحجر : {29} (تاريخ الطبري ( 1 / 89 ) ، أخبار الزمان ( ص 71 ) .
(3) الخشخاش : Common Poppy : وتعرف عصارته باسم : الافيون " ويزرع كمحصول طبي في البلاد بما فيها مصر واساس تركيبه الكيميائي هو " المورفين " ومفعوله مسكن ومخدر وتجرمـه الحكومات الا فيما يدخل في بعض الادوية التي تصرف بأملر الطبيب (الطب القديم ، ص ، 23 ) .
(4) الغبيراء : نبات عشبي يعرف علمياً باسم Almus rubra والجزء المستخدم منـه الجذور. وقد اقترح الدكتور ديل استخدام مسحوق جذر هذا النبات لعلاج التهاب الردب وهذا النبات له تأثيرات ملينة على الجهاز الهضمي ويساعد في الإخراج. وقد صرحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA باستخدام هذا النبات كملطف فعال للجهاز الهضمي ويمكن استخدامـه كما يستخدم الشوفان.

والدراقن(1) والزعرور(2) والنبق(3). ومنـها عشرة ليس لها قشر ولا نوى، وهي التفاح والكمثري والسفرجل والتين والعنب والأُترج والخرنوب والبطيخ والقثاء والخيار.
__________
(1) الدراقن : وهو منشط ومساعد للهضم ومدر للبول ، وملين لطيف يفيد في حالات عسر الهضم وحصاه.
(2) الزعرور : شجيرة الزعرور هي من الفصيلة الوردية، توجد في البرية والأحراج وفي المرتفعات الجبلية. شجرة الزعرور ذات أوراق خضراء وأزهارها عذقية تتحول إلى ثمرات بيضوية محمرة اللون أو سوداء أو صفراء وحسب نوعها.تستخدم ثمار الزعرور الطازجة كغذاء مثل ثمار النبق لشجرة السدر حيث تفيد الثمار الطازجة في علاج أضطرابات القلب العصبية من سبب أرتفاع ضغط الدم أو تلك المصاحبة لسن اليأس, لذا فهو يفيد في حالات تصلب الشرايين والذبحة الصدرية و يساعد على إبقاء الدم في معدلاته الطبيعية.تمتاز ثماره بحلاوة مذاقها ولها تاثير على اللسان, وللأستخدامات الطبية والعلاجية فأن لزهوره فوائد كثماره.
(3) شجرة النبق : متوسطة الحجم يصل ارتفاعها الى ثمانية أمتار مستديمة الخضرة ، معمرة بطيئة النمو والساق غير معتدل ويحتوي على مركبات صابونية ويستعمله اهل السعودية في علاج الدوسنتاريا وفي لبنان لالتهابات الشعبيات الهوائية ومرضى السل ، وينمو نبات النبق في الجزيرة العربية ويسمى بها الكنار .

النخل(1)
__________
(1) النخل : النخلة شجرة مباركة عظيمة النفع، ولا يوجد شيء من إنتاجها حتى أشواكها إلا وتستخدم، لذلك أستحقت الذكر في القرآن الكريم أكثر من عشرين مرة ، وفي السنة المطهرة كثيراً ما ذكرت حتى أن جذع النخلة بكى حزناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ورد في البداية والنـهاية لابن كثير وروى الإمام أحمد بن حنبل وذكر البخاري في غير موضع من صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يخطب الناس فجاءه رومي وقال : ألا أصنع لك شيئاً تقعد عليه كأنك قائم ؟ فصنع له منبراً درجتين ويقعد على الثالث ، فلما قعد نبي الله على المنبر خار كخوار الثور ـ أي الجذع ـ ارتج لخواره المسجد حزناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل إليه رسول الله من المنبر فالتزمـه وهو يخور فلما التزمـه سكت ثم قال : والذي نفس محمد بيده لو لم التزمـه مازال هكذا حتى يوم القيامة حزناً عليه والبلح والتمر من الأطعمة سهلة الهضم سريعة الامتصاص والتي تمد الإنسان سريعاً بالطاقة مع احتوائها على الدهن والبروتين والمعادن والألياف والماء، تستعمل جذوع النخيل في أعمال البناء والنجارة وفي أغراض شتى لا تخفى علينا جميعاً بالمنطقة العربية ، تستعمل الأوراق في تسقيف المنازل وعمل الأسيجة وأكشاك الظل ، والسلال وفي عمل حشوات جيدة (الكارينة) للكراسي ، كما يدخل في صناعة الورق تستخدم الثمار في صناعة السكر الأبيض (سكروز) والعسل الأسود (الدبس) ، تستخدم الأزهار في صناعة ماء اللقاح المعروف والمنتشر في دول الخليج ، تستخدم أوراق وجذوع وبقايا تقليم النخيل في الوقود وعمل السماد البلدي. و للتمر العديد من المنافع والاستخدامات الطبية : القضاء علىالإمساك ، معالجة البواسير ، معالجة التهاب القولون ، الوقاية من مرض السرطان ، علاج ارتفاع ضغط الدم ، يعالج التسمم الغذائي ، يعالج مرض البلاجرا ، يعالج حساسية الجلد ، يستخدم في علاج الدوار ( أنظر : نظمي خليل أبو العطا ، آيات معجزات من القرآن وعالم النبات ) .

: هو أول شجرة استقرت على وجه الأرض، وهي شجرة مباركة لا توجد في كل مكان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكرموا عماتكم النخل"(1). وإنما سميت عمتنا لأنـها خلقت من فضلة طينة آدم عليه السلام، ولأنـها تشبه الإنسان من حيث استقامة قدها وطولها وامتياز ذكرها من بين الاناث، واختصاصها باللقاح(2)، ورائحة طلعها كرائحة المني. ولطلعها غلاف كالمشيمة التي يكون الولد فيها. ولو قطع رأسها ماتت، ولو أصاب جمارها آفة هلكت. والجُمار(3)
__________
(1) قال صلى الله عليه وسلم " أكرموا عمتكم النخلة، فإنـها خلقت من فضلة طينة أبيكم آدم " ، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم ابنة عمران، فأطعموا نساءكم الولد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر . رواه أبو نعيم والرامـهرمزي في الأمثال عن على مرفوعا، وأخرجه أبو يعلى في مسنده عن ابن عباس، لكن بلفظ نزلت بدل ولدت، وبلفظ فإنـها خلقت من الطين الذي خلق منـه آدم، وليس من الشجر يلقح غيرها، ، وأخرجه عثمان الدارمى بلفظ أطعموا نفساءكم الرطب، فإن لم يكن رطب فالتمر، وهي الشجرة التي نزلت مريم ابنة عمران تحتها، وفي سنده ضعف وانقطاع، وفي <صفحة 195> خبر مَن كان طعامـها في نفاسها تمرا جاء ولدها حليما، ورواه في الإصابة بلفظ أكرموا عمتكم النخلة فإنـها خلقت من الطينة التي خلق منـها آدم، قال : وفي سنده ضعف وانقطاع انتهى . وقال في الدرر رواه أبو يعلى وأبو نعيم عن ابن عباس بسند ضعيف بلفظ أكرموا عمتكم النخلة، فإنـها خلقت من الطين الذي خلق منـه آدم، وفي لفظ لهما عن ابن عباس أيضا بلفظ : أكرموا النخلة فإنـها خلقت من الطين الذي خلق منـه آدم . .
(2) اللقاح : تأبير النخل أي نثر حبوب اللقاح من الشماريخ التي تحمل أزهاراً مذكرة على الشماريخ التي تحمل أزهار مؤنثة واسم العمل الإبارة ( النباتات في القرآن ، جمال الدين حسين ، مكتبة الأنجلو ، ص 34 ).
(3) يؤكل جمار النخل فيمد الانسان بالسكريات والدهن والبروتين ، والأملاح
المعدنية والفيتامينات والألياف ويستعمل فى ذلك جمار الأشجار المذكرة أو التى أسقطتها الرياح،ويجب عدم قطع النخلات الاناث من أجل جمارهالأن فى ذلك هلاك لثروة النخيل

من النخلة كالمخ من الإنسان، وعليها الليف كشعر الإنسان، وإذا تقاربت ذكورها وإناثها حملت حملاً كثيراً لأنـها تستأنس بالمجاورة. وإذا كانت ذكورها بين إناثها ألقحتها بالريح، وربما قطع إلفها من الذكور فلا تحمل، لفراقه، وإذا دام شربها للماء العذب تغيرت، وإذا سقيت الماء المالح أو طرح الملح في أصولها حسن ثمرها. ويعرض لها أمراض مثل أمراض الإنسان.منـها الغم، وعلاجه أن يقطع من أسفلها قدر ذراعين ثم تخلل بالحديد. والعشق: وهو أن تميل شجرة إلى أخرى ويخف حملها وتهزل، وعلاجها أن يشد بينـها وبين معشوقها الذي مالت إليه بحبل أو يعلق عليها سعفة منـه، أو يجعل فيها من طلعه.
ومن أمراضها منع الحمل، وعلاجه أن تأخذ فأساً وتدنو منـها وتقول لرجل معك: أنا أريد أن أقطع هذه النخلة لأنـها منعت الحمل، فيقول ذلك الرجل: لا تفعل فإنـها تحمل في هذه السنة، فتقول: لا بد من قطعها. وتضربها ثلاث ضربات بظهر الفأس، فيمسكها الآخر ويقول: بالله لا تفعل فإنـها تثمر في هذه السنة فاصبر عليها ولا تعجل وإن لم تثمر فاقطعها. فتثمر في تلك السنة وتحمل حملاً طائلاً.

ومن أمراضها: سقوط الثمرة بعد الحمل وعلاجه أن يتخذ لها منطقة من الأسرب فتطوق بـه فلا تسقط بعدها، أو يتخذ لها أوتاداً من خشب البلوط ويدفنـها حولها في الأرض. ومن عجيب أمرها أنك إذا أخذت نوى تمر من نخلة واحدة وزرعت منـها ألف نخلة، جاءت كل نخلة منـها لا تشبه الأخرى. قال صاحب كتاب الفلاحة(1): إذا نقعت النوى في بول البغل وزرعت منـها ما زرعت جاءت نخله كلها ذكوراً، وإن نقعت النوى في الماء ثمانية أيام وزرعته جاء بسره كله محمراً؛ وإن نقعت النوى في بول البقر أياماً وجففته ثلاث مرات وزرعته جاءت كل نخلة تحمل حملاً قدر نخلتين، وإذا أخذت نوى البسر الأحمر وحشوته في ثمر الأصفر وزرعته جاء بسره أصفر، وكذلك بالعكس، وكذلك فلاحة النوى المتطاول والنوى المدور.
وكيفية غرسه أن تجعل طرف النوى الغليظ مما يلي الأرض وموضع النقير إلى جهة القبلة.
وحكي أن بعض الرؤساء أُهدي له عذق واحد فيه بسرة حمراء وبسرة صفراء. وحكي أن قرية بنـهر معقل كانت نخلها تخرج الطلع(2) في السنة مرتين. وحكي أن بالسكن من أعمال بغداد نخلة تخرج كل شـهر طلعة واحدة على ممر السنين. وكان في بستان(3) ابن الخشاب بمصر نخلة تحمل أعذاقها، في كل عذق بسرة، نصفها أحمر ونصفها أصفر، والأعلى أحمر، والأسفل أصفر؛ والعذق الآخر بالعكس: الفوقاني أصفر والتحتاني أحمر.
__________
(1) الفلاحة : هي النظر في النبات من حيث تنميته ونشوئه بالسقي والعلاج وتعهده بمثل ذلك ( مقدمة ابن خلدون واللسان 5 / 3458 ) .
(2) الطلع : أعضاء التذكير في الزهرة .
(3) البستان : الحديقة وهي فارسية معربة من بو : الرائحة و ستان : المكان ( اللسان 1 / 279 ) .

وعن بعض ملوك الروم أنـه كتب إلى عمر بن الخطاب(1) رضي الله عنـه: قد بلغني أن ببلدك شجرة تخرج ثمرة كأنـها آذان الحمر، ثم تنشق عن أحسن من اللؤلؤ المنظوم، ثم تخضر فتكون كالزمرد، ثم تحمر وتصفر فتكون كشذور الذهب. وقطع الياقوت، ثم تينع فتكون كطيب الفالوزج، ثم تيبس فتكون قوتاً وتدخر مؤونة، فلله درها شجرةً وإن صدق الخبر فهذه من شجر الجنة. فكتب إليه عمر رضي الله عنـه: صدقت رسلك، وإنـها الشجرة التي ولد تحتها المسيح وقال: إني عبد اللّه فلا تدع مع اللّه إلهاً آخر .
__________
(1) عمر رضي الله عنـه ( 40 ق هـ - 23 هـ) هو عمر بن الخطاب بن نفيل ، عبد العزَّى القرشي العدوي ، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة ( 40 عام قبل الهجرة ) أبو حفص الفاروق . عُرف في شبابه بالشدة والقوة ، وكانت له مكانة رفيعة في قومـه اذ كانت له السفارة في الجاهلية فتبعثه قريش رسولا اذا ما وقعت الحرب بينـهم أو بينـهم و بين غيرهم وأصبح الصحابي العظيم الشجاع الحازم الحكيم العادل ، صاحب رسول الله صلي الله علية وسلم ، وأمير المؤمنين ، ثاني الخلفاء الراشدين . كان النبي صلي الله عليه وسلم يدعو الله ان يعز الإسلام بأحد العمرين ، فاسلم وهو . وكان إسلامـه قبل الهجرة بخمس سنين ، فأظهر المسلمون دينـهم . ولازم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان أحد وزيريه ، وشـهد معه المشاهد . بايعه المسلمون خليفة بعد أبي بكر ، ففتح الله في عهده اثنا عشر ألف منبر. وضع التاريخ الهجري . ودون الدواوين . قتله أبو لؤلؤة المجوس وهو يصلي الصبح .[ الأعلام للزركلي 5/204 ؛ وسيرة عمر بن الخطاب للشيخ علي الطنطاوي] .

ووصف خالد بن صفوان(1) النخل فقال: هي الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، الملقحات بالفحل، المعينات كشـهد النحل، تخرج أسفاطاً(2) غلاظاً وأوساطاً كأنـها ملئت حللاً ورياطاً(3)، ثم تنشق عن قضبان لُجَيْن(4) وعسجد(5) كالشذر المنضد، ثم تصير ذهباً أحمر بعد أن كانت في لون الزبرجد. ومن خواص النخلة أن مضغ خوصها يقطع رائحة الثوم وكذلك رائحة الخمر. شعر:
كأن النخيل الباسقات وقد بدت ... لناظرها حسناً قباب زبرجد
وقد علّقت من قلبها زينةً لها ... قناديل ياقوتٍ بأمراس عسجد
__________
(1) خالد بن صفوان ابن الأهتم. العلامة، البليغ، فصيح زمانـه أبو صفوان المنقري، الأهتمي، البصري. وقد وفد على عمر بن عبد العزيز..
(2) أسفاطاً : جمع سفط وهو الوعاء ( القاموس المحيط 2 / 362 ) .
(3) الريط : كلُّ ثوبٍ لَيِّنٍ رَقيقٍ ( القاموس المحيط ، ريط ) .
(4) اللجين : الفضة الخالصة ( اللسان 5 / 4002 ) .
(5) العسجد : الذهب ، وقيل هو اسم جامع للجوهر كله من الدر والياقوت ( اللسان 4 / 2937 ) .

النارجيل(1): وهو الجوز الهندي، زعم أهل اليمن(2)
__________
(1) النارجيل : من فصائل النخيل وفي الوطن العربي تشتهر بزراعتها محافظة ظفار في سلطنة عمان وذلك دون سواها من مناطق السلطنة الأخرى، وذلك نظرا لطبيعة جوها وموقعها المطل على المحيط الهندي. وتتميز هذه الشجرة العريقة بأنـها مصدر غذاء للإنسان بما تجود بـه من ثمار جوز الهند ومصدر دخل للمزارعين الذين يهتمون بزراعتها والمحافظة عليها، فمنـها يحصلون علي الزيت وعلى الجذوع لبناء المنازل والقوارب وعلى الليف لصناعات نسيجية مختلفة تتشابه كثيرا مع المنتجات المختلفة التي توفرها أشجار النخيل التي تتميز بها مناطق السلطنة الأخرى. كما تتميز هذه الشجرة بأن انتاجها مستمر على مدار العام وليست موسمية كباقي الأشجار ، جوز الهند له فوائد جمـه وعظيمة منـها أنـه علاج لمرض الكلى وذلك لأن الماء الذي يشربه الشخص من جوز الهند يقوم بغسل الكلية والمسالك البوليه، وهو ايضاً علاج لمرض الربو. كما أن القشر الداخلي والذي يسمى "بالنارجيل" يستفاد منـه بعد تفتيته في وصفات الطبيخ وفي صنع الحلويات أو وضعه عليها وأنواع الشوكولاته وغيرها، وهو مساعد فعال في إنقاص الوزن بشكل طبيعى دون اللجوء إل اتباع نظام غذائى خاص ، ومفيد لاضطرابات الجهاز الهضمى مثل داء كرون والتهاب القولون ، ومضاد لطفيليات الأمعاء ، يساعد في علاج مرض الربو ، مجدد للطاقة في جسم الإنسان لاحتوائه على سلسلة من ثلاثى الجلسريد ، غنى بحمض اللوريك وهذا الحمض مضاد للفيروسات والبكتريا .
(2) تعدد اسم اليمن في كتب التاريخ فهي عند قدماء الجغرافين " العربية السعيدة "وفي العهد القديم " التوراة " يذكر اليمن بمعناه الاشتقاقي اي الجنوب و ملكة الجنوب (ملكة تيمنا) وقيل سميت اليمن باسم (ايمن بن يعرب بن قحطان). وفي الموروث العربي و عند اهل اليمن انفسهم ان اليمن اشتق من " اليمن " اي الخير و البركة و تتفق هذه مع التسمية القديمة " العربية السعيدة " وقال آخرون سمي اليمن يمنا لانـه على يمين الكعبة و العرب يتيامنون و الجهة اليمنى رمز الفأل الحسن و لايزال بعض اهل اليمن يستعملون لفظة الشام بمعنى الشمال و اليمن بمعنى الجنوب و تسمى اليمن اليوم " الجمـهورية اليمنية " تقع اليمن في جنوب غرب قارة آسيا,في جنوب شبه الجزيرة العربية ويحدها من الشمال المملكة العربية السعودية ومن الجنوب البحر العربي وخليج عدن ومن الشرق سلطنة عمان ومن الغرب البحر الأحمر ، وتوجد لدى اليمن عدد من الجزر اليمنية تنتشر قبالة سواحلها على امتداد البحر الأحمر والبحر العربي وأكبر هذه الجزر جزيرة سقطرى والتي تبعد عن الساحل اليمني على البحر العربي مسافة 150كيلو متر تقريبياً.

والحجاز(1) أن شجر النارجيل هو شجر المقل، لكنـها أثمرت نارجيلاً لطيب قاع التربة والأهوية. وأجوده الطري ثم جديد عامـه الأبيض. وهو حار يابس يزيد في الباه وقوة الجماع وينفع من تقطير البول، ودهن العتيق منـه ينفع البواسير والريح ويقتل الدود شرباً، ولبن الطري منـه كثير الحلاوة، وليفه يتخذ منـه حبال للسفن.
__________
(1) الحجاز : حجز بين نجد وتهامة ، فيها مكة المكرمة ، والمدينة المنورة ، وجدة ، والطائف ، وخيبر ، وفدك ، وتبوك ( ياقوت ، معجم 2 / 219 ) .

الإجاص(1) والقراصيا(2): هما أخوان كالمشمش والخوخ الزهري، والإجاص نوعان: أحدهما يستعمل في الأدوية وأصغر منـه، وهو الذي يقال له الخوخ التلباشري، وهو أحلى من الأول. والقراصيا أيضاً نوعان. أحدهما البرقوق وهو حلو أغبر والآخر أسود حامض. قال صاحب كتاب الفلاحة: من أراد أن يكون
__________
(1) الإِجَّاص : بالكسر مُشَدَّدةً: ثَمَرٌ. دخِيلٌ، لأنَّ الجيمَ والصادَ لا يَجْتَمِعَانِ في كلمةٍ، الواحِدَةُ ( القاموس المحيط ، الإجاص )، وأصل ومنشأ الإجاص آسيوي وتحديدا ًمن الصين ، وقد عرفه القدماء الإغريق والرومان ، وينبت منـه حوالي اكثر من خمسين نوعاً ، يستعمل الإجاص في نظام الاكل الخاص بإنقاص الوزن فيبطئ حركة الامعا وبذلك تبقى الوجبة وقتاً اكبر بالأمعاء ، وبسبب تأخير التفريغ يشعر الانسان بالامتلاء فلا يطلب طعاماص ووجبات اكثر ، يُستعمل الاجاص مع المعالجات الخاصة بالامراض النفسية ، توتر ، فصام ، قلق ، إحباط ، وغيرها ، وهو مـهدئ نفسي ، يعالج امراض الامعاء الغليظة ( القولون ) وينشط المعدة ويمنع قبوضة المعدة والإكتام ، ويفتح الشـهية ، يكسر العطش ويمنع الغثيان والقئ ، منشط للكبد ، يدر إفراز الصفراء من المرارة ، يعالج الالتهاب الوبائي للكبد ، يدر البول ، يفتت الحصى والرمل ، وذلك لاحتوائه على البوتاسيوم ، تساعد على التئام الجروح والجراحات بعد العمليات
(2) وتُطلق القراصيا على البرقوق المجفف والتي تصل نسبة الرطوبة فيه من 15 الى 25 % حسب الأصناف وطريقة التجفيف ومدتهمنـه حامض ومنـه عفص والحلو حار رطب ينحدر على المعدة سريعا ويثير التخم ويرؤخي المعدة واذا اكل اسهل البطن ولين الطبيعه وهو نافع للمعدة البلغمية المملوءة فضولا لأنـه يجفف وان استعمله القراصيا رطبا لين البطن وان استعمل يابسا امسك البطن وجميع القراصيا اذا خلط ب ممزوج بماء ابرا السعال وهو يحسن اللون ويحد البصر وينـهض الشـهوه وان شرب باللبن وحده نفع من بـه حصى .

بلا نوى فليشق أسافل قضبانـها شقاً متوسطاً وقمت غرسهما، وليخرج من أجوافهما مخهما، وهو صوفة وسط القضيب، إخراجاً بلطف ويضم بعضها إلى بعض ويربطهما بشيء من الحشيش أو البردي(1) ، ويغرسهما مع بصل العنصل فإنـهما يثمران ثمراً بلا نوى. وكذلك يفعل بالرمان فيخرج حبه بلا نوى.
__________
(1) البردي : Papyrus : نبات مائي انتشر في مناقع الدلتا وضفاف القنوات ، استعمله المصريون في عديد من الأغراض أهمـها صناعة الورق لتسجيل احداثهم وعلومـهم وآدابهم ، حمله الفينيقيون الى شعوب العالم عن طريق ثغر بيبلوس واشتق الاغريق من اسم الثغر اسما اطلقوها على الكتاب " بيبليون " وعلى دار الكتب بيبليوتيك ( الموسوعة الثقافية ، كتاب الشعب ، مؤسسة دار الشعب ، القاهرة ، 1972 م ) وفي الطب الإسلامي كان رماد البردي يوضع فوق الجروح ل.تجفيفها ، وكان يعالج قرحة الفم ويُخلط بالخل لعلاج نزف الأنف (الطب القديم ، ص 14 ) .

العناب(1): منـه بري ومنـه بستاني. وهو كثير الحمل، ولشجره شوك. ومتى أحرق في أصله شيء من شجر الجوز حمل حملاً كثيراً، وكذلك إن أحرق في أصل الجوز شجر العناب. وهو معتدل بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ينفع من حدة الدم لتغليظه له، وينفع الصدر والرئة ويحبس الدم. والماء المطبوخ فيه العناب نافع، فإنـه يبرد ويرطب ويسكن الحدة واللذعة والذي في المعدة والأمعاء والسعال عن حرارة، ويلين خشونة الصدر والحنجرة إلا أنـه يولد بلغماً، وهو عسر الهضم قليل الغذاء.
__________
(1) العناب : شجر شائك يصل طوله إلى حوالي 8أمتار أوراقه مستطيلة غير حادة التسنن وعناقيد من الأزهار الصفراء المخضرة وثمرته بيضوية بنية إلى محمرة وأحيانا سوداء تشبه الزيتونة لذيذة الطعم ولبها أبيض هش. ويعرف العناب علمياً باسم zizyphus vulgaris من الفصيلة السدرية وموطنـه الأصلي الصين واليابان ويزرع في الصين منذ أربعة آلاف سنة ويعتبر من فواكه أهل الصين المفضلة وله قيمة غذائية جيدة، ويزرع في جنوب شرق آسيا، وفي نيوزيلندا ويعيش في المناطق الحارة وشبه الحارة ويحتوي العناب على صابونينات وفلافويندات وسكريات وهلام وفيتامينات أ،ب2، ج ومعادن هامة مثل الكالسيوم والفوسفور والحديد وهو مفيد لأمراض الحلق ومسكن ومـهدئ ومكافح للسعال ونافع للصدر وهو يزيد في الوزن ويحسن قوة العضلات ويزيد الاحتمال وفي الطب الصيني يوصف العناب كمقو للكبد ويعطى لخفض الهيوجية والتململ

الزيتون(1): نوعان: منـه بستاني وبري، والبري هو الأسود، وشجرته مباركة لا تنبت إلا في البقاع الشريفة الطاهرة المباركة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن آدم وجد ضرباناً في جسمـه ولم يعهده؛ فشكا إلى الله عز وجل فنزل عليه جبريل بشجرة الزيتون فأمره أن يغرسها ويأخذ من ثمرها ويعصره ويستخرج دهنـه، وقال له: إن في دهنـه شفاءً من كل داء إلا السام(2)؛ ويقال إنـها تعمر ثلاثة آلاف سنة.
__________
(1) الزيتون Olive : هي شجرة مستديمة الخضرة جميلة المنظر يصل ارتفاعها الى عشرين متراً ولها صفات خاصة تميزت بها عن باقي الأشجار فمن اخشابها صنعت المحاريب واقيمت اعواد المنابر ومن اوراقها صنعت اكاليل الأبطال واتخذت اغصانـها رمزا للسلام والخير والوفاء ومن زيتها مادة للإنارة وطعام طيب وشفي يستطب بـه لعلاج الأمراض وثمار الزيتون ذلت قيمة غذائية عالية فهي تحتوي 16% مواد كربوهيدراتية و 1,5 % بروتين ونسبة عالية من الدهن 13,5 % وتتميز بوجود عنصر الصوديوم وكذلك البوتاسيوم والنحاس والفسفور وهو خال من الحديد لاضافة الى انـه غني بفيتامين أ ويستخرج من الثمار زيت الزيتون ذو الفوائد العديد ؛ فهو يفيد الجهاز الهضمي عامة والكبد خاصة ويفضل كافة أنواع الدهون النباتية والحيوانية ولا يسبب امراضا للدورة الدموية او الشرايين كغيره من الدهون كما انـه ملطف للجلد ويجعله ناعم الملمس ويدخل زيت الزيتون في العديد من الأغراض الصناعية والغذائية ، كما يدخل في تركيب أجود أنواع الصابون .
(2) السام : الموت .

ومن خواصها أنـها تصبر على الماء طويلاً كالنخل، ولا دخان لخشبها ولا لدهنـها وإذا لقط ثمرتها جنب فسدت وقل حملها وانتثر ورقها؛ وينبغي أن تغرس في المدن لكثرة الغبار، فإن الغبار كلما علا على زيتونـها زاد دسمـه ونضجه. وإذا دققت حولها أوتاداً من شجر البلوط قويت وكثرت ثمرتها؛ وإذا علق من لسعه شيء من ذوات السموم من عروق شجر الزيتون برأ لوقته؛ وإذا أخذ ورقة ودق وعصر ماؤه على اللدغة منع سريان السم، وكذلك من سقي السم وبادر إلى شرب عصارة ورقها لم يؤثر فيه السم.
وإذا طبخ ورقها الأخضر طبخاً جيداً ورش في البيت هرب منـه الذباب والهوام، وإذا طبخ بالخل وتمضمض بـه نفع من وجع الأسنان؛ وإذا طبخ بالعسل حتى يصير كالعسل وجعل منـه على الأسنان المتآكلة قلعها بلا وجع. ورماد ورقها ينفع للعين كحلاً ويقوم مقام التوتيا. وصمغها ينفع من البواسير إذا ضمد به. وإذا نقع ورقها في الماء وجعل فيه الخبز فإذا أكله الفأر مات لوقته. وصمغ الزيتون البري ينفع من الجرب والقوباء ووجع الأسنان المتآكلة إذا حشيت به. وهو من الأدوية القتالة .
والزيتون المملوح يقوي المعدة ويضر بالرئة. والأسود منـه يورث سهراً وصداعاً وخلطاً سوداوياً. والخل يكسر نصف شره. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالزيت فإنـه يسهل المرة، ويذهب البلغم، ويشد العصب ويمنع الغثي ويحسن الخلق، ويطيب النفس ويذهب الهم. وقال صلى الله عليه وسلم: كلوا الزيت وادهنوا به، فإنـه يخرج من شجرة مباركة. وهو حار رطب موافق لوجع المفاصل وعرق النسا، ويسهل مع ماء الشعير(1) شرباً ويتقيأ بـه مع الماء الحار فيكسر عادية المسوم لذغاً وشرباً.
__________
(1) الشعير : نبات عشبي حولي من الفصيلة النجيلية، وتزرع منـه أنواع كثيرة منـها الشعير الأجرد أو السلت وهو يشبه القمح. ويعتبر الشعير أقدم مادة استعملها الإنسان في غذائه، وقد جاء ذكر الشعير ضمن الحبوب في القرآن.

وزيت الزيتون البري: ينفع من الصداع واللثة الدامية مضمضةً، ويشد الأسنان المتحركة. ونواه يبخر بـه لأوجاع الضرس وأمراض الرئة. وقد قيل في الزيتون:
أنظر إلى زيتوننا ... فهو شفاء المـهج
بدا لنا كأعين ... قد كحلت بالدّعج(1)
مخضرّة زبرجد ... مسودّة من سبج
التمر هندي(2): هو ألطف الإجاص وأقل رطوبة، وأجوده الجديد الطري. وهو بارد يابس، يسهل المرة الصفراء ويمنع حدتها ويطفئها وينفع من القيء والعطش ومن الحميات والغثي والكرب، إلا أنـه يضر بالصدر وأصحاب السعال.
الغبيراء: خشبها أصبر من كل خشب على الماء، كالأرز والتوت. وزهرتها إذا شمتها المرأة هاجت بها شـهوة الجماع حتى تطرح الحياء. والتنقل بثمرها يبطئ السكر ويحبس القيء وينفع من إكثار البول.
__________
(1) الدعج : السواد ، وقيل شدة السواد ، وقيل الدعج شدة سواد سواد العين وشدة بياض بياضها مع سعتها .
(2) التمر هندي : من الفصيلة البقلية، أشجاره ضخمة تنمو بالمناطق الحارة، والثمرة عبارة عن قرن مبطط منحن قليلاً، وله قشرة رقيقة بداخلهابني لحمي حمضي المذاق يعمل من منقوعه بارد منعش في فصل الصيف. ملين خفيف، ومن المستحسن شربه على الإفطار للصائمين. يستعمل مغلياً كالشاي ضد الحميات. يحضر مركب من نقيعه في الحليب بنسبة 1 ـ 4 ويسمى مصل التمر الهندي، يفيد في إزالة الحموضة الزائدة في الجسم

الخوخ(1): هو أخو المشمش ومشاكل له في كل أموره إلا في البقاء، فإن المشمش أطول عمراً منـه لأن الخوخ أكثر ما يحمل أربع سنين، والحر والبرد يهلكه. وهو نوعان: شعري وزهري. قال صاحب كتاب الفلاحة: إذا أخذ القضيب من شجر الخوخ ونقع في بول انسان سبعة أيام ثم تثقب شجرة الصفصاف ثقباً نافذاً متسعاً بحيث يدخل فيه قضيب القصب وتدخل القضيب في ذلك الثقب حتى يخرج من الجانب الآخر، ثم تطين الموضع المثقوب وتقطع ما فضل من القضيب من الجانبين، بعد ذلك بسبعة أيام، فإنـه يثمر ثمراً بلا عجم.
__________
(1) الخوخ : عباره عن ثمره موسميه و يسمى أيضاً البرقوق في المغرب العربي أكبر حجما من المشمش قليلا ويطلق عليها اسم محلي بمنطقة عسير وخصوصا ببلاد الماوين ببلحمر حيث تشتهر تلك المنطقه بهذه الثمره بجودتها واسمـها المحلي ( فركس ) ومنـه نوعان النوع الاول يسمى (زغادي ) وهو لين نسبيا ويمتاز بكثرة العصاره داخله وهي تشبه في طا المنقا الهندي نسبيا واما النوع الثاني يطلق عليه اسم ( الفدري ) وهذا النوع يختلف في تكوينـه الداخلي عن النوع الاول حيث يمتاز بتماسكه داخليا وكل ما زاد اللون الداخلي للاحمر كان افظل في نوعيته وايضا تكون البذره الداخليه له ذات رائحه عطره مستمره ، يحمي أيضا من أمراض القلب ويخفف كمية الكولستيرول يساعد على تنشيط المعدة و يساعد على الهضم ، يساعد على إزالة حصى المثانة والبول الدموي

وإذا أردت تلوين ثمرتها فشق النواة فإن أردت لونـها أحمر فضع في النواة زنجفراً مسحوقاً ناعماً. وإن شئت أصفر فزعفراناً، وإن شئت أخضر فزنجاراً. وإن أردت أزرق فلازورداً ونيله، وإن شئت أبيض فاسفيداج، ثم ترد قشرة النواة على القلب رداً موافقاً وتغطيها وتزرعها فإن ثمرتها تجيء على اللون الذي وضعت فيه النواة بلا مغايرة. وإذا حفرت أصل الشجرة في أول كانون وثقبته وجعلت فيه قصبة من قصب السكر ثم تتركها خمسة أيام ثم تسقيها فإنـها تحمل حملاً حلواً، وكذلك طعم نواه. وخاصية ورق الخوخ أنـه يقطع رائحة النورة من الجسد إذا سحق ناعماً ووضع في الدلو مع ماء الليمون والشيرج. ويقتل الدود الذي في باطن الإنسان إذا طليت بـه السرة ويقتل دود الأذن إذا قطر فيه من عصارتها.
والخوخ بارد رطب وهو يزيد في الباه ويضر بالمبرودين ويشـهي الطعام ولا يحمض في المعدة، بخلاف المشمش.

المشمش(1): هو شجر يسرع إليه الفساد، عسر النشوء، إلا أنـه إذا نبت طال مكثه، قال صاحب كتاب الفلاحة: من أراد أن تعظم هذه الشجرة عنده فلينزع أكثر ثمرتها عند أول نشئها وحملها، ولا يترك عليها من الحمل إلا شيئاً قليلاً في أغصان قوية منـها. وهي تشبه الخوخ في جميع أحواله وإن فعلت بها جميع ما ذكرته في الخوخ من الألوان والأصباغ قبلت ذلك. وإن أردت المشمش بلا نوى فاقطع وسط ساق شجرتها حتى تبلغ قلبها ثم اضرب في ذلك الموضع وتداً من خشب بلوط، فإن تلك الشجرة تحمل مشمشاً بلا نوى، ومتى ركبت اللوز في المشمش اكتسبت من ط وحلاوته.
__________
(1) المشمش : شجرة مثمرة ذات حجم متوسط يتراوح طولها بين 8 و12 مترا أوراقها ذات شكل قلبي مع أطراف مدببة. طول الأوراق يصل لـ8 سم وعرضها بين الـ3 و4 سم. تسقط أوراقها في الخريف وتزهر في الربيع وفي الصيف تنضج ثمار المشمش. أزهارها ذات لون أبيض مائل إلى الوردي. تبدو ثمارها شبيهة بثمار الخوخ والنكتارين حيث لون المشمش يكون أصفرا أو برتقاليا عليه مسحة حمراء. لثمرة المشمش نواة واحدة والموطن الأصلي للمشمش هو الصين وقال ابن سينا عنـه «المشمش يسكن العطش، وإذا أكل يجب أن يؤخذ مع اليانسون والمصطكى، لأنـه يولد الحميات بسرعة تعفنـه ودهن نواه ينفع من البواسير، ونقيع المقدد من المشمش ينفع من الحميات الحارة» وأما ابن البيطار «هي ثمرة رطبة تجانس الخوخ إلا أنـه أفضل من الخوخ، وهو يسهل الصفراء ويولد خلطا غليظا، يذهب بالبخر من حر المعدة ويبردها تبريدا شديدا، ويلطفها ويقمع الصفراء والدم وينبغي أن يتجنبه من يعتريه الرياح ومن يسرع اليه الجشاء الحامض. وأما اصحاب المعدة الحارة والعطش فينتفعون به»

وأما خاصيته فعن أنس بن مالك (1) رضي الله عنـه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبياً من الأنبياء بعثه الله إلى قومـه وكان لهم عيد يجتمعون فيه في كل سنة، فأتاهم النبي في ذلك اليوم ودعاهم إلى الله تعالى فقالوا: إن كنت صادقاً فادع لنا ربك يخرج لنا من هذا الخشب اليابس ثمرةً على لون ثيابنا، وكانت ألوانـها مزعفرة، ونحن نؤمن لك. فدعا ذلك النبي ربه عز وجل، فاخضر الخشب وأورق وأثمر بالمشمش الأصفر، فمن أكل منـه ناوياً للإيمان وجد نواه حلواً، ومن أكل على نية أن لا يؤمن وجد نواه مراً .
وورقها إذا مضغ أزال وجع الضرس. والمشمش بارد رطب ورطبه سريع العفونة يولد الحميات بسرعة ويبرد المعدة ويفسد الطعام الذي في المعدة، وقديده إذا نقع أزال الحميات، ونواه إذا نقع وأكل أحدث غشياً وكرباً وغثياناً. ودهنالمر منـه له منافع.
حكي أن طبيباً مر برجل يغرس شجر المشمش. فقال له ما تصنع ؟ قال: أعمل لي ولك. قال الطبيب: كيف ذلك ؟ قال أنتفع أنا بالثمرة وثمنـها، وتنتفع أنت بمرض من يأكلها.
__________
(1) أنس بن مالك بن النَّضر الخزرجي الأنصاري ( 10ق ه ـ 93 هـ ) صحابي جليل، ولد بالمدينة، وأسلم صغيراً وكناه الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - بأبي حمزة. خدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بيته وهو ابن 10 سنين. دعا له - صلى الله عليه وسلم -
«اللهم أكثر ماله وولده وبارك له ، وأدخله الجنة» فعاش طويلا، ورزق من البنين والحفدة الكثير. روى كثيرا من الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ الأعلام للزركلي ؛ والإصابة ؛ وطبقات ابن سعيد ؛ وتهذيب ابن عساكر 3/199 ؛ وصفة الصفوة 1/298 ].

التفاح(1): هو أصناف، حلو وحامض وعفص ومز، ومنـه ما لا طعم له. وهذه الأصناف في التفاح البستاني. وذكر أن بأرض اصطخر تفاحاً، نصف التفاحة حامض ونصفها حلو.
ومتى ركب التفاح في الرمان يحمر ويحلو، ومتى صب في أصله أو في أصل الدراقن بول الإنسان احمر ومتى غرس أصلها ورد أحمر يحمر.
__________
(1) التفاح Apple : هو أحد أنواع الفاكهة الشائعة، يعتقد أن الموطن الأصلي لشجرة التفاح هي أسيا الوسطى وبالتحديد كازخستان حيث لا زالت هناك بقايا من غابات التفاح على شكل أشجار تفاح برية في المناطق الجبلية. يساعد علي الهضم ويزيل النفايات من الكبد وهو مصدر غني فيتامين ج والألياف. وقشرته قليلة السعرات الحرارية وغنية بسكر فركتوز الذي يضبط سكر الدم ويمدنا بالطاقة. يعالج التفاح مشاكل الجلد والتهاب المفاصل وهو قابض في الإسهال وملين ومدر للبول. بـه سكريات وصوديوم. وينظم الجهاز الهضمي ويمنع الإمساك ويوقف والنقرس والروماتيزم ويمنع تكوين الحصوات المرارية وينظف الأسنان ويفيد في حموضة المعدة أثبت التفاح قدرته على تقليل مخاطر سرطان القولون والبروستات والرئة، كما يساعد في علاج أمراض القلب وتخفيض الكوليسترول وتخفيض الوزن، بالإضافة إلى قدرته على حماية المخ من مرض الشيخوخة(الزهايمر). كما أثبت خبراء التغذية أن تناول الصنفين الغذائين التفاح والسمك فقط يومياً كفيل بخسارة الوزن الزائد مع الإبقاء على الجسم صحياً طيلة شـهر كامل.

ومتى صب في أصل الشجرة من التفاح بول أمره برئت من سائر أمراض الشجر ومتى غرس في أصلها العصفر أو حولها لم تدود ثمرتها. ومتى أردت أن تكتب على التفاح الأحمر بالأبيض فاكتب عليها وهي خضراء بالمداد. لا إله إلا الله، أو ما شئت، وتركته إلى أن يحمر ثم مسحت المداد فتخرج الكتابة وما تحتها أبيض ليس بـه حمرة. وكذلك إذا قطعت ورقة ورسمت فيها ما شئت من النقوش، وألصقتها على التفاح قبل احمراره تجد النقش بعد الاحمرار أبيض، وإذا قل ثمرها وانتثرت زهرتها أو ورقها فعلق عليها صحيفة من رصاص وأرخها حتى يبقى بينـها وبين الأرض شبر، وإذا خرجت الثمرة وصلحت فارفع عنـها الصحيفة.
خاصية هذه الشجرة: عصارة ورقها تسقى لمن سقي السم أو نـهشته حية أو لدغته عقرب، مع حليب ماعز، فلا يؤثر فيه السم ولا النـهشة ولا اللدغة. وشم زهر التفاح يقوي الدماغ، وأجوده الشامي ثم الأصفهاني. والتفاح الحامض بارد غليظ مضر بالمعدة ومنسي الإنسان. ليس فيه نفع ظاهر. والحلو منـه معتدل الحرارة والبرودة. وشمـه وأكله يقوي القلب ويقوي ضعف المعدة وهو نافع من السموم وقشره رديء الجوهر مضر بالمعدة ولا يؤكل بقشره وكثرة أكله بقشره تحدث وجعاً في العصب. وإذا أردت أن التفاح يبقى مدة طويلة فلفه في ورق الجوز واجعله تحت الأرض أو في الطين.

الكمثرى(1): هو أنواع كثيرة وسائرها يبلغ عروقها الماء تحت الأرض. قال صاحب كتاب الفلاحة: ومن أحرق شيئاً من شجر الدلب وشجر اللوز بالسوية في أصول شجر الكمثرى، أخرج حملاً في غير أوانـه. ومن ركب الكمثرى على التين أخرج كمثرى حلواً لطيفاً دقيق البشرة سريع النضج. ومن أراد أن لا يقرب ثمرتها دود فليطل ساقها بمرارة البقرة. وزهره يؤثر في تقوية الدماغ. وأجوده الذكي الرائحة الكثير الماء الرقيق البشرة، الصادق الحلاوة، الشديد الاستدارة وهو بارد يابس، وأكثر الفاكهة غذاءً، سيما الحلو منـه. وحلوه ملين، وحامضه قابض جداً. وهو يقوي المعدة ويقطع العطش ويسكن الصفراء، إلا أنـه يحدث القولنج ويضر بالمشايخ. وإذا أدخل الغذاء منع بخار المعدة أن يترقى إلى الرأس، وهكذا الموز، وحبه يقتل دود البطن.
السفرجل: هو أصناف، حلو وحامض ومز وعفص. وهو حياة للنفس. قال صاحب كتاب الفلاحة: إذا أردت أن تتخذ تماثيل من السفرجل فخذ عوداً وانحته على أي تمثال أردت، ثم خذ من طين الفخار فلبسه لذلك القالب الذي عملته، ثم اتركه حتى يجف بعض الجفاف، ويكون القالب الذي وضعته في الفخار قطعتين، ثم تنزع العود المنحوت من القالب الفخار وتطبقه على السفرجلة وهي كالجوزة أو دونـها، وتعصبه بخرق من قطن عصباً وثيقاً وتشد خيطاً من العصابة إلى غصن آخر من فوق السفرجلة المذكورة بحيث لا تثقل فتسقط، فإذا بدا صلاح السفرجل فاقطع الخيط وحل العصابة وفك القالب تجد السفرجلة قد تكونت على الهيئة التي وضعتها من الصور والأشكال، وهو ما يحير العقل.
__________
(1) الكمثرى : تسمى أنجاص في سوريا ولبنان ، من الفواكه الشـهيرة وتستخدم لعلاج ضغط الدم في سن اليأس ( 50 –ى 60 سنة ) ولتصلب الشرايين وتزيل الترشيحات الناجمة عن أمراض القلب والكلى والكبد ( مقامات السيوطي ، ص 59 – 60 ) .

ورماد ورق السفرجل يفعل في العين فعل التوتياء، وكذلك رماد خشبه. ولزهره خاصية عظيمة عجيبة في تقوية الدماغ وتفريح القلب. وللسفرجل منافع كثيرة غير أن في ثفله قبضاً فينبغي أن يؤكل بلا ثفل.
روى يحيى بن طلحة عن أبيه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده سفرجلة، فألقاها إلي وقال: دونكها فإنـها تحيي الفؤاد وتنقية
وروى الفضل بن العباس(1) أنـه صلى الله عليه وسلم كسر سفرجلة وناول منـها جعفر بن أبي طالب(2)
__________
(1) الفضل بن العباس : ابن عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، الفضل بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ، وأمّه أمّ الفضل لُبابَة بنت الحارث ، وهو أكبر ولد العباس . غزا مع رسول الله مكّة وحُنيناً ، وثبت يومئذٍ مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين ولّى الناس منـهزمين . كان فيمن غسّل النبي ( صلى الله عليه وآله ) وشـهد كفنـه ودفنـه ودخل القبر مع الإمام علي ( عليه السلام ) . كان من جملة المخلصين في ولائهم للإمام علي ( عليه السلام ) ، ومن المعين عن حقه ( عليه السلام ) في الخلافة . توفّي في سنة 18 هـ في زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنـه . .
(2) جعفر بن أبي طالب (؟-8هـ) هو جعفر بن أبي طالب (عبد مناف) بن عبد المطلب بن هاشم ، أبو عبد الله ، صحابي هاشمي.من شجعانـهم،يقال له : جعفر الطيار، وهو من السابقين الى الإسلام،أسلم قبل أن يدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم ويدعو فيها ، وهاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية ، وكان خطيب القوم أمام ملك الحبشة،فلم يزل هناك الى أن هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - الى المدينة ، ثم جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - أمير الجيش إلى مؤتة بعد زيد بن حارثة فاستشـهد هناك - رضي الله عنـه - ، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .وعنـه ابنـه عبد الله ، وعمرو بن العاص،وابن مسعود، وغيرهم.[الإصابة 1/239، وأسد الغابة 1/341،والاستيعاب 1/242، وطبقات ابن سعد 4/34، وتهذيب التهذيب 2/98،والأعلام 2/118] .

وقال له: كل فإنـه يصفي اللون ويحسن الولد. ومن عجيب أمره أنـه إذا قطع بسكين نشف ماؤه وإذا كسر كان رطباً مائياً. وهو بارد يابس، يزهر اللون ويسر النفس ويدر البول ويمنع من القيء والحمى، ويسكن العطش ويقوي المعدة ويحبس نزف الدم. والحامل إذا دامت على أكله، سيما في شـهرها الثالث، كان ولدها حسن الوجه زكي الفهم ورائحته تقوي الدماغ والقلب. وإذا طبخ بالعسل نفع من عسر البول. والكثرة من أكله تولد القولنج والمغص ووجع العصب، وفي أكله بعد الطعام إطلاق للبطن، وإذا وضعت السفرجلة في موضع فيه أنواع الفواكه أفسدت الكل، وإذا أردت السفرجل أن يقيم زماناً فضعه على نشارة الخشب أو على التبن.

التين(1) : هو أصناف. قال صاحب كتاب الفلاحة إذا أردت غرسه فاجعل قضبان القصب في الماء المالح يوماً ثم اجعله تحت خثى البقر واغرسه فإن شجرته تطيب جداً وثمرته تنبل وتزكو حلاوتها، وإذا سقيتها ماء الزيتون لا يسقط من ثمرتها شيء. ومن عجيب أمر التين أن الطيور إذا أكلته وذرقته على الجدار الندي والأماكن الندية تنبت أيضاً وتشجر وتثمر.
__________
(1) التين : Fig : من الفصيلة التوتية ، وشجرته صغيرة تنمو كثيرا في البلاد المعتدلة ، وشجرة التين ذات أوراق جلدية قلبية الشكل وثمرتها مركبة تتكون من جزء لحمي غليظ ويبطنـه مجموعة من الأزهار الأنثوية وأجود أنواع التين الكبار اللحيم النضيج الكروي الشكل الذي لا ينتفخ غالبا ويعتبر الجزء الخصب من جنوب الجزيزة العربية الموطن الأصلي للتين حيث لا يزال ينمو هناك بحالة برية ومنـها انتشر الى مناطق عديدة وتُؤكل الثمار الطازجة أو المجففة لقيمتها الغذائية العالية وتحتوي ثمالر التين الجافة على 73 % من المواد الكربوهيدراتية و3.1 % بروتينات .,2.% دهن ويعطي 100جرام من الثمار عند تناولها مقدار 270 كيلو سعراً حرارياً من الطاقة التي يستفيد منـها الجسم ، والتين غني بالفيتامينات أ و ، ب1 ، وب2 ، كما أنـه يحتوي على العديد من الأحماض العضوية وخاصة الليمونيك والماليك والتين غني بالأملاح المعدنية المفيدة مثل صوديوم ، بوتاسيوم ، كالسيوم ، ماغنسيوم ، حديد ، نحاس ، فسفور ، كلور . والتين ملين بلإضافة الى أنـه غني بالسكريات التي تعطي الجسم طاقة كبيرة .

ومن أخذ من السقمونيا(1) غصناً وعمد إلى شجرة التين وسلخ منـها موضعاً وركب فيه غصناً من السقمونيا كتركيب سائر الأشجار وليكن ذلك إذا بلغت الشمس من الجدي ست درجات أو سبعاً أو ثمانياً ودار حول شجرة التين سبع دورات ثم وضع الغصن عند فراغ سابع دورة في شجرة التين وعصب التركيب، فإنـها تنبت تيناً كالدواء المسهل، من أكل منـها تينتين كان كشرب شربة.
وإذا غسلت شجر التين بالماء الحار هلكت. وخشبها ينفع من لسع الرتيلاء نقعاً بالماء وشرباً ومسحاً وتعليقاً. ولبن عيدانـه إن قطر على موضع اللسعة لم يسر السم في الجسد. وقضبانـها تهري اللحم في القدر إذا طبخت معه، وإذا نثر رماد خشب التين في البساتين هلك منـها الدود، وإذا دق ورق التين مع الفج منـه على عضة الكلب نفعه. وعصارة ورقها تقلع آثار الوشم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وضع بين يديه التين: لو قلت إن ثمرةً نزلت من الجنة لقلت هذه. كلوها فإنـها تقطع البواسير وتنفع من النقرس. وعن ابن عباس رضي الله عنـهما: أقسم الله بهذه الشجرة لأنـها تشبه ثمار الجنة، لا قشر لها ولا نوى وهي على قدر اللقمة.
__________
(1) السقمونيا Scammonee : نبات متسلق منتشر في شمالي سوريا وفي اسيا الصغرى وهو مسهل قوي ودواء معروف قديماً وسقمونيا انطاكية أفضل الأنواع .

وأجوده المائل إلى البياض ثم الأصفر ثم الأسود، وأجود أصنافه الوزيري. والتي حار رطب، وهو أغذى من سائر الفواكه وأسرع نفوذاً، وهو يصلح اللون الفاسد ويوافق الصدر ويسكن العطش الذي من البلغم المالح، ويمنع الاستسقاء، وينفع من لسع العقرب والرتيلاء وأكله أمان من السموم، وإذا استعمل منـه على الريق عشرة مع قلب الجوز كان له نفع عظيم ومع اللوز فكذلك، والغرغرة بمائه مطبوخة تحلل الخوانيق، ولبنـه يذيب الجامد من الدماء والألبان، ويلطخ بلبنـه الدماميل فتنضج ويقطر على الثآليل فيقطعها، وعلى الجراحات التي عليها اللحم الفاسد فينقيها، والإكثار من أكله بالخبز يورث القمل في البدن. ودخان التين يهرب منـه البق والبعوض.
العنب(1): الكرمة أكرم الشجر، وثمارها أشرف الثمر. وللناس بفلاحتها عناية عظيمة لما في العنب من الخاصية. وقد صنفوا كتباً فيما يتعلق بفلاحة الكرم والدوالي، لأنـها أقل عملاً وأخف مؤنـه وأكثر حملاً وأجود عصيراً. ومن عجيب أمرها أنك إذا أخذت من قضبانـها التي فيها قوة الحمل وغرستها تأتي في أول سنتها بالعناقيد، ويكون بينـها وبين الغرس شـهران. وهذا الأمر لا يتفق في شيء من الشجر أصلاً .
__________
(1) العنب : ثمار نبات الكرم ، وسكر العنب أفضل السكريات وأسهلها هضماً فهو يمتص مباشرة الى الدم ويشبه السكر الموجود في الدم ، وعند تناول 100 سم من العنب يعطي الجسم 68 كيلو سعراً من الطاقة الحرارية بالاضافة الى فيتامينات أ وب1 وب2 وحمض النيكوتيك وفيتامين ج وغني بحمض الماليك والبوتاسيوم ويحتوي على أملاح الصوديوم والكالسيوم والمنجنيز والحديد والنحاس والفسفور والكبريت والكلور وحمض الطريك وبعض الانزيمات ، ويجفف العنب فيصبح زبيبا ويختلفلا باختلاف انواع العنب واجوده الكثير الشحم الرقيق القشرة قليل البذور .

قال صاحب كتاب الفلاحة: إذا أردت أن ترى من الكرمة عجباً من كثرة النفع وقوة الأصل وزيادة الحمل وسرعة الإدراك فخذ قضبان غرسها من شجرة قريبة العهد ثم اغرسها في النصف الأول من الشـهر والطخ رأس القضيب بخثى البقر وابذر في جورة غرسها شيئاً من البلوط والنانخواه والباقلاء فإن شجرتها تكون في غاية العجب ومخالفة لسائر الكروم. وإذا أخذت قضيباً من العنب الأبيض وقضيباً من العنب الأسود وقضيباً من العنب الأحمر وشققتها بحيث لا يقع شيء من قشورها، ولففت بعضها ببعض وغرستها فإن القضبان كلها تخرج ساقاً واحداً، وتحمل الألوان الثلاثة شجرة واحدة. وإذا أردت أن تسود العنب الأبيض فاحفر عن أصل الكرمة واسقها شيئاً من النفط الأسود فإن أردت أن لا يقع في الكرم دود فاقطع طاقتها بمنجل قد لطخ بدم ضفدع أو دم دب.
وإذا أردت أن يسلم من البرد فدخن الكرم بزبل بحيث يصل الدخان إليها جميعاً وانثر عليها ثمرة الطرفاء، وإذا حملت الكرمة فأخذت من نوى الزبيب أو العنب وطمر في أصلها أسرع إدراك ثمرها. وعصير كل عنب على لون أرضه لا لون حبه. وماء الكرم الذي يتقاطع من قضبانـها بعد كسحها يجمع ويسقى للمشغوف بالخمر بعد شرب الخمر من غير علمـه فإنـه يبغض الخمر قطعاً. وينفع للجرب شرباً ويدق ورقها ناعماً ويضمد بـه الصداع فيسكنـه.
وأصناف ثمرها كثيرة وأعجبها عيون البقر: وهي كالجوز، وأصابع العذارى: وهي كالأصبع المخضوبة، وربما بلغ العنقود منـه طول ذراع والعنبة أوقية(1) بالمصري. ويقال: إن في بعض الكتب المنزلة: أتكفرون بي وأنا خالق العنب ؟ وقشر العنب بارد يابس. والعنب جيد الغذاء مقوي للبدن، يسمن بسرعة ويوفد دماً جيداً وينفع الصدر والرئة. والمقطوف لوقته ينفع ويحرك البطن ويقوي شـهوة الجماع ويقوي مادة المني، وحبه ينفع من لسع الهوام والأفاعي دقاً وضماداً.
__________
(1) أوقية : زنة سبعة مثاقيل وزنة لأربعين درهماً ( اللسان 6 / 4903 ) .

الحصرم: أجود ماء الحصرم المعتصر باليد، وهو بارد يابس، ينفع من الصفراء ومن الحرارة الملتهبة ويولد رياحاً ومغصاً ويضرب بالعصب والصدر.
الزبيب : أجوده الكثير اللحم الصادق الحلاوة. وقيل إنـه أُهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبيب فقال: بسم الله كلوا، نعم الطعام الزبيب، يشد العصب ويذهب الوصب ويطفئ الغضب ويرضي الرب ويطيب النكهة ويذهب البلغم ويصفي اللون.
والزبيب حار رطب وحبه يابس والزبيب تحبه المعدة والكبد وهو جيد لوجع الأمعاء وينفع الكلى والمثانة، ويعين الأدوية على الإسهال إذا أخذ منـه عشرة دراهم.

القشمش(1): هو زبيب صغير حلو أحمر وأخضر وأصفر. ويحكى عن أصحابه أنـهم قالوا: ما زبب من قشمشنا في الشمس جاء أحمر، وما زبب معلقاً جاء أصفر، وما زبب في البيوت جاء أخضر. وهو كالزبيب غير أنـه لا عجم له.
__________
(1) القشمش : هو زبيب صغير لا نوى له. أبو حنيفة: أخبرني جماعة من أهل الأعراب أن بالسراة منـه كثيراً وعناقيده بيض مثل أذناب الثعالب، وإذا زبب فمنـه ما زبيبه أحمر ومنـه ما يجيء زبيبه أصفر ومنـه أخضر قالوا: وكل ذلك كشمش ولكن اختلاف ألوانـه من جهة اختلاف أجناسه، وقد أخبرني رجال من أهل هراة عن كشمشـهم أنـه ما زبب منـه في الشمس جاء أحمر وما علق تعليقاً حتى يزبب يجيء أصغره مثل الفلفل وأكبره كالحمص لونـه أخضر وما نشر في البيوت في الظل يجيء أخضر. علي بن محمد: الكشمش بالعربية هو القشمش بالفارسية وهو زبيب صغير لا نوى له أصغره كالفلفل وأكبره كالحمص ولونـه أخضر وأحمر يكون ببلاد فارس وخراسان حلواً شديد الحلاوة والخراساني أجود من الفارسي لأنـه أشد حمرة وأصدق حلاوة وعنبه حلو جداً وعناقيد طوال دقاق مثل قدر الذراع، ورأيت منـه بدرعة وسجلماسة شيئاً كثيراً حلواً شبيهاً بالخراساني غير أن لونـه أسود. الرازي: في كتاب دفع مضار الأغذية: والقشمش يشبه الزبيب إلا أنـه أقل قبضاً وألين وأسهل خروجاً. ابن سرانيون: أما القشمش فينفع السعال والصدر وصفته أن يطبخ بالماء وحده ويؤخذ منـه جزء ومن الفانيذ نصف جزء ويطبخ حتى يصير له قوام.

الخمر(1): أول من استخرج الخمر جمشيد الملك؛ فإنـه توجه مرة إلى الصيد فرأى في بعض الجبال كرمة وعليها عنب فظنـها من السموم فأمر بحملها حتى يجربها ويطعم العنب لمن يستحق القتل، فحملوها فتكسرت حباتها فعصروها وجعلوا ماءها في ظرف. فما عاد الملك إلى قصره إلا وقد تخمر العصير، فأحضر رجلاً وجب عليه القتل فسقاه من ذلك فشربه بكره ومشقة، فنام نومة ثقيلة، ثم انتبه فقال: اسقوني منـه، فسقوه أيضاً مراراً، ولم يحدث فيه إلا السرور والطرب، فسقوا غيره وغيره، فذكروا أنـهم انبسطوا بعدما شربوا ووجدوا سروراً وطرباً فشرب الملك وأعجبه ثم أمر بغرسه في سائر البلاد.
وقيل إن ملك السريان وهو أحد الأخوين اللذين اشتركا في الملك رأى يوماً طائراً وقد قصدت حية فراخه فرمى الملك الحية بسهم فقتلها. فغاب الطائر وأتى بثلاث حبات عنب في منقاره ورجليه ورماها بين يدي الملك، فعلم الملك أنـها مكافأة له على ما فعله فزرعها فعلقت وأينعت وأثمرت، فلم يجسر الملك على استعماله خوفاً من أن يكون قاتلاً أو مضراً فعصره وأودعه في الآنية فغلى وقذف بالزبد وفاحت رائحته، فتعجب الملك لذلك فسقى منـه شخصاً وجب عليه القتل فطرب و وأظهر سروراً، ثم انتبه وذكر ما حدث له من السرور والطرب، فسر بـه الملك وأمر بغرسه في البلاد .
__________
(1) ومن أسماء الخمر : المُدام ، والراح ، والخندريس ، والعُقار راجع ، ( ابن الأجدابي : كفاية المتحفظ في اللغة ، دار إقرأ ، ليبيا ، ص 221 ) .

والأسود من الخمر بطيء الانحدار رديء الكيموس قوي الحرارة، والأبيض قليل الحرارة سريع النحدار. ومن لازم شربها حصل له خلل في جوهر العقل، ووجع في الكبد والطحال، وقلة شـهوة الغذاء وضعف في الباه وفساد في الدماغ، ويحدث النسيان والبخر في الفم، والرعشة والرعب وضعف البصر والعصب والحميات والسكتة والصرع وموت الفجأة. وشربها على الريق بعد التعب يحدث خفقاناً في القلب وقساوة والتهاباً وأوجاعاً. ومما يمنع السكر بزر الكرنب وبزر الحصرم وأكل الفالوزج وشم اللينوفر. وأعظم ذمـها كونـها مفتاحاً لكل شر وجالبة لكل سوء وضر، ومميتة للقلب ومسخطة للرب. نسأل الله تعالى أن يتوب علينا وعلى كل عاص، وأن يلهمنا رشدنا ويأخذ بنواصينا إلى الخير بحق محمد وآله.
الخل : المتخذ من الخمر، بارد يابس، يمنع انصباب المواد إلى داخل البدن ويلطف ويعين على الهضم وخصوصاً مع وجود الشيب والتغرغر بـه يمنع سيلان الخلط إلى الحلق، يمنع نزف الدم، وينفع من الجرب والقوابي وحرق النار، ووضعه على الرأس يمنع الصداع الحار. وهو صالح للمعدة الحارة ويفتق الشـهوة ويبرد الرحم وينفع المنـهوش، وشربه مسخناً ينفع لمقاومة السموم والأدوية القتالة.

التوت(1): وهو الفرصاد. وهو أعز الأشجار، لأن دود القز لا يأكل إلا منـه. قال المعتصم(2)
__________
(1) التوت : هو نبات على هيئة أشجار كبيرة وأفرعها كثيرة وهو نوعان، التوت الابيض الذي تؤكل ثماره وتتغذى على أوراقه دودة القز وتكون أزهاره ذات لون اصفر مائل الى الاخضرار وأوراق كثة والنوع الثاني التوت الاسمر او البنفجسي واشجاره اقل حجماً ونمواً من اشجار التوت الابيض.يعرف التوت بعدة اسماء مثل الفرصاد والفشكل والغلام . يعتبر التوت مفيداً جداً في حالات فقر الدم وأورام الحلق واللثة، وله تأثيرات فعالة في خفض درجة الحرارة وفي حالات الحميات والحصبة، كما انـه يفيد في حالات العطش، ويستخدم عصير التوت في المجال الطبي لاضافته مع الأدوية بغرض التلوين وتحسين الطعم. وقد اتضح في السنوات الأخيرة ان جذور التوت لها خواص مسهلة للمعدة والأمعاء وطاردة للديدان، كما ان آخر الدراسات العلمية تؤكد ان للتوت تأثيرا هرمونيا ذكريا وهو بذلك يعتبر مفيداً لحالات الضعف الجنسي ويعمل أيضاً على خفض نسبة السكر في الدم والبول وهو بذلك مفيد لحالات ارتفاع نسبة السكر في الدم وأمراض الكبد وحالات السعال والحصبة
(2) المعتصم : هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد بن المـهدى بن المنصور المعتصم بالله العباسى ( - 18 ربيع الأول 227هـ= 5 يناير 842) المشـهور عنـه قصة وامعتصماه. نقل عاصمة الخلافة العباسية الى سامراء وهو من خلفاء الدولة العباسية. ولد المعتصم بالله سنة (179هـ) وكَرِه التعليم فى صغره، فنشأ ضعيف القراءة يكاد يكون أُميًّا. بُويع بالخلافة سنة (218 هـ) بعد وفاة أخيه المأمون وبعهد منـه. وقد سلك مسلك المأمون فى سيرته، وفتح عَمُّورية من بلاد الروم الشرقية، وبنى مدينة سامراء سنة (222هـ) حين ضاقت بغداد ب. وهو أول من أضاف اسمـه إلى اسم الله تعالى من الخلفاء فقيل المعتصم بالله وكان يُقال له المُثمَّن لأنـه ثامن الخلفاء من بنى العباس، وثامن أولاد الرشيد، وملك سنة ثمان عشرة، وملك ثمان سنين وثمانية أشـهر وثمانية أيام، وعاش ثمانية وأربعين سنة، وفتح ثمانية فتوح، وقتل ثمانية أعداء، وخلف ثمانية بنين وثمانية من البنات. وتُوفى المعتصم فى سامراء سنة (227هـ).

لعمال البلاد: استكثروا من غرس التوت فإن شعبها حطب وثمرها رطب، وورقها ذهب. وهو أنواع، والأسود منـه بارد يابس. وإذا وضع الأسود منـه على لسع العقرب سكنـه في الحال. والأبيض منـه حار رطب رديء الغذاء مفسد للمعدة لكن يدر البول.
الرمان(1): هي من الأشجار التي لا تقوى إلا بالبلاد الباردة المعتدلة. روي عن ابن عباس رضي الله عنـهما أنـه قال: ما أُلحقت رمانة قط إلا بحبة من الجنة. وعن علي بن أبي طالب(2)
__________
(1) الرمان Pomegranate : من نباتات العائلة الرمانية التي عرفت منذ عهد قدماء المصريين وهي قديمة العهد جداً في مصر وعرفه القدماء باسم ارهماني ومنـها اشتق الاسم القبطي ارمين او رمن الذي اشتق منـه الاسم العبري رمون والعربي رمان ، وهي شجرة صغيرة متساقطة الأوراق لها اوراق مستدقة رمحية الشكل وأزهارها كبيرة جميلة المنظر حمراء اللون لهل كأس لحمي ملتحم السبلات احمر اللون والتويج احمر سائب البتلات ومتك صفراء ناصلة وقلم قصير ومسيم مطمور بين الأسدية ومبيض الزهرة متعدد المساكن وتفصلها بعضها عن بعض أغشية شفافة بكل مسكن بروز لحمي ، ويحتوي الرمان على نسبة عالية من السكر 18 % إلا أن ط حريف لاحتوائه على احماض عضوية كما انـه يحتوي على نسبة عالية من الحديد وبعض الفيتامينات منـها فيتامين ج ويطرد الديدان الشريطية وحمى الطاعون والدوسنتاريا والاسهال .
(2) علي رضي الله عنـه ( 23 ق هـ - 40هـ ) هو علي بن أبي طالب - رضي الله عنـه - ، واسم أبي طالب : عبد مناف بن عبد المطلب . من بني هاشم ، من قريش أمير المؤمنين . ورابع الخلاء الراشدين ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة . زوجة النبي صلي الله علية وسلم بنته فاطمة . ولي الخلافة بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان ، فلم يستقم له الأمر حتى قتل بالكوفة . كفرة الخوارج ، وغلا فيه الشيعة حتى قدموه على الخلفاء الثلاثة ، وبعضهم غلا حتى فيه حتى رفعه إلى مقام الألوهية . ينسب إليه (نـهج البلاغة ) وهو مجموعة خطب وحكم ، أظهر الشيعة في القرن الخامس الهجري ويشك في صحة نسبته إليه . [ الأعلام للزركلي 5/108 ؛ ومناهج السنة 3/2 وما بعدها ؛ والرياض النضرة 2/153 وما بعدها ] .

رضي الله عنـه أنـه قال: إذا أكلتم الرمان فكلوها ببعض شحمـها فإنـه دباغ للمعدة، وما من حبة منـه تقيم في جوف مؤمن إلا أنارت قلبه، وأخرجت شيطان الوسوسة عنـه أربعين يوماً.
وأجوده الكبار والحلو والمليسي، وهو حار رطب يلين الصدر والحلق ويجلو المعدة وينفع الخفقان ويزيد في الباه، وقشره تهرب من الهوام.
الأُترج(1)
__________
(1) الأترج : شجرة من الموالح يصل ارتفاعه الى خمسة امتار ناعم الاغصان والورق ازهاره بيضاء وثمرته تشبه الليمونة الا انـها اكبر بكثير ذات لون برتقالي ذهبي له رائحة مميزة ذكية ماؤها حامض يعرف الأترج بعدة اسماء وفقاً للمنطقة التي يكثر فيها ففي السعودية يدعى ترنج وفي بلاد الشام ترنج ايضاً وكباد وفي مصر والعراق أترج كما يسمى تفاح العجم وتفاح ماهي وتفاح ادم وليمون اليهود لأنـهم يحملونـه في اعيادهم.يعرف الأترج علمياً باسم CiTRUS MEDiCA، المحتويات الكيميائية لثمار الأترج:تحتوي قشور ثمرة الأترج على زيت طيار والمكون الرئيسي ليمونين والذي يشكل نسبة 90% من محتويات الزيت وتحتوي القشور على فلافونيدات وكومارينز وتربينات ثلاثية وفيتامين C وكاروتين ومواد بكتينية ورد ذكره في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طا طيب وريحها طيب". لقد ورد ذكر الأترج في سفر اللاويين من التوراة "تأخذون لأنفسكم ثمر الأترج بهجة" وقد قيل ان بعض الملوك الاكاسرة سجن بعض الاطباء، وامر الا يقدم لهم من الاكل الا الخبز وادام واحد، فاختاروا الأترج وسئلوا عن ذلك فقالوا "لانـه في العاجل ريحان ومنظره مفرح، وقشره طيب الرائحة ولحمـه فاكهة وحماضه إدام وحبه ترياق وفيه دهن ، يستخدم الترنج في الطب الحديث كفاتح للشـهية وطارد للارياح ومـهضم ومنبه للجهاز الهضمي ومطهر ومضاد للفيروسات وقاتل للبكتريا ومخفض للحمى، ويستخدم كمضاد للبرد والانفلونزا والحمى ولعدوى الصدر والحنجرة بالميكروبات ويقوي جهاز المناعة. كما يساعد في موازنة ضغط الدم

: هي شجرة حارة ولا تنبت إلا في البلاد الحارة وتقيم نحو عشرين سنة ومتى مستها حائض أو أخذ من ورقها جنب فسدت شجرته. وقشر الأترج حار يابس ولحمـه حار رطب. وحماضه بارد يابس، وحبه حار رطب. وأجوده الكبار، وهو يصلح لفاسد الهواء والوباء، ولحمـه رديء للمعدة ويشـهي الطعام وينفع من الخفقان ويسهل الصفراء.
النارنج(1): شجرة لا يسقط ورقها كالنخلة؛ قال صاحب كتاب الفلاحة: إذا زرعت النرجس تحت شجرة النارنج تبدلت حموضتها بالحلاوة. ودواء مرض شجرة النارنج أن تسقى دم إنسان من فصد وغيره مخلوطاً بالماء. خاصية ورقها إذا مضغ طيب النكهة، ويذهب رائحة الثوم والبصل والخمر، ورائحة زهرها تنفع الدماغ وتقوي القلب، وتحلل مواد الرياح الباردة.
الليمون: هو نبات هندي، ولا يصح ويقوى إلا بالبلاد الحارة، وورقه وقشره حار يابس، وحماضه بارد يابس، وماؤه كذلك، ينفع من الصفراء ويسكن العطش ويقوي المعدة والشـهوة ويضر بالصدر والعصب، وهو مشاكل للأُترج في أفعاله وله خاصية عظيمة في دفع السموم ونـهش الحيات والأفاعي .
__________
(1) نبات النارنج عبارة عن شجرة معمرة دائمة الخضرة يصل ارتفاعها إلى عشرة أمتار. أوراقها جلدية غامقة اللون والازهار بيضاء لها رائحة عطرية لطيفة والثمرة كروية كبيرة ذات لون برتقالي محمر وخشنة الملمس وطا حامض مثل الليمون. يقال ان اصله من الصين وانتقل منـها إلى البلدان المجاورة للصين ثم إلى بقية القارة الآسيوية، فافريقيا وغيرها. وقد ادخله العرب إلى اسبانيا وزرع فيها عدة سنين قبل البرتقال. و يستعمل على نطاق واسع في تعطير الحلويات والأشربة ومصنوعات السكاكر.ويجب على العمال الذين يعملون في تقشير النارنج بأيديهم لبس قفازات حيث ان زيت قشور النارنج تسبب حكة شديدة وتسلخات للجد بالاضافة إلى انـها قد تسبب دوخة وآلام في الرأس وحساسية في الأعصاب وتشنجات ولذلك يجب الاحتياط .

على نـهر الدير بالبصرة، وكنت أقيم بها وبجواري بستان ظهرت فيه حية أطول من عشرة أشبار في عرض جراب ودوره، وكثرت جناياتها وأذاها. فطلبت حواءً يصيدها أو يقتلها، فجاء رجل فدللته نحو وكرها فبخر بدخنة كانت معه فلم يشعر إلا والحية قد خرجت إليه. فلما رآها الرجل وهاله أمرها ولى فنـهشته فمات في الحال. واشتهر أمرها بها الناس وامتنع الحواؤون من الحضور إليها فجاء لي رجل بعد مدة وقال: قد بلغني أمر الحية وفسادها وتعاظم أذاها فدلني عليها. فقلت: قد قتلت حواءً. فقال: هو أخي وقد جئت لآخذ بثأره أو أموت كما مات، فأرنيها. فقلت له: اعبر إلى البستان. وجلست أنا في طبقة لها طاقة تطل على البستان أنظر ما يكون منـه. فأخرج دهناً كان معه فأدهن بـه وصلى ودعا ودخن كما دخن أخوه فخرجت إليه هائشة، فما تزعزع عن مكانـه فلما قربت منـه هجم عليها وطلبها فهربت منـه، فتبعها وقبض عليها، فالتفتت إليه ونـهشته فمات من وقته. فترك الناس الضيعة ورحلوا من أجلها، وقالوا لا مقام لنا في جيرة هذه السخطة. فجاءني بعد أيام رجل آخر فسألني عنـهما وعن الحية فأخبرته بما كان فقال: والله هما أخواي، وجئت لآخذ بثأرهما أو أموت كما ماتا ولا بد لي منـها. فأريته البستان وجلست في الطاقة لأنظر ماذا يصنع ؟ فأخرج دهناً وادهن بـه ودخن كأخويه فخرجت إليه فطلبها فوقفت له تحاربه، ثم تمكن من قفاها وقبض عليها فالتفتت وعضت إبهامـه فحزمـها وجعلها في سلة كبيرة أحضرها معه وبادر إلى إبهامـه فقطعها وأشعل ناراً وكواها. فحملناه إلى الضيعة فرأى ليمونة بكف صبي، فقال: أعندكم من هذا شيء ؟ قلنا نعم قال: ائتوني بما تقدرون عليه، فأتيناه بكثير منـه فجعل يقضم ويأكل ويدهن بـه موضع اللسعة وبات فأصبح سالماً، فقال: ما خلصني الله سبحانـه إلا بهذا الليمون. وقطع رأس الحية وذنبها ورمى بهما، وغلى على بدنـها وطبخه وأخذ دهنـه ومضى.

اللوز: أجوده الطري الكثير الدهن، وهو معتدل الحرارة والرطوبة يغذي غذاء حسناً ويسمن وينفع الصدر والسعال ونفث الدم، ويلين البطن خصوصاً إذا كان مع التين، وينفع من عضة الكلب الكلب، والمر منـه حار يابس وهو جيد للشرى مع ال، ودهنـه ينفع من وجع الأذن ويمنع صداع الرأس، وأكله قبل السكر يمنع السكر، وهو يقوي البصر ويفتح سدد الكبد والطحال والكلى.
الجوز: ينبت بنفسه ولا يصح إلا في البلاد الباردة، وهو حار يابس بطيء الهضم إلا أنـه ينصلح مع التين. ودهنـه ينفع من الحمرة، وقشره يحبس نزف الدم ويضمد بـه لعضة الكلب الكلب، وكثرة أكله تورث ثقل اللسان.
البندق: حار مع يبوسة وإذا خط على العقرب حلقة بعود البندق لا يقدر أن يخرج منـها، وهو يزيد في الباه وشـهوة الجماع مع السكر مدقوقاً، وينفع من نـهش الهوام خصوصاً مع التين أكلاً وضماداً، وإذا طلي مدقوقاً على يافوخ الطفل الأزرق العينين ردهما سوداوين.
الشاهبلوط(1): ينفع لإدرار البول، وينفع من السموم ونزف الدم.
الفستق: حار يابس أشد حرارة من الجوز يفتح سدد الكبد ويقوي فم المعدة، ويمنع من الغثيان، ومن نـهش الهوام والسعال البلغمي ولدغ العقارب ويزيد في الباه.
الصنوبر(2): حار يابس يمنع الرطوبات من البدن ويزيد في الباه مع عقيد العنب.
__________
(1) الشاهبلوط : نوع من البلوط ، وأقوى من البلوط أثرآً. «الجامع 1: 110»..
(2) الصنوبر : شجرة دائمة الخضرة ، يتراوح ارتفاعها بين (20-30 ) م . جذعها منتصب ، يتراوح قطره بين (30-50 ) م .القشرة رمادية محمرة ، تسترها حراشف بنية اللون . أوراق الصنوبر إبرية الشكل ، طولها من (10-20) سم وهو مطهر للمجاري التنفسية والبولية . مضاد للتسمم بالفوسفور .خارجيا له خواص مخرشة و محمرة و مطهرة .

الفلفل(1): حار يابس فيه جذب وتحليل وهو عدو البلغم اللزج، ويلطف الأغذية ويشـهي الطعام ويدر البول وينفع ظلمة البصر.
القرنفل(2): حار يابس يطيب النكهة ويحد البصر، وينفع من الغشاوة ويمنع القيء والغثيان ويقوي الكبد، وقدر ما يؤخذ منـه نصف مثقال مع مثليه سكر نبات مسحوقين منخولين.
الخولنجان(3): حار يابس، يحلل الرياح وينفع من القولنج ووجع الكلى ويهيج الباه، ويطيب النكهة ويهضم الطعام ويصلح المعدة ويطرد البلغم والرطوبة المتولدة في المعدة، وينفع من عرق النسا ولمن لا يضبط البول.
__________
(1) الفلفل Black popper : شجرة معمرة تنمو بريا ، وتزرع في كثير من الدول ، تحتوي ثمار الفلفل على زيت طيار ، ومركبات تجعله صالحاً لعلاج المعدة ، وطارداً للريح ، ومضادا للبكتيريا والحشرات ، ويستخدم في أفريقيا لتشجيع الاجهاض وطرد البعوض ( الطب القديم ، ص 39 ).
(2) القرنفل Clous de girofle : شجرة القرنفل شجرة دائمة الاخضرار ذات شكل هرمي تعلو 15 مترآ ، ولها رائحة عطرية قوية والقرنفل هو براعم الازهار المجففة لشجرة القرنفل ، وهو من التوابل المشـهورة ، ويحظى بقيمة عالية كدواء عشبي ، وهو من أقدم التوابل ، وتحتوي كبوش القرنفل على أفضل زيت عطري ، ويمكن أيضآ تقطير سوق الشجرة وأوراقها من أجل زيتها وزيت القرنفل (Clove Oil) هو زيت مطهر للجروح ومضاد للجراثيم ومخفف لآلام الأسنان.
(3) الخولنجان : عبارة عن نبات عشبي معمر يصل ارتفاعه إلى حوالي مترين له أوراق كبيرة، ذو أزهار بيضاء وحمراء، يمتاز الخولنجان الصغير برائحته العذبة وطعم تابلي. يوجد من الخولنجان عدة أنواع مثل الخولنجان الصغير أو ما يعرف بالعيني والخولنجان الأبيض والخولنجان الكبير أو الأحمر، وهناك أنواع أخرى تستعمل فقط للزينة لجمال أزهارها واستدامة خضرتها .

الزنجبيل(1): هو كالفلفل في منافعه.
المصطكا(2): حار يابس ملين، وهو يجبر العظام المكسورة، ومضغه يجلب البلغم من الرأس وينقيه ويطيب النكهة وينفع من السعال البلغمي ومن أورام الكبد ونزف الدم وفساد الرحم تحملاً .
__________
(1) الزنجبيل Gingembre : نبات من العائلة الزِّنجبارية، وهو أصلاً من نباتات المناطق الحارة، وهو من النباتات المعمرة تتكاثر وينمو النبات الى ارتفاع متر تقريبا ، ويحمل اوراقا متبادلة رمحية الشكل ، والساق الذي يحمل الأوراق أجوف ويحتوي على زيت طيار بنسبة تصل الى 3 % لها رائحة العقار المميزة ، ولكن ليس للزيت حرافة العقار ، وهو يستعمل تابلا ومسكنا ومنبها .
(2) المصكا ( المستكة ) شجرة دائمة الخضرة لها ثمر أحمر مر الطعم .شجر المستكة شجر صغير ينمو بحوض البحر المتوسط .و المصطكى عبارة عن فصوص راتنجية معروفة من قديم ، رغم أن الراتنج يبرز تلقائياً فإن الإفراز يزداد إذا ما أزيلت شرائح من اللحاء أو بعمل شقوق طويلة في جذع الشجرة و الأغصان الكبيرة للنبات فتسيل عصارته الراتنجية سائلة تجمد بسرعة و تبقى متعلقة بالشجرة على هيئة دموع هشة بيضاوية أو حبوب طويلة لونـها أصفر في حين يتساقط الباقي على الارض .يستخرج المصطكى ثلاث مرات في العام الواحد أي يعطي ثلاثة محاصيل .

خيار الشنبر(1): معتدل في الحرارة والبرودة، عسله يسهل المرة المحترقة ويطفئ حدة الدم ويسكن وهجه ويذهب الورم العارض منـه، وينفع من الأورام الحارة في الأحشاء خصوصاً في الحلق إذا تغرغر بـه ممرساً في ماء عنب الثعلب، وإذا سقي مع التربد أخرج رطوبات عجيبة، وإذا سقي مع التمر هندي أخرج الأخلاط الصفراوية ونفع المحمومين، وإذا سقي مع الهندبا نفع من القولنج ووجع المفاصل واليرقان. وهو يسهل من غير أذى حتى الحوامل، وهو يضر بالنسل، وبدله نصف وزنـه من ترنجيل، وثلاثة أمثاله من شحم الزبيب مع تربد.
السرو(2): شجرة حسنة الهيئة قويمة الساق، يضرب بها المثل في استقامة قدها ومشق قامتها وخضرة ورقها. وهو أخضر صيفاً وشتاء والتدخين بأغصانـها في البيت يطرد البق، وطبيخه بالخل يسكن وجع الأسنان ويجعل من نشارته بنادق وتطرح في الدقيق الدرمك يبقي زماناً طويلاً لا يفسد، وورقه مع ال ينفع من عسر البول، وإذا دق ورقها رطباً وجعل على الجراحة ألحمـها، ورمادها ينفع من حرق النار وسائر القروح ذروراً، وجوزها يطرد البق إذا دخن به.
__________
(1) خيار الشنبر : هو شجر ينمو في مناطق كثيرة من العالم وينتشر على الأخص في بلاد الهند وباكستان. وقد ثبت بالتجربة والدراسة العلمية الرصينة أن لهذا الشجر فوائد صحية عديدة ومن أبرزها أنـه يستخدم كعلاج للضعف الجنسي والعقم سواء عند الرجل أو المرأة. ولاستخدامـه كمقو جنسي تغلى أزهار النبات في اللبن ويشرب من هذا الحساء يومياً.
(2) السرو : شجرة دائمة الخضره يصل ارتفاعها إلى 30متراً ذات اوراق خضراء غامقه دقيقه ومخاريط ذكريه وأنثويه وهو بطيء النمو.يعرف النبات علمياً بإسم Cupressus sempervirens وموطنـه الاصلي تركيا ويكثر في الاجواء المعتدله وخاصة في مصر في شبة جزيرة سيناء حول دير سانت كافترين ومنطقة الدلتا.

البطيخ(1): منـه بستاني ومنـه بري، والبري هو الحنظل والبستاني ثلاثة أصناف: هندي وهو الأخضر وخراساني وهو العبدلي، وصيني وهو الأصفر. ثم الأصفر ثلاثة أصناف: صيني وحلبي وسمرقندي، وفلاحتها كلها واحدة، والطعوم والأشكال مختلفة. وإذا نقع بزر البطيخ بالعسل والبن جاء في غاية الحلاوة، وإذا نقع في ماء الورد شممت من بطيخه رائحة الورد، ومتى دخلت المرأة الحائضة في المقثأة فسدت وتغير ط وإذا أصاب بزر البطيخ أو القثاء رائحة الدهن جاء كله مراً. وإذا وضع رأس حمار في وسط المبطخة دفع عنـها جميع الآفات وأسرع نباتها وحملها وحملها وإدراكها.
وعن أبي هريرة(2) رضي الله عنـه أن البطيخ كان أحب الفاكهة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تفكهوا بالبطيخ وعضوا منـه، فإن ماءه رحمة، وحلاوته من حلاوة الجنة. ومن أكل لقمة من البطيخ كسب الله له ألف حسنة ومحا عنـه ألف سيئة، ورفع له ألف درجة، لأنـه خرج من الجنة.
__________
(1) البطيخ : أثبتت الدراسات الحديثة فوائد صحية عديدة لفاكهة البطيخ، خصوصا فيما يتعلق بسلامة الأمعاء والكلي. فقد أظهرت الدراسات أن يرطب الجلد، وينعش الجسم و يفيد كمليّن قوى للأمعاء، ومادة تساعد على الهضم، ومقوى للدم، ومفتت لحصوات الكلي.
(2) أبو هريرة ( 21 ق هـ 59 هـ ) هو عبد الرحمن بن صخر . من قبيلة دوس وقيل في اسمـه غير ذلك . صحابي . رواية الأسلام . أكثر الصحابة رواية . أسلم 7هـ وهاجر الى المدينة . ولزم النبي صلي الله علية وسلم . فروى عنـه أكثر من خمسة آلاف حديث . ولاه أمير المؤمنين عمر البحرين ، ث م عزله للين عريكته .وولي المدينة سنوات في خلافة بني أمية . [ الأعلام للزرلكي 4/80 ؛ و( أبو هريرة ) لعبد المنعم صالح العلي ] .

وعن وهب بن منبه(1) أنـه وجد في بعض الكتب أن البطيخ طعام و وفاكهة وجلاء وأُشنان وريحان وحلاوة ونقل، وينقي المعدة ويشـهي الطعام ويصفي اللون ويزيد في ماء الصلب ويدر البول ويسهل الخام.
الصيني: وهو الأصفر، وهو ثلاثة أصناف. وأطيبه وأحلاه السمرقندي وأجوده العبدلي، وهو بارد رطب يدر البول ويقلع الكلف والبهق الرقيق والوسخ، وبزره أقوى جلاءً من جرمـه، وقشره يلصق على الجبهة فيمنع النوازل من العين، ولحمـه ينفع من حصاة الكلى والمثانة، وهو يستحيل إلى خلط ويرخي الجسد ويحدث هيضة. وإذا فسد في الجوف فهو كالسم.
القرع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا طبختم فأكثروا القرع فإنـه يسكن قلب الحزين. ومن خواصه أن الذباب لا يقع عليه، ولما خرج يونس عليه السلام من بطن الحوت خرج كالطفل حين يخرج من بطن أمـه، فأنبت الله سبحانـه وتعالى عليه في الحال شجرة من يقطين(2) لئلا يقع عليه الذباب فيؤذيه. فمكثت الشجرة حتى تصلبت بشرته وقويت أعضاؤه فأيبسها.
__________
(1) يعتبر وهب بن منبه (ت 110 هـ / 732م ) من رجال الطبقة الأولى من كتاب المغازي والسير وهو من مواليد اليمن ، فقد ولد في قرية تسمى زمار بجوار صنعاء حوالي سنة 34 هـ ومعنى هذا الاهتمام بالمغازي ، والسير لم يعد مقصوراً على أهل المدينة وحدهم ، بل أصبح الاشتغال بها موضع اهتمام من العلماء في كل الأقطار الإسلامية ، وقد أسهم وهب بن منبه إسهاماً طيباً في إثراء حركة التأليف في المغازي والسير وعاش حياة علمية ثرية ..
(2) اليقطين :( القرع – الكوسا – قرع الكوسا ) فهو من الفصيلة القرعية واليقطين من أجود انواع الخضروات ، سهلة الهضم ولا يجهد المعدة ولا الامعاء ولهذا فهو غذاء نافع لمرضى القولون الغليظ وثمار القرعيات ولب اليقطين له دور في علاج الدودة الشريطية ويقال ان الذباب لا يقرب هذه الشجرة.

والقرع بارد رطب، ويسمى الدباء. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء، وهو يغذي غذاء يسيراً وينحدر سريعاً، وهو جيد للصفراء وعصارته تسكن وجع الأذن مع دهن ورد، ينفع من أورام الدماغ، وسليقه ينفع من السعال ووجع الصدر من حرارة، ويقطع العطش، إلا أنـه يفسد في المعدة ويضر بأصحاب السوداء والبلغم ويضر بالأمعاء.
القثاء والفقوس والعجور: فالقثاء بارد رطب يسكن الحرارة والصفراء ويدر البول ويسكن العطش ويوافق المثانة وشمـه ينعش المغشي عليه، وأكله ينفع من عضة الكلب الكلب؛ وبذره يدر البول ويحسن اللون طلاء ويطفئ الحرارة، لكنـه رديء الكيموس، يهيج الحميات ويؤلم المعدة، وكذلك الفقوس والعجور.
الخيار(1): بارد رطب، ينفع من الحميات المحترقة ويدر البول، إلا أنـه يحدث العطش، وشمـه ينفع المغشي عليه من حرارة، ويحدث وجعاً في المعدة والخواصر.
الباذنجان: حار يابس ينفع من نزف الدم ويورث أخلاطاً رديئة وخيالات فاسدة، ويولد السوداء والسدد ويسود البشرة؛ ويفسد اللون، ويصفره ويولد الكلف والصداع
الأرز: بارد يابس، يحبس البطن حبساً ليس بالقوي، وإن لم تغسل عنـه الحمرة التي عليه، وإلا عقل البطن. وأنفعه ما أُكل باللبن الحليب، وأكله يزيد في النضارة بوجه الآكل ويخصب البدن ويري أحلاماً صالحة.
السمسم(2): حار رطب مغذ ملين محلل ينفع السوداويين ووجع الصدر والخشونة في الحلق ويزيد في المني.
__________
(1) الخيار : أسمائه أيضاً " عبد اللاوي " وهو من النباتات التي صورت بكثرة على الآثار المصرية ، وفي الطب الاسلامي كانت أوراق الخيار تستخدم في تسكين الآلام عند عضة الكلب المسعور ( الطب القديم ، ص 22 ) .
(2) السمسم : Sesame : نبات حولي أوراقه مستطيلة ، أزهاره ارجوانية أو مائلة للبياض ويحتوي على بذور مفلطحة ويزرع من اجل بذوره التي تحتوي على زيت السمسم الثمين ، وهو مغذ وملين للأمعاء ومرطب للجلد ( الطب القديم ، ص 32 ) .

الحمص: حار رطب ملين يدر البول ويهيجه، وينفع ويغذي أكثر من الباقلاء، ويجلو النمش ويحسن اللون أكلاً وطلاء، وينفع من الأورام الحارة الصلبة ومن وجع الظهر ويصفي اللون.
الكمون(1): حار يابس يقتل الدود ويطرد الريح ويحلله، وإذا غسل الوجه بمائه صفاه، وكذلك أكله بقدر يسير، ويدمل الجراحات ويقطع الرعاف مسحوقاً مع خل، وإذا مضغ وقطر ريقه في العين نفع الطرفة والدم السائل من العين.
الكمون الكرماني: وهو الشونيز الأسود، حار يابس يقطع البلغم جلاءً، ويحلل الرياح والنفخ ويقطع الثآليل وينفع الزكام البارد. ويجعل مدقوقاً في خرقة كتان ويطلى بـه جبهة من بـه صداع بارد.
الكراويا(2): حار يابس يطرد الريح ويخففه، وينفع الخفقان ويقتل الديدان ويدر البول. وقدر ما يؤخذ منـه درهم.
فصل في البقول(3) الكبار
__________
(1) الكمون Cumin : بذوره منبهه وطاردة للريح ، وتستخدم في صناعة العطور ، ويستخدم في حالات عسر الهضم والمغص ( الطب القديم ، ص 45 ) .
(2) نبات حولي من فصيلة الخيميات، ينمو فى الحقول والأحراج وعلى جوانب الطرق، والجزء الطبي منـه المستعمل هو الثمرة التي لها طعم حاد حِرِّيف ورائحة معروفة. يتواجد في مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط وإيران ومنغوليا. تنشيط الجهاز الهضمي ومعالجة المغص المعوي خصوصاً عند الأطفال، والمساعدة على طرد الغازات. يساعد على إدرار اللبن عند المرضعات وتسكين آلام الرحم بعد الولادة. زيت الكراويا يستخدم في تخفيف آلام الروماتيزم في المفاصل والعضلات. تستعمل في بعض الصناعات الغذائية مثل بعض أنواع الفطائر والجبن.
(3) البقول : البقل هو ما اخضرت بـه الأرض ، والمتعارف عليه هو مأكولات من نباتات الفصيلة البقلية.

القلقاس(1): حارس يابس رطب يزيد في الباه ويولد الريح.
القنبيط(2): حار يابس يفتح السدد، ويشفي من الخمار وينفع من ضربة السكر ويولد رياحاً.
اللفت(3): حار رطب يغذي غذاء كثيراً ويولد المني ويدر البول، ويشـهي الطعام إذا طبخ مرتين وطيب بالخل والخردل(4). وماؤه ينفع البصر وهو يحرك شـهوة الجماع.
الفجل(5): حار رطب يقطع رائحة الثوم ويقوي الباه وينقي المعدة، وماؤه إذا قطر في العين جلاها، وبالشرب ينفع من نـهش الأفاعي، وإذا طرح ماؤه على العقرب ماتت لساعتها. ومن أكل فجلاً ولسعته عقرب فلا يضره.
__________
(1) القلقاس : بقلة زراعية عسقولية من الفصيلة القلقاسية ، تؤكل عساقلها - أي ما يسمى درناتها - مطبوخة وتحوى الدرنات مواد غروية ، ومواد نشوية مغذية وهو ومزيل للسعال والقلقاس سريع الهضم ويغلف المعدة
(2) القنبيط : نبتة غنية بالمواد الكبريتية. تعرف أيضاً باسم القرنبيط
(3) اللفت Turnip : اللفت من البقول الزراعية التي تضم الفجل والكرنب وغيرهما، وهو يدر البول، يفتت الحصى ، يمنع انحباس الماء بالجسم والتنفخ ( الاستسقاء).، منشط للكبد ، يعالج اليرقان ، ويمنع امراض حصى المرارة ، يعالج ضعف البصر لما فيه من فيتامين أ ومشتقاته.
(4) الخردل : يطلق على أنواع نباتية من جنس واحد تختلف في لون بذورها فمنـها الأسود والأبيض وتتميز البذور بتجانسها من حيث الوزن والحجم لذلك اتخذت مقياساً للوزن وله طعم حريف وأزهاره صفراء اللون ذهبية مرتبة في عناقيد والثمرة خلردلة بها من 3 – 5 بذور سوداء اللون محمرة صغيرة الحجم لها صعم حار نافذ وقطر البذر 1مم .
(5) الفجل : Radish : كلى والاضطرابات النفسية ، فاتح للشـهية ( الطب القديم ، ص 39 ) .

الجزر(1): حار رطب، ينفع من ذات الجنب والسعال المزمن ويهيج الباه.
البصل(2): حار يابس ملطف محمر للبشرة، يجذب الدم إلى خارج الجسد كالخردل، ويزيد في الباه وينفع من تغير المياه ويفتق الشـهوة ويلين الطبع ويحسن اللون ويحد البصر.
__________
(1) الجزر : نبات جذري من الفصيلة الخيمية. يستفاد من جذره الذي في التربة.وهو ثنائي الحول وله عدة ألوان أرجواني وأرجواني محمر وأصفر وقريب من الأبيض . وكلما كان الجزر أكثر إحمراراً دل ذلك على زيادة محتواه من مادة الكاروتين التي يحتاج إليها الجسم بمقدار واحد ونصف ملغم يوميا. طعم الجزر حلو وئ وممتع. تعتبر أوراق الجزر غذاء جيدا للمواشي. يتوفر الجزر حاليا طوال أيام السنة حيث يزرع صيفا في البلاد الحارة تحت المسقفات البلاستيكية لحماية النبات من حارة الشمس المرتفعة.و الجزر له خواص المضادات الحيوية، فهو يدمر البكتيريا التي تزهر في الأمعاء و يساعد عصير الجزر في التخلص من الإلتهابات المعوية وفي شفاء قرحة المعدة و يساعد في التخلص من بعض ديدان المعدة والمغص و يحفظ جدران أجهزه الهضم ويضمده و مدر للبول
(2) البصل Onion : من الفصيلة الزنبقية ، وهو يحتوي على زيت طيار بـه مواد عضوية كبريتية وبروتينات ومواد كربوايدراتية وبعض المعادن وفيتامينات أ و ج ، والبصل يستعمل لنكهته وهو منفث ومـهيج ومنشط لحركة الأمعاء مما يجعله مفيدا ً للإمساك ، ومنشطا للرحم ويقوي ضربات القلب ويحفظ نسبة السكر في الدم وقد أثبتت الأبحاث أن البصل يساعد على الوقاية من جلطات الدم ويخفف الإصابة من تصلب الشرايين وتناول البصل يؤدي الى خفض الكوليسترول في الدم الذي يؤدي الى الذبحة الصدرية.

الثوم(1): Garlic : حار يابس يسخن المعدة إسخاناً ظاهراً، وينفع أصحاب الأمزجة الباردة الرطبة، وينفع الأبدان المشرفة على الوقوع في الفالج ويخفف المني ويفتح السدد ويحلل الرياح ويطلق البطن ويقوم في جميع الأوجاع الباردة مقام الترياق الأكبر، وله منافع كثيرة.
الهليون(2)
__________
(1) الثوم : هو نبات معمر بالبصلات ذات الرائحة النافذة ويحتوي على مواد كبريتية وأهمـها زيت طيار يحوي ثنائي اليل الكبريتيد وجولوكوزيد اليين اليسين ، ولكنـه خال من الفيتامينات ويستعمل الثوم تابلا ومعرقاً ومدراً للبول ومنفثاً ومطهراً للأمعاء وفيه علاج الدوسنتاريا ويوقف نمو البكتيريا ويوصف علاجا لتصلب الشراين وضغط الدم العالي ويؤثر على عضلات القلب وينشطها ومضغ الثوم مدة ثلاث دقائق يعد كافيا لقتل جميع الميكروبات التي تكون بالفم والثوم علاج ناجح لسوء الهضم والانتفاخ والمغص وزيته الطيار يمتص في الدورة الدموية ويفرز من الرئتين ويعمل مطهرا ومضادا للتقلصات ويخفف آلام التهابات الجهاز الهضمي وآلام البطن عند مسحه على البطن وقد استعمل الثوم وقاية من أمراض التيفوس والتيفود والدفتريا وعلاج السعال الديكي وهو منفث ويخفف السعال والثوم يفتح الشـهية للأكل ويفيد في تخفيف العرق الغزير ليلاً وقد استعمل الثوم كملطف للحرارة في الحميات وتستعمل عصارته في الأمراض الجلدية وآلام الأذن وهو مطهر للجرح ولأسطح المقروحة .
(2) الهليون من النباتات المصرية القديمة حيث نقشت رسوماته على جدران المعابد ووجدت عيدانـه في العديد من المقابر الفرعونية وكذلك ما زالت بذوره محفوظة داخل أوان فخارية حتى اليوم. والهليون نبتة معمرة رفيعة السيقان تعلو مترين لها أوراق ابرية طويلة وأزهار ية تنتج ثماراً عنبية حمراء زاهية..
وا لهليون من الخضروات الورقية التي تمكث في الأرض حوالي عشر سنوات ويوجد منـه عدة انواع مثل الهليون الأبيض والبنفسجي. وجميع الأصناف الثلاثة تجود زراعتها في مصر وخاصة في الأراضي الصفراء الخصبة والرملية.

: حار رطب يفتح السدد وينفع القولنج البلغمي والريح وينفع عسر البول.
* * * *
فصل في البقول الصغار
الهندبا(1): قال علي بن أبي طالب رضي الله عنـه: في كل ورقة من الهندبا وزن حبة من ماء الجنة، وهو بارد رطب، وهو يفتح السدد ويروق الدم، وينفع الكبد والعروق.
النعنع(2): حار يابس وفيه قوة مسخنة وهو ألطف البقول المأكولة جوهراً. وعصارته تنفع من سيلان الدم من الباطن ويقوي المعدة ويسخنـها ويسكن الفواق الكائن عن امتلاء، ويهضم إذا أخذ منـه اليسير.
الزعتر(3) البري: سريع النبات بعيد من الآفات، وهو حار يابس محلل ملطف يسكن وجع الضرس مضغاً، وينفع من أوجاع الوركين والكبد والمعدة. ويخرج الدود وحب القرع. وينفع المغص وعضة الكلب الكلب.
__________
(1) الهندبا عشبة معروفة تكثر فى الاراضى الطينية،وحواشى الطرق، ومنـها بري وبستاني عريض الورق ودقيق الورق , وقد تشتد مرارته في الصيف فيميل إلى قليل حرارة ولا يؤثر , والبستاني أجود وأفضله الشامي.
(2) يعد نبات النعنع الفلفلي هجيناً من نوعين من النباتات هما النعنع المائي والنعنع الأخضر. ويستخدم من هذا النبات أوراقه وهي ذات شكل بيضاوي ولون أخضر وحواف مسننة ورأس مدبب ، تكسوها طبقة من الأوبار المفرزة ، رائحتها عطرية جميلة وطا بارد مميز وهو مضاد للتشنج طارد للريح منشط للكبد .
(3) الزعتر : Thyme : وجدت بقايا منـه في مقبرة توت عنخ امون ويزرع في مصر وهو طارد للبلغم وعلاج الصاع والتقلصات المعوية ( الطب القديم ، ص 30 ) .

الكرفس: حار يابس، يحلل النفخ ويفتح السدد ويسكن الأوجاع؛ ويطيب النكهة وينفع من ضيق النفس ويدر البول، ويهيج شـهوة الجماع من الرجال والنساء. وطبيخه مع العدس(1) يتقيأ بـه من سقي السم وينفعه.
اسفاناخ(2): بارد رطب ملين ينفع السعال والصدر والصفراء، وينفع أوجاع الظهر الدموية وهو سريع الانحدار مضر بأصحاب الأمزجة الباردة.
__________
(1) العدس Leentils : نبات صغير أزهاره بيضاء قرمزية والثمرة قرنية بها بذرتان عدسيتان قطرها حوالي 9 مم وهو من البقول ، وهو طعام مفيد وقوي ومركز وغني بالبروتينات ( 25 % ) وهو غني بالمعادن خاصة الكالسيوم والحديد وبه 3% أملاح معدنية ، ويمتاز العدس ( أبو جبة ) أنـه أغنى من المقشور في المعدنيات باللإضافة الى فيتامين ب .
(2) اسفاناخ : ( السبانخ ) ويسمى علمياً بـ (سبيناسيا أوليراسيا Spinacia Oleracea).وهو من الخضراوات الورقية المشـهورة والمعروفة عند العرب وهم أول من اكتشف قيمتها الغذائية وفوائدها الطبية، حيث تعتبر بلاد فارس الموطن الأصلي للسبانخ ومن ثم انتشر إلى اسبانيا مع فتح الأندلس وبعض الدول تستخدم السبانخ في أعيادها كأعياد النيروز في أفغانستان فإن سكان كابول يتناولونـها مع الأرز وذلك تفاؤلا بأن العام الجديد سيكون خصبا، وأيضا في النمسا هناك عيد يسمى عيد السبانخ يتم سنويا تقديم فطائر بأشكال متنوعة تدخل السبانخ في إعدادها والسبانخ يحتوي على العديد من العناصر الغذائية المفيدة للصحة العامة كالحديد، الكالسيوم، المغانسيوم، المنغنيز إضافة إلى فيتامينA,B,C وبيتاكاروتين وحمض الفوليك، ويحتوي أيضا على الحمض الأميني الهستدين وعلى العديد من العناصر الغذائية التي تلعب دورا مـهما كمضادات للأكسدة

الشومر(1): وهو الرازيانج، حار يابس يسخن إسخاناً قوياً ويحلل الرياح ويفتح السدد ويحد البصر ويفتت الحصى من المثانة.
الشبت(2): حار رطب مسخن مجفف منضج للأخلاط الباردة ويسكن الأوجاع ويفش الأورام وينفع الفواق.
* * * *
فصل في حشاش مختلفة
حب الرشاد(3): حار يابس، وأكله يزيد في الذهن والذكاء ويهيج الباه وعصارته تنفع من نـهش الهوام شرباً ومع العسل ضماداً. ودخانـه يطرد الهوام.
حرمل(4): صالح لأوجاع المفاصل. وفيه قوة مسكرة كاسكار الخمر ينفع من القولنح شرباً وطلاء. وبزره ينقع في الخل ويرش في البيت فيطرد الذباب.
__________
(1) نبات معمر مرتفع والأوراق دقيقة، ولونـها أخضر فاتح. والبذور مفلطحة، وقد كان الشومر معروفا .
(2) الشبت : Dill : يستخدم الشبت للأكل وفي طب الأعشاب يعتبر الشبت من المواد المرطبة والمـهدئة والتي تاعد على الهضم ويشفي انتفاخ البطن والمغص عند الأطفال ( الطب القديم ، ص 34 ) .
(3) حب الرشاد نبات عشبي حولي قائم من الفصيلة الصليبية Cruciferae موطنـه منطقة الشرق الأوسط والحجاز ونجد. وأزهاره بيضاء متعددة, و قد نقل ابن القيم ما ذكره الكحال دون أن يشير إليه وزاد عن جالينوس: قوته مثل قوة بزر الخردل لذلك قد يسخن بـه أوجاع الورك المعروفة بالنساء وأوجاع الرأس
ويعمل على زيادة الأنسولين الفعال؛ لأنـه يحتوي على كميات عالية من الكبريت.
(4) حرمل (peganum harmal) أو غلقة الذئب نبات عشبي معمر ، يبلغ ارتفاعه 60 سنتيمتر ، ذو أوراق مفصصة ، ورائحة مميزة ، وأزهاره بيضاء كبيرة ، ويعطي ثمارا علبية بيضية ، بها بذور سوداء صغيرة. وينمو النبات بريا في معظم بلدان الوطن العربي ، خاصة في المناطق الصخرية في البيئات ذوات المطر الوفير نسبيا ، كما ينمو في كثير من بلدان البحر الأبيض المتوسط.

سنا(1): أجوده الحجازي. وهو حار يابس، يسهل الصفراء والسوداء وينفي الفضول. وقدر ما يؤخذ منـه خمسة دراهم .
بسفنانج: أجوده الغليظ الأخضر الأملس وهو حار يابس محلل النفخ والريح والرطوبة ويسهل بلا مغص ولا كرب وينفع من نزف الدم.
شيرخشك(2): هو حار باعتدال وهو أقوى فعلاً من الزنجبيل.
مربطارخ(3): حار يابس مفتح للسدد محلل للرياح وينفع مع ال شرباً للسع العقارب وللمعدة المسترخية.
أشنان: هو حار يابس مفتح محلل. ووزن نصف درهم منـه يحل عسر البول، ودرهم يدر الحيض، وثلاثة دراهم تسهل مائية الاستسقاء. وهو يجلو الأسنان. ودخان الأخضر يهرب منـه الهوام.
* * * *
فصل في البزور
بزر قطونا(4): بارد رطب يصفي الحرارة والعطش ويسكن الصفراء.
بزر مرو: حار رطب يسهل البلغم وقدر ما يؤخذ منـه زنة درهمين.
بزر البصل: حار يابس، يحرك الباه من الأمزجة الباردة.
بزر اللفت: حار رطب يزيد في قوة الجماع. وقدر ما يؤخذ منـه وزن درهمين.
بزر الجزر: حار يابس يهيج الباه ويدر البول والحيض، وينفع من لسع الهوام شرباً وضماداً.
بزر السذاب(5): حار يابس يقاوم السموم إذا استعمل مع التين والجوز.
__________
(1) السنا: Senna : هو جنس كبير يحتوي على 250-260 نوع من النباتات الزهرية التي تتبع الفصيلة البقولية ، تحت الفصيلة البقمية.
(2) قيل هو طل يقع من السماء على شجر الخلاف بهراة وهو حلو إلى الإعتدال وهو أفضل أصناف المن وأكثرها نفعاً .
(3) ولعلاج النزلات الصدرية والتهابات القصبة الهوائية بعد خلطها مع صفار البيض.
(4) بزر قطونا Psyllium : والمعروف باسم لسان الحمل ويعرف هذا النبات ايضاً باسم حشيشة البراغيث
(5) وهو نبات عشبي معمر بري وزراعي ويتكاثر بالبذور يعرف علميا باسم Ruta graveolens

بزر الرازيانج(1): حار يابس قابض مفتح مسكن للأوجاع محلل للرياح يدر البول والحيض.
بزر الفجل: حار يابس، ينفع من نـهش ذوات السموم وينفع من وجع المفاصل، ويحلل ورم الطحال ويسهل خروج الطعام.
بزر الهندبا: معتدل بين الحر والبرد ينفع من الحميات الصفراوية ومن سدد الكبد واليرقان وقدر ما يؤخذ منـه نحو مثقال.
بزر قثاء: بارد رطب يجلو ويدر البول وقدر ما يؤخذ منـه عشرة دراهم. وإذا دق ودهن بـه البدن حسنـه.
حب الرمان الحامض: بارد يابس يمنع القيء والغثيان، وينفع من المواد الصفراوية.
بزر هليون(2): حار رطب يدر المني ويحرك شـهوة الجماع. وقدر ما يؤخذ منـه درهمان.
* * * *
فصل في
خواص الحيوانات
خواص البغل، وأعضاؤه وأجزاؤه: شحم أذنـه إذا سقيت منـه المرأة لا تحبل أبداً. مخه إذا طعم منـه الإنسان تناقص عقله وفهمـه وحصل له التوهم والنسيان والسهو. قلبه تأكله المرأة فلا تحبل. حافره إذا أحرق أو أذيب بدهن الآس وطلي بـه رأس الأقرع أنبت الشعر. خصيته تجفف بملح وتوضع في جلد حرير وتعلق في رقبة فرس أو جمل فإنـه لا يصيبه سوء ما دامت معلقة عليه. بوله إذا شربته المرأة طرحت جنينـها الميت، وإن شمـه المزكوم وبصق عليه وكبه في طريق فمن داس عليه انتقل الزكام إليه ويبرأ المزكوم الذي كبه. الزنبور الذي يوجد في دبر البغل، يجفف ويبخر بـه صاحب البواسير يبرأ. جلد جبهته إذا أحرق في مكان لا يحصل فيه اتفاق ولا صلح ولا يتم فيه شيء من الأمور.
__________
(1) يعرف باسم: الرازيانج والشمار والبسباس والشمرة والشمر المر والشمر الحلو والحلوة والحبة الحلوة وشمر الحدائق والشمر الوحشي والشمر الزهري .
(2) هليون : ورقه كورق الشبث ولا شوك له البتة وله بزر مدور أخضر ثم يسود ويحمر وفي جوفه ثلاث حبات كأنـها حب النيل صلبة ومنـه ما يكون كثير الشوك وهو الذي يسمى بعجمية الأندلس أسرعين.

خواص الحمار وأجزاؤه: مخه يسقى لمن غلب عليه النسيان. سنـه إذا وضع تحت رأس من قل نومـه نام. كبده يجفف ويعلق على من بـه حمى الربع تزول عنـه. طحاله يجفف ويدخر، فإن قل لين ثدي المرأة سحق بماء وطلي بـه الثدي يكثر اللبن فيه. حافره يسحق بعد حرقه ويطلى بـه جبهة من بـه صرع أياماً يزول عنـه. ويخلط بالزيت ويطلي بـه الخنازير يجففها.
قال بلنياس: يشق حافر الحمار ويحشى قطراناً وكلساً ويحرق بشيرج زنج ويطلى بـه البرص يقلعه، ولو كان عتيقاً. فإذا تدخنت المرأة المطلقة بحافر الحمار أسرع خروج ولدها حياً سالماً بسهولة؛ وكذلك إذا كان الجنين ميتاً أخرجه. ويؤخذ من ذنبه ثلاث طاقات شعر حين ينزو على الأتان ويشد على ساق الرجل ينتشر ذكره ويستوي على سوقه وينعظ في الحال.
لحمـه: من أكل منـه أمن من آفات السموم فلا يؤثر فيه سم أبداً، وينفع صاحب الجذام نفعاً جيداً. دمـه يطلى بـه البواسير مراراً تسقط. لبن الحمار يسقى للصبي الذي يكثر بكاؤه ويزول عنـه ذلك، ومن ضرب بالسياط ضرب الموت يسلخ له جلد حمار في الحال ويلبس بـه جسمـه وينام فيه ليلة فإنـه يزول عنـه ألم الضرب ويأمن عاقبته. جلد جبهته يعلق على المصروع يزول عنـه. ويلقى شيء من شعر ذنبه في نبيذ قوم يسكرون فيقع بينـهم الشر والخصومة والعربدة. عصارة روثه تسقى لمن في مثانته حصاة تفتتها
خواص أجزاء حمار الوحش: مخه يسحق بدهن الزنبق ويطلى بـه البهق يزول. مرارته قال ابن سينا: إنـها تقلع القوباء من الجسم. لحمـه مدقوقاً ينفع النقرس طلاءً مع دهن الورد. شحمـه جيد للكلف طلاءً. حافره يتخذ خاتماً ويعلق على أصحاب الجنون والصرع في رأس الشـهر يزول عنـهم ذلك.
ويكتحل بـه محرقاً ينفع من ظلمة العين والغشاوة. روثة يرمي في تنور الخباز يسقط جميع أقراصه. وإذا سحق وخلط ببياض البيض وانتشقه المرعوف انقطع عنـه الرعاف. والله سبحانـه وتعالى أعلم.
* * * *
فصل في حيوانات النعم

خواص أجزاء الإبل: ليس للبعير مرارة وإنما على كبده شيء يشبهها وهي جلدة فيها لعاب يكتحل بـه فينفع من الغشاء العتيق، ويطلى بـه الرقبة فينفع من الخوانيق. كبده إذا داوم على أكله نفع من نزول الماء في العين. شحمـه متى وضع في موضع هربت منـه الحيات. سنامـه يداب ويطلى بـه البواسير يسكن وجعه. كرشـه فيه غدة إذا أخرجت منـه استحجرت، وإذا سحقت بالخل ابيضت، وهي من أنفع الأشياء للسموم القاتلة. عظمـه يسحق ويذاب بالزيت ويطلى بـه رأس المصروع يزول صرعه. شعره يشد على الفخذ الأيسر يمنع سلس البول ويشد على فخذ الصبي الذي يبول في الفراش يزول عنـه. وبره يذر على الأنف محرقاً يحبس الرعاف والدم السائل من الجراحات، كذلك إذا ذر عليها. لبنـها نافع من السموم كلها والمضمضة بـه تنفع الأسنان المتآكلة ويزيل صفرة الوجه أكلاً وطلاءً. بعره قال ابن سينا: يقطع الرعاف ويزيل أثر الجدري ويقطع الثآليل.
خواص البقر: قرنـه يحرق ويجعل في طعام صاحب حمى الربع تزول عنـه. ويشرب في شيء من الأشربة يزيد في الباه ويقوي القضيب ويشده ويورث الإنعاظ وينفخ بـه في منخر الرعف ينقطع دمـه. قرناه يحرقان حتى يصيرا رماداً ويذاب بالخل ويطلى بـه موضع البرص مستقبلاً بـه الشمس فإنـه يزول. مخه طرياً يذاب بدهن ويقطر في الأذن الوجعة يسكن وجعها. لسان الثور الأسود يجفف ويسحق ويمزج بـه حماض الأترج ويستف منـه مقدار مثقال فلا يخاصم أحداً إلا غلبه وألزمـه.

مرارته ببزر الجرجير وبزر الفجل ومائه يعرض للنار ليقوي ويشتد ويطلى بـه الكلف فإنـه يزول إذ لزم ذلك. ويخلط بمرارته ورق الغيبراء مدقوقاً وتتحمل منـه المرأة فإنـها تحمل. وفي مرارته حجر قدر عدسة تجعل في ماء الشـهدانج وماء الفرفخ، ويستعط منـه صاحب الصرع يزول صرعه، وتطلى الشجرة بمرارة البقرة لا يتولد فيها الدود، وتخلط مرارة البقر ببعر الفأر ويتحمل بها صاحب القولنج يزول في الحال. مرارة البقرة السوداء يكتحل بها من بـه ظلمة العين يحتد بصره؛ وإذا أردت أن ترى عجباً فخذ جرة من فخار وادفنـها في الأرض إلى عنقها واطل باطنـها بشحم البقر فإنـه لا يبقي في ذلك الموضع شيء من البراغيث حتى يدخل فيها.
خصية العجل تجفف وتشرب مسحوقة ب تهيج الباه وتعين على الجماع إعانة عظيمة. قضيبه يجفف ويسحق ويرمى على البيض النيمبرشت ويطعم منـه فإنـه يزيد في الباه. كعبه يحرق ويدلك بـه السن يبيضها ويذهب وسخها. لبنـه يزيل صفرة الوجه. وإذا شرب مخيضاً نفع البواسير. سمنـه يطلى بـه لسع العقرب يبرأ لوقته. والعتيق منـه نافع للجراحات. دمـه يطلى بـه الورم يسكن وجعه. قال بلنياس: بول الثور يخلط مع بول الإنسان ويوضع على أصابع اليدين والرجلين يذهب بحمى الربع وقلما يحتاج إلى ثلاث مرات. وهذا من العجائب. أخثاء البقر يضمد بها لسعة الزنبور تسكنـها.
خواص أجزاء بقر الوحش: مخه يطعم منـه صاحب الفالج ينفعه نفعاً بيناً. قرنـه من استصحبه معه نفرت منـه السباع ويدخن بـه في البيت فتهرب من ريحه الحيات. رماده يذر منـه على السن المتآكلة يسكن الوجع. دمـه ترياق للسموم كلها. شعره يبخر بـه البيت يهرب منـه الفأر.
خواص أجزاء الجاموس: الدودة التي في دماغه إذا علقت على أحد لا ينام ما دامت معه. لحمـه يولد القمل. شحمـه يذاب بالملح الأندراني ويطلى بـه على الكلف والنمش والجرب والبرص يزيله .

خواص أجزاء الضأن: قرن الكبش: إذا دفن تحت شجرة باكرت بثمرتها قبل كل الأشجار وكثر حملها. مرارة الضأن يكتحل بها مع العسل ينفع من نزول الماء في العين، ومن إزالة البياض ينفع نفعاً عجيباً. مخه يورث البله وأصحاب الصرع إذا أكلوا منـه يشتد صرعهم. عظمـه يحرق بنار حطب الطرفاء ويخلط رماده بدهن الشمع المتخذ من دهن الورد ويطلى بـه موضع الشج والهشم يصلحه. وقال بلنياس: إذا تحملت المرأة بصوف النعجة قطع الحمل.
خواص أجزاء المعز: قال بلنياس: قرن ماعز أبيض يسحق ويشد في خرقة ويجعل تحت رأس النائم فإنـه لا ينتبه ما دام تحت رأسه. مرارة التيس بعد نتف الشعر من الجفن كحلاً تمنعه من النبات. ومرارة تيس مع مرارة بقرة مخلوطان يلطخ بهما فتيلة من قطن عتيق وتجعل في الأذن يزيل الطرش لحادث. طحاله يقطعه صاحب الطحال بيده ويعلقه في بيت هو فيه فإذا جف الطحال زال ألم المطحول. لحمـه يورث النسيان ويحرك السوداء.
قال بليانس: دم التيس يفتت حجر المغناطيس. وتسقى إبرة بدم تيس ويثقب بها الأذن فلا تلتئم إبداً. جلده إذا سلخ وهو حار ووضع على جلد الملسوع أو المنـهوش من الحيات والأفاعي أو المضروب بالسياط دفع عنـهم الآفة والألم. لبن الماعز ينفع من النوازل ويحسن اللون شرباً، سيما مع السكر، ويطلي ببعره الجرب مع السكر في ال ثلاث مرات فإنـه يذهب به. لبنـه علاج للنسيان مع السكر ودواء للبلغم والوسواس والخيالات الفاسدة والأحلام الرديئة ويهيج الباه. أنفحة الجدي والخرفان تجلب الفضول من أعماق البدن.
بول الجدي يغلى حتى يسخن ويخلط بمثله من سكر ويطلى بـه الجرب في ال ثلاث مرات يزول. قال ابن سينا: بعر الماعز يحلل الخنازير بقوة وإذا حملته المرأة بصوفه منع سيلان الدم من الرحم. وبعر المعز والضأن مع الخل يوضع على حرق النار بدهن ورد وشمع، ينفعه.

خواص أجزاء الغزال: قرنـه ينحت ويدخن بـه لطرد الهوام: لسانـه يجفف في الظل ويطعم للمرأة السلطة الملسنة على زوجها تزول سلاطتها. مرارته تقطر في الأذن الوجعة يزول وجعها. بعر الظبي وجلده يحرقان ويجعلان في طعام الصبي ينشأ ذكياً فهماً حافظاً فصيحاً.
خواص أجزاء سباع الوحوش
الأسد: خواص أجزائه: سنـه من استصحبه يأمن وجع السن وألمـه، ويعلق على الصبي تنبت أسنانـه بسهولة. مرارته تسقى للإنسان يصير جريئاً جسوراً مقداماً، وهي تزيل الصرع حملاً، وتنفع داء الثعلب(1)، والاكتحال بها يمنع سيلان الفم من العين. شحمـه يطلى بـه البواسير والأورام الحارة ينفعها، ويطلى بـه الوجه والبدن فلا يقر بـه شيء من السباع وتهابه، وإن جعل في بيت هرب منـه العقارب والفأر، وإن ألقي في ماء لا يشربه شيء من الدواب. شحمـه الذي بين عينيه يذاب ويمسح بـه الرجل وجهه يهابه كل من يراه وينقاد إليه. لحمـه ينفع من الفالج والاسترخاء. دمـه إذا طلي بـه السرطان أزاله، وكذلك جميع السلع والأورام التي تحدث في الإنسان، وإذا مزج بـه الحليب وطليب بـه البرص أزاله. خصيته تولد العقر في الرجال، فمن أكل منـها لا تحبل منـه امرأة أصلاً. برثنـه يحمله الإنسان معه فلا يقربه شيء من السباع ويهابه كل من رآه، وإذا طرح في الماء وشربت منـه الغنم أصابها هزال ولم تسمن بعدها أبداً. جلده ينام عليه صاحب حمى الربع يوم نوبته، ويغطى بالثياب حتى يعرق، تزول عنـه؛ ودوام الجلوس عليه يذهب البواسير، ويذهب أيضاً الخوف من قلب الخائف. ولو اتخذ من جلده طبل دهل لا يقف لسماعه فرس أبداً، وإذا حمل جلد جبهته انسان تحت عمامته كان مـهاباً موقراً معظماً عند الملوك والسلاطين معاملاً بالإكرام والتبجيل.
__________
(1) داء الثعلب : مرض يصيب فروة الرأس فيعمل على تساقطه على شكل دوائر غالباً .

النمر: فمن خواص أجزائه: إذا دفن رأسه في مكان، اجتمع فيه كل فأر في تلك الأرض. مرارته من اكتحل بها نور بصره ومنع نزول الماء في العين. شحمـه يذاب ويجعل على الجراحات العتيقة ينظفها ويبرئها. لحمـه من أكله ولو خمسة دراهم منـه لا تضره السمومات الحيوانية والنباتية. قضيبه يطبخ ويشب من مرقه ينفع الحصى في المثانة ومن تقطير البول. جلده يتخذ منـه يجلس عليه صاحب البواسير والشقاق تزول عنـهما. ومن حمل شيئاً من جلده هابه كل من رآه.
الفهد: من خواص أجزائه: لحمـه يورث حدة في الذهن وذكاءً وفهماً وقوة في البدن والأعضاء. دمـه من شرب منـه غلبت عليه الفصاحة والبلاغة. برثنـه إذا وضع في مكان لم يبق فيه فأر أصلاً .
الكلب: من خواص أجزائه: عينا الكلب الأسود الميت متى دفنتا تحت جدار انـهدم سريعاً، وإن حملهما إنسان معه لا ينبح عليه كلب أصلاً. نابه يشد على الكلب العقور لا يعود يعقر أحداً ما دام عليه، ويشد الصبي ينبت سنـه بلا وجع ولا ألم. ومن كان كثير الهترة والهذيان والكلام في نومـه وحمله لا يعود لما ذكر. وناب الكلب الكلب الذي قد عض إنساناً يشد في قطعة جلد ويربط في عضد الإنسان يأمن من عضة الكلب الكلب ما دام حاملاً لذلك. لسان الكلب الأسود يملح ويخرز ويحمل فلا تنبح على حامله الكلاب وهذه الخاصية تعلمـها اللصوص مرارته تنفع من ظلمة العين اكتحالاً كبده يطعم مشوياً لمن عضه الكلب؛ وشحم الكلب يطلى بـه الخنازير يحللها، سيما ما كانت في الحلق. مخه أيضاً يفعل ذلك.
قضيبه يجفف ويستصحبه الإنسان يبتلى بانتصاب الذكر ما دام حامله. شعره يشد على المصروع يخف صرعه، وشعر الأسود البهيم من الكلام أشد نفعاً للمصروع. بوله يقلل الثآليل إذا طلي به. قال ابن سينا: قراد الكلاب ينفع في النبيذ ويسقى صاحب القولنج يزيله في الحال إذا كان القراد أبيض اللون. زبل الكلب الأسود تحمله المرأة تأمن من إسقاط الجنين.

الذئب: من خواص أجزائه: رأسه يعلق في برج ال لا يقربه سنور ولا حية. ويدفن رأس الذئب في زريبة الغنم يمرض كل غنم في الزريبة ويموت غالبها. نابه من استصحبه لا يسكر أبداً ولو شرب دناً من الخمر. وإذا علق نابه على الفرس سبق الخيل. عينـه اليمنى من حملها لا يفزع بالليل. عينـه اليسرى من حملها لا يغلبه النوم. مرارته يطلى بها بين الحاجبين يبقى مكرماً بين الخلق. وتشد على الفخذ الأيمن في أول الشـهر تزيل الصرع عن المصروعين؛ وإذا تحملت منـها المرأة التي لا تحمل حملت. والاكتحال بها ينفع من نزول الماء في العين ومن الغشاوة. دمـه يخلط بدهن الجوز ويقطر في الأذن يزيل الطرش وإذا سقيت منـه المرأة لا تحبل أبداً. خصيته تؤكل مشوية لتقوية الباه وتهييج الجماع. عظمـه: يحرق ويدق ويذر حول الزريبة لا يقرب غنمـها ذئب أصلاً.
الضبع: وخواص أجزائه: رأسه يجعل في برج، يكثر فيه ال جداً. لسانـه من حمله معه لا ينبح عليه كلب ولا يغلب عند المخاصمة والمحاججة. وإذا علق على باب دار فيها عرس أو دعوة لا يقع فيها شر ولا مكروه ولا خلف، ويزداد فرحهم واتفاقهم. نابه من استصحبه لم ينس شيئاً أبداً. مرارة الضبعة العرجاء تمنع من نزول الماء في العين اكتحالاً وتجلو البصر من الظلمة. قال بليناس: تخلط مرارة الضبع بدم العصافير ويطلي بـه الإنسان عينـه يأمن من نزول الماء فيها مدة حياته. قلبه يعلق على صبي يبقى فهيماً ذكياً. شحمـه تطلى بـه الحواجب يكون فاعله محبوباً عند الناس. يده اليمنى من استصحبها قضيت حوائجه عند الملوك، وتشد على عضد المرأة وساقيها يسهل عليها الولادة. برثنـه يعلق على شجرة لا يقربها أذى.

قضيبه يجفف ويسحق ويستف منـه الرجل قدر دانقين(1) يهيج بـه شـهوة الجماع بحيث لا يمل ولا يفتر ولو أتى عشرين امرأة. وإن سقيت المرأة الفاجرة من ذلك تابت وتركت الفجور. وقال بلنياس: فرجها وجلدة سرتها إن شدا على رجل لم تنظر إليه امرأة إلا أحبته، وإن شدا على امرأة فلا ينظرها أحد إلا أحبها، وإن شد فرجها على المحموم زالت عنـه الحمى. جلده يتخذ منـه غربالاً يغربل بـه القمح ثم يزرعه يأمن الفساد والجراد، قال ابن سينا: من عضه الكلب الكلب فإذا فزع من الماء يسقى في إداوة من جلد ضبع؛ وقيل إذا أخذت شيئاً من جلد ضبع وشددت فيه شيئاً من ورق الشيح(2) وربطته في خرقة وعلقته على الإنسان فإن النساء تتبعه ويرى من ذلك أمراً عجباً. الشعر الذي حول فقحته ينتف ويحرق ويسحق بزيت ويدهن بـه صاحب الأُبنة يزول مرضه.
الدب: فمن خواص أجزائه نابه يلقى في لبن المرضعة ويسقى للصبي تنبت أسنانـه بسهولة من غير ألم. عيناه تعلقان على صاحب حمى الربع في خرقة حرير أو كتان تزول عنـه. مرارته تنفع من ظلمة العين اكتحالاً. شحمـه يزيل البرص طلاءً. دمـه يخلط بدهن البيض ويطلى بـه الموضع الذي ليس بـه شعر، ينبته .
خواص الثعلب: رأسه إذا وضع في برج هربت كلها. نابه يشد على الصغير الذي بـه ريح الصبيان يذهب فزع النوم وتحسن أخلاقه، ويعلق على من يشكو ألماً بأسنانـه يزول عنـه. مرارته تنفخ في أنف المصروع فلا يصرع في ذلك الشـهر والاكتحال بها يمنع نزول الماء في العين. لحمـه ينفع اللقوة والفالج والجذام إذا داوم عليه. شحمـه يذاب ويطلى بـه النقرس ينفع في الحال ويزول وجعه.
فصل في
خواص أجزاء سباع الطيور
__________
(1) الدانق : كلمة فارسية تعني حبة والدانق الواحد ثماني حبات .
(2) نبات معروف من الفصيلة المركبة، وهو نبات معمر لأوراقه رائحة عطرية، وله أنواع كثيرة أغلبها برية، ويمكن زراعته في الحدائق الخفيفة في التربة الرملية. المستعمل منـه النبات كاملاً عدا الجذور

العقاب(1): مرارته تنفع منظلمة العين اكتحالاً ويطلى بها ثدي المرأة إذا انعقد اللبن فيه يسكن ألم ذلك ويكثر لبنـها. دمـه يجفف ويخلط بالإهليلج الأصفر مسحوقاً ويكتحل بـه فإنـه ينفع من جرب العين، ولو طلي بـه من خارج نفعه أيضاً. مخه يذاب بالزيت ويطلى بـه رجل المنقرس يزول ألمـه، وكذلك وجع المفاصل.
الباز: مرارته من اكتحل بها يأمن من نزول الماء في العين. وقال ابن سينا: مرائر الجوارح كلها تنفع من ظلمة البصر اكتحالاً. عظمـه يدق بعد الحرق ويذر على الموضع المحروق من البدن، ينفعه.
خواص أجزاء النسر: مرارته تقطر في الأذن تذهب الطرش الحادث والعتيق، والاكتحال بها يجلو البصر. لحمـه يطبخ ويخلط بالورس والملح والكمون والعسل ويسقى للسع الهوام المسمومة. شحمـه يذاب ويقطر في الأذن مراراً يذهب بالطرش. الشوحة وهي الحدأة. مرارتها إذا جففت وسحقت وذرت في سلال الحيات ماتت الحيات، وتنفع من النـهوش واللدوغ طلاءً.
__________
(1) العقاب : طائر كبير من فصيلة الكواسر يتميز بكبر الحجم وضخامة المنقار وعرض الجناحين والشراسة وقوة البصر، والقدرة الفائقة على الطيران وشدة البأس وهو من الطيور التي تعيش بالقرب من المياه على سواحل البحار أو مستنقعات المياه العذبة حيث يمثل السمك غذائه الرئيسي، ويرفف عالياً فوق الماء ثم يهبط بسرعة ليغوص في الماء مقدماً رجليه أولاً ويستخرج السمكة من الماء ماسكاً بها بمخالب رجليه.ويتميز بطول الجناح وقصر الذيل وجناحاه ضيقين وأعلى جسمـه بني اللون بينما باطن الأجنحة والبطن والصدر أبيض وألوانـه تشبه ألوان طائر الرخمة (Egyptian vulture) لكن جناحاه أضيق وأطول وله طيران مميز وهو أصغر بقليل من الرخمة إذ يبلغ طوله من 52 إلى 60 سم. ويتمز عن باقي الجوارح بأن منقاره أسود أو رمادي غامق بالكامل وكذلك رجليه ومخالبه .

خواص أجزاء الحبارى(1): داخل قانصتها تجفف وتسحق مع الملح الأندراني والخبز المحرق أجزاء سواء، ويكتحل بـه فإنـه يزيل البياض الذي في العين اكتحالاً. وقال ابن سينا: بيض الحبارى نافع للقوابي وحرق النار.
خواص أجزاء الطاووس: مخه مع السذاب والعسل ينفع من القولنج وأوجاع المعدة. مرارته يسقى منـها وزن دانق للمبطون. دمـه من سقي منـه اعتراه جنون. لحمـه يزيد في الباه وينفع من وجع الركبتين. شحمـه يطلى بـه العضو المبرود. عظمـه من صحبه يأمن من عين السوء. مخلبه يشد على المطلقة تضع في الحال، يشد على فخذها، وكذلك إذا بخر بـه تحت ذيلها وضعت سريعاً.
خواص أجزاء الدجاج: تطبخ الدجاجة البيضاء بعشر بصلات وكف سمسم مقشر حتى تنـهري ويؤكل لحمـها ويشرب مرقها، فإنـه يزيد في الباه ولا ينكرها أحد، ويقوى الشـهوة ويلذذ الجماع للرجل والمرأة، ومداومة أكل الدجاج تولد البواسير والنقرس. شحمـه يطلى بـه الكلف الأحمر في الوجه ينفعه ويزيله، وينفع من الشقاق والعارض في القدم من البرد. مرارتها تمنع من نزول الماء في العين اكتحالاً. قانصتها
__________
(1) الحبارى : من الطيور متوسطة الحجم ذات القوائم متوسطة الطول طويلة العنق والذيل يصل ارتفاع الذكر الى 40 سم ويزن في المتوسط كيلو جرام أو أكثر قليلا، وتعيش الحباري في البراري والسهول المستوية ويوجد 32 نوعاً منـها في العالم ولأفريقيا النصيب الأكبر حيث يوجد 23 نوع أشـهرها الحباري العربية لونـها شاحب والحباري الآسيوية مائل للصفرة رملي والحباري الأفريقية مائل للسواد و يعد من أفضل الفرائس على الاطلاق للصقور .

قال بلنياس: تشوى وتطعم لمن يبول في الفراش يذهب عنـه ذلك. بيضها ينقع في الخل ثلاثة أيام ثم يترك في الشمس ليجف ويطلى بـه للبهق يذهب به. والبيض النيمبرشت ينفع في تكثير مادة المني وإسخانـه وزيادة الشـهوة عجيباً. دهن البيض يطلى بـه النقرس يسكن وجعه وألمـه. ذرقها ينفع القولنج إذا شرب بخل أو نبيذ وينفع صاحب الحصاة. قال بلنياس: ذرق الدجاجة يلصق على باب قوم يقع بينـهم شر وخصومة.
خواص أجزاء الكركي(1): ذرقه يسحق بالماء وتبل بـه فتيلة وتجعل في الأنف ينفع كل قرحة في الخيشوم. عينـه تسحق ويكتحل بها الإنسان فلا ينام. مرارته تنفع من نزول الماء في العين اكتحالاً. لحمـه وشحمـه يطبخان ويقطر مرقهما في الأذن يزيل الطرش. مخه يذاب بخل العنصل ويسقى لوجع الطحال في ال، ينفعه. قانصته تجفف وتسحق ويسقى منـها زنة درهمين لمن بـه وجع الكليتين والمثانة بماء الحمص، ينفعه.
__________
(1) وهو من طيور البر والصحاري والواحات وضفاف الأنـهار ومستنقعات المياه الحلوة يصل طول الكركي 96-119سم وذيله كثير الريش، ولونـه رمادي والظهر بني فاتح أما رقبته من الأمام فسوداء ومن الخلف بيضاء وأعلى رأسه حمرة ويتعرض للصيد من الطيور الجارحة.

خواص أجزاء الهدهد(1): قنزعته تعلق على من بـه وجع الرأس يزول. قال بليناس: من أخذ عينـه وجففها وجعلها في دهن، ودهن بـه وجهه فلا يراه أحد إلا أحبه حباً ما عليه مزيد، وتجعل عينـه تحت رأس إنسان فلا ينام ويغلب عليه السهر ما دامت تحت رأسه، وإذا شددتها على أحد تذكر جميع ما كان نسيه، وتعلق على صاحب الجذام تنفعه نفعاً بيناً. لسانـه يحمله الإنسان معه لا يظفر بـه عدو ما دام معه، وإذا علقت عينـه مع لسانـه على إنسان يدفع عنـه غلبة السهو والنسيان ويزيد في فهمـه وذكائه وحذقه. قلبه إذا علق على إنسان زاد في قوة الباه وشـهوة الجماع، وإذا شوي ودق مع السكر وجعل فوق رغيف وأكله شخصان انعقد بينـهما محبة لا انصرام لها بحيث لا يصبر أحدهما عن الآخر لحظة واحدة. مرارته يسعط بها صاحب اللقوة ثلاثة أيام في مكان مظلم ينفعه نفعاً مسرعاً
جناحه الأيمن يجعل تحت رأس النائم، يثقل في نومـه. ولو دخن بجناح هدهد في برج هربت منـه ال، ومن وضع على أذنـه ريشة من الهدهد وخاصم أو حاكم كان هو الغالب في خصومته وحكومته. لحمـه يقدد ويسحق ويخلط في الدقيق ويتخذ منـه خبيص ويط لمن أراد، فإنـه يحبه محبة عظيمة. عظمـه يدخن بـه في البيت تموت من دخانـه الهوام الأرضية والنمل والعقرب وأشباهها. أظافره تحرق وتدق وتسقى للمرأة التي لا تحمل فإنـها تحمل إذا باشرها الرجل عقب الشرب.
__________
(1) طائر جميل الشكل، أنيق .. القنزعة الموجودة فوق رأسه تزيده جمالا يوجد في أماكن الأحراش والبساتين، طعامـه مؤلف من الحشرات والديدان.. يبني الهدهد عشـه في ثقوب الأشجار والخرائب، وهو مؤلف من الأعشاب والريش. تبيض فيه الأنثى أربع بيضات، وتفقس بعد سبعة عشر يوماً، والفراخ تطير وعمرها ثلاثة أسابيع، والهدهد من الطيور التي تفرخ في الكثير من مناطق بلاد الشام..

خواص أجزاء العقعق(1): دماغه يخلط بالغالية ويسعط بـه صاحب اللقوة والفالج يذهب ما به. دمـه يجفف ويخلط بماء الورد ويسقى للصبي الذي لا يتكلم ينطلق لسانـه بالكلام. دمـه طرياً: يطلى بـه الموضع الذي فيه نصل أو شوكة يخرجها بسهولة. مخه يطعم للصبي بالسكر يبقى فصحياً ذكياً فهيماً حافظاً. ريشـه يحرق ويدق ويذر في عش النمل لا يبقى في الموضع شيء منـه. مخ بيضها يكتحل بـه بعد ال مرتين أو ثلاثة فإنـه يزيل ببياض العين بالكلية.
__________
(1) العقعق : طائر وصوته العقعقة قال ابن بري وروى ثعلب عن إسحق الموصلي أن العقعق يقال له الشججى وفي حديث النخعي يقتل المحرم العقعق قال ابن الأثير هو طائر معروف ذو لونين أبيض وأسود طويل الذنب قال وإنما أجاز قتله لأنـه نوع من الغربان" ، وأما مختارُ الصحاح فلم أجد فيه إلا العقعقُ طائرٌ معروفٌ وصوتهُ العقعقة .

خواص أجزاء الخفاش(1): وهو المسمى بطير الليل. رأسه يترك في برج ال يألف ال ذلك البرج وينمو فيه، وإذا ترك تحت رأس انسان فإنـه لا ينام. دماغه: قال ابن سينا: يكتحل بـه يزيل الماء من العين. قلبه يعلق على من هاجت بـه شـهوة الجماع يسكنـها. دمـه يزيل الغشاء من العين اكتحالاً ويطلى بـه الإبط والعانة بعد النتف فإنـه لا ينبت بعد ذلك بهما شعر. ذرقه يزيل الظفر من العين وكذلك البياض اكتحالاً. ويلقى في عش النمل فيهرب منـه. ويطلى بـه العضو الذي ينبت عليه الشعر وهو لا يختار نباته بالزرنيخ والنورة مراراً فإنـه لا ينبت على ذلك شعر وتعمى منابت الشعر.
__________
(1) الخفاش : هو الحيوان الثديي الوحيد الذي يستطيع الطيران.والخفافيش نجد أن أيديها وسواعدها تحولت كأجنحة تطير بها. وكانت تنتقل بالسماء المظلمة في العصر الإيوسيني منذ 50 مليون سنة. وأثناء هذه الفترة تغيرت ملامح هذا الحيوان قليلا. وهذا ما بينته الحفائر التي عثر عليها في أوربا وشمال أمريكا. ويوجد حوالي ألف نوع من الخفافيش وهي تعادل ربع عدد أنواع الثدييات وبصفة عامة كل الخفافيش تنشط ليلا أو مع بزوغ الفجر أو ظهور الغسق ، وكثير من الخفافيش الليلية تعتمد علي جهاز سونار للطيران والعثور علي الفريسة .وكثير من الخفافيش التي تطير بالغسق والغروب لديها بصر يمكنـها من الإبصار في المستويات الدنيا من الضوء . لكن الخفافيش التي تعيش بالجزر المنعزلة والتي تقل بها الفرائس تطير بالنـهار . عضة الخفاش قد تسبب مرض الكلب (السعار ). ولقد عرف مؤخرا أن الخفافيش لها فوائد. من بينـها أنـها عدو طبيعي للحشرات التي تطير ليلا. وتقوم بتلقيح حوالي 500 نوع من النباتات كالموز والبلح والمانجو والتين والكاشيو.وتفرز أيضا سمادا غنيا بالنتروجين يطلق عليه جوانو guano.

خواص أجزاء البوم(1): مرارته يكتحل بها تنفع من ظلمة العين اكتحالاً. وزعموا أن إحدى عينيه تنام والأخرى تمنع النوم عن حاملها. والطريق إلى معرفة حاليهما أنك ترميهما في إناء فيه ماء، فالغائصة في الماء هي المنومة والطافية هي المسهرة، وتخلط عيناه بالمسك وتحمل؛ فمن شم رائحة ذلك أحب الحامل محبة أكيدة وهيجت بالشم روحانية المحبة. قلبه يطعم لصاحب الفالج مشوياً ينفعه. مرارته تخلط برماد من خشب بلوط وتطعم لمن في مثانته حصى تفتته. وتخلط برماد خشب الطرفاء ويأكله من يبول في الفراش يزول عنـه. كبده سم قاتل. لحمـه يورث الغثيان والقيء. عظمـه يبخر بـه بين ندمان الخمر يقع بينـهم خصومات وفرقة وتشتيت في الحال.
خواص أجزاء الخطاف(2): ريش رأسه يجعل تحت رأس إنسان فإنـه لا ينام. يجفف قلبه ويسحق ويسقى للإنسان فإنـه يعين على الجماع بما لم يمكن وصفه.
وهذا آخر الكلام في الخواص.
__________
(1) البومة : طير جارح ليلي ويعاكس الصقور والعقبان ، والبومة ذات ريش ناعم وقصير الذيل وكبير الرأس ذو عينين كبيرتين موجهتين للأمام وحاطتين بقرص وجهي والمنقار معقوف ومتجه لأسفل ويكون عادة متخفيا جزئيا بالريش الوجهي ( موسوعة الحيوان ، ص 188 ) .
(2) الخطاف : أو سمامة النخيل هذا الطائر يقضي معظم اوقاته في الهواء، ويمكن مشاهدته بجناحه الطويل الذي يشبه المنجل ، كما انـه يضع عشـه في شقوق الصخور ويصل حجمـه إلى (71)سم .




[كتاب : عجائب النباتات والفواكه والحيوانات رمان فصل توت جلد اول]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Sat, 21 Jul 2018 00:01:00 +0000



روضه امام حسن ح در خمسه

كتاب : زهر الأداب وثمر الألباب 5

ولما قضَتْ حق العراق وأهله . روضه امام حسن ح در خمسه . روضه امام حسن ح در خمسه . أتاها من الريح الشمال بَرِيدها
فَمرَّتْ تفوتُ الطيرَ سَبْقاً . . . كأنـها جنودُ عبيد الله وَلَتْ بُنُودها
يريد انصراف أصحاب عبيد الله بن خاقان عن الجعفري إلى سُرّ من رأى عند قتل المتوكل . وقد أخذ هذا التشبيه معكوساً من قول أبي العتاهية : روضه امام حسن ح در خمسه الوافر :
ورايات يَحُل النصرُ فيها . . . تَمُرُّ كأنـها قِطَعُ السحابِ
وقال ديك الجنّ : الخفيف :
وغريرٍ يقضي بحكمين : في الرا . . . ح بجور ، روضه امام حسن ح در خمسه وفي الهوى بمحالِ
للنَّقا رِدْفُه ، وللخُوط ما . . . حُمِّل ليناً ، وجِيدُه للغزالِ
فَعَلَتْ مُقْلَتاه بالصّبِّ ما تَفْ . . . عَلُ جَدْوَى يَدَيْك بالأموالِ
ومن بارع الخروج قول المتنبي : البسيط :
مرّتْ بِنَا بَيْن تِرْبَيْهَا فقلت لها . . . من أين جانَسَ هذا الشادِنُ العَرَبَا
فاستضحكتْ ثم قالت كالمغيث يُرَى . . . لَيْثَ الشَرَى وهو من عِجْلٍ إذا انتسبا
واشتهار شعره ، يمنعني من ذكره .
افتتاح القصائد بالغزل
قال ابن قتيبة : سمعت بعضَ أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيدة إنما ابتدأ بوصف الديار والدِّمَنِ والآثار ؛ فبكى وشكا ، وخاطَبَ الربع ، واستوقف الرفيق ؛ ليجعلَ ذلك سبباً لذكْر أهله الظاعنين ، إذ كانت نازلةُ العمد في الحلول والطعن على خلاف ما عليه نازلة ، المَدَرِ ؛ لانتقالهم من ماء إلى ماء ، وانتجاعهم الكَلأ ، وتتبُّعهم مساقِطَ الغيث حيثُ كان ؛ ثم وصل ذلك بالنسيب ، فبكى شدَة الوجد ، وألم الصبابة والشوق ؛ ليُمِيلَ نحوه القلوب ، ويَصْرِف إليه الوجوه ، ويستدعي إصغاءَ الأسماع ، لأن النسيب قريبٌ من النفوس ، لائطبالقلوب ، لما جعل الله تعالى في تركيب العباد من محبَّةِ الغزل ، وإلف النساء ، فليس أحدٌ يخلو من أن يكونَ متعلّقاً منـه بسبب ، وضارباً فيه بسهم ، حلال أو حرام . فإذا استوثق من الإصغاء إليه ، والاستماع له ، عَقَّب بإيجاب الحقوق ؛ فرحل في شعره ، وشكا النَصَبَ والسهر ، وسُرَى الليل وحر الهجير ، وإنضاء الراحلة والبعير ، فإذا علم أنـه قد أوجب على صاحبه حقّ الرجاء وذِمام التأميل ، وقرّر عنده ما ناله من المكارِه في المسير ، بدأ في المديح فبعثه على المكافأة ، وفَضَّله على الأشباه ، وصغّر في قدره الجزيلَ ، وهزّه لفعل الجميل ؛ فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب ، وعدل بين هذه الأقسام ، فلم يجعل واحداً أغلب على الشعر ، ولم يطل فيُمِلّ السامعين ، ولم يقطع وفي النفوس ظمأ إلى المزيد .
بين أبي تمام والبحتري
ويتعلّق بهذه القطعة ما حدَّث بـه الحاتمي عن نفسه ، وإن كانت الحكاية طويلة فهي غيرُ مملولة ؛ لما لبسَتْه من حُلَل الآداب ، وتزيّنتْ بـه من حُلى الألباب ، قال : جمعني ورجلاً من مشايخ البصرة ممن يُومَأ إليه في علم الشعر مجلسُ بعضِ الرؤساء ، وكان خبره قد سبق إليّ في عصبيّته للبحتري ، وتفضيله إياه على أبي تمام ، ووجدت صاحبَ المجلس مؤثراً لاستماع كلامِنا في هذا المعنى ، فأنشأتُ قولاً أنحيْتُ فيه على البحتري إنحاءً أسرفْتُ فيه ، واقتدحْتُ زِنادَ الرجل ، فتكلّم وتكلّمْتُ ، وخُضْنَا في أفانين من التفضل والمماثلة ، غلوتُ في جميعها غلواً شـهده جميع من حضر المجلس ، وكانوا جُمّة الوقت ، وأعيان الفضل ، فاضطر إلى أن قال : ما يحسن أبو تمام يبتدئ ، ولا يخرج ، ولا يختم ، ولو لم يكن للبحتري عليه من الفضل إلا حسن ابتداءاته ، ولطفُ خروجه ، وسرعة انتهائه ، لوجب أن يقَع التسليم له ، فكيف بأوَابده التي تزدادُ على التكرار غَضَارة وجدة ، ثم أقبل عليّ ، فقال : أين يُذهب بك عن ابتدائه : الكامل :
عارضنا أُصُلاً فقلْنا الرَّبربُ . . . حتى أضاء الأقحوان الأشنبُ
واخضرَّ مَوْشيُّ البرودِ وقد بَدَا . . . منـهنّ ديباجُ الخدودِ المُذهَبُ
وأنىّ لأبي تمام مثل خروجه حيث يقول : الطويل :أدارَهُمُ الأولى بدارة جُلجل . . . سقاكِ الحيَا رَوْحاته وبواكرُهْ
وجاءك يحكي يوسف بن محمد . . . فروّتْك رَيّاهُ وجَادَك ماطِرُهْ
وقد كرر هذا وزاد فيه فقال : البسيط :
تنصّب البرقُ مختالاً فقلت له . . . لو جُدْتَ جودَ بني يَزْدان لم تَزِد
ومن ذا الذي لَطُف لأن يخرج من وصف روض إلى مدح ، فقال أحسن من أقوله : الطويل :
كأنَّ سناها بالعشيِّ لصَحْبها . . . تبلُج عيسى حين يَلْفظُ بالوَعْدِ
وأنَّى لأبي تمام مثلُ حسن انتهائه حيث يقول : الطويل :
إليك القوافي نازعاتٍ شوارداً . . . يُسيَّر ضَاحِي وَشْيها ويُنَممُ
ومشرقةً في النظم غُرًّا يزيدُها . . . بهاءً وحسناً أنـها لك تُنظمُ
وقوله في هذا المعنى : الطويل :
ألست المُوالِي فيك نَظْمَ قصَائدٍ . . . هي الأنجم اقتادتْ مع الليل أنجُمَا
ثناء تَخَالُ الروضَ فيه منوّراً . . . ضحًى ، وتخالُ الوَشْي فيه مُنَمْنَما
ولقد تقدم البحتري الناسَ كلهم في قوله : الكامل :
لو أنّ مشتاقاً تكلّف فوق ما . . . في وُسْعِهِ لسعى إليك المنبرُ قال أبو علي : وكنت ساكناً إلى أن استتمّ كلامـه ، فكأن الجماعة أعجبهم ذلك ، عصبيةً عليّ لا عَلَى أبي تمام ؛ لأني كنت كالشَجَى معترضاً في لهوَاتهم ، وأَسرَّ كلَّ واحد منـهم إلى صاحبه سرّاً يومئ بـه إلى استيلاء الرجل عليّ ؛ فلمّا استتمّ كلامـه وبرقت له بارقةُ طمع في تسليمي له ابتدأت فقلت : لست ممن يُقَعْقَعُ له بالشَنَان ، ولا يُقْرَع له بالعصا ، لا إلهَ إلا الله استنَّت الفصالُ حتى القَرْعَى هل هذه المعاني إلا عُون مُفْتَرعة ، قد تقدم أبو تمام إلى سبْك نُضَارها ، وافتضاض أبكارها ، وجرى البحتري على وتيرته في انتزاع أمثالها وأتباعها ، فأمّا قوله : عارضْنَنَا أصلاً فقلنا الربوب ، فمن قول أبي جُوَيْرَية العبدي : الكامل :
سلّمن نحوي للوداع بمقلة . . . فكأنما نظرت إلينا الربربوقرأن بالحدَقِ المِرَاض تحية . . . كادت تكلمنا وإن لم تُعرِب
وأما قوله في صفة الغيث مخاطباً للدار : وجاءك يحكي يوسف بن محمد ، وقوله في هذا المَعْنَى : لوجدت جود بني يزدان لم تزد فمن قول أبي تمام : الكامل :
ولنُؤْيها في القلب نُؤيٌ شفهُ . . . وَلَهٌ بظَاعِنـها وبالمتخلّفِ
وكأنما استسقى لهن محمد . . . من سومـهنّ من الحَيا في زُخْرفِ
ومن قوله الذي تقدم فيه كلّ أحد لفظاً رشيقاً ومعنى رقيقاً : الوافر :
ديمة سَمْحةُ القياد سَكُوبُ . . . مستغيثٌ لها الثرَى المكروبُ
لو سعَتْ بقعة لإعْظَامِ نُعمى . . . لسعَى نحوها المكانُ الجديبُ
ومن هنا أخذ البحتري : لسعى إليك المنبر : الوافر :
أيها الغيثُ ، حَيِّ أهلاً بمغْدا . . . ك وعند السرى وحين تؤوبُ
لأبي جعفرٍ خلائقُ تَحْكي . . . هن قد يشبه النجيبَ النجيبُ
أنت فينا في ذا الأوان غريبٌ . . . وَهْوَ فينا في كلِّ وقتٍ غريبُ
وأما قوله : الطويل :
كأنَ سناها بالعشي لصحبها . . . تبَلُّجُ عيسى حين يلفظ بالوَعدِ
فإنما نظر فيه إلى قول دِعْبِل بن علي : المتقارب :
ومَيْثَاءَ خضراءَ زُربِيَّة . . . بها النَّوْر يلمَع في كل فن
ضحوكاً إذا لاعبَتْه الرياح . . . تأَوَّد كالشاربِ المرجَحِنْ
فشبّه صحبي سنا نَوْرِها . . . بديباج كسرى وعَصْبِ اليمنْ
فقلت : بَعُدتم ، ولكنني . . . أشبهه بجناب الحَسَن
فتى لا يرى المال إلا العطاءَ . . . ولا الكنز إلا اعتقادَ المِنَنْ
وأما قوله في صفة الغواني : يسَير ضاحي وَشْيها وينمنم وقوله في وصفها : وتخال الوشي فيه منمنماً فمن قول أبي تمام : الكامل :حلوا بها عُقَدَ النسيب ، ونَمْنَمُوا . . . من وَشْيها نشْراً لها وقَصِيدا
ومن قوله الذي أبدع فيه : الطويل :
وواللهِ لا أَنفكّ أُهدِي شوارداً . . . إليكَ تحملنَ الثناءَ المنخَّلاَ
تخالُ بـه بُرْداً عليك محبَّراً . . . وتحسبه عقداً عليك مفصَّلا
ألذَّ من السَلْوَى وأَطيبَ نفحةً . . . من المسك مفتوقاً وَأَيسرَ مَحْملا
أخف على قلبي وأثقلَ قيْمةً . . . وأقصرَ في قلبِ الجليس وأطْولاَ
وقول البحتري : هي الأنجم اقتادَتْ مع الليل أنجماً مأخوذ من قول أبي تمام مقصراً عنـه كل تقصير عن استيفاء إحسانـه حيث يقول : الطويل :
أصِخْ تستَمعْ حُرَّ القوافِي ؛ فإنـها . . . كواكبُ إلا أنـهنّ سُعُودُ
ولا تمكن الإخلاقَ منـها فإنما . . . يلدُ لباسُ البُرْدِ وهْو جديدُ
فهذه خصال صاحبك فيما عددتَه من محاسنـه التي هتكت بها ستور عَوَاره ، ونَشَرْت مطوي أسرارِه ، حتى استوضحت الجماعة أنَّ إحسانَه فيها عارية مرتجعة ، ووديعة منتزَعة ، فاسمع ما قال أبو تمام في نحو أبياتِك التي أوجبتِ الفضلَ لصاحبك حين قال مبتدئاً : الكامل :
لا أنتَ أنتَ ، ولا الديارُ ديارُ . . . خف الهوَى ، وتفضَّت الأوطارُ
كانت مجاورةُ الطلولِ وأهلها . . . زمناً عِذَابَ الوِرْدِ فهي بحارُ
وقوله : الكامل :
رفَّت حَوَاشِي الدهر فهي تمرمَرُ . . . وغدا الثرَى في حَلْيِه يتكسرُ
وقوله : الكامل : أرأَيت أَي سوالفٍ وخُدودِ . . . عَنَّتْ لنا بين اللوى وزَرودِوهل يستطيعُ أحدٌ أن يبتدئ بمثل ابتدائه : الكامل :
طللَ الجميع لقد عَفَوْتَ حميداً . . . وكفى على رُزْئي بذاك شـهيدَا
دِمَنٌ كأنَّ البينَ أصبحَ طالباً . . . دمناً لدى آرامِها وحقودا
أو مثل قوله مبتدئاً : الكامل :
يا دارُ ، درَّ عليك إرهامُ الندى . . . واهتزَّ روضُك للثرى فترءَّدَا
وكسيتِ من خِلع الحيا مستَأسداً . . . أنفاً يغادرُ وحْشَهُ مستأسدَا
أو مثل قوله مبتدئاً : الطويل :
غدَتْ تستجيرُ الدمعَ خوف نَوَى غَد . . . وعاد قَتاداً عندها كلُّ مَرْقَدِ
فأذْرَى لها الإشفاقُ دمعاً مورّداً . . . من الدم يجري فوق خدِّ مورَدِ
ولقد أحسن حين ابتدأ فقال : الوافر :
نَوارٌ في صواحبها نَوارُ . . . كما فاجاك سِرْبٌ أو صُوارُ
تكذَّبَ حاسدٌ فنأَتْ قلوبٌ . . . أطاعَتْ واشياً ونأَتْ دِيارُ
وحيث يقول : الكامل :
ما في وقوفك ساعةً مِنْ بَاسِ . . . تَقْضِي ذِمامَ الأَربُعِ الأَدْرَاسِ
فلعلَّ عينَكَ أَنْ تجودَ بدَمْعِها . . . والدمعُ منـه خاذِلٌ ومُواسِيوحيث يقول : الخفيف :
ما عَهِدْنا كذا نَحِيبَ المشُوقِ . . . كيف والدمعُ آيةُ المعشوقِ
وحيث يقول : الكامل :
دِمَنٌ ألمَّ بها فقال : سلامُ ، . . . كم حلَّ عقدةَ صَبْرِه الإلمامُ ؟
نحرت ركابُ الركب حتى يعبُرُوا . . . رجلاً ، وقد عنفوا عليَّ ولامُوا
وحيث يقول : البسيط :
أمَّا الرسوم فقد أَذْكَرْن ما سلفا . . . فلا تكفّنَّ عن شانيك أَوْ يَكِفَا
لا عذرَ للصبِّ أن يَقْنَى السّلوَ ولا . . . للدمع بعد مضيّ الحيّ أنْ يَقِفا
ومن اقتضاباته البعيدة قوله : الطويل :
لهانَ علينا أن نَقُولَ وتَفْعَلا . . . ونذكرَ بعضَ الفضلِ منكَ فتُفضلا
وقوله أيضاً مقتضباً الكامل :
الحقُّ أَبْلجُ والسيوفُ عَوارِي . . . فحذارِ من أَسد العَرِين حَذَارِ
ومما تقدّم فيه كلَّ واحدةٍ في حسنِ التخلص إلى المدح قوله : البسيط :
إساءةَ الحادثاتِ استنبطي نفقاً . . . فقد أظلك إحسانُ ابنِ حَسّانِ
وقوله : الطويل :
إذا العيسُ لاقَتْ بي أبا دُلَفٍ فقد . . . تَقَطّعَ ما بيني وبين النوائبِ
وقوله : البسيط :
لم يجتمعْ قطُ في مصرٍ ولا طرفٍ . . . محمدُ بنُ أبي مروانَ والنُوبُوقوله المنقطع دونـه كل قول في هذا المعنى : الكامل :
إنّ الذي خلق الخلائق قاتَها . . . أقواتَها لتصرُّفِ الأَحْرَاس
فالأرضُ معروفُ السماء قرًى لها . . . وبنو الرجاء لهم بنو العباسِ
القوم ظل الله أسكن دينَهُ . . . فيهم ، وهم جَبَلُ الملوكِ الراسي
وقوله : الكامل :
عَامِي وعامُ العِيس بين وَدِيقَةٍ . . . مَسْحورةٍ وتنوفةٍ صيهودِ
حتى أغادِرَ كلَّ يوم بالفلا . . . للطير عيداً من بناتِ العيد
هيهات منـها روضةٌ محمودةٌ . . . حتى تناخَ بأحمدَ المحمود
بمعرَّس العرب الذي وَجَدَتْ بهِ . . . أَمْنَ المرُوع ونجدةَ المنْجُودِ
ومن أبدع ابتدائه قوله : الكامل :
سَقى ديارَهمُ أَجشُّ هزيمُ . . . وغدَتْ عليهم نَضرَةٌ ونعيم
جادَتْ معاهدَهم عِهَادُ سحابةٍ . . . ما عهْدُها عند الديارِ ذَميمُ
ثم تخلص إلى المدح فقال وأحسن كل الإحسان :
لا والذي هو عالمٌ أنَّ النَّوَى . . . مُرّ وأن أبا الحسين كريم
ما زلتُ عن سَنَنِ الوداد ولا غَدَتْ . . . نفسي على إلفٍ سِوَاك تحومُ
ثم عاد إلى المدح ، فقال :
لمحمدِ بن الهيثمِ بن شبابةٍ . . . مجدٌ إلى حيثُ السماك مقيم
ملكٌ إذا نُسِبَ النَدَى من ملتقى . . . طَرَفَيْه فهو أخ له وحَميموأبو تمام الذي وصف القوافي بما لم يستطع وصفَها بـه أحد فقال : الطويل : فإنْ أنا لم يحمدكَ عنيَ صاغراً . . . عدوُك فاعلمْ أنني غيرُ حَامِدِ
بسياحَةٍ تنساقُ من غير سائقٍ . . . وتنقادُ في الآفاق من غير قائدِ
محبّبة ما إنْ تزالُ تَرَى لها . . . إلى كل أفق واحداً غَيرَ وافدِ
مخلقة لمَّا تردْ أذنَ سَامعٍ . . . فتصدرُ إلا عن يمينٍ وشاهدِ
والذي قال أيضاً في صفتها : الكامل :
جاءتْكَ من نَظْمِ اللسان قِلاَدةٌ . . . سِمْطَانِ فيها اللؤلؤُ المكنونُ
إنسيةٌ وحشيةٌ كثرَتْ بها . . . حركاتُ أهل الأرض وَهْيَ سكُونُ
حَذِيَتْ حذَاءَ الحَضْرَميّهِ أرهفت . . . وأجادَها التَخْصِير والتلْسِين
ينبوعُها خَضِلٌ ، وحَلْيُ قريضها . . . حَلْيُ الهُدى ، ونسيجُها مَوْضُون
أَحْذَاكها صَنَعُ الضمير يمدُهُ . . . حَسَبٌ إذا نضَب الكلامُ مَعِينُ
أما المعاني فهي أبكارٌ إذا . . . نُصَّتْ ، ولكن القوافيَ عُونُ
وقد أبدع في وصفها فقال : الكامل :
لم أُبْقِ حلية منطق إلا وقدْ . . . سبقتْ سوابقها إليكَ جِيَادي
أبقينَ في أعناقِ جُودِك جَوْهَراً . . . أبْقى من الأطواق في الأجيادِهل يستطيع أحدٌ أن ينسب هذا أو شيئاً منـه إلى السَّرَق والاحتذاء ؟ وهل يستطيع مماثلته بشيء من شعر البحتري ، أو أشعار المحدثين في عصره ومن قبله ؟ فعَيَّ عن الجواب قصوراً ، وأحجم عن المساجلة تقصيراً ، وحكمت الجماعة لي بالقَهْر ، وعليه بالنصر ، ولم ينصرف عن المجلس حتى اعترف بتقديم أبي تمام في صنعة البديع واختراع المعاني على جميع المحدَثين . وكان يوماً مشـهوداً .
حول الغناء
وقال ثُمَامة بن أشرس : كنتُ عند المأمون يوماً ، فاستأذن الغلام لعُمَيْر المأموني فكرهت ذلك ، ورأى المأمون الكراهية في وجهي ، فقال : يا ثمامة ، ما بك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، إذا غنَانا عمير ذكرت مواطن الإبل ، وكُثْبَان الرمل ، وإذا غنتْنا فلانة انبسط أَملي ، وقوي جَذلي ، وانشرح صَدْري ، وذكرت الجِنان والولدان ، كم بين أن تغنيك جارية غادة كأنـها غصن بَان ، ترنو بمقلة وَسْنَان ، كأنما خلقتْ من ياقوتة ، أو خرطت من فضة ، بشعر عكاشة العميّ حيث يقول : الكامل :
من كفَ جارية كأن بَنَانَهَا . . . من فضة قد طُرفَتْ عُنابا
وكأنّ يمناها إذا ضربت بها . . . تُلْقى على الكف الشمال حسابا
وبين أن يغنيك رجل كَث اللحية ، غليظ الأصابع ، خشن الكف ، بشعر ورقاء بن زهير حيث يقول : الطويل :
رأيت زهيراً تحت كَلْكَلٍ خالد . . . فأقبلْتُ أسعى كالْعَجُول أبادرُهْ
وكم بين أنْ يحضرك مَنْ تشتهي النظَر إليه ، وبين من لا يقفُ طَرفك عليه ؟ فتبسّم المأمون ، وقال : الفرق بينـهما واضح ، والمنـهج فسيح ؛ يا غلام ، لا تأذنْ له ، وأحْضَر طيبَ قَيْنَاته ، فظَلِلْنا في أمْتَعِ يوم .
وعكاشة هذا هو عكاشة بن عبد الصمد البصري ، نقيُ الديباجة ، ظريف الشعر ، كان شاعراً مجيداً . وقد أخذ معنى قوله أبو العباس الناشئ ، وزادَ فيه ، فقال : الكامل :
وإذا بصُرْتَ بكفها اليُسرَى حكتْ . . . يدَ حاسبٍ تُلْقي عليك صنوفا
فكأنما المضرَابُ في أوتارِهِ . . . قَلَمٌ يُمَجْمِجُ في الكتاب حروفا
ويجسُه إبهامُها فكأنما . . . في النقْر تنفي بهْرَجاً وزُيُوفَا
أخذ هذا البيت من قول أبي شجرة السلمي وذكر ناقته : البسيط :تَطيرُ عنـها حَصى الظُّرّانِ من بَلَدٍ . . . كما تُنُوقِد عند الْجِهْبِذِ الوَرِق
وأصله قول امرئ القيس : الطويل :
كأن صليلَ المَرْوِ حين تُشِدُّه . . . صليلُ زُيُوفٍ يُنتقَدْنَ بعَبْقَرا
وقال أبو الفتح كشاجم : الكامل :
لو لم تحرِّكْه أنامِلُها . . . كان الهواءُ يُعِيدُه نطقا
جَسَّتْهُ عالمةً بحالته . . . جَسّ الطبيب لمدنف عِرْقَا
غنّت فخِلْتُ أظنُّني طرباً . . . أَسْمُو إلى الأفلاك أو أرْقى
وحسبت يُمْناها تحركه . . . رعداً وخِلْتُ يسارَها بَرْقا
وأنشد الحاتمي لأبي بكر الصولي : الخفيف : وغناءً أرق من دَمْعة الصب وشكوى المتيَم المـهجور
يَشْغَلُ المرءَ منظرٌ ثم نطقٌ . . . فهوَ يُصْغِي بظاهر وضميرِ
صافحَ السمعَ بالذي يشتهيه . . . وأذاقَ النفوسَ طعمَ السرورِ
ليس بالقائل الضعيف إذا ما . . . راض نغماً ولا الشنيع الجهيرِ
وقال أبو نُوَاس : الوافر :
وأَهْيَفَ مثل طاقةِ ياسمِينٍ . . . له حَظَّان من دُنْيَا ودِينِ
يحرَكُ حين يشدُو ساكناتٍ . . . فتنبعث الطبائع للسكونِ
وهذا مليح ، يريد حركة الجوانح للغناء ، وسكون الجوارح للاستماع . وقال الحمدوني يصف عوداً : البسيط :
وناطقٍ بلسانٍ لا ضميرَ له . . . كأنـه فخذٌ نِيطتْ إلى قَدَمِ
يُبْدِي ضميرَ سِوَاهُ للقلوب كما . . . يبدي ضمير سواه منطق القلمِفي صفة القيان
ومن أَحسنِ ما قيل في صفة القيان قولُ ابن الرومي : الخفيف :
وقيانٍ كأنـها أمـهاتٌ . . . عاطفات على بَنِيهَا حَوَاني
مُطْفِلات وما حملْنَ جنيناً . . . مرضعات ولَسْنَ ذاتَ لَبَانِ
ملْقِمَات أطفالَهُن ثُدِيَّاً . . . ناهداتٍ كأحسنِ الرُّمانِ
مفعمات كأنـها حافِلاتٌ . . . وَهْيَ صِفْرٌ من دِرة الألبانِ
كل طفل يُدعى بأَسماء شَتى . . . بين عُودٍ ومزهرٍ وكِرَانِ
أمـه دَهْرَها تترجِمُ عنـهُ . . . وهو بادي الغِنَى عن الترجمَانِ
وقال أبو الفتح كشاجم : المنسرح :
جاءَت بعُود كأن نَغْمَتَهُ . . . صوتُ فتاةٍ تشكو فِراقَ فتى
محفّف حفت العيونُ بهِ . . . كأنما الزهرُ حولَهُ نبتا
دارتْ ملاوِيه فيه فاختلفتْ . . . مثل اختلافِ العيونِ مذ ثبتا
لو حركتْه وراء منـهزم . . . على بريدٍ لعاجَ والتفتا
وقال : الطويل :
يقولون تُبْ والكأس في كف أغيد . . . وصوت المثاني والمثالث عَالي
فقلت لهم لو كنت أزمعت توبةً . . . وشاهدت هذا في المنام بَدَالِي
وقال : الكامل :
أفدي التي كَلِفَ الفؤادُ مِنَ أجْلها . . . بالعُودِ حتى شفني إطرابا
تاهَتْ بجمع صناعتين ، وأظهرتْ . . . كبراً بذاك ، وأُعْجِبت إعجابا
قالت : فضلتك بالغناء وأنت لا . . . تشدو ، وكنا مثلَكم كتابا
فعُنِيت بالأوتار حتى لم أدع . . . نغماً ولم أغْفِل لهنَّ حسابا
وألفتها فأغار ذاك على يدي . . . قلمي وعاتبها عليه عتابا
فجعلت للقرطاس جانِبَ صدرِه . . . وجعلتُ جانب عَجزه مِضرابا
وقال : البسيط :
جاءتْ بعُودٍ كأن الحبَّ أَنحَلَهُ . . . فما يُرَى فيه إلا الوهمُ والشبَحُ
فحرّكَتْه وغنتْ بالثقيل لنا . . . صوتاً بـه الشوقُ في الأحشاء يَنْقَدحُبيضاء يحضرُ طيبُ اللهوِ ما حضرَتْ . . . فان نأت عنك غاب اللهو والفرَحُ
كل اللباس عليها مَعْرضٌ حَسَنٌ . . . وكلُّ ما تتغنّى فهو مقترَح
هذا من قول ابن المعتز : المتقارب :
وغنت فأَغنتْ عن المسمِعي . . . ن وارتجَّ بالطرب المجلسُ
محاسِنـها نُزْهَة للعيون . . . ومَعرِضها كل ما تَلْبَسُ
وقال أيضا : الخفيف :
أشتَهي في الغناء بُحَّةَ حَلْقٍ . . . ناغِم الصوت مُتْعَبٍ مكدُودِ
كأنين المحبِّ أضعفه الشَوْ . . . قُ فضاهَى بـه أَنينَ العُودِ
لا أحِبُّ الأوتار تعلو كما لا . . . أَشتهي الضربَ لازِماً للعَمُود
وأحب المجنبَات كحبي . . . للمبادي موصولةً بالنَّشيدِ
كهبوب الصبا توسط حالاً . . . بين حالين شدَّة وركودِ
وقال : الخفيف :
آه من بُحَّةِ بغير انقطاع . . . لفتاةٍ موصولة الإيقاعِ
أتعبت صوتها وقد يُجْتَنى من . . . نعبِ الصوت راحةُ الأسماعِ
؟ فَغَدَت تكثر الشّجَاجَ وحطّت طبقاتِ الأوتار بعد ارتفاعِ كأنين المحبِّ خفض منـهُ . . . صوتَ شكواه شدَّةُ الأوجاع
وقال بعض أَهل العصر ، وهو أبو الحسن بن يونس : الكامل :
غنَّت فأَخفت صوتها في عُودِها . . . فكأنما الصوتانِ صوتُ العودِ
غَيدَاء تأمرُ عودَها فيطِيعها . . . أبداً ، ويتبعُها اتباع وَدود
أنْدَى من النُّوَار صُبحاً صَوتُهَا . . . وأرق من نَشْر الثنا المعهودِ
فكأنما الصوتان حين تمازَجَا . . . ماءُ الغمامةِ وابنة العُنقود
وأبو الحسن هذا هو : علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى ، صاحب عبد الله بن وهب الفقيه ، وكان لأبي الحسن في الشعر مذهب حسن ، وطبع صحيح ، وحَوك مليح ، وكان عالماً بالنجوم وما يتعلق بها من علوم الأوائل ، وهو القائل : الطويل :سقَى الله أكنافَ اللِّوى كلما سقى . . . بضرْبٍ من المُزنِ الكَنَهْوَرِ هَاملِ
إذا نشرت ريح جُمانَ سحابةٍ . . . غَدَا وَهْوَ حَلْيٌ للرياضِ العَواطِلِ
به وَجْدُ رَعْد ليس بين جوانح . . . ووسواسُ وَدْقٍ ليس بين مفاصل
إذا كان خدّ البرق يلمس نبتهُ . . . تلقَّاه دُرُّ النَّور فوقَ الخمائل
وقال ، وذكر غلاماً : الكامل :
يجري النسيمُ على غلائل خَدّهِ . . . وأَرقّ منـه ما يَمُزُ عليه
ناولتُه المرأة ينظرُ وَجْهَهُ . . . فكسَتْه فتنة ناظريْه إلَيْهِ
وقال ابن المعتز - وذكر المرآة : الطويل :
تبيّنني لي كلّما رُمْت نظرةً . . . وناصَحتِي من دون كل صَديقِ
يقابلني منك الذي لا عدمْتُهُ . . . بلُجّهِ ماء وهو غير غَرِيقِ
وقال أبو الفتح كشاجم يصفُ مرآة أهداها : الخفيف :
أخت شمس الصفاء في الحسن والإش . . . راق غير الإعشاء للأجفانِ
ذات طَوْق مشرف من لُجين . . . أُجريت فيه صُفْرَةُ العِقْيَانِ
فهو كالهالة المحيطة بالبد . . . ر لستّ مضن بعد ثَمانِ
وعلى ظهرها فوارسُ تلهو . . . ببُزَاةٍ تَعْدُو على غِزْلاَنِ
لك فيها إذا تأملت فأل . . . حَسَنٌ مُخْبر بنبيل الأماني
لم يكن قبلها من الماء جرم . . . حاصِرٌ نفسَه بغير ِأَوَان
عدّلت عكسها الشعاع فمبدا . . . ه إليها ورَجعه سِيانِ
وهي شمسٌ وإنْ مِثَالك يوماً . . . لاح فيها فإنـها شَمْسَانِ
أينما قابلتْ مثالَكُ من أر . . . ضٍ ففيها تقابل النيران
فالقها منك بالذي ما رآه . . . خائف فانثنى بغير أَمَان
ومن ألفاظ أهل العصر في مدح الغناء
غِناؤُه كالغِنَى بعد الفقر ، وهو جَبر للكسر . غِناؤُه يبسط أَسِرَةَ الوَجهِ ، ويرفعُ حجابَ الإِذْن ، ويأخذُ بمجامِع القَلْب ، ويحرك النفوس ، وي الرؤوس . فلان طبيب القلوب والأسماع ، ومحيي مَوات الخواطِرِ والطباع ، يُطْعِمُ الآذانَ سروراً ، ويقدح في القلوب نوراً القلوبُ من غنائه على خَطر ؛ فكيف الجيوب ؟ السكر على صوبِه شـهادة .كل ما يغنّيه مقتَرح . لغنائه في القَلْبِ ، موقع القَطْر في الجَدْب . نغمة نغمته تطرب ، وضروب ضَرْبه لا تضطرب . وقيل : السماع مُتْعَة الأسماع ، وإدامُ المدام .
في وصف القلم
أهدى بعضُ الكتّاب إلى أخٍ له أقلاماً وكتب إليه : إنـه - أطال اللهُ بقَاءك - لما كانت الكتابةُ قِوَامَ الخلافة ، وقرينة الرياسة ، وعمودَ الممْلَكة ، وأعظم الأمور الجليلة قدْراً ، وأعلاها خَطَراً ، أحببتُ أن أتحِفك من آلاتّها بما يَخِفُ عليك مَحْمله ، وتثقل قيمتُه ، ويكثر نَفْعُه ؛ فبعثتُ إليك أقلاماً من القصب النابت في الأعْذَاء ، المغذوّ بماء السماء ، كاللآلي المكنونة في الصَّدَف ، والأنوار المحجوبة بالسّدف ، تَنْبُو عن تأثير الأسنان ، ولا يثنيها غَمْزُ البَنان ، قد كسَتْها طباعها جوهراً كالوَشْي المحبر ، وفرند الديباج المنيّر ، فهيِ كما قال الكميت : المتقارب :
وبيضٍ رقاقٍ صِحاح المتو . . . نِ تَسْمَع للبيض فيها صَرِيرا
مُهَنَّدة من عَتَادِ الملوك . . . يكاد سَنَاهُنّ يُعشِي البصيرا وكقدح النبل في ثقل أَوزانـها ، وقُضُب الخيزُرَان في اعتدالها ، ووشيجِ الخطّ في اطّرادها ، تَمرُ في القراطيس كالبَرْقِ اللائح ، وتجرِي في الصحف كالماء السائح ، أَحسن من العِقْيان ، في نحورِ القيَان .
وكتب عبيد الله بن طاهر إلى إسحاق بن إبراهيم من خراسان إلى بغداد يسأله أن يوجهَ إليه بأقلام قصبيّة : أما بعد ، فإنّا على طول الممارسة لهذه الصناعة التي غلبَتْ على الاسم ، ولزمت لزوم الوَسْم ، فحلَت محل الأنساب ، وجرت مَجْرَى الألْقاب - وجدنا الأقلام القصبية أسرعَ في الكَوَاغِدِ ، وأمرَّ في الجلود ، كما أن البَحْرية منـها أسلسُ في القَراطيس ، والين في المعاطف ، وأكلّ عن تمزيقها ، والتعلق بما ينبو من شظاياها . ونحن في بلادِ قليلة القَصب ، رديء ما يوجد بها منـه ؛ فأحببت أن تتقدَم في اختيار أقلام قصبيِة ، وتتأنّق في انتقائها قِبَلك ، وطلبها في منابتها ، من شُطوط الأنـهار ، وأرجاء الكروم ، وأن تتيَّم باختيارك منـها الشديدة المجسّ ، الصّلبة المعض ، الغليظة الشحوم ، المكتنزة الجوانب ، الضيّقة الأجواف ، الرزينة الوَزْن ، فإنـها أبقى على الكتاب ، وأبعد من الحَفَاء ، وأن تقصدَ بانتقائك منـها للرقاق القضبان ، اللطاف المنظر ، المقوَّمات الأوَد ، المُلْسالعُقد ، ولا يكون فيها التواء عوج ولا أَمْت ؛ وضُمَ الصافيةَ القشور ، الخفية الإُبن ، الحسنة الاستدارة ، الطويلة الأنابيب ، البعيدة ما بين الكعوب ، الكريمة الجواهر ، المعتدلة القوام ، تكادُ أسافلها تهتزُّ من أعلاها ، لاستواء أصولها برؤوسها ، المستكملة يبساً ، القائمة على سوقها ، قد تشرّبت الماءَ في لِحائها ، وانتهت في النُّضْجِ منتهاها ، لم تعجل عن تمام مصلحتها ، وإبَّانِ يُنْعِها ، ولم تؤخّر في الأيام المخوفة عاهاتها ؛ من خَصَر الشتاء ، وعَفَنِ الأنداء ، فإذا استجمعتْ عندك أمرْتَ بقطعها ذِراعاً ذراعاً ، قَطْعاً رفيقاً تتحرّز معه أن تتشعبَ رؤوسها ، أو تنشق أطرافها ، ثم عبأت منـها حزماً فيما يصونـها من الأوعية ، وعليها الخيوط الوثيقة ، ووجَّهْتَها مع من يحتاط في حراستها وحفظِها وإيصالها ؛ إذ كان مثلها يُتَوانى فيه ، لقلة خطرِها عند من لا يعرفُ فَضْلَ جوهرها ؛ واكتب معه بعدَّتِها وأصنافها وأجناسها وصفاتِها ، على الاستقصاء ، من غير تأخير ولا إبطاء .
فأجابه ووجه إليه مع الأنابيب : أتاني كتاب الأمير - أعزه الله - بما أمر بـه ولخصه ، من البعث بما شاكل نَعْتَه ، وضاهى صِفَته ، من أجتاس الأقلام ، فتيممت بِغيته قاصداً لها ، وانتهجتُ معالمَ سُبُلِه آخذاً بها ، فأنْفَذْتُ إليه حزماً أنشئت بلطيف السّقيا ، وحُسْن العهد والبُقْيا ، لم تعجل بإخراجها ، ولا بُودِرتْ قبل إدراكها ؛ فهي مستويةُ الأنابيب معتدلتها ، مثقفة الكعوب مقوّمتها ؛ لا يُرَى فيها أمْتُ زَوَر ، ولا وصم صغر ولا عِوَج ، وقد رجوت أن يجدَها الأمير عند إرادته وحسَبَ بِغُيْتَهِ .
ومن كلام منصور بن عمَار في صفة القلم ، ويقال إنـه لسليمان بن الوليد الكاتب : أو ليس من عجائب اللهِ في خَلقِه ، وإنعامِه على عباده ، تعليمُه إياهم الكتابَ المفيد للباقين حكم الماضين ، والمخاطِبَ للعيون بسرائر القلوب ، على لغات مختلفة ، بمعان مفترقة معقودة ، وأحرفٍ مقلوبة ، من ألفِ وتاء ، وجيم وباء ، متباينات الصور ، مختلفات الجهات ، لِقَاحها التفكير ، ونتاجها التأليف ، تخرس مفردة ، وتنطِقُ مزدرجة ، بلا أصواتٍ مسموعهّ ، ولا ألْسُنٍ محدودة ، ولا حركات ظاهرة ، بل قلم حَرَّفَ بارِيه قطَّته ، ليعلقَ المدادُ بـه ، وأرْهَف جانبيه ليرد ما انتَشر عنـه إليه ، وشق في رأسه ليحتبس الاستعداد عليه ، ورفع من شعبيته لتجتمع حواشي تصويره ؛ فهنالك روى القلم في شِقه ، وقفف المادة إلى صدره ، فإذا علقتها العيون حكَتْها الألسن ، فالقلوب حينئذ رَاعِية ، والآذان واعِية ، لكلام سَداه العَقْل ، وألحمـه اللسان ، وأدّته اللَهَوَات ، ولفظته الشفَاه ، ووعته الأسماع ، علىاختلاف أنحاء ، من صفاتٍ وأسماء ؛ فتبارك الله أحْسَنُ الخالقين .
حمل من رسالة كتبها بعض أهل العصر ، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي ، في القلم إلى أبي عمران بن رياح : إنـه لما كان القلمُ مطيةَ الفكْر والبيان ، ومُخْرِجَ الضمير إلى العِيان ، ومستنبطاً ما تُوارِيه ظلَمُ الجَنانِ إلى نُور البيان ، ومُريحَ الفطًنِ العوازب ، وجالبَ الفِكَرِ الغرائب ولسان الغائب ، وبز الكاتب . ، مكتّب الكتائب ، ومفرق الجلائب ، وعماد السّلْم ، وزناد الحرب ، ويدَ الحدثَان ، وخليفة اللسان ، ورأس الأدوات التي خصَّ الله بها الإنسان ، وشرّفه بها على سائر أصناف الحيوان ، ومركباً لآلة قد تقدَّمَتْ كلَّ آلة ، وحِكْمة سبقَتْ في الإنسان كلّ حكمة ، وقَواماً لهندسة عقلية ، ومصدراً لعَقْلِ العاقل ، وجهل الجاهل . الناقل إلينا حِكَمَ الأولين ، وحاملها عنا إلى الآخرين ، الحافظ علينا أَمْرَ الدنيا والدين ، أول شيء خلقه الله بأمره وسَبحَه ، ومَجَّده وحَمِدَه وسجدَ له ، فكان له فرسانٌ خُلِقَ لهم ، وكُنْتَ عميدَهم ، وأقرَانٌ قُصِر عليهم ، وأنت صنديدهم ، وميدان كنت زَيْنـه ، ومضمار كنت عَيْنَه ، وحِلْيَة كنت سابقها ومعجزها ، وغاية كنت مَالِكها ومُحْرِزَها ، ورمت بي الأيام إلى معدنـه الذي كلفت بـه وعنيت بطلبه ، فانفردت منـه بقدح فَذّ أَوْحد ، فَرْد في منْبته ، قد ساعدت عليه السعود في فلك البروج حولاً كاملاً ، مُخْتلف يُؤلّفه أركانـها وطباعها ، ومتباين أنوائها وأنحائها ، وتؤيده بقواها وجواهرها ، حتى غذَتْه عِرْقاً في الثرى معرقاً ، وأرضعته ناجماً ، وسقته مكعباً ، وأروته مقصباً ، وأظمأته مكتهلاً ، ولوحته مستحصداً ، وجللته بهاءها ، وألقت عليه عنوانـها ، وأودعته أعراقها ، وَأَوراقَها وأخْلاَقها ، حتى إذا شقّ بازله ، ورقّت شمائله ، وابتسم من غشائه ، ونادى من لِحَائه ، وتعرى عن خز المصيف ، بانقضاء الخريف ، وانكشف عن لون البيض المكنون ، والصدف المخزون ، ودر البحار ، وفتات الجمار ، دعا منـه نَفَق العَاج بنقبة الديباج ، وقميص الدرر بطراز النساج ، فاجتمعت له زينة الأيدي البشرية ، إلى الأيدي العلوية ، والأنسابِ الأرضية ، إلى الأنساب السماوية ، فلما قادته السعادة إليَ ، ورأيته نسيجَ وَحْدِه في الأقلام ، رأيت أولى الناس بـه نسيجَ وَحْدِه في الأنام ، فآثرتُك بـه مُؤْثِراً للصنيعة ؛ عالماً أن زين الجيادِ فرسانـها ، وزين السيوف أَقرانـها ، وزين بزة لابِسُهَا ، وزين أَداةٍ ممارسُهَا ، فالآن أعطيت القوس باريها ، وزناد المكارِم مُوريها ، والصمصَامة مُصلِتها ، والقناة مُعلمـها ، وحلَة المَجْدِ لابِسها .
وكان النجيرمي جَيدَ الروية والبديهة في نظمـه ونثره ، حلو التصريف ، مليح التأليف ، وكان يوماً عند أبي المسك كافور الإخشيدي ، فدخل عليه أبو الفضل بن عياش فقال : أَدام اللَه أَيام سيدنا الأستاذ - بالخَفْض - فتبسَّم كافور إلى أبي إسحاق ، فقالارتجالاً : البسيط :
لا غَرْوَ إن لَحَنَ الدَاعِي لسيِّدنا . . . وغُصَّ من هَيْبَةٍ بالريقِ والبَهَرِ
فمثل سيدنا حالت مـهَابَتُهُ . . . بين البليغ وبين القول بالحصَرِ
فإذ يكن خفَضَ الأيام من دَهشٍ . . . من شدّةِ الخوف لا مِنْ قِلَّة البَصَرِ
فقد تفاءَلت في هذا لسيدنا . . . والفأل مأثرة عن سيّد البشَرِ
بأن أيامـه خَفْضٌ بلا نَصَب . . . وأن دولته صفوٌ . بلا كدَرِ
فأمر له بثلثمائة دينار ، ولابن عياش بمائتين .
وقال حمدان الدمشقي يصف قلماً : الكامل :
للأيْم بعثته وشَقّ لِسَانِهِ . . . وله إذا لم تجْرِه إطراقُهُ
كالحيةِ النَّضْنَاضِ إلا أَنـهُ . . . من حيث يَجْرِي سمّه تِرْيَاقُهُ
قال العتابي : سألني الأصمعي فقال لي : أي الأنابيب أَصْلَحُ للكتابة وعليها أَصبر ؟ فقلت : ما نشِفَ بالهجير ماؤُه ، وستره عن تلويحِه غشاؤه ، من التِّبرية القشور الدرّية الظهور ، الفضيّة الكسور ، قال : فأي نوع من البَرْي أكتب وأصْوب ؟ قلت : البرية المستوية القطّ ، عن يمين سنّها ، بَرية تأمن معها المجّة عند المطّ ، الهواء في مَشَقها فتيق ، والريح في جوفها خريق ، والمِدَاد في خرطومـها رقيق ، قال : فبقي الأصمعي شاخصاً إليَ ضاحكاً لا يُحِيرُ مسألة ولا جواباً .
العتابي
والعتابي : هو كلثوم بن عمرو بن الحارث التغلبي ، يُكْنَى أبا عمرو ، قال أبو عثمان الجاحظ : كان العتابيّ ممن اجتمع له الخطابة ، والبيان ، والشعر الجيد ، والرسائل الفاخرة ، وعلى ألفاظه وحَذْوِه يقول في البديع جميعُ من يتكلف ذلك من شعراء المولدين كنحو منصور النَمري ، ومسلم بن الوليد الأنصاري ، وأشباههما ، وكان العتابي يَحْتذي حَذْو بشَار في البديع ، ولم يكن في المولدين أجودُ بديعاً من بشار وابن هَرْمَةَ .
والعتابي من ولد عَمْرو بن كلثوم ابن مالك بن عَتّاب بن سعد ، ولذلك قال : البسيط :إني امرُؤٌ هدم الإقتار مأثرتي . . . واجتاح ما أبدَتِ الأيامُ من خطري
أَنا ابنُ عمرو بن كلثوم يسوّدهُ . . . حيّا ربيعةَ والأحياءُ من مضرِ
أرومَةٌ عطَّلَتني من مكارمـها . . . كالقوسِ عطَّلها الرامي من الوترِ
وكان صاحبَ بديهة في المنظوم والمنثور ، حسن العقل وَالتمييز ، وَالعربُ تقول : من تمنّى رجلاً حسنَ العَقل ، حسنَ البيانِ ، حسنَ العِلْم ، تمنَّى شيئاً عسيراً . وَقد اجتمع ذلك كله للعتابي .
وَعاتبه يحيى بن خالد على لباسه ، وَكان لا يُبَالي أي ثوبيه ابتذلَ فقال : أَبْعَدَ اللَهُ رجلاً مـهمُه أن يكون جمالُه في لباسه وَعطره . إنما ذلك حظُ النساء ، وأَهل الأهواء ، حتى يرفعه أكبرَاه : هِمّته ، وَلبّه ، وَيعلو بـه معظماه : لسانُهُ ، وَقَلبه .
ودخل على الرشيد فقال : تكلَم يا عتابيّ فقال : الإيناس قبل الإبسَاس ، لا يُمْدَحُ المرء بأول صَوابه ، ولا يُذَمّ بأول خَطئه ؛ لأنـه بين كلا زَوَّرَه ، أو عيّ حَصَرَه .
وذكر أبو هفّان أنَّ الرشيد لقيَه بعد قَتْل جعفر بن يحيى وزوال نِعمته ، فقال :
ما أَحْدَثت بَعْدُ يا عتابي ؟ فأنشده ارتجالاً : الطويل :
تلوم عنى تَرْكِ الغِنَى باهليّةٌ . . . طَوَى الدهرُ عنـها كلّ طِرْف وتَالِدِ
رأتْ حولها النسوان يرفلن في الكُسا . . . منظمةً أَجيادُها بالقلائِدِ
أَسَرَّك أني نِلْتُ ما نال جعفرٌ . . . من الملك أو مَا نَالَ يحيى بن خالدِ
وأنَّ أمير المؤمنين أَغَصَّنِي . . . مغصَّهُما بالمُرْهَفَاتِ البوارِدِ
فإنَّ رفيعاتِ المعالِي مَشُوبة . . . بمستودعاتٍ في بطونِ الأساوِدِ
وكان متحرفاً عن البرامكة ، وفيهم يقول : البسيط :
إنَ البَرَامِكَ لا تنفك أَنْجِيَةً . . . بصفحة الدين من نجواهُمُ نَدَبُ
تجرّمَتْ حججٌ منـهم ومُنْصلُهم . . . مضرَّج بدم الإسلام مختَضِبُ
واجتاز عبد الله بن طاهر بالرقة بمنزل العتَّابي ، فقال : أليس هذا منزلَ كلثوم بن عَمْرو ؟ قيل : نعم ، فثَنَى رجله ، ودخل إليه ، فأَلْفَاه جالساً في بَيْتِ كتبه ، فحادَثه وذاكَرَه ، ثم انصرف ، فتحدّث الناسُ في ذلك ، وقالوا : إن الأمير لم يَقْصِدهُ ، وإنما اجتاز بـه فأَخْطر ذلك الزيارةَ ، فكتب إليه : الكامل :يا مَنْ أَفادَتْنِي زِيارَتُهُ . . . بَعْدَ الخمولِ نباهةَ الذكْرِ
قالوا الزيارةُ خَطْرَة خَطَرتْ . . . ومجاز خَطْرك ليس بالخطر
فادْفَعْ مقالتهم بثالثة . . . تستَنْفد المجهودَ مِنْ شكري
لا تجعلَنَّ الوِتْرَ واحدةً . . . إن الثلاث تتمةُ الوتر
فبعثته الأبياتُ إلى أَنْ زَارَه ثلاثاً . وكان يميل إلى المأمون ، فلمّا خرج ا أمون إلى خُراسان شيعه حتى وصل معه إلى سَنْدان كِسرى ، فقال له المأمون : سألتك بالله يا عتّابي إلا عملتَ على زيارتنا إنْ صار لنا من هذا الأَمر شيء ، فلما ولي المأمون الخلافةَ ، ودخل بغداد سنة أربع ومائتين توصَّل إليه العتّابي ، فلم يمكنـه الوصول ، فقال للقاضي يحيى بن اكثم : إن رأيتَ أن تُعلِم أميرَ المؤمنين بمكاني فقال : لَسْتُ بحاجب قال : قد علمت ، ولكنك ذو فضل ، وذو الفضل مِعْوان فقال : سلكتَ بي غير طريقي قال : إن الله تعالى ألحقك بجاهٍ ونعمة ، وهما يقيمان عليك بالزيادة إن شكرت ، والتغيير إن كفرت ، وأنا اليوم لك خيرٌ منك لنفسك ؛ أدعوك لما فيه زيادة نعمتك ، وأنت تأْبى ذلك ؛ ولكلِّ شيء زكاة ، وزَكاةُ الجاهِ بَذْلهُ للمستعين ، فدخل يحيى على المأمون فقال : أجِرْني من لسان العتابي ، فلَهَا عنـه ، ولم يأذن له ، فلما طال عليه كتب إليه : الخفيف :
ما على ذلك افترقْنا بِسَنْدا . . . ن ولا هكذا عَهدْنا الإخَاءْ
لم أكن أحسب الخلافة يزدا . . . د بها ذو الصفاء إلا صفاءْ
تضرب الناس بالمثّقفة السُّم . . . ر على غًدْرِهمْ وتنسى الوفاءْ
يعرِّض بقتْله لأخيه على غَدره ، ونكثه لِمَا عقد الرشيد ؛ فلما قرأ المأمون الأبيات أمر أن يُدْخَل عليه . فلمّا سلّم قال : يا عتابي ، بلغتني وفادتُكَ فسرَّتْني ، وقد كَانتْ بلَغَتْني وفاتُكَ فساءتني ، وإني لحريّ بالغمّ لبُعدِك ، والسرور بقربك فقال : يا أمير المؤمنين ، لو قسم هذا الكلام على أهلِ الأرض لوسعهم عَدْلاً وأَعجزهم شكراً ، وإن رضاك لغاية المُنَى ، لأنـه لا دينَ إلا بك ، إلا معك ، قال : سَلْني ، قال : يَدُك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة ، بخمسين ألفاً .
وقال العتابي وودَع جاريةً له : الخفيف :ما غَناءُ الحِذَارِ والإِشفاقِ . . . وشآبيب دَمْعِك المُهْرَاقِ
ليس يَقْوَى الفؤادُ منك على الضَ . . . دِّ ولا مُقْلَتَا طَلِيحِ المآقي
غدرات الأيامِ منتزِعَاتٌ . . . ما غَنِمْنَا من طول هذا العناق
إنْ قضَى اللهُ أن يكون تَلاَقٍ . . . بعد ما قد ترين كان تَلاقِ
هَوِّني ما عليك واقْنَيْ حَيَاءً . . . لستِ تبقين لي ولستُ بِبَاقِ
أيّنا قدَمَتْ صروفُ المنايا . . . فالذي أخرتْ سريعُ اللحاق
ويدُ الحادثات رَهْنٌ بمُرِّا . . . تٍ من العيشِ مُصْبِرَاتِ المذاق
غُرّ مَنْ ظن أن يفوت المنايا . . . وعُراها قلائدُ الأعناق
كم صَفييْنِ مُتِّعَا باتفاقٍ . . . ثم صارا لغُرْبَةٍ وافتراقِ
قلت للفرقدين والليل مُلْقٍ . . . سُودَ أكنافِه على الآفاقِ
اِبْقَيَا مَا بقيتما سوف يُرمى . . . بين شخصيكما بسَهْمِ الفِرَاقِ
بينما المرءُ في غَضَارةِ عَيْش . . . وصلاحٍ من أمرِه واتّفَاق
عطفتْ شِدّةُ الزمان فأدّت . . . ه إلى فاقةٍ وضيقِ خِنَاقِ
لا يدومُ البقاءُ للخَلْق لَكِ . . . ن دوامَ البقاء للخَلاَّق
وقال في الرشيد : الطويل :
إمامٌ له كفّ تضُمُ بَنَانُها . . . عصا الدين ممنوعاً من البَرْي عودُها
وعينٌ محيطٌ بالبريَّة طَرْفُها . . . سواءٌ عليها قُرْبُها وبَعِيدُها
وقال فيه : الطويل :
رعى أمة الإسلام فهو إمامُها . . . وأَدَى إليها الحقّ فهو أمِينُها
مقيمٌ بمستنّ الفَلاَ حَيْثُ تَلْتَقي . . . طَوَارِقُ أبكارِ الخُطوبِ وعُونُها
وكان منصور النمري سَعَى بـه إلى الرشيد فخافه ، فهرب إلى بلد الروم ، وله قصائد ، يعتذِرُ فيها ، جيدة مختارةٌ ، وهو مشبّهٌ في حسن الاعتذار بالنابغة الذبياني ، ومن جيّد اعتذاره قوله للرشيد ، ويقال : بل قالها على لسان عيسى بن موسى الهاشمي يخاطب الرشيد : الطويل :
جعلْتُ رجَاء العفوِ عذراً وشُبْتُهُ . . . بهيبةِ إمَا غافِرٍ أو مُعَاتبِ وَكنتُ إذا ما خفْتُ حادث نَبْوة . . . جعلتك حِصْناً من حِذَارِ النوائبِ
فأَنزلَ بي هجرانُك اليأس بعدما حللتُ بوادٍ منك رَحبَ المشاربِ
أظل ومَرعَايَ الجديبُ مكانَه . . . وآوِي إلى حافات أكدرَ نَاضِبولم يثن عن نفسي الردى غير أنـها . . . تنوءُ بباق من رجائك ثائب
هي النفسُ محبوسٌ عليك رجاؤها . . . مقيّدة الآمالِ دون المطالبِ
وتحت ثياب الصبر مني ابن لَوْعةٍ . . . يظل ويُمْسِي مستلين الجوانب
فتى ظفرتْ منـه الليالي بزَلةٍ . . . فأقْلَعْنَ عنـه دامياتِ المخالب
حَنَانَيْك إني لم أكُنْ بعتُ عِزَّة . . . بذلٍّ ، وأحرزتُ المنى بالمواهبِ
فقد سُمْتَنِي الهجرانَ حتى أذَقْتَني . . . عقوبة زلاّتي وسوء مَناقِب
فها أنا مُقْصًى في رِضَاك ، وقابضٌ . . . على حَدِّ مصقولِ الذِّنابينِ قاضِبِ
ومنتزعٌ عما كرِهْتَ وجاعلٌ . . . هواك مثالاً بين عيني وحاجبي
وفي هذه القصيدة مما يختار أهل الصناعة : الطويل :
وأَشْعَثَ مشتاق رمَى في جفونِه . . . غريب الكَرى بين الفجَاج السباسِبِ
سَحَبْتُ له ذَيْلَ السُرَى وَهْوَ لابِسٌ . . . دُجَى الليل حتى مجّ ضوءَ الكوكب
ومن فوقِ أكوار المـهَارِي لبانة . . . أُحِلّ لها أكَلُ الذّرَى والغَوَارب
وكلُّ فتى عاداتُه قَصْر شَوْقِه . . . وطيُّ الحشى دونَ الهموم العوازِب
يُسِرّ الهَوَى لم يُبْدِه نعت فرقةٍ . . . صُراخاً ، ولم تَسْمَعْ بـه أُذْنُ صاحبِ
إذا ادَّرع الليل انْجَلى وكأنـه . . . بقيةُ هندي الحسام المضاربِ
برَكبٍ ترى كَسْر الكرى في جفونـهم . . . وعَهدَ الليالي في وجوهٍ مَشَاحبِ
وقال أيضاً : الخفيف :
لو رأتني بذي المَحَارَةِ فَرْداً . . . وذِراعُ ابنة الفَلاةِ وسادِي
أُطفئ الحزنَ بالدموع إذا ما . . . حُمّةُ الشوقِ أثَّرتْ في فُؤَادي
خاشع الطرف قد توشّحَنى الضز فلانَتْ له قنَاةُ قيَادي
تِرْبَ بُؤْسٍ أخا هموم كأنّ ال . . . حُزنَ والبؤسَ وَافَيَا مِيلادِي
وكأني استشعرت ما لفظ النا . . . س من النائِرَاتِ والأحقادِ
أتصدَّى الرَّدَى وادَّرعُ اللي . . . ل بهَوْجاءَ فوقها أقْتَادِي
حَظّ عيني من الكرى خفقاتٌ . . . بين سَرْحِي ومُنْحَنَى أَعْوَادِيأوْحَشَ الناسُ جانبيَّ فما آ . . . نَسُ إلا بوحدتي وانفرادي
قد رددت الذي بـه أتقي النا . . . س وأبرزتُ للزمان سَوَادي
فاستهلَت عليّ تمطرني الشو . . . ق شآبيب مُزْنةٍ مِرْعَادِ
وقال : الطويل :
أمَا راع قَلْبَ العامريةِ أنني . . . غدوت ومرجوعُ السقامِ قريني ؟
وقال : الطويل :
أكاتِمُ لَوعاتِ الهَوَى ويُبِينُهَا . . . تخلّل مَاءِ الشوق بين جُفُوني
ومطووفة الإنسان في كلِّ لوعة . . . لها نظْرة موصولة بحَنينِ
بنو وهب
: وقال الحسن بن وهب بن سعيد : السريع :
اِبْكِ فمِنْ أحسن ما في البكَا . . . أنّ البكَا للوَجْد تحليلُ
وهْو إذا أنت تأمّلتهُ . . . حزن على الخدين محلول
وقد أعرق بنو وَهْب في الكتابة وأنجبوا ، ولهم في هذا الكتاب ما يشـهد لهم بما نُسب إليهم ، وفيهم يقول الطائي : الخفيف :
كلُّ شِعْبٍ كنتمْ بـه آلَ وَهْبٍ . . . فهو شِعْبي وشِعبُ كلِّ أَديبِ
إن قلبي لكم لكالكبد الحَرىَّ وقَلْبي لغيركم كالقُلُوبِ
وفي هذه القصيدة يقول في مدح سليمان بن وهب :
ما عَلى الوُسَّج الرَّوَاتِك من عَبْ . . . بٍ إذا ما أتتْ أَبا أيوبِ
حُوَّلٌ لا فِعالُه مَرْتَعُ الذم . . . م ولا عِرْضُه مناخ العُيُوبِ
واجد بالصديق منْ بُرَحَاء الشوقِ وجدانَ غَيْرِه بالحبيب أخَذَ سليمانُ منـه معنى هذا البيت الأخير ، فقال في رسالة لبعض إخوانـه :ظَرْفُ الصداقة ، أرق من ظرف العلاقة ، والنفس بالصديق ، آنس منـها بالعشيق .
فقال له أبو تمام : كلامك هذا أرقّ من شعْري .
والحسن بن وهب حَسَنُ الشعر والبلاغة ، جيّد اللسان ، حلو البيان ، وكان يحب بنان جارية محمد بن حمّاد ، وله فيها شعر جيد ، ولها يقول : الطويل :
أقول وقد حاولتُ تقبيلَ كفّها . . . وبي رِعدةٌ أهتزُّ منـها وأسكنُ
ليهنئك أنّي أَشْجَعُ الناسِ كلّهم . . . لدَى الجربِ إلا أنني عنك أَجْبُنُ
وحضرَتْ مجلسه وبين يديه نار فأمرَتْ بإزالتها ، فقال : الكامل :
بأبي كرِهْتِ النارَ حتى أُبعِدتْ . . . فعلمْتُ ما معناكِ في إبعادها
هي ضَرَّة لكِ في الْتِمَاع ضِيائها . . . وهبوبِ نَفْحَتِها لدى إيقادها
وأَرَى صنيعك في القلوب صنيعَها . . . بسَيَالها وأَراكِها وعَرَادِها
شَركَتْكِ في كل الأمور بفِعْلها . . . وضِيائها وصَلاحِها وفسادِها
وإلى هذا ينظر قول الأمير تميم بن المعزّ : الخفيف :
ما هجرتُ المُدامَ والوردَ والبد . . . رَ بطَوْع ، لَكن برَغْم وكُرْهِ
منعتني من الثلاثة مَنْ لَوْ . . . قتلتني لم أَحكِ واللَّهِ مَنْ هِي
فالت الوردُ والمدامةُ والبد . . . رُضيائي ولونُ خدّي ووَجْهِي
قلت بخلاً بكلّ شيء فقالت . . . لا ولكن بخلت بي وبِشِبْهِي
قلت يا ليتني شبيهُكِ قالت . . . إنما يقتل المحبَّ التشَهِّي
ولمَّا مات الحسن بن وهب - وكان موته بالشام - عُزّي عنـه أخوه سليمان ، فجاءَ أبو العيناء ، فقال : أنشدني أبو سعيد الأصمعي : الطويل :
لعمري لنِعْمَ المرءُ من آل جعفر . . . بحورانَ أَمْسَى أعلقَتْه الحبائلُ
لقد فقدوا عَزْماً وحزْماً وسؤدداً . . . وعِلماً أصيلاً خالفتْه المجَاهِل
فإن عِشْتَ لم أملل حياتي وإن تمت . . . فما في حياتي بعد مَوْتِك طائلُ
فقال سليمان : أحسن الله جزاءك ، ووصل إخاءَك ، إن هذا لمن أحسن الشعر ، وقد تمثّل بـه قتيبة حين بلغه موتُ الحجاج ، ولكني أقول كما قال كعب بن سعد الغنَوِي يرثي أخاه أبا المغوار : الطويل :
أخِي ما أخي لا فاحِشٌ عند بَيْتِه . . . ولا وَرَعُ عند اللقاء هَيُوبُحليم إذا ما سَوْرة الجهل أطلقَتْ . . . حُبَى الشيب ، للنفس اللَّجُوج غَلُوبُ
حبيب إلى الزوار غِشْيَانُ بيتِه . . . جميل المحيّا شب وهْو أرِيبُ
إذا ما تراه الرجالُ تحفظُوا . . . فلم تُنطَق العَوْرَاءُ وهْوَ قريبُ
فانصرف الناس يعجبون من علم سليمان ، وحسن جوابه ، وصحّة تمثله .
والأبيات التي أنشدها الأصمعي للحطيئة ، واسمـه جَرْوَل بن أَوْس بن جُؤَيَّة بن مخزوم بن مالك بن غالب . بن قطيفة بن عَبْس بن بَغيض ، يقولها في علقمة بن عُلاَثة وفيها يقول : الطويل :
فما كان بيني لو لَقِيتُكَ سالماً . . . وبين الغِنَى إلاَّ ليالِ قلائلُ
قال سليمان بن وهب : لما جار علينا بالنكبة السلطان ، وجَفَانَا من أجلها الإخوان ، أنصفنا ابن أبي دُوَاد بتطوُّله ، وكفانا الحاجةَ إليهم بتفضله ، فكنّا وإياه كما قال الحطيئة : الكامل :
جاورتُ آل مقَلَدٍ فحَمِدتُهم . . . إذ لا يكادُ أخو جوار يُحْمَدُ
أيام مَن يُرِدِ الصنيعَة يَصْطَنِعْ . . . فينا ، ومَنْ يُرِدِ الزهادةَ يَزْهَدُ
وله فصل إلى بعض إخوانـه : لك أن تعتب ، وشبيهك أن يعذر ، فهَبْ أقل الأمرين لأكثرهما ، وقدم فضلك على حقّك ، ويقينك على شكّك .
ووصف رجلاً بليغاً فقال : كان والقَهِ واسعَ المنطق ، جَزْلَ الألفاظ ، ليس بالهذرِ في لفظه ، ولا المظلم في مقصده ؛ معناه إلى القلم أسْرَع من لَفْظِه إلى السَّمْع .
وهذا ضد قول محمد بن عبد الملك الزيات في عبيد الله بن يحيى بن خاقان : هو مـهزول الألفاظ ، غليظ المعاني ، سخيفُ العقل ، ضعيف العقدة ، واهِي العَزْم ، مأفونُ الرأي .
ألفاظ لأهل العصر في ذمّ الكِتَابِ والكُتَّابِ والنثر والشعر
الخَرَسُ أحسنُ من كلامـه ، والعِي أبلغُ من بيانـه ، خاطره يَنْبُو ، وقلمـه يَكْبُو ، ويسهو ويغلط ، ويخطئ ويُسِقط . هو قصير باعِ الكتابة ، قاصِر سَعْي الخطابة ، وكُتبه مضطربة الألفاظ ، متفاوتة الأبعاضِ ، منتشرة الأوضاع ، متباينة الأغراض . الجلمُ أولى بكفه منالقَلم ، والطَاس أليقُ بها من القرطاس . كلامٌ تنبو عن قبوله الطباع ، وتتجافَى عن استماعه الأسماع . ألفاظٌ تَنْبُو عنـها الآذان فتمجّها ، وتنكرها الطباع فتزُجّها . كلام لا يَرْفَعُ الطبعُ له حِجاباً ، ولا يفتحُ السمعُ له باباً . كلام يُصْدِي الرّيان ، ويصدئ الأفهام والأذهان . كلام قد تعمّل فيه حتى تبذل ، وتكلّف حتى تعسَّف . طبع جاسٍ ، ولفظ قاسٍ ، لا مساغَ له في سَمْع ، ولا وصول له مع خلو ذَرْع . كلام لا الرويّة ضربَتْ فيه بسَهْم ، ولا الفكرة جالت فيه بقِدْح . كلام تتعثَّرُ في حزونته ، وتتحيَّر الأفهامُ من وعُورته . كلمات ضعيفةُ الإتقان ، قليلة الأعيان ، مضمحلّة على الامتحان . ألفاظ تُسْتَعَارُ من الدياجي ، ومعانٍ تقدر من الأثافي . كلام بمثْلِه يتسلّى الأخرس عن كلمـه ، ويفرح الأصم بص ، أثقل من الجندل ، وأمرّ من الحنظل ، هو هذيان المحموم ، وسوداء الهموم . كلام رثّ ، ومعنًى غَثّ ، لا طائل فيهما ، ولا طلاوة عليهما . أبيات ليست من محكم الشعر وحكمـه ، ولا من أحجال الكلام وغُرَره . شعر ضعيف الصنعة رديء الصَّبْغة بغيض الصفة وقد جمع بين إقواء وإيطاء ، وإبطاء وإخطاء . ما قطع في شعره شَعْرة ولا سقى قطرة . لو شعر بالنقص ما شَعر . لا يميز بين خبيثِ القول وطيّبه ، ولا يَفْرِق بين بِكْرِه وثَيِّبه . هو باردُ العبارة ، ثقيل الاستعارة . هو من بين الشعراء منبوذ بالعَرَاء . لم يلبَسْ شعرُه حلَّة الطلاوة . له شعر لا يطيب دَرْسه ، ولا يخفُّ سَرْده ، وخطٌ مضطرب الحروف ، متضاعف التضعيف والتحريف . خطّ يُقْذِي العين ويُشْحِي الصَّدْر . خطّ منحطّ ، كأنـه أرجل البطّ ، وأنامل السرطان ، على الحِيطان . قلمـه لا يستجيب بَرْيه ، ومداده لا يساعد جَرْيه . قلمـه كالولد العاقّ ، والأخ المشاق ، إذا أدَرْتَه استطال ، وإذا قوَّمته مال ، وإذا بعثْتَه وقف ، وإذا وقفته انحرف . قلم مائل الشق ، مضطرب المشق ، متفاوت البَرْي ، معدوم الْجَرْي ، محرّف القطّ . قلم لم يُقَلَّم ظفره فهو ، يخدش القِرطاس ، وينقش الأنقاس ، ويأخذ بالأنفاس . قلم لا يُبْعث إذا بعثته ، ولا يقف إذا وقفته . قد وقف اضطرابُ بَرْيِه ، دون استمرار ، جَرْيه ، واقتطعَ تفاوت قَطّه ، عن تجويد خطه .خير الكلام
ذكر عُتبة بن أبي سفيان كلامَ العرب فقال : إن للعرب كلاماً هو أرقّ من الهواء ، وأعذب من الماءِ ، مرق من أفواههم مُروقَ السهام من قِسيها ، بكلمات مؤتلفات ، إنْ فُسِّرت بغيرها عطِلتْ ، وإن بدلت بسوَاها من الكلام استصعبَتْ ؛ فسهولةُ ألفاظِهم توهِمُك أنـها ممكنة إذا سمعت ، وصعوبتها تعلمك أنـها مفقودة إذا طُلِبتْ . هم اللطيف فهمـهم ، النافعُ علمـهم ، بلغتهم نزلِ القرآن ، وبها يدرَكُ البيان ، وكلُّ نوع من معناه مُبَاينٌ لما سواه ، والناسُ إلى قولهم يصيرون ، وبهداهم يأتمّون ، أكثر الناسِ أحلاماً ، وأكرمـهُم أخلاقاً .
وكان يقال : خير الكلام المُطْمِع الممتنع .
وأنشد إبراهيمُ بنُ العباس الصُّولي ل العباس بن الأحنف : السريع :
إليك أشكو ربّ ما حَلّ بي . . . مِنْ صدِّ هذا العاتِب المُذْنِبِ
إنْ قال لَمْ يفعل ، وإنْ سِيلَ لم . . . يبذلْ ، وإن عُوتب لم يُعْتِبِ
صبّ بعصياني ، ولو قال لي . . . لا تشربِ الباردَ لم أشربِ
ثم قال : هذا والله الشعر الحسن المعنى ، السهل اللفظ ، العَذْب المستمع ، الصعب الممتنع ، العزيز النظير ، القليل الشبيه ، البعيد مع قُرْبه ، الحَزْن مع سهولته ، فجعل الناس يقولون : هذا الكلام أحسن من الشعر .
وقال أبو العباس الناشئ يصف شعرهُ : الكامل :
يتحيّر الشعراء إن سمعوا بـه . . . في حُسْن صنعته وفي تأليفهِ
فكأنـه في قُرْبه من فَهْمِهم . . . ونكولهم في العَجْزِ عن ترصيفه
شجرٌ بَدَا للعَيْنِ حسْنُ نباتِه . . . ؤنَأَى عن الأيدي جَنَى مقطوفِه
فإذا قرنت أبيّه بمُطِيعِهِ . . . وقرنتهُ بغَرِيبه وطريفه ألفيت معناه يطابق لَفْظَه . . . والنظم منـه جليّهُ بلطِيفهِ
فأتاه متّسِقاً على إحسانـه . . . قد نِيط منـه رَزينـه بخفيفه
هذبتُه فجعلتُه لك باقياً . . . ومنعت صرفَ الدهر عن تَصْرِيفه
وقال الناشئ في فَصْل من كتابه في الشعر : الشعرُ قَيْد الكلام ، وعقل الآداب ، وسُورُ البلاغة ، ومعدن البَراعة ، ومجال الجنان ، ومسرحُ البيانِ ، وذريعة المتوسّل ، ووسيلةُ المتوصل ، وذِمام الغريب ، وحُرْمَة الأديب ، وعِصْمة الهارب ، وعَدَّة الراهب ،ورحلة الدَاني ، ودَوْحَة المتمثل ، وروحة المتحمل ، وحاكم الإعراب ، وشاهِدُ الصواب .
وقال في هذا الكتاب : الشعرُ ما كان سَهلَ المطالع ، فصل المقاطع ، فَحْل المديح ، جَزْل الافتخار ، شجِيَ النسيب ، فكِه الغزل ، سائر المَثَل ، سليم الزلل ، عديم الخلل ، رائع الهجاء ، موجب المعذرة ، مُحَب المعتبة ، مُطْمِع المسالك ، فائت المدارك ، قريب البيان ، بعيدَ المعاني ، نَائي الأغوار ، ضاحي القرار ، نقي المستشف ، قد هُرِيقَ فيه ماءُ الفصاحة ، وأَضاء له نورَ الزجاجة ، فانـهل في صادي الفهم ، وأضاء في بهيمِ الرأي . لمتأمله ترقرق ، ولمستشفّه تألّق ، يروق المتوسم ، ويسر المترسم ؛ قد أبدت صدوره مُتُونـه ، وزَهَتْ في وجوهه عيونـه ، وانقادت كواهله لهواديه ، وطابقت ألفاظه معانيه ، وخالفت أجناسه مبانيه ، فاطّرد لمتصفحه ، وأنار ، لمستوضحه ، واشْبَه الروضَ في وَشْي ألوانِه ، وتعقم أفنانـه ، وإشراق نوَاره ، وابتهاج أنجاده بأغواره ؛ وأشبه الوشي في اتفاق رُقومِه ، واتساقِ رُسومـه ، وتسطير كفوفه ، وتحبير كفُوفه ؛ وحكى العِقْد في التئام فُصوله ، وانتظام وُصوله ، وازديَان ياقوته بدُره ، وفريده بشَذْرِه ، فلو اكتنف الإيجاز موارده ، وصقَلَت مَدَاوِس الدربة مَناصله ، وشحذت مدارس الأدب فَيَاصِله ، جاء سليماً من المعايب ، مـهذباً من الأَدناس ، تتحاشاه الأُبن ، وتتحَامَاه الهُجَن ، مُهدِياً إلى الأسماع بَهْجَته ، وإلى العقول حِكْمته .
وقد قلت في الشعر قولاً جعلته مثلاً لقائليه ، وأسلوباً لسالكيه ، وهو : الكامل :
الشعرُ ما قوّمتَ زَيْغ صدُورِه . . . وشددْتَ بالتهذيب أَسْرَ مُتُونِه
ورَأبتَ بالإِطناب شَعْبَ صدُوعِه . . . وفتحْتَ بالإيجاز غور عُيُونـه
وجمَعْتَ بين قريبه وبعيدِهِ . . . ووصَلْتَ بين مجمّه ومَعِينـه
وعقدت منـه لكلّ أمر يقتضي . . . شبهاً بـه فقرَنْتَه بقرِينـهِ
فإذا بكيت بـه الديارَ وأهلَها . . . أَجْرَيتَ للمحزون ماءَ شؤُونـه
ووكلته بهمومـه وغمومـه . . . دهراً فلم يَسْر الكَرَى بجفونِه
وإذا مدَحْتَ بـه جواداً ماجداً . . . وقَضَيتَه بالشُكر حق دُيونـه
أصفيته بنفيسِه ورَصينـه . . . ومنحتَه بخطيره وثمينـه
فيكون جَزْلاً في اتّفاقِ صنُوفِهِ . . . ويكون سَهلاً في اتِّسَاق فُنونِه
وإذا أردتَ كنايةً عبئ رِيبةٍ . . . باينْتَ بين ظهورِه وبُطونِه
فجعلت سامعَه يشوب شكوكهُ . . . ببيانِه وظنونـه بيقينـهوإذا عتبتَ على أخ في زَلَةٍ . . . أدمَجْتَ شدّته له في لِينـه
فتركته مستأنِساً لدماثةٍ . . . مستيئساً لوُعُوثِهِ وحُزُونِهِ
وإذا نبذت إلى التي عُلّقتها . . . إن صارَمَتك بفاتنات شئونـه
تيّمتَها بلطيفه ورقيقه . . . وشغفْتَهما بخفِّيهِ وكمينـه
وإذا اعتذرتَ إلى أخ في زلَّةٍ . . . وَاشَكْتَ بين مُحِيله ومُبينـه
فَيَحُورُ ذَنْبُك عند من يعتدّه . . . عَتْباً عليك مُطَالباً بيمينـه
والقولُ يَحْسُنُ منـه في مَنثوره . . . ما ليس يحسن منـه في مَوْزُونِه
وقال الخليل بن أحمد : الشعراءُ أمراءُ الكلام ، يصرفونـه أنّى شاءوا ؛ وجائز لهم ما لا يجوزُ لغيرهم ، من إطلاق المعنى وتقييده ، ومن تصريف اللَفظ وتعقيده ، ومد مقصوره ، وقَصْرِ ممدوده ، والجمع بين لغاتِه ، والتفريق بين صفاته . وقال : الشعرُ حِلْية اللسان ، ومَدْرَجَة البيان ، ونظامُ الكلام ، مقسوم غَيْرُ محظور ، ومشترك غير محصور ، إلا أنـه في العرب جَوْهري ، وفي العجم صناعي .
قال أعرابي لشاعر من أبناء فارس : الشعرُ للعرب ، فكل مَنْ يقول الشعر منكم فإنما نزا على أُمّه رجل منا فقال الفارسي : وكذلك من لا يقولُ الشعرَ منكم ، فإنما نزا على أمـه رجل منا .
وقال عمارة بن عقيل : أجود الشعر ما كان أَمْلَس المتون ، كثيرَ العيون ، لا يمجُّه السمع ، ولا يستأذِنُ على القلب وأُنشد الجاحظ شعرَ أَبي العتاهية فلم يَرْضَه ، وقال : هو أملَسُ المتون ، ليس له عيونٌ ، كأنـه وعُمارة تجاذبا كلاماً واحداً .
وقال ابن عقيل : الشعرُ بضاعة من بضائِع العرب ، ودليل مِنْ أدلَة الأدب ، وأثارة من أثارات الحسب . ولن يهزّ الشعرُ إلا الكريمَ المَحْتِد ، الكثير السؤدد ، الكلِف بذِكْرِ اليومِ والْغَد .
ومدح بشار المـهدي فلم يُعطِه شيئاً ، فقيل له : لم تُجِدْ في مَدْحه . فقال : لا والله ، لقد مدَحْته بشعرٍ لو قلت مثلَه في الدهر لما خيف صَرْفُه على حُرّ ، ولكني أُكْذِبُ في العمل ، فأُكْذِبُ في الأمل .
نظمـه الناجم فقال : الوافر :ولي في أحمدٍ أَملٌ بَعِيد . . . ومَدْح حين أنشده طريفُ
مدائح لو مدَحْت بها الليالي . . . لما دارت عليَّ لها صروفُ
قال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان : صفْ لي جريراً والفرزدق والأخطل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أَما أعظمـهم فَخْراً ، وأبعدُهم ذكراً ، وأحسنـهم عذراً ، وأسيَرُهم مَثَلاً ، وأقلّهم غزلاً ، وأحلاهم عِللاً ، البحر الطامي إذا زَخَر ، والحامي إذا ذعر ، والسامي إذا خطر ، الذي إذا هدر جال ، وإذا خطر صال ، الفصيح اللسان ، الطويل العنان ، فالفردزق . وأما أحسنـهم نَعْتاً ، وأمدَحُهُمْ بيتاً ، وأقلّهم فَوْتاً ، الذي إن هجا وضع ، وإن مدح رَفَع ، فالأخطل . وأما أَغْزَرُهم بحراً ، وأَرقُهم شعراً ، وأكثرهم ذِكراً ، الأغر الأبلق ، الذي إن طَلب لم يُسْبق ، وإن طُلب لم يُلْحَق ، فجرير . وكلُهم ذكيُ الفؤادِ ، رفيع العماد ، وَارِي الزناد .
قال مسلمة بن عبد الملك ، وكان حاضراً : ما سمعنا يا ابن صفوان في الأولين ولا في الآخرين ، أَشـهدُ أنك أحسنـهُم وصفاً ، وأَلْينُهُم عِطفاً ، وأخفُهم مقالاً ، وأكرمـهم فعالاً . فقال خالد : أتمَّ الله عليك نِعَمـه ، وأجزل لك قِسَمـه . أنتَ واللّه أيها الأمير - ما علمت - كريمُ الغِراس ، عالمٌ بالناس ، جوادٌ في المَحْلِ ، بسّام عند البَذْلِ ، حليم عند الطيْشِ ، في الذِّرْوَة من قريش ، من أشراف عبد شمس ، ويومك خيرٌ من الأمس .
فضحِك هشام وقال : ما رأيت مثلك يا ابن صفوان لتخلّصك في مَدْح هؤلاء ، ووصفهم ، حتى أرضيتهم جميعاً وسَلِمْتَ منـهم .
ودخل العجّاجُ على عبدِ الملك بن مروان فقال له : بلغني أنك لا تُحْسِن الهجاء ، فقال : يا أمير المؤمنين ، مَنْ قَدر على تشييد الأبنية ، أمكنـه خَرابُ الأخبية ، قال : ما يمنعُك من ذلك ؟ قال : إنّ لنا عِزّاً يمنعُنَا من أن نُظْلَم ، وحِلْماً يمنعنا من أنْ نَظلم ، قال : لَكَلِماتُك أحسنُ من شعرك فما العزُ الذي يمنعك أن تظلم . قال : الأدب البارع ، والفهْم الناصع . قال : فما الحِلمُ الذي يمنعُك من أن تظلم ؟ قال : الأدب المستطرف ، والطبع التالد ، قال : لقد أصبحت حكيماً . قال : وما يمنعني من ذلك وأنا نَجِيّ أميرِ المؤمنين ؟ .
قال أبو إسحاق : وليس كما قال العجاج ، بل لكثير من الشعراء طباع تَنْبُو عن الهجاء كالطائي وأضْرابه ، وأصحابُ المطبوع أقدرُ عليه من أهل المصنوع ، إذ كان الهجو كالنادرة التي إذا جَرَتْ على سجيَّةِ قائلها ، وقربتْ من يَدِ متناولها ، وكانَ واسِع العطن ، كثير الفطن ، قريب القلب من اللسان ، التهبت بنارِ الإحسان .ومما يَنْحُو هذا النحو من مقامات أبي الفتح الإسكندري إنشاء بديع الزمان قال : حدّثنا عيسى بن هشام قال : طرحتْنِي النوَى مطارِحَها ، حتى إذا وطِئْتُ جُرْجان الأَقْصَى ، فاستظهرْتُ على الأيام بضِياعٍ أَجَلتُ فيها يَدَ العِمَارة ، وأموالٍ وقفتها على التجارة ، وحانوتٍ جعلته مَثابةُ ، ورُفقة اتخذتهم صَحَابة ، وجعلتُ للدار حاشِيَتي النـهار ، والحانوتِ ما بينـهما ، فجلسنا يوماً نتذاكرُ الشعر والشعراء ، وتلقانَا شاب قد جلس غير بعيد ، يُنْصِت وكأنـه يفهم ، ويسكت وكأنـه لا يعلم ، حتى إذا مال الكلامُ بنا مَيْله ، وجَرً الجَدَل فينا ذَيله ، قال : أصبتم عُذَيقهُ ووافيتم جُذَيله ، ولو شئْتُ للفظت فأفَضت ، ولو أردت لسردت ، ولجلوت الحقَّ في معرض بيانٍ يُسْمِعُ الصم ، ويُنْزِل العُصم . فقلت : يا فاضل ، اُدْنُ فقد منَّيْتَ ، وهات فقد أثنيت ، فدنا وقال : سَلُوني أُجِبْكم ، واستمعوا أُعْجِبكم .
قلنا : فما تقول في امرئ القيس ؟ قال : هو أول مَن وَقَفَ بالديار وعَرصاتِها ، واغْتَدى والطيرُ في وُكُنَاتها ، ووصف الخيلَ بصفاتها ، ولم يقل الشعرَ كاسِباً ، ولم يُجِدِ القول راغباً ، ففَضل من تفتًقَ لِلْحِيلة لسانُه ، وانتجَعَ للرغبة بنانُه .
قلنا : وما تقول في النابغة ؟ قال : ينسب إذا عَشِق ، ويَثْلُبُ إذا حَنِق ، ويمدح إذا رَغِب ، ويعتذر إذا رَهِب ، فلا يرمي إلا صائباً .
قلنا : فما تقول في طَرَفة ؟ قال : هو ماءُ الأشعار وطينتها ، وكَنز القوافي ومدينتها ، مات ولم تظهر أَسرارُ دفائنـه ، ولم تطلق عِتَاق خزائنـه .
قلنا : فما تقول في زهير ؟ قال : يُذيب الشعرَ والشعرُ يذيبه ، ويدعو القَوْل والسِّحْرُ يُجِيبه .
قلنا : فما تقول ، في جرير والفرزدق . وأيهما أسْبَق ؟ قال : جرير أرقّ شعراً ، وأَغْزَر غزراً ، والفرزدق أمتَنُ صخراً ، وأكثر فخراً ، وجرير أَوجَع هَجْواً ، وأشرف يوماً ، والفرزدق أكثر رَوْماً ، وأكثر قوماً ، وجرير إذا نَسب أَشْجَى ، وإذا ثَلَب أَرْدى ، وإذا مدح أسنى ، والفرزدق إذا افتخر أَجْزى ، وإذا وصف أوفى ، وإذا احتقر أزْرى .
قلنا : فما تقول في المحدَثين من الشعراء والمتقدّمينَ منـهم ؟ قال : المتقدمون أشرفُ لفظاً ، وأكثرُ في المعاني حظاً ، والمتأخرون ألطفُ صُنْعاً ، وأرق نَسْجاً .قلنا : فلو أريتَ من أشعاركِ ، وروَيْتَ من أخبارك ، قال : خُذْهما في معرض واحد ، أنشد : الرجز :
أمَا تَرَوْنِي أَتغشى طِمْرا . . . مُلْتَحِفاً في الضُرِّ أمْراً إمْرَا
مُنْطَوياً عَلَى الليالي غِمْرا . . . ملاقياً منـها صروفاً حُمْرا
أقصى أمانِيَ طُلُوعُ الشَعْرَى . . . فقد عُنِينَا بالأماني دَهْرَا
وكان هذا الحرُ أعلى قَدْرا . . . وماءُ هذا الوجهِ أغْلَى سِعرَا
ضربت للسرْو قِبَاباً خُضْرَاً . . . في دَارِ دَارَا وإوانِ كِسْرَى
فانقلبَ الدهرُ لبَطْنِ ظَهْرا . . . وعاد عُرْفُ العَيْشِ عندي نُكْرَا
لم يُبْقٍِ مِنْ وَفْرِيَ إلاَّ ذِكْرَا . . . ثمَّ إلى اليوم هلمَّ جَرَّا
لولا عجُوزٌ لي بُسرَّ مَنْ را . . . وأفْرخٌ دُونَ جبالِ بُصْرَى
قد جَلَبَ الدَّهرُ إليهم شرّا . . . قتَلْتُ ، يا سادةُ ، نَفْسِي صَبْرَا
قال عيسى بن هشام : فنُلْتُه ما تَاحَ ، وأعرض عنّا فَراحَ ، وجعلتُ أنفيه وأثبته ، وأُنكِره وكأني أعرفهُ ، ثم دلَّتني عليه ثناياه ، فقلت : الإسكندري واللهٍ ؛ فلقد كان فارقَنا خِشفاً ، ووافانا جِلْفاً ، ونـهضتُ على إثْرِه ، ثم قبضتُ عَلَى خَصْرِه ، وقلت : اْلستَ أبا الفتح . ألم تكُنْ فينا وَليداً ، ولبثْتَ فينا من عُمْرك سنين ؟ فأَيُ عجوز لكَ بسرّ مَنْ رأى ؟ فضحك وقال : مخلع البسيط :
ويحك هذا الزمان زُورُ . . . فلا يغرَّنَّك الغُرورُ
غرٍّق وبَرِّق وكلْ وطرِّقْ . . . واسرقْ وطَلْبِقْ لمن تَزُورُ
لا تلتزم حالة ولكن . . . دُرْ لليالي كما تَدُورُ ومن إنشائه مقامة ولدها على لسان عِصْمة وذي الرمة قال : حدّثنا عيسى بن هشام قال : بينا نحن في مجتمع لنا ومعنا يومئذ رجلُ العرب حِفْظاً ورِوَاية عصْمَة بن بَدْر الفَزَارِي ، فأَفْضى الكلامُ إلى ذِكرِ مَنْ أعرضَ عن خَصْمِه حِلْماً ، أو أعرض عنـه خَصْمُه احتقاراً ، حتى ذكر الصَّلَتَان العَبْدِي واللعِين المنقري ، وما كان من احتقار جرير والفرزدق لهما . فقال عصمة : سأحدِّثكم بما شاهدته عيني ، ولا أحدّثكم عن غيري : بينا أنا أسيرُ في بلاد تميم مرتحلاً نجيبة ، وقائداً جَنيبة ، عنَّ لي راكب على أوْرَقَ جَعْد اللُّغَام ، فاجتازبي رافعاً صَوْتَه بالسلام . فقلت : مَنِ الراكبُ الجهيرُ الكلامِ ، المحيي بتحيَّةٍ الإسلام ؟ فقال : أنا غَيْلان بن عُقْبَة . فقلت : مرحباً بالكريم حَسَبُه ، الشـهير نسبه ، السائر منطقه . فقال : رَحُبَ وَادِيك ، وعز وادِيك ، فمن أنت ؟ قلت : عصمة بن بدر الفزاري . فقال : حيّاك الله ، نعم الصديقُ ، والصاحبُ والرفيقُ . وسِرْنا فلما هَجَّرنا قال : ألا نُغَوِّرُ يا عصمة ، فقد صهرتنا الشمسُ ؟ فقلت : أنْتَ وذاكَ ، فملْنا إلى شجرات ألاء كأنـهن عذارَى متبرّجات ، قد نَشَرْنَ الغدائر ، وسرّحْن الضفائر ؛ لأَثلاثٍ متناوحات ؛ فحطَطْنا رِحَالنا ، ونِلْنَا من الطعام ، وكان ذو الرمة زهيدَ الأكل . وزال كل منا إلى ظل أثلة يريد القَائِلَة ، واضطجع ذو الرُّمة ، وأردتُ أن أصنَعَ صنيعَه ، فوليْتُ ظَهْري الأرض ، وعيناي لا يملكهما غُمض ، فنظرتُ غير بعيدٍ إلى ناقةٍ كَوْمَاء ، ضَحِيَتْ وغَبِيطُها مُلْقًى ، وإذا رجل قائم يكلؤها كأنـه عَسِيفٌ أو أسيف ، فلَهِيت عنـهما ، وما أنا والسؤال عما لا يَعْنِيني ونام ذو الرُّمة غِرَاراً ، ثم انتبهَ ، وكان ذلك في أيام مُهَاجاته لذلك المرّي . فرفع عقرته ينشد فيه : المتقارب :
أمنْ ميَّةَ الطلَلُ الدارِسُ . . . ألظّ بـه العاصِفَ الرَامِسُ
فلم يَبْقَ إلا شَجيج القَذَال . . . ومُسْتَوْقَدٌ ما لَه قَابِسُ
وجَوْضٌ تَلَّثَمَ من جانبَيْهِ . . . ومحتَفَل دَائِرٌ طامِسُ
وعَهدِي بهِ وبهِ سَكْنُهُ . . . ومَيَّةُ والإِنْسُ والآنس
ستأتي امرأَ القيس مأثورةٌ . . . يغنِّي بها العابِرَ الْجَالِسُ
ألم تر أنًّ امرأ القيْس قد . . . ألظّ بـه داؤه الناجس
همُ القومُ لا يَألَمُون الهِجَاءَ . . . وهل يَأْلَمُ الحَجَرُ اليابِسُ ؟
فما لهُمُ في الفَلاَ رَاكِبٌ . . . ولا لهمُ في الوَغى فَارِسُ
إذا طَمحَ الناسُ للمكرمات . . . فَطَرفُهمُ المطرِقُ الناعِسُ
تعَافُ الأكارِمُ إصهارَهم . . . فكل نسائهمُ عَانِسُفلمّا بلغ هذا البيت جعل ذلك النائم يمسح . عينيه ويقول : أذو الرُّمَيْمَة يمنعني النوم بشعرٍ غيرِ مثقف ولا سائر ؟ فقلت : يا غيلان ، منْ هذا ؟ فقال : الفريزد ، يعني الفرزدق ، وحَمي ذو الرمة : المتقارب :
وأمَا مُجَاشعٌ الأَرْذَلُون . . . فلم يَسْقِ ميّتَهُمْ رَاجِسُ
سَيَعْقلُهم عن مَساعِي الكِرَام . . . عِقَالٌ ، ويَحْبِسُهم حَابِسُ
فقلت : الآن يَشْرق فيثُور ، ويعمُّ الفرزدقُ هذا وقبيله بالهجاء . فوالله ما زاد على أن قال : قبحاً لك يا ذا الرُّمَيْمَة أتعرِضُ لمثلي بمَقَال مُنتحل . ثم عاد في نَوْمِه كأن لم يسمَعْ شيئاً ، وسار ذو الرّمة وسِرْت ، وإني لأرى فيه انكساراً حتى افترقْنا .
قوله فيما ولد على الفرزدق بمقال مُنتحل ، يريد أن البيتَ الأخير منقول من قول جرير : الطويل :
ألم تر أن الله أَخْزَى مجاشِعاً . . . إذا ما أفاضَتْ في الحديث المجالسُ
وما زال معقولاً عِقالٌ عن الندى . . . وما زال محبوساً عن المجد حَابِسُ
عقال : ابن محمد بن سعيد بن ، مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وهو جَذ الفرزدق . وحابس : ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم ، وهو أبو الأقرع بن حابس أحدُ المؤلّفة قلوبهم .
فِقر في الشعر
قيل لابن الزّبَعْرى : لم تقصّر أشعارك ؟ فقال : لأنـها أعْلَق بالمسامع ، وأجْوَل في حافِلِ . وقيل ذلك لعقيل بن عُلَّفة في أهاجيه ، فقال : يكفيك من القلاَدَة ما أحاط بالعُنُقِ .
غيره : لسانُ الشاعر أرض لا تُخْرِج الزهر حتى تستسلف المطر ، وما ظنّك بقوم الاقتصارُ محمود إلا فيهم ، والكذب مذموم إلا منـهم . إياكم والشاعر فإنـه يطلب على الكذب مَثُوبة ، ويقرع جليسه بأدنى زَلّة .
أبو القاسم الصاحب بن عباد : النثر يتطايرُ كتَطايُر الشّرر ، والنظم يبقى بقاء النَّقْش الحَجَر .
أبو عبيدة : الزّحَاف في الشعر كالرُخْصَة في الدين ، لا يُقدِم عليها إلا فقيه .وقال أبو فراس الحمداني : مخلع البسيط :
تَناهَضَ الناسُ للمعاني . . . لَمَّا رَأَوْا نحوَها نُهوضي
تكلّفوا المكرمات كَذّا . . . تَكلُفَ الشعرِ بالعَرُوضِ
وقد مدح الجاحظ العروض وذمّها ، فقال في مدحها : العروض ميزان ، ومعراض بها يعرَفُ الصحيح من السقيم ، والعليل من السليم ، وعليها مَدَار الشعر ، وبها يسلم من الأَوَدِ والكَسْر . وقال في ذمّه : هو علم مُوَلّد ، وأدب مستَبْرد ، ومذهب مرفوض ، وكلام مجهول ، يستنكر العقل بمستفعلن وفعول ، من غير فائدة ولا محصول .
ومن مفردات الأبيات في هذا المعنى قول دعبل : الطويل :
يموتُ ردِيءُ الشعرِ من قبل أهْلِه . . . وجَيّدُه يَبْقَى وإن مات قَائِلهْ
البحتري : البسيط :
أعْيَا عليَّ ؛ فلا هَيَّابةٌ فَرِقٌ . . . يَخْشَى الهِجاءَ ، ولا هَشّ فَيُمتدَحُ
آخر : الوافر :
ومِمّا يَقْتُل الشعراء غَمّاً . . . عداوة من يُغَلّ عن الهجاء
أحمد بن أبي فَنن : الطويل :
وإن أحقّ الناس باللؤم شاعرٌ . . . يَلوم على البخلِ اللئامَ ، ويَبْخلُ
وهذا كقول علي بن العباس الرومي في أبي الفياض سَوّار بن أبي شراعة ، وكان سوّار شاعراً مجيداً : الكامل :
يا مَنْ صناعته الدعاءُ إلى العُلاَ . . . ناقَضْتَ في فِعليك أيّ نِقَاضِ
عجباً لحَضَّاضِ الكِرَام على الذي . . . هو فيه محتاجٌ إلى حَضَاضِ
وَصَفَ المكارِم وهْوَ فيها زاهِدٌ . . . ورَأى الجميلٍ وفيه عنـه تَغَاضِ
لم ألْقَ كالشعراء أكثر حارضاً . . . وأشدَّ معتِبَة على الحَرّاضِكم فيهمُ من آمرٍ برشيدةٍ . . . لم يأتِها ، ومرغبٍ رفَّاضِ
يا حسرتي لمودَّةٍ أدبيةٍ . . . لم نفترق عنـها افتراقَ تَرَاضِ
ليس العتابُ بنافعٍ في قاطع . . . أعْيَا المشيبُ تتابعَ المِقْرَاضِ
ثم قال بعد هذا التبكيت والعِتَاب ما منعه أن يَتَوَهَم أنـه هجاه : الكامل :
وَلَمَا هجوتُكَ ، بل وعظتُك إنَني . . . لا أجعلُ الأعراض كالأغراضِ
فاكفُفْ سِهامَك عَن أخيك فإنما . . . آسفْته ، فَرَمَاك بالمعرَاضِ
فمتى حلمتُ وجدتَ أحْنفَ دَهْرِهِ . . . ومتى جهلتُ مُنيتَ بالبرّاضِ
فاعذِر أخاك على الوعيد ؛ فإنما . . . أنذرت قبل الرَّمْي بالإنباضِ
واعلم وقيت الجهلَ أن خساسةً . . . بطرُ الغنى ومذلّةُ الإبعاضِ
ثم هجاه بقوله : البسيط :
وما تكلمتَ إلا قلت فاحشةً . . . كأن فكّيْك للأغراض مِقْراضُ
مـهما تقل فسِهَامٌ منكَ مُرْسَلةٌ . . . وَفُوَك قوْسُك والأعراض أغْرَاض
وابن الرومي هذا كما قال مسلم بنُ الوليد الأنصاري في الحكم بن قنبر المازني : الخفيف :
عَابني من معايبٍ هُنَّ فيهِ . . . حكم فاشتفى بها من هَجَائي
وكما قال الآخر : الطويل :
ويأخذ عيبَ الناسِ مِن عَيْبِ نفسه . . . مُرادٌ لعمري ما أرادَ قريبُ
ترجمة الأحنف بن قيس وأخباره
وروى عيسى بن دَأب قال : أول ما عرف الأحنف بن قيس وقُدَّم أنـه وفد على عمر بن الخطاب ، رضي الله عنـه ، وكان أحْدَثَ القوم سناً ، وأقبحهم منظراً ، فتكلم كل رجل من الوَفْدِ بحاجته في خاصته ، والأحنف ساكِتٌ ، فقال له عمر : قل يا فتى فقام فقال : يا أميرَ المؤمنين ، إن العرب نزلتْ بمساكن طيبة ذات ثمار وأنـهار عذَاب ، وأكنَّة ظليلة ، ومواضع فسيحة ، وإنا نزلنا بسَبِخةٍ نَشَّاشة ، ماؤُها مِلْح ، وأفنيتها ضيقة ، وإنما يأتينا الماء في مثل حلق النعامة فإلا تدركنا يا أمير المؤمنين بحَفْر نـهر يَغْزر ماؤه ، حتىتأتيَ الأمَة فتغرف بجرّتها وإنائها أوشك أن نـهلك ، قال : ثم ماذا ؟ قال : تزيد في صَاعِنا ومُدنا ، وتثبت من تلاَحق في العطاء من ذُرّيّتنا . قال : ثم ماذا ؟ قال : تخفّف عن ضعيفنا ، وتنصف قوينا ، وتتعاهد ثغورنا ، وتجهّز بعثَنا ، قال : ثم ماذا ؟ قال : إلى ها هنا انتهت المطالب ، ووقف الكلام . قال : أنت رئيس وَفْدِك ، وخطيب مِصرك ، قم عَنْ موضعك الذي أنت فيه . فأدناه حتى أقعده إلى جانبه ، ثم سأله عن نسبه ، فانتسب له ، فقال : أنت سيدُ تميم ، فبقيت له السيادة إلى أن مات .
وهو الأحنف ، واسمُه الضحّاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن حصن بن عبادة بن النزال بن مرّة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .
وقال بعض بني تميم : حضرتُ مجلس الأحنف وعنده قومٌ مجتمعون له في أمرٍ لهم ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إنّ الكرمَ مَنْعُ الحرمِ ، ما أَقربَ النقمةَ من أهل البَغْي ، لا خيرَ في لذَّةٍ تُعقِب ندماً ، لم يهلك من اقتصد ، ولم يفتقر من زهد ، رب هزْل قد عاد جِداً ، من أَمِن الزمان خانـه ، ومن تَعَظّم عليه أهانـه ، دَعُوا المِزَاحَ فإنـه يُوَرِّثُ الضغائن ، وخَيرُ القول ما صَدَّقه الفِعْل ، احتملوا لِمَنْ أَدلَّ عليكم ، واقبلوا عُذْرَ من اعتذر إليكم ، أطِعْ أخاك وإن عَصَاك ، وصِلْهُ وإن جَفَاك ، أنصفْ مِنْ نفسك قبل أن يُنتصفَ منك ، إياكم ومشاوَرَة النساء ، واعلم أنّ كُفْرا النِّعَمِ لؤم ، وصُحْبَة الجاهل شُؤم ، ومن الكرم الوفاء بالذّمم ، ما أَقْبَح القطيعةَ بعد الصلةِ ، والجفاءَ بعد اللَّطَف ، والعداوة بعد الوُدّ ، لا تكونَنَّ على الإساءةِ أقوى منك على الإحسان ، ولا إلى البُخْل أسرعَ منك إلى البَذْل ، واعلَمْ أن لك من دُنياك ما أصلحت بـه مَثْوَاك ، فأنفق في حَقّ ، ولا تكن خازِناً لغيرك ، وإذا كان الغَدْرُ موجوداً في الناس فالثِّقَةُ بكل أحدٍ عَجْز ؛ اعْرِف الحقّ لمن عَرفَه لك ، واعلم أنَّ قطيعةَ الجاهلِ تَعْدِل صلةَ العاقل . قال : فما سمعتُ كلاماً أبلغَ منـه . فقمت وقد حفظته .
ودخل الأحنف على معاوية ، ويزيدُ بين يديه ، وهو ينظرُ إليه إعجاباً ، فقال : يا أبا بَحْر ، ما تقولُ في الولَدِ ؟ فعلم ما أراد ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، هم عمادُ ظهورنا ، وثمرُ قلوبنا ، وقرة أعيننا ، بهم نَصولُ على أعدائنا ، وهم الخلف مِنَّا بَعْدَنا ، فكن لهم أرضاً ذليلة ، وسماءً ظليلة ، إن سألوك فأَعْطِهم ، وإن استعتبوك فأَعْتِبْهُم ، ولا تمنَعْهم رِفْدِكفيملِّوا قُرْبَك ، ويستثقلوا حياتَك ، ويتمنّوا وَفاتك . فقال : للَّه درُّك يا أَبا بَحْر ، هُمْ كما قلت .
وزعمت الرواة أنـها لم تسمع للأَحنف إلا هذين البيتين : المتقارب :
فلو مدّ سَرْوي بمالٍ كثير . . . لَجُدتُ وكنتُ له بَاذلا
فإنّ المروءةَ لا تستطاع . . . إذا لم يَكُنْ مالُها فاضِلا
وكان يُبَخَّل . وقال لبني تميم : أتزعمون أني بخيل واللّه إني لأُشير بالرَّأْي قيمتُه عشرةُ آلاف درهم فقالوا : تقويمك لرَأْيك بُخْل . وكان الأَحْنفُ من الفضلاء الخطباء النّسّاك ، وبه يُضْرَب المثل في الحِلْم .
وقد ذُكر للنبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، فاستغفَر له ، فقد بعث النبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، رجلاً إلى قومـه بني سَعْد يَعْرض عليهم الإسلام ، فقال الأحنف : إنـه يدعوكم إلى خَيْر ، ولا أسمعُ إلا حسناً . فذُكِر للنبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : ' اللهم اغْفر للأحنف ' . وكان الأحنفُ يقول : ما شيء أَرْجَى عندي مِنْ ذلك . قال عبدُ الملك بن عُمَير : قدم إلينا الأحنفُ ، فما رأينا خصلةً تُذَمّ في رجل إلا رأيناها فيه ، كان أصلع الرَّأْسِ ، متراكب الأسنان ، أشْدَق ، مائل الذَّقَنِ ، ناتئ الوجنتين ، باخق العينين ، خفيفَ العارضين ، أحْنف الرّجلين ، وكانت العينُ تقتحمُه دَمَامَةً وقلّة رُواء ، ولكنـه إذا تكلَّم جَلَّى عن نفسِه . وهو الذي خطب بالبصرة حين اختلفت الأحياءُ ، وتنازعت القبائل ؛ فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : يا معشرَ الأزد وربيعة ، أنتم إخوانُنا في الدين ، وشركاؤنا في الصَهْرِ ، وأكفاؤُنا في النسب ، وجيرانُنا في الدار ، ويَدُنا على العَدُوّ ، واللّه لأَزْدُ البَصرة أحب إلينا من تميم الكوفة ، ولأزد الكوفة أحبّ إلينا من تميم الشام ، وفي أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم .
وقد قام خطباءُ البصرة في هذا اليوم وتكلّموا وأَسهبوا ، فلمّا قام الأحنف أَصْغَت القبائلُ إليه ، وانثالتْ عليه ، وقال الناس : هذا أَبو بَحْرٍ ، هذا خطيب بني تميم ، وحضر ذلك الجمعَ جاريةٌ لآلِ المـهلب ، فذهبتْ ترومُ النظر إليه ، فاعتاص ذلك عليها ، فأشرفَتْ عليه من دارِها ، فلمّا رأته والأبصارُ خاشعةٌ لكلامـه ، ورأت دمامةَ خَلْقه ، وكثرة آفاتِ جوارِحه ، قالت : فُقدَتْ هذه الخِلْقة ولو افترَّتْ عن فَصلِ الخطاب .وذكر المدائني أنَّ الأحنفَ بن قيس وَفَدَ على معاوية ، رضي الله عنـه ، مع أهل العراق ، فخرج الآذِنُ ، فقال : إنّ أميرَ المؤمنين يعزم عليكم ألا يتكلمَ أحدٌ إلا لنفسه . فلمّا وصلوا إليه قال الأحنف : لولا عَزْمَة أمير المؤمنين لأخبرته أن َّة دَفَّتْ ، ونازلةً نزلَتْ ، ونابتة نبتَتْ ، كلّهم بهم حاجة إلى معروفِ أمير المؤمنين وبرّه ، قال : حسبك يا أبا بحر ، فقد كفيت الشاهِدَ والغائب .
ولما عزم معاوية على البيعة ليزيد كتب إلى زياد أن يوجِّه إليه بوَفْد أهلِ العراق ، فبعث إليه بوَفْدِ البصرة والكوفة ، فتكلَّمت الخطباءُ في يزيد ، والأحنف ساكِتٌ ، فلما فرغوا قال : قل يا أَبا بَحْر ، فإنَّ العيونَ إليك أَشْرَع منـها إلى غيرها ، فقام الأحنف فحمد الله وأَثنى عليه ، وصلّى على نبيِّه ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم قال : يا أميرَ المؤمنين ، إنك أعلَمُنا بيزيدَ في ليله ونـهاره ، وِإعلانـه وإسراره ، فإنْ كنتَ تَعْلَمُه لله رضاً فلا تشاوِرْ فيه أحداً ، ولا تُقِمْ له الخطباءَ والشعراء ، وإن كنتَ تعلم بُعْدَه من الله فلا تزوّده من الدنيا وتَرْحَل أنْتَ إلى الآخرة ، فإنك تَصير إلى يومٍ يفرُّ فيه المرءُ من أخيه ، وأمّه وأبيه ، وصاحبته وبنيه . قال : فكأنـه أفْرغ على معاوية ذنوب ماء بارد . فقال له : اقعُدْ يا أبا بَحْرة فإن خِيرَة الله تَجْرِي ، وقضاءَ الله يمضِي ، وأحكام الله تنفذ ، لا مُعَقِّب لحكمـه ، ولا رَادَّ لقضائه ؛ وإن يَزيدَ فتًى قد بلَوْنَاه ، ولم نجِدْ في قريش فتى هو . أَجْدَر بأن يُجتمَع عليه منـه . فقال : يا أمير المؤمنين ، أنت تَحْكِي عن شاهد ، ونحن نتكلَمُ على غائب ، وإذا أراد الله شيئاً كان .
قال ابن الرومي : الكامل :
إن امرأً رَفَض المكاسب واغْتَدَى . . . يتعلَّمُ الآدَابَ حتى أحكما
فكسَا وحَلَّى كلَّ أرْوَع مَاجد . . . من حُرِّ ما حاكَ القرِيضَ ونَظما
ثِقةً برعْي الأكْرمين حقوقَه . . . لأحقّ ملتمسٍ بألاّ يُحْرَما
قال أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمَار : ومن نادرِ شعر أبي الحسن في هذا المعنى - قوله ، ووصف إتعاب الشعراء أنْفُسَهم بدُؤوبهم في صناعتِهم ، وما يتصرّم من أعمارهم ، وأن إلحاحَهم في طلَبِ ما في أيدي من أسلفُوه مديحَهم لو كان رغبة منـهم إلى ربهم كان أجْدَى عليهم ، وأقرب من درك بُغْيتهم ، ونُجْح طَلِبتهم ، ثم انحرف إلى توبيخ من مَدَحه فحرمـه بأحسن عبارة ، وأرضى استعارة ، فقال : الكامل :
للناس فيما يكلفون مَغَارِم . . . عند الكِرَام لها قَضَاءُ ذمَامِومغارم الشعراء في أشعارهم . . . إنفاقُ أعماَرٍ وهَجرُ مَنَامِ
وجفاء لذاتٍ ورفضُ مكاسب . . . لو حُولفت حرست من الإعدام
وتَشَاغُل عن ذكر رب لم يَزَلْ . . . حَسَنَ الصنائعِ سابغَ الإنعام
من لو بخدمته تشاغل معشرٌ . . . خدموكم أجْدَى على الخدام أفَما لذلك حُرْمة مرعيّةٌ . . . إنّ الكرامَ إذاً لغَيْرُ كِرامِ
لم أحتَسِبْ فيك الثوابَ بمِدْحتي . . . إياك يا ابن أكارِم الأقوامِ
لو كان شعرِي حِسْبَةً لم أكْسُهُ . . . أحداً أحق بـه من الأيتام
لا تقبلنّ المدْحَ ثم تعافهُ . . . فتنام والشعراءُ غيرُ نيامِ
واحذَرْ معرَّتهم إذا دنَّستهم . . . فلهم أشدُّ معَرّة العُرَّام
واعلَمْ بأَنـهمُ إذا لم يُنصَفوا . . . حكموا لأنفسهم على الحكّام
وجناية العادِي عليهم تنقَضِي . . . وعقابهُم يَبْقَى مع الأيامِ
أبو الطيب المتنبي : الكامل :
ومكايِدُ السفهاء واقعةٌ بِهِمْ . . . وعَداوةُ الشعراء بِئْسَ المُقْتَنَى
مات الأحنف بن قيس بالكوفة ، فمشى مصعب بن الزبير في جنازته بغير رداء ، وقال : اليوم مات سرُ العرب ؛ فلما دُفن قامت امرأةٌ على قبره فقالت : لله دَرُّك من مُجَنٍّ في جَننٍ ، ومُدْرَج في كَفَن ، نسألُ الذي فجعنا بموتك ، وابتلانا بفَقْدِك ، أن يجعلَ سبيلَ الخيرِ سبيلَك ، ودليلَ الرّشد دَليلك ، وأن يوسّع لك في قبرك ، ويغفر لك يوم حَشْرِك ؛ فواللّه لقد كنت في المحافل شريفاً ، وعلى الأرامل عَطُوفاً ، ولقد كنت في الحي مُسَوَّداً ، وإلى الخليفة مُوفَداً ، ولقد كانوا لقولك مستَمِعين ، ولرأيك متّبِعين ؛ ثم أقبلت على الناس فقالت : ألا إن أولياء الله في بلادِه ، شـهود على عباده ، وإني لقائلةٌ حقّاً ، ومثنيةٌ صِدْقاً ، وهو أهلٌ لحُسْنِ الثناء ، وطيب النّثَا ، أما والذي كنتَ من أجله في عدَّة ، ومن الحياةِ إلى مدَّة ، ومن المقدار إلى غاية ، ومن الإياب إلى نـهاية ، الذي رفع عملك ، لما قَضَى أجَلَكَ ، لقد عِشت حميداً مودوداً ، ومُتَّ سعيداً مفقوداً ، ثم انصرفت وهي تقول : الكامل :
للهِ دَرُك يا أبا بَحْرِ . . . ماذا تغيبَ منكَ في القَبْر ؟لله دَرُّك أيّ حَشْوِ ثرًى . . . أصبحتَ من عُرْف ومِن نُكْرِ
إنْ كان دهرٌ فيك جرَّ لنا . . . حدَثاً بـه وهَنَتْ قُوَى الصَّبْرِ
فلكم يَدٍ أسديتها ويدٍ . . . كانَتْ تَرُدُّ جرائرَ الدهرِ
ثم انصرَفت فسُئِل عنـها ، فإذا هي امرأتُه وابنةُ عقَه . فقال الناس : ما سمعْنا كلامَ امرأة قطّ أبلغ ولا أصدق منـه .
قال : وكان الأحنفُ قدم الكوفة في أيام مصعب بن الزبير ، فرآه رجلٌ أعورَ دميماً قصيراً أحْنَفَ الرجلين ، فقال له : يا أبا بحر ، بأي شيء بلغتَ في الناس ما أرى ؛ فوالله ما أنتَ بأشرف قومِك ، ولا أجودِهم ؟ فقال : يا ابن أخي ، بخلاف ما أنت فيه قال : وما هو ؟ قال : تَرْكِي من أمرك ما لا يعنيني ، كما عَنَاك من أمري ما لا تتركه .
ترجمة منصور النمري وأخباره
اجتمع الشعراء بباب المعتصم فبعث إليهم : مَنْ كان منكم يحْسِنُ أن يقول مثل قول منصور النَّمري في أمير المؤمنين الرشيد : البسيط :
إنِّ المكارمَ والمعروفَ أودية . . . أحلّك الله منـها حيث تجتمعُ
إذا رفَعْتَ امرأً فاللَهُ رافِعُه . . . ومن وضعْتَ من الأقوام متضعُ
من لم يكن بأمين اللهِ معتضماً . . . فليس بالصلواتِ الخمس ينتفعُ
إنْ أخلف الغيثُ لم تُخْلِف أناملُه . . . أو ضاق أمرٌ ذكرناه فيتسع
فليدخل ، فقال محمد بن وهيب : فينا من يقولُ خيراً منـه ، وأنشد : البسيط :
ثلاثةٌ تشرِقُ الدنيا ببهجتهم . . . شمس الضحى وأبو إسحاقَ ، والقمر
يحكي أفاعيلَه في كل نائبةٍ . . . الغيثُ والليثُ والصمصَامة الذكَرُ
فأَمر بإد وأحسن صلَته .
أخذ معنى البيت الأول من بيتي محمد بن وهيب أبو القاسم محمدُ بن هانئ الأندلسي : الكامل :
المُدْنَفانِ من البَرِيةِ كلِّها . . . قَلْبي وطَرْفٌ بابليّ أَحْوَرُوالمُشْرِقاتُ النَّيراتُ ثلاثةٌ ؛ . . . الشمسُ والقمرُ المنيرُ وجَعْفَرُ
وبيت أبي القاسم الأول مأخوذ من قول ابن الرومي : مجزوء الرمل :
يا عليلاً جعل العِلة مِفْتاحاً لسقمي
ليس في الأرض عليلٌ . . . غير جَفْنَيك وجِسْمِي ومَرَّ النمري بالعتابي مغموماً فقال : ما لك ، أعزَّك اللّه ؟ فقال : امرأتي تطلقُ منذ ثلاث ونحنُ على يَأْسٍ منـها . فقال له العتابي : وإنَّ دواءها منك أقربُ من وجهها ، قل : هارون الرشيد ، فإن الولدَ يخرج فقال : شكوت إليكَ ما بي ، فأجبتني بهذا ؟ فقال : ما أخذت هذا إلا من قولك : البسيط :
إن أخلف الغيث لم تخلف أنامِله . . . أو ضاق أمرٌ ذكرناه فيتسعُ
وأبيات منصور بن سَلمة بن الزبرقان النمري التي ذكرها المعتصم من قصيدة له وهي أحسنُ ما قيل في الشيب أَولها : البسيط :
ما تنقضي حَسْرَةٌ ولا جَزَع . . . إذا ذكرتُ شباباً ليس يُرْتَجَعُ
بانَ الشباب وفاتَتْني بغرَّتِه . . . خطوبُ دَهْرٍ وأَيامٌ لها خُدَعُ
ما كنتُ أوفي شبابي كُنْه غِرَّتِه . . . حتى انقضى فإذا الدنيا له تَبعُ
تعجَّبَتْ أن رأتْ أسرابَ دمعتِه . . . في حلبة الخدِّ أجْرَاها حشًى وَجِعُ
أصبحت لم تطعمي ثُكْلَ الشباب ولم . . . تَشْجَي بغُصَتِه فالعُذْر لا يَقعُ
لا ألحين فتاتي غير كاذبةٍ . . . عين الكذوب فما في ودِّكم طمَع
ما واجه الشيبَ من عَيْبٍ وإن وَمِقَتْ . . . إلا لها نَبْوَة عنـهُ ومُرْتَدَعُ
إني لمعترف ما فيَّ من أرَبٍ . . . عند الحسان فما للنَّفْسِ تَنْخَدِع
قد كدت تقضي على فَوْت الشباب أسًى . . . لولا تعزيك أنّ الأمرَ منقطِعُوذُكر أن الرشيد لما سمع هذا بكى ، وقال : ما خير دنيا لا تخطر فيها ببرد الشباب وأنشد متمثّلاً : الوافر :
أَتأمُل رَجعَة الدنيا سَفَاهاً . . . وقد صار الشبابُ إلى ذهَابِ
فليت الباكياتِ بكلّ أرض . . . جُمِعْنَ لنا فنُحْنَ على الشبابِ
وكان الرشيد يقدم منصوراً النمري بجَوْدَة شعره ، ولمَا يَمُتُّ إليه من النسب من العباس بن عبد المطلب ، رضي الله عنـه ، وكانت نثيلة أم العباس من النمر بن قاسط ؛ ولمَا كان يُظْهِر من الميل إلى إمَامَة العباس وأهله ، والمنافرة لآل علي ، رضي الله عنـه ، ويقول : الوافر :
بني حسن وقل لبني حُسَين . . . عليكمْ بالسَّدَادِ من الأمورِ
أميطوا عنكُم كذِب الأماني . . . وأحلاماً يَعِدْن عِداة زُورِ
تسَمون النبي أباً ويَأْبى . . . من الأحزاب سَطرٌ في سطورِ
يريدُ قولَ الله تعالى : ' ما كانَ محمدٌ أبا أحَدٍ من رِجالِكُمْ ' . وهذا إنما نزل في شأن زيد بن حارثة ، وكان رسولُ الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، تبنّاه ، فقال له الرشيد : ما عدوتَ ما في نفسي ، وأمره أن يدخلَ بيتَ المال فيأخذ ما أحب .
وكان يضمر غير ما يظهر ، ويعتقد الرّفض ، وله في ذلك شعر كثير لم يَظْهَرْ إلا بعد موته ، وبلغ الرشيد قوله : الكامل :
آلُ النبيِّ ومَنْ يُحِبُّهمُ . . . يتطامَنون مَخافَةَ القَتْلِ
أمِنَ النصارى واليهودُ ومَن . . . من أُمَةِ التوحيد في أزْلِ
إلاَّ مَصَالت ينصرُونَهُمُ . . . بظُبَا الصَّوارم والقَنا الذُبْلِ
فأمر الرشيد بقتله وكان حينئذ برأس العين ، فمضى الرسولُ فوجده قد مات فقال الرشيد : لقد هممت أن أنبش عظامَه فأحرقها . وكان يُلْغِز في مدحه لهارون ، وإنما يريد قول النبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، لعليّ ، رضوان الله عليه : ' أنت مني بمنزلة هارون من موسى ' . وقال الجاحظ : وكان يذهب أولاً مذهب الشُّراة ، فدخل الكوفة وجلس إلى هشام بن الحكمالرافضي وسمع كلامَه ، فانتقل إلى الرفض ، وأخبرني مَنْ رآه على قبر الحسين بن علي ، رضي الله عنـهما ، ينشد قصيدتَه التي يقول فيها : الوافر :
فما وُجدت على الأكتاف منـهم . . . ولا الأقفاء آثارُ النُّصولِ
ولكنّ الوجوهَ بها كُلومٌ . . . وفوق حجُورهم مَجْرَى السيولِ
أرِيق دمُ الحسين ولم يراعوا . . . وفي الأحياء أمواتُ العُقولِ
فدتْ نفسي جبينَكَ مِنْ جَبِينٍ . . . جرَى دمُه عل خدٍّ أسيل
أيخلو قلبُ ذي وَرَع ودِينٍ . . . مِنَ الأحزانِ والألمِ الطويل وقد شَرِقَتْ رِماحُ بني زيادِ . . . بِرِيًّ من دماء بني الرسول
بتربة كَرْبلاءَ لهم دِيارٌ . . . نيامُ الأهل دارِسَةُ الطُّلُولِ
فأوصال الحسين ببَطْنِ قاع . . . ملاعبُ للدَّبور وللْقَبول
تحياتٌ ومغفرة وروحٌ . . . على تلك المحلّة والحُلولِ
برئنا يا رسولَ الله ممن . . . أصابك بالأذيِّةِ والذُّحولِ
أخبار ابني المعذل
وقال أحمد بن المعذل : الوافر :
أخو دَنَفٍ رَمتْه فأقصدَتْهُ . . . سِهَامٌ من جفونِكِ لا تَطِيشُ
كئيب إن ترحّل عنـه جيشٌ . . . من البَلْوى ألم بـه جُيُوشُ
وكان أحمد بن المعذَّل بن غَيْلان العبدي في اللغة والبيان والأدب والحلاوة غايةً .
قال : دخلتُ المدينة فتحملت على عبد الملك بن الماجشون برجل ليخصّني ويُعنَى بي ، فلما فاتحني قال : ما تحتاجُ أنت إلى شفيع ، معك من الحذاء والسقاء ما تأكلُ بـه لبّ الشجر ، وتشرب صَفْوَ الماء .وكان أخوهُ عبد الصمد يؤذيه ويهجُوه ، فكتب إليه أحمد : أما بعدُ ، فإنَّ أعظم المكروه ما جاء من حيث يُرْجَى المحبوب ، وقد كنتَ مؤَملاً مَرْجواً ، حتى شمل شرّك ، وعمّ أذاك ، فصرت فيك كأبي العاقّ : إن عاش نغَّصه ، وإن مات نَقَصَه ، واعلمْ لقد خشَنت صَدْرَ أخٍ جَيْبُه لك ناصحٌ ، والسلام .
وكان يقول له : أنت كالأصبع الزائدة : إن تُرِكَتْ شانَتْ ، وإن قطعت آلمت .
ومثلُ هذا قولُ النعمان بن شمر الغساني : الطويل :
وصَالُ أبي برْدٍ عَنَاءٌ ، وتركه . . . بلاء ، فما أدْرِي بـه كيف أصنعُ
إذا زُرْته يومين ملَّ زِيارتي . . . وإن غبت عنـه ظلّتِ العين تَدْمَعُ
وقول الضحاك بن همام الرقاشي : الطويل :
وأنتَ امرؤٌ منّا خلقت لغيرنا . . . حياتُك لا تُرْجَى وموتك فاجِعُ
وأنت على ما كان منك ابنُ حرّةٍوإني لما يرضى بـه الخصم مانِعُ
وفيك خصالٌ صالحات يَشِينُهَا . . . لديك جفاءٌ عندهُ الودُّ ضائعُ
وقال بعضُ المحدثين : الطويل :
إذا ساءني في القولِ والفعل جاهِداً . . . وفي كل حال مَنْ أحب وأَمحَضُ
فيا ليتَ شِعْرِي ما يعاملني بـه . . . على كلّ ذنبِ مَن أُعادِي وأبغِضُ
وقال أبو العباس المبرد : وكان أحمد بن المعذّل من الأُبّهة ، والتمسك بالمنـهاج ، والتجنُّب للعَبث ، والتعرّض للإشفاق لِما في أيدي الناس ، وإظهار الزُهْدِ فيه ، والتباعد عنـه ، على غاية ، حتى حُمِل في فقهاء وأدباء من أهل البصرة ، فأَخذَ الصلة غيرَ مُمْتَنع ولا مُنكر . ووصله إسحاق بن إبراهيم فقبل ، واستدعى اجتباءه إيّاه ، وتحلى له جهده ، فقال عبد الصمد : الوافر :
عذيري من أخٍ قد كان يُبْدِي . . . عَلَى مَنْ لاَبسر السلطانَ عَتْبَهْ
وكان يذمّهم في كلّ يوم . . . له بالجهل والهذيان خُطْبَهْ
فلما أن أتته دُرَيهماتٌ . . . من السلطان باعَ بهنَّ رَبَّهْ
وقال فيه : مجزوء الخفيف :
لِي أخ لا تَرَى لهُ . . . سائلاً غيرَ عاتِبِأجْمَعُ الناسِ كلّهمْ . . . للئيمِ المَذَاهِب
دون معروفِ كفّهِ . . . لَمْسُ بعضِ الكواكبِ
ليت لي منك يا أخي . . . جارةً مِنْ مُحارب
نارها كلّ شَتوَةٍ . . . مِثْل نارِ الحُبَاحِبِ
ذهب إلى قول القُطَامي ، وقولُ القطامي من خبيث الهجاء ، وكان نَزل بامرأةٍ من محارب بن خَصَفَةَ بن قيس بن عَيْلان بن مضر فذمّ مَثْوَاه عندها ، فقال . الطويل :
وإني وإنْ كان المسافرُ نازلاً . . . وإن كان ذا حقّ على الناسِ واجبِ
فلا بدّ أن الضيفَ يُخبِرُ ما رَأى . . . مُخَبِّرُ أهلٍ أو مُخَبّرُ صاحب
لَمخبرك الأنباءَ عن أُمِّ منزل . . . تضيّفتُها بين العُذيب فراسِبِ
تلفّعت في طَلّ وريح تَلُفُّني . . . إلى طرمِسَاء غَيْرِ ذات كواكبِ
إلى حَيْزَبُون تُوقِد النارَ بعدما . . . تَلَفًّعَتِ الظلماءُ من كل جانب تصَلّى بها بَرْد العِشاء ولم تكن . . . تَخَالُ وميض النار يَبْدُو لراكب
فما راعها إلا بُغامُ مطيّتي . . . تريح بمحسود من الصوت لاغب
فجُنَّتْ فنوناً من دِلاَث مُنَاخةٍ . . . ومن رَجُل عارِي الأشاجع شاحبِ
سَرَى في حَلِيكِ الليل حتى كأنما . . . تخزّم بالأطراف شوكُ العقَارِب
تقول وقد قرّبتُ كُورِي وناقتي . . . إليك ، فلا تذعَرْ عليَّ ركائبي
فسلَّمت والتسليمُ ليسَ يسرُّها . . . ولكنـه حَقٌّ على كل جانب
فردّت سلاماً كارهاً ثم أعرضتْ . . . كما انحاشَت الأفعى مخافةَ ضارِب
فلمَّا تنازعنَا الحديثَ سألتُها . . . مَنِ الحيُّ ؟ قالت : معشرٌ من محَارب
من المشتَوين القدّ مما تَرَاهم . . . جِيَاعاً ورِيفُ الناس ليس بنَاضِبِفلمّا بَدا حرمانُها الضيفَ لم يكن . . . عليّ مبيتُ السوء ضَرْبةَ لاَزب
وقُمْت إلى مَهْريَّة قد تعوَّدَتْ . . . يَداها ورِجْلاَها حثيثَ المراكِبِ
ألاَ إنّما نيرانُ قيسٍ إذا شَتَوْا . . . لطارقِ ليل مِثْلُ نارِ الحُبَاحبِ
ومحارب : قبيلة منسوبة إلى الضعف ، وقد ضربت العربُ بها المثل . قال الفرزدق لجرير : الطويل :
وما استعهدَ الأقوامُ مِنْ زوج حُرةٍ . . . من الناس إلا منك أو من مُحَاربِ
أي يأخذون العَهْدَ عليه أنـه ليس من كليبٍ ولا من محارب .
وقال أبو نواس في قصيدته التي فخر فيها باليمانية وهجا قبائل معد : المنسرح :
وقيسُ عَيْلانَ لا أريدُ لها . . . من المخازي سِوَى مَحاربِها
وكانت أم عبد الصمد بن المعذل طباخةً ، فكان أحمد يقول إذا بلغه هجاؤه : ما عَسِيتُ أن أقول فيمن أُلْفِحَ بين قدر وتَنُّور ، ونشأ بين زُق وطُنبورا ؟ وعبد الصمد شاعر أهل البصرة في وقته ، وهو القائل : الطويل :
تكلفُني إذلالَ نفسي لعِزِّها . . . وهان عليها أن أُهان لتكرما
تقول : سَلِ المعروف يحيى بن أكثم . . . فقلت : سَلِيه رَبَّ يحيى بن أكثما
قال أبو شُراعة القَيسي : كنتُ في مجلس ، العُتْبي مع عبد الصمد بن المعذل ، فتذاكرنا أشعارَ المولدين في الرقيق ، فقال عبد الصمد : أنا أشعر الناس فيه وفي غيره ، فقلت : أحذق منك والله بالرقيق الذي يقول ، وهو راشد بن إسحاق أبو حُكيمة الكوفي : الطويل :
ومستوحشٍ لم يمْس في دارِ غُرْبَةٍ . . . ولكنَّهُ ممن يحبّ غَرِيبُ
طَوَاه الهوى واستشعر الوَصل غيرهُ . . . فشطَتْ نَواهُ والمَزارُ قَريب
سلامٌ على الدارِ التي لا أزورُها . . . وإن حَلها شخصٌ إليَّ حبيبُ
وإن حَجبتْ عن ناظريَّ ستُورُها . . . هوًى تَحْسُن الدُّنيا بـه وتَطِيبُ
هوى تَضْحَكُ اللّذاتُ عند حضوره . . . ويَسخَنُ طَرْف اللهو حين يَغِيب
تثنَّى بـه الأعطافُ حتى كأنـهُ . . . إذا اهتزَ من تحتِ الثيابِ قَضِيبُألم تر صَمْتي حين يَجْري حديثهُ . . . وقد كنت أُدعَى باسْمِه فأجيبُ
رضيت بسَعْي الدهر بيني وبينـه . . . وإن لم يَكن للعين فيه نصيبُ
أحاذِر إنْ واصلته أن ينالني . . . وإياه سَهْمٌ لِلْفراقِ مُصِيبُ
أرى دون مَنْ أهوى عيوناً تريبني . . . ولا شك أني عندهنّ مُرِيبُ
أُدارِي جليسي بالتجلّد في الهوى . . . ولي حين أخلو زَفْرَة ونَحِيبُ
وأُخْبَرُ عنـه بالذي لا أحبّهُ . . . فيضحك سِنِّي والفؤادُ كَئيب
مخافةَ أن تَغْرَى بنا ألسنُ العِدَا . . . فيطمع فينا كاشحٌ فيعيب
كأن مجالَ الطّرَف في كل ناظر . . . على حَرَكات العاشقين رقيبُ
أرَى خطرات الشوق يبكين ذَا الهوى . . . ويصِبين عقلَ المرءَ وهْو لبيبُ
وكم قد أذل الحب من متمنعٍ . . . فأضحى وثَوْبُ العز منـه سَلِيبُ وإن خُضُوعَ النفس في طلب الهوى . . . لأمرٌ ، إذا فكرتُ فيه ، عَجيب
فلم ينطق بحرف .
ولأبي شُراعة يمدح بني رياح : البسيط :
بني رياح ، أعاد اللَهُ نعمَتكم . . . خير المَعاد وأسقى رَبْعَكم دِيمَا
فكم بِهِ من فَتى حُلْو شمائلهُ . . . يكادُ ينـهلُّ من أعطافِه كَرَما
لم يلبسوا نعمةً لِلَه مُذْ خلقوا . . . إلاَّ تلبسها إخوانـهم نِعما
وفي إبراهيم بن رياح يقول عبد الصمد بن المعذل : الخفيف :
قد تركت الرياح يا ابنَ رياح . . . وهي حَسرَى إنْ هبَّ منـها نسيم
نـهكتْ مالَكَ الحقوقُ فأَضْحَى . . . لكَ مَال نِضوٌ وفعلٌ جَسيم
وكان عبد الصمد بن المُعَذل متصلاً بإبراهيم ونبيه ، وأفاد منـهم أموالاً جليلة ، واعتقد عقداً نفيسة ، فما شكر ذلك ولا أصحبه بما يجب عليه من الثناء عند بكْبَته ، وكان الواثق عزَلَه عن ديوان الضياع ، ودفعه إلى عمر بن فرج الرخجي ، فحبسه فهجاه عبد الصمد .قال أبو العباس محمد بن يزيد : وكان عبد الصمد شديدَ الإقدام على رديء السريرة فيما بينـه وبين الناس ، خبيث النية ، يرصُد صديقَه بالمكروه ، تقديراً أن يعادِيه فيسوءه بأمْرٍ يعرفه ؛ ولا يكاد يَسْلَم لأحد ، وكان مشـهوراً في ذلك الأمر ، يُلْبَسُ عليه ، ويحمل على معرفةٍ ، عجباً بِظَرْف لِسانِه ، وطيبِ مجلسه ، وأيضاً لقُبْح مسَبته ، وشائن معرّته .
قال أبو العيناء : ولما حبس الواثق إبراهيم بن رياح ، وكان لي صديقاً ، صنعتُ له هذا الخبر رجاءَ أن ينتهي إلى أمير المؤمنين فينتفع بـه ، فأخبرني زيدُ بن علي بن الحسين أنـه كان عند الواثق حين قرِئ عليه فضَحِك واستظرفه . وقال : ما صنع هذا كُفَه أبو العيناء إلا في سبب إبراهيم بن رياح ، وأمر بتخليته ، والخبر قال : لقيتُ أعرابياً من بني كلاب فقلت له : ما عندك من خَبر هذا العسكر ؟ فقال : قتل أرضاً عالِمُهَا ، قال : فقلت : فما عندك من خبر الخليفة ؟ قال : بَخْبخ بعزه ، وضرب بِجِرانـه ، وأخذ الدرهم من مصره ، وأرهف قَلَم كلّ كاتبٍ بجبايته . قلت : فما عندك في أحمد بن أبي دُواد ؟ قال : عُضْلة لا تُطاقُ ، وجَنْدَلة لا تُرَام ، ينتحي بالمدَى لتحزه فيجور ، وتنصب لهُ الحبائل حتى تقول : الآن ، ثم يضبر ضَبْرَة الذئب ، ويخرج خروج الضب ، والخليفة يحنو عليه ، والقرآن آخذ بضبعيه . قلت : فما عندك في عمر بن فرج ؟ قال : ضَخْم حِضجْر ، غضوب هِزَبْر ، قد أهدفه القومُ لبَغْيهم ، وانتضلوا له عن قِسِيِّهم ، وأحْرِ له بمثل مصرع من يصرع . قلت : فما عندك في خبر ابن الزيَّات ؟ قال : ذلك رجُلٌ وسع الوَرى شره ، وبطن بالأمور خيره . فله في كل يوم صريع ، لا يظهر فيه أثرُ ناب ولا مِخلب ، إلا بتسديد الرأي . قلت : فما عندك في خبر إبراهيم بن رياح قال : ذاك رجل أوْبقَه كَرمُه ، وإن يَفُزْ للكرام قدح ، فأحْرِ بمَنْجَاته ، ومعه دعاء لا يخذله ، ورَب لا يسلمـه ، وَفوقه خليفة لا يظلمـه . قلت : فما عندك في خبر نجاح بن سلمة ؟ قال : للَّه درُّه من ناقض أوتار ، يتوقّد كأنـه شعلةُ نار ، له في الفَيْنَةبعد الفينة ، عند الخليفة خلسة كخلسة السارق ، أوْ كحسوة الطائِر ، يقومُ عنـها وَقد أفاد نعماً ، وَأوْقع نقماً . قلت : فما عندك في خبر ابن الوزير ؟ قال : إ كَبْش الزنادِقة ، ألا ترى أنّ الخليفة إذا أهمله خضِمَ ورَتع ، وإذا أمر بتقصيه أمطر فأمْرَع . قلت : فما عندك من خبر الخصيب أحمد ؟ قال : ذاك أحمق ، أكل أكْلَة نَهِم ، فاختلف اختلاف بشم . قلت : فما عندك في خبر المعلى بن أيوب . قال : ذاك رجل قُدّ من صخرة ، فصَبْره صبرُها ، ومسُّه مسُّها ، وكل ما فيه بعد فمنـها ولها . قلت : فما عندك من خبر أحمد بن إسرائيل ؟ قال : كتوم غرور ، وجَلْد صبور ، رجل جِلْدُه جلد نمر ، كلما خرقوا له إهاباً ، أنشأ الله له إهاباً . قلت : فما عندك من خبر الحسن بن وهب ؟ قال : ذاك رجل اتّخذ السلطانَ أخاً ، فاتّخذه السلطانُ عبداً ، قال : قلت : فما عندك من خبر أخيه سليمان بن وهب ؟ قال : شَدّ ما استوفيتَ مسألتك أيها الرجل ذاك حرمة حبست مع صواحباتها في جريرة محرمة ، ليس من القوم في وِرْدٍ ولا صَدَر ، هيهات : الخفيف :
كُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا . . . وعلى الغانيات جرُّ الذيول قال : قلت : فما عندك من خبر عبد الله بن يعقوب ؟ قال : أمواتٌ غير أحياء ، وما يشعرون أيَّانَ يبعثون .
قلت : فأين نزلت فأؤمَّك . قال : ما لي منزل تأمُّه . أنا أستتِر في الليل إذا عَسْعَس ، وَأنتشِرُ في الصبح إذا تنفَّس .
ابن راشد
ومن مليح شعر راشد بن إسحاق بن راشد ، وهو أبو حُكيمة ، وكان قَوِيِّ أسْرِ الشعر : الطويل :
تحيرْتُ في أمري وإني لواقف . . . أُجيلُ وجوه الرأي فيك وما أدري
أأعْزِمُ عَزْمَ اليأْس فالموتُ راحةٌ . . . أمَ اقنَعُ بالإِعْراض والنظَرِ الشَّزْرِ
وإني وإن أعرضت عنك لمُنْطَوٍ . . . على حُرَقٍ بين الجوانح والصدرِ
إذا هاج شوقي مثّلتكَ ليَ المنى . . . فألقاك ما بيني وبينك في سِتْرِ
فديتك لم أصبر ولي فيك حيلةٌ . . . ولكِنْ دعاني اليأسُ فيك إلى الصبرتصبَّرت مغلوباً وإني لموجَعٌ . . . كما صبَر الظمآنُ في البلد القفْر
وقال : الوافر :
عتبت عليك في قطع العتاب . . . فما عَطَفَتْك ألسنة العتابِ
وفيما صرت تظهر لي دليل . . . على عَتْب الضميرِ المستَرابِ
وما خطرتْ دواعي الشوقِ إلاَّ . . . هززْتُ إليك أجنِحَةَ التصابي
وقال أيضاً : الطويل :
ضحِكْت ولو تَدْرِين ما بِي من الهوى . . . بَكَيْتِ لمحزونِ الفؤادِ كئيبِ
لمن لم تُرَحْ عيناه من فَيْضِ عَبْرَةٍ . . . ولا قَلْبُهُ مِنْ زَفْرَةٍ ونحيب
لمستأنس بالهمِّ في دارِ وَحْشَةٍ . . . غريب الهَوى باكٍ لكل غريبِ
ألا بأبي العيشُ الذي بانَ فانقضى . . . وما كان من حُسْنٍ هناك وطِيبِ
لياليَ يدعونا الصّبا فنجيبهُ . . . ونأخذُ مِنْ لذاتِه بنصيبِ
نردِّدُ مستور الأحاديث بيننا . . . على غَفْلَةٍ من كاشح ورقيب
إلى أن جرى صَرْفُ الحوادث في الهوى . . . فبُدِّلَ منـها مَشْهَدٌ بمَغِيب
وله مذهب استفرغ فيه أكثر شعره ، صُنتُ الكتاب عن ذكره .
أخبار عبد الملك بن صالح
دعا الرشيد بعبد الملك بن صالح - وكان معتقلاً في حَبْسه - فلما مَثَل بين يديه التفت إليه ، وكان يُحدث يحيى بن خالد بن بَرْمك وزيرَه ، فقال متمثّلاً : الوافر :
أريد حياتَه ويريدُ قَتْلي . . . عذيرَكَ من خليلِكَ من مُرادِ
ثم قال : يا عبدَ الملك ، كأني أنظر إلى شُؤْبُوبها قد هَمَع ، وإلى عارِضِها قد لَمَع ، وكأني بالوعيد قد أوْرَى ، بل أدْمى ، فأبرز عن بَراجمَ بلا مَعَاصِم ، ورؤوس بلا غَلاَصم ، فمـهلاً بني هاشم ، فبي والله سَهُلَ لكم الوَعْر ، وصفا لكم الكَدِر ، وألقَتْ لكم الأمور أثناءَ أزِمتها ، فنذار لكم نذراً قبل حلول داهية خبوط باليد والرجْل ، فقالعبد الملك : أفذّاً أتكلم أم تَوْأماً ؟ قال : بل فَذّاً ، قال : اِتّقِ الله يا أمير المؤمنين فيما ولآك ، وأحفظْه في رعاياك الذي استرعاك ، ولا تجعل الكفر بموضع الشكر ، والعقاب بمَوْضِع الثواب ، فقد ، واللّه ، سَهُلَت لك الوعور ، وجمعت على خوفك ورجائكِ الصدور ، وشددْتُ أوَاخِي ملكك بأوثَقَ من رُكْنَيْ يَلَمْلَمَ ، وكنتُ لك كما قال أخو بني جعفر بن كلاب - يعني لبيداً - : الرمل :
ومقام ضَيّقٍ فرّجتهُ . . . بلسانٍ وبَيَانٍ وجَدَلْ
لو يقومُ الفيلُ أو فيالُهُ . . . زَلَّ عن مثل مقامي وزَحَل
فأعاده إلى محبسه ، وقال : لقد نظرتُ إلى موضع السيف من عاتقه مراراً ، فيمنعني عن قتله إبقائي على مثله .
وأراد يحيى بن خالد أن يضَعَ من عبد الملك ليُرْضِيَ الرشيد ، فقال له : يا عبد الملك ، بلغني أنك حَقُود فقال عبد الملك : أيها الوزير ، إنْ كان الحقد هو بقاء الشّرّ والخير ، إنـهما لباقيان في قلبي فقال الرشيد : تاللّه ما رأيتُ أحداً احتجَّ للحقد بأحْسَنَ مِمّا احتجَّ بـه عبد الملك .
وقد مدح ابن الرومي الحقد ، وأخذ هذا المعنى من قول عبد الملك ، وزاد فيه ، فقال لعاتب عابه بذلك : الطويل :
لئن كُنْتَ في حفظي لما أنا مُودَعٌ . . . من الخير والشّرِّ انتحيْتَ على عرضِي لَمَا عِبْتَني إلاَّ بفضل إبانة . . . وربَّ امرئ يُزْرِي على خُلُق مَحْض
ولا عيبَ أنْ تُجْزَى القروضُ بمثلها . . . بل العيبُ أن تَدان دَيناً ولا تقضي
وخيرُ سحيَّاتِ الرجال سجيةٌ . . . توفيك ما تسدي من القَرْض بالقرض
إذا الأرض أدَّتْ رَيْع ما أنت زارعٌ . . . من البَذْر فيها فهي ناهيك من أرضِ
ولولا الحقُودُ المستكنات لم يكنْ . . . لينقض وتراً آخر الدهر ذو نقض
وما الْحِقْدُ إلا توأم الشكر في الفتى . . . وبعض السجايا ينتمين إلى بعض
فحيث ترى حِقداً على ذي إساءة . . . فثَمَّ ترى شكراً على حَسَن القَرْضوقال يرد على نفسه ، ويذمُّ ما مدح ، توسعاً واقتداراً : البسيط :
يا مادحَ الحقدِ محتالاً له شبهاً . . . لقد سَلَكْتَ إليه مسلكاً وَعِثا
إن القبيح وإنْ صنّعت ظاهِرَهُ . . . يعودُ ما لمَ منـه مرةً شَعِثَا
كم زَخْرَف القول ذو زُور ولبَّسهُ . . . على القلوب ولكن قل ما لبثَا
قد أبرم الله أسباب الأمور معاً . . . فلن ترى سبباً منـهن منتكِثا
يا نَ الحِقْدِ في ضعفي جوانبهِ . . . ساء الدفينُ الذي أضحت له جَدثا
الحقدُ داءٌ دَوِيٌّ لا دواءَ لهُ . . . يَرِي الصدورَ إذا ما جمْرُهُ حُرثا
فاستشْفِ منـه بصَفْحٍ أو معاتبةٍ . . . فإنما يبرئ المصدورَ ما نَفَثَا
واجعل طلابك بالأوتار ما عظمتْ . . . ولا تكن بصغير القول مُكْترِثا
فالعفوُ أقربُ للتقوى وإن جُرمٌ . . . من مجرم جَرَحَ الأكبادَ أو فرثا
يكفيك في العفو أن الله قرّظهُ . . . وحَيْاً إلى خير من صلى ومن بُعِثا
شـهدت أنك لو أذنبت ساءك أن . . . تلقى أخاك حَقُوداً صَدْره شرثا
إذا وسَرَّك أن تلقى الذنوب معاً . . . وأن تصادف منـه جانباً دَمِثَا
إني إذا خلط الأقوام صالحُهمْ . . . بسيئ الفعل جداً كان أو عَبثَا
جعلت قلبي كظرف السبك حينئذ . . . يستخلص الفِضَّة البيضاء لا الخَبَثا
ولستُ أجعله كالحوض أمدحُه . . . بحِفْظِ ما طاب من ماءً وما خَبُثا
والبيتُ الذي تمثل بـه الرشيد هو لعمرو بن معد يكرب يقوله لقَيس بن المكشوح المرادي ، وقد تمثّل بـه علي بن أبي طالب ، رضي الله عنـه ، لَمَّا رأى عبد الرحمن بن مُلْجَم المرادي فقال له : أنت تخضب هذه من هذه ، وأشار إلى لحيته ونُقْرَته . فقيل له : يا أميرَ المؤمنين ، ألا تقتله ؟ فقال : كيف يقتلُ المرءُ قاتلَه ؟ .
وكان بين مَسْلَمة بن عبد الملك وبين العباس بن الوليد تباعُد ، فبلغ العباس أن مسلمة ينتقصه ، فكتب إليه يقول : الوافر :
ألا تَقْنَى الحياءَ أبا سعيدٍ . . . وتُقْصِر عن مُلاحَاتي وعَذْلِي ؟فلولا أنّ فَرْعَك حين تُنْمَى . . . وأصلك منتهى فرعي وأصلي
وإني إن رَمَيْتُك هِضْتُ عَظمي . . . ونالتني إذا نَالتْك نَبْلي
لقد أنكرتَني إنكارَ خوفٍ . . . يَضُمُ حشَاك عن شَتْمي وأكْلِي
فكم من سَوْرةٍ أبطأتَ عنـها . . . بنى لك مجدَهَا طلبي وحَفْلِي
ومُبْهمة عييتَ بها فأبدى . . . عَويلي عن مخارجها وفَضْلي
كقول المرء عَمْرٍو في القوافي . . . لِقَيسٍ حين خالف كلَّ عَدْل
عذيري من خليلي من مرادٍ . . . أُريدُ حياته ويريدُ قَتْلي
لم يتفق له في القافية كما قال عمرو ، فغيّره .
وعبد الملك هذا هو ابن صالح بن علي ، وكان بليغاً جَهيراً فاضلاً عاقلاً . وقال الجاحظ : قال لي عبد الرحمن مؤدب عبد الملك بن صالح : قال لي عبد الملك ، بعد أن خصّني وصيرنِي وزيراً بدلاً من قُمامة : يا عبدَ الرحمن ، انظر في وجهي ؛ فأنا أعْرَفُ منك بنفسك ولا تُسْعِدني على ما يقبح ؛ دع عنك كيف الأمير ، وكيف أصبح الأمير ؟ وكيف أمْسَى ؟ واجعل مكانَ التقريظ حُسْنَ الاستماع مني ، واعلم أن صوابَ الاستماع أحسنُ من صواب القول ، وإذا - حدّثتك حديثاً فلا يفوتنك شيء منـه ؛ وأرِنِي فهمَك في طرفك ؛ إني اتخذتك وزيراً بعد أن كنت مُعَلِّماً ، وجعلتُك جليساً مقرّباً بعد أن كنت مع الصبيان مُبْعَداً ، ومتى لم تعرف نقصان ما خرجت منـه لم تعرف رُجْحَان ما صرتَ إليه .
وساير الرشيدُ عبدَ الملك ، فقال له قائل : طأطئ من إشرافه ، واشْدُدْ من شكائمـه ، وإلاّ فسدَ عليك ، فقال له الرشيد : ما يقولُ هذا ؟ قال : حاسدُ نِعْمة ، ونافس رُتبة ، أغضبه رِضَاكَ عني ، وباعدَه قُرْبُك مني ، وأساءه إحسانُك إلي . فقال له الرشيد : انخفض القومُ وعلوتَهم ؛ فتوقَدَتْ في قلوبهم جَمْرةُ التأسف . فقال عبد الملك : أضْرَمَها الله بالتزيد عندك فقال الرشيدُ : هذا لك وذاك لهم .
وصعد المنبر ، فأُرتج عليه فقال : أيّها الناس ، إن اللسان بضْعَة من الإنسان تكل بكَلاله إذا كل ، وتنفسح بانفساحه إذا ارتجل ، إن الكلامَ بعد الإفحام كالإشراقِ بعد الإظلام ، وإنا لا نسكتُ حَصَراً ، ولا ننطقُ هَذَراً ؛ بل نسكتُ مفيدين ، وننطق مُرْشِدين ،وبعد مقامنا مقام ، ووراء أيامِنا أيَّام ، بها فَصْل الخِطاب ، ومواقع الصواب ، وسأعودُ فأقول ، إن شاء الله تعالى .
وقال الأصمعي : كنتُ عند الرشيد فدعا بعبد الملك بن صالح من حَبْسِه ، فقال : يا عبد الملك ، أكُفراً بالنِّعمةِ ، وغَدْراً بالسلطان ، ووثوباً على الإمام ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، بُؤْتُ بأعباءِ الندم ، واستحلال النّدم واستحلال النقم ، وما ذاك إلا من قولِ حاسدٍ ، ناشدتك الله والولاية ، ومودَّة القرابة . فقال الرشيد : ، يا عبد الملك ، تَضعُ لي لسانك ، وترفعُ لي جَنَانك ، بحيث يحفظُ الله لي عليك ، ويأخذ لي منك ، هذا كاتُبك قمامة ينبئ عن غِلِّكَ ، فالتفت عبدُ الملك إلى قُمامة وكان قائماً ، فقال : أحقّاً يا قمامة ؟ قال : حقّاً ، لقد رُمْتَ خَتْر أمير المؤمنين فقال عبد الملك : وكيف لا يكذِب علي يا أمير المؤمنين في غَيبتي من يَبْهَتني في حضرتي . فقال الرشيد : دَعْ قمامة ، هذا ابنُك عبد الرحمن ينبئ عنك بمثل خبر قمامة ، فقال عبد الملك : إنّ عبد الرحمن مأمور أو عَاقّ ؛ فإن كان مأموراً فهو معذور ، وإن كان عاقاً فما أتوقّع من عقوقِه أكثر .
بين الرشيد والخارجين من السجن
وقال الرشيد للحسن بن عمران وقد أُدْخِل عليه يَوْسُفُ في قُيُودِه : ولّيتك دمشق وهي جنّة موثِقة ، تحيط بها غُدُر كاللّجين ، فتكِف على رياضٍ كالزّرَابي ، وكانتْ بيوتَ أموال فما برح بها التعدّي ، حتى تركتَها أجرَدَ من الصَّخْرِ ، وأوحش من القَفْر فقال : يا أميرَ المؤمنين ، ما قصدت لغير التوفيق من جهتِه ، ولكني ولّيت أقواماً ثَقُلَ على أعناقهم الحق ، فتفرَّغوا في ميدان التعدّي ، ورأوْا أنْ المراغمة بتَرْك العِمارة أوقَعُ بإضرار السلطانِ ، وأنوَه بالشنعة ؛ فلا جَرَم أنَّ مَوْجِدَة أمير المؤمنين قد أخذتْ لهم بالحظّ الأوفر من مساءتي فقال عبد الله بن مالك : هذا أجزلُ كلام سُمع لخائف ، وهذا ما كنّا نسمعه عن الحكماء : ' أفضل الأشياء بديهةُ أمْنٍ وردَتْ في مقامِ خَوْف ' .
ولما رَضِيَ الرشيدُ عن يزيد بن مَزْيد دَخل عليه فقال : الحمد للّه الذي سَهّلَ لي سُبُلَ الكرامةِ بلقائك ، وردَّ عليَّ النعمةَ بوَجْهِ الرضا منك ، وجزاكَ الله في حال سُخْطِك حقّ المتثبتين المراقبين ، وفي حَال رضاكَ حقّ المنعمين المتَطَولين ؛ فقد جعلك اللّه - وله الحمد - تتثبت تحرّجاً عند الغضب ، وتتطول ممتنَّاً بالنعم ، وتستَبْقي المعروفَ عند الصنائع تفضُّلاً بالعَفْو .في باب الرثاء
وفي يزيد بن مزيد يقول مسلم بن الوليد مرثيته ، وقد رُويت له في يزيد بن أحمد السلمي : الكامل :
قَبْرٌ ببَرْذَعَةَ أسْتَسَرَّ ضريحُه . . . خَطَراً تقَاصَرُ دونـهُ الأخْطَارُ
نَفَضَتْ بك الأحلاسُ نَفْضَ إقامةٍ . . . واستَرْجَعَتْ نُزَّاعَها الأمصارُ فاذْهَبْ كما ذهبتْ غَوَادي مُزْنَةٍ . . . أثنى عليها السهلُ والأوْعَارُ
سلكَتْ بكَ العَرَبُ السبيلَ إلى العُلاَ . . . حتى إذا سبق الرَّدَى بك حارُوا
وقال أبو عبد الرحمن محمد بن أبي عطية يرثي أخاه : الكامل :
حَنَّطْتَه يا نصرُ بالكافور . . . وزَفَفْتَه للمنزل المـهجورِ
هلاّ ببعض خِصَالِه حَنَّطْتَهُ . . . فيصوغَ أفق منازلٍ وقُبورِ
والله لو بنسيم أخلاق لهُ . . . تُعْزَى إلى التقديسِ والتطهير
حنطت من وطئ الحصى وعَلاَ الربى . . . لتزوّد بل عُدَّةً لنشور
فاذهب كما ذهب الشبابُ فإنـهُ . . . قد كان خير مُجَاوِر ومُجير
واذهب كما ذهب الوفاء فإنـه . . . عصفت بـه رِيحاَ صباً ودَبُور
والله ما أبّنْتُه لأزيدهُ . . . شرَفاً ولكن نَفْثَة المصدُورِ
ومات رجلٌ من العرب كان يعولُ اثني عشر ألفاً ، فلما حُمل على سريره صرّ ، فقال بعضُ من حضر : الطويل :
وليس صَرِيرُ النعشِ ما تسمعونـهُ . . . ولكنـه أصلابُ قومٍ تَقَصّفُ
وليس فتيق المسك ما تجدونـهُ . . . ولكنـه ذاك الثناءُ المخلَّفُ
وقال عبد الله بن المعتز في عبيد الله بن سليمان بن وَهْب يرثيه : الخفيف :
يا ابنَ وَهْبٍ بالكُرْه منِّي بقيتُ . . . عجبي يوم متَّ كيف حَيِيتُ
إنما طيّب الثناء الذي خلفت . . . لا مِسْك نَعْتِك المفتوتُ
واختصرت الطريق بعدك للمو . . . ت فلاقيتُه ولستُ أفوتُكيف يَبْقَى على الحوادث حَيٌّ . . . بيدِ الدَّهْرِ عُودُه منحوت
وقال أيضاً : المتقارب :
ذكرت ابنَ وَهْبٍ فللّه ما . . . ذكرتُ وما غيّبوا في الكَفَنْ
تقطر أقلامـه من دم . . . ويعلمُ بالظن ما لم يَكُنْ
وظاهر أطرافه سَاكنٌ . . . وما تحته حَرَكاتُ الفَطِنْ
وقال : الطويل :
ذكرت عبيد الله والتربُ دُونَه . . . فلم تحبس العينانِ منّي بكاهُما
وحَاشاه من قولٍ سَقَى الغيثُ قبرَهُ . . . يدَاهُ تروّي قبرَه مِنْ نَدَاهُما
وهذا مأخوذ من قول الطائي : الطويل :
سقى الغيثُ غيثاً وارَتِ الأرضُ شَخْصَه . . . وإن لم يكُنْ فيه سحابٌ ولا قَطْرُ
وكيف احْتِمالي للسحابِ صنيعةً . . . بإسقائها قَبْراً وفي لَحْدِه البَحْرُ
وقال ابن المعتز : الخفيف :
لم تَمُتْ أنتَ ، إنما مات مَنْ لم . . . يُبْقِ في المجدِ والمكارم ذِكْرا
لستُ مستسقياً لقبرك غيثاً . . . كيف يَظْمَأ وقد تضمَّن بَحْرا ؟
والبيت الثاني من هذين من بيت الطائي : وقال : البسيط :
محمدُ بنُ حُمَيْدٍ أُخلِقت رِمَمُهْ . . . أُرِيق ماءُ المعالي إذْ أرِيقَ دَمُهْ
رأيته بنِجادِ السيفِ مُحْتَبياً . . . كالبدر حين انْجَلتْ عن وجهه ظُلمُهْ
في روضةٍ حفها من حولها زَهَرٌ . . . أيقنت عند انتباهي أنـها نِعَمُهْ
فقلتُ والدمعُ من وَجْدٍ ومن حُرَق . . . يَجْرِي وقد خدَّدَ الخدَين منسَجمُهْ :
ألم تمت يا سليلَ المجد من زمنٍ ؟ . . . فقال لي : لم يَمُتْ من لم يمت كَرَمُهْ
وقال بعض أهل العصر : البسيط :
عُمْرُ الفتىَ ذِكرُه ، لا طولُ مدَّتِه . . . وموتُه موتُه لا موته الدَّانيفأَحي ذكرَك بالإحسان تزرعهُ . . . تُجْمَعْ بـه لك في الدنيا حَياتانِ
وقال عبد السلام بن رَغبان الحِمْصي : الطويل :
سَقَى الغَيْثُ أَرضاً ضمِّنتكَ وسَاحَةً . . . لَقَبْرُكَ فعه الغَيْثُ واللَّيْثُ والبَدْرُ
وما هي أَهْلٌ إذْ أصابتك بالبِلَى . . . لسُقيا ، ولكنْ مَنْ حَوَى ذلك القَبْرُ
أخذ هذا البيت الأول ، الراضي فقال يرثي أباهُ المقتدر : الطويل :
بنفسي ثرًى ضُمِّنْت في سَاحة البِلَى . . . لقد ضَمَّ منك الغيثَ والليثَ والبَدْرا فلو أنّ عمري كان طوعَ مشيئتي . . . وأسعدني المقدورُ قاسمْتُكَ العمرا
ولو أنَ حيّاً كان قَبْراً لميِّتٍ . . . لصيَّرْتُ أحشائي لأَعْظُمـه قَبْرا
هذا البيت ينظر إلى قول المتنبي : الكامل :
حتى أتَوْا جَدَثاً كأن ضريحهُ . . . في قَلْبِ كل موحِّدٍ محفورُ
أخبار قطر الندى
لما حُملت قَطْرُ الندى بنت خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون إلى المعتضد كتب معها أبوها إليه يذكر بحُرْمَة سلفها بسلفه ، ويذكرُ ما ترِدُ عليه من أبّهة الخلافة ، وجلالة الخليفة ، ويسأل إيناسها وبَسْطَها ، فبلغَتْ من قَلْبِ المعتضد لما زُفَت إليه . مبلغاً عظيماً ، وسُرَّ بها غاية السرور ، وأمر الوزير أبا القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب بالجواب عن الكتاب ، فأراد أن يكتبَه بخطّه ، فسأله أبو الحسين بن ثَوَابَة أن يُؤْثره بذلك ففعل ، وغاب أياماً وَأتى بنسخة يقول في فصل منـها : وأمّا الوَدِيعةُ فهي بمنزلَةِ شيءٍ انتقل من يمينك إلى شمالك ، عنايةً بها ، وحِيَاطة عليها ، ورعايةً لمودتك فيها . ثم أقبل عبيد الله يُعجب من حُسْنِ ما وقع له من هذا ، وقال : تسميتي لها بالوديعة نصفُ البلاغة ، فقال عبيد اللّه : ما أقبحَ هذا تفاءلْتَ لامرأةٍ زُفَّت إلى صاحبها بالوديعة ، والوديعةُ مستردة . وقولك : لا من يمينك إلى شمالك أقبح ؛ لأنك جعلت أباها اليمين وأمير المؤمنين الشمالَ ، ولو قلت : وأما الهديةُ فقد حسن موقعها منّا ، وجلّ خطرُها عندنا وهي وإنْ بعدَتْ عنك ، بمنزلة من قربَتْ منك ؛ لتفقُّدِنا لها ، وأنسِنا بها ، ولسرورها بما وردَتْ عليه ، واغتباطها بما صارت إليه لكان أحسن . فنفذ الكتاب .
وكانَتْ قَطْرُ الندى مع جمالها موصوفةً بفضل العقل ، خلا بها المعتضد يوماً للأُنسبها في مجلسٍ أفرده لم يحضرْه غيرها ، فأخذَتْ منـه الكأس ، فنام على فخذها ، فلمّا استثقلَ وضعَتْ رأسَه على وسادة ، وخرجت فجلست في ساحة القصر على باب المجلس ، فاستيقظ فلم يَجِدْها ، فاستشاط غضباً ، ونادى بها فأجابته على قرب ، فقال : ما هذا ؟ أَخليتك إكراماً لكِ ، ودفعتُ إليك مـهجتي دون سائر حظاياي ، فتضَعِين رأسي على وسادة فقالت : يا أمير المؤمنين ، ما جهلتُ قدرَ ما أنعمتَ بـه عليّ ، وأحسنتَ فيه إليّ ، ولكن فيما أدَّبني بـه أبي أن قال لي : لا تنامي مع الجلوس ، ولا تجلسي بين النيام .
رجع إلى الرثاء
وفي أبي الحسين بن ثوابة يقول ابن المعتز يَرْثيه : الخفيف :
ليس شيءٌ لصحّةٍ ودَوام . . . علبَ الدهرُ حِيلة الآقَوامِ
وتولّى أبو الحُسين حميداً . . . فعلى رُوحه سَلام السلامِ
حين عاقدْته على الحِفْظ للعَه . . . د وصافحْتُه بكفِّ الذِّمام
واصطفتْه على الأخلاَّءِ نَفْسي . . . كاصطفاءِ الأرواح للأجسامِ
كَانَ رَيْحانة النّدامى وميزا . . . ن القَوافِي شعراً وبَحْر كَلاَمِ
ومكان السهم الذي لا يَرَى الشكَّ ولا يستغِيث بالأوهام
ساحر الوحي في القراطيس لا تحبس عنـه أعنّة الأقلام
فإذا ما رأيته خِلْت في خدَّيْه صُبْحاً منقّباً بظلام
نفسُ ، صَبْراً لا تجزَعِي إن هذا . . . خُلق من خلائق الأيام
ما قالته الشعراء في ريعان الشباب
وأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب لرجل من بني كلاب : الطويل :
سقَى الله دهراً قد توالَتْ غَيَاطِلُهْ . . . وفارقَنا إلا الحُشَاشة باطِلهْ
لياليَ خِدْني كلُّ أبيضَ ماجدٍ . . . يُطيع هَوى الصابي وتُعْصَى عواذِلهْ
وفي دَهْرِنا والعيشُ في ذاك غِرّة . . . ألا ليتَ ذاك الدهر تُثْني أوإئِلُهْ
بما قد غنينا والصِّبا جُلُّ همِّنا . . . يمايلنا رَيْعَانُه ونُمَايُلهْ
وجَرَّ لنا أذيالَه الدهرُ حِقْبَةً . . . يطاوِلنا في غَيِّهِ ونُطَاولُهْفَسَقْياً له من صاحبٍ خذلَتْ بنا . . . مطيّتُنا فيه ووَلَت رَواحلُه
أَصُدُّ عن البيتِ الذي فيه قاتلي . . . وأهجرُه حتى كأنيَ قاتلُهْ هذا البيت يناسب قول ذي الرمة ، إن لم يَكُن في هذا المعنى ، يصِفُ ظبية وولَدَها : الطويل :
إذا استودَعتْه صفصفاً أو صَرِيمَةً . . . تنخت ونصّتْ جِيدَها بالمناظِر
حِذَاراً على وَسْنانَ يَصْرعُه الكَرى . . . بكل مَقِيل عن ضِعافٍ فواتِرِ
وتهجرُه إلا اختلاساً نَهَارَهَا . . . وكم من مُحِب رَهْبَة العَيْنِ هاجِرِ
وقال أبو حية النميري : الوافر :
أما وأبي الشباب لقد أراهُ . . . جميلاً ما يرادُ بـه بَدِيلُ
إذِ الأيامُ مقبلةٌ علينا . . . وظِلُّ أرَاكَةِ الدنيا ظليلُ
وقال علي بن بسام : الوافر :
بشاطئ نـهر قبرك فالمصلَّى . . . فما والاَهُما فالقرْيتَينِ
معاهِدُ لَهْوِنا والعيشُ غَضٌّ . . . وصرف الدهر مقبوضُ اليدينِ
وكان ابن بسام هذا - وهو علي بن محمد بن ، منصور بن بسام ، مليح المقطعات ، كثير الهجاء خبيثهُ ، وليس له حظ التطويل ، وهو القائل : الكامل :
كم قد قطَعْت إليك من دَيْمُومَةٍ . . . نُطَفُ المياهِ بها سَوادُ الناظِرِ
في ليلةٍ فيها السماءُ مُرِذّةٌ . . . سوداءُ مظلمة كقَلْبِ الكافرِ
والبرقُ يخفِقُ من خلال سحابهِ . . . خَفْقَ الفؤاد لموعدٍ من زائرِ
والقَطْرُ منـهمِلٌ يسُحّ كأنـهُ . . . دمع المودّع إثْر إلْفٍ سائرِ
وقال في العباس بن الحسين لما وَزَرَ مكتفي : السريع :
وزارة العباسِ من نَحْسِها . . . ستقلع الدولةَ من أُسِّها
شَبهْته لما بَدَا مُقْبِلاً . . . في خِلع يخجل من لبْسِهاجاريةً رَعنَاء قد قدرَتْ . . . ثياب مولاها على نفسِها
وقال في علي بن يحيى المنجم يَرْثيه : الكامل :
قد زرتُ قبرك يا علي مسلِّماً . . . ولكَ الزيارة من أقلّ الواجبِ
ولو استطعت حملتُ عنك تُرَابهُ . . . فلطالما عني حملتَ نوائبي
وكان مولعاً بهجاء أبيه ، وفيه يقول وقد ابتنى داراً : الرملي :
شِدْتَ داراً خِلْتها مَكْرُمةً . . . سلَّط الله عليها الغَرَقا
وأرانيك صريعاً وسطها . . . وأرانيها صعيداً زَلَقَا
وقال أبو العباس بن المعتز يهجوه : المجتث :
من شاء يَهْجُو علياً . . . فشعرُه قد كفَاهُ
لو أنـه لأبيهِ . . . ما كان يَهْجُو أباهُ
من أخبار المأمون ويزيد بن معاوية
وقال المأمون لأحمد بن أبي خالد ، وهو يخلف الحسنَ بن سَهل ، وقد أشار إليه برأي استرجَحه : قد اعتل الحسنُ ولزم بيته ، ووكَلَ الأمرَ إليك ، فأنا إلى راحته وبقائه ، أحوجُ مني إلى إتعابه وفنائه ، وقد رأيتُ أن أستوزرك ، فإن الأمر له ما دُمْتَ أنت تقوم بـه ، وقد طالعتُ رأيه في هذا الأمر ، فما عَدَاك . فقال : يا أمير المؤمنين ، أَعفِني من التسمي بالوزارة ، وطالبني بالواجب فيها ، واجعلْ بيني وبين الغاية ما يرجوني له وَليِّي ، ويخافني له عدُوَّي ، فما بعد الغايات إلا الآفات . فاستحسن كلامـه ، وقال : لا بُدَّ من ذلك ، واستوزره .
ورأى المأمونُ خط محمد بن دَاود فقال : يا محمد إن شاركْتَنَا في اللفظ ، فقد فارقناك في الخط ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن من أعظم آياتِ النبي ، صلى اله عليه وسلم ، أنـه أدّى عَنِ الله سبحانـه وتعالى رسالاته ، وحفظ عنـه وَحْيَه ، وهو أمي لا يعرف من فنون الخط فَنّاً ، ولا يقرأ من سائره حَرفاً ، فبقي عمود ذلك في أهله ، فهم يَشْرُفون بالشَبَه الكريم في نَقْص الخط ، كما يشرفُ غيرُهم بزيادته ؛ وإن أمير المؤمنين أخصُّ الناس برسول الله ، صلى اله عليه وسلم ، والوارثُ لموضعه ، والمتقلِّد لأمره ونـهيه ؛ فعلقت بـه المشابهة الجليلة ، وتناهَتْ إليه الفضيلة ، فقال المأمون : يا محمد ، لقد تركتني لا آسَى على . الكتابة ، ولو كنتُ أمياً .
وهذا شبيهٌ بقول سعيد بن المسيب ، وقد قيل له : ما بال قريش أضعفُ العرب شعراً ، وهي أشرفُ العرب بيتاً ؟ قال : لأنَّ كَوْن رسول الله صلى اله عليه وسلم ، منـها قطع مَتن الشعر عنـها .وقال إبراهيم بن الحسن بن سَهل : كنّا في مجلس المأمون وعَمْرو بن مَسْعدَةَ يقرأ عليه الرقَاع ، فجاءته عَطْسَةٌ ، فلوَى عنقه فردّها ، فرآه المأمون فقال : يا عمرو ، لا تفعَل فإن ردّ العَطسة وتحويل الوجه بها يُورثان انقطاعاً في العنق . فقال بعض ولد المـهدي : ما أحسنـها من مولَى لعبده ، وإمام لرعيته فقال المأمون : وما في ذلك ؟ هذا هشامٌ اضطربت عِمامته فأَهوى الأبرش الكلبي إلى إصلاحها ، فقال هشام : إنّا نتَّخِذُ الإخوان خَوَلاً فالذي قال هشام أحسنُ مما قلته . فتمال عمرو : يا أمير المومنين ، إنَّ هشاماً يتكلّفُ ما طُبِعْتَ عليه ، ويظلم ، فيما تعدل فيه ، ليس له قرابتك من رسول الله ، صلى اله عليه وسلم ، ولا قيامك بحقّ الله ، وإنك والملوك لكما قال النابغة الذبياني : الطويل :
ألم تَرَ أنّ الله أعطاك سَوْرَةً . . . ترى كل مَلْكٍ دونـها يتذبذبُ
لأنك شمسٌ والملوك كواكبٌ . . . إذا طلعَتْ لما يَبدُ منـهنَّ كوكبُ
أخذ النابغة هذا من قول شاعرٍ قديم من كندة : الطويل :
تكادُ تَمِيد الأرض بالناس إنْ رَأوا . . . لعمرو بن هند غَضبَة وهو عاتِبَ
هو الشمس وافَتْ يوم دَجْنٍ فأفضلَتْ . . . على كل ضوءٍ والملوكُ كواكبُ
قار يزيد بن معاوية لجميل بن أوس ، وكان أكرمـه واجتباه : لم كرِهْت الإفراط في تقديمي ، وتطامَنْتَ عن الدرجة التي سما بك إليها مكانك مني ؟ فقال : أيّدَ الله سلطانك ، وأعلى مكانك ، إن الذين كانوا قبلنا من أهل العلوم والآداب ، والعقول والألباب ، كانوا أطول أعماراً منّا ، وأكثر للزمان صُحْبة ، وأكثر للأيام تجربة ، وقد قال الحكيم : بقدر الثواب عند الرّضا يكون العقاب عند السخط ، وبقَدْر السموّ في الرفعة تكون وَجْبة الرفعة ، ولا خير فيمن لا يسمع الموعظة ، ولا يقبل النصيحة ، وأنا يا أمير المؤمنين ، وإن كنت آمناً من التعرض لسُخْطِك والدنوِّ ممّا يقرب منـه ، فلستُ بآمِنٍ من طَعْنِ المُساوِي في الدرجة عندك ، وحقر المشارك لي في المنزلة منك ، وليس من تقديمك قليل ، ولا من تَعْظِيمك يسير ، فإن أقل ذلك فيه النباهة ، والفخر ، والثناء ، والذكر ، وحسبي مما بذلته من أموالك استحقاقي عندك لإكرامك ، وحسبي من تقديمك خالص رضاك ، وصفاء ضميرك .مختار من أقوال الحكماء عند وفاة الإسكندر
لما جُعِل الإسكندر في تابوت من ذهبٍ تقدّم إليه أحدُهم فقال : كان الملك يخبأُ الذهب ، وقد صار الآن الذهبُ يخبؤه ، وتقدم إليه آخر ، والناسُ يبكون ويجزعون ، فقال : حرَّكنا بسكونـه ، أخذه أبو العتاهية فقال : الخفيف :
يا عليّ بْنَ ثابت بانَ منّي . . . صاحبٌ جَلَّ فَقْدُه يوم بنتا
قد لَعَمْرِي حكيتَ لي غُصَص المو . . . تِ وحرَّكْتَني لها وسَكَنْتَا
وتقدّم إليه آخر فقال : كان الملِكُ يعِظُنا في حياته ، وهو اليومَ أوعظُ منـه أمسِ . أخذه أبو العتاهية فقال : الوافر :
وكانت في حياتك لي عِظَاتٌ . . . وأنتَ اليومَ أوْعَظُ منك حيّا
وتقدّم إليه آخر فقال : قد طاف الأرَضينَ وتملّكها ، ثم جُعل منـها في أربعة أذرع . ووقف عليه آخر فقال : ما لك لا تُقلّ عضواً من أعضائك ، وقد كنت تستقلّ ملكَ العباد ؟ ووقف عليه آخر فقال : انظرْ إلى حلم النائم كيف انقضى ، وإلى ظلّ الغمام كيف انجَلَى . وقال آخر : ما لك لا ترغَبُ بنفسك عن ضيق المكان ، وقد كنت ترغبُ بها عن رحب البلاد وقال آخر : كان الملك غالباً فصار مغلوباً ، وآكلاً فصار مأكولاً . وقال آخر : أمَاتَ هذا الميتُ كثيراً من الناس لئلاّ يموت ، وقد ماتَ الآن . وقال آخر : ما كان أقبح إفراطك في التجبّر أمس ، مع شدّةِ خضوعك اليوم . وقالت بنت دارا : ما علمت أنَّ غالب أبي يُغلَب . وقال رئيس الطباخين : قد نضدت النضائِدُ ، وأُلقيت الوسائد ، ونُصِبت الموائد ، ولستُ أرى عميدَ المجلس .
جملة من كلام ابن المعتز في الفصول القصار في ذكر السلطان
أشْقَى الناس بالسلطان صاحبه ، كما أنّ أقربَ الأشياء إلى النارِ أسرعُها احتراقاً . لا يُدْرِكُ الغني بالسلطان إلا نفس خائفة ، وجِسْمٌ تعِب ، ودينٌ متثلم . إن كان البحرُ كثير الماء فإنـه بعيدُ المَهْوى ، ومَنْ شارك السلطانَ في عزّ الدنيا شاركه في ذُلّ الآخرة . فسادُ الرعية بلا ملك كفسادِ الجسم بلا رُوح ، إذا زادك السلطان تأنيساً فزِدْهُ إجلالاً . مَنْ صحب السلطانَ صبر على قسْوته كصَبْرِ الغوَّاص على ملوحة بَحْرِه . الملك بالدين يبقى ، والدينُ بالمُلكِ يَقْوى . من نصح لخدمة نصحَتْه المجازاة . لا تلتِبس بالسلطان في وقت اضطرابِالأمور عليه ؛ فإن البحر لا يكادُ يسلم صاحبه في حالِ سكونـه ، فكيف عند اختلاف رياحه ، واضطراب أمواجِه ؟ .
ومن كلام أهل العصر وغيرهم في هذا النحو
الأوطانُ حيث يعدل السلطان . إذا نطق لسان العدل في دار الإمارة ، فلها البُشرى بالعز والإمارة . آخر بالملك العادل أن يستقل سريرَه في سُرّة الأرض ، ريحُ السلطان على قوم سَمُوم ، وعلى قوم نَسيم . أخْلِقْ بدم المستخفّ بالجبابرة أن يكون جُبَاراً . من غمس يده في مال السلطان فقد مشى بقدمـه على دَمـه . الملك خليفةُ الله في عبادِه وبلادِه ، ولن يستقيم أمرُ خلافته مع مخالفته . الملك مَنْ ينشرُ أثواب الفضل ، ويبسطُ أنواعَ العدل . السلطانُ كالنارِ : إنْ باعدتها بطل نَفْعُها ، وإن قاربتها عَظُم ضررها . إقبالُ السلطان تَعَب وفِتْنَةٌ ، وإعراضُه حسرة ومذلّة . صاحبُ السلطان كراكب الأسد يهابُه الناسُ وهو لمركبه أهيبُ . السلطانُ إذا قال لعمّاله : هاتوا ، فقد قال لهم : خذوا ثلاثة لا أمان لهم : السلطان ، والبحر ، والزمان . ليكن السلطان عندك كالنار : لا تدنُو منـها إلا عند الحاجة إليها ، وإن اقتبست منـها فعلى حذر . مثل أصحاب السلطان كقوم رَقُوا جبلاً ثم وقعوا منـه ، فكان أقربُهم إلى التلف أبعدَهم في المرقى . مثل السلطان كالجبل الصَعْب الذي فيه كلُّ ثمرة طيبة ، وكل سَبْع حَطوم ، فالارتقاء إليه شديد ، والمقام فيه أشدّ . لئن عزَّ الملوك في الدنيا بالجور ليذلُن في الآخرة بالعدل .
لابن عَبَّاد الصاحِبِ : الوافر :
إذا ولاّك سلطانٌ فزده . . . من التعظيمِ واحْذَرْهُ ورَاقِبْ
فما السلطانُ إلا البحرُ عظماً . . . وتربُ البحر مَحْذُورُ العَواقِبْ
ووصف أحمد بن صالح بن شيران جاريةً كاتبة فقال : كأَنَّ خطها أشكال صورتها ، وكأن مِدَادَها سوادُ شعرها ، وكأن قرطاسها أًدِيمُ وَجْهِها ، وكأنَّ قلمَها بعضُ أناملها ، وكأن بنانَها سِحْرُ مقلتها ، وكأن سِكّينـها غُنج لحظها وكأن مِقطَعها قلبُ عاشقها .
وقال بعضُ الكتّاب يصف غلاماً كاتباً : الكامل :
انظرْ إلى أثرِ المداد بخدهِ . . . كبنفسج الروْضِ المَشُوبِ بِوَرْدِهِ
ما أخطأتْ نُونَاتُهُ من صُدْغِه . . . شيئاً ، ولا أَلفِاتُه مِنْ قدِّهِألقَتْ أناملُه على أقلامـهِ . . . شَبهاً أراك فِرْندَها كفِرندِه
وكأنما أنقاسُه من شَعره . . . وكأنما قِرْطَاسه من خدِّهِ
وقال أحمد بن أبي سمرة الدارمي فيما ينظر إلى هذا من طَرْف خَفي : الطويل :
سَرَابُ الفيافي صادقٌ عند وعدها . . . وسمُّ الأفاعي مُبْرِئ عند صدّها
رمتني ولم أَسْعَدْ بأيام وَصْلها . . . بعينيْ مَهَاةٍ أَنْحَستْنِي ببُعْدِها
فَعُلقها قلبي كما تعلّقت . . . صوالج صدغيها بتفَّاح خَدِّها
فقلبيَ لَمَّا أضعفته كخصرها . . . ودمعيَ لَمَّا نَظمته كعقدها
ونيل الثُّريَّا ممكنٌ عند وصْلها . . . وأسرعْ من برق تناقضُ وعدها
من إنشاء بديع الزمان
رقعة كَتبها بديع الزمان إلى ابن العميد يستنجزه : أين تكرّم الشيخ العميد أيَّده اللَّهُ على مولاه ؟ وكيف معدله إلى سِوَاه ؟ أيقصر في النعمة ، لأني قصّرت في الخدمة ؟ إذَنْ فقد أساء المعاملةَ ، ولم يحسن المقابلة ، وعثر في أذيال السهْوِ ، ولم ينعش بيدِ العفو ، أم يقول : إن الدهر بيننا خُدَع ، وفيما بعد مُتّسع ، فقد أزف رَحِيلي ، ولا ماء بعد الشط ، ولا سطح وراء الخط ؛ أم ينتظر سؤالي ؟ وإنما سألته ، يوم أمّلته ، واستمنَحتُه ، يوم مدحته ، واقتضيته ، يوم أتيته ، وانتجعت سحابه ، بما قرعت بابَه ، وليس كل السؤال أعْطِني ، ولا كل الردّ أعْفِني ؛ أم يظن - أيّده الله تعالى - أني أرد صِلَته ، ولا ألبَس خلعته ؟ وهذه فراسة المؤمن إلا أنـها باطلة ، ومَخِيلة العارف إلا أنـها فاسدة ؛ أم ليس يجد فيَّ مكاناً للنعمة يضعُها ، وأرضاً للمنة يزرعها ؟ فلا أقلّ من تجربة دفعة ، والمخاطرة بإنفاذ خلعة ، ليخرج من ظلمة التخمين ، إلى نور اليقين ، وينظر أأشكر أم أكفر ؛ أم يتوقع - أيّده اللِّه - صاعقة تملكني ، أو بائقة تهلكني ، فلهذا أمَلٌ موفر ؛ لأن شيخ السوء باق مُعَمَّر ؛ أم يقدر - أيّده الله - أني أشكره إذا اصطنع ، وأعذره إذا منع ، وتاللهِ لو كنت ينبوع المعاذِير ما حظي منـها بجرعة ، فليُرحني بسُرعة .
وكتب أبو القاسم الهمذاني إلى البديع : قد كتبت لسيدي حاجة إن قضاها وأمضاها ، ذاق حلاوة العطاء ، وإن أباها وفَل شَباها لَقِي مرارةَ الاستبصاء ، فأي الجودين أخفّعليه . أجُودٌ بالعِلْق ، أم جودٌ بالعرض ؟ ونزول عن الطريف ، أم عن الخلق الشريف ؟ .
فأجابه : جعلت فداك هذا طبيخ ، كله توبيخ ، وثريد ، كله وَعيد ، ولُقم ، إلا أنـها نِقَم ، ولم أر قِدراً أكثرَ منـها عظماً ، ولا آكلاً أكثر مني كَظْماً ، ولم أرَ شَرْبة أمرّ منـها طعماً ، ولا شارباً أتمَّ مني حلماً ، ما هذه الحاجة ؟ ولتكن حاجتك من بعدُ ألينَ جوانب ، وألطفَ مطالب ، توافق قضاءَها وترافق ارتضاءَها ، إن شاء الله تعالى .
وفي مقامات أبي الفتح الإسكندري من إنشائه ، قال : حدّثنا عيسى بن هشام قال : أحلّني جامعَ بخارى يوم ، وقد انتظمت مع رُفْقةٍ في سِمْط الثريّا ، وحين احتفل الجامعُ بأهله طلع علينا ذو طِمْرَين ، قد أرسل صُوانا ، واستتلى طِفْلاً ، عُرْياناً ، يضيق بالضرّ وُسْعه ، ويأخذهُ القُرُّ ويَدَعُه ، لا يملك غَيْرَ القِشرة بُرْدَة ، ولا يلتقي لَحْياه رِعْدَة ، ووقف الرجل وقال : لا ينظر لهذا الطفل إلا مَنْ رحم طفله ، ولا يرقُّ لهذا الضرّ إلا مَنْ لا يأمنُ مثله ، يا أصحاب الجُدُود المفروزة ، والأرْدِية المطروزة ، والدور المنجَّدة ، والقصور المشيِّدة ، إنكم لن تأمنوا حادثاً ، ولن تعدموا وارثاً ، فبادِرُوا الخيرَ ما أمكن ، وأحسنوا مع الدهر ما أحسنَ ، فقد واللَّه طعِمْناَ السِّكْبَاج ، وركبنا الهِملاج ، ولبسْنا الديباج ، وافترشنا الحشايا بالعشايا ، فما راعنا إلا هبوبُ الدهر بغَدْرِه ، وانقلاب المجنّ لظهره ، فعاد الهِمْلاج قَطوفاً ، وانقلب الديباج صُوفاً ، وهلمّ جرّاً ، إلى ما تشاهدون من حَالي وزيّي ؛ فها نحن نرضع من الدهر ثَدْيَ عقيم ، ونركَب من الفقر ظهر بَهيم ، ولا نَرْنُو إلا بعين اليتيمِ ، ولا نمدّ إلا يد العديم ، فهل من كريم يجلو عنّا غياهب هذه البؤوس ، ويفلُّ شَبا هذه النحُوس ؟ . ثم قعد مرتفقاً ، وقال للطفل : أنت وشأنك . فقال : وما عسى أن أقول ، وهذا الكلامُ لو لقي الشعر لحلقه ، أو الصخر لفلقَه ، وإنّ قلباً لم يُنْضِجْه ما قلت لَنيءٌ قد سمعتم يا قوم ، ما لم تسمعوا قبل اليوم ، فليشغل كلّ منكم بالجود يده ، وليذكر غَدَه ، وَاقياً بي ولدَه ، واذكروني أذكركم ، وأعطوني أشكركم .قال عيسى بن هشام : فما آنَسني في وَحْدتي إلا خاتم ختّمت بـه خنصره ، فلمّا تناوله أنشأ يقول : مجزوء الكامل :
وممنْطَقٍ من نفسهِ . . . بقلادَةِ الجوزاءِ حُسْنا
كمتيم لَقِي الحبي . . . ب فضمَّه شغفاً وحزنا
متألفٍ من غير أُس . . . رتِه على الأيام خِدْنَا
عِلْق سَنيّ قَدْرُهُ . . . لكنَّ مَنْ أهداهُ أسْنَى
أقسمت لو كان الوَرَى . . . في المَجْدِ لفظاً كنتَ مَعْنَى قال عيسى بن هشام : فتبعته حتى سَفَرَت الخَلوَة عن وجههِ ، فإذا والله شيخنا الإسكندري ، وإذا الصبيّ غلام له ، فقلت : المتقارب :
أبا الفتح شِبْتَ وشب الغلام . . . فأَين الكلامُ ، وأين السلام .
فقال :
غريباً إذا جمعتنا الطريق . . . أليفاً إذا نظمتنا الخيام
فعلمت أنـه كره لقائي ، فتركته وانصرفْتُ .
شعر في وصف فص وخاتم
وقال أبو الفتح كشاجم يصف فصاً : الكامل :
سَاجِلْ بفصّك مَنْ أرَدْت وباهِهِ . . . فكفى بـه كمداً لقلبِ الحاسِدِ
متألّق فيه الفِرِنْد كأنـهُ . . . وجهي غداة ندًى وضَيْفٍ قاصدِ
لو أَنَّ ظَمْأَى منـه عُلّت لارْتَوَتْ . . . من ماء جوهرِهِ المَعينِ الباردِ
بَهَر العيونَ إضاءةً في رِقّةٍ . . . فكأنني مختّم بعُطاردِ
وقال بعضُ المحدَثين يصف خاتماً : الخفيف :
ووحِيدُ الكِيان صِيغَ بديعاً . . . فإذا تمَّ صِيغَ من جوهَريْنِ
خَلَعَتْ خَجْلة الخدودِ عليهِ . . . خِلَعاً قد لبسْن فوق اللّجينِ
فإذا ما رأيتَه في بنانٍ . . . قد كساها من حُسْنِه حُلّتين
قلت نجْمٌ هَوَى من الجوِّ . . . حتى صار مَجرى بُروجه في اليَدَيْنِوقال البحتري يستَهْدي المعتزَّ فصّاً : الطويل :
فهل أَنتَ يا ابنَ الراشِدِين مُخَتِّمي . . . بياقوتةٍ تَبْهَى عليًّ وتُشْرِقُ
يغارُ احمرار الوَرْدِ مِنْ حُسْنِ صِبْغِها . . . وَيحْكيه جادِيُّ الرحيقِ المُعَتق
إذا برزَتْ والشمسُ قلتُ تَجَارَتا . . . إلى أَمَدٍ أو كادتِ الشمسُ تَسْبُقُ
إذا التهبت في اللَّحْظِ ضاهَى ضياؤها . . . جبينَكَ عند الجُودِ إذْ يتألَقُ
أُسَرْبَلُ منـها ثوبَ فَخْرٍ مُعَجَّلٍ . . . فيبقى بها ذِكرٌ على الدهر مُخْلِقُ
وعلى ذكر الخاتم قال أبو الفتح كشاجم : الطويل :
عرَضْنَ فعرَّضْنَ القلوبَ مِنَ الهوى . . . لأسْرَعَ من كَيّ القلوب على الجَمْرِ
كأن الشفاه اللُّعْسَ منـها خواتِمٌ . . . من التِّبْر مختومُ بهن على الدُّر
وقال الناظم :
يَروعُ مُنَاجِيه بهارُوتِ لحظِهِ . . . ويُؤْنِسُه منـه بصُورةِ آدمِ
ترى فيه لاماً فردةً فوق وَرْدَةٍ . . . وفضَّاً من الياقوت من فوق خَاتمِ
بين الكلام والصمت
وقال أبو تمام الطائي : تذاكرْنَا في مجلس سعيد بن عبد العزيز الكلامَ وفضله ، والصمتَ ونُبْله ، فقال : ليس النَّجْمُ كالقمر ؛ إنك إنما تمدحُ السكوتَ بالكلام ، ولا تمدحُ الكلامَ بالسكوت ، وما أنبأ عن شيء فهو أكبرُ منـه .
قال الجاحظ : كيف يكونُ الصمتُ أنْفَعَ من الكلام ، ونفعُه لا يكادُ يجاوزُ صاحبَه ، ونَفْعُ الكلام يعتم ويخصّ ، والرواةُ لم تَرْوِ سكوتَ الصامتين ، كما روت كلام الناطقين ؛ فبالكلام أرسل الله تعالى أنبياءَه لا بالصَّمْتِ ، ومواضعُ الصَّمْتِ المحمودةُ قليلة ، ومواطنُ الكلام المحمودةُ كثيرةٌ ، وبِطول الصَّمْت يَفْسُد البيان . وكان يقال : محادثةُ الرجال تلقيحٌ لألبابها .
وذُكِر الصمتُ في مجلس سليمان بن عبد الملك فقال : إن مَنْ تكلم فأَحسن قَدَر أنْ يسكتَ فيُحْسِن ، وليس مَنْ سكت فأَحسن يتكلمُ فيُحْسِن .قال بعضُ النسّاك : أسكتتني كلمةُ ابن مسعود عشرين سنة ؛ وهي : من كان كلامُه لا يوافِق فعله فإنما يوبّخ نَفْسَه .
الحنين إلى الوطن
قال أبو عَمْرو بن العلاء : مما يدلُ على حرية الرجل وكرم غريزته حنينُه إلى أوطانـه ، وتشوّقه إلى متقدم إخوانِه ، وبكاؤه على ما مضى من زَمَانِه .
وقالوا : الكريم يحنُّ إلى جنابه ، كما يحنّ الأسدُ إلى غابِهِ .
وقالوا : يشتاق اللبيبُ إلى وطنـه ، كما يشتاق النجيب إلى عَطَنـه .
ألفاظ لأهل العصر في ذكر الوطن
بلد لا تُؤْثِر عليه بلداً ، ولا تَصْبِر عنـه أبداً . هو عشُّه الذي فيه دَرجَ ، ومنـه خرجَ . مجمع أُسرته ، ومقطع سُرَّتِه . بلد أنشأته تربتُه ، وغذاه هواؤه ، وربّاه نسِيمُه ، وحُلَّت عنـه التمائِمُ فيه . قالوا : وكان الناسُ يتشوّقون إلى أوطانِهم ، ولا يفهمون العلِّةَ في ذلك ، حتى أوضحها علي بن العباس الرّومي في قصيدةٍ لسليمان بن عبد الله بن طاهر يستَعدِيه على رجل من التجَار ، يعرف بابن أبي كامل ، أجبَره على بَيْع داره واغتصبه بعض جُدرها ، بقوله : الطويل :
ولي وطنٌ آليتُ إلا أَبيعهُ . . . وألاّ أرى غيري لهُ الدهر مالِكا
عهِدتُ بـه شَرْخَ الشبابِ ونعمةً . . . كنِعْمَةِ قوم أصبحُوا في ظِلالكا
وحبّب أوطانَ الرجال إليهمُ . . . مآرِبُ قضَّاها الشبابُ هُنالكا
إذا ذَكَروا أوطانَهم ذكَّرْتُهُم . . . عهودَ الصبَا فيها فحنُّوا لذلكا
قد ألِفَته النفسُ حتى كأنـهُ . . . لها جَسَدٌ إن بانَ غُودِرَ هالكا
يقول له فيها :
وقد عزّني فيها لئيمٌ وسامَني . . . فقال ليَ أجْهَدْ فيَّ جَهْدَ احْتِيالِكاوما هُو إلا نسجُك الشَعر ضلّة . . . وما الشعرُ إلا ضلّة من ضلالِكا
بصيرٌ بِتَسْآل الملوك ، ولم يكن . . . بعار على الأحرار مِثل سُؤَالِكا
وإني وإن أضْحَى مُدِلاًّ بمالِه . . . لآملُ أن أضْحى مُدِلاًّ بمالِكا
فإن لم تُصِبْني من يمينك نِعْمَةٌ . . . فلا تُخْطِئَنْهُ نقمةٌ من شِمالكا
فكم لقي العافون بَدْءاً وعودَةً . . . نوالَكَ والعَادون مُرَّ نكالِكا
وقال علي بن عبد الكريم النصيبي : أتاني أبو الحسن بن الرومي بقصيدته هذه ، وقال : أَنصفني ، وقل الحقّ : أيهما أحسن قولي في الوطن أو قول الأعرابي : الطويل :
أحَبُّ بلادِ الله ما بين مَنْعِجٍ . . . إليّ وسلمى أن يَصُوبَ سحابُها
بلادٌ بها نيطَتْ عَلَيَّ تمائمي . . . وأوَّل أرضٍ مَسَّ جِلْدِيً ترَابُها
فقلت : بل قولك ، لأنـه ذكر الوطنَ ومحبّته ، وأنت ذكرتَ العلّة التي أوجبتْ ذلك .
وقال ابنُ الرومي أيضاً يتشوّق إلى بغداد ، وقد طال مقامـه بسُرّ من رأى : الكامل :
بلدٌ صحِبْتُ بـه الشبيبة والصبا . . . ولَبِسْتُ ثوبَ العيشِ وهو جديدُ
فإذا تمثَّلَ في الضمير رَأيتُهُ . . . وعليه أغصانُ الشبابِ تَميدُ
وقال أبو العباس : ولما احتفل القائل في هذا المعنى السابق إليه قال :
بلادٌ بها حَلَّ الشبابُ تمائمي
وقد تقدّم . وإذا كانت تمائمـه قطعت بأبرق العَزّاف ، وكان الترابُ الذي مَسَّ جلدَه ترابَ جزيرة سيراف ، وجب أَن يحنّ إليه حنينَ المتأسفين على غُوطَةِ دمشق ، وقصور مدينة السلام ، ونجف الجزيرة ، ومستشرفِ الخورْنَق ، وجَوْسق سرّ مَن رأى ، لَمَّا بعد عنـها ، وطال مقامـه بغيرها ، كلاّ ، ولكن هذا الرجل علم أن الحنينَ إلى الأوطانِ لما تُذَكِّر من معاهد اللّهو فيها ، بحدّة الشباب الذي ذكر أنَّ غول سَكْرَته ، يغطي على مقدار فضيلته ، في قوله : الكامل :
لا تلْحَ مَنْ يَبْكي شبيبتَه . . . إلاَّ إذا لم يَبْكِها بدَمِ
عَيْبُ الشبيبة غولُ سَكْرَتها . . . ومِقْدَار ما فيها من النِّعَم
لَسْنَا نراها حقَّ رُؤيتها . . . إلاَّ أوان الشيبِ والهَرَمِ
كالشمس لا تبدو فضيلتُها . . . حتى تُغَشَّى الأرضُ بالظُّلَمِولَرُبَّ شيءٍ لا يبَيّنـه . . . وجدانـه إلاَّ مع العَدَمِ
أخذها هذا من قول الطائي : السريع :
راحَتْ وفودُ الأرضِ عن قبره . . . فارِغَةَ الأيدي مِلاءَ القلوبْ
قد علمت ما رُزئت ، إنما . . . يُعْرَفُ فَقْدُ الشمس بعد الغروبْ
وأخذ ابنُ الرومي قولَه في صفة الوطن قول بشَار : الطويل :
متى تعرفِ الدارَ التي بَانَ أهلها . . . بِسُعْدَى فإن العهدَ منك قريبُ
تذكّرُك الأهواء إذا أنعتَ يافعٌ . . . لديها فمغْنَاهَا لديك حَبيبُ
أو من قول بعض الأعراب : الطويل :
ذكرتُ بلادي فاستهلَّت مَدَامِعي . . . بشوقي إلى عَهْدِ الصبا المتقادِمِ
حَنَنْتُ إلى أرضٍ بها اخضرّ شاربي . . . وقُطِّع عني قَبل عقد التمائم
وأنشد ثعلب من لرجاء بن هارون العكيٍ : الطويل : أَحِنُّ إلى وادِي الأراكِ صبابةً . . . لعَهْدِ الصِّبا فيه وتذكارِ أولِ
كأنَّ نسيمَ الريحِ في جَنَباتِه . . . نسيمُ حبيب أو لقاءُ مؤمّلِ
قال أبو بكر الصولي : ولست أشكُّ أنـه من قول رجاء أخذ ، وبه ألمّ ، وعليه عَوَّل ؛ لأنـه في تناولهِ المعنى غريبُ الأخذ ، عائِر السَّهْم ، لا يعارض معنى معروفاً إذا أنشد علم الناسُ أنـه مَعْدِنـه الذي انتحته منـه .
وقد اختُلِس معنى قول ابن الرومي : الطويل :
فقد أَلِفَتْهُ النفْسُ حتى كأنـه . . . لها جسدٌ إن بانَ غُودِرَ هَالِكا
أخذه علي بن ححمد الإيادي وقال فأَحسن الأخْذَ ولطف في السرقة : السريع :
بالجزْع فالخَبْتَينِ أَشْلاء دارْ . . . ذات ليال قد تَوَلَّت قِصارْبانوا فمَاتت أسفاً بعدهم . . . وإنما الناسُ نفوسُ الديارْ
وقال أعرابي : الطويل :
أيا حبّذا نجدٌ وطِيبُ ترَابِهِ . . . تصافِحُه أَيدِي الرياحِ الغرائبِ
وعهدُ صباً فيهِ ينازعُكَ الهوى . . . كذلك أترابٌ عِذَابُ المشاربِ
تنالُ المنَى منـهنّ في كل مطلب . . . عِذَابُ الثنايا وارداتُ الذوائبِ
وقال ابن ميّادة يخاطبُ الوليدَ بن يزيد : الطويل :
ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً . . . بحرَّة ليلى حيث ربَّتني أهْلي
بلادٌ بها نِيطَتْ عليَّ تمائمي . . . وقُطِّعنَ عني حين أدْرَكَني عقْلي
فإن كنتَ عن تلك المواطن مانعي . . . فأَفْشِ عليَّ الرزقَ واجْمَعْ إذاً شملي
وقال سوار بن الصرير ، ورويت لمالك بن الريب : الوافر :
سقى الله اليمامة من بلادٍ . . . نوائحُها كأَرْوَاحِ الغواني
وجوّاً زاهِراً للريح فيهِ . . . نَسِيمٌ لا يَرُوعُ الترْب وَاني
به سُقْتُ الشباب إلى زمانٍ . . . بقبّح عندنا حسنَ الزمانِ
وقال : أعرابي : الوافر :
أقول لصاحبي والعيسُ تَخْدِي . . . بنا بَيْن المُنِيفة فالضِّمارِ
تَمتَّعْ مِن شَمِيم عَرار نَجْدٍ . . . فما بَعْدَ العشِّيةِ مِنْ عرارِ
ألا يا حبَّذا نفحات نَجد . . . وريَّا رَوْضِه غبَّ القِطار
وأهلك إذ يحلّ القوم نجدا . . . وأنت على زمانِك غيرُ زَارِ
شـهور يَنْقَضِينَ وما شعرْنا . . . بأنصافٍ لهن ولا سِرَارِ
وهذا البيت كقول الآخر : الطويل :
سقَى اللهُ أياماً لنا قد تتابعت . . . وسَقْياً لعَصْرِ العامرية من عَصْرِلياليَ أُعطَيتُ البَطالَة مِقْوَدِي . . . تمرُّ الليالي والشـهورُ ولا أَدْرِي
وتخلَّفَ سليمان عن نصرة ابن الرومي ، فذاك الذي هاجه على هجائه ، فمن ذلك قوله ، وقد خرج في بعضِ الوجوه فرجع مـهزوماً : السريع :
جاء سليمانُ بني طاهرٍ . . . فاجتاح معتز بني المعتَصِمْ
كأن بغدادَ وقد أبصرتْ . . . طلعته نائحةٌ تلتَدِمْ
مستقبل . منـه وَمستَدبر . . . وجه بخيلٌ وقفاً منـهزِمْ
وقال : المنسرح :
قِرْن سليمانَ قد أضرَّ بِه . . . شوقٌ إلى وجْهِه سيتلفهُ
كم يَعِدُ القِرْنَ باللقاءِ وكَمْ . . . يكذبُ في وَعْدِه ويخلفهُ
لا يعرف القرْنُ وجْهَه ويرى . . . قَفَاه من فَرْسَخِ ، فيعرِفهُ
وقد أخذ هذا المعنى من قول بعض الخوارج ، وقد قال له أبو جعفر المنصور : أَخْبِرْني أي أصحابي كان أشدّ إقداماً في مُبارزتك ، فقال : ما أعرفُ وجوههم ، ولكنني أعرفُ أقفاءهم ، فقل لهم يدبروا أعرِّفك .
وفي هذه المنازعة يقول ابن الرومي لمواليه بني هاشم وكان ولاؤه لعبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور : الطويل :
تَخِذْتُكُمُ دِرْعاً عليَّ لتَدْفَعُوا . . . نِبَال العِدى عنِّي فكنتمْ نِصَالَها
وقد كنتُ أرجو منكم خَيْر ناصِر . . . على حين خِذْلاَن اليمين شِمالها
فإن أنتمُ لم تحفظوا لمودَّتي . . . ذِماماً فكونوا لا عليها ولا لَهَا
قِفُوا موقفَ المعذور عني بمعزل . . . وخَلُّوا نِبَالي والعِدَا ونبالها
ألفاظ لأهل العصر في وصف الأمكنة والأزمنة
بلدة كأنـها صورةُ جنَة الخلد ، منقوشة في عَرْضِ الأرض . بلدةٌ كأن محاسنَ الدنيا مجموعةٌ فيها ، ومحصورة في نواحيها . بلدة كأن ترابَها عنبر ، وحَصباءها عقيق ، وهواءها نسيم ، وماءها رَحِيق . بلدةٌ معشوقة السُّكْنَى ، رَحْبَةُ المَثْوى ، كوكبُها يقظان ، وجَوّها عُريان ، وحَصَاها جَوْهر ، ونسيمُها مُعَطّر ، وترابها مِسْك أذفر ، ويومـها غداةٌ ، وليلهاسَحر ، وطعامـها هنيّ ، وها مَرِيّ . بلدة واسعةُ الرقعة ، طيبة البقعة ، كأنّ محاسن الدنيا عليها مفروشة ، وصورة الجنة فيها منقوشة ، واسطة البلاد وسرّتها ، ووجهها وغرّتها .
ولهم في ضد ذلك : بلد مُتَضايِقُ الحدود والأفنية ، متراكب المنازلِ والأبنية . بلد حرُّها مؤذٍ ، وماؤها غير مغذ . بلدة وَسخة السماء ، رَمِدة الهواء ، جوها غبار ، وأرضها خَبَارٌ ، وماؤُها طين ، وترابُها سِرْجِين ، وحيطانـها نزوز ، وتشرينـها تموز ، فكم في شمسها من محترق ، وفي ظلها من غَرق . بلدة ضيقة الديار ، سيئة الجوار ، حيطانـها أخْصَاص ، وبيوتها أقفاص ، وحُشُوشـها مسايل ، وطرقها مَزَابل .
ولهم في صفات الحصون والقلاع : حصن كأنـه على مَرْقَب النجم ، يحسر دونـه الناظر ، ويقصر عنـه العُقابُ الكاسِرُ يكادُ مَنْ علاَه يغرق في حوض الغمام . حصن انتطق بالجوزاء ، وناجَتْ أبراجُه بُرُوجَ السماء . قلعة حلَّقت بالجو تُناجِي السماء بأسرارها . قلعة بَعُدَ في السماء مُرْتَقاها ، حتى تساوى ثَرَاها مع ثريّاها . قلعة تتوشح بالغيوم ، وتتَحلَّى بالنجوم . قلعة عالية على المرتقى ، صمَّاء عن الرقى ، قد جاوزت الجوزاء سَمْناً ، وعزلتِ السماك الأعْزل سَمْكاً ، هي متناهية في الحصانة ، موثوقة بالوثاقةِ ، ممتنعة على الطلب والطالب ، منصوبة على أضيق المسالك وأوعر المناصب ، لم تزدْها الأيامُ إلا نبوّ أعطاف ، واستصعاب جوانب وأطراف ، قد ملّ الوُلاةُ حِصَارها ، ففارقوها عن طموح منـها وشِمَاسٍ ، وسئمت الجيوشُ ظلَّها ، فغادَرَتْها بعد قنوطٍ ويأسٍ ، فهي حِمًى لا يُرَاغ ، ومَعْقِل لا يُستطاع ، كأَنَّ الأيام صالحَتها على الإعفاء من الحوادث والليالي عاهَدتها على التسليم من القوارع . قلعة تَحْوي من الرَِّفْعَةِ قَدراً لا تستهان مواقعه ، وتلوي في المنعة جيداً لا تستلان أخادِعه ، ليس للوَهم قبل القدوم إليها مَسْرَى ، ولا للفكْرِ قبل الخَطْو نحوها مَجْرى .
ولهم في صفات القصور والدور : قصر كأن شُرُفَاته بين النَّسْر والعَيُّوق ، كأنـهيُسَامِي الفَرْقَد ، وقد اكتسَتْ له الشِّعرى العَبور ثوبَ الغيور . قصر طال مَبْنَاه ، وطاب مَغناه ؟ كأنـه في الحَصَانة جبلٌ مَنيع ، وفي الحسن رَبيع مَرِيع . شُرُفَات كالعذارى شَدَدْن مناطقها ، وتوجّن بالأكاليل مفَارِقَها . قَصْرٌ أقرّت له القصورُ بالقُصور ، كأنـه سَحَاب في بحو السماء . دار قَوْرَاء تُوسِع العينَ قُرة ، والنفس مسرّة . كأنَّ بانيها استسلف الجنّة فعُجِّلت له . دار تخجل منـها الدور ، وتتقاصَرُ عنـها القصور ، إن مات صاحبُها مغفوراً له فقد انتقل مِن جنة إلى جنة . دار قد اقترن اليُمْن بيمناها ، واليُسْر بيُسْراها ، الجسومُ منـها في حَضَر ، والعيون على سَفَر . دار هي دائرة الميامن ، ودَارَة المحاسن . دارٌ دارَ بالسعد نجمُها ، وفاز بالحسن سَهْمـها ، دار يخدمـها الدهر ، ويأويها البَدْرُ ، ويكنفها النَّصر ، هي مَرْتَع النواظر ، ومتنفَّس الخواطر . دارٌ قد أخذت أدواتِ الجِنَان ، وضحكت عن العَبْقَريّ الحِسان .
من أدب الميكالي نثراً وشعراً
فصل لأبي الفضل الميكالي إلى بعض إخوانـه
ما ابتدأتُ بمخاطبة سيدي حتى سرَتِ المسرّةُ في نفسي ، وقوِيَتْ أركانُ بَهْجَتي وأُنسِي ، وحتى أقبَلَتْ وجوهُ الميامن تتهلَّل إلي ، وبدَرُ المساعِد تنثالُ عليّ ، وكيف لا يملكني الجذَل والفرح ، وكيف لا يهزُني النشاطُ والمَرَح ، وقد زففْتُ وُدِّي إلى كُفْء كريم ، وعرضته لحظٍّ من الجمال جسيم ، وأَرجو أَن يرِدَ منـه على حُسْنِ قبولٍ وإقبال ، ويَحْظَى من ارتياحه له ببُرْدِ اشْتِمَال ، ويُصادف من اهتزازِهِ وإنشائه ، وعمارته وإنمائه ، وتحصين أطرافه من شوائب الخلل ، وشوائن الوَهن والميل ، وما تستحكم بـه مَرَائر الوِصَال ، وتؤمن على قُوَاها عَوَادِي الانتقاض والانحلال . وله : إذا لم يُؤْتَ المرءُ في شكر المنعم إلاَّ من عِظَمِ قَدْرِ الإنعام والاصطناع ، واستغراقه منـه قُوَى الاستقلال والاضطلاع ، فليس عليه في القصور عن كُنْهِ واجبه عَتْب ، ولا يلحقه فيه نقيصةٌ ولا عَيْبٌ . ولئن ظهر عَجْزِي عن حق هذه النعمة فإني أحِيل بحسن الثناء على من لا يُعْجِزه حمله ، ولا يؤُوده ثقله ، ولا يزكو الشكرُ إلا لدَيْه ، ولا تُصْرَفُ الرغبَةُ إلا إليه ، والله يُبقِيه لمجدٍ يقيم أعلامَه ، وفَضْل يَقْضِي ذِمَامَه ، وعُرْفٍ يَبثّ أقسامـه ، ووليّ يوالي إكرامـه ، وعدوٍّ يُديمُ قمعَه وإرْغَامَه .وله : ولو وفيت هذه النعمة الجسيمة حقَّها لمشيت إلى حضرته - آنسها الله تعالى - حَبْواً لا على القَدم ، ولآثرْت فيه خدمة اللسان على خِدْمة القلم ، ولما رضيت له بباعي القصير ، وعبارتي الموسومة بالعجز والقصور ، حتى أَستعير فيه ألسِنةً تحملُ شكراً وثناءً ، وتوسِعَ نَشْراً ودعاء ، ثم لا أكَونُ بلغتُ مبلغاً كافياً ، ولا أبليت عُذْراً شافياً ؛ إلا أنّ عدم الإذن ثَبطني عن مقصودِ الغرض ، وعاقَني عن الواجب المفترض ؛ فأقمتُ عاكفاً على دعاءٍ أرفَعُهُ إلى الله عزَ وجل مبتَهلاً ، وأواصله مجتهداً في ليلي ونـهاري محتفلاً .
وله : أحقّ النعمة بالزيادة نعمة لم تزل العيون إليها مستشرفة ، والقلوب إليها متشوّفة ، والأيام بها وَاعِدة ، والأقدار فيها مساعدة ، حتى استقرّت في نِصَابها ، وألقتْ عِصيَّ اغترابها ، فهي للنماء والزيادة مترشحة ، وبالعز والسعادة متوشحة ، وبالأدعية الصالحة مستدامة مرتَهنَة ، وباتفاق الكلمةِ والأهواء عليها مرتبطة محصنة .
وله فصل من كتاب تعزية بالأمير ناصر الدين : أقدارُ الله تعالى في خلقِه لم تَزَلْ تختلفُ بين مكروه ومحبوب ، وتتصرَّفُ بين مَوْهوب ومسلوب ، غاديَةً أحكامُها مَرَّةً بالمصائب والنوائب ، رائحة أقسامـها تارةً بالعطايا والرغائب ، ولكنْ أحسنُها في العيونِ أثراً ، وأطيبَها في الأسماع خبَراً ، وأَحْرَاها بأن تَكْسِبَ القلوبَ عزاءً وتصبُّراً ، ما إذا انْطَوَى نُشِر ، وإذا انكسر جُبِر ، وإذا أخذ بيد رد بأخرى ، وإذا وهب بيمنى سلبَ بيسرى ، كالمصيبة بفلان التي قرَّحَتِ الاكباد ، وأوهنتِ الأعضاد ، وسودت وجوهَ المكارم والمعالي ، وصورت الأيامَ في صُور الليالي ، وغادرت المجدَ وهو يلبَس حِدَادَه ، والعَدْلَ وهو يبكي عِمَادَه ، والدين وهو يندب جهاده ، حتى إذا كاد اليأسُ يغلبُ الرّجَاءَ ، ويردُّ الظنونَ مُظْلِمةَ النواحي والأرجاء ، قيَّض الله تعالى من الأمير الجليل مَنِ اجتمعتْ عليه الأهواءُ ، ورضِيَتْ بـه الدهماء ، فأسَى بـه حادِثَ الكَلْم ، وسد بمكانِهِ عظيمَ الثلْم ، وردَّ الآمال والنفوسَ قد استبدلتْ بالحيرة قوة وانتصاراً ، وصارتْ للدولة المباركة أعواناً وأنصاراً .
ومن شعره في تجنيس القوافي ، في معان مختلفة : المتقارب :
إذا لم تكُنْ لمقالِ النصيح . . . سميعاً ولا عامِلاً أَنت بهْ
يُنبًهُكَ الدهرُ من رَقْدَة إل . . . مَلاهي وإن قُلْت لا أنتَبِهْوقال : البسيط :
تفرَّق الناسُ في أرزاقهم فِرَقاً . . . فَلآبِس من ثراء المالِ أَوْ عَارِي
كذا المعايش في الدنيا وساكنـها . . . مَقْسُومة بين أوعاث وأَوْعَارِ
وقال : المتقارب :
حَوَى القِدّ عمْراً فقلت اعتقدْ . . . رضاً بالقضاء ولا تحتفدْ
فإمَّا احتقدت فضاءَ الإلهُ . . . فأقبحْ بمحتقد تحت قد
وقال : الكامل :
تمت محاسنـه فما يُزْرِي بها . . . مع فضله ونمائه وكمالِهِ
إلا قصورُ وجودِه عن جُودِه . . . لا عَوْنَ للرجل الكريم كَمَالِهِ
انصُرْ أخاك إذا اجْتَدَاكَ فَوَاسِهِ . . . وإن استغاثك واثقاً بك مَالِهِ
وقال أيضاً : مخلع البسيط :
إذا تغديْتُ صَدْرَ يومي . . . ثم تأذّيتُ بالغداء
فقلت إذْ مسَّني أذاهُ . . . أرى غدائي أراغ دائي
وله في هذا الصوغ : مخلع البسيط :
لنا صديقٌ يُجِيدُ لَقْماً . . . راحتُنا في أَذَى قَفاهُ
ما ذاق من كسبه ، وَلكنْ . . . أذى قَفَاه أذاقَ فَاه
وقال يهجو رجلاً : المتقارب : يريد يوسِّع في بَيْتِهِ . . . ويَأبى له الضيقُ في صَدْرِهِ
فتَى سَخِطَ النَصْبَ في قِدْرِهِ . . . كما رَضِيَ الْخَفْضَ في قَدرِهِ
يخدّر أوصالً أضيافِهِ . . . ولا يُبْرزُ الخُبْزَ من خِدْرِه
وقال في غير هذا المذهب يصفُ كتاباً ورد عليه : المديد :
قد أتانا من صديقٍ كلامٌ . . . كلآلٍ زانـهنَّ نِظامُفسرى في القلب مني سرورٌ . . . مطربٌ يعجز عنـه المُدام
مثل ما يرتاح ربُّ بنات . . . حوله من جمعهنّ زِحَام
فرعى الله طويلاً يُرجَى . . . خلفاً من نَسْلِه لا يُذامُ
وأتاه بعد يأسٍ بشير . . . قال يا بشراي هذا غلامُ
وقال يصف الشمع : الطويل :
وليلٍ كلَوْنِ الهَجْر أو ظُلمةِ الْحِبْرِ . . . نصَبْنَا لراجيهِ عموداً من التّبْرِ
يشقّ جلابيبَ الدُّجى فكأنما . . . ترى بين أيدينا عموداً من الفَجر
يُحاكِي رُواءَ العاشِقينَ بلَوْنِه . . . وذوب حشَاه والدّموع التي تجري
خَلاَ أَنَّ جارِي الدمع ينحله قوي . . . وعَهْدي بدَمْعِ العين ينحلّ إذ يجري
تبدِّى لنا كالغصن قدّاً وفوقهُ . . . شعاع كأنَّا منـه في ليلة البَدْرِ
تحمّل نوراً حَتفُه فيه كامِنٌ . . . وفيه حياةُ الأنسِ واللّهْوِ لو يَدري
إذا ما عَلَتْهُ عِلّةٌ جُرَّ رأسه . . . فيختالُ في ثوبٍ جديدٍ من العمر
وقال : مجزوء الرجز أو مجزوء السريع :
يا ربّ غُصنٍ نورهُ . . . يزرِي بنور الشفق
يظلُّ طولَ عمرهِ . . . يبكِي بجفْنٍ أَرِقِ
نارُ المحبّ في الحشا . . . ونارُه في المفرقِ
لاح لنا في مغربٍ . . . فردَّنا في مَشْرِق
وقال : مجزوء الرمل :
وقضيبٍ من بنات النح . . . ل في قَدِّ الكعابِ
يُشْبه العاشِقَ في لو . . . نٍ ودمعٍ ذي انسكابِ
كسى الباطن منـه . . . وهو عريانُ الإهابِ
فَإذا ما أنعم الأب . . . دان ملبوس الثيابِ
فهو للشقوة منـها . . . في بلاء وعذابِ
وقال كشاجم يصف شمعاً أهداها إلى بعض الملوك : الوافر :
وصُفْرٍ من بناتِ النحْل تُكْسَى . . . بواطِنُها وأَظْهُرُها عَواري
عذارى يُفتضَضْن مِنَ الأعالي . . . إذا افتضت من السُّفل العَذارِيوأمست تنتج الأضواء حتى . . . تلقح في ذوائبها بِنارِ
كواكب لَسْنَ عنك بآفِلاتٍ . . . إذا ما أشرقتْ شمسُ العُقارِ
بعثْتُ بها إلى مَلِكٍ كريم . . . شريف الأصل محمود النِّجار
فأهديت الضياء بها إلى مَنْ . . . محاسنـهُ تُضيءُ لكل سَارِي
وقال : الكامل :
يَشْقَى الفتى بخلافِ كلّ معاندٍ . . . يُؤْذِيه حتّى بالقَذَى في مائِه
يقذى إذا أصغى الإناء لشُرْبهِ . . . ويروغ عنـه عِنْدَ سَكْبِ إنائهِ
وقال : الطويل :
أُطالِبُ أيامي بإنجازِ مَوْعِدي . . . وهَا هِيَ تلوي بالوفَاء وَتجمحُ
أقولُ عساها أن تلِينَ لمطلبي . . . قليلاً فبعضُ الشوك بالمنّ يَسمحُ
وقال : البسيط :
أرى وصَالَك لا يَصْفُو لآمِلهِ . . . والهجرُ يتبعُه رَكْضاً على الأثرِ
كالقوس أقربُ سهميها إذا عطفت . . . عليه أبعدُها من منزع الوترِ
أخذ هذا من قول ابن الرومي وذكر رجلاً متلوناً : الطويل :
رأيتك بينا أنتَ خِلٌّ وصَاحِبٌ . . . إذا بك قد ولَيتنا ثانياً عِطْفَا
وأنك إذْ أحْنى حنوك مُوجِبٌ . . . بعاداً لمن بادلْتة الودَّ واللطفَا
لكالقوس أحنى ما تكونُ إذا انحنَتْ . . . على السهم أَنْأَى ما تكونُ له قَذْفا
وله في نحو ذلك : الطويل :
تودَّدْت حتى لم أجِدْ متودَّداً . . . وأتعبْتُ أقلامي عتاباً مُرَدّدا كأنيَ أستدعي لك ابن حَنِيَّةٍ . . . إذا النزع أدْناه من الصدر أبْعَدَا
وذكر عمر بن علي بن محمد المطوعي أبا الفضل الميكالي في كتاب الله في منظومـه ومنثوره فقال : قد أصبحتْ حضرتهُ - لا زالتْ أرِجَةَ الأرجَاءِ بطيبِ شمائِله ، راضية الرضا عن صَوْب أنامله - مَوْسِمَ الآمالِ ، ومحط الرحال ؛ وعَبَدَة أحرار الكلام ، كما خدمَتْه أحرارُ الأيام ، وَأطاعته المعاني والمعالي ، كما أطاعه صَرفُ الأيام والليالي ، فهو - أدامَ الله تمكينَه - شـهابُ المجدِ الذي لا يخبُو واقده ، ورَوْض الكرم الذي لا يجدب رائِدُه ؛ إن أردْتَ البلاغةَ فهو مَالكُ عنانـها ، وفارسُ ميدانـها ، وناظم دُرَّها ومرجانـها ، وصائغ لُجَيْنـها وعِقْيَانِها ؛ وإن أردت السماحةَ فهو محلُّها ومكانُها ، وتاريخُها وعنوانُها ، ويدُها ولسانُها ،وحَدَقتُها وإنسانـها ، وحديقتها وبُستانُها ؛ وإن أردت شرف الأصل والنسب ، والجمعَ بين الموروث من المجد والمكتَسب ، فناهِيك بأوائله شرفاً سابقاً ، وفضلاً باسقاً ، ومجداً في فلك الفجر سامقاً ، فهم الْجَحاجِحَةُ الغُر ، والكواكب الزُهر ، ومن بهم يفتخِرُ الفخر ، ويتشرف الدهر ، زحموا مناكبَ الكواكب من بُعْد أقدارهم ، وصكوا فَرْقَ الفرقد وصَدْرَ البَدْرِ بشرف أخطارهم ، فما فيهم إلا قمر فَضْلٍ دارَ في فلك علم ، وهلال مجدٍ لاح في سماء فَهْم ، توارثُوا المجد كابراً عن كابر ، وباقياً عن غابر ، وسافرت أخبارهم في البُعْد والقُرب . وطارت في أقاصي الشرق والغَرْبِ ، وسارَتْ مَسِيرَ الشمس في كل بلد ، وهبت هبوبَ الريح في البر والبحر ، فهم كما قال أبو عبادة البحتري في الشاه بن ميكال وأهله فأحسن وأجاد وبلغ ما أراد : الطويل :
بني أحْوَذِي ، يغمر الطرف مُوفِياً . . . ببَسْطَتِه والسيفُ وَافي الحَمائل
تضيقُ الدروعُ الثُبَّعِيّاتُ منـهمُ . . . على كل رَحْبِ الباع سَبْطِ الأنامِ
عُراعر قوم يسكنُ الثغرَ إن مَشَوْا . . . على أَرضِهِ والثغرُ جَمُّ الزلازل
فكم فيهمُ من مُنْعِمٍ متطوِّلٍ . . . بآلاَئه أو مُشْرِفٍ مُتَطاوِلِ
إذا سُئلوا جادَتْ سيوفُ أكفهم . . . نظائر جُمّاتِ التلاع السوائل
خَلِيقونَ سَرْواً أن تُلِينَ أكفهم . . . عرائكَ أحداثِ الزمان الجلائل
وما زال لحظُ الراغبين مُعَلَقاً . . . إلى قَمَرٍ فيهمْ رفيع المَنازِلِ
وفيه ، أو في أبيه ، يقولُ أبو سعيد أحمد بن شبيب : الكامل :
وإلى الأمير ابن الأمير تواهَقَتْ . . . رَزْحى الركاب برَازِحِي الركابِ
شِيَمٌ أرَقُّ من الهواءِ بل الهوَى . . . وألذُّ من ظَفَرٍ بعُقْبِ ضِرَابِوعزائمٌ لو كنَّ يوماً أَسْهُماً . . . لنَفذْنَ في الأيام غَيْرَ نَوَابِ
مائيةُ الجريَان إلا أنـها . . . نارِيَّةُ الإقْدَامِ والإلهابِ
يخطرن بين سيَاسةٍ ورِيَاسَةٍ . . . ويَتِهْنَ بين مَثُوبةٍ وعقَابِ
ترجمة ابن أبي دواد وأخباره
قال أبو عبد الله بن حمدون النديم : لقد رأيت الملوك في مقاصيرها ، ومجامع حفلها ، فما رأيت أغزر أدباً من الواثق ؛ خرج علينا ذات يوم وهو يقول : لقد عرض عرضة من عرضه لقول الخزاعي ، يريد دِعبِلاً : الطويل :
خليليَّ ماذا أرتجي من غد امرئ . . . طَوَى الكَشْحَ عني اليومَ وهو مَكينُ
وإنَ امرأً قد ضَنّ عني بمنطقٍ . . . يَسُدُّ بـه مِن خَلتي لَضنِينُ
فانبرى أحمد بن أبي دُوَاد يسأله كأنما نَشِطَ من عِقَال في رجل من أهل اليمامة فأَطْنب وأسهب ، وذهب في القول كل مَذْهَب ؛ فقال الواثق : يا أبا عبد الله ، لقد أكثرتَ في غير كبير ، ولا طَيب ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنـه صديقي : الطويل :
وأَهونُ ما يُعْطي الصديقُ صديقَهُ . . . من الهيِّن الموجودِ أن يتكلَّما
فقال : وما قَدر اليمامي أن يكون صديقك ، وإنما أحسبه أن يكون من عرض معارفك ؟ . قال : يا أمير المؤمنين ، إنـه شـهرني بالاستشفاع إليك ، وجعلني بمرأى ومسمعٍ من الردّ والإسعاف ، فإذا لم أَقم له هذا المقام أكون كما قال أميرُ المؤمنين آنفاً : خليليَّ ماذا أرتجي من غِنَى امرِئ . . . طوى الكَشْحَ عني اليوم وَهْوَ مَكِينُ
فقال الواثق : بالله يا محمدُ بنَ عبد الملك إلا عجَّلْتَ لأبي عبد الله حاجتَهُ ، ليسلم من هُجْنَة المَطْل ، كما سلم من هجنَة الردّ .
وكان ابن أبي دُواد من أحسن الناس تأتّياً ، وكان يقول : ربما أردت أن أسألَ أميرَ المؤمنين الحاجةَ بحَضْرَة ابن الزيات فأؤخّر ذلك إلى وقت مغِيبه ؛ لئلاً يتعلَّم حُسنَ التلطُف مني وكان بينـه وبين محمد بن عبد الملك عداوة عظيمة ، وأمر الواثقُ أصحابَه أن ينـهضُوا قياماً لأبي جعفر إذا دَخل ، ولم يرخِّص في ذلك لأحد ، فاشتدَّ الأمرُ على ابن أبي دُواد ،ولم يَجد لخلاف الواثق سبيلاً . فوكَّلَ بعض غلمانـه بمراقبة موافاته ، فإذا أقبل أخبره فنـهض يركع ، فقال ابن الزيات : الكامل :
صلَّى الضُّحَى لمّا استفادَ عَداوَتِي . . . وأَراه يَنْسُكُ بعدَها ويَصومُ
لا تعدمنّ عداوةً موسومةَ . . . تركتْك تَقْعُدُ بعدها وتقُومُ
وقال الواثق يوماً لابن أبي دُواد تضجُّراً بكثرة حوائجه : قد أخلَيْتَ بيوتَ الأموال بطلباتك لِلاّئذين بك ، والمتوسّلين إليك . فقال : يا أمير المؤمنين ، نتائج شكرها متَّصلة بك ، وذخائرُها موصولة لك ، وما لي من ذلك إلا عشق اتصال الألسن بخلودِ المدح ، فقال : واللّه لا مَنَعْنَاك ما يزيدُ في عشقك ، ويقوِّي في همّتك فينا ولنا ؛ وأمر فأُخرج له خمسة وثلاثون ألف درهم .
قال أبو العيناء : قلت لابن أبي دواد : إنَّ قوماً من أهل البصرة قدموا إلى سُرَّ من رأى يداً عليَّ ، فقال : يَدُ الله فوقَ أيديهم . فقلت : إن لهم مَكْراً ، فقال : ' ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيءُ إلا بأهْلِهِ ' فقلت : إنَّهم كثير . قال : ' كم من فئةٍ قليلةٍ غلبَت فئةً كثيرةً بإذنِ الله واللّه مع الصابرين ' ، فقلت : لله درُّ القاضي فهو كما قالت الصّمُوتُ الكلابية : الكامل :
للهِ دَرُّك أي جُنَّةِ خَائفٍ . . . ومتاعِ دُنْيَا أنت للحدْثانِ
متخمِّط يَطَأُ الرجالَ شـهامةً . . . وَطْءَ الفنيق مدارجَ القرْدَانِ
ويكبّهم حتى تظل رؤُوسُهم . . . مأمومةً تنحطُ للغربانِ
ويفرجُ البابَ الشديدَ رِتاجُه . . . حتى يصِيرَ كأنـه بَابَانِ
وكانت هذه المجاوبة بين أبي العيناء وبين أبي العلاء المنقري ، وكان قد استجاش عليه قوماً من أَهل البصرة .
قطعة من شعر الأعراب في الغزل
ابن ميادة : الطويل :
ألا ليت شِعْري هل يَحُلَّنَّ أهلُنا . . . وأهلُك روضاتٍ ببطنِ اللوَى خُضْراوهل تأتينَّ الريحُ تَدْرُجُ مَوْهناً . . . بريَّاكِ تَعْرَوْري بنا بلداً قَفْرا
بريح خُزامى الرمل بات مُعَانقاً . . . فروع الأقاحي تنضب الطلّ والقَطْرا
ألا لَيْتَني ألقاكِ يا أمّ جَحْدَر . . . قريباً ، فأمَّا الصبرُ عنك فلا صَبْرا
وقال : الطويل :
وما رَوْضَةٌ باتَ الربيعُ يَجودُها . . . على منابها من حَنْوةٍ وعَرارِ
بأطيبَ من ريح القرنفل مَوهناً . . . بما الْتفَّ من دِرْعٍ لها وخِمارِ
وقال آخر : الطويل :
تجالِسُنَا بنتُ الدّلالِ تعلّقتْ . . . عراهُ بحبَّاتِ القلوبِ الهوائمِ
وبين ما تخفى من الوَجْد ردّها . . . غريق الأناسي في الدّموع السَّواجمِ
جرَى الدمعُ مَجْرَى مائِه فكَفَفْنَه . . . بعُنَّابِ أطرافِ الأكفّ النواعم
وردّ التحيات الهوَى من عيونـها . . . بيَقْظَانِ طَرْفٍ في مَخِيلة نائمِ
وقال العلاء بن موسى الجهني : الطويل :
ولمّا رأتني مخطراً شَوْكةَ العِدَى . . . رَدى النفْسِ مُجْتَاباً إلى غير مَوْعدِ
جلَتْ داجِيَ الظلماء منـها بسُنَةٍ . . . ونحرٍ مَشُوبٍ لونُهُ بالزبرجدِ
وبالشَّذْر مسْبُوكاً كأن التهابَه . . . تلهَّبُ جَمْرِ الفرقد المتوقّدِ
وجاءت كسَل السيفِ لو مرّ مشيُها . . . على البيض أمسَى سَالماً لم يُخَضَّدفبتْنَا ولم نكذبْك لو أنَّ ليلنا . . . إلى الحَوْلِ لم نملل وقلْنا له ازدَدِ
نَذُودُ النفوسَ الصادياتِ عن الهوى . . . ذِيَاداً ونسقيهنّ سقي المصَرَّدِ
فلمّا بدا ضوءُ الصباحِ وراعَنا . . . مع الصبح صَوت الهاتفِ المتشـهَدِ
نـهضْنا بشَخْصٍ واحدٍ في عيونـهم . . . نَطَافي حواشِي الأتحميّ المعضَّد
إلى جنَةٍ منـهم وسلّمت غادياً . . . عليها سلامَ الباكِر المتزوّد
وولت وأَغباش الدُّجى مرجَحِنّةٌ . . . تأطرغُصْن البانةِ المتأوّدِ
وقال أعرابي من طيئ : الطويل :
وأحورُ يصطادُ القلوبَ وما لهُ . . . من الريش إلا زَعْفَرانٌ وإثمِدُ
وما كنتُ أخشى الفَتْكَ ممَّن سِلاَحُهُ . . . سِوارٌ وخَلخَالٌ وطَوْق منضدُ
وأشنبُ برَّاق الثنايا غُروبُهُ . . . من البَرد الوَسْمِي أصْفَى وأبْرَدُ
خليليّ بالله أقعدا فتبيَّنا . . . وميضاً نرى الظلماءَ منـه تقدّدُ
يكشف أعراضَ السحابِ كأنـهُ . . . صفيحةُ هِنْدِيٍّ تُسَلّ وتُغْمَدُ
فبتّ على الأجيال ليلاً أشيمُهُ . . . أقومُ له حتى الصباحِ وأقعدُ
هذا في البرق كقول الطرماح في النور : الكامل :
يَبْدُو وتضمره البلادُ كأنـهُ . . . سَيْفٌ على شَرَفٍ يُسل ويُغْمَد
وقال بشار : الكامل :
أعددْتَ لي عَتْباً بحبكمُ . . . يا عَبْد طالَ بحبّكمْ عَتْبي
ولقد تعرّض لي خيالُكُمُ . . . في القُرْطِ والخلخال والقُلْبِ
فشربت غيرَ مباشرٍ حَرجاً . . . برضاب أشنبَ باردٍ عَذبِوقال المتنبي : الكامل :
بِتْنَا يُنَاوِلنا المُدَامَ بكَفِّهِ . . . مَنْ ليس يَخْطُرُ أَن نراه ببَالِهِ
نَجْني الكواكبَ من قلائد جِيدِه . . . وننالُ عَيْنَ الشمسِ من خَلْخالِهِ
وأول شعر أبي الطيب :
لا الحُلمُ جادَ بـه ولا بمثالِه . . . لولا ادَّكارُ وَدَاعِه وزيالِهِ
إن المُعِيدَ لنا المنامُ خَيَالَهُ . . . كانت إعادَتُهُ خيالَ خيالِهِ
إني لأُبغِضُ طَيفَ من أَحْبَبْتُهُ . . . إذ كان يَهْجُرُنا زمانَ وصالِهِ
يقول : التمثيل والتخيل له في اليقظة أعاد خياله في المنام ، فكأنّ الخيالَ الذي في النوم تصور في اليقظة . وأظْهَرُ من هذا قول الطائي : البسيط :
زار الخيالُ لها لا بل أزَارَكَهُ . . . فِكْرٌ إذا نام فِكْرُ الخلق لم يَنَمِ
ظبي تقنَّصْتَهُ لمَا نَصَبْتَ لهُ . . . في آخر الليل أشراكاً من الحلمِ
أما بيته الأول فمن قول جميل : البسيط :
حييتُ طيفك من طَيْفِ ألم بـه . . . حدثت نفسك عنـه وهوَ مشغولُ
وقال ذو إلى الرمة : الطويل :
نأت دارَ ميِّ أن تُزَار ، وزَورُها . . . إذا ما دجا الإظلامُ منا وساوسُ
إذا نحن عَرَّسنا بأرضٍ سَرَى لنا . . . هوًى لبَّسَتهُ بالقلوب اللوابسُ
وبيته الثاني ألمَّ فيه بقول قيس بن الملوَّح : الطويل :
وإني لأسْتَغْشِي وما بيَ نَعسة . . . لعل خيالاً منكِ يَلْقَى خياليَا
وأخرج من بين الجلوس لعلَّني . . . أُحدِّثُ عنك النفسَ في السرِّ خاليا
تَقَطَعُ أنفاسي لذكرك أَنفساً . . . يَرِدْنَ فما يَرْجِعْنَ إلا صوادِيا
وقد قال فيه قيس بن ذريح : الطويل :
وإني لأهْوَى النومَ في غير نَعْسَةٍ . . . لعل لقاءً في المنام يكونُ
تخبرني الأحلامُ أني أراكُم . . . فيا ليتَ أحلامَ المنامِ يقينُوكان البحتري أكثرَ الناس إبداعاً في الخيال ، حتى صار لاشتهارِه مثلاً يقال له خيال البحتري وفي بعض ذلك يقول : الطويل :
أَلمَّتْ بنا بعد الهدوّ ، فسحامَحَتْ . . . بوَصْلٍ متى تَطْلُبْه في الجدّ تُمْنَعِ
فما بَرِحَتْ حتى مضى الليلُ وانقضَى . . . وأَعْجَلها دَاعِي الصباحِ المُلَمَّع فولّتْ كأنَّ البينَ يَخْلِجُ شَخْصَها . . . أوانَ تَولّتْ من حَشايَ وأَضْلُعِي
وقال : الطويل :
سقى الغيثُ أجزاعاً عَهِدْتُ بجوِّها . . . غَزالاً تُراعيه الجآذِرُ أغْيَدا
إذا ما الكرى أهدى إليَّ خيالَهُ . . . شَفَى قُرْبُهُ التبريحَ أو نَقَعَ الصدى
فلم نر مِثْلَيْنا ولا مِثْلَ شأننا . . . نُعَذَّبُ أيْقاظاً وتَنْعَمُ هُجَّدا
وقال : الطويل :
بَلَى وخيال من أُثَيْلَة كلما . . . تأَوَّهْتُ من وَجْدي تَعَرَّضَ يُطْمعُ
يُرِي مقلتي ما لا ترى من لقائه . . . وتَسْمَعُ أُذُني رَجْعَ ما ليس تَسْمَعُ
ويكفيك من حق تَخَيُّلُ باطلٍ . . . تُرَدُّ بـه نَفْسُ اللهيفِ فَتَرْجِعُ
قوله في البيت الأخير من قول الحسين بن الضحاك : المتقارب :
وماذا يفيدك طيفُ الخيا . . . ل والهجرُ حظّك ممن تُحِب
غَناءٌ قليل ، ولكنني . . . تملّيتهُ بقنوع المحِبّ
وللحسين في هذا المعنى وإن لم يكن في ذِكْرِ الخيال : الخفيف :
وصفَ البَدْرُ حُسْنَ وجهِك حتّى . . . خِلتُ أني ، وما أراكَ ، أراكَا
وإذا ما تنفس النرجسُ الغضُّ توهّمْته نسِيمَ جناكاخُدَعٌ للمُنَى تُعَلّلْني في . . . ك بإشراقِ ذَا ونكهة ذاكا
وأول من طرد الخيالَ طَرفة بن العبد ، فقال : الطويل :
فقل لخيال الحنظليَّةِ ينقَلبْ . . . إليها فإني واصلٌ حَبْلَ مَنْ وَصَلْ
فتبعه جرير في قوله فقال : الكامل :
طرقَتْك صائدةُ القلوبِ وليس ذا . . . حِينُ الزيارةِ فارْجِعي بسَلامِ
قال البحتري ، ونفى هذا المعنى بقوله : الكامل :
قد كان مني الوَجْدُ غِبَّ تَذَكّرٍ . . . إذا كان منك الصَّدُّ غِبَّ تَنَاسي
تجري دموعي حين دَمْعُكِ جامدٌ . . . ويَلينُ قلبي حين قَلْبُك قاسي
ما قلتُ للطيف المُسَلِّم لا تَعُدْ . . . تَغْشَى ، ولا نَهْنَهْتُ حَامِلَ كاسي
وقال ابن هاني الأندلسي : الطويل :
ألا طَرَقَتْنا والنجومُ رُكُودُ . . . وفي الحيِّ أيقاظٌ ونحن هُجُودُ
وقد أَعْجَلَ الفجرُ المُلَمَعُ خَطْوَها . . . وفي أُخْرَيات الليل منـه عَمُودُ
سَرَتْ عاطِلاً غَضْبَى على الذُرِّ وحدهُ . . . فلم يَدْرِ نَحْرٌ ما دَهاهُ وجِيدُ
فما بَرِحَتْ إلاَّ ومن سِلْكِ أَدْمُعِي . . . قلائدُ في لَبّاتِها وعُقودُ
ألم يأتها أنّا كَبُرْنا عن الصِّبا . . . وأنّا بَليْنا والزمانُ جَديدُ ؟
وقال عليّ بن محمد الإيادي : الطويل :
أما إنـه لولا الخيالُ المراجعُ . . . وعاصٍ يُرَى في النوم وهْو مطاوعُ
لأَشْفق وَاسْتَحْيَا من النوم وَالِهٌ . . . يُرى بعد رَوْعاتِ الهوى وهو هاجِع
وقال أيضاً : الكامل :
طيفٌ يزورُك من حبيبٍ هاجرِ . . . أهْلاً بـه وبطيفِه مِنْ زَائرِ
شقَّ الدجى وسَرَى فأمْعَن في السّرى . . . حتى ألمَّ فبات بين محاجرييحدُو بـه هَيف القوام المنثني . . . نَحْوِي وسالفةُ الغزال النافر
للَّه درُّك من خيالٍ واصل . . . أسرى فأنصف من حبيب هاجرِ
عَلَّلت علّة قلب صَبّ هائم . . . وقضيت ذِمَةَ فيض دَمْعٍ قاطرِ
وقال عبد الكريم بن إبراهيم : البسيط :
لم أدْرِ مَغْنَاك لولا المسكُ والقُطُرُ . . . وزَوْرَةٌ لِمُلمٍّ عهدُه عفرُ
سرى يعارضُ أنفاسَ الرياح بما . . . تحمَّر الورد مِنْه وانتشى الزَهَرُ
يخفي بثوب الدُجَى مَسْرَاهُ مستَتِراً . . . ومن تَقَنَّع صُبْحاً كيف يَسْتَتِر ؟
كأَنَّ أعينَ واشِيه تُرَاقِبهُ . . . فيه فيدمج أخبارِي فيَختَصر
قال : الكامل :
أهلاَ بـه من زائرٍ معتادِ . . . والليلُ يرفلُ في ثيَاب حِدادِ
يتجاوزُ الراياتِ يخفقُ ظلّها . . . ويشقُّ ملتفّ القَنَا المنآدِ أنَّىَ اهتدَى في ظلّ أخضر مغْدِف . . . حتى تَيمَّمَ بالعَرَاء وسادي
بأرقَّ من كبد المتيّم مقدماً . . . في حيث ينبو الحارث بن عُبَادِ
معتادة أَمِنَتْ نمائم حليها . . . والحليُ نمَامٌ على العُوَّادِ
وكأنما ياقُوتُها في نَحرِها . . . متوقّدٌ مما يُجِنّ فُؤَاي
في مجالس المنصور
خطب صالح بن أبي جعفر المنصور في بعض الأمر فأحسن ، فأراد المنصورُ أن يقرظه ويثني عليه ، فلم يجسر أحد على ذلك لمكان المـهدي ، وكان مرشحاً للخلافة ، وخافوا ألا يقع الثناء على أخيه بموافقته ، فقام عقال بن شبَّة ، فقال : ما رأيت أبين بياناً ، ولا أفصح لساناً ، ولا أحسن طريقاً ، ولا أغمض عروقاً ، من خطيب قام بحضرتك يا أمير المؤمنين ، وحُقَّ لمن كان أميرُ المؤمنين أباه ، والمـهدي أخاه ، أن يكون كما قال زهير : البسيط :
يَطْلُبُ شأْوَ امْرَأَيْنِ قَدَّما حَسَناً . . . بزّا الملوكَ وبزّا هذه السُّوَقَاهو الجَوادُ فإنْ يَلْحَقْ بشَأْوِهِمَا . . . على تكاليفِه فمِثْلُهُ لَحِقَا
أو يَسْبقاهُ على ما كان من مَهَلٍ . . . فبالذي قَدَّمَا من صالحٍ سَبَقا
فعجب الناسُ من حُسن تخلصه ، فقال أبو جعفر : لا ينصرف التميمي إلا بثلاثين ألفاً .
قال أبو عبد الله كاتبُ المـهدي : ما رأيت مثل عقال قطّ في بلاغته ؛ مدح الغلام وأرْضَى المنصور ، وسلِم من المـهدي : وفي قصيدة زهير هذه يمدح هرم بن سنان بن أبي حارثة المري : البسيط :
قد جعلَ المُبْتَغُونَ الخَيْرَ في هَرمٍ . . . والسائلونَ إلى أبوابه طُرُقا
من يًلْقَ يوماً على عِلاَّتِه هَرِماً . . . يَلْقَ السماحةَ منـه والندَى خُلُقَا
وليس مانعَ ذي قُرْبَى وذي رَحِمٍ . . . يوماً ولا مُعْدِماً من خَابطٍ وَرَقا
ليثٌ بِعَثر يصطادُ الرجالَ ، إذا . . . ما الليثُ كذبَ عن أقرانِه صَدَقا
يَطْعَنـهُمُ ما أرْتَمَوْا حتى إذا اطَّعَنُوا . . . ضاربَ حتى إذا ما ضَارَبُوا اعتنقا
فَضْلُ الجوادِ على الخيل البِطَاءِ فلا . . . يُعْطِي بذلك ممنوناً ولا نَزَقَا
هذا وليس كمن يعيا بحُجَّتهِ . . . وَسْطَ النديّ إذا ما ناطقٌ نَطَقا
لو نالَ حيٌ من الدنيا بمكرمةٍ . . . أفقَ السماءِ لنالَتْ كفُّه الأُفُقا
وكان زهيرٌ كثيرَ المدح لهرم ، ويروى أن بنتاً لسنان بن أبي حارثة رأت بنتاً لزهير بن أبي سلمى في بَعض المحافل ، وإذا لها شارةٌ وحالٌ حسنة ، فقالت : قد سرّني ما أرى من هذه الشارة والنعمة عليك فقالت : إنـها منكم . فقالت : بلى والله لك الفضل ، أعطيناكم ما يَفْنَى ، وأعطيتمونا ما يبقى .
وقد قيل : إن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنـه ، قال لابنة هرم بن سنان : ما وهَبأبوك لزهير ؟ قالت : أعطيناه مالاً وأثاثاً أفْناه الدهر . قال : لكن ما أعطاكموه لا تفْنِيه الدهور . وقد صدق عمر ، رضي الله عنـه ، لقد أبقى زهير لهم ما لا تفنيه الدهور ، ولا تُخْلِقه العصور ، ولا يزال بـه ذكر الممدوح سامياً ، وشرفه باقياً ، فقد صار ذكرهم عَلَماً منصوبَاَ ، ومثلاً مضروباً ، قال الطائي ، وذكرهم في شعره : البسيط :
مالي ومالك شِبْةٌ حين أذكرهُ . . . إلاّ زهير وقد أصْغَى له هرم
وقال يوسف الجوهري يمدح الحسن بن سَهْل : البسيط :
لو أن عَيْنَي زهيرٍ أبصرت حَسَناً . . . وكيف يصنعُ في أموالِه الكرمُ
إذن لقال زهيرٌ حين يبصِرهُ . . . هذا الجوادُ على العلاتِ لا هَرِمُ
وقال آخر ، ويدخل في باب تفضيل الشعر : البسيط :
الشعرُ يَحفَظُ ما أَودَى الزمان بـه . . . والشعرُ أفضل ما يجنى من الكرَمِ
لولا مقالُ زهير في قصائدهِ . . . ما كان يعرف جُودٌ كان من هَرِم
وقيل : أعطى هرم العطاء الجزيل قول زهير فيه : الكامل :
تاللَّه قد عَلِمَتْ سَرَاةُ بني . . . ذُبْيَانَ عَامَ الْحَبْسِ والأصْرِ
أنْ نِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنت إذا . . . دُعِيَتْ نَزَالِ ولُجَّ في الذُّعْرِ حامي الذِّمارِ على مُحَافظة ال . . . جُلَى أمينُ مُغَيَّبِ الصَّدْرِ
حَدِبٌ على المَوْلَى الضَّرِيكِ إذا . . . ضاقت عليه نوائبُ الدَهْرِ
ومُرَهَقُ النيران يُحْمَدُ في ال . . . لأْواء غيرُ مُلَعَّنِ القِدْرِ
والسِّتْر دونَ الفاحشاتِ ، وما . . . يلقاكَ دونَ الخيرِ من سِتْرِ
وقال : البسيط :
إن البخيلَ ملومٌ حيثُ كان ولَ . . . كنّ الجوادَ على عِلاَّتِه هَرمُهو الكريمُ الذي يُعطِيك نَائِلَهُ . . . عَفْواً ، ويُظْلَمُ أحياناً فيظَّلِمُ
وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ . . . يقولُ : لا غائبٌ مَالي ولا حَرِمُ
الخليل : الذي أخلّ بـه الفقر ؛ إلى غير ذلك من مُختار مدحه فيه .
من فضائل الشعر
ولما امتدح نُصَيْبٌ عبدَ الله بن جعفر ، رضي الله عنـه ، أمر له بإبل وخيل ، وثياب ودنانير ودراهم ، قال له رجل : أتُعْطي لمثل هذا العبد الأسود هذا العطاء ؟ فقال : إن كان أسود فإن شِعْرَه أبيض ، وإن كان عبداً فإن ثناءه لَحُرٌّ ، ولقد استحقّ بما قال أكثرَ ممّا أعطى وهل أعطيناه إلا ثياباً تبلى ، ومالاً يَفْنَى ، ومطايا تَنْضَى ، وأعطانا مديحاً يروَى ، وثناء يَبْقَى ؟ .
وقال الأخطل يعتدُّ على بني أمية بِمَدْحِهِ لهم : الكامل :
أبني أمية ، إن أخذتُ نوالكمْ . . . فلقد أخذتُمْ من مديحيَ أكثَرُ
أبني أمية ، لي مدائحُ فيكُم . . . تُنْسَوْن إنْ طَال الزمانُ وتُذْكَرُ
ولما مدح أبو تمام الطائي محمد بن حسان الضبي بقصيدته التي أولها : الكامل :
أسقى طلولَهُمُ أَجَشُّ هَزِيمُ . . . وغدَتْ عليهمْ نَضْرَةٌ ونَعِيمُ
وصَلَه بماد كثير ، وخلع عليه خلعة نفيسة ، فقال يصفها : الخفيف :
قد كسانا من كُسْوَةِ الصيف خِرْقٌ . . . مُكْتَسٍ من مكارمٍ ومَسَاعِ
حُلَّةً سابِريَّةً وكِسَاء . . . كَسَحَا القيْضِ أو رداء الشجاعكالسراب الرقراقِ في الحُسْنِ ، إلا . . . أنـه ليس مثله في الخِدَاعِ
قصبيّاً تسترجفُ الريحُ مَتْنَي . . . ه بأمرٍ من الهبوب مطاعِ
رجَفاناً كأنـه الدهرَ منـهُ . . . كَبِدُ الصب أو حَشَا المُرْتَاع
لازماً ما يليه تحسبُه جز . . . ءاً من المتنين والأضلاعِ
كسوة مِنْ أغَزَّ أروعَ رَحْب ال . . . صَّدرِ رَحْبِ الفؤادِ رَحْبِ الذراعِ
سوف أكسوكَ ما يعفَّي عليها . . . من ثناءٍ كالبرد بردِ الصّنَاعِ
حُسْنُ هاتيك في العيون ، وهذا . . . حُسْنُهُ في القلوب والأسماعِ
فقال : لعنةُ الله عليِّ إن بقي عندي ثوب أو يَصِل إلى أبي تمام ؛ وأمَر بحمْلِ ما في خزائنـه إليه .
قال إبراهيم بن العبّاس الصولي لأبي تمام : أمراءُ الكلام ، يا أبا تمام ، رعيةٌ لإحسانك ، قال : ذاك لأني أستضيءُ بنورك ، وأرِدُ شريعتك .
وكان الطائي مع جَوْدَة شعره بليغَ الخطاب ، حاضرَ الجواب ، وكان يقال : ثنتان قَلّما يجتمعان : اللسانُ البليغ ، والشعر الجيد .
وقال الحسن بن جُنَادة الوشَاء : انصرف أبو تمام من عند بعض أصحاب السلطان ، فوقف علي ، فقلت : من أين ؟ فقال : كنت عند بعض الملوك فأكلْنا طعاماً طيّباً ، وفاكهة فاضلة ، وبُخَرنا وغُلفْنا ؛ فخرجْتُ هارباً من المجلس ، نافراً إلى التسلّي ، وما في منزلي نبيذ فإن كان عندك منـه شيء فامنحني ، فقلت : ما عندي نبيذ ولكن عندي خَمْرٌ أريده لبعض الأدوية ، فقال : دع اسمـه ، وأعْطِنا جِسْمَه ، فليس يثنينا عن المدام ، ما هَجَّنْته بـه من اسم الحرام .
في المواعيد
قال عبيد الله بن محمد بن صدقة : كنَا عند أبي عبيد الله ، فدخل عليه أعرابي قد كان له عليه وَعْد ، فقال له : أيها الشيخ السيد ، إني والله أتَسَحًبُ على كرمك ، وأستوطِئ فراشَ مجدك ، وأستعين على نعمك بقدرك ؛ وقد مضى لي موعدان ، فاجعل النُجحَ ثالثاً ، أقُدْ لكالشُكْر في العرب شادخَ الغُزَة ، باديَ الأوضاح . فقال أبو عبيد الله : ما وعدتك تغريراً ، ولا أخرتُك تقصيراً ، ولكن الأشغال تقطعني ، وتأخد بأوْفَر الحظّ مني ، وأنا أبلغ لك جهد الكفاية ، ومنتهى الوُسْع بأوفر مأمول ، وأحمد عاقبة ، وأقرب أمَدٍ ، إن شاء الله تعالى .
فقال الأعرابي : يا جلساءَ الصِّدْق ، قد أحصرني التطول ، فهل من معين مُنْجد ومساعدٍ منشد ؟ فقال بعضُ أحداث الكتاب لأبي عبيد الله : والله - أصلحك اللّه - لقد قصدك ، وما قصدك حتى أمَّلَك ، وما أمَّلك إلا بعد أن أجال النظر ، فأمن الخطر ، وأيقن بالظفَر ، فحقق له أمله بتهيئة القليل ، وتهنئة التعجيل . قال الشاعر : الطويل :
إذا ما اجتلاه المجد عن وَعْدِ آمل . . . تبلّج عن بشر ليستكمل البشْرا
ولم يَثْنِه مطل العداة عنِ التي . . . تصون له الحمدَ الموفّر والأجْرا
فأحضر أبو عبيد الله للأعرابي عشرةَ آلاف درهم ، وقال الأعرابي للفتى : خُذْها فأنت سببها . فقال : شكرُك أحبُّ إليَّ منـها ؟ فقال له أبو عبيد الله : خُذْها ، فقد أمَرْنَا له بمثلها . فقال الأعرابي : الآن كمُلَت النعمة ، وتمّت المنّة .
أخبار معاوية بن يسار
وكان أبو عبيد الله واسعَ الذرع ، سابغَ الدرع في الكرم والبلاغة ، واسمـهُ معاوية بن يَسَار .
وكان يقول : إن نخوةَ الشرف تُنَاسِبُ بَطَر الغِنَى ، والصبرُ على حقوق الثَّرْوَةِ أشدُّ من الصَّبْر على ألَمِ الحاجة ، وذلُّ الفقر يسعى على عزِّ الصبر ، وجور الولاية مانع من عَدْل الإنصاف ، إلا من ناسب بعد الهمة ، وكان لسلطان عزمـه قوة على ه .
وكان يقول : لا يكسر رأسُ صناعة إلا في أخسِّ رتَّان ، وأرذلِ سلطان ، ولا يعيبُ العلمَ إلا من انسلخ عنـه ، وخرج منـه .
وكان يقول : حُسْنُ البِشْر عَلم من أعلام النجاج ورائد من روّاد الفلاح ، وما أحسن ما قال زهير : الطويل :
تراه إذا ماجِئْتَهُ مُتَهَلِّلاً . . . كأنك تُعْطِيه الذي أنتَ سائِلُهْ
وقال له المـهديُ بعد أن قتل ابنَه على الزندقة : ، لا يمعنك ما سبق بـه القضاءُ في ولدك ، من ثلج صَدْرِكَ وتقديم نُصْحِك ؛ فإني لا أعرض لك رأياً على تُهمة ، ولا أؤخرلك قدماً على رتبة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنما كان ولدي حسنة من نبْت إحسانك أرضُهُ ، ومن تفقُّدِك سماؤه ، وأنا طاعة أمرك ، وعَبد نـهيك ، وبقية رأيك لي أحسن الخلفَ عندي .
وكان يقول : العالم يمشي الْبَرَازَ آمناً ، والجاهل يهبط الغيطان كامناً ، وللَه درّ زهير حيث يقول : الكامل :
الستر دون الفاحشات وما . . . يَلْقاك دونَ الخيرِ من سِتْرِ
وقال أبو عبيد اللّه : ذاكرني المنصورُ في أمرِ الحسَين بن قَحْطَة ، فقال : كان أوثق الناس عندي ، وأقربهم من قلبي ، فلمّا لقي أبا حنيفة انتكث ، فقلت : إن فسدت نيته فسيضَعُه الباطلُ كما رفعه الحقُّ ، وتشـهد مخايِلُه عليه كما شَهِدَتْ له ، فتعدل في أمره من شَكّ إلى يقين . ثم قال لي : اكتُم عليَّ ما أَلقَيْتُ عليك . قال عمران بن شـهاب : استعنت على أبي عبيد الله في أمرٍ ببعضِ إخوانـه وكان قد تقدَم سؤالي إيَّاه فيه . فقال لي : لولا أت حقّك لا يُجحد ولا يضاع ، لحجبت عنك حُسْنَ نظري ؛ أظننتني أُجهل الإحسانَ حتى أعلَّمـه ، ولا أعرف موضعَ المعروف حتى أعرَّفه ؟ لو كان يُنَالُ ما عندي إلا بغيري لكنت مثل البعير الذّلول ، يحمل عليه الحمل الثقيل ، إن قِيدَ انقاد ، وإن أنيخ بَرَك ، ما يملك من نفسه شيئاً ، فقلت : معرِفتك بموضع الصنائع أثبت معرفة ، ولم أَجعل فلاناً شفيعاً إنما جعلته مذكّراً . قال : وأي إذكار أَبلغ عندي في رَعي حقّك من مسيرك إليه وتسليمك عليه ؟ إنـه متى لم يتصفّح المأمول أسماءَ مؤمّليه غدوةً وروإحاً لم يكن للأمل محلاً ، وجرى عليه المقدارُ لمؤمّلِيه على يديه بما قدر ، وهو غيْرُ محمود على ذلك ولا مشكور ، وما لي إمامٌ بعد وردي من القرآن إلا أسماء رجال أَهْل التأميل ، حتى أعرضهم على قلبي ، فلا تستَعن على شريفٍ إلا بشَرَفِه ؛ فإنّه يرى ذلك عيباً لعُرفه ؛ وأنشد : الطويل :
وذاك امرؤ إن تأْتِه في عظيمة . . . إلى بابه لا تَأْتِه بشفيعِ
ومن توقيعاته : الحقّ يُعْقِب فَلْجاً أو ظفراً ، والباطل يُورث كذباً ونَدَماً .
وكتب إليه رجل : والنفس مولعة بحبِّ العاجل . فكتب إليه : لكن العقل الذي جعله اللّه للشـهوة زِمَاماً وللهوى رِباطأ موكّل بحبِّ الآجل ، ومستصغِرٌ لكل كثير زائل .قال مصعب بن عبد الله الزبيري : وَفَد زياد الحارثي على المـهدي وهو بالرّي وليّ عهْد ، فأقام سنتين لا يَصلُ إليه شيء من برّه ، وهو ملازم كاتبه أبا عبيد الله ، فلمَّا طال أمره دخل إلى كاتبه فأنشده : البسيط :
ما بعد حولين مرّا من مطالبةٍ . . . ولا مُقَامَ لذي دين وذِي حَسب
لئن رحلتُ ولم أظفر بفائدةٍ . . . من الأمير لقد أَعذرت في الطَّلَبِ
فوقع أبو عبيد اللّه : يصنعُ الله لك فكتب إليه : الخفيف :
ما أردت الدعاء منك لأني . . . قد تيقّنت أنـه لا يُجابُ
أيجاب الدعاءُ من مستطيل . . . جُلُّ تسبيجه الخنا والسِّباب ؟
ألفاظ لأهل العصر في ذكر الاستطالة والكبر
مع ما يشاكلُ ذلك من معانيها ، ويطرق نواحيها من المساوي والمقابح .
فلان لسانُه مِقْرَاضٌ للأعراض ، لا يأكل خبْزَه إلا بلحوم الناس ، هو غرضٌ يرشَق بسهام الغيبة ، وعلم يقصد بالوقيعة ، قد تناولته الألسن العاذلةُ ، وتناقلت حديثَهُ الأنديةُ الحافلة . قد لزمـه عار لا يُمْحَى رَسْمُه ، ولزمـه شنار لا يزولُ وَسْمُه ، فأصبح نَقْلَ كلّ لسان ، وضُحْكَة كل إنسان ، وصار دولة الألسن ، ومُثْلَة الأعين . وقد عرّض عرضه غرضاً لسهام الغائبين ، وألسنة القاذفين ، وقلّد نفسه عظيم العار والشّنار ، والسّبِّة الخالدة على الليل والنـهار . قد أسكرته خَمرَة الكبر ، واستغرقتْه عُرَّة التَيه ، كأن كسرى حامل غاشيته ، وقارون وكيل نفقته ، وبَلْقِيس إحْدَى داياته ، وكأنَّ يوسف لم ينظرْ إلا بطلعته ، وداود لم ينطق إلا بنغمته ، ولقمان لم يتكلّم إلا بحكمته ، والشمس لم تطلع إلا من جبينـه ، والغمام لم يَنْدَ إلا من يمينـه ، وكأنـه امتطى السِّماكين ، وانتعل الفرقدين ، وتناول النَيِّرَين بيدين ، وملك الخافقين ، واستعبد الثقلين وكأن الخضراء له عرشت ، والغبراء باسمـه فرشت . فلان له من الطاووس رِجْلُه ، ومن الوَرْدِ شَوْكه ، ومن الماء زَبَدُه ، ومن النار دخانـها ، ومن الخمر خُمارها ، قد هبّت سمائمُ نمائمـه ، ودبّت مكايد عقارِبه ، والنمام يضرب بسَيْفٍ كلِيل إلا أنـه يقطع ، ويضرب بعضد واهِن إلا أنـه يوجع . هو تمثالُ الجبن ، وصورة الخوف ، ومقرّ الرعب ؛ فلو سمّيت له الشجاعة لخافَ لَفْظَها قبل معناها ، وذِكْرَهاقبل فحواها ، وفزع من اسمـها دون مسماها ، فهو يهلك من تخوفه أضغاثَ أحلام ، فكيف بمسموع الكلام ؟ إذا ذكرت السيوف لمس رأسَه هل ذهبَ ، ومس جبينَه هل ثُقب ؟ كأنـه أسلِم في كتّاب الجُبْنِ صبيّاً ، ولُقِّنَ كتاب الفشل أعجمياً . وَعْدُه بَرْقٌ خلب ، وروغان ثعلب . غَيمُ وعده جَهام ، وحَدُّ سَيفه كَهام . حصلتُ منـه على مواعيد عرقوبية ، وأحزان يعقوبية ، قد حرمني ثمرَ الوعد ، وجرَّني على شَوْك المطْلِ . فتى له وعدٌ أَخَذَ من البَرْقِ الخلَّبِ خلقاً ، وقد تناول من العارض الجهام طبعاً ، وتركني أَرْعَى رِياضَ رجاء لا يُنبت ، وأَجْنِي ثمارَ أمل لا يُورِق ؛ فأَنا في ضمان الانتظار ، وإسار عِدَةٍ ضِمار . هو يرسل بَرْقَه ، ولا يسيل وَدْقه ، ويقدم رَعْده ، فلا يمطر بعدهُ . وعْدُه الرقْم على بساط الهواء ، والخط في بسيط الماء .
حلَّ هذا من قول أبي الفضل بن العميد : الكامل :
لا أستفيقُ من الغرام ، ولا أُرى . . . خِلْواً من الأشجان والْبُرحَاء
وصروفُ أيام أَقمْنَ قيامتي . . . بِنَوى الخليطِ وفُرْقَةِ القُرَنَاء
وجَفاء خِلّ كنتُ أحسبُ أنّهُ . . . عَوْني على السراء والضرّاء
ثَبْت العزيمة في العقوق ، وودُّهُ . . . متنقلٌ كتنقّل الأحياء
ذي خلة يأتيك أَثبتُ عهدهِ . . . كالخطّ يُرْسَم في بسيطِ الماء
أردت هذا البيت .
هو صخرة خَلْقَاء ، لا يستجيبُ للمرتَقَى ، وحيّة صماء لا تسمع للرُّقَى ، كأني أستنفر بالجوّ رعْداً ، وأهز منـه بالدعاء طوداً ، هو ثابت العِطف نابي العطف ، عاجز القوة ، قاصر المُنّة ، يتعلّق بأذناب المعاذير ، ويحيل على ذنوبِ المقادير . هو كالنعامةتكونُ جملاً إذا قيلَ لها طِيري ، وطائراً إذا قيل لها سِيري . يفاض له بذل ، ولا يفوّض إليه شغل ، ويملأ له وَطْب ، ولا يُدْفَع بـه خَطْب ، قد وفّر همَّه على مطعم يجوّدُه ، ومَلْبَس يجوَّده ، ومَرْقَد يمـهده ، وبنيان يشيده .
هذا كقول الحطيئة : البسيط :
دَع المكارِمَ لا ترحَلْ لبُغْيَتِها . . . واقعُدْ فإنك أنتَ الطاعِمُ الكَاسِي
قَلْب نَغِل ، وصَدْرٌ دغِل ، وطولةٌ معلولة ، وعقيدة مَدْخُولَة ، صَفْوُه رنق ، وبره مَلَق ، قد مُلئ قلبُه رَيناً ، وشُحِنَ صدرُه مَيْناً يدَّعِي الفضلَ وهو فيه دَعِيّ ، دَأْبه بث الخدائع ، والنفْثُ في عُقد المكايد ، ضميرُه خُبث ، ويمينُه حِنْث ، وعهده نكْث . هو سحابة صَيْف ، وطارِقُ ضيْفٍ ، قوته غنيمة ، والظفر بـه هزيمة . هو العَوْد المركوب ، والوَتَرُ المضروب ، يطؤُه الخفُّ والحافِرُ ، ويستضِيمُه الواردُ والصادر . يغمض عن الذكر ويصْغُر عن الفكر . ذاتُه لا يوسَم أغفالها ، وصفتُه لا تنفرج أقفالها . هو أقل من تبنة في لَبِنة ، ومن قلاَمة في قُمَامة . وهو بيذق الشطْرَنْج في القيمة والقامَة ، جَهْلُه كثيف ، وعَقله سخيف ، لا يستترُ من العقل بسِجفٍ ، ولا يشتمل إلا على سخف . يمدُّ يدَ الجنون فيعرُك بها أذُنَ الحزْم ، ويفتح جِرَاب السخف فيصفَع بـه قَفَا العقل . لا تزالُ الأخبارُ تورد سفائح جَهلِه وخُرْقه ، والأنباءُ تنقلُ نتائجَ سُخْفِه وحُمقِه ، قد ظل يتعثرُ في فضولِ جَهْلِه ، ويتساقطُ في ذيولِ عقله . هو سمينُ المالِ مـهزول النوال . ثَرْوَة في الثريا وهمَّةٌ في الثرَى . وجهُه كَهَولِ المطلع ، وزوال النّعمة ، وقضاء السوءِ وموتِ الفُجَاءة . هو قذَى العَين ، وشَجَى الصدْرِ ، وأذىَ القلب ، وحُمَّى الروح ، وَجْهُه كآخر الصك ، وظلم الشك ، كأنَّ النحسَ يطلع من جَبينـه ، والخل يقطر من وجنته . وجهُه طَلْعَة الهَجْر ، ولفظُه قِطَع الصخر . وجههُ كحضور الغَرِيم ، ووصول الرقيب ، وكتاب العَزل ، وفِرَاق الحبيبِ . له من الدينار نَضْرَته ، ومن الوَزدِ صُفْرَتُه ، ومن السحاب ظُلْمَتُه ، ومن الأسد نكهته . وهو عصارةُلؤم في قرارة خبث . ألأم مـهجة في أسقط جثة . حديث النعمة ، خبيث الطعمة ، خبيث المركب ، لئيم المنتسب ، يكاد من لؤمـه يعدي من جلس إلى جنبه ، أو تسمَّى باسمـه . قد أرضع بلبان اللؤم ، ورُبِّي في حجر الشؤم ، وطم عن ثدي الخير ، ونشأ في عرصة الخبث ، وطلق الكرم ثلاثاً لم ينطق فيه استثناءً ، وأعتق المجد بتاتاً لم يستوجب عليه ولاء . هو حمارٌ مبطن بثور مفروز بتيس ، مطرز بطرر ، أتى من اللءم بنادر ، لم تهتد له قصة مادر . هو قصير الشبر ، صغير القدر ، ضيق الصدر ، رد إلى قيمة مثله في خبث أصله ، وفرط جهله ، لا أمس ليومـه ، ولا قديم لقومـه ، سائله محروم ، وماله مكتوم ، لا يحين إنفاقه ، ولا يحل خناقه ، خيره كالعنقاء تسمع بها ولا ترى . خبزه في حالق ، وإدامـه في شاهق ، غناه فقر ، ومطبخه قفر ، يملأ بطنـه والجار جائع ، ويحفظ ماله والعرض ضائع ، قد أطاع سلطان البخل ، وانخرط كيف شاء في سلكه . هو ممن لا يبضُّ حجره ، ولا يثمر شجره ، سكيت الحلبة ، وساقة الكتيبة ، وآخر الجريدة . لعنة العائب ، وعرضة الشاهد والغائب . هو عيبة العيوب ، وذنوب الذنوب . وقال أبو الفضل الميكالي : الرجز :
وطلعةٍ بقبحها قد شُهِرَتْ . . . تحكي زوالَ نعمةٍ ما شكرتْ
كأنـها عن لحمـها قد قشرت . . . أِقبِحْ بها صحيفةً قد نشرتْ
عنوانـها إذا الوحوش حُشِرَتْ . . . يلعنـها ما قد قدَّمتْ وأخّرتْ
صاحِبُهَا ذو عورة لو سترتْ . . . إن سار يوماً فالجبال سُيِّرتْ
أو رَامَ أَكلاً فالجحيم سُعّرَتْ
ويختص بهذه الأنواع رسالة بديع الزمان إلى القاضي علي بن أحمد يشكو أبا بكرالحيري القاضي ويذمـه - وقد أطلت عنان الاختيار فيها لصَّحة مبانيها ، وارتباط ألفاظها بمعانيها : الظُّلامة - أطال الله بقاء القاضي - إذا أتت من مجلس القضاء ، لم ترق إلا إلى سيد القضاة . وما كنت لأقصر سيادته على الحكام ، دون سائر الأنام ، لولا اتصالهم بسببه ، واتسامـهم بلقبه ، وهبهم مطفلين على قسمـه ، مغيرين على اسمـه ، ألهم في الصحة أديم كأديمـه ، أو قديم في الشرف كقديمـه ، أو حديث في الكرم كطريفه ؟ فهنيئاً لهم الأسماء ، وله المعاني ، ولا زالت لهم الظواهر ، وله الجواهر . ولا غزو أن يسموا قضاة ، فما كل مائع ماء ، ولا كل سقف سماء ، ولا كل سيرة عدل العمرين ، ولا كل قاض قاضي الحرمين ، ويا لثارات القضاء ما أرخص ما بيع ، وأسرع ما أضيع والسنة الإنذار ، قيل خلو الديار ، وموت الخيار ، ألا يغار لحلى الحسناء ، على السواد ، ومركب أولي السياسة ، تحت الساسة ، ومجلس الأنبياء ، من تصدر الأغبياء ، وحمى البزاة من صيد البغاث ، ومرتع الذكور من تسلط الإناث ؟ ويا للرجال ، وأين الرجال ولي القضاء من لا يملك من آلاته غير السِّبال ، ولا يعرف من أدواته غير الاعتزال ، ولا يتوجه في أحكامـه إلا إلى الاستحلال ، ولا يرى التفرقة إلا في العيال ولا يحسن من الفقه غير جمع المال ، ولا يتقن من الفرائض إلا قاة الاحتفال ، وكثرة الافتعال ، ولا يدرس من أبواب الجدال إلا قبيح الفعال ، وزور المقال ، ذاك أبو بكر القاضي ، أضاعه الله كما أضاع أمانته ، وخان خزانته ، ولا حاطه من قاض في صولة جندي ، وسبلة كردي . . . إلى أن قال : أيكفي أن يصبح المرء بين الزق والعود ، ويمسي بين موجبات الحدود ، حتى يكمل شبابه ، وتشيب أترابه . ثم يلبس دنِّته ، ليخلع دينته ، ويسوي طيلسانـه ، ليحرف يده ولسانـه ، ويقصر سباله ، ليطيل حباله ، ويظهر شقاشقه ، ليستر مخارقه ، ويبيض لحيته ، ليسود صحيفته ، ويبدي رعه ، ليخفي طمعه ، ويغشى محرابه ، ليملأ جرابه ، ويكثر دعاؤه ، ليحشو وعاءه ، ثم يخدم بالنـهار أمعاؤه ، ويعالج بالليل وجعاءه ، ويرجو أن يخرج من بين هذه الأحوال عالماً ، ويقعد حاكماً ؟ هذا إذا المجد كالوه بقفزان وباعوه في سوقالخسران هيهات حتى ينْسَى الشـهوات ، ويَجُوب الفلوَات ، ويعتضد المحابرَ ، ويحتَضِن الدفاتر ، وينتج الخواطر ، ويُحالف الأسفار ، ويعتاد القِفَار ، ويصل الليلةَ باليوم ، ويعتاض السهرَ من النوم ، ويحمل على الروح ، ويجني على العين ، وينفق من العيش ، ويخزن في القلب ، ولا يستريح من النظر إلا إلى التحديق ، ولا من التحقيق إلا إلى التعليق ، وحاملُ هذه الكلف إن أخطأه رائدُ التوفيق ، فقد ضلّ سواء الطريق ، وهذا الحِيرِيُّ رجل قد شغله طلبُ الرياسة عن تحصيل آلاتها ، وأعجله حصولُ الأمنية عن تمحل أدواتها : مجزوء كامل :
والكلبُ أحسن حالةً . . . وَهْوَ النـهاية في الخَسَاسهْ
ممن تَصَدَّى للريا . . . سة قبل إبّانِ الرياسهْ فولي المظالم وهو لا يَعرفُ أسرارَها ، وحَمَل الأمانةَ وهو لا يَدْري مقدارَها ؛ والأمانةُ عند الفاسق خفيفةُ المحمل على العاتِق ، تُشْفقِ منـها الجبال ، ويحملها الجهال ، وقعد مَقْعَد رسولِ اللّه ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، بين حديثه يُرْوَى ، وكتاب الله يُتْلَى ، وبين البينة والدعْوَى ، فقبّحه الله تعالى من حاكم لا شاهِد عنده أعدل من السَّلة والجام ، يُدْلى بهما إلى حكَام ، ولا مزكى أصدق لديه من الصُّفر ، ت على الظفر ، ولا وثيقة أحبُّ إليه من غمزات الخصوم ، على الكيس المختوم ، ولا كفيل أوقع بوفَاقِه من خبيئة الذيل ، وحمال الليل ، ولا وكيل أعز عليه من المنديل والطبق ، في وقت الغَسَق والفَلَق ، ولا حكومة أبغض إليه من حكومة المجلس ، ولا خصومة أوحش لديه من خصومة المُفْلِس ، ثم الويل للفقير إذا ظُلِم ، فيما يغنيه موقف الحكم إلا بالقَتْل من الظلم ، ولا يجيره مجلس القضاء بالنار من الرمْضَاء . وأقسم لو أن اليتيم وقف بين أنياب الأسود ، بل الحيّات السُّود ، لكانت سلامته منـهما أرجى من سلامته إذا وقع من هذا القاضي بين عَقاربه وأقَاربه ؛ وما ظنُّ القاضي بقوم يحمِلونَ الأمانةَ على مُتُونـهم ، ويكألون النارَ في بطونـهم ، حتى تغلظ قصراتهم من مالِ اليتامى ، وتسمن أكفالهم من مال الأيامى ، وما رأيه في دار ، عمارتها خرابُ الدور ، وعُطلة القدور ، وخَلاَء البيوت ، من الكسوة والقوت ، وما قوله في رجل يُعَادِي الله في الفَلْس ، ويبيعُ الدِّينَ بالثمن البخس ، وفي حاكم يبرُز في ظاهر أهلالسمتِ ، وباطن أصحاب السبتِ ، فِعْله الظلمُ البَحْت ، وأكله الحرام السُّحْت . ومَا قوله في سوس لا يقع إلا على صوف الأيتام ؛ وجرادٍ لا يقع إلا على الزرع الحرام ، ولصّ لا ينقب إلا خزانة الأوقاف ، وكردي لا يُغِيرُ إلا على الضعاف ، وليث لا يفتَرِسُ عباد الله إلا بين الركوع والسجود ، وخارب لا ينـهب مالَ الله إلا بين العهود والشـهود .
وذكر في هذه الرسالة فصلاً في ذِكْر العلم - وهو مستطرف البلاغة ، مستعذب البراعة - قال : والعلم - أطال الله بقاءَ القاضي - شيء كما تعرفُه ، بعيد المرام ، لا يُصَادُ بالسهام ، ولا يُقْسَمُ بالأزلام ؛ ولا يُرَى في المنام ولا يُضْبَطُ باللجام ، ولا يُورَث عن الأعمام ولا يكتب لِلئام ، وزَرْع لا يَزْكُو حتى يصادِفَ من الحَزْمِ ثَرًى طيباً ، ومن التوفيق مطراً صَيِّباً ؛ ومن الطبْعِ جوّاً صافياً ، ومن الجهد روحاً دائماً ، ومن الصبر سقياً نافعاً ، والعلم عِلْقٌ لا يباع ممن زاد ، وصَيْدٌ لا يألف الأوغاد ، وشيءٌ لا يُدْرك إلا بنزع الروح ، وعَوْن الملائكةِ والروح ، وغَرضٌ لا يصابُ إلا بافتراش المدَر ، واتّساد الحجَر ، وردّ الضجَر ، وركوب الخَطر ، وإدْمَان السهر ، واصطحاب السفر ، وكَثْرة النظَرِ ، وإعمال الفكر ، ثم هو معتاص إلا على من زكا زَرْعه ، وخلا ذرعه ، وكرم أَصله وفَرعه ، ووَعى بصره وسمعه ، وصفا ذهنـه وطبعهُ ، فكيف يناله من أنفق صِبَاه على الفَحْشاء ؛ وشبابَه على الأحشاء ، وشغل نـهاره بالجمع ، وليلَه بالجماعِ ، وقطع . سَلْوته بالغنى ، وخَلوَته بالغناء ، وأفرغ جِدّه على الكيس ، وهزله في الكأس ؛ والعلم ثمر لا يصلح إلا للغَرْس ، ولا يغرس إلا في النفس ، وصيد لا يقع إلا في الندر ، ولا ينشب إلا في الصدر ، وطائر لا يخدعه إلا قَنَص اللفظ ، ولا يعلقه إلا شَرَكُ الحفظ ولا ينشب إلا في الصدر ، وبَحْر لا يخوضُه الملاح ، ولا تطيقه الألواح ، ولا تهيجه الرياح ، وجبَلٌ لا يتسَم إلا بخُطا الفِكْر ، وسماء لا يصعد إلا بمِعْرَاج الفهم ، ونَخمٌ لا يلمس إلا بيَدِ المجد .ومن مفردات الأبيات في المعايب والمقابح
قول أبي تمام : الوافر :
مَسَاوٍ لو قُسِمْنَ على الغَوانِي . . . لما أُمْهِرْن إلاَّ بالطلاقِ
آخر : البسيط :
قومٌ إذا جَرَّجَانٍ منـهمُ أمِنُوا . . . من لُؤْمِ أحْسابِهم أن يقتلوا قَوَدا
البحتري : الطويل :
نَبَا في يدِي ، وابنُ اللئيمةِ وَاجِدٌ . . . ويَنْبُو الخبيثُ الطَّبْحِ وَهْوَ صَقيلُ
ابن الرومي في رجل يعرف بابن رمضان : الوافر :
رأيتك تدّعِي رمضانَ دعوى . . . وأنتَ نظيرُ يومِ الشّكَ فيهِ
وله في أعمى : الخفيف :
كيف يَرْجُو الحياء منـه صديقٌ . . . ومكانُ الحياء منـه خَرابُ ؟
غيره : الطويل : هو الكَلْب ، إلا أن فيه ملالةً . . . وسُوءَ مُرَاعاةٍ وما ذَاكَ في الكَلْب
آخر : الطويل :
أبا دُلفٍ يا أَكْذَب الناسِ كلّهم . . . سِوَايَ فإني في مديحك أكذبُ
أبو الفضل الميكالي : الطويل :
هو الشَّوْك لا يُعْطِيك وافِرَ منّة . . . يدَ الدَّهْرِ إلاّ حين تَضْرِبه جلْدا
اللحن في الكلام
قال المأمون لبعض وَلده وسمع منـه لحْناً : ما على أحدِكم أن يتعلَّم العربية ، فيقيم بها أوَدَه ، ويزيّنُ بها مَشْهده ، ويفلُّ حُجَجَ خَصْمـه ، بمسِّ كتاب حكمـه ، ويملكمَجْلس سُلْطانـه ، بظاهرِ بيانـه ؛ ليس لأحدكم أن يكونَ لسانُه كلسان عبدِه أَو أَمته ، فلا يزالُ الدهر أَسِيرَ كلمته .
وقال رجلٌ للحسن البصري : يا أبو سعيد ، قال : كَسْبُ الدراهم شغَلك أن تقولَ يا أبا سعيد ، ثم قال : تعلَموا العلم للأديان ، والنحوَ للسان ، والطمث للأبدان .
وكان الحسن كما قال الأعرابي وسمع كلامـه : والله إنـه لفصيح إذا لفظ ، نصيحٌ إذا وَعظ . وقيل له : يا أبا سعيد ، ما نراكَ تلحن ، قال : سَبَقْتُ اللحن . أخذه أبو العتاهية ، وقيل له : إنك تخرج في شعرك عن العَرُوض ، فقال : سبقت العروض .
وقال إسحاق بن خلف البهراني : الكامل :
النحو يصلَح من لسانِ الأَلْكَنِ . . . والمرءُ تَعْظِمُه إذا لم يلحنِ
فإذا طلبت من العلوم أجلَّها . . . فأجلُّها منـها مقيمُ الألْسُنِ
وقال علي بن بسام : الطويل :
رأيتُ لسانَ المَرْء رائدَ عِلْمِهِ . . . وعنوانـه فانظُرْ بماذا تُعَنْوَنُ
ولا تَعدُ إصلاحَ اللسانِ فإنـهُ . . . يُخَبِّرُ عما عنده ويبين
على أن للإعراب حَدّاً ، وربما . . . سمعت من الأعراب . ما ليس يحسُنُ
ولا خيرَ في اللفْظ الكريهِ استماعُهُ . . . ولا في قبيح اللَحْنِ والقصْد أزْيَنُ
وقال بعضُ أهل العصر ، وهو أبو سعيد الرستمي : الطويل :
أفي الحقِّ أن يُعْطى ثلاثون شاعراً . . . ويحرَم ما دونَ الرضا شَاعِرٌ مثلي ؟
كما سامحوا عمْراً بواوِ زيادةٍ . . . وضُويِقَ بسم الله في أَلِف الوَصْل
أبو الفتح البستي : الطويل :
حُذِفْتُ وغيري مثبَت في مكانـهِ . . . كأنيَ نون الجمعِ حين يُضَافُ
وقال : البسيط :
افْدِي الغزالَ الذي في النِّحْوِ كلَّمني . . . مُنَاظِراً فاجتبيتُ الشّهدَ من شفَتِهْ
فأوْرَدَ الحججَ المقبولَ شاهِدُها . . . محققاً ليريني فَضْلَ معرفَتِهْ
ثم اتفقْتُ على رَأْيٍ رضيتُ بهِ . . . والرفع من صِفتي والنصبُ من صفتِهْ
الحسن اللحام : الكامل :
أنا من وجوه النحوِ فيكم أفْعَلُ . . . ومن اللغاتِ إذا تُعَدُّ المـهمَلُالتعلّق بالغلام
وقال أحمد بن يوسف : كتب غلامٌ من ولد أنوشروان ممن كان أحد غلمان الديوان ، إلى آخر منـهم وكان قد علق بـه ، وكان شديدَ الْكَلَف بـه والمحبَّة له : ليس من قَدرِي - أدام الله سعادَتك - أن أقولَ مثلك جُعِلْتُ فِدَاك ؛ لأني أراك فوقَ كلِّ قيمة خطيرة وثمن مُعْجِز ، ولأنَّ نفسي لا تُسَاوِي نفسك ، فتُقْبَل في فِدْيتك ، وعلى كل حال ؛ فجعلني اللًهُ فِدَاءَ ساعة من أيامك ، اِعْلَمْ أيها السيد العليُّ المنزلة ، أنـه لو كان لعَبْدِك من شدّة الخطب أمرٌ يقفُ على حدّه النعت ، لاجتهدنا أن يُضْعِفَ من ذلك ما عسى أن يعطف بـه زمام قَلْبِك ، وتحنو له على الرقة بـه والتحفي أثناء جوانحك ، ولكن الذي أمسيت وأصبحت ممتحَناَ بـه فيه شَسَعَ على كل بيان ، ونزح عَنْ كل لسان ؛ والحب أيها المالك لم يَشُبْهُ قَذَى ريبة ، ولم يختلط بـه قلب مَعَاب ، فلا ينبغي لمن كرمت أخلاقُه أن يعاف مقارَبة صاحبه المدل بحرمة نيته ، والذي أتمناه ، أيها المولى اللطيف ، مجلس أقف فيه أمامك ، ثم أبوح بما أضنى جسدي ، وفتّ كبدي ، فإن خفّ ذلك عليك ورأيت نشاطاً من نفسك إليه كنتَ كمن فك أسيراً وأبرَأَ عليلاً ، ومن الخير سلك سبيلاً ، يتوعَّرُ سلوكُها على منْ كان قبله ، ومَنْ يكون بعده ؛ ثم أضاف إلى ذلك منَّةً لا يُطيقها جَبَلٌّ رَاس ، ولا فلك دائر ، فرأيك أيها السيد المعتمد في الإسعاف ، قبل أن يَبْدرَني الموتُ ؛ فيحول بيني وبين ما نزعت إليه النفس مواصلاً براً إن ، شاء الله تعالى .
فأجابه : تولى الله تعالى ما جرئ بـه لسانك بالمزيد ، ولا أَوحش ما بيننا بِطائر فُرْقَة ، لا صافر تشتّت ، وضمَّنَا وإياك في أوثَق حبال الأنس ، وأوكد أَسبابِ الألفَةِ ؛ وقفت على ما لخصته من العجز عن بلوغ ما خامرَ قلبك ، وانطوى في ضميرك ، من الشغَف المقلق ، والهوى المضرع ، ولعمري لو كشَفْت لك عن مِعْشَار ما اشْتُمل عليه مضمر صدري لأيقنت أن الذي عندك إذا قسْتَه إلى ما عندي كالمتلاشي البائد ، ولكنك بفَضل الإنعام سَبَقْتَنا إلى كَشْف ما في الضمير . وأما طاعتي لك ، وذمامي إليك ؟ فطَاعةُ العبد المقْتَنَى ، الطائع لما يَحكُم له وعليه مولاه ومالِكُه ، وأنا صائر إليك وَقتَ كذا ؛ فتأهب . لذلك بأحمد عافية ، وأتم عُقْدَة ، وأَسْعَد نجم جرى بالألفة ، إن شاء الله تعالى .
وكتب بعض الكتاب : إني لأكرَهُ أنْ أفديك بنفسي استحياءً من التقصير فيالمعاوضة ، ومن التخلف في الموازنة ، وعلى الأحوال كلِّها ، فقدَّم الله رُوحِي عنك ، وصانني عن رُؤْية المكروه فيك .
وقال المتنبي :
فِدًى لكَ من يُقَصر عن مَدَاكا . . . فلا مَلِكٌ إذَنْ إلاَّ فِدَاكا
ولو قُلنا فِدًى لك مَنْ يُسَاوِي . . . دَعَوْنَا بالبقاء لمَنْ قَلاَكا
وآمَنَّا فِداءَكَ كل نَفْسٍ . . . وإن كانت لمملكةٍ مِلاَكا
وقال عبيد الله بن شبيب : كتب إليَّ بعض إخواني من أهل البصرة كتاباً ملح فيه وأوجز ، وهو : أطال الله بقاءك ، كما أطال حباءك ، وجعلني فداك إن كان في فداؤك : الوافر :
كتبتُ ولو قدرتُ هوًى وشوقاً . . . إليك لكنت سطراً في كتابي
وكتب آخر إلى إبراهيم وأحمد ابني المدبّر ، وقد أصابتهما مِحْنَة ثم أردفتها نعمة : لو قُبلت فيكما ، ودانيتُ قدريكما ، لقلت : جعلني الله فداكما ، ولكني لا أجزي عنكما ، فلا أُقبل بكما ، وقد بلغتني المحنة التي لو مات إنسان غَمّاً بها لكنته ثم اتصلت النعمة التي لو طار امرؤ برحابها لكنته وكتب تحته : الطويل :
وليس بتزويقِ اللسانِ وصَوْغهِ . . . ولكنَهُ قد خالط اللَحْمَ والدَّمَا
وكتب ابن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان يعتذِرُ في تَرْك مكاتبته بالتفدية : الله يعلم ، وكفى بـه عليماً ، لقد وددت مكاتبتك بالتفدية فرأيت عيباً أن أفديك بنفسٍ لا بدَّ لها من فَنَاء ، ولا سبيلَ لها إلى بَقَاء ، ومَنْ أظهر لك شيئاً وأضمر لك خِلاَفه فقد غشَّ ؛ والأمر إذا كانت الضرورَةُ تُوجبُ أنـه مَلَقٌ لا يحقق ، وإعطاء لا يتحصّل ، لم يجب أن يخاطبَ بـه مِثْلُك ، وإن كان عند قوم نـهايةَ من نـهايات التعظيم ، ودليلاً من دلالات الاجتهاد ، وطريقاً من طرق التقرّب . قال الزبير بن أبي بكر : قال لي مسلمة بن عبد الله بن جندب الهذلي : خرجت أرِيدُ العقيق ومعي زَيَّان السوّاق ؛ فلقيْنا نسوة فيهن امرأة لم أرَ أجملَ منـها فأنشدت بيتين لزَيَّان : الطويل :
ألاَ يا عبادَ الله هذا أخوكُمُ . . . قتيلٌ ، فهلْ فيكم له اليوم ثائرُ ؟خذوا بدمي ، إن متُّ ، كلَّ خريدةٍ . . . مريضةِ جَفْنِ العين والطَّرْفُ ساحِرُ
ثم قال : شأنك بها يا ابن الكرام فالطلاق له لازم إن لم يكن دم أبيك في نقابها .
فأقبلت عليَّ وقالت : أنت ابن جندب ؟ فقلت : نعم . قالت : إن قتيلنا لا يودى ، وأسيرنا لا يفدى ، فاغتنم لنفسك ، واحتسب أباك .
قال أبو عبيدة : قال رجل من فزارة لرجل من بني عذرة : تعدون موتكم من الحب مزية ، وإنما ذاك من ضعف المنة ، وعجز الروية . فقال العذري : أما إنكم لو رأيتم المحاجر البلج ، ترشق بالأعين الدعج ، فوقها الحواجب الزج ، وتحتها المباسم الفلج ، والشفاه السمر ، تفتر عن الثنايا الغر ، كأنـها برد الدُّر ، لجعلتموها اللات والعزى ، ورفضتم الإسلام وراء ظهروكم .
وقال أعرابي : دخلت بغداد فرأيت فيها عيوناً دعجاً ، وحواجب زجاً ، يسحبن الثياب ، ويسلبن الألباب .
وذكر أعرابي نساءً فقال : ظعائن في سوالفهن طول ، غير قبيحات العطول ، إذا مشين أسبلن الذيول ، وإن ركبن أثقلن الحمول .
ووصف آخر نساء فقال : يتلثمن على السبائك ، ويتشحن على النيازك ، ويتزرن على العواتك ، ويرتفقن على الأرائك ، ويتهادين على الدرانك ، ابتسامـهن وميض ، عن ثغر كالإغريض ، وهن إلى الصبا صور ، وعن الخنا خور .
الهوى
سئل بعض الحكماء عن الهوى ، فقال : هو جليس ممتع ، وأليف مؤنس ، أحكامـه جائزة ، ملك الأبدان وأرواحها ، والقلوب وخواطرها ، والعيون ونواظرها ، والنفوسوآراءها ، وأعطى زمام طاعتها ، وقياد مملكتها ، توارى عن الأبصار مدخله ، وغمض عن القلوب مسلكه .
وسئلت أعرابيةٌ عن الهوى فقالت : لا متع الهوى بملكه ، ولا ملِّي بسلطانـه ، وقبض الله يده ، وأوهن عضده ؛ فإنـه جائر لا ينصف في حكم ، أعمى ما ينطق بعدل ، ولا يقصر في ظلم ، ولا يرعوي للوم ، ولا ينقاد لحق ، ولا يبقى على عقل ولا فهم ، لو ملك الهوى وأطيع لرد الأمور على أدبارها ، والدنيا على أعقابها .
ووصف أعرابي الهوى فقال : هو داءٌ تدوى بـه النفوس الصحاح ، وتسيل منـه الأرواح ، وهو سقم مكتتم ، وجمر مضطرم ؛ فالقلوب له منضجة ، والعيون ساكنة .
قال أبو عبيد الله بن محمد بن عمران المرزباني : أخبرني المظفر بن يحيى ، قال : أحبَّ رجلٌ امرأةً دونـه في القددر ، فعذله ، فقال : يا عمّ ، لا تلم مجبراً على سقمـه ؛ فإن المقر على نفسه مستغنٍ عن منازعة خصمـه ، وإنما يلام من اقتراف ما يقدر على تركه ، وليس أمر الهوى إلى الرأي فيملكه ، ولا إلى العقل فيدبره ؛ بل قدرته أغلب ، وجانبه أعز من أن تنفذ فيه حيلة حازم ، أو لطف محتال .
وقال بعضهم : رأيت امرأتين من أهل المدينة تعاتب إحدهما الأخرى على هوىً لها ، فقالت : إنـه يقال في الحكمة الغابرة ، والأمثال السائرة : لا تلومنَّ من أساء بك الظن إذا جعلت نفسك هدفاً للتهمة ، ومن لم يكن عوناً على نفسه مع خصمـه لم يكن معه شيء من عقدة الرأي ، ومن أقدم على هوىً وهو يعلم ما فيه من سوء المغبة سلط على نفسه لسان العذل ، وضيع الحزم . فقالت المعذولة : ليس أمر الهوى إلى الرأي فيملكه ، ولا إلى العقل فيدبره ، وهو أغلب قدرةً ، وأمنع جانباً من أن تنفذ فيه حيلة الحازم ، أو ما سمعت قول الشاعر : الخفيف :
ليس خَطبُ الهوَى بخطْبٍ يسيرِ . . . لا ينّبيك عنـه مِثلُ خَبيرِ
ليس أمرُ الهَوى يُدَبَّرُ بالرَّأْ . . . ي ولا بالقياس والتفكيرِ
إنما الأمرُ في الهوى خَطَراتٌ . . . محدَثاتُ الأمورِ بَعْدَ الأمورِ ؟ قال المرزباني : أخبرني الصولي أنّ هذه الأبيات لعُلية بنت المـهدي ، ولها فيها لحنوقيل لعبد الله بن المقفع : ما بالُ العاقل المميز الذهن ، واللبيب الفطِن ، يتعرض للحب وقد رأى منـه مواضعَ الهلكة ، ومصارعَ التّلَف ، وعلم ما يؤول إليه عُقْبَاه ، وترجع بـه أُخْراه على أولاه ؟ فقال : زُخْرِفَ ظاهرُ العشق بجمال زينة يستدعي القلوب إلى ملامَسَتِهِ ، ومُلّي بعاجل حلاوة يَطْبي النفوسَ إلى ملابَسَته ، كظاهر زخرف الدنيا ، وبهاء رونقها ، ولذيذ جَنَى ثمرها ، وقد سكرت أبصارُ قلوب أبنائها عن النظر إلى قبيح عيوب أفعالها ، فهم في بلائها منغمسون ، وفي هلكة فتنتها متورّطون ، مع علمـهم بسوء عواقب خَطْبها ، وتجرع مرارةِ شربها ، وسرعة استرجاعها ما وهبت ، وإخراجها مِمَا ملكت ، فليس يَنجُو منـها إلا مَنْ حَذِرَها ، ولا يهلك فيها إلا من أَمِنَها ، وكذلك صُورةُ الهوى ؛ هما في الفتنة سواء .
العفة
وقال ابن دُرَيد : قال بعضُ الحكماء : أَغْلِق أبواب الشبهات بأفعال الزهادة ، وافتح أبوابَ البر بمفاتيح العبادة فإنَّ ذلك يُدْنِيك من السعادة ، وتستوجب من الله الزيادة .
وقال غيرُه : إنَّ اللذةَ مشوبةٌ بالقُبح ؛ ففكِّروا في انقطاع اللذَةِ وبقاء ذِكْرِ القُبحِ .
قال أبو عبد الله بن إبراهيم بن عرفة نِفْطَوَيْه : الكامل :
ليس الظرِيفُ بكامل في ظَرفِه . . . حتى يكونَ عن الحرامِ عفيفا
فإذا تعفَّفَ عن محارم رَبّهِ . . . فهناك يُدْعَى في الأنامِ ظَرِيفا
وقال : البسيط :
كم قد ظفرتُ بمن أَهوَى فيمنَعُني . . . منـه الحياءُ وخَوْفُ الله والْحَذَرُ
وكم خَلَوْتُ بمن أَهْوَى فيُقْنِعُني . . . منـه الفكَاهةُ والتقبيلُ والنَّظَرُ
أهْوَى الملاحَ وأَهْوَى أنْ أُجالِسهم . . . وليس لي في حَرَام منـهمُ وَطَرُكذلك الحبُّ لا إتيانُ معصِيَةٍ . . . لا خيرَ في لذّةٍ من بعدها سَقَر
وقال العباس بن الأحنف : البسيط :
أتأذنون لِصَبٍّ في زيارتكمْ . . . فعندكُمْ شـهواتُ السَّمْعِ والبَصَرِ
لا يبصر السوءَ إن طالَتْ إقامتُه . . . عفّ الضمير ولكن فاسق النظر
وقال بعضُ الطالبين : الطويل :
رمَوْني وإياهمْ بشَنْعَاءَهُمْ بها . . . أَحَقُّ ، أدَالَ الله منـهمْ وعجَّلاَ
بأمرٍ تركناه ورَبِّ محمدٍ . . . جميعاً فإما عفَّةً أو تجمّلا
وقال سعيد بن حميد : الخفيف :
زائر زارَنا على غَيْرِ وعد . . . مُخْطَف الكَشْح مُثْقَلُ الأردَافِ
غالبَ الخوفَ حين غالبه الشو . . . قُ وأخفَى الهوى وليس بخافِي
غضَّ طرفِي عنـه تُقى الله فاختر . . . تُ على بَذلِه بقاءَ التصافي
ثم ولى والخوفُ قد هَزَّ عِطْفي . . . ه ولم يخلُ من لِباس العَفَافِ
وفي الحديث الشريف : ' مَنْ أحب فعفَّ فمات فهو شـهيدٌ ' .
والعغافُ مع البَذْل ، كالاستطاعة مع الفعل ، كما قال صريع الغواني : الطويل :
وما ذميَ الأيام أنْ لَسْتُ مادحاً . . . لعَهْدِ لياليها التي سلَفَتْ قبلُ
ألاَ رُب يوم صادقِ العَيْشِ نِلْتهُ . . . بها ونَدامَاي العفافةُ والبَذْلُ
وأنشد الصولي لأبي حاتم السجستاني في المبرد ، وكان يلزم حَلْقَته ، وكان من المِلاَح وهو غلام : مجزوء الكامل :
ماذا لقيتُ اليومَ من . . . مُتَمجِّنٍ خَنِثِ الكلامْ
وقفَ الجمالُ بوَجْهِه . . . فسمَتْ له حدَقُ الأنَامْ
حَركَاتهُ وسُكُونـهُ . . . يُجْنَى بها ثَمرُ الأثامْ
فإذا خَلَوْتُ بمثلهِ . . . وعَزَمْتُ فيه على اعترامْ
لم أَغدُ أخلاقَ العَفَا . . . فِ وذاك أَوْكدُ للغَرَامْنَفْسِي فِدَاؤكَ يا أبا ال . . . عباس جَلَّ بك اعتصامْ
فارْحَمْ أخاكَ فإنـهُ . . . نَزْرُ الكَرَى بادِي السقام
وأنِلْهُ ما دُونَ الحرا . . . مِ فليس يَرْغَبُ في الحرام
وكان أبو حاتم يتصدق كلَّ يوم بدرهم ، ويختم القرآن في كل أسبوع . وذكر أنـه اجتمع أبو العباس بن سُرَيج الشافعي ، وأبو بكر بن داود العباسي ، في مجلس علي بن عيسى بن الجراح الوزير ، فتناظَرَا في الإيلاءِ ، فقال ابن سريج : أنت بقولك : من كثرت لَحَظاته دامَتْ حَسَراته أبْصَرُ منك بالكلام في الإيلاء ، فقال أبو بكر : لئن قلت ذلك فإني أقول : الطويل :
أُنزِّه في رَوْضِ المحاسن مُقْلَتي . . . وأَمْنَعُ نفسي أن تنالَ مُحَرَّمَا
وأحمِلُ من ثِقل الهوَى ما لَوَ أنـه . . . يُصَبُّ على الصَّخْر الأصمِّ تهدَّمَا
وينطق طَرْفِي عن مترجم خَاطِري . . . فلولا اختلاسِي رَدَّهُ لتكلَّما
رأيتُ الهوَى دَعْوَى من الناسِ كلِّهم . . . فلستُ أرى حبّاً صحيحاً مسلّما
فقال أبو العباس : بم تفتخرُ عليّ . وأنا لو شئت لقلت : الكامل :
ومُطَاعِم للشّهْدِ مِنْ نَغَماتِه . . . قد بِثُ أَمْنعهُ لذيذَ سِنَاتِه
صبَّاً بحُسْنِ حديثه وكلامِه . . . وأكُرّر اللحظاتِ في وجناتِه
حتى إذا ما الصبحُ لاح عمودُهُ . . . ولَّى بخاتم رَبّه وبَرَاتِه
فقال أبو بكر : أصلح الله الوزير ، تحفظ عليه ما قال حتى يقيمَ شاهدَين عَدْلين أنـه ولي بخاتم ربه فقال أبو العباس : يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك : أنزه في رَوْض المحاسن مُقْلَتي . . . البيت . فضحك الوزيرُ ، وقال : لقد جَمَعْتما ظرفاً ولُطفاً وفَهْماً وعلماً .
ألفاظ لأهل العصر في محاسن النساء
هي روضةُ الحسْنِ ، وضرَّةُ الشمْسِ ، وبَدْرُ الأرض . هي من وجهها في صباحٍ شَامِس ، ومن شَعْرِها في ليل دَامس ، كأنـها فلقة قَمَر على بُرْج فضة . بَدْر التم يضي تحت نِقابها ، وغُصْن البانِ يهتزّ تحت ثيابها ، ثَغْرُها يجمعُ الضريب والضَّرَب ، كأنـهُ نثر الدرّ ، كَما قال البحتري : البسيط :
إذا نَضَوْنَ شُفُسوفَ الرَّيْطِ آوِنةً . . . قَشَرْنَ عَن لؤلؤِ البَحْرَين أصْدَافاقد أنْبَتَ صدرُها ثمرَ الشباب ، خرطَتْ لها يدُ الشبابِ حُقّيْنِ من عاج ، كأنـها البدرُ قُرِّط بالثريَّا ، ونِيطَ بها عِقْدٌ من الجوزاء ، أعلاها كالغُصْن ميّال ، وأسفلها كالدِّعص مِنْهال ، لها عنُق كإبريق اللُجَيْنِ ، وسُرَّة كمدْهُن العاج ، نِطَاقُها مُجْدِب ، وإزَارُها مُخْصِب ، مَطلَع الشمس من وَجْهِها ، ونَبْت الدُّرِّ من فيها ، وملقط الوَرْد من خدّها ، ومنبع السِّحْرِ من طَرْفِها ، ومبادئ الليل من شَعْرِها ، ومغرس الغصن من قدِّهَا ، ومـهيل الرَّمْلِ من رِدْفِها .
ولهم في محاسن الغلمان والمعذرين : زاد جمالُه ، وأقمر هِلاله . ترقرقَ في وجهِه ماءُ الحسْنِ ، شادِنٌ فاتِرٌ طَرْفه ، ساحر لَفْظه . غلامٌ تأخذُه العَيْن ، ويَقْبَله القَلْبُ ، ويأخذه الطَرْفُ ، وترتاح إليه الرّوح . تكادُ القلوبُ تأكله ، والعيون تَشْرَبُه ، جرى ماءُ الشباب في عُوده فتمايلَ كالغُصْنِ ، واستوفى أقسامَ الحُسْنِ ، ولبس ديباجةَ المَلاَحة ، كأنَّ البدْر قد ركب أزراره ، لا يشبَع منـه الناظرُ ، ولا يروَى منـه الخاطِر ، كاد البدرُ يَحكِيه ، والشمسُ تشبِهه وتُضَاهِيه ، صورة تَجْلو الأبصار ، وتُخْجِل الأقمار ، شادن مُنتقبٌ بالبدْر ، ومكتَحِلٌ بالسحر . ما هو إلا نُزْهة الأبصار ، ومخْجل الأقمار ، وبِدْعة الأمصار ، غمزات طَرْفه تُخْبِر عن ظَرْفه ، ومنطِقُه ينطقُ عن وَصفه . تخالُ الشمسَ تبرقعَتْ غرَّتَه ، والليل ناسب أصداغَه وطُرَّتَه . الحُسنُ ما فوق أزراره ، والطِّيب ما تحت إزاره ، شادن يَضْحَكُ عن الأقحوان ، ويتنفَّسُ عن الريحان ، كأنَّ خدَّه سكران من خَمْر طرفه ، وبغداد مسروقةٌ من حُسْنِه وظَرْفه ، أعجمت يد الجمالِ نونَ صُدْغِه بخَال ، هذا محلول من قول ابن المعتز : الوافر :
غِلالة خَدّهِ صبغت بوَرْدٍ . . . ونونُ الصُّدْغ مُعْجَمَة بخَالِ له عينان حَشْوُ أجفانـهما السِّحْرُ ، كأنـه قد أعار الظَّبْيَ جِيدَه ، والغصْنَ قدَّه ، والراح رِيحَه ، والوَرْدَ خدَّه ، الشِّكل من حَرَكاته ، وجميعُ الحسْنِ بعض صفاته . قد ملكَ أزِمَّةَ القلوب ، وأظهر حجَّةَ الذنوب ، كأنما وَسَمَه الجمالُ بنـهايته ، ولحظَه الفلكُ بعنايته ، فصاغَه من لَيْلِه ونـهاره ، وحَلاه بنجومة وأقماره ، ونَقَّبه ببدائع آثاره ، ورَمَقَه بنواظر سُعودِه ، وجعله بالجمال أحدَ حدوده . وقد صَبَغ الحياءُ غِلاَلَة وَجْهِه ، ونُشِر لؤلؤُ العرق عن وَرْدِ خدّه . تكاد الألحاظُ تسفك من خَدِّه دمَ الخجَلِ . له طرّة كالغَسَقِ ، على غُرَّةِ كالفَلَق . جاءنا في غِلالة تنمُّ على ما يستره ، وتجفو مع رِقّتها عما يظهره . وجهٌ بماءِ الحُسْنِ مغسول ،وطَرْف بِمرْود السّحْرِ مكحول . ثغر حُمِيَ حمايةَ الثغور ، وجُعِل ضرة لقلائد النحور . السحْرُ في ألحاظه ، والشـهدُ في ألفاظه . اختلس قامةَ الغُصْنِ ، وتوشّح بمطارف الحسن ، وحكى الروض غبَّ المُزْن . الأرضُ مشرقة بنورِ وجهِه ، وليل السرَارِ في مثل شَعْره . الجنةُ مجتناةٌ من قُرْبِه ، وماءُ الجمالِ يترقرقُ في خدِّه ، ومحاسنُ الربيع بين سَحْرِه ونَحْرِه ، والقمرُ فَضْلَةٌ من حُسْنِه . ما هو إلا خال في خدِّ الظّرف ، وطِرَازٌ على علم الحُسْنِ ، ووَرْدَةٌ في غُصْنِ الدهر ، ونَقْشٌ على خاتم الملك ، وشمسٌ في فَلَك اللطف . هو قَمَرٌ في التصوير ، شمسٌ في التأثير . منظر يملأ العيونَ ، ويملكُ النفوس ، زَرافينُ أصداغه معاليق القلوب ، كأنَّ صُدْغه قرط من المسك على عارِض البَدْر . وجهُه عرس ، وصدغه مَأْتم ، ووصله جنة ، وهجره جهنم . أصداغُه قد اتخذت شَكْلَ العقاربِ ، وظلمت ظُلْمَ الأقارب . إن كان عقرب صُدْغه تلسع ، فترياق رِيقه يَنْفَع . كأن شاربَه زِئْبَرُ الخزّ الأخضرِ ، وعِذَارُه طراز المِسْك والعَنبر الإذفر ، على الوَرْدِ الأحمر . إذا تكلم تكشَّفَ حِجَابُ الزمزد والعقيق ، عن سِمْط الدرِّ الأنيق . قد همَّ أرقمُ الشعْر على شاربِه ، وكاد فم الحُسْن يقبّله . كأنَّ العِذَار ينقش فمنَ وَجْهِه ، ويحرق فِضة خدّه . طرَّزَ الجمالُ ديباج وجْهِه ، وأبانَ عِذَارُه العذرَ في حُبّه . لعب الربيعُ بخده ، فأنبت البنفسجَ في وَرْده . لما احترقتْ فضةُ خده ، احترق سواد القلب من حبِّه : المديد :
كيف لا يخضرّ ُشاربهُ . . . ومياهُ الحسْنِ تسقيهِ ؟
ولهم في نقيض ذلك ، في ذم خروج اللحية : قد انتقب بالدَّيجُورِ ، بعد النور ؛ فدَوْلةُ حُسْنِه قد أَعرضَتْ أيامـه ، وانقرضَتْ دَوْلته وأحكامُه . استحال خَدُّه دُجا ، وزمرد خَدِّهِ سُبَجا ؛ وأخمدت نارُ حُسْنِه بعد الإيقاد ، ولَبس عارضُه ثوبَ الحِدَاد . ذَبُل وَردُ خدِّه ، وتشوَّك زعْفرانُ خطه . فارقنا خَشْفاً ، ووافانا جِلْفاً ، وفارَقنا هلالاً وغَزَالاً ، وعاد وبالاًونكالاً . ما لي أرى الآباط جائِشة ؛ والآنافَ مُعْشِبة ، والعيون منورة ، والأزرار مرعى ، والأظفارَ حمَى ، واللحى لبودا ، والأسنان خُضْراً وَسُوداً ؟ .
من إنشاء بديع الزمان
وكتب إلى بديع الزمان بعضُ من عُزل عن ولاية حسنة يستمدُّ وداده ويستميل فؤاده ؛ فأجابه بما نسخته : وردَتْ رقعَتُك أطالَ الله بقاءَك فأَعَرْتُهَا طرف التعزز ومددت إليها يدَ التقزّز ، وجمعت عليها ذريلَ التحرُّز ، فلم تَنْدَ على كَبدي ، ولم تَحْظَ بناظرِي ويَدِي ، ولقد خطبت من مَودّتي ما لم أجِدْك لها كَفِيّاً ، وطلبت من عِشرتي ما لم أرَك لها رضياً ؛ وقلت : هذا الذي رفع عنَّا أجفان طَرْفه ، وشال بشعرات أنفه ، وتَاه بحُسْنِ قَدِّه ، وزهَا بوَرْد خَدِّه ، ولم يَسْقِنا من نَوْئِه ، ولم نَسِرْ بضوئه ، فالآنَ إذْ نسخ الدهرُ آيةَ حُسْنِه ، وأقام مائل غُصْنِه ، وفَلَلَ غَرْب عُجبِه ، وكفَّ شأْو زهْوه وانتصر لنا منـه بشعرات قد كسفت هِلاله ، وأكسفَتْ بالَه ، ومسخَتْ جمالَه ، وغيّرتْ حاله ، وكدّرَتْ شِرْعتَه ، ونكّرت طَلْعته ، جاء يستقي من جرفنا جَرفاً ، ويغرف من طينتنا غَرْفاً ، فمـهلاً يا أبا الفضل مـهلاً : مجزوء الكامل :
أَرِغبْتَ فينا إذْ عَلاَ . . . ك الشَعْرُ في خَدّ قَحِلْ ؟
وخرجْتَ من حدِّ الظبا . . . ءِ وصِرْتَ في حدّ الإِبِلْ ؟
أنشأت تطلبُ عِشْرَتي . . . عُدْ للعداوةِ يا خجلْ أنسيت أيامك ؛ إذ تكلِّمنا نَزْراً ، وتنظرنا شَزْراً ، وتجالسُ مَنْ حضر ، ونسرق إليك النظر ، ونـهتز لكلامك ، ونـهش لسلامك : الطويل :
فمَن لكَ بالعينِ التي كنتُ مرة . . . إليك بها في سالفِ الدَّهْرِ أَنْظُرُ ؟
أيام كنت تتمايل ، والأعضاء تتزايَل ، وتتغانج ، والأجساثُ تتفَالج ، وتتفلّت ، والأكبادُ تتفتت ، وتخطر وترفل ، والوَجْدُ بنا يَعْلو ويسفل ، وتُدْبر وتُقبل ، فتمنّى وتخيل ، وتصدّ ، وتُعْرِض ، فتضني وتمرض : الطويل :
وتبسم عن ألمي كأنَ منوراً . . . تخلّل حرّ الرمل دعصٌ له ندُّفأَقْصِر الآنَ فإنـه سوقٌ كَسَد ، ومتاعٌ فَسد ، ودولة أعرضت ، وأيام انقضت : مجزوء المتقارب :
وعهد نِفَاق مَضَى . . . وسوق كسادٍ نَزلْ
وخدّ كأَنْ لم يكُنْ . . . وخَطّ كأن لم يَزَلْ
ويوم صار أمس ، وحسرة بقيتْ في النفس ، وثغر غاضَ ماؤُه فلا يرشف ، وريق خدع فلا ينشف ، وتمَايل لا يعجب ، وتئنّ لا يطرب ، ووجه زال بهاؤه ، ومُقْلة لا تجرح ألحاظها ، وشفَة لا تفتن ألفاظها ، فحتّام تُدِلّ ، وإلاَمَ نحتملُ وعَلاَم . وآن أن تذْعِن الآن ، وقد بلغني ما أنت مُتَعَاطيه من تمويه يجوز بعد العِشاء في الغَسَق ، وتشبيه يفتضحُ عند ذوي البصر والصدق ؛ من إفنائك لتلك الشعرات جفّاً وحَصّاً ، وإنْحَائك عليه نقصاً وقصّاً . وسيكفينا الدهرُ مؤونة الإنكار عليك ، بما يزفّ من بنات الشعر وأمـهاته إليك ؛ فأمأ ما استأذنت فيه رَأيي من الاختلاف إلى مجلسي فما أقلَّ إليك نشاطي ؛ وأضيق عنك بساطي ، وأشنع قلقي منك ، وأشدّ استغنائي عن حضورك ، فإن حضرت فأنت داءٌ نَرُوضُ عليه الحلم ، ونتعلّم بـه الصبر ، ونتكلّف فيه الاحتمال ، ونُغْضِي منـه الجَفْنَ على قَذى ، ونَطوِي منـه الصدر على أذى ، ونجعله للقلوب تأنيباً ، وللعيون تاْديباً . وما لك إلا أن تعتاض من الرغبة عنّا رغبةً فينا . ومن ذلك التدلل علينا تذللاً لنا ، ومن ذلك التعالي تَبَصبصا ، ومن ذلك التغالي ترخُصَاً ، وما بال الدهر أعقبك من التزايد تنقصاً ، ومن التسحُّب على الإخوان تقمُّصاً ، ولئن اعتَضْتَ من الذهاب رُجوعاً ، لقد اعتضنا من النزاعُ نُزوعاً ، فانْأَ برَحْلكِ وجانبك ، ملقًى حَبْلك على غارِبك ، لا أُوثِر قُرْبك ، ولا أَنْدَهُ سِرْبك ، والسلام .
ومن إنشاء بديع الزمان في مقامات الإسكندري ، ولعلّ ما فيها من الطول غير مملول . قال : حدثنا عيسى بن هشام قال : كان يبلغُني من مقامات الإسكندري ما يُصغِي له النَفُور ، ويَنتفضُ له العصفور ، ويُرْوَى لي من شِعْرِه ما يَمْتزج بِأَجْزاء الهواء رِقَّة ، ويَغْمُضُ عن أوهام الكَهَنَةِ دِقة ، وأنا أسألُ الله بقاءه ، حتى أرْزَق لقاءَه ، وأتعجب من قعودِ هِمَّته بحالتهِ ، مع حُسْنِ آلتهِ ، وقد ضربَ الدهر شؤونـه أسداداً وهلم جراً . إلى أنِ اتفقَتْ ليحاجةٌ بحِمْصَ ، فشحَذتُ إليها الحِرْصَ ، في صُحْبَة أفرادٍ كنجوم اللَيل ، أَحْلاَس لظهورِ الخيلِ ، فأخذنا الطريق نَنْتهبُ مسافتَه ، ونستأصِلُ شَأْفَته ، ولم نزلْ نَفْرِي أسْنِمَةَ النِّجَادِ بتلك الجِيَادِ ، حتَّى صِرْن كالعِصِيِّ ، ورَجَعْن كالقسِي ، وتَاحَ لنا وادٍ في سفْح جبل ، ذي ألاَءٍ وآثلٍ ، كالعذَارى يُسَرِّحْن الضفائرَ ، وينْشُرْن الغدائر ، فقالتِ الهاجرةُ بنا إليها ، فنزلنا نُغوِّر ونَغُور ، ورَبطْنا الأفراسَ بالأَمْراس ، ومِلْنا مع النُّعاس ، فما راعَنا إلا صهيلُ الخيول ، ونظرت إلى فَرَسي وقد أرْهَفَ أُذنيه ، وطمَحَ بعينيه ، يجُذُّ قُوَى الْحَبل بمشافره ، ويخُدُّ خَدَّ الأرض بحوافره ، ثم اضطربت الخيلُ ، فأرسلت الأَبوال ، وقطَّعَتِ الحبال ، وصار كل منا إلى سلاحه ، فإذا الأسد في فَرْوة الموت ، قد طلع من غابه ، منتفخاً في إهابه ، كاشراً عن أنيابه ، بطَرْف قد ملئ صَلَفاً ، وأنف قد حشي أنفاً ، وصدر لا يبرحه القلب ، ولا يسكنـه الرُعب ، فقلنا : خطْبٌ واللّه ملم ، وحادِث مـهمٌ ، وتبادَرَنا إليه من سَرْعان الرُفقة فتى : الرمل :
أخضر الجِلْدة من بيْت العَرَب . . . يملأُ الدَلْوَ إلى عقد الكَرَبْ بقلبٍ ساقه قدر ، وسيفٍ كله أثرٌ ، فملكتْهُ سورة الأسد ، فخانته أرضُ قدمـه ، حتى سقط ليده وفمـه ، وتجاوز الأسد مَصْرَعه ، إلى مَن كان معه ، ودَعا الحينُ أخاه ، إلى مثل . ما دعاه ، فسار إليه ، وعقل الرُّعب يديه ، فأخذ أرضه وافترس الليثُ صدره ، ولكن شغلتُ بعمامتي فمـه ، حتى حقنتُ دمـه ، وقام الفتى فوَجأَ بطنـه حتى هلك من خوفه ، والأسد بالوجأة في جوفه ، ونـهضنا على أثر الخيل ، فتألفنا منـها ما ثبت ، وتركنا ما أَفلتَ ، وعدنا إلى الرفيق لنجهزَه : الطويل :
فلما حَثَوْنَا التربَ فوقَ رفيقنا . . . جَزعنا ولكن أيُّ ساعة مَجزع
وعدنا إلى الفلاة ، فهبطْنا أرضها ، وسرْنا حتى إذا ضمرت المزاد ، ونفدَ الزادُ ، أو كاد يدركه النفاد ، ولم نملك الذهاب ولا الرجوع ، وخفنا القاتلين الظمأ والجوعَ ، عنَّ لنا فارسٌ فصَمَدْنا صَمْده ، وقصدنا قصده ، ولما بلغنا نزلَ عن حاذ فرسه ينقُشُ الأرضَ بشفتيه ، ويلقي الترابَ بيديه ، وعمدني من بين الجماعة ، فقبل ركابي ، وتحزَم بثيابي ، ونظرتُ فإذا وَجه يبرق برق العارض المتهلّل ، وفرس متى ما ترقُّ العينُ فيه تسهل ،وعارضٌ قد اخضرَ ، وشاربٌ قد طرّا ، وساعدٌ ملآن ، وقضيب رَيان ، ونجار تركيّ ، وزي ملكي ، فقلت : ما جاء بك ؟ لا أبالك فقال : أنا عبد بعض الملوك ، همَّ من قتلي بهم ، فهمت على وجهي إلى حيث تراني ، وشـهدت شواهدُ حاله ، على صدق مقاله ، ثم قال : أنا اليوم عبدُك ، ومالي مالك ، فقلت : بشرى لك وبك ، أدَّاك سيرُك إلى فناءٍ رَحْب ، وعيش رَطْب ، وهنأتني الجماعة ، بحسب الاستطاعة ، وجعل ينظرُ فتقتلنا ألحاظه ، وينطقُ فتفتننا ألفاظه ، والنفس تناجيني فيه بالمحظور ، والشيطان من وراء الغرور ، فقال : يا سادة ، إنَّ في سفح هذا الْجبل عيناً ، وقد ركبتم فلاة عَوْراء ، فخذوا من هنالك الماء ، فلوينا الأعنة ، إلى حيث أشار ، وبلغناه وقد صهرت الهاجرة الأبدان ، وركبت الجنادبُ العيدان ، فقال : ألا تقيلون في هذا الظل الرَحب ، على هذا الماء العذب ؟ فقلنا : أنت وذاك ، فنزل عن فَرَسه ، ونحى منطقته ، وحلَّ قُرْطَقَته ، فما استتر عنّا إلا بغلالةٍ تنمُ ، على بدنِهِ ، فما شكَكْنا أنّه خاصم الوِلدَان ، ففارقَ الجنَان ، وهرَب من رضْوَان ، وعمد إلى السروج فحطَّها ، وإلى الأفراسِ فحشَّهَا ، وإلى الأمكنة ففرشـها ، وقد حارتِ البصائر فيه ، ووقعت الأبصارُ عليه ، ووَتد كلّ منا شبقاً ، وخنث اللفظ ملَقاً . وقلت : يا فتى ، ما أَلطفَك في الخِدْمَة وأحسنَك في الجملة فالويلُ لمن فارَقْتَه ، وطُوبى لمن رافَقْتَه ، فكيفَ نشْكُر الله على النعمةِ بك ؟ فقال : ما ستَرَوْنـه أكْثر ، أتُعْجِبكم خِفِّتي في الخِدْمة ، فكيف لو رأيتمُوني في الرُّفْقة ؟ أُرِيكم من حِذْقي طُرَفاً ، لئزدادُوا بي شَغَفاً ؟ فقلنا : هاتِ ، فعمد إلى قَوْس أحدِنا فأَوْتَرَه ؛ وفوَّق سَهْماً فرماه في السماء ، وأتْبَعه بآخر فشقه في الهواء ، وقال : سأريكم نوعاً آخر ، ثم عمد إلى كنانتي فأخذها ، وإلى فرسي فعلاه ، ورمى أحدنا بسهم أثبته في صدرِه ، وآخر طيّره من ظهره ، فقلت : ويحك ما تصنعُ ؟ قال : اسكت يا لُكَع ، واللّه ليشدنَّ كل منكم يَدَ رفيقه ، أو لأغصَّنّه بريقهِ ، فلم نَدْر ما نصنعُ ، وأفراسنا مربوطة ، وسرُوجنا محطوطة ، وأسلِحَتُنا بعيدة ، وهو راكبٌ ونحن رَجَّالة ، والقوسُ في يده يرشقُ بها الظهورَ ، ويمشُق بها البطونَ والصدورَ ، وحين رأينا منـهالجِدَّ ، أخَذْنا القدَّ ، فشدَّ بعضنا بعضاً ، وبقيت وَحْدي لا أجِدُ من يشدُّني ، فقال : اخرُجْ بإهابك ، عن ثيابك ، ثم نزل عن فرسه ، وجعل يصفعُ الواحِدَ منّا بعد الآخر ، ويقول : أقمت قضيبك ، فخذ نصيبك ، ونزع ثيابه ، وصار إليَّ وعليّ خُفّانِ جديدان فقال : اخلعهما لا أُمَّ لك ، فقلت : هذا خفٌّ لبسْتُه رَطباً ، فليس يمكنني خلعه فقال : عليّ نزعه ، ثم دنا لينزعَ الخُفّ ، ومدَدْتُ يَدِي إلى سكّين فيه وهو مشغول ، فأثْبَتُّه في بطنـه ، وأبَنْتُه من مَتْنِه . فما زاد على فَم فَغَرَه ، وأَلْقَمَه حجَره ، وقُمْتُ إلى أصحابي فحَللْتُ أيدِيَهم ، وتوَزَّعْنا سلَب المقتوليْن ، وأدَرَكْنَا الرفيق ، وقد جاد بنفسه ، وصار إلى رَمْسِه ، وصِرْنَا إلى الطريق فوردْنا حِمْص بعد ليال ، فلما انتهينا إلى فُرْضَةٍ من سُوقِها رأينا رجلاً قد قام على رأس ابن وبُنَيّة ، بِجِراب وعُصَيَّة ، وهو يقول : مجزوء الخفيف : رَحِمَ الله مَنْ حَشَا . . . في جِرَابِي مَكارِمَهْ
رَحِمَ الله من رَثَى . . . لسعيد وفَاطِمَهْ
إنّهُ خادِمٌ لَكُمْ . . . وهْيَ لا شكَّ خَادِمَهْ
قال عيسَى بن هشام : فقلت : إنَ هذا الرجل هو الإسكَندري الذي سَمِعْتُ بـه وسأَلْتُ عنـه فإذا هو هو ، فدَلًفْتُ إليه ، فقلت له : أحكمك حكمك ، فقال : درهم ، فقلت : مجزوء الكامل :
لَكَ دِرهمٌ في مِثْلِه . . . مَادامَ يُسْعِدُني النفَسْ
فاحْسِبْ حِسابكَ والتمسْ . . . كيما تنالَ الملتمَسْ
لك دِرهم في اثنين ، وفي ثلاثة ، وفي أَربعة ، في خَمْسة حتى بلغث العشرين ، ثم قلت : كم معك ؟ قال : عشرون رغيفاً ، فأمرْتُ له بها ، وقلت : لا نصرة مع الخِذْلان ، ولا حِيلَة مع الحِرْمَانِ .
وقال أبو فراس الحمداني : البسيط :
سكرتُ منْ لَحْظِه لا مِنْ مُدَامتِه . . . ومالَ بالنوم عن عيني تَمَايُلُهُوما السُّلافُ دَهَتْني بل سَوالِفهُ . . . ولا الشَّمولُ دَهَتْنِي بل شَمائِلُهُ
ألوَى بصبْرِيَ أَصْدَاغٌ لُوِينَ لهُ . . . وغَالَ عَقْلِي بما تَحْوِي غَلاَئِلُه
وقال ابنُ المعتزّ ، وقد تقدَم عنـه في هذه الألفاظ : الوافر :
ويوم فاخِتيّ الدَّجنِ مُرْخٍ . . . عَزَالِيَهُ بهَطْل وانـهمال
أبحْتُ سرورَه وظللت فيهِ . . . برَغْمِ العاذلات رَخِيَّ بَالِ
وساقِ يجعلُ المنديل منـهُ . . . مكان حمائلِ السيفِ الطوالِ
غلالة خَدّه صبغَتْ بوَرْدٍ . . . ونون الصُّدْغ مُعْجَمة بخَالِ
بَدَا والصبحُ تحت الليل بادٍ . . . كطِرْفٍ أبلقٍ مرخي الجِلال
بكأس من زجاج فيه أسْدٌ . . . فرائسهنّ ألبابُ الرجالِ
أقولُ وقد أخذت الكاس منـهُ . . . وَقَتْكَ السوءَ ربَّاتُ الحجالِ
وقد أَحسنَ ما شاء في قوله :
فرائسهن ألْبابُ الرجالِ
وإن كان أصل المعنى لأبي نواس في ذكر تصاوير الكاس .
قال الصولي : مَرَّ أبو نواس بالمدائن فعدل إلى سَاباط ، فقال بعضُ أصحابه : ندخل إيوان كسرى ، فرأينا آثاراً في مكانٍ حَسَنٍ تدلُّ على اجتماع كان لقومٍ قبلنا ، فأقمنا خمسةَ أيام نشربُ هناك ، وسألنا أبا نواس صِفَةَ الحالِ ، فقال : الطويل :
ودارِ نَدامَى عَطَّلُوها وأَدْلجُوا . . . بها أثرٌ منـهمْ جَدِيدٌ ودارِسُ
مَساحِبُ من جَرِّ الرقاق على الثرَى . . . وأَضْغاثُ رَيْحانٍ جَنِيٌّ ويَابِسُ
ولم أرَ منـهم غيرَ ما شـهِدَتْ بهِ . . . بشرقيَّ سَابَاطَ الديارُ البَسَابسحبَسْتُ بها صَحْبي فجمَّعْتُ شَمْلَهم . . . وإني على ، أمثال تلك لحابسُ
أقَمْنَا بها يوماً ويوماً ثالثاً . . . ويومٌ له يوم الترحُّل خَامِسُ
تُدَارُ علينا الراحُ في عَسجديّةٍ . . . حَبَتْها بأنواع التصاويرِ فارسُ
قرارَتُها كِسْرَى وفي جَنَباتها . . . مَهًى تدَّريها بالقِسِيِّ الفوارسُ
فللرَّاحِ ما زُرَّتْ عليه جيوبُها . . . وللماءِ ما دارت عليه القَلانِسُ
وقال علي بن العباس النوبختي : قال لي البحتري : أتدري من أين أخذ الحسن قوله :
ولم أرَ منـهم غير ما شَهِدَتْ بـه ؟
. . . البيتَ . فقلت : لا ، قال : من قول أبي خراش : الطويل :
ولم أَدْرِ مَنْ ألقَى عليه رِداءهُ . . . سوى أنـه قد سُلَّ عن مَاجِدٍ مَحْضِ
فقلت : المعنى مختلف ، فقال : أما ترى حَذْوَ الكلامِ واحداً ، وإن اختلف المعنى ؟ قال الجاحظ : نظَرْنَا في الشعر القديم والمحْدَث فوجَدْنَا المعاني تُقْلَب ويؤخذ بعضُها من بعض ، غير قول عَنترة في الأوائل : الكامل :
وخلا الذبابُ بها يُغَنّي وحْدَه . . . غَرداً كفعْلِ الشارب المترنِّمِ
هَزِجاً يحُكُّ ذرَاعَه بذراعهِ . . . قَدْحَ المُكِبِّ على الزنادِ الأَجْذَمِ
وقول أبي نواس في المحدثين : الطويل :
قرارتُها كِسرى وفي جنَباتها . . . مَهًى تَدَّريها بالقِسيّ الفوارسُ فللِزَاح ما زُرَّتْ عليه جيوبُها . . . وللماء ما دارَتْ عليه القلانسُأخذه أبو العباس الناشئ فقال وولَد معنًى زائداً : الكامل :
ومُدَامَةٍ لا يبتغي مِنْ رَبِّهِ . . . أَحدٌ حَباه بها لَدَيهِ مزِيدا
في كأسها صوَر تُظنّ لحُسْنـها . . . عُرُباً بَرَزنَ من الخيام وغِيدَا
وإذا المزاج أَثارها فتقسَّمت . . . ذهباً ودُرّاً تَوْأَماً وفريدا
فكأنـهن لبسْنَ ذاك مَجَاسِدا . . . وجَعَلْنَ ذا لِنُحُورِهنّ عقُودا
وأبياتُ أبي خراش ، وكان خراش وعروة غَزَوا ثمالة فأسَروهُمَا ، وأخذوهما وهمّوا بقتلهما ، فنـهاهم بنو رزام ، وأَبى بنو هلال إلا قَتْلَهما ، وأقبل رجل من بني رزام فألْقَى على حراش رداءَه ، وشُغِل القومُ بقَتْل عُرْوة ، وقال الرجل لخراش : انْجُهْ ، فنجا إلى أبيه ، فأَخبره الخبر ، ولا تعرفُ العرب رجلاً مدح مَنْ لا يعرفه غيرُهُ : الطويل :
حَمِدْتُ إلهي بعد عُرْوةَ إذ نَجا . . . خِرَاشٌ وبعض الشَرِّ أهونُ من بعضِ
فواللهِ لا أَنْسَى قتيلاً رُزِئْتُهُ . . . بجانب قَوْسَى ما مشيتُ على الأرض
بلى إنـها تَعْفُو الكُلومُ ، وإنما . . . نُوكَّلُ بالأدنى وإنْ جَلَّ ما يَمضِي
ولم أَدْرِ مَنْ ألْقَى عليه رِدَاءهُ . . . سوى أنَّه قد سُلَّ عن ماجِدٍ مَحْضِ
ولم يك مثلوجَ الفؤاد مـهبّجاً . . . أضاع الشبابَ في الرَّبيلةِ والخَفْضِ
ولكنـه قد لوَّحَتْه مَخَامِص . . . على أنـه ذو مِرّة صادِقُ النـهضِ
كأنـهمُ يشَّبّثون بطائر . . . خفيفِ المُشَاسِ عَظْمُهُ غيرُ ذي نَحْضِيُبادِر فَوْتَ الليلِ فهو مُهَابدٌ . . . يَحُث الجناحَ بالتبسّطِ والقَبْضِ
الربيلة : الخَفض والدعة ، والمعابد : المجتهد في العَدْو والطيران .
وقال أبو خراش يرثي أخاه عروة : الطويل :
تقولُ أراه بعد غزوَةَ لاهياً . . . وذلك رُزءٌ لو علمْتِ جليلُ
فلا تحسَبي أني تناسيت عَهْدَهُ . . . ولكنَ صَبْرِي يا أميمَ جَمِيلُ
ألم تَعْلمي أنْ قد تَفَرَّقَ قبْلَنا . . . خليلاَ صفاءٍ مالكٌ وعَقِيلُ
وأنِّي إذا ما الصبحُ أنسِيتُ ضوءَه . . . يعاوِدُني قِطْعٌ عليَّ ثقيلُ
أبى الصبرَ أني لا أزالُ يهيجني . . . مبيتٌ لنا فيما مَضَى ومَقِيلُ
مالك وعقيل اللذان ذكرهما ، نَدِيما جذيمة الأبرش ، وكانا أتياه بابنِ أخته عمرو ، وكان قد استهوَتْه الجِنّ ، فمنّاهما فتمنّيا مُنادمتَه ، وهما اللذان عني متمِّم ابن نُوَيْرَةَ في مرثية أخيه مالك : الطويل :
وكنا كنَدْمَانَيْ جَذِيمةَ حِقْبَةً . . . من الدهرِ حتى قيل لن يَتَصَدَّعا
فلمّا تفرّقْنا كأني ومالكاً . . . لطولِ اجتماع لم نَبِتْ ليلَةً معا
وقول عنترة في وَصْفِ الذباب أَوْحَد فرد ، ويتيم فَذّ ، وقد تعلق ابن الرومي بذيله وزاد معنًى آخر في قوله : الطويل :
إذا رنقتْ شمسُ الأصيلِ ونفَضَتْ . . . على الأفق الغربيّ وَرْساً مُزعْزَعا
ولاحظتِ النُوارَ وهي مريضةٌ . . . قد وضعَتْ خَدّاً على الأرض أضرَعا
كما لاحظت عُوَّادَها عَيْنُ مُدْنَفٍ . . . توجَّع من أوصابِه ما توجعَا
وبين إغضاء الفِرَاق عليهما . . . كأنـهما خِلاَّ صَفاء تودّعا
وقد ضربَتْ في خُضْرَةِ الرَّوضِ صُفْرةٌ . . . من الشمس فاخضرّ اخضِرَاراً مشَعشعا
وظلَّت عيونُ النورِ تخضَلُّ بالندى . . . كما اغرورقَتْ عَيْنُ الشَجِيِّ لتَدْمَعَا
وأذْكى نسيم الرّوْضِ ريعانُ ظلِّه . . . وغَنّى مُغَنَي الطيرِ فيه مُرَجِّعَا
وغَرَّد ربعي الذبابِ خلالَهُ . . . كما حَثْحَتَ النشْوَان صَنْجاً مشرَّعا
فكانت أرانين الذباب هناكمُ . . . على شدَواتِ الطيرِ ضَرْباً موقعاوذكر أبو نواس معنَى قوله في تصاوير الكؤوس في مواضع من شعره فمن ذلك : الطويل :
بَنَيْنَا على كِسْرَى سماءَ مُدَامَةٍ . . . مكلّلةً حافاتُها بنجُومِ
فَلَوْ رُدَّ في كِسْرَى بن ساسانَ رُوحُهُ . . . إذاً لاصطَفاني دونَ كلِّ نَدِيم
وأول هذا الشعر : الطويل :
لِمَنْ دِمَنٌ تَزْدادُ طِيبَ نسيمِ . . . على طولِ ما أقْوَت وحُسن رسُومِ
تجافَى البِلَى عنـهنَّ حتى كأنما . . . لبِسْنَ على الإقْوَاءِ ثوبَ نَعيمِ
وهذا معنًى مليح وإن أخذه من قول أعرابي : المنسرح :
شطّتْ بهمْ عنك نيَّةٌ قُذُفٌ . . . غادرت الشعْبَ غيرَ مُلْتَئِمِ
واستودَعَت سِرَّهَا الديارَ فما . . . تزدادُ طِيباً إلا على القِدَمِ
وهذا ضدّ قول محمد بن وهيب : الكامل :
طَلَلاَنِ طالَ عليهما الأمدُ . . . دَرَسَا فلا عَلَمٌ ولا قَصَدُ
لَبِسَا البِلَى فكأنما وَجَدَا . . . بعد الأحِبَّة مثلَ ما وَجَدُوا
وقال الأخطل : الطويل :
لأسماءَ مُحتَلّ بناظرةِ البِشْرِ . . . قَدِيمٌ ولمَّا يَعْفُهُ سالفُ الدَّهْرِ
يكادُ من العِرْفَان يَضْحك رَسْمُهُ . . . وكم من ليالٍ للديار ومن شَهْرِ
هذا أيضاً كقول أبي صخر الهذلي : الطويل :
للَيْلَى بذاتِ الْجَيْش دارٌ عرَفتُها . . . وأخرى بذاتِ البَيْنِ آياتُها سَطْرُ
كأنـهما مِ الآنَ لم يتغَيّرا . . . وقد مرَّ للدارينِ من بَعْدِنا عَصْرُ
وقد قال مُزَاحم القيلي : الطويل :
تراها على طولِ الْقَوَاء جَدِيدةً . . . وعَهْدُ المغانِي بالحلولِ قدِيمُ أقسام الكتاب1 2 3 4 5 6 7 8




[كتاب : زهر الأداب وثمر الألباب 5 روضه امام حسن ح در خمسه]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Sun, 22 Jul 2018 07:31:00 +0000



جداه باسم

كتاب : خريدة القصر وجريدة العصر

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مودع أرواح المعاني أشباح الألفاظ، جداه باسم ومطلع ذكاء الذكآء من أفلاك الإدراك للقرائح الأيقاظ، ومظهر أسرار الحكم لأحداق الضمائر الناظرة، ومنور أزهار الكلم في حدائق الخواطر الناضرة، وحافظ نظام البلاغة في كل عصر، وحاصر أقسام البراعة في نوعي نظم ونثر، الذي أفاض على الأفاضل حلل الكرامة، وخصهم لخصائصهم بالفخار والفخامة، وأرسل محمداً صلوات الله عليه بالفصاحة المعجزة في البيان، والحكمة الواضحة البرهان، وأنزل عليه الذكر العربي المبين، وجعله لحمل أمانة وحيه القوي الأمين، وأيده بذوي الفضائل الغر، والفواضل الغزر، من آله وصحابته، وعين أهل العلم لوراثته، وأصفى بشرعه مشرع أمته، صلى الله عليه وآله وصحبه وعترته.
أما بعد، فإنني لما رأيت الفضل في عصرنا هذا، وإن ضاع عرفه، قد ضاع عرفه كما أنـه، وإن زان ضعفه، فقد زاد ضعفه، لفساد أمره، وكساد سعره، وهبوط نجمـه، وسقوط رسمـه، وحط حظه، وقلة عناية هله بحفظه، آثرت أن أثر من مآثر أهل العصر ما يخلد آثارهم، ويجدد منارهم، فإنني ألفيت أبكار أفكارهم قد عنست، وآرام شواردهم في خميلة الخمول كنست، وعرائس نفائسهم عند الأكفاء ما عرست، وبعد الوحشة ما أنست، والبواعث قلت بل عدمت، والحوادث جلت بل عظمت، وكنت منذ شمت بارقة الأهب، وركبت في استفادة العلم صهوة الطلب، ذاك وصبا الصبا في ريعان الهبوب لها مسرى ومسير، وشبا الشباب الطري طرير، وأنا أحب أن أجمع محاسن من محاسناهم الدهر المسيء، وأظهر مزاين من غفل عن التحلي بمزاياهم الزمان البذئ، وكنت قد طالعت كتابي يتيمة الدهر، ودمية القصر للثعالبي والباخرزي في محاسن أهل عصريهما الشعراء، وقد بلغا الجهد في إظهار اجتهاد البلغاء، وما وجدت بعد ذلك من عني بذلك كعنايتهما، ولا من حدث نفسه أنـه يبلغ إلى غايتهما، فصنفت هذا الكتاب وألفته، ورقمت هذا الوشي وفوفته، وسميته خريدة القصر وجريدة العصر؛ لأنـها حسناء ذات حلي وحلل، غانية تغبطها على الحسن أقمار الكلل. جداه باسم فهذا الكتاب كالروض الأنف يجمع أنواع الزهر، وكالبحر تضمن على نواصع الدرر؛ وكالدهر يأتي بعجائب العبر، يشتمل على فنون وعيون، وأبكار للمعاني وعون، وأصناف فوائد، وأص فرائد، وضروب ضرب، وضروع أرب، وظروف ظرف، وحروف لطف، فكم فيه من يتيمة لتاج قدره، وكريمة في خدره، وديمة لودقه، وهلال لأفقه؛ ويتضمن من شريف الكلام وحره، ودريه ودره، ولطيف القول وبديعه، وغريبه وصنيعه، ما إذا اجتليت أنواره، واجتنيت أثماره، ونظرت إلى استقامة سمته، وسلامة نحته، وجدته محمي الحريم بالصون، مفري الأديم علي الحسن، منيع الجناب للعاكف، حلو الجني للقاطف، لا يطلب إذناً على أذن، ولا يلتمس رهناً من ذهن، ولا يحتجب عنـه قلب، ولا يحتجر معه لب، بل يعانق القلوب بقبوله معانقة، ويعالق الأرواح براحة معالقة.
وقد ذكرت أهل عصري، وأهل عصر آبائي وأعمامي، فالكتاب مشتمل على العصرين: جداه باسم السالف الماضي، والحاضر النامي. جداه باسم وأكثر ما أوردته شعر من أروي عن واحد، عنـه، إن لم يكن أدركته وسمعته منـه، ولم أقتصر على المنتقى المنتقد، والمثنخل المنتخب، بل ذكرت لكل شاعر ما وقع إلي من شعره، وأثبته: إما لمعنى غريب، أو لفظ مستحسن، أو أسلوب رائق، أو حديث بحال من الأحوال لائق، وطلبت الاستكثار من الفوائد، وضممت الشذور إلى الفرائد.
والذي بعثني أولاً على جمع هذا الكتاب أنني وجدت المعاصرين لعمي الصدر الشـهيد عزيز الدين أبي نصر أحمد بن حامد من الشعراء ما فيهم إلا من أم قصده، وطلب ووفد عليه بمدحه، واسترفده من منحه، وفاز عنده بنجحه، وأدرك في ليل الأمل من الفوز ضوء صبحه، وحمل إليه بضائع فضله فحصل من إفضاله بربحه، وكلهم ممتدحه، ومستميحه ومستمنحه، فأحببت أن أحيي ذكرهم، وأقابل بمجازاة شكري شكرهم. وكانت المدائح المجموعة في عمي العزيز مجلدات، غير أن العدو لما نكبه، نـهبها، وذهب بها وأذهبها، لكنـه لم يسلب الأصل والمحتد، ولم ينـهب المجد والسؤدد. وقد كتبت منـها بعض ما حصلته، ومـهدت بـه ذكره على قاعدة الخلود وأثلته.
وقد قسمت هذا الكتاب أقساماً. القسم الأول فضلاء بغداد وما يجري معها من البلاد خلفاء وأمراء بني العباس الإمام المستضيء بالله أمير المؤمنين

وابتدأت القسم الأول من العراق مزكي عرقي، ومنشأ حقي، وموطن أهلي، ومجمع شملي. وهو الإقليم الأوسط، والأقنوم الأحوط، وأهله الراسخون علوماً، الباذخون حلوماً. وقدمت مدينة السلام؛ لأنـها حوزة الإسلام، وبيضة مملكة الإمام، وتبركت بذكر من أدركته من الخلفاء، ومن أدركه منـهم والدي وأعمامي، الذين يشتمل هذا الكتاب على محاسن أيامـهم، ومزاين أجوادهم وكرامـهم، وذكرت من شعر كل واحد منـهم ما سمعته، تفضيلاً لكتابي هذا على الكتب المصنفة في فنـها، ليربي بحسنـه على حسنـها، فهو - بإشراق أضواء ذكر الإمام المستضيئ بأمر الله أمير المؤمنين أبي محمد الحسن ابن الإمام المستنجد - مضيء المطالع مشرقها، صافي الشرائع مغدقها.
والإمام المستضيئ واحد العصر نبلاً، وثاني البحر فضلاً، وثالث العمرين عدلاً، بل ثالث القمرين أنواراً، وثاني القدر أثراً وإيثاراً، وواحد الزمان قدراً ومقداراً. وهو الثالث والثلاثون من خلفاء بني العباس، ذو الفضل والإفضال والنائل والسطوة والباس، ترجى موهبته، وتخشى هيبته، وتدعى هبته، وينادي نداه فيجبر ويجيب، ويجتدي جداه فيصوب ويصيب. أما السماح فهو بدر سمائه الزاهر، وأما الكرم فهو بحر عطائه الزاخر، وأما الفضل فهو جامع شتاته، ورافع راياته، وواضع شرعه، وشارع وضعه، ومشرق آفاقه، ومنفق أسواقه، قس الفصاحة، وقيس الحصافة، وصديق السماحة، وفاروق الحماسة، وعثمان الحلم، وعلي العلم. حلل الأيام معلمة منـه بطراز العدل، وحلل الأنام مكرمة بإعزاز الفضل. وفي عصره المذهب تسنت الفتوح الأبكار، وجرت على الإيثار الآثار، واستخلصت مصر من الأدعياء، واليمن من الأعداء، وملك بنو أيوب، ومكن الله ليوسفهم في الأرض، وعادت مصر آهلة بالمقيمين وظائف السنة والفرض.
ولما بويع له بالخلافة في تاسع ربيع الآخر سنة ست وستين وخمس مئة، كنت بالموصل، فعملت هذه الأبيات المـهموزة، ونفذتها إليه على يد الفقيه شرف الدين بن أبي عصرون، فعاد إلي بخلع منـه سنية، ودنانير أميرية، وصيرها الإمام رسماً في كل سنة، والأبيات هي:
قد أضاء الزمان بالمستضيئ ... وارث البُرْد وابن عم النّبيء
جاءَ بالحقّ والشريعة والعد ... لِ فيا مرحباً بهذا المجيء
رَتَع العالمون من عدله الشا ... مل في المرتع الهنيء المريء
ورعوا منـه في مَرادٍ خصيبٍ ... لا وخيم ولا وبيل وبيء
رقدوا بعد طول خوف مقضّ ... في ذَرا الأمن والمـهاد الوطيء
فهنيئاً لأهل بغدادَ فازوا ... بعد بؤسٍ بكلّ عيش هنيء
سأوافي فِناءَهُ عن قريب ... مسرعاً كي أفوز غيرَ بطيء
وأحلّي عيشي بجدّ جديد ... وأهنّي فضلي بحظّ طريء
وتُريني الأيام نقداً من الآ ... مال ما كان قبله في النسيء
وأمانيّ سوف يظهر منـها ... عند قصدي ذَراه كلُّ خبيء
عاد حظّي من النحوس بريئاً ... وغدا السعد منـه غير بريء
ولقيتُ الدّهرَ العبوسَ وقد عا ... دَ بوجهٍ طَلْقٍ إليِّ وَضيء
ومُضيء إن كان في الزمن المُظلم فالعَود في الزمان المُضيء
ثم مدحته بعد ذلك بقصائد.
ولما خُطِب له بمصرَ سنة سبع وستين في أيام الوزير عضد الدين، كتبت إليه قصيدة، أولها:
قد خطبنا للمستضيئ بمصرٍ ... وارثِ المصطفى إمام العَصْرِ
وخذَلنا لنصره العَضُدَ العا ... ضِدَ والقاصر الذي بالقَصْر
قصدت بالعضد العاضد المجانسة، ونصرة وزير الخليفة كنصرته.
وأشعنا بها شِعار بني الع ... باس فاستبشرتْ وجوهُ النصر
ووضَعْنا للمستضيئ بأمر ال ... له عن أوليائه كُلَّ إصْرِ
ومنـها:
وجرى من نَداه دِجْلَةُ بغدا ... دَ بشطر ونيلُ مصر بشطرِ
وقد اهتز للهدى كلُّ عِطفٍ ... مثلما افترَّ بالمنى كلّ ثَغْرِ
فبَجدْواهُ زائلٌ كلّ فَقرٍ ... وبنُعماه آهِلٌ كلِّ قَفْرِ
ونداهُ الهدى أزال من الأس ... ماع في كلّ خطّةٍ كلّ وَقْرِ

نشكرُ اللهَ إذْ أتمّ لنا النص ... رَ ونرجو مَزيدَ أهلِ الشكر
ونشرنا أعلاَمنا السودَ فهراً ... للعدى الزرق بالمنايا الحمر
خلفاء الهدى سَراة بني الع ... باس والطيّبونَ أهل الطهرِ
كشموس الضحى كمثل بدور ال ... تمِّ كالسحب كالنجوم الزهر
وتمام الحبور ما تمّ من خط ... بة خير الخلائف ابن الحَبْرِ
مَهْبطُ الوحي بيته منزل الذكْ ... ر بشَفْعٍ من المثاني ووِتْر
ومنـها:
ليس مُثري الرجال مَنْ ملكَ الما ... ل ولكنّما أخو اللبّ مُثْر
ولهذا لم ينتفع صاحب القص ... ر وقد شارف الدُّثُورَ بدَثرِ
ومنـها في مدح
لسوي نظم مدحه أهجر النظْ ... مِّ فما مَدحُ غيره غير هُجْر
وأرتنا له قلائدَ من مس ... نٍ وبِرّ ليست بجِيدٍ ونَحْر
وبإِنعامـه تَزايد شكري ... وبتشريفه تَضاعف فخري
كم ثَراءٍ وقوةٍ وانشراحٍ ... منـه في راحتي وقلبي وصدري
وعليِّ النُذُورُ في مثل ذا اليو ... مِ وهذا يوم الوفاء بنَذْري
واستهلّت بوارق الأنعم الغرِّ ... بـه في حَيا الأيادي الغُزْر
نَعشَ الحقَّ بعدَ طول عثارٍ ... جَبرَ الحقّ بعدَ وَهْنٍ وكسر
دام نصرُ الهدى بملك بني الع ... بَّاس حتى يكونَ يوم الحشر
وهذه قصيدة طويلة جداً، ولكنني اقتصرت منـها على هذا القدر.
ومن قصائدي في مدحه:
هل عائدٌ زمنُ الوصالِ المنْقَضِي ... أم عائدٌ لي في الصبابة ممرضي
لا أشتكي إلاّ الغرام فإِنّهُ ... بَلوى عليِّ من السماء بها قُضي
يا لاح حالي في الهَوى مشـهورةٌ ... حاوَلتَ تسليَتي وأنت مُحرّضي
خَفِّضْ عَليكَ فما الملامُ بناجعٍ ... فيمن يقولُ لكلِّ لاحٍ خَفّض
كان التعرُّضُ لي بِنصحك نافعي ... لو كان يمكن للسُّلوّ تَعرُّضي
عَرَّضت وجدي للسلوّ ومُتْعِبٌ ... كتمانُ سرٍّ للوُشاةِ مُعرِّض
أَنفقتُ ذُخر الصبر من كلفي فهل ... من واهبٍ للصبر أو مِن مُقرِض
أيبلُّ مُضنىً قلبُه مُتَهدِّفٌ ... لسهام رامٍ للّواحظِ مُنْبِضِ
شَغَفي بأغيَدَ مُقْبلٍ بوداده ... لمحبّه ويَصدّ صَدِّ المعرِض
شكوايَ من دَلٍّ يزيدُ مُحبّبٍ ... وضَنايَ من صدٍّ يدوم مُبغِّض
يا حبّذا ماءُ العُذَيْبِ وحبّذا ... بنِطافه الغُزرِ العِذاب تمضمضي
لَهفي على زمن الشباب فإنِّني ... بسوي التأسّف عنـه لم أتعوض
نُقِضَتْ عُهودُ الغانياتِ وإنـها ... لولا انقضاءُ شبيبتي لم تَنقض
كان الصِبا أضفى الثياب وإنما ... ذهبت نضارة عيشتي لمّا نُضي
يا حسنَ أَيام الصِّبا وكأنـها ... أيامُ مولانا الإِمام المستَضِي
وهذه القصيدة أيضاً طويلة.

الإمام المستنجد بالله أمير المؤمنين

المستنجد بالله أبو المظفر يوسف أمير المؤمنين ابن الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله أمير المؤمنين أبي العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين عبد الله بن الذخيرة محمد بن أمير المؤمنين القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله أمير المؤمنين أحمد بن ولي العهد إسحاق بن أمير المؤمنين المقتدر بالله أبي الفضل جعفر ابن أمير المؤمنين المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق بالله أبي أحمد طلحة بن أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن أمير المؤمنين المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن أمير المؤمنين الرشيد أبي جعفر هارون بن أمير المؤمنين المـهدي أبي عبد الله محمد بن أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنـه وعن آبائه، الذي نطقت بشرفه السور، وأرخت بفضيلته السير، ووضحت حجول أيامـه والغرر، وتسنى في زمانـه للإسلام الظفر.
أما شرفه، فهو أوضح من ذكاء. وأما مناقبه، فهي بعدد أنجم السماء.
بويع له بالخلافة يوم الأحد، ثاني ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وخمس مئة يوم وفاة المقتفي، وتوفي تاسع شـهر ربيع الآخر سنة ست وستين وخمس مئة.
وكان يحب الفضل وذويه، ويستخدمـهم، ويقربهم.
وله شعر حسن، فمنم ذلك ما ذكره الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة في كتاب صنفه له يشرح أبياته، ويقول: وإنما غرض كتابنا هذا شرح أبيات سمح بها خاطره ارتجالاً، وأنا قائم بين يديه، في شخص لا أعلمـه في الحقيقة إلا هو.
سَهْلُ التَّعَطُفِ في الصواب دِرايةً ... بمآله متوقّفٌ في ضدّهِ
مُتأيِّدٌ في رَأْيه لسداده ... طلاّع أنجده بواري زنده
والسيفُ يَفْري الهامَ من إفْرِندِه ... لا ما يُقال مَضاؤه في حَدّه
وكذا اللّبيبُ يرى الصواب برأيه ... لا يَستريب بقربه أو بُعدِه
وإذا الشجاعة يُسِّرَتْ لمُسدِّدٍِ ... حاز النُّهى منم حزمـه وبجدِّه
وله:
وباخِلٍ أشعل في بيته ... طرمذةً منـه لنا شَمْعَهْ
فما جرت من عينـها دمعة ... حتى جرت من عينـه دَمعَهْ
ولأمير المؤمنين المستنجد بالله:
حالٍ وحالي خالُه ... شَجِيَ الصبُّ بـه والخال خال
ومنـها:
بان لما بان فيه يَقَقٌ ... ونُصولُ الشيب فلّ في النِّصال
ونظم شرف الدين مظفر بن الوزير ابن هُبيرة على وزنـها قصيدة، منـها:
وبنو الأشراف من تحملهم ... عزّة السُّؤل على ذل السؤال
وللمُستنجد في عامل له كان يمن بخدمته:
يَمُنُّ ولا يَدري بأني عالمٌ ... بأفعاله، والمنُّ بالمنّ يُوزَنُ
وفي القول تعريضٌ وفيه غباوةٌ ... ولولا تغابيه لقد كان يَفطِنُ
وهذه الأشعار أكتبها لشرف قائلها، وقد قيل:
وخيرُ الشعر أشرفه رجالاً ... وشرُّ الشعر ما قال العبيدُ
على أنـها قد أعجزت الشعراء، وأعجبت البلغاء الفصحاء.
ويُنسب إلى الإمام المستنجد شعر:
وقد تُنظر الأشياء بالسمع إن جرت ... موانع صدَّتْ عن تأمُّلِ ناظِر
وله رضي الله عنـه في وصف سمعة:
وصفرآء مثلي في القياس ودمعُها ... سِجامٌ على الخدّين مثل دموعي
تذوبُ كما في الحبِّ ذبتُ صبابة ... وتحوي حشاها ما حَوته ضلوعي
وقد تبركنا بذكر الخلفاء الراشدين، الذين أدركتهم وأدركهم والدي وجدي، وأولهم:

القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله توفي رضي الله عنـه في ليلة الخميس ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربع مئة. وكان بويع له بالخلافة يوم موت أبيه القادر، يوم الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة. وكانت مدة خلافته أربعاً وأربعين سنة وثمانية أشـهر وخمسة وعشرين يوماً.
وكان ولياً من الأولياء، ولو جاز بعث نبي لكان من الأنبياء، وهو أزهد الخلفاء.
وله شعر، وقد ذكرته - وإن سبق عصره - تيمناً بذكره، وأورده السمعاني. فمن ذلك قوله:

القلبُ من خَمرِ التَّصابي منتشٍ ... مَن ذا عَذيري من مُعْطشِ
والنفسُ من بَرْحِ الهوى مقتولةٌ ... ولكَمْ قتيلٍ في الهوى لم ينعش
جُمعت عليِّ من الغرام عجائبٌ ... خلفن قلبي في إسار موحش
خل يصد وعاذل متنصح ... ومعاند يؤذي ونمام يشي
وقوله سنة الغرق وهي سنة ست وستين وأربع مئة.
يا أكرم الأكرمين العفو عن غرق ... في السيئات له وِردٌ وإصدارُ
هانت عليه معاصيه التي عَظُمَت ... علماً بأنَّك للعاصين غفّار
فامنُنْ عليّ وسامحني وخذ بيدي ... يا مَن له العفو والجنّات والنار
وقوله رضي الله عنـه:
سقى ليلنا بأعالي الرُّبا ... من المزن هطّالةٌ تنسجم
سَهرنا على سنّة العاشقين ... وقلنا لما يكره الله نَم
وما خيفتي من ظهور الوَرى ... إذا كان ربُّ الورى قد علِم
وقوله، وما أحسن التشبيه الذي اخترعه!:
قالوا الرحيل فأنشبتْ أظفارها ... في خدِّها وقد اعتَلقْنَ خضابا
واخضرَّ تحت بنانـها فكأَنَّها ... غَرَستْ بأرض بنفسج عُنَّابا

المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين بن الذخيرة أبي العباس محمد بن القائم بويع له بالخلافة نـهار ليلة وفاة القائم جده، بين الظهر والعصر، وله تسع عشرة سنة. وظهرت في أيامـه خيرات كثيرة، ومبرات وافرة، وآثار حسنة في البلدان القاصية والدانية، وكما ذكر عن المتوكل وأيامـه إنـها كانت أحسن من الخصب بعد الجدب، والسلم بعد الحرب، والأمن بعد الرعب.
توفي يوم السبت رابع عشر المحرم سنة سبع وثمانين وأربع مئة. ومدة خلافته تسع عشرة سنة وخمسة أشـهر وثلاثة أيام. والدي، رحمـه الله ولد في زمانـه.
ومن شعره، الذي أورده السمعاني، قوله:
أردت صفاء العيش معْ من أُحِبُّهُ ... فحاولني عمّا أريد مَريد
وما اخترت بتّ الشمل بعد اجتماعه ... ولكنّه مما يريد أُريد
وقوله:
أما والذي لو شاء غيَّر ما بنا ... فأهوى بقوم في الثرّيا إلى الثرى
وبدّلنا من ظلمة الجور بعد ما ... دجا ليلها صُبحاً من العدلِ مسفرا
لئن نظرت عيني إلى وجه غيره ... فلا صافحت أجفانـها لذَّة الكرى
وإن تسعَ رجلي نحو غيرك أو سَعتْ ... فلا أمِنَتْ من أن تَزِلَّ وتعثرا
فواللهِ إنِّي ذلك المخلص الذي ... عزيزٌ علي الأيّام أن يتغيرا
الإمام المُستظهر بالله
أبو العباس أحمد أمير المؤمنين بن المقتدي بأمر الله. وكانت علامته: القاهر الله.
بويع له بالخلافة يوم الثلاثاء ثامن عشر المحرم من سنة سبع وثمانين وأربع مئة. فإن المقتدي توفي يوم السبت، ولم تظهر وفاته إلى يوم الثلاثاء، وصلي عليه في هذا اليوم. وسن المستظهر يوم بيعته ست عشرة سنة وشـهران وتسعة وعشرون يوماً، لأن مولده كان يوم السبت العشرين من شوال سنة سبعين وأربعة مئة.
وكانت أيامـه مواسم للتهاني، ومباسم مفترة عن ثنايا الأماني، وزمانـه مذهباً، وإحسانـه للبس مذهباً، وشأنـهُ مـهذباً، وهو أوضح وأشرح صدراً ومذهباً. وكان عصره عصر العدل والجود، وإشراق السعود وإخفاق الحسود، وأسواق الفضلاء نافقة، وحظوظ الكرام لهم موافقة، إلى أن قبضه الله حميد الأثر، كريم الورد والصدر، وجميل السير، يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شـهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمس مئة. وكانت مدة خلافته خمساً وعشرين سنة وثلاثة أشـهر وخمسة أيام.
ومن شعره الذي أورده السمعاني، قوله رضي الله عنـه:
أذاب حرُّ الجوى في القلب ما جمدا ... يوماً مددتُ على رسم الوَداع يدا
فكيف أسلكُ نَهجَ الاصطبار وقد ... أَرى طرائقَ في مَهوى الهوى قِدَدا
قد أخلفَ الوعدَ بدرٌ قد شُغِفتُ بـه ... من بَعد ما قد وفى دهري بما وَعدا
إن كنت أنقضُ عهد الحبِّ في خَلَّدي ... من بعد هذا فلا عاينتُه أبدا
وله مثال إلى زين الملك أبي سعد هندو بن محمد نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم لكَ يا زين الملك من شريف الارتقاء ما يزلفك إلى الحسنى، في العاقبة والأولى، وما أبديته من خبايا الإخلاص فهو يقتضي عطايا الاختصاص، والسكون إلى ولائك مستدام، يبقى على مرور الأيام، والثقة بطاعتك مشتهرة عند الخاص والعام. ومع هذه الأسباب والأواخي، فما نقنع منك بالإغفال والتراخي، والله يعلم أن الشفقة على السيرة الغياثية أمرٌ قد ظهر حكمـه وتم، وقد قيل: نسبه لها عمراً ثُمّ نَمْ. وفي هذه الإشارة مقنع، مع خلوص عقيدتك يا زين الملك وأنت أجدر بالمذاكرة بما يجمع بين الأجر والثواب، وجميل الذكر المستطاب، والله عنده حسن الثواب.

الإمام المسترشد بالله أبو منصور الفضل أمير المؤمنين بن المستظهر.
ومولدي في عصره. بويع له بالخلافة يوم وفاة والده، واستشـهد بالمراغة في سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمس مئة، فتكت بـه الملاحدة، خذلهم الله، فكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وسبعة أشـهر. وثلاثة وعشرين يوماً. وعلامته: الناصر الله.
ومن شعره ما أنشدت له، وهو قوله:
أنا الأشقر الموعود بي في الملاحم ... ومَن يملك الدنيا بغير مُزاحِم
ستبلغ أرض الروم خيلي وتُنْتضي ... بأقصى بلاد الصين بيضُ صواري
وقوله:
ودونَ بغدادَ وما حَوْلَها ... خليفةٌ أشجعٌ من عَنْترِ
وأورد السمعاني في المذيل قوله:
أقول لشَرْخ الشباب اصطبرْ ... فولِّي وردَّ قضاء الوطَرْ
فقلتُ قنعتُ بهذا المشيب وإن زال غيمٌ فهذا مَطَرْ
فقال المشيبُ أيبقى القُتار ... على جَمرَةٍ ذاب منـها الحَجَرْ
وقوله:
قضيتُمْ حقوق الوُدِّ ثم نأيتُمُ ... فقلت: أراني الله يُمْنَ جِوارِكمْ
ولي ساعدٌ يَمري ضُروع سعودكم ... وزيّنـهاريّ بفصٍّ سواركمْ
وكل نسيم هبّ من عرَصاتكم ... يُعطّر أوقاتي بَعرْف صُوارِكم
ذكرتُ بخير في البوادي نَواركم ... وخيَّم في سمعي ملام نَواركم الإمام الراشد بالله أبو جعفر منصور بن المسترشد. تولى الخلافة بعد والده في سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمس مئة. ثم خرج من دار الخلافة متوجهاً إلى الموصل، وخلع؛ وبويع الإمام المقتفي لأمر الله يوم الأحد خامس عشر ذي القعدة سنة ثلاثين، فكانت مدة ولايته سنة.
ثم تنقل إلى ديار بكر وأذربيجان ومازندران، ثم إلى أصفهان، وأقام على بابها مع السلطان داوود بن محمود، والبلد محاصر، وهناك قحط عظيم، وضر عميم.
أذكر، ونحن أطفال، وقد خرجنا من البلد وأقمنا بالربط المبنية عند المصلى بالقرب من زندَ ورد، والمعسكر قريب منا، فسمعنا أصواتاً هائلة وقت القائلة من نـهار يوم الثلاثاء سادس عشرين شـهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، فقيل لنا: إن الخليفة قد فتكت بـه الملاحدة - خذلهم الله - وخرج أهل أصفهان حافين حاسرين، وشيعوا جنازته إلى مدينة جي، ودفنوه رضي الله عنـه بالجامع.
وكان له الحسن اليوسفي، والكرم الحاتمي بل الهاشمي.
وقد أورد السمعاني في تأريخه هذه الأبيات منسوبة إليه:
زمانٌ قد استنَّتْ فِصال صُروفه ... وذلّل آساد الكرام مع القَرعى
أكولته تشكو صُروفَ زمانـها ... فليس لها مأوى وليس لها مرعى
فيا قلب لا تأسفْ لعيه فربّما ... ترى القوم في أكناف آفاته صَرعى
وكان قد استدعى والدي صفي الدين رحمـه الله ليوليه الوزارة، فتعلل عليه، وكانت الخيرة فيه. الإمام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد بن المستظهر. قد ذكرنا يوم بيعته. ونشأت أنا في ظل عارفته، وخصصت بتشريفه وكرامته، وتشرفت بخدمته، وغرفت من بحر نعمته.
ولقد كان عارفاً بأقدار الرجال، محباً لأهل المروءة والتجمل والجمال، فائض السجال، سابغ الظلال لبني الآمال.
توفي يوم الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين، فكانت مدة خلافته رضوان الله عليه أربعاً وعشرين سنة وثلاثة أشـهر وستة عشر يوماً، وكانت مدة عمره خمساً وستين سنة وأحد عشر شـهراً وثمانية أيام، لأن مولده كان في الثاني والعشرين من شـهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربع مئة.

وكان ذا علم وافر، وفضل باهر، وعدل شامل، وإحسان كامل. وهو الذي أقام حرمة دار الخلافة، وأعاد رونقها، وحفظ رمقها، وقطع طمع الأعاجم عنـها، وحكم بأسهم منـها.
وله مكاتبات حسنة، وتوقيعات مستطرفة.
وذكرت ولده المستنجد بالله أولاً، لأنـه أقرب عصراً، وأسير شعراً.

الأمير أبو الحسن علي بن المستظهر بالله توفي في أيام أخيه المسترشد بالله. ومما كتب بـه إلى أخيه حين خرج من الدار العزيزة، واتصل بملك العرب دبيس بن صدقة، فلم يرع ذمام قصده، وسلمـه إلى أخيه:
فأشمتَّ أعدائي وأوّهنْتَ جانبي ... وهِضْتَ جناحاً رَيِّشَتْه يدُ الفخر
وما أنت عندي بالملوم ولا الذي ... له الذنب هذا قَدْر حظّي من الدّهر
وله:
قد جدّدَ الدهر في الوَرى مِحَنا ... وأودع الدهر في الحشا حَزَنا
لو كان شخص يموتُ من أسفِ ... على حبيب نأى لكنتُ أنا
وكان وصولي إلى بغداد في الأيام المُقْتَفوِيِّة، وفي ظِلّها المنشأ، وفي فضلها المربي، وفي جوارها حصل الأمن، ووصل المنّ؛ وبخدمتها عُرِفتُ، وبنعمتها تَعرْفتُ، وفي جَنابها حَلا الجنى، وعَلا السنا.
وأَول مَنْ مدحته من الخلفاء المُقتفي رضي الله عنـه. خَدَمْتُه في سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، بقصيدة عقيب انكشاف كربة الحصار برحيل محمد شاه عن بغداد، أولها:
أَضحتْ ثغور النصر تبسم بالظَفَرْ ... وغدت خيول النصر واضحة الغُرَرْ
ومنـها:
يا ابن السَّراةِ ذوي العُلى من هاشم ... والأكرمينَ أُولي المناقب من مُضَرْ
متقلّدي الذكر المنزّل فيهمُ ... إن نازلوا بَدلاً عن العَضْب الذَّكر
أنت ابن عمِّ المصطفى وسميُّه ... إبشر فإِنّك بعده خير البشر
من راحتيك المُزن في المَحْل احتدي ... وإلى سناك البدرُ في الليل افتقرْ
أدنى وليِّ في رضاك مُعَظّمٌ ... وأَجَلُّ ذي مُلْكٍ بسخطك مُحتقَرْ
أضحى حمى الباغي رضاك ممنّعاً ... بين الورى وغدا دم الباغي هَدَرْ
لو كنتَ في زمن النبيِّ لأُنزِلَتْ ... في هذه السِّيرِ التي لَكم سُوَرْ
بكم الورى في نعمة لا تَنقضي ... لا تنقضي والله نعمةُ من شَكَرْ
في أنفس بكم تُقَرُّ وألسن ... بكم تُقِرُّ وأعينٍ بكم تَقَرّْ
عصيكمُ لم يقضِ إلا نحبه ... من دهره ومطيعكم إلا الوَطَرْ
ومنـها أصف ركوبه:
لما شفعتَ العزمَ وهو مؤيَّدٌ ... بالحزم أسفر بالمُنى منك السَّفرْ
وبرزتَ مثلَ الشمسِ تُشرق للورى ... وسَناك يحجُبُ عنك ناظِر مَنْ نظرْ
فِي شيبةٍ مفطورة للهِ من ... أنواره سبحانـه فيما فَطَرْ
بيضاء يستسقى بها صوبُ الحيا ... وبأصلها إذ أجدبوا استسقى عمر
وكأنما تلك المِظلَّةُ هالةٌ ... وجه الإمام بضيئ فيها كالقمرْ
ومنـها في صفة الجيش:
للهِ جيشٌ للخليفة قاده ... ربُّ الخليفة بالميامن والظّفَرْ
مَجْرٌ إذا جَرَّ القنا لا يرتضي ... وجه المَجرَّة أن يكون لها مَجَر
أَشجار خَطٍّ إن تشاجرت العِدى ... أضحت لها هاماتُ مُخْيطهم ثَمرْ
فوق الجياد الجُرْدِ ما وردت وغىً ... إلا وخيل عدوّها عنـها صَدَرْ
يتركن في الظمأ الزُّلال بصفوه ... ويَرِدنَ في الروع الدماء على كَدَرْ
فالأرض وهي فسيحة ضاقت بـه ... وعلى العدى منـه فما وجدوا مَقَرْ
قد أوقدوا ناراً هم احترقوا بها ... وشِرارهم متطاير بهم الشَّرَرْ
لما أبوا ما فيه خيرهُمُ أتوا ... ما فيهم بَشَرٌ نجا إلا بِشَرْ
ومنـها:
هذي أمير المؤمنين قصيدةٌ ... غَرّاهُ تَقْصِدُ قُبَّة الملك الأَغَرْ

حسناءُ يَهديها وليّ مُخلصٌ ... لكم الولاءَ فأوْلها حسن النَّظرْ
صُوَرٌ تقوم بها معانٍ منكمُ ... إنّ المعانيّ زائناتٌ للصُّوَرْ
دَقّت لمعنى السحر إلا أنـها ... راقت ورقّت مثل أنفاس السحَرْ
لما رأيتُ مَنار بيتك كعبةً ... وافيت فيمن حَجّ بيتك واعتمرْ
وهجرتُ أوطاني إليه، ومَن رأى ... شرفاً له في أنْ يفارقها هَجَرْ
ونأيتُ عن قومي ليرفع دونـهم ... قدري اصطناعُك لي فجئت على قَدَرْ
والقصيدة طويلة، ولقصدها فضيلة، وكانت لي بها إلى إفضاله وسيلة.
ووَليتُ بعد ذلك الأعمال الجليلة، ووليتُ بواسطَ نيابة وزيره عون الدين بن هبيرة. فانحدر إليها الخليفة مع الوزير، وأنا هناك في دست التصدير، فخرجت للاستقبال، في أهبة الإعظام والإجلال. ولما نظرت إلى الموكب الشريف، نزلت عن المركب المنيف، وجئت أسعى معفراً خد الضراعة، موفراً جد الطاعة. فلما بصر بي الإمام، أمسك عنانـه فوقف، واستوقف موكبه الشريف وشرف، وقال مثنياً: هذا الذي له القصيدة التي من شأنـها كذا وكذا؟ فقال له المخلص الكيا الإمام. وهو الذي يقول في هذه المظلة الشريفة:
وكأنما تلك المظلّة هالة ... وجه الإمام يضيء فيها كالقمر
فلم يبرح حتى وصى الوزير بي، وعرفه بيتي ومحتدي وحسبي، وذلك في سنة أربع وخمسين.
ومدحته، قبل أن أتولى واسط، بقصيدة أخرى، فيها:
كن عاذري في حبهم، لا عاذِلي ... يا فارغاً عن شُغل قلبي الشاغل
هَبْ أَنْ سمعي للنصيحة قابلٌ ... ما نافعي والقلبُ ليس بقابل
أخفيتُ سِرّ الوَجْدِ خيفةَ عُذّلي ... فتعرّفوا من أدمعي ومَخايلي
لم يقبلوا عذر المحبِّ وقابلوا ... حقّ الهوى من لوْمـهم بالباطل
مالوا إلى وصلي فحين وَصَلْتُهم ... مَلَّوا وليس يُمَلُّ غير الواصل
يا ناشداً يبغي فؤاداً ضائعاً ... يومَ النوى إثْرَ الخليط الزائل
أين الفؤاد أَراحِلٌ في إثرهم ... أم سائلٌ ما بين دمع سائل
وأغنَّ أغنى طَرْفُه في سِحرِه ... ورُضابُه في سكره عن بابل
مَن وجهُهُ حَسنٌ وليس بمحسنٍ ... والقدُّ مُعتدِلٌ وليس بعادل
متلوِّنٌ كمدامِعي متعفِّفٌ ... كضمائري متعذِّرٌ كوسائلي
أنا في الضنى كالخصر منـه أشتكي ... من جائرٍ ما يشتكى من جائل
يا قلبه القاسي تعلّمْ عطفةً ... وتمايلاً من عِطْفِهِ المتمايل
سقياً لوصل الغانيات وشربنا ... كأس الرُّضاب على غناء خلاخل
بنواظرٍ قد حِلتُهُنَّ غوافلاً ... لفتورهنّ وهنَّ غيرُ غوافل
وقُدودُ هنَّ قُدودُ سمرِ رَواعفٍ ... وجُفونُهنَّ جفون بيض مناصل
أيامَ لا عهدُ الوفاء بحائلٍ ... غَدْراً ولا أُمُّ الصَّفاء بحائل
أعقيلَة الحيّ اللّقاحِ ودُونَها ... بيضٌ وسُمْرٌ من ظُبَىً وذوابِل
بَكّرتْ تلوم على لزوم مواطنٍ ... وَضْعُ الرَّفيع بها ورَفعُ الخاملِ
طال التردّد في البلاد فلم أفز ... منـها على رغم العدوّ بطائلِ
أوَما رأيتَ البحر يغرَقُ دره ... ويخلّص الأزباد نحو الساحلِ
مُضَرَّيةٌ عذَلتْ على حبِّ الندى ... من ليس يسمع فيه عذْل العاذلِ
يا هذه لولا السماحة لم يكن ... عدم الكريم على ثراء الباخل
عنفت في حب السماحة مؤثراً ... عُدْمَ الكريم على ثراءِ الباخلِ
أوَ هَل يخاف العُدْمَ مَنْ وجَد الغنى ... من جودِ مولانا الإمام العادلِ
ولقد وردتُ فِناء بحرٍ للندى ... أغنى بـه عن أنـهرٍ وجداولِ
في كفّه للجود خمسة أبحرٍ ... فَيّاضةٍ تُسْمى بخمس أنامِلِ

ممدود ظلِّ العدل ليس بزائلٍ ... معمودُ رُكن المُلك ليس بمائلِ
ومنـها في صفة الجيش:
وَعَرَ مْرَمٍ لَجِبٍ كمنْهالِ النَّقا ... مَجْرٍ ومنـهلِّ السحاب الهامِلِ
ستر الغزالةَ بالعجاجةِ مُطْلِعاً ... زُهر الأسِّنة في سماء قساطلِ
فالشمسُ ما بين العجاج كأَنّها ... بدرٌ تطلّع جُنْح ليلٍ لائلِ
والنقْعُ ينصل بالنصول خِضابُهُ ... فكأنّه لونُ الشباب الناصلِ
والمُقرَباتُ بأنْسُرٍ وقوائم ... تحكي قوادِمَ أنْسُرٍ وأجادِلِ
في مأزِقٍ لا يسمع الواغي بـه ... إلا أنينَ صَوارمٍ وصواهِلِ
والجيش مَن مَلك الجيوشَ برأيه ... في صائب وبجأشِه في صائلِ
هزم العدى قبل اللقاء برعبه ... فغدوا بأُمِّ في الشقاوة هابل
طلبوا الفرار ولم يزل متكفّلاً ... بهزيمة الرِّعْديدِ بأسُ الباسل
ومنـها:
أمُطَ؟وِّقَ الأعناق من إفضاله ... نِعَماً تسامت عن سؤال السائل
ماذا أقول، ولا يقوم بشكر ما ... تُوليه من نُغمى لسانُ القائل
أو هل بلوغ مقاصدي بقصائدي ... أم هل قَبول وسائلي برسائلي
أم قد كفى سبباً إلى درك المُنى ... صدقُ الوَلاء وحُسنُ ظنِّ الآمل
الفخر كلُّ الفخر لِي نظمي لكم ... مِدَحاً تَزِين مشاهدي ومحافِلي
لكنْ يقول الحاسدون لِمَ انثنى ... غِرِّيدُ مدحِهمُ بجيدٍ عاطل
وإذا حَظِيتُ من الإِمام برتبة ... فيها الفخار على جميع الناس لي
لا زلت غيثَ مواهبٍ وبقيت غَوْ ... ث ممالكٍ وسلمت كَهفَ أَرامل
ثم مدحت الإمام المستنجد بالله بعد انتقال الخلافة إليه بقصائد مدّة مقامي بالعراق. فمن ذلك قصيدة ضادية أوردها الراوية بالمركب الشريف في الديوان آخر شـهر رمضان سنة سبع وخمسين، ومنـها:
لقد بَسطَ الإِحسانَ والعدل في الأرض ... إمامٌ بحكم الله في خَلْقه يَقضي
أفاد المنايا والمنى فَوليُّه ... غدا للمنى يَقضي وحاسده يقضي
مـهيبٌ يُغَضُّ الطرف دون لقائه ... يَغُضُّ حياءً وهو في الحقِّ لا يُغْضي
أفي يوسُفَ المستنجدِ الله قولُه ... كذلك كنّا ليوسُفَ في الأرض
ألا إنَّ أمراً ليس يُبرَمُ باسمـه ... فإبرامـه يُفضي سريعاً إلى النقض
وختم دوام المُلك فيه فلِلتُّقي ... على مُلكه ختمٌ يجلُّ عن الفَضِّ
لِسَيْبٍ وسيفِ كَفُّهُ حالتي نَدىً ... وبأسٍ فما تخلو من البسط والقبض
صرائمـهُ في الحادثات صورامٌ ... إذا نَبت الآراء عن كشفها تمضي
بحزم لأسرار المقادير مُقتضٍ ... وعزم لأبكار الحوادث مُغْتضِّ
إمامٌ له ما يُسخط الله مسخطٌ ... وما غير ما يرضي الإله له مُرْضِ
لكَ النُّور مَوْصولاً بنور محمد ... أضاءَت بـه الأنساب عن شرفٍ مَحض
وظِلّك في شرق البلاد وغربها ... مَدِيدٌ على طول البسيطة والعَرْض
أنمْتَ عباد الله أَمْناً فلم تدع ... عيون العدى رُعباً تكحْلُ بالغمض
فعهدُ الأعادي قالصُ الظلِّ مُنقَصٍ ... ونجم الموالي طالعٌ غير منقضِّ
لقد فرضتْ منك النوافل شُكرها ... على الناس حتى قابلوا النَّفل بالفرض
وما الفرق بين الرُّشْد والغيِّ في الورى ... سوى حُبِّكم في طاعة الله والبُغض
رفَعتَ منار الدين عَدلاً فأهلُه ... من العزِّ في رفع وبالعيش في خفض
بخيلٍ كمثل العارضِ السَّحِّ كثرةً ... تَضيق صُدور البيدِ عنـها لدى العَرض

مُعوَّدة خوض النَّجيع من العدى ... إذا انتجعته ألسنُ السُّمرِ بالوَخْض
إذا حَفِيت منـها النِّعال تنعَّلت ... بهام عِدى رُضَّتْ بها أيَّما رَضِّ
حوافر خيل ودت الصيد أنـها ... تكحل منـها بالغبار لدى النفض
عوارِضكم نابت عن العارض الرّوِي ... وآراؤكم أغنت عن الجحفل العَرْض
عدوُّك مرفوض بمَجْهَل حَيرة ... لقي كلّ سيل من عقابك مرفضّ
عِقابُك أوهاهُ فأصبح ناكِصاً ... على عَقِبيه ما له مُنّةُ النّكض
لشانئكم قلبٌ من الرعب خافقٌ ... ومن وَهَج الحمّى تُرى سرعة النّبض
وما صدقتْ إلا بوارقُ عدلكم ... أوان بروقِ الظلم صادِقة الومض
ومنـها في الوزير:
ويحيا ليحيي كلُّ حقٍِ قضى وهل ... قضى غيركم ما كان للدين من قَرْض
وزيرٌ بأعباء الممالك ناهضٌ ... إذا عجزت شمّ الرواسي عن النـهض
مشتّتُ شملٍ للُّهى غير مُنفضٍ ... وجامعُ شملٍ للعلى غير منفضّ
ومنـها:
وعزمٌ كحدّ الصارم السيف منتضي ... نَضوتَ بـه ثوب الغبار الذي ينضي
رجوتُ أميرَ المؤمنين رجاء مَن ... إلى كلّ مقصودٍ بـه قصدُه يفضي
وأشكو إليه نائباتٍ نُيوبها ... نَوابتُ في عظمي ثوابِتُ في نَحضي
ومنكرة إنْ عضّني ناب نائب ... أما عرفتْ عمودي صَليبا على العَضّ
تحضّ على نِشدان حَظٍّ فقدته ... إذا الحظُّ لم ينفع فلا نفعَ في الحضّ
يكلّفها حبُّ السلامة أنّها ... تكلّفني حبّ القناعة والغَضّ
لقد صدقتُ إنّ القناعة والتُّقى ... لأصون في الحالين للدين والعِرض
تقول: إلامَ السعيُّ في الرزق راكضاً ... ورزقك محتومٌ وعمرك في رَكض
ولو كانت الأرزاق بالسعي لم يكن ... غِنى الغِرّ معقولاً ولا فاقَة العِضّ
إذا كان هذا البحر جَمّاً نَميره ... ففيمَ اقتناعي عنـه بالوشل البَرْض
كفى شرفاً في عصر يوسف أنّني ... لبست جديد العزّ في الزمن الغضّ
لساني وقلبي في وَلائك والثَّنا ... عليك فها بعضي يغار من البعض
لَسوَّدَني تسويد مدِحك في الورى ... فإِضْت بوجهٍ من ولائك مبيضّ
وما كل شعر مثل شعريَ فيكمُ ... ومَن ذا يقيس البازِل العَوْد بالنِّقض
وما عزَّ حتى هانَ شعر ابن هانئ ... وللسّنّةِ الغرّاء عِزٌّ على الرفْض
وخدمته في رجب سنة تسع وخمسين وخمس مئة بقصيدة طويلة منـها:
رسمٌ عليّ لذلك الرّسم ... أنّي أُقاسِمـه ضنى الجسم
دارٌ على حرب الزمانِ لنا ... جنحت بها سلمى إلى سَلمي
ما للهوى أبداً يلازمني ... فيها فهل كتب الهوى باسمي
يا صاح تعذلني على شعفٍ ... ما زال يعذرني له خصمي
إني رَضعت لِبان حبهمُ ... ويعزّ عنـه وإنْ جَفوا فطمي
كلمٌ فراقهم ولومك لي ... في حبّهمْ كلمٌ على كلم
بَخِلوا عليَّ بوصل طيفهمُ ... ما كان بخل الطيف في زعمي
أنَّى يطيب ويستطيب كرى ... قلبٌ يهيم وناظرٌ يَهمي
أوَ ما سوى هجري عقابهمُ ... أم ليس غير هواهمُ جُرْمي
أمّا الغرام فأدمعي أبداً ... يُعربن عنـه بألسنٍ عجم
والقلب مسكنـهم فكيف رَضُوا ... أن يجعلوه مسكن الهمِّ
والسقم في جسم المحب فلِمْ ... وصفت عيون البيض بالسقم
أُدْمٌ سفكن دمي بأعينـها ... يا للرجال من الدُّمى الأُدْم

بيض الظُّبى تَنْبو وترشقنا ... بيض الظباء بأعينٍ تدمي
ما كنت أعلم قبل رؤيتها ... أنَّ النواظر أسهمٌ تُصمي
أقمار خُمرٍ إن سَفرن لنا ... وإن انتقبن أهلّة اللَّثْم
يضعفن عن حمل الإِزار فلم ... يحملن أوزاراً من الإثم
لظباء كاظمةٍ مقابلتي ... غيظي من الرُّقباء بالكظم
وأغنّ بالكشح الهضيم له ... يا كاشحي أغناك عن هضمي
أحمي بجهدي في الهوى جلدي ... واللحظ منـه يبيح ما أحمي
من منصفي من جور حاجبه ... ولحاظه عن قوسه ترمي
وحلا ومرّ تجنّيَا وجنىً ... يا شـهده لم شيب بالسمِّ
الخمر ريقته وقد عذبت ... ما كلُّ خمر مُزّة الطعم
وإذا شفت شفةٌ عليل صدٍ ... فالظُّلم صدُّكه عن الظِّلم
أقنعت من برق الحمى سحراً ... ونسيمـهِ بالشيم والشم
ورضيت من نُعم وإن مطلت ... بنَعَمْ ونعمى تلك من نعم
وبلغت من عظم الشكاة مَدىً ... فيه المُدى بلغت إلى العظم
فإِلامَ تشكو الظلم من زمنٍ ... يتهضّم الأحرار بالظلم
تأتي نوائبه منبهة ... وتمرُّ كالمرئيّ في الحلم
لا تخفض اسمك وارتفع حذراً ... فعلاً تصرّفه يد الحزم
سم نفسك العلياء واسمُ بها ... في بغية الدنيا عن الوسم
حتى متى تظما إلى ثمدٍ ... أيقنت أنّ وروده يظمي
فدع التيمم بالصعيد ففي ... كنف الإمام شريعة اليم
ملكٌ ليالي النائبات بـه ... تجلى وتخصب أزمن الأزم
ورأى الورى الوجدان من عدم ... في عصره والوُجْدَ من عدم
أوصافه بالوحي نعرفها ... فصفاته جلّت عن الوهم
تسمو بلثم تراب موكبه ... فلقد سمت يده عن اللثم
ما كنت تبصر نقع موكبه ... لولا تواضعه من العظم
النجم منزله ومنزله ... للوحي منزل سورة النجم
من معشرٍ آساس ملكهمُ ... صينت قواعدها عن الهدم
من كلّ سامي الأصل سامقه ... زاكي الخليقة طاهر الجذم
شم المعاطس عزّهم أَبداً ... قمنٌ بذلّ معاطس الشمّ
المنـهبون الوفد وفرهمُ ... والمشترون الشكر بالشكم
قومٌ يرون إذا هم اجتمعوا ... تفريق ما غنموا من الغنم
خفوا إلى فعل الجميل فما ... يستثقلون تحمل الغُرم
حمر النصال جلوا ببيضهمُ ... ظلمات ظلم الأزمن الدهم
وخطابهم في كل داهية ... يقتاد أنف الخطب بالخطم
ومنـها:
إرث النبوَّة بل خلافتها ... في يوسف المستنجد القرم
كالبدر نوراً والهزبر سطاً ... يومَ الهياج وليلة التمّ
لا بالجهام ولا الكهام إذا ... نوب الزمان عرت ولا الجهم
لو للسيوف مضاء عزمته ... ويراعه أمنت من الثّلم
وإذا المنى عقمت فنائله ... شافي العقام وناتج العقم
الدين مرتبط بدولته ... والدهر تابع أمره الحزم
لوليه من فيض نائله ... فيض الوليّ ونائل الوسمي
قسماً نصيب من الوفاء بـه ... أوفى النصيب وأوفر القسم
للحقّ ما يرضيك من عملٍ ... والحكم ما تمضيه من حكم
ومنـها:
أما الطغاة فقد وسَمتهمُ ... ووصَمتهمْ بالذلِّ والرغم
بين الزِّجاج تصدَّعوا شُعَباً ... صدع الزُّجاج لوقعة الصدم
للوقد أنفسهم وسمعُهُمُ ... للوقر والأعناق للوَقم
إغمد حُسامك في رقابهمُ ... فالداء مفتقر إلى الحَسْم
ومنـها:

آزرت ملكك بالوزير فمن ... شَرْوا كما في العزم والحزم
يحيي الذي أضحى بسيرته ... حيَّ المحامد ميت الذمّ
كبرت وجلّت فيك همته ... فله بنصحك أكبر الهمّ
هو حاتميُّ الجود ليس يرى ... إسداء نائله سوى حتم
فليهننا أنّا لملكك في ... زمن يردّ شبيبة الهمّ
وهَناك أنك بين أظهرنا ... خَلَفُ النبيّ ووارث العلم
وكما وزَنتَ عِيار فضلك بال ... إفضال زِنتَ العلمَ بالحلم
بمكارمٍ لك عَرْفُها أبداً ... فينا يَنُمُّ وعُرفها ينمي
ما روضةٌ غناء حاليةٌ ... وَشياً تُحلّيه يَدُ الرَّقم
فعرائس الأغصان قد جُلِيَتْ ... في زهرها بالوشي والوسم
وتمايلت أزهارها سَحراً ... بنسيمـه المتمارِض النَّسم
فلكلِّ نَوْرٍ نُور ثاقبةٍ ... ولكلِّ ناجِمةٍ سنا نجم
دُرّانِ من طَلّ على زَهرٍ ... يا حُسنَهُ نثراً على نظم
إذْ كلُّ هاتفةٍ وهاتنة ... مشغولة بالسجع والسجم
فالوُرْق في نوح وفي طربٍ ... والوَجْد في بَوْح وفي كتم
بأتمّ حسناً من صدائح لي ... فيكم منزهة عن الوصم
دُرّية الإِشراق مشرفة ال ... دُرّيّ بل مِسكية ام
تجري وتفتح من سلاستها ... صُمَّ الصَّفا ومسامع الصمّ
يغني الطروب عن الغناء بها ... وابن الكريم عن ابنة الكرْم
لطُفَت وطالت فهي جامعة ... عظمَ الحِجا ولطافة الحجم
ولكم سحبت الذيل مبتهجاً ... حيث الرجاء مطرز الكُمِّ
مستنزرٌ جمَّ الثناء إذا ... قابلته بعطائك الجمِّ
لم يُخطِ منذ أَصبتُ خِدْمَتكم ... أغراضَ أغراضي بكم سهمي
ولَرُبَّ مجدٍ قد أَضفت إلى ... ما نلت من خالٍ ومن عمِّ
فالدهر يصرف صَرْفه بكم ... ويكُفُّ كفَّ البسط عن غشم
ولئن نطقت بكم فوصفكمُ ... مُحيي الجماد ومُنطِق البُكم
ولما توفي الوزير ابن هبيرة، أُعتقِلتُ في الديوان ببغداد، بسبب منابتي عنـه في واسط والبصرة، فمدحت الخليفة بقصيدة أستعطفته بها في شعبان سنة ستين، منـها:
أُعيذُكمُ أن تغفلوا عن أموره ... وأن تتركوه نُهبةً لمُغيرهٍ
عفا الله عنكم قد عفا رَسمُ وُدِّكم ... خلعتم على عهدي دِثار دُثورهِ
بما بيننا يا صاحبي من مودّة ... وفاءَك إني قانعٌ بيسيرهِ
وهذا أوان النصح إن كنت ناصحاً ... أخاً فقبيح تركهُ بغرورهِ
وإني أرى الأرْيَ المَشور مَشورةً ... حَلَتْ موقعاً عند امرئٍ من مُشيرهِ
تحملتُ عِبءَ الوَجد غير مُطيقهِ ... وعَلّمتُ صبر القلب غيرَ صَبورهِ
صِلوا مَن قضى من وحشة البَينِ نحبه ... ونَشرُ مطاوي أُنسه في نُشوره
رعى الله نجداً إذ شكرنا بقربكم ... قِصارَ ليالي العيش بين قصورهِ
وإذْ راقت الأبصار حُسنى حسانـه ... وأطْرَبتِ الأسماع نجوى سَميرهِ
وإذ بُكرات الروض ألسنةُ الصَّبا ... تعبِّر في أنفاسها عن عبيرهِ
وإذ تكتب الأنداء في شجراته ... وأوراقها إملاءَ وُرقِ طيورهِ
ومنـها:
أيا نجد حيّاك الحيا بأحبّتي ... بهم كنت كالفردوس زين نُحوره
وما طاب عَرف الريح إلا لأنّه ... أصاب عَبيراً منك عند عبورهِ
ومنـها:
ومُطْلَقَةٍ لمّا رأَتنيَ موثقاً ... أعِنَّة دمعٍ أُترِعَتْ من غديرهِ
تناشدني بالله مَن لي ومَن ترى ... يقوم لبيتٍ شِدْتَه بأمورهِ
فقلتُ لها بالله عودي فإنمّا ... هو الكافل الكافي بجبر كسيرهِ
ومنـها:

هو الفلك الدوّار لكنْ على الورى ... مقد؟ّرةٌ أَحداثه من مُديرهِ
عذيريَ أضحى عاذلي في خُطوبه ... فيا مَن عذيرُ المُبتلى من عَذيرهِ
يُجرّعني من كأُسه صِرْفَ صَرْفِه ... فعيشٌ مَريرٌ ذوقه في مُرورهِ
ولستُ أرى عاماً من العمر ينقضي ... حميداً ولم أفرح بمرّ شـهورهِ
لحى الله دهراً ضاق بي إذ وَسِعتُه ... بفضلي كما ضاقت صدور صدوره
فلم أرَ فيها واحداً غيرَ واعدٍ ... يخيِّل لي زَوْرَ الخيال بزُوره
وما كنت أدري أنَّ فضليَ ناقصي ... وأن ظلام الحظّ من فيض نوره
كذلك طول الليل من ذي صبابةٍ ... يُخبّره عن عَيشـه بقصوره
وما كنت أدري أنَّ عقليَ عاقِلي ... وأنّ سراري حادثٌ من سفوره
وكان كتاب الفضل باسمي مُعنونَا ... فحاول حظّي مَحوَهُ من سطورهِ
فيا ليت فضلي الآسري قد عَدِمتُه ... فأضحى فداءً في فكاك أسيره
أرى الفضلَ معتادٌ له خَسف أهلهِ ... كما الأفق معتادٌ خسوف بدوره
أقول لعزمي إنّ للمجد منـهجاً ... سهول الأماني في سلوك وعوره
فهوّنّ عليك الصعب فيه فإِنمّا ... بأخطاره تَحظَى بوصل خطيره
وما لي يا فكري سواك مُظاهِرٌ ... وقد يستعين المبتلي بظهيره
فخلِّ معنّىً خاض في غمراته ... وحسبك معنى خضت لي في بحوره
وكن لي سفير الخير تسفرْ مطالبي ... فحظُّ الفتى إسفاره بسفيره
وقل للذي في الجدب أطلق جَدُّه ... سبيل الحيا حتى همى بدروره
لماذا حبستم مخلصاً في ولائكم ... وما الله ملقي مؤمنٍ في سعيره
ومنـها:
وكم فَدْفَدٍ جاوزت أجوازه سُرىً ... كأَنّي وِشاحٌ جائلٌ في خصوره
بمـهريّة تحكي بكفّي زمامـها ... وأحكي لكدِّ السير بعض سيوره
وخاطب أبكار الفد جاعلٌ ... بكار المـهارى في السرى من مـهوره
وإن رجاءً بالإِمام أنوطه ... حقيقٌ بآمالي ابتسام ثغوره
تمرُّ بعلياه الخلافة عينـها ... فناظرها لم يكتحل بنظيره
ومنـها:
أرى الله أعطى يوسفاً حسن يوسفٍ ... ومكّنـه في العالمين لخِيره
برتني صروف الحادثات فآوني ... تضعْ منّيَ الإِنعام عند شكوره
كذا القلم المبريُّ آوته أنملٌ ... فقام يؤدّي شكرها بصريره
ومنـها:
وما زَهرٌ هامي الرَّباب يحوكه ... تعمّم هامات الرُّبى بحريره
كانّ سَقِيطَ الطَّلّ في صفحاته ... سحيراً نظيم الدُّرّ بين نثيره
يقابل منـه النرجسُ الوردَ مثلما ... رأت بوجنة المعشوق عين غيوره
وللورد خدّ بالبنفسج معذرٌ ... ونرجسه طرفٌ رنا بفتوره
بأبهج من شعرٍ مدحتكُمُ بـه ... ومعناكُمُ مستودَعٌ في ضميره
وما حقُّ هذا الشعر لا لجريره ... وقد سار في الآفاق جيش جريره
وكتبت إليه، وأنا على تلك الحالة قصيدةً في طلب الإدالة، منـها:
مقصوده أعصي الهوى وأُطيعه ... هذا لعمر هواك لا أسطيعه
سمعي أصَمُّ عن العذول وعذلِهِ ... فعلامَ يقرع مسمعي تقريعه
غلب النزاع إلى الحسان تجلُّدي ... والقلب مغلوب العزا منزوعه
لا تنزِعَنّ إلى ملامِ متيِّمٍ ... لا يستتبّ عن النزاع نزوعه
ومَلاحة الرشأِ المليح تروقه ... وملامة اللاحي الملحّ تروعه
يا عزه لو لم يعزّ عزاؤه ... يا ذلّه إنْ لم تعنـه دموعه
وبمـهجتي حلو الشمائل عذبها ... لكنّه مُرُّ الصدود شنيعه

نشوان من خمر الصبا قلبي بـه ... أفديه مخمورُ الغرام صريعه
غصنٌ على حِقفٍ يميل ويستوي ... فكأَنّما يعصيه حين يطيعه
رثمٌ وفي قلب المحبِّ كِناسه ... قمرٌ وفي ليل العذار طلوعه
وكانّ قلبَ محبّه إقطاعه ... وكأنّ خطّ عِذاره توقيعه
مسلوب سهم اللحظ منـه محبّه ... ملسوب عقرب صدغِه ملسوعه
للهِ عيشٌ بالحمى أَسلفته ... والشمل غير مفرّقٍ مجموعه
أيامَ دارت للشباب كؤوسه ... فينا ودرّت بالسرور ضروعه
رويت بأنواء العِهاد عهوده ... وزَهَت بأنوار الربيع ربوعه
أفراجعٌ ما مر من أيامـه ... هيهات لا يرجى إليّ رجوعه
وجدي مقيمٌ ما يزال بظاعنٍ ... توديع قلبي أنـه توديعه
مُلاّك مـهجته عليكم حفظها ... فالملك ليس لمالكٍ تضييعه
لا تنسبوا قلبي إليّ فإِنّه ... لكُمُ وفيكمْ جرحه وصدوعه
قلبي المتيَّم للأحبَّة كلّه ... وندى الإمام لمُعتفيه جميعه
وبيوسف المستنجد بن المقتفي ... دين الهدى سامي العماد رفيعه
ضافي رداء الفخر صافٍ روحه ... نامي ضياء البشر زاكٍ رُوعه
حالي الضمائر بالعَفاف وبالتُّقى ... للهِ ما تحنو عليه ضلوعه
محمرُّ نصل النصر في يوم الوغى الْ ... مغبرِّ مبيضَّ العطاء نصوعه
في الأمن إلا ما له وعدّوه ... فكلاهما في الحالتين مروعه
ومنـها:
للهِ أصلٌ هاشميّ طاهرٌ ... طابت وطالت في العلاء فروعه
لكَ نائلٌ محيٍ وبأسٌ مـهلكٌ ... فلأنت ضرّار الزمان نفوعه
ومنـها:
يا أفضل الخلفاء دعوةَ قانعٍ ... برضاك ما كشف القناع قنوعه
أيكون مثلي في زمانك ضائعاً ... هيهات يا مولاي لست تضيعه
أودع جميلاً لي أُذعه فخير من ... أودَعتَه منك الجميلَ مذيعه
حسب المؤِّمل منجحاً في قصده ... أنّ الرجاء إلى نداك شفيعه
ونظمت حينئذٍ قصيدة في عماد الدين بن عضد الدين ابن رئيس الرؤساء، وكان حينئذ أستاذ الدار، ومنـها:
قلْ للإِمام علامَ حبس وليكم ... أولوا جميلكُمُ جميلَ ولائه
أوَليس إذْ حبس الغمامُ وليّه ... خلّى أبوك سبيله بدعائه
فأمر بإطلاقي وتوفير أرزاقي.
وقد أوردت من مدائحي في أمير المؤمنين المستضيئ بأمر الله ما تهيَّا، وضوَّعت من نفحات ذاك النسيم ريَّا.
ولي فيه مدائح تناسب منائحه كثرة وغزارة، وأيام دولته غضارة ونضارة. فمن ذلك قصيدتان: صادية إليها القلوب صاديةٌ، وضادية نفوس ذوي التضاد من روعتها متضادية.
فالصادية نظمتها في سنة تسع وستين، في أيام نور الدين محمود بن زنكي رضي الله عنـه، وأولها:
أطاع دمعي وصبري في الغرام عصى ... والقلب جرّع من كأَس الهوى غصصا
وإنَّ صفو حياتي ما يكدّره ... إلا اشتياقي إلى أحبابيّ الخلصا
ما أَطيب العيش بالأحباب لو وصلوا ... وأَسعد القلب من بلواه لو خلصا
زمُّوا فؤادي وصبري والكرى معهم ... غداة بانوا وزمُّوا للنوى القلصا
وقفت أُتبِعهم قلبي يسايرهم ... وأُرسل الدمع في آثارهم قَصصا
ومقلة طالما قرّت برؤيتهم ... أضحى السهاد لها من بعدهم رمصا
لم تحدر الدمع إلا أنـها رفعت ... إلى الأحبّة من كرب الهوى قِصصا
رخصت بعد غلائي في محبتكم ... وربِّ غالٍ عزيزٍ هان إذ رخصا
أرى أمانيِّ منكم غير صادقةٍ ... كذا حديث المنى ما زال مخترصا
يا هل تعود ظلال العيش سابغةً ... وكيف يرجع عيشٌ ظله قلصا

وحبذا قرصٌ للدهر ممكنةٌ ... والدهر من لم تزل أوقاته فرصا
لهفي على عُنْفُوان العمر كيف مضى ... عني وشيكاً ولما تمّ لي نقصا
ما كنت أعلم ريعان الصِّبا حلماً ... إذا انقضى أصبحت لذّاته نُغصا
أيامَ أخلع في اللهو العِذار كما ... أهوى وأَلبس من أَطرابه قُمصا
أيامَ لا رَشَئي يعتاده مَللٌ ... ولا رِشاء الصِّبا من قبضتي ملصا
إذ الليالي بما أهوى مُساعفتي ... تدني إلى النجح آمالاً إليّ قصى
أروح ذا مَرَحٍ بالوصل مبتهجاً ... أناله سُؤله من دهره الحصصا
أطاعت الغانيات الغيد منـه فتىً ... إذا لحى في هُواهنّ العَذول عصى
ما بالهُنّ زَهِدْن اليوم فيه وقد ... أفاده الشيبُ تجريباً وثقل حصى
كَرِهْنَ بعد سوادٍ شيب لِمَّته ... لمّا رأَينَ بياضاً خِلْنـهُ بَرَصا
بمـهجتي رشأَ قلبي له قنصٌّ ... فيا له رشا للأُسد مُقتنصا
تمضي عزائمـه في قتل عاشقه ... عمداً ويطلب في تعذيبه الرُّخَصا
يا لائما بشباك العذل يقنصني ... ولست إلا لا شراك الهوى قنصا
بغيتَ راحة من تعتاصُ سلوته ... وأتعب الناس من يبغي الذي عَوِصا
لا تحرصنَّ على ما أنت طالبه ... فربَّما حُرم المطلوبَ من حرصا
تبغي بقرع عصا التقريع لي رَشَداً ... كما ينبّأ ذو حلم بقرعه عصا
أقصِرْ فلي شَعَفٌ بالمجد طال له ... باعي وطرف حسودي دونـه بخصا
لو أنصف الدهر كان الفضل في دَعَةٍ ... منـه وعاثر حظّ الفضل منتعصا
ربّى الزمانُ بنيه شرَّ تربيةٍ ... فالجهلُ ذو بطنةٍ والفضلُ قد خمصا
لولا زمان الإِمام المستضيئ لنا ... لما امتحى ذنب أيامي ولا محصا
مَن ألزم الله كلّ الخلق طاعته ... مُخوّفاً منـه عِصياناً وَشقّ عصا
مَن لا خمائل لولا سحبه هطلت ... ولا مخايل لولا برقه وبصا
قد عاش في العِزّة القعساء حامده ... ومات جاحده من ذِلَّةٍ قعصا
مولىَ لراحة أهل الأرض راحته ... وكم يُفرِّج عنّا الحادث اللّحِصا
بالجود للمعتفي حلو الجنى سلساً ... بالبأس للمعتدي مُرُّ الإِبا عفصا
يا سيّد الخلفاءِ الأوصياء ومَن ... نَبْتُ المنى منـه في روض النجاح وصى
يا مُحِكماً كلَّ نظم للزّمان وهَى ... وجابراً كلّ عظمٍ للمنى وهصا
بالحقّ إن دانت الدنيا له ودنا ... سحاب معروفه الهامي إذا نشصا
أنمت عدلاً عيون العالمين بما ... أذهبت عنـها القذى والرّيْن والغمصا
عدوّكم واقعٌ في الرُّعب طائره ... حتى لقد حسب الدنيا له قفصا
وحسبُ كلّ حسودٍ أنَّ ناظره ... إلى مـهالكه من حيرة شخصا
يا خيرَ مَن حجَّ وفدُ الله كعبته ... على المطيّ الذي في سيره قمصا
وما توجّه ذو عزمٍ إلى أملٍ ... إلا لدى بابه عن حَجّه فحصا
سأجتدي وابلاً من جوده غَدقاً ... وأمتري حافلاً من خِلفه لَخِصا
وإنْ عنديَ ذا التوحيد من شَكَرَ ال ... نعمى لديك وذا الإشراك من غمصا
من ذا الّذي سار سيري في ولائكمُ غداةَ قال العدا لا سير عند عصا
بعثي على الحقِّ أصفى مصر من رَنَقٍ ... بها وأخرس منـها باطلاً نبصا
ومنـها في مدح نور الدين محمود بن زنكي قدس الله روحه:
ونالَ عبدُك محمودٌ بها ظفراً ... ما زال يرقبه من قبل مرتبصا

كلب الفرنج عوى من خوف صولته ... وقيصر الروم من إقدامـه معَصا
سطا فكم فِقْرَةٍ للكفر قد وُقمَتْ ... وكم وكم عنقٍ للشرك قد وقصا
من خوف سطوته أنّ العدوَّ إذا ... أمَّ الثغورَ على أعقابه نكصا
ورُبَّ معتركٍ رحب الفضاء بـه ... أضحى على مُسعريه ضيِّفاً لَقِصا
لما انتشى الهامُ من كأْس النجيع بـه ... غنّى المـهنّد والخَطّيُّ قد ا
وللكُماة على أهوالها نَهَمٌ ... نامٍ كانّ بها نحو الردى لعصا
والحرب عضّت بأنيابٍ لها عُصُلٍ ... والصَّفُّ أحكَم من أَضراسها لَصَصا
والبِيض فيه بقدِّ البَيض ماضيةٌ ... والسُّمر تخترق الماذِيَّة الدُّلُصا
وكلّ نفسِ مشيحٍ رَهن ما كسبت ... والسامِريُّ رَهينٌ بالذي قَبصا
ومن دماء مساعير الهياج نرى ... على سوائعها من نضحها نُفَصا
أعاد عبدك نور الدين منتصراً ... ما كان يغلو من الأرواح مُرتخصا
وكم أخاف العدا بالأولياء كما ... أخافت الأُسد في إصحارها النُحصا
والمبطلون متى طالت رقابهُمُ ... أبدى من الهُون في أعناقها الوَقَصا
عدى نَداك أمير المؤمنين على ... حظٍّ تعدّى ودهرٍ رَيبُهُ قَرَصا
نعشتَ فضلي بإِفضالٍ حَلَلْتَ بـه ... من عَقده ما لَواهُ الحظُّ أو عَقَصا
تَملَّ مدحَ وليٍّ فخرُ ناظمـه ... أنّ القريض إلى تقريظكم خلصا
لا يصدق الشعر إلا حين أمدحكم ... وكلُّ مدح سوى مدحيكُمُ خرصا
وكيف أحصي بنطقي فضل منتسبٍ ... إلى الذي في يديه نطق كلِّ حصى
وأما الضادية، فإِنّني نظمتها بالشام أيضاً، في أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة سبعين، وهي:
أصَحُّ عيون الغانيات مريضها ... وأفتك ألحاظٍ الحسان غضيضها
تَهزُّ قُدود السُّمر للفتك سمرها ... وتشـهر من أجفانـها البيض بيضها
وقد طال فكري في خُصورٍ ضعيفةٍ ... بأعباءِ ما في الأُزْرِ كيف نُهوضها
غَرِضْنَ بشيبي والشبيبة إنما ... يغرّ الغريراتِ الحسانَ غَريضها
سوافر غُرّ عن وجوهٍ لحُسنـها ... معانٍ على فهمي يدقّ غموضها
نوافر مسودُّ الشباب أليفها ... حَبائب مبيضُّ المشيب بَغيضها
عن المُقْتِر البادي القَتِير نِفارُها ... وعند الفتى الحالي الثراء رُبوضها
كأن قلوب العاشقين بدينـها ... رُهون غرامٍ ما تؤدَّي قُروضها
وقد غرّ في ميعادها وهو خُلّبٌ ... كما غرِّ مِن شَيم البروق وميضها
أجرْني بصبرٍ إنّ فيض مدامعي ... سيولُ هموم في فؤادي مغيضها
وهل مطفئاتٌ أدمعي نارَ لَوعةٍ ... توقّد في أرجاء قلبي مضيضها
تُكلّفُني نقض العهود بسلوةٍ ... ثباتي على إبرام وَجدي نقيضها
أأغضي على حدٍّ من الضيم مُرمضٍ ... وسيفيَ بتّارُ الحدود رميضها
أغثنيَ بالإرشاد فالطرق إنما ... يَدُلُّ بها خِرِّيتُها ونَفيضُها
النِّفَضَةُ والنَّفِيضَةُ: قوم يبعثون في الأرض ينظرون: هل بها من عدو، أو خوف.
أعِنّي على بلوايَ فالعمر غَمرة ... يعاين أهوال الرَّدى من يخوضُها
شَجاني انضمامي والخطوبُ كثيرةٌ ... إلى خطّةٍ يؤذي الأُسودَ بعوضُها
تساوي لديها غَثُّها وسمينـها ... وأودي بها منحوضُها ونحيضها
التحيض: الكثير اللحم، والمنحوض: الّذي أُخذ لحمـه.
ولي عند تحقيق المعاني أدَّلة ... تزيَّف في وقت النُّضار نقوضها
حُظوظي على عِلاّتِها وشَتاتِها ... كأبياتِ شِعرٍ ما يصحّ عَروضُها

جوامِدُ لكنْ نار عزمي تُذيبها ... جوامحُ لكنْ طول صبري يروضها
ستشرق في أوج الصعود سُعودها ... وإنْ زاد إظلامَ الحظوظ حضيضها
بجودٍ أمير المؤمنين وسَيبه ... تَفيضُ على أرض الأماني فُيوضُها
إمام البرايا خيرها مُستضيئها ... غزير الأيادي جَمُّها مُستفيضها
تفيض لترويض الرجاء مياهه ... وللنُجح يُرجَى عِدُّها ونضيضها
جزيل العطايا وافر الفضل وارِف ال ... ظِلاّل طويل المأثرات عريضها
تبدّل بالأموال آمال وَفدِه ... فكم فاقةٍ منّا بوجد يعيضها
ويفتح من مُدّاحه باللُّها اللّها ... وقد حال من دون القريض جَريضها
إذا اقترحت منّا القرائح مُدحَه ... تسابق من شوقٍ إليه قريضها
مُواليه مشكور المساعي نَجيحها ... وشانيه مردود المباغي دَحُوضها
أتتنا وفود المكرمات بجوده ... ووافى إلينا قَضُّها وقضيضها
إذا ظمئت آمالنا وردت له ... بحار لهىً يروي العطاش فضيضها
من الأسرة الغُرّ الّتي بولائها ... أفاض المبرّات الغزار مفيضها
مكرّمة أعراضها ومـهانةٌ ... لإظهار عزّ الأولياء عُروضها
موالاتهم في الله عن صدق نيّة ... غسولٌ لأدران الذنوب رحوضها
هُم الكاشفو الغمّاء في كلّ لزبةٍ ... عدا بنيوب النّائبات عضوضها
أضاء بهم شرق البلاد وغربها ... وحيزت لهم أطوالها وعروضها
ومن عجب صلّت لقبلة بأسهم ... رؤوس أعادٍ من ظُباهم محيضها
تدلُّ على الرُّعب الّذي في قلوبها ... مفاصل للأَعداء شاجٍ نقيضها
وما هامرٌ هامٍ من الودق إن بكى ... تبسَّم مرهوم الرّياض أريضها
تأرّج واديها وطاب نسيمـها ... وغرّد شاديها وغنّى غريضها
بأغزر من جود الإِمام الّذي بـه ... إذا شكت الآمال يشفي مريضها
حباني على ضَنّ الزّمان بثروةٍ ... جلا زُبدها في عيشتي ومخيضها
جناح رجائي رِيشَ والنّاس منـهمُ ... رجائيَ محصوص الخوافي مَهيضها
إليك أميرَ المؤمنين أحثّها ... نياقاً تردّى بالهُزال نغوضها
طلائع آمالٍ رَذايا مطالبٍ ... تداعت بتعريق النُّحول نحوضها
حوامل آرابٍ حوامل نُجحها ... إذا عقمت ميلادها ونفوضها
لئن عافت الأقدار عن قصد بابكم ... وعارضني عند المسير عروضها
فإِنّي أنَّى كنت في ظلّ طاعةٍ ... لغير هداكم ما تقام فروضها
سأطلب ريّي في ورود بحاركم ... وأهجر قوماً أظمأتني بروضها

باب في ذكر محاسن الوزراء والكتاب للدولة العباسية وما نمى إلي من شعرهم الوزير ظهير الدين أبو شجاع محمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم، من أهل روذراوَر.
مولده بقلعة كِنكِوَر سنة سبع وثلاثين وأربع مئة. وزر للإمام المقتفي، بعد عزل عميد الدولة أبي منصور بن جَهير، سنة ستّ وسبعين وأربع مئة. وعزل سنة أربع وثمانين يوم الخميس تاسع عشر صفر. ولما قرأ التوقيع بعزله وانصرف، كان يُنشد:
تولاّها وليس له عدوّ ... وفارقها وليس له صديق

فخرج إلى الجامع ماشياً يوم الجمعة من داره، وانثالت العامة عليه تصافحه وتدعو له، وكان ذلك سبباً لإلزامـه بيته. ثم أخرج إلى روذراور، وهي موطنـه قديماً، فأقام هناك مدّة، ثم خرج إلى الحجّ وسافر إلى مكّة في موسم سنة سبع وثمانين، فخرج العرب على الرُّفقة بقرب الرَّبَذَة، فلم يسلم من الحجيج سواه. وجاور بعد الحجّ بمدينة الرّسول صلوات الله عليه إلى أن تُوفّي في النصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين، ودفن بالبَقيع عند القبّة الّتي فيها قبر إبراهيم عليه السلام ابن رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وكان عصره أحسن العصور، وأيامـه أنضر الأزمان، ولم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدين وقانون الشريعة مثله، صعباً شديداً في أمور الشرع، سهلاً في أمور الدنيا، لا تأخذه في الله لومة لائم. ذكره ابن الهمذاني في الذيل وقال: (كانت أيامـه أوفى الأيام سعادة للدولتين، وأعظمـها بركة على الرعية، وأا أمناً، وأشملها رخصاً، وأكملها صحةً، لم يغادرها بؤس، ولم تشبها مخافة. وقام للخلافة في نظره من الحشمة والاحترام، ما أعادت سالف الأيام.
وكان أحسن الناس خطاً ولفظاً.
وله شعر حسن، وذكر أنـه لم يقل بعد الوزارة غير هذه القطعة في الزهد:
قد آن بعد ظلام الشَّيب إبصاري ... للشّيب صبحٌ يناجيني بإِسفار
ليلُ الشّباب قصيرٌ فاسْرِ مُبتكراً ... إِنّ الصّباحَ قصارى المُدْلِجِ السّاري
كم اغتراريَ بالدُّنيا وزُخْرُفِها ... أبني بِناها على جُرْفٍ لها هارِ
وكم كذوبٍ بعهدٍ لا وفاءَ له ... تعّلم الغَدرَ منـها كلُّ غدْارٍ
دارٌ مآثمـها تبقَى ولذّتُها ... تفنى ألا قُبِّحت هاتيك من دارٍ
فما انتفاعي بأوطارٍ مضت سَلَفاً ... قضيتُها وكأنْ لمْ أقضِ أوطاري
فليت إذ صَفِرتْ ممّا كسبْتُ يدي ... لم تعتَلِقْ مِن خطاياها بأوزارِ
ليس السَّعيدُ الّذي دُنياهُ تسعدهُ ... إنَّ السّعيدَ الّذي ينجو من النّارِ
أصبحت من سيئآتي خائفاً وَجِلاً ... واللهُ يعلم إعلاني وإسراري
إذا تعاظَمَني ذنبي وآيسَني ... رجوتُ عفوَ عظيمِ العفوِ غفّارِ
وقرأت في المذيل تأريخ أبي سعد السمعاني: سمعتُ أبا علي أحمد بن سعيد العجلي يقول: قلت للوزير أبي شجاع: أردت أن أقرأ عليك ديوان شعرك. فقال: لا، ولكن أنشدك أبياتاً من شعري. وأنشدني لنفسه:
ليس المقادير طوعاً لامرئ أبداً ... وإنّما المرء طوعٌ للمقاديرِ
فلا تكن إن أتت باليُسْر ذا أشَرٍ ... ولا يَؤُوساً إذا جاءت بتَعسيرِ
وكن قنوعاً بما يأتي الزَّمانُ بـه ... فيما يَنوبُك من صفوٍ وتكديرٍ
فما اجتهادُ الفتى يوماً بنافعه ... وإنّما هو إبلاءُ المعاذير
وأورد السَّمعانيّ في المذيّل: أنشدني المُباركُ بن مَسْعود الغَسَّال له:
ما كان بالإِحسان أوْلاكُم ... لو زرتُمُ من كان يهواكُمُ
أحبابَ قلبي ما لكم والجفا ... ومَنْ بهذا الهَجر أغراكمُ
ما ضركُمْ لو عُدتُمُ مُدْنَفاً ... مُمرّضاً من بعض قتلاكمُ
أنكرتمونا مُذْ عهدناكمُ ... وخُنْتُمونا مذ حَفِظْناكمُ
لا نظرتْ عيني سوى شخصِكمْ ... ولا أطاع القلب إلاّكمُ
جُزتمْ وخُنْتمْ وتحاملْتُم ... على المُعَنّى في قضاياكمُ
ما كان أغناني عن المُشتكى ... إلى نجوم الليل لولاكمُ
سَلُوا حُداةَ العيس هل وردت ماءً سوى دمعي مطاياكمُ
أو فاسألوا طَيْفَكمُ هل رأى ... طَرْفي غَفا من بَعْدِ مَسْراكمُ
أحاول النَّوم عسى أنّني ... في مُستَلَذّ النَّوم ألقاكمُ
يا ظَبَيات الإِنس في ناظري ... وُرودُكم والقلب مرعاكمُ
خونوا وُجوروا وانصفوا واعدلوا ... في كلّ حالٍ لا عدِمْناكمُ

ما آن أنْ تَقضُوا غَرِيماً لكم ... يخشاكمُ أن يتقاضاكم
ونقلت ببغداد من مجموع له:
وإِنّي لأُبْدي من هواك تَجَلُّداً ... وفي القلبِ منّي لوعةٌ وغليلُ
فلا تَحسَبي أنّي سَلوت فربّما ... تُرى صِحّةٌ بالمرء وهو عليلُ
وله:
أيذهب جُلُّ العُمْرِ بيني وبينكمْ ... بغير لقاءٍ إنَّ ذا لَشَدِيدُ
فإِن يسمح الدَّهْر الخؤون بوصلكم ... على فاقتي إني إذَنْ لَسعِيدُ
وله، نقلتهُ من مجموع آخر:
وأسلمني الباكون إلا ة ... مطوَّقة قد صانعت ما أصانِعُ
إذا نحن أنفَدْنا الدُّموعَ عَشيّةً ... فموعدُنا قَرْنٌ من الشَّمس طالع
إذا لم يكن إلا صدودٌ وجفوةٌ ... فما أنا فيما بين هذين صانع
أبيتُ بليلٍ ليس فيه راحِمٌ ... ولا مُسْعدٌ إِلاّ الحَمام السّواجع
ونقلت من ذيل التأريخ لابن الهمَذاني: أنـه سئل الوزير أبو شجاع إجازة أبيات كثيرٍ التي منـها:
إذا قيل هذا بيتُ عزة قادني ... إليه الهوى واستعجلتني البوادر
فقال:
ألا ليتَ شعري والعِدا يُوعدونني ... أيعذُرني إنْ زرْتُ عَزَّةَ عاذر
أمر على أبيات عزّة خائفاً ... عِداها فجنْبي عنـهُمُ متزاوِرُ
ألا إنّ بيتاً لا أزورُ فِناءَهُ ... لأشـهَى من البيت الّذي أنا زائرُ
إذا حضر الواشونَ أبديت سَلْوةً ... وفي القلب من حُبِّيكِ داءٌ مخامرُ
تعاللتِ عنّي كي تخوني مودَتي ... وتلك التي يا عَزِّ كنتُ أحاذِرُ
تقولين لم أضْمِرْ بقلبي خيانةً ... دَعِيني فما للنّاس إلاّ الظَّواهرُ
وله في نظام الملك لمّا قصده إلى أَصفهان، وكتب بذلك إلى بغداد:
مَن مبلغٌ ساكني الزوراء مَأْلكةً ... أنّي بمنزل عزٍّ صِينَ من هُون
حيث اشتريتُ غلاء العِزّ مرتخصاً ... بصفقةٍ لم أكن فيها بمغبون
فاليوم أيقنت أنَّ الدَّهْرَ سالمني ... وأن أيدي العدا قد قصّرت دُوني
لا زال ركن قوام الدّين مُستَلَمَاً ... مُشَيّداً بالمعالي غير مَعْيُون
يفيض في النّاس فضلاً ينعشون بـه ... والله يُعطيه أجراً غيرَ ممنون
وله فيه:
أترى الزْمانَ يجور في أحكامـه ... والدَّهْر ينصُرني بعدل قوامـه
كلاّ فجارُ أبي عليّ في الحِمى ... من عِزّهِ والخصبُ من إنعامـه
متبوِّئاً للعزّ في سلطانـه ... متهنّئاً بالأمن في أيّامـه
من مبلغٌ أهل العراق وفيهمُ ... مَن لو ذُكرتْ له بكى بسجامـه
أني نزلتُ بدار أكرم طائع ... لإلهه ونبيّه وإمامـه
هيهات أخشى الدّهر بعد تحرٌُّمي ... بجواره وذمامـه وطعامـه
ذاك امروٌ يخشى الإِله ويتَّقي ... متحرّجاً في حلّه وحَرامـه
فسل اللّياليَ إن جهلت حديثه ... تخبر بطول سجوده وقيامـه
فليهن سلطان البلاد سُعودُه ... فالله يكلأ ملكه بنظامـه
وإني أذكر من فضائله مما ذكره ابن الهمذاني لمعاً، وهو أنـه ظهر منـه من التلبس بالدين وإظهاره، وإعزاز أهله والرأفة بهم، والأخذ على أيدي الظلمة ما أذكر بـه عدل العمرين وكان لا يخرج من بيته حتى يكتب شيئاً من القرن ويقرأ في المصحف ما تيسر، وكان يؤدي زكاة أمواله الظاهرة في سائر أملاكه وضياعه وإقطاعه، ويتصدق سراً.
وعرض عليه رقعةٌ فيها: إن في الدار الفلانية بدرب القيار امرأة معها أربعة أطفال أيتام وهم عراة جياع، فاستدعى صاحباً له وقال له: مر واكسهم، وأشبعهم. وخلعَ أثوابه وحلف: لا لبستها ولا دفئت حتى تعود وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم. ولم يزل يرعد إلى أن عاد صاحبه إليه وأخبره بذلك. فلا جرم أن الله تعالى ختم له بالخير، كما قال الله تعالى: والعاقبة للمتقين.
ومن أشعاره في أمير المؤمنين المقتدي، وأثبتها لكونـها في الخليفة:

بقيتَ أمير المؤمنين مخَلّداً ... تُطِلّ بأسبابِ العَلاءِ على النّجم
وتفديك أرواح المَوالي على الرِّضا ... وتفديك أرواح الأعادي على الرّغمْ
فقرٌ بذخر الدِّين عَيْناً وصِنْوِهِ ... أبي جعفر يا معدِن الجود والحَكْم
إذا الدَّهْرُ لم يثلمْ عُلاكَ فإِنّه ... جدير بأن يلقى أماناً من الذمّ
فلا زلت في الإقبال ما ذرّ شارق ... وما درّ في أرضٍ حَيا الدِّيَم السُّجْم

الوزير عميد الدولة أبو منصور محمد بن محمد بن محمد بن جهير كان ذا شـهامة وصرامة، وحصافة وفصاحة، وحماسة وسماحة. له من الوقار والهيبة ما لم يعرف في غير الطود الأشم، والبحر الخضم.
ورد مع فخر الدولة أبيه بغداد في أيام القائم بأمر الله سنة أربع وخمسين وولي أبوه الوزارة، وكان بميافارقين يخدم بني مروان، ثم كاتب أمير المؤمنين وبذل بذولاً، وأخرج إليه نقيب النقباء طراد الزينبي فقرر معه ما أراد تقريره. ثم خرج معه كأنـه مودع له، وتم إلى بغداد. وتولى وزارة القائم، وبقي فيها إلى آخر عهد القائم، ومعه ولداه: أبو منصور، وأبو القاسم زعيم الرؤساء.
فلقب هذا عميد الدولة، وكان ينوب عن والده. فلما عزل أبوه في أيام المقتدي بعد ما وزر له سنين سنة إحدى وسبعين، خرج عميد الدولة إلى نظام الملك واسترضاه، وعاد إلى بغداد وتولى الوزارة مكان أبيه.
وخرج أبوه عن السلطان ملكشاه لفتح ديار بكر ومحاربة ابن مروان في ميافارقين، وكان فتحها على يده. وبقي في وزارة المقتدي إلى أن عزل وتولى الوزير أبو شجاع، ثم وزر للمقتدي بالله بعد عزل أبي شجاع ثانياً. ووزر بعد وفاته للمستظهر بالله، وعزل مرة وأعيد إلى الوزارة، وعزل في سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة، وعاش بعد ذلك.
وله مقطعات حسنة، فمنـها له وأورده السمعاني في الذيل:
يقول صديق باللسان مُخاتِر ... كما قيل في الأمثال عَنقاء مُغرِبُ
فأمّا إذا ما رمتَ شخصاً معيّناً ... من النّاس موجوداً فذلك مُتْعِبُ
وله:
إلى متى أنت في حِلٍّ وتَرْحالِ ... تبغي العُلى والمعالي مَهُرها غالِ
يا طالب المجد دون المجد مَلْحَمةٌ ... في طَيّها بالنّفس والمالِ
ولليالي صروف فلّما انجذَبَتْ ... إلى مُرادِ امريءٍ يسعى لآمالِ
ذكر فصل في عميد الدّولة ذكَرَهُ ابن الهمذانيّ في تأريخه، قال: إنتشر عنـه الوقار والهيبة والعِفّة وجودة الرّأي، وخدم ثلاثة من الخلفاء، وَوزَر لاثنين منـهم. وكان عليه رسوم كثيرة وصلات جَمّة مع استِزادة النّاس له. وكان نظام المُلك يصفه دائماً بالأوصاف العظيمة، ويشاهده بعين الكافي الشـهم، ويأخذ رأيه في أهمّ الأمور، ويقدّمـه على الكُفاة والصّدور. ولم يكن يعابُ بأشدّ من الكِبْر الزائد، وأن كلماته كانت محفوظة مع ضَنّه بها. ومن كلّمَه بكلمةٍ قامت عنده مقام بلوغ الأمل. فمن جُملة ذلك ما قال لوَلَد الشّيخ الإمام أبي نَصر ابن الصبّاغ: اشتغل وادأب، وإلا كنت صباغاً بغير أب.
لم يكن له من الشعر ما يثبت إلا الأبيات التي أوردتها. سديد الملك أبو المعالي المفضل بن عبد الرزاق بن عمر العارض في الأيام الجلالية هو والد حسام الدين أبي الخطاب، وسأورده في فضلاء أصفهان وصدورها. وإنما أوردت سديد الملك هاهنا، لكونـه وزر للمستظهر عشرة أشـهر. ولي في رمضان سنة خمس وتسعين، وعزل في رجب سنة ست وتسعين وأربع مئة، وعاد محترماً إلى أصفهان.
ذكر ابن الهمذاني في التأريخ: أنـه لما استدعي إلى بين يدي الخليفة حين أفيضت عليه خلع الوزارة، غلبه الحصر، فقال: تاج الرؤساء نسيب بن الموصلايا للخليفة: المفضل بن عبد الرزاق يخدم، ويقول كما قال الله تعالى: (رب أوزعني أن أشكر نعمتك).
أنشدت له بيتين بأصفهان، وهما:
قلْ للوزير وكلّهم جذلان ... لا تشمَتوا فوراءَه الحدثان
المَلك بعد أبي عليّ لعبةٌ ... يلهو بها النِّسوان والصّبيان الوزير جلال الدين أبو علي الحسن بن صدقة

وزير المسترشد بالله أمير المؤمنين. ناب في دولته. كبير القدر، خطير الأمر، ذو الأصالة والجلالة والبسالة، والصدق في المقالة، والفضل الكثير، والكرم الغزير.
وكان صديق عمي العزيز رحمة الله عليهما، وهما كالأخوين، وكنفس واحدة لا نفسين، بل كانا في الدولتين شمسين.
أنشدني له محمود الكاتب المعروف بالمولد البغدادي بالشام، وذكر أنـه رآه يكتب بخطه إلى المواقف المسترشدية هذه الأبيات يوم جلوسه في الوزارة ثانية بعد النكبة:
بدأتَ بنُعْمى ثمّ واليتَ فِعلَها ... وتابعتَها في حالة البعد والقرب
ولم تُخْلِني من حُسْن رأيك إن سطا ... بيّ الدّهر واسودّتْ بـه أَوْجُه الخَطْب
فأقررتَ عَينَ الأولياء بأوْبتي ... وأرغمتَ حُسّادي وأوطأتَهم عقبي
فلا زلتَ في عّزٍ يدوم ونعمةٍ ... يقصّر عنـها مُنتهى السَّبْعةِ الشُّهْب
وتُنْسَب إليه هذه الرّباعِيّة:
آتيك غداً ولو حَماكِ الأهل ... لا أرجع عنك أو يتِمَّ الوصل
آتيك ولو سُلَّ عليَّ النَّصْل ... السّيف أو الفراق كلٌّ قَتْل

الوزير عون الدين أبو المظفر يحيى بن هبيرة نسبه من شيبان بموجب ما أثبته عنـه: يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن حسن بن أحمد بن الحسن بن جهم بن عمر بن هبيرة بن علوان بن الحوفزان، وهو الحارث بن شريك بن عمرو بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن الصعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط ابن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد ابن عدنان. أخرج له هذا النسب بعد سنين من وزارته، وذكره الشعراء في مديحهم إياه.
وكان غزير العلم، ذا هيأة، ... ذا هيبة، مفوهاً، مـهيباً.
وزر للمقتفي وللمستنجد، وتوفي ليلة الأحد ثالث عشر جمادى الأولى سنة ستين وخمس مئة، وهو وزير الإمام المستنجد. وكانت مدة وزارته للإمامين إلى حين وفاته ست عشرة سنة وشـهرين وتسعة أيام.
وكان يتبرك بيوم الأربعاء، ويقول: هؤلاء المنجمون يتطيرون من التربيعات، وأنا وليت يوم الأربعاء رابع ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمس مئة.
وكان مقرباً لأولي الفضل والدين.
وصنف تصنيفاً في شرح الصحاح وسماه الإفصاح، وبذل على حفظه ونسخه أمواله، حتى كان في زمانـه لا يشتغل إلا به.
ورزق من الشعر والشعراء ما لم يرزق أحد، وأجاز عليه.
سمعت صاحب الخبر ابن المـهدي يقول يوماً له: ق جمعت من القصائد التي مدحت بها ما يزيد على مئتي ألف بيت، وكان كل سنة يحمل منـها مجلداً، فلما توفي الوزير، وبيعت كتبه، اشترى الشريف ابن المـهدي ما كان جمعه من خزانة الوزير، وسمعت أنـها أخذت منـه وغسلت.
ومدائحي فيه كثيرة.
وله شعر حسن، فما أروي له أبيات هنأ بها الخليفة بالعيد:
بك العيدُ يُزْهَى بل بك الدّين يفخرُ ... وأنت الّذي من كلِّ ما فيك أكثرُ
فدٌمْ للأَماني مثلَما أنت حيث قد ... بلغت إلى ما لم يكن عنـه مظهر
أفرضٌ على أن ليس في النّاس ناطقٌ ... من الفضل إلا ما بـه أنت أخبر
وله:
يا غايةَ الحُسْن هذا غاية الكَمَدِ ... ومُنتهى البدْر هذا منتهى جَلَدي
إن كان حسنك لا يُفضي إلى أمدٍ ... فإِنّ وجديَ لا يُفْضي إلى أمدِ
وله:
ركبت بحار الحبّ جهلاً بقدرها ... وتلك بحار لا يُقَفَّى غَريقُها
فسرنا على ريح تدُلُّ عليكُمُ ... فبانت قليلاً ثمَّ غاب طريقها
إليكم بكم أرجو النّجاة فما أرى ... لنفسيَ منـها سائقاً فيسوقها
وله:
تمسكْ بتقوى الله فالمرء لا يبقى ... وَكلُّ امرئٍ ما قَدَّمت يدهُ يلقى
ولا تظلِمَنَّ النّاسَ ما في يديهِمُ ... ولا تذكُرنْ إفْكاً ولا تحسُدَنْ خلقا
ولا تقربن فعل الحرام فإنّما ... لذاذته تفنى وأنت بـه تشقى
وعاشِرْ إذا عاشرتَ ذا الدّين تنتفِعْ ... بدربتهِ واحذر معاشرة الحَمقى

ودارِ على الإِطلاق كُلاً ولا تَكُنْ ... أخا عجلٍ في الأمر واستعمل الرِّفقا
وخالِفْ حُظوظ النّاس فيما يرونـه ال ... أماني ولا تَستَعْرِ فَنَّ لها الصّدقا
تَعَوَّد فِعال الخير جمعاً فكلّما ... تَعَوَّده الإِنسان صار له خُلْقا
ولده عز الدين محمد كان كبير الشان رفيعَ المكان. ناب عن والده مدة وزارته، وكان روض الدولة بـه في ريعان نضارته.
وحبس عند موت أبيه إلى يوم ولاية المستضيئ بأمر الله، فأخرج المحبوسين وما خرج، فعرف أنـه درج.
وله شعر كثير، وقلما نظم شيئاً إلا وعرضه علي، أو سيره إلي. لكنني فقدته كما فقدته، ولو وجدته أوردته.
ولده أبو البدر ظفر لقبه شرف الدين كان جذوة نار لذكائه، وحدة خاطره، وجودة قريحته. يشتعل ذكاءً، ويتوقد فطنةً. وهو محب للفضل والتحلي به.
وله شعر يروق، وعبارة تشوق. امتحن بالحبس في أيام والده سنين بقلعة تكريت، ثم تخلص. ولما توفي الوزير، رقي عنـه إلى الإمام أنـه عازم على الخروج من بغداد مختفياً، فقبض وحبس.
وقد أثبت له قصائد أنشدنيها لنفسه، نظمـها على أسلوبه الرائق مجرياً مـهر خاطره الماهر في مضمار مـهيار، أرق من صفو العقار. فمن ذلك، وأنشدنيه لنفسه في مدح الإمام المستنجد بالله:
طُلَّ دمٌ بالعِتاب مطلوبٌ ... وطاح دمعٌ في الرَّبع مسكوبُ
وذلَّ قلبٌ أمسى الغرامُ بـه ... وهو بأيدي الغُواة مَنْهُوب
لا أنف للعِرق يستثير له ... ولا سليم الصُّدود مَطْبوب
يركب في طاعة الهوى خَطَراً ... تُضرَمُ من دُونِه الأنابيب
إذا ادْلَهمَّ الدُّجى أضاء له ... من زَفَرات الضُّلوع أُلْهُوبُ
لا موعدٌ مُطْمِعٌ ولا أملٌ ... ولا لِقاءٌ في العمر محسوب
مقتنِعاً من وصاله بمُنىً ... أصدَقُ ما عندها الأكاذيب
يا غادَة الحيِّ بعضَ هجرِكِ لي ... حَسْبِيَ أَنّي إليك منسوب
مقتنِعاً من وصاله بمُنىً ... أصدَقُ ما عندها الأكاذيب
يا غَادَة الحيِّ بعضَ هجرِكِ لي ... حَسْبِيَ أَنّي إليك منسوب
ما بعد دمعي دمعٌ يُراقُ ولا ... فوقَ عذابي لدَيْك تَعْذيبُ
لم يبق للنّاصحين من أَملٍ ... فيِّ ولا للعُذَّال تأنيب
وضاق صدر البيداء عن رحلي ... وحُلِّئَت تحتيَ المصاعيب
ألا سقى الله أرض كاظِمةٍ ... صوْبَ حياً قَطْرُهُ شآبيب
وخصَّ داراً أمسى الوصال بها ... وهو أَمينُ الأكنافِ مَرْهوب
رحابُها حيث سِرُّنا خَمَر ... وحيث إعلانُنا أهاضيب
يا حَرَجات الظِّلال أَين أَحبّا ... ؤك والعاقِرونَ والنِّيَبُ
وأين تلك القِباب مُشْرعَةً ... تمنَعُها غِلْمَةٌ يعاسيب
تؤمّها العاشقون عن وَلَهٍ ... فهي لأشُواقهمْ محاريب
فالآن لي في رِباعِها عِبَرٌ ... ومن أقاصيصها تَجاريب
فمن ثراها عليَّ أرْدِيَةٌ ... ومن دموعي لها جَلابيب
كم عند دَوحِ الغَضى لذي عَلَقٍ ... قلبٌ بأيدي الحِمام مَغْصوب
إذا رَكِبْنَ الأغصان صِحْنَ بنا ... فكلُّ عقلٍ في الرَّكْبِ مسلوب
يا خابِط الليل غيرَ مُتَّئدٍ ... رفقاً فثوب الظّلام غِرْبيب
ما لك لا تألف الرّفيقَ ويُدْ ... نِيك إلى فضل زاده الذّيب
ضمّكما الاتّفاق في قَرَنٍ ... فأنتما صاحبٌ ومصحوب
ومنـها:
ما ليّ لا أمدحُ الشَّبابُ ولي ... من نوره شارةً وتَطريب
إذا تمايلت في مُلاءته ... فحبّذا راغِبٌ ومرغوب
أصنعُ ما شئتُ في حمايته ... وهو إلى الغانيات محبوب
وكيف لا أُوسعَ المشيبَ قِلىً ... وهو بماء العيون مخضوب

أيْامـه ذِلةٌ ومَبْخَلَةٌ ... ولونـه نفرةٌ وتثريب
يلومني النّاس أن رأوا كلمي ... ليس لها في المديح أسلوب
قد سلكتْ مذهباً تَدِين بـه ... تبراء لا حبة ولا حوب
بكاءُ ربعٍ أو وَصف غانية ... وضِدّها خالبٌ ومخلوب
وهل لعرض الزّمان غير فتى ... يمدحه تغمُر المحاريب
إمام حَقٍّ لنا بطاعته ... كلُّ منيع الجَناب مرهوب
تسنّم المُلْكَ وهو ذو ضلعٍ ... فلم تنل حُضْرَهُ السّلاهيب
وقام بالأمر بعد أن نغِلت ... فيه قلوبٌ وعزَّ مطلوب
فانتظم الأمر غير مُحْتفلٍ ... كذّب غرّ وغرَّ مكذوب
أفاض صِرْفاً ماءَ الظُّبا فغدا ... وهو بصرف النّجيع مقطوب
عوّد فرسانَهُ السُّرى فلهم ... في غَمَرات الظّلام تشبيب
لا يسألون النّجمًَ ما خبرُ ال ... ليل ولا النّافضين ما رِيبوا
كأنّهم ما دَرَوْا على خَطَر ال ... شُّقّة أنَّ الصبَّاح مكتوب
من معشر أعْنَقَتْ بهم هممٌ ... حيث رِواق النُّجوم مضروب
لا يسألون الرّكبان عن غِرَة ال ... خصب ولا أَين سامت النّيب
إنْ رحلوا فالثّرى بهم رمض ... أو نزلوا فالثراء منصبوب
أو طلبوا فالفضاء ذو حَرَج ... أَو رَكِبوا فالقضاء مركوب
أو كلّفوا الدَّهْرَ غيرَ عادته ... أصحَبَ للأمر وهو مصحوب
وأنشدني لنفسه على وزن قصيدة الأبيوردي التي يقول فيها:
ترنْحَ من بَرْحِ الغَرام مَشُوقُ ... غداةَ نأت بالوائليّة نوقُ
قال هو:
أضاءت لنا بالأبرقَينِ بروق ... نواقل منـها كاذبٌ وصدوق
يُذعْنَ لنا من أهل وَجْرةَ ريبةً ... يخِفُّ إليها السَّمع وهو فَروق
وما كلُّ مطويٍّ من السّرّ مُنكر ... ولا كلُّ منشور الحديث يروق
أبارق ذاك الشِّعب هل أَضمر النّوى ... تفرُّقهم أَو ضمَّهُنّ وَسيق
وهل حَرَجات الحَيّ بدّلن أدمعاً ... عن السُّحْب لم ترقع لهنّ خروق
لعَمْرُكَ ما البرقُ اليمانيُّ وامِقٌ ... ولا ذلك الشِّعبُ الرّحيب مَشوق
وهل تزع الأَشجانَ خفقة لامعٍ ... وقد علِقت بالجانحاتِ علوق
لحى الله يوماً بالثنِيّة أشرفتْ ... علينا بأقصى أرض وجْرَةَ نُوق
يرفّعهنَ الآل فَوْضى كأنما ... أغار على أطرافهنّ سَرُوق
إذا حَثْحث الحادي بهنُّ أطَغنَهُ ... جوافل أدنى سيرهِنَّ عنيِق
كأنّ توالي الظُّعْن والآل دونَها ... سَفِينٌ بمُسْتَنّ الفُراتِ غريق
إذا أفلت شمس الأصيل بدت لنا ... شموسٌ لها فوق الحُدوج شُروق
تسير بها الأظعانُ أَنّى تيمّمَتْ ... قواصدَ لا يشقى بهنّ رفيق
أجيراننا إِنّ القلوبَ لديكمُ ... فهل للجُسوم نحوَكُنّ طريق
لئن جمعتكم نيّةٌ يمنيّةٌ ... وفرّقكم وحش الفِجاج عميق
فودّي على الأَيّام ما تعلمونـه ... وعهدي على طول المَزار وثيق
ولي عبراتٌ لا تضنّ بمائها ... تديّمُ في أجراعكم وتريق
فإِن يروها دمعي وإِلاّ سقيتُها ... دماً ما له إلا الغرام مُريق
يقولون بعض الصّبر عنـهم ومنْ لنا ... بأنْ يتساوى مُوثَقٌ وطليق
ولكنَّ حُبّاً أنتمُ بَدءُ غرسه ... رَطيبٌ على مَحْل الزّمان وَرِيقُ
ألم تعلمي يا ضرَّة البدرِ أنَّني ... جديرٌ بفعل الصّالحات خليق

عفيف محاني الرّبوتين وما لنا ... سوى ذلك الستر الرقيق رفيق
ينوب عن الوحي الكفاح وكأسنا ... دموعٌ ومشمولُ الرُّضاب رحيق
إذا خفّت الأحلام وَقّرَ حَبْوَتي ... نِجارٌ وسيع الدّوَحتَيْنِ عريق
تجاذِبُني طُرقَ العَلاء بهِمَّةٍ ... لها فوق مرسي النّيِّريْنِ سُموق
ولكنَّ لي في باطن النّفس حاجةً ... تَنِمُّ عليها زفرةٌ وشـهيق
أُجمّع أسباب المعالي تعلُّلاً ... وأُعجِزُ في ألفاظها وأفوق
وأَنظِم ما لا تنظم العرْبُ مثلَهُ ... وأَيّ لسان بالمُقال ذَليق
ودخلت يوماً إليه ببغداد قبل نكبته بسنة، في صفر سنة تسع وخمسين وخمس مئة، فأنشدني قصيدة عملها على وزن قصيدة مِهيار التي أولها:
بكَر العارِضُ تحدوه النُّعامى ... فسُقِيتِ الغيث يا دار أَماما
وسألني أن أعمل قصيدة على وزنـها ورويّها، وهي:
أخلَفَ الغيثُ مواعيدَ الخُزامى ... فقفِ الأنضاءَ تستسقي الغَماما
وخُذِ اليَمْنَةَ من أَعلى الحِمى ... تَلْقَ بالْغَوْر حَميماً وجِماما
وأبحني ساعةً من عُمُري ... أملأ الدّار شَكاةً وسلاما
أصف الأشواق في تلك الرُّبا ... وأعاطي التُّرْب سَوْفاً والتئاما
فَلعلّي أنْ تداوي حُرَقي ... غفلة الغَيران أو أرضي النَّدامى
أيُّ حلمٍ خفّ في حُبِّهمُ ... وعقولٍ رفضت فيه الملاما
ودموعٍ كلّما كَفْكَفَها ... زاجرُ العَذْلِ أَبَت إِلاّ انسجاما
يا وُلاة الغَدْر ما دِينُكُمُ ... أحرامٌ فيه أن تقضوا ذِماما
قد رضينا إنْ رضيتم بالأذى ... وعزيزٌ بعزيزٍ أن يُضاما
خَطَرتْ لي يا زميلي سَحَراً ... نسمةٌ أحسبها ريح أُماما
خطرت والعينُ تقري طيفَها ... والكرى يمزجُ للرَّكْب المُداما
ومنـها:
فارجع الطَرْفَ وقل لي في خَفَا ... أهِضاباً ما تراها أم خِياما
ما صنيعي بِمَهاةٍ كُلمَّا ... زوَّدَتْني رشفة زدت أُواما
أهُيامٌ أم لَظَى في كبِدي ... لفحت حتى انثنى الظَّلمُ ضِرام
ليس إِلا فرط وجدي بهمُ ... ظَعَنَ العاذل عنّي أم أقاما
أنا من أسْرِ الهَوى في رِبقَةٍ ... حكمت للحرّ فيها أن يساما
وطني حيث أناخَتْ عيسُكم ... ومقامي حيثما اخترتم مقاما
كل خِلٍ يجتني لذَّتهُ ... وأنا الجاني أراكا وبَشاما
أَنِسَتْ بي وحش أَوطانكُمُ ... فرعى اللهُ ظباءً ونَعاما
كلَما آنسَ قلبي وحشةً ... ملأت سمعي رُغاءُ وبُغاما
وأبيتُمْ ليَ إِلاّ نفرةً ... وأبى حبْلَكُمُ إلا انصراما
يا زماني ولكم أَدعو بـه ... ومن الضِّلَّة أن أدعو الرِّماما
لست عندي بالّذي أَعتِبُه ... كيف عتبي زَمَناً يأبى الكِراما
أنا حِرزٌ لك من ذمِّ الورى ... فأتِ ما شئِت حلالاً وحراما
لو بغيري حمَلت أيّامـهُ ... لَتَمنّت أنـها أمست عُقاما
أطمعَ الدَّهرَ بنوه إِذْ رأوا ... أكْبَرَ النِّعْمة ظِّلاً وحُطاما
فأقرّوه على غفلته ... أخملَ الأبرار أمْ أعلى اللئاما
كلُّ شخصٍ تقتضيه دولةٌ ... ترفع النّفسَ وتستَدْعي التّماما
وهو لا ينفكُّ حرباً لامرئٍ ... يطلب الذِّروةَ منـه والسَّناما
أنا مَن قد رَضيَ النَّاسُ وقد ... أتعبَ النّفسَ فتى أرضى الأَناما
لا أسوم الدّهرَ إِلاّ صالحاً ... يشتكي الدّهر ولا أشكو الأَثاما

كلّما قرَب منّي مُعرضاً ... لم يَزِدْه شَرَفي إِلاّ احتكاما
فهو لا يسألني إِلا الرّضى ... ولغيري شَدّ ما أعطى زماما
فعملت قصيدة، أولها:
خطرتْ تحمل من سَلْمى سلاما ... فانثنى يشكر إِنعاما النُّعامى
مُغرمٌ هاجت جواه نَسْمةٌ ... يا لها من نسمةٍ هاجتْ غراما
نفحةٌ أذكَت بقلبي لَفْحةً ... كلمَّا هبّت له زادتْ ضِراما
عاتبت سلمى سُحَيْراً أم ترى ... غازلت بالرّوض أَنفاس الخُزامى
يا لأوطارِي فقد أنشرها ... نشرها من بعد ما كانت رِماما
ذكَرت ريحُ الصّبا رَوْح الصِّبا ... وزماناً كنتُ بل كانَ غلاما
ونَديماً ليَ لم أندَمْ بـه ... يا رعاه الله من بين النّدامى
ألْهمَ الدَّوْحَ التّثنِّي بثّه ... شَجْوَهُ بل علّم النَّوْحَ الحَماما
قال ما أطيبَ أَيّامَ الصِّبا ... قلت ما أَطيَبَهُ لو كان داما
كان وعداً بالأماني مُزْنَهُ ... كلَّما استسقيتُهُ عاد جَهاما
وهضيم الكَشْحِ في حبِّي له ... لم يَزدْني كاشحي إِلاّ اهتضاما
كَرُمَ العاشِقُ منـه مثلَما ... لؤُمَ العاذِلُ فيه حين لاما
بقَوامٍ علّم الهزّ القنا ... ولِحاظٍ تُودِعُ السُّكرَ المُداما
أتراه إِذْ تثنَّى ورنا ... سمـهريّاً هزّ أَمْ سَلّ حُساما
خدّه يجرحه لحظ الورى ... فلذا عارِضُهُ يَلْبَسُ لاما
ويريك الخطّ منـه دائراً ... هالةَ البدر إذا حطَّ اللّثاما
وكثيب الرَّمل قد أخجله ... وقضيب البان رِدفاً وقَواما
أنا منـه ومن العُذّال في ... نَصَبٍ أشكو مَلالا وملاما
لم تكن تلك وقد لاحَظْنَني ... لحظاتٍ إنّما كانت سهاما
تركت في غَمَراتِ مُهْجَتي ... غمرات ملكت منـها الزِّماما
مـهجة أَرخصَها سَوْمُ الهوى ... وتسامى عزّةً من أنْ تساما
ومقامي بعد توديعهِمُ ... بالحِمى ما خِلتُهُ إلا حِماما
عَدِمَ الإِصباح ليلي بعدَكُمْ ... أسفروا لي مرّةً تجلو الظّلاما
بِتّ عن طيفِكُمُ مُستخبِراً ... من غرامي بكُمُ من كان ناما
وغرامي رُمْتُ أن أكتمـه ... فأبى الدّمعُ لأَسراري اكتتاما
ولماذا ظمِئتْ نحوَكُمُ ... مقلةٌ إنسانُها في الدّمع عاما
يا رفيقيَّ ارفقا بي فالهوى ... عُنْفُهُ يكفي المحِبَّ المُستهاما
أنْجِداني فبنجْدٍ أَرَبي ... حين غيري شام بالغَوْر الشَّآما
وانشُرا عنديّ أخبار الحِمى ... فبأَخبار الحِمى قلبيَ هاما
ناظري من دمعتي في شُغُلٍ ... فانظُرا عنّيَ هاتيك الخِياما
سار قلبي يوم ساروا وانْثَنَوْا ... نحوَ نجدٍ وأقاموا فأقاما
عَلِّلاني بأحاديثهِمُ ... فأحاديثهُمُ تَشفي الأُواما
هذهِ أَطلالُهُم تشكو الظَّما ... فدعا الأدمُعَ تنـهلَ انسجاما
وقِفا نستَسقِ جَدْوَى ظَفَرٍ ... فهو من بَخَّلَ بالجود الغَماما
ومنـها:
فهو الغيثُ إذا بَثَّ اللُّها ... وهو اللّيْث إذا فَلَّ اللُّهاما
لم يزِدْ أَعداءه يومَ الوَغى ... والقنا إِلا انحطاطاً وانحِطاما
إجتلَى من مَشرِق المجدِ السَّنا ... وامتطى من بازِل المُلْك السّناما
وأَضاءَتْ بِسَنا سُنّتِهِ ... ظُلَمُ الظّلم لأيّام الأيامى
أَوْلَدَتْ أنعُمُهُ عُقْمَ المُنى ... وشفى من يأسِنا الدّاءَ العُقاما

كرمٌ يُحيي وبأسٌ مـهلِكٌ ... وهما ما صَحِبا إِلاّ هُماما
ومنـها:
أنت عذْرُ الدَّهْر يا واحدَهُ ... ولقد أعظم لولاه اجتراما
ببنيه ملكاً أو سُوقةً ... ملأ الأرضَ طغاةً وطَغاما
ليس بِدْعاً سَقَمي من صِحَتي ... القنا حُطِّم من حيث استقاما
وإذا المرءُ تشكّى خطّةً ... كانت الصِحّة للنّفس سَقاما
ومنـها:
صُغتها منظومةً في مدحِكُمْ ... فتَلاها الدُّرُّ فَذَّاً وتُؤاما
جمعت لفظاً ومعنىً شائقاً ... بَعُدا في الحُسن مرمىً ومراما
هِيَ راحٌ كيف حَلّتْ عَجَباً ... وهي سِحرٌ كيف ما كانت حراما
فاغتنمـها إنّما أوفى الورى ... مَنْ يَرى من مِثْليَ الحمدَ اغتناما
ونظم ابن الخُراساني أيضاً على وزنـها وجماعة من الشّعراء اقْتُرِح ذلك عليهم ولم يبلغ أحد منا شأو مـهيار في بيتي قصيدته اللذين هما في رقة الصبا ورونق الصبا، وهما:
حَمِّلوا ريح الصبّا نَشْرَكُمُ ... قبلَ أنْ تحملَ شِيحاً وثُماما
وابعثوا أشباحكم لي في الكرى ... إن أذِنْتم لجُفُوني أن تناما
ولمـهيار: أروض الوادي أم أبيض الغسق؟ ولشرف الدين بن الوزير ابن هبيرة على وزنـها:
أَسلمني إلى الغَرام والأرَقْ ... طيفٌ متى شاء على النّأي طرقْ
يخبِطُ جَفْني بأباطيل المُنى ... ويَسْحَر العين ببشرٍ ومَلَقْ
ما وردتْ أحلامـه من مُقلتي ... فصَدَرت إِلاّ برِيِّ وشَرَقْ
ولا انثنت عن كبِدي ركابُهُ ... بخبرٍ إلا الزّفير والقلق
ضمانة من حبّ ليلى عَلِقت ... بمـهجة خاليةٍ من العَلَق
أحسبها ثاويةً قد تَخِذَت ... في كلّ شِعْبٍ من هوى النّفس نفقْ
إليك يا خِلْوَ الهوى عن عَذَلي ... ما وَجْدُ سالٍ عنْهُمُ كمن عشِق
دعانيَ الحبُّ فمِلْتُ معه ... وذو الغرام مصحب فمنطلق
يا راكب اللّيل على ناجِيةٍ ... قد خلطت وَخْدَ الذمِّيل بالعَنَق
يَؤُمّ نَجْداً والعَقيقُ همُّهُ ... مُسترشداً ينفض أخلاق الطرق
عرج على بانات سلع فبها ... ما شئت من مُصطَبحٍ ومُغْتبقْ
دارٌ لليلى روّضتْ بقربها ... تلك البِطاح واكتست ذاك العَبَقْ
فابلغ سلامي إن وجدتَ أذناً ... واعيةً أو عطفَةً ممّن أبق
آهٍ لسُقْمٍ كلِفَ الآسي بـه ... وولعٍ حَمّلني ما لم أطِقْ
وجسدٍ أنْحَلَه ذكرهُمُ ... ومضجع ينبو إذا النّجمُ خَفَق
يا جُلَساءَ الوَصْلِ هل دَوْحُ الحِمى ... كعهدنا ريّان مُخضرّ الورق
وهل مجاري ذلك الشِّعْب عَفَتْ ... آثارُها أم روّضت تلك الطّرق
وهل ظباؤكن في أرجائه ... تشب فيه مرحاً وتستبق
هَيْهات ما تسأل إِلاّ زفرةً ... جائلةً بين الضّلوع والحدق
سَقْياً للأيّامٍ أَطعْنَ أَمَلي ... حتّى علِقتُ من زماني بِسَبَق
وليلة ما فطّن الواشي بها ... شـهدِتُ وصل صُبْحها قبل الشَّفق
وخَلَوات بين هاتيك الرُّبا ... وقُبلة أصبْتُها على فرق
تسألني لمياء ماذا غرست ... أَشواقُها في كبدي من الحُرق
أيُّ قلوبٍ لم تُقطّع أسفاً ... لبعدكم وأَي دمعٍ لم يُرَقْ
ما لي وللدّهر أَعنْ رَويّةٍ ... يجحدني فضْليَ أم ذاك خُلُقْ
يا للزّمان كيف ضاع نَقْدُه ... لأهله من جاهلٍ أو مُستَحق
وكيف أمستْ فُرُطات صَرْفِهِ ... إلى أولي الفضل دِراكاً تستبق

عارٌ عليك يا زمانُ ما أرى ... ذا العلم عارٍ والجهول مُنتَطِق
ما شرُفتْ نفس امرئٍ بأدبٍ ... إلا وعُدّ فيك من إحدى السُّوَق
ويحَ الرّجال رفِعت آدابهم ... فالفضل فرعٌ عندهم على الحمُق
واستحوذَ الجهلُ على قلوبهمْ ... حتّى لقد صار البغيض من نطَق
وعاد مَن كان يُعدّ عالماً ... يبيع في سوق الكساد ما نَفَق
صبراً على عتب اللّيالي إنّها ... ما أصْحبت مَجبولةٌ على الخرَق

الأكرم أبو العباس السديد بن عبد الواحد بن محمد ابن هبيرة حكي: أن شرف الدين أبا البدر ابن الوزير عون الدين نظر إلى القمر في بعض الليالي، وهو يدخل تحت السحاب تارة وينكشف أخرى، فقال للحاضرين: ليأخذ كل منكم في هذا المعنى شعراً.
فقال الأديب مفلح:
كأنْما البدر حين يبدو ... لنا ويستحجب السحابا
خريدةٌ من بني هلالٍ ... لاثَتْ على وجهها نِقابا
وقال شرف الدين:
إذا تطلّع بدرُ التّمِّ من فُرَجٍ ... بين السَّحاب وغارَتْ حولَهُ الشُّهُبُ
ت من رثيثٍ في مُلاءَته ... خرقاء تسفر أحياناً وتنتقب
وقال الأكرم:
فكأنّ هذا البدر حيث تُظلّه ... سحبٌ فيخفى تارةً ويؤوبُ
حسناءُ تبدو من خِلالِ سُجوفها ... طوراً فتنظر نحوها فتغيبُ الأجل فخر الدين أبو جعفر مكي بن محمد بن هبيرة أخو الوزير عون الدين توفي في زمان أخيه. أنشدت له قوله يرثي أخاه أبا الفرج:
أما عن سبيلٍ للمنيّةِ مَذْهَبُ ... ولا عن طِلاب الموت ويحكَ مَهْرَبُ
فكن مستعِدّاً للمَنُون فإِنّها ... إذا هجمت طاش الشُّجاع المُجَرِّبُ
تفكّرتُ في الدّنيا فلم أر لذّةً ... تدوم ولا مستحسَناً ليس يُسلبُ
ولا آملاً إِلاّ ويرجع خائباً ... ولا سالماً في النّاس إلاّ ويعْطَبُ
تُرى فجعت مثلي خليلاً وصاحباً ... وقرّة عينٍ كان يُرجى ويُرهب
ومنـها:
أبا الفرج المسلوب من كلِّ ناظرٍ ... تعتِّبتَ عَن هَجْري وما كنتَ تعتِب
عجبتُ لمن خلّفت كيف قراره ... وإنَّ بقائي بعد موتك أعجب
فيا ابن الهُبَيْريّ الّذي ليس دونـه ... أرى اليوم خّلاً في البَرِيَّة يصحَبُ
لئن غبت عن عينيَّ في التُّربِ قسوةً ... وكلُّ نفيس في التُّراب يغيِّبُ
فها كبِدي حرَّى تذوبُ ومـهجتي ... تبيت على جمر الأَسى تنقلّبُ
فلا لذّ لي من بعد موتكَ مطْعَمٌ ... ولا طاب لي من بعد فقدك مَشْرَبُ أمين الدولة أبو سعد العلاء بن الحسن بن وهب بن الموصلايا كاتب الإنشاء بدار الخلافة. كتب لثلاثة من الخلفاء: القائم والمقتدي، والمستظهر رضي الله عنـهم خمساً وستين سنة. وكان ابتداء خدمته لدار الخلافة في أيام القائم سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، وتوفي ثاني عشر من جمادى الأولى سنة تسع وتسعين بعد أن أضر، وكان يملي على ابن أخته الأجل أبي نصر، ولم يبطل إلى أن مات. وكان نصرانياً فأسلم في أيام المقتدي على يده ووزارة أبي شجاع، ولم يزل موقراً موفور الخدمة، ينوب عن الوزارة المقتدية والمستظهرية، حتى قال عميد الدولة للمستظهر عنـه وابن أخته: هما يمينا الدولة وأميناها. وكان لا يُبرم دونـهما أمر. وكان كثير الصدقة والصلة، ذكر عنـه أنـه فرق في يوم من أيام الغلاء ثلاثين ألف رطل خبزاً.
كان بليغ الإنشاء سديد الآراء؛ رسائله تعبر عن غزارة فضله، ووفور علمـه، وكان نثره أحسن من نظمـه، لتمرنـه عليه، وانقطاعه إليه. على أن له مقطعات مستعذبة أراها أحلى من الأرْي، وأزين من الحلي، وهي في أسلوب شعر الكتاب بعيدة من التكلف في الصنعة، أرق معنى من الدمعة، وأعذب لفظاً من كلمة كريم مستبشر الطلعة.
فمن تلك القطع الموشية، المؤنسة غير الوحشية قوله:
يا هِنْدُ رقّي لفتىً مُدنَفٍ ... يحسن فيه طَلَبُ الأَجرِ

يرعى نجوم اللّيل حتّى يرى ... حلّ عُراها بيدِ الفجرِ
ضاق نطاق الصّبر عن قلبه ... عند اتّساع الخَرق في الهَجْرِ
قد راقتني هذه الأبيات لرقّتها، وحلاوة الاستعارة في معناها مع دقتها، ولقد ساعده التوفيق، في هذا التطبيق، وما كل شاعر يخلص من هذا المضيق، هكذا شعر الكتاب يجمع إلى اللطافة طرافة، وإلى الحلاوة طلاوة.
وله أيضاً:
وكأسٍ كساها الحسن ثوبَ مَلاحةٍ ... فحازت ضِياءً مشرقاً يشبه الشمْسا
أضاءت على كفّ المُدير وما درى ... وقد دجت الظّلماءُ أصبح أَو أمسى
وله:
أقول للائمي في حُبِّ ليلى ... وقد ساوى نـهارٌ منك ليلا
أَقِلَّ فما أقلّتْ قطُّ أرضٌ ... مُحبّاً جرّ في الهِجران ذَيْلا
ولو ممّن أحبُّ مَلأت عيناً ... لكنت إلى هواه أشدّ ميلا
وله في المستظهر بالله:
يا حبّذا ظبيٌ نشا ... يضمنـه هذا الرَّشا
ظبيٌ شعاع نوره ... أَهدى إلى العين العَشا
تمايلتْ أعطافه ... من غير سكرٍ فانتشى
لمّا ارتوى من حسنـه ... زاد القلوبَ عطشا
تمايلتْ أعطافه ... من غير سكرٍ فانتشى
لمّا ارتوى من حسنـه ... زاد القلوبَ عطشا
فإِنْ لوى عنانـه ... إلى النَّوَى وأَوَحشا
وشاء أنْ يغدر بي ... لقول نمّامٍ وشى
لُذْتُ بظلّ مالكٍ ... رُقى المّعالي مذ نّشا
مُستظْهِرٍ بالله دا ... مَ مُنعِماً ومُنعِشا
وعاش ما عاقب ضَؤْ ... ء الصُّبح ظلماء العِشا
يأخذ لي بالثّار من ... عُدْوانـهِ كما يشا
وأنشدني الشيخ الإمام الأفضل عبد الرحيم بن الأخوة البغدادي الشيباني بأصفهان، قال: أنشدني ابن المُوصَلايا لنفسه:
يا خليليّ خلّياني ووجدي ... فملام العَذول ما ليس يُجْدي
ودعاني فقد دعاني إلى الحك ... م غَريم الغَرام للدّين عندي
فعساه يرِقُّ إذ ملك الرقّ ... بنقدٍ من وصَلْه أَو بوعد
ثمّ من ذا يُجيرُ منـه إذا جا ... رَ ومن ذا على تَعدّيه يعدي
أنا أستحلي هذا النوع من التجنيس وأستعذبه، ويحسبه زلال الماء قلبي في الرقة والصفاء فيشربه ويتشربه.
وأنشدني الشيخ أبو منصور بن أحمد الجواليقي، ولي منـه إجازة، قال: أنشدنا العلاء بن الحسن بن وهب الكاتب لنفسه:
أحنّ إلى روض التصابي وأرتاحُ ... وأمْتَحُ من حَوْض التّصافي وأمتاحُ
وأشتاق رِيماً كلّما رُمْتُ صَيده ... تَصُدُّ يدي عنـه سيوفٌ وأرماح
غزالٌ إذا ما لاح أو فاح نَشْرُه ... تعذَّبُ أرواحٌ وتعذُبُ أرواح
بنفسي وإن عَزّتْ وأهلي أهلّة ... لها غُرَرٌ في الحسن تبدو وأَوضاح
فتتّضحُ الأعذار فيهم إذا بَدوا ... وتفتضِح اللاحون فيهم إذا لاحوا
وكرخيَّةِ عَذْراء يُعْذِر حبُّها ... ومن زندِها في الدّهر تقدح أقداح
إذا جُليت في الكأس والليلُ ما انجلى ... تقابل إصباح لديك ومِصباح
يطوف بها ساقٍ لسُوق جمالهِ ... نَفاق لإِفساد الهوى فيه إصلاح
به عُجْمَةٌ في اللفظ تُغري بوصله ... وإن كان منـه بالقطيعة إفصاح
وغُرَّتُهُ صبحٌ وطُرَّته دُجىً ... ومبسِمُه دُرٌّ وريقته راح
أباح دمي مذ بُحْتُ في الحبّ باسمـه ... وبالشّجْو من قبلي المحبّون قد باحوا
وأوعدني بالسُّوء ظُلماً ولم يكن ... لإِشكال ما يفضي إلى الضّيم إيضاح
وكيف أخاف الضّيمَ أو احذر الرّدى ... وعوني على الأيّام أَبْلَجُ وضّاح
وظلّ نظام الملك للكَسر جابرٌ ... وللضُّرّ منّاعٌ وللنّفع مَنّاح
وله، نقلته من مجموع:

وإنّي لصَبٌّ بالصِّبا مُذْ غدا لها ... هبوبٌ بهاتيك الخِيام تَجول
ومن عجبٍ أنْ أَبتغي من نسيمـها ... شِفاء عليلٍ والنّسيم عليلُ
وقرأت في كتاب الذيل لابن الهمذاني المؤرخ، أنـه عمل قصيدة في نظام الملك، وأنفذها على يد الشيخ الإمام فخر العلماء أبي بكر بن فورك الشافعي رضي الله عنـه إلى المعسكر بتبريز، فمثل بين يدي نظام الملك، وقال: إن كاتب الإمام قد أصحبني عروساً آثر أن تُجلى بهذا المجلس السامي، فأنشدها منشد هناك بمحضر من الأئمة والزُّهاد والأدباء والكتاب، فما فيهم إلا من طرب، وكتب بعضهم إليه متمثلاً بهذا البيت:
وتقسم النّاسُ المسرَةَ بينـهم ... قسماً فكان أجلّهم حظّاً أنا
والقصيدة هي هذه:
أثِرْها في أزمّتها تَهادى ... وغادِ بها الثنايا والوهادا
وأنْجدها إذا ضَعُفَتْ بعزم ... يُذِلُّ لها التهائِمَ والنّجادا
عساها أن تبلّغ بي محلاّ ... عهدتُ بـه مع المحلِ العهادا
وَتُنزلني على نصبي بربع ... يوّطئ لي النّدى فيه المـهادا
وتعلقني من الأنجاد إِمّا ... حللتُ بهم جميعاً أو فرادى
بأثقلهم إذا وزنوا حصاةً ... وأثقبهم إذا قدحوا زنادا
وأسرعهم إلى العليا جواباً ... وأَسبقهم إلى النُّعمى جوادا
وأصنعهم لمتبع مُراداً ... وأمرعهم لمنتجع مَرادا
وأخشنـهم على الأعداء مسّاً ... وألينـهم لذي طلب قِيادا
وأضفاهم على اللهوفِ ظِلاً ... وأَوفاهم من المعروف زادا
هنالك لن ترى المقصود إلا ... غياث الدولة الملكَ الجوادا
أغرُّ إذا اجتبي لبناء مجد ... على فلك العلى أَرسى وشادا
وإنْ أمَّ العُفاة ذَراهُ لَبَّى ... نَداهُ نِداهمُ عفواً وجادا
ومدَّ إلى مطالب سائليه ... يداً ألِفت إلى الكرم امتدادا
وردَّ مقاصدَ الآمالِ بيضَا ... وقد لبست على الجود الحدادا
تخيَّر ذِروة العليا محلاّ ... وطيبَ الذكر في الدُّنيا عَتادا
وصيَّر ما حوتْ كفاه نـهباً ... لوفد الحمد قصداً واعتمادا
ولم تترُك مكارمـه عليه ... طريفاً في يديه ولا تِلادا
ولما أن تفرَّد بالمعالي ... وأدرك من مداها من أَرادا
وأمطى كاهل الباغي نَداه ... من الإِحسان ما أَعيا وَآدا
أفادَ معالِمَ الحمد انتظاماً ... وزادَ غنائمَ المجد انتضادا
وحرّم أن ترى الأيام فيها ... لغير نظام علياه اطّرادا
وقاوَمَ صولة العدوان عَدلٌ ... أقامَ بـه من الحقِّ العمادا
وخصَّ مواقف التقوى بفعل ... أمات الغيّ واستحيا الرشادا
نَحا فيه صلاحاً لم تُخالط ... مشارِبهُ قذى ومحا فسادا
أيا من لم يَفدْ أحد عليه ... بحسن رجائه إلا أفادا
ويا من كلما ازدحمت عليه ... مطايا الخائفين حمى وذادا
ويا من كلما شكت الليالي ... إليه الجدبَ والسنةَ الجمادا
أمال إلى بني الآمال عِطفاً ... إذا أبدا لمكرمة أعادا
وخلّى الجودَ يخلو بالأماني ... يحكِّمـها ويعطيها المرادا
أجِلْ طرفَ انقيادك في محبّ ... إذا كدر الهوى أصفى الودادا
رأى طيّ الضلوع على ولاء ... لمجدك لم يجد فيه ازديادا
وغالى فيه إذ أرخصت فيه ... نوالاً منك راوَحَه وغادى
ووافى نشرَ أنعمكم لديه ... وَوالى في محبتكم وَعادى
وآلى لا انثنى يهدي إليكم ... ثناء ما ارتوى فلم مِدادا
وأصدق في الوفا قولاً وفعلا ... وأَوثق فيه عقداً واعتقادا
ومنـها:
ولو لم أبدِ ما أشكو إليه ... لفاتحني بأن وبادا

فعش ما غردت في الأيك ورق ... وماء ما جرى في العود عادا
فِدى لك من ببذل العِرض منـه ... عن المال المصون لديه فادى
وكلُّ يدٍ لواهي العقد ضمّت ... على بخل أنامله الجِعادا
فما يُثنى عليه إذنْ بخير ... ولا يَثني لمكرمة وسادا
ولم يَرِ زنده في الرشد يوماً ... ولم يَرَ في مقاصده سدادا
ولا عدِمت أوامرُكم نَفاذاً ... ولا عرفت عوارفكم نفادا

تاج الرؤساء أبو نصر ابن أخت ابن الموصلايا وهو هبة الله ابن صاحب الخبر، الحسن بن علي. رباه ، وكتب بين يديه في ديوان الإنشاء في الأيام القائمية والمقتدية والمستظهرية. أسلم مع على يد الإمام المقتدي. وكان لما أضرّ ، يكتب عنـه ما جرت بـه العادة من الإنـهاءات، فلما توفي ، رد ديوان الإنشاء إليه في الأيام المتسظهرية. وخرج في الرسالة إلى السلاطين مراراً وعاد من الرسالة إلى بركيارق - بعد موته - إلى بغداد. وتوفي حادي عشر جمادى الأولى، سنة ثمان وتسعين وأربع مئة، وله سبعون سنة. وبين موته وموت سنة إلا عشرة أيام.
وكان لا يقاربه أحد في الإنشاء والعبارة. ولم يكتب كتاباً قطّ فرجع فيه إلى مبيضة.
وجدت من شعره في الألغاز مقطعات مستحسنة، فمنـها قوله:
ومنكوح إذا ملَكته كفّ ... وليس يكون في هذا مراء
له عين تجللها ضياء ... فإِن كحلت فبالميل العماءُ
يظلُّ طليقه للوصل هَوْناً ... وللحاشي بزورته احتماء
وقد أوضحتُهُ وأبنتُ عنـه ... ففسّرهُ فقد بَرح الخفاء
هذا اللغز في الخاتم. وقوله:
ومَيتة فيها حَراك إذا ... قامت على منبرها خاطبهْ
ساعية في غير منفوعِها ... فهي إذن عاملة ناصبهْ
إن وُطئت تحملُ من وَقتها ... حتى ترى مجذوبة جاذبهْ
تَعرى من اللبس وفي جيدها ... قلائد تُلفى بها كاسبهْ
تمدُّ غرثاها بريّ إذا ... أَضحت بروق للحيا كاذبةْ
هذه دالية الماء، وما دامت ملقاة فهي كالميتة. فإذا قامت على حائطها الذي شبهه بالمنبر، صارت ذات حركة، وهي ساعية في نفع غيرها. وإذا وطئت بالأرجل، تحمل من وقتها، أو تحمل من يطؤها. وقلائدها الحبال التي كفّتها بها معلقة. وغرثاها: جياعها، أي النّبات. ولو تهيأ له أن يقول عطاشـها لكان أحسن. على أنّ الشعر جيد السبك، حسن الاستعارة، مليح العبارة، صائب المعنى. الأجل أبو الحسن ابن رضوان كان يلقب بنظام الدورة. كان كاتباً في ديوان الإنشاء في الدولة المستظهرية بعد نسيب ابن الموصلايا، وعاش إلى قريب من آخر أيامـها.
قرأت له في الكتاب الذي ألفه الشيخ أبو المعالي الكتبي في الألغاز هذه الأبيات في اللغز:
وقائلةٍ هلمَّ بغير لفظ ... ولا لغة تبين من اللغات
ترى عذباتها يَخفقنَ حيناً ... كما خفق اللواء على القناة
محلّتها سواد القلب ترعى ... جناباً منـه ليس بذي نبات
هي النار، ومن عادة العرب أن توقدها ليلاً للضيف والضال، فكأنـها تقول: هلم بلسان الحال. وخفق عذباتها: لهبها. وقوله: محلتها سواد القلب؛ لأن القلب معدن نار الهوى، ومنبع الحرارة من البدن أيضاً. وليس بين صفات هذا اللغز تناسب، لأن بين نار القِرى ونار القلب بوناً بعيداً، فقد أخطأ فيه. ويجوز أن يكون قد ألغز كل واحدة من النارين، فإنـه كما تدعو نار القرى الضيف تدعو نار الهوى النفس، لكن بالبيت الثاني أبعد، فليس لنار الهوى لهب تشبه عذباتها بخوافق الألوية.
تاج الرؤساء ابن الأَصباغي الكاتب
كتب بديوان الزمام في بعض الأيام المستظهرية، وناب عن ديوان الزمام في أيام المقتدي. وله تصنيف في علم الكتابة. وجماعة الحساب وكتاب العراق يكتبون الحساب على طريقته. وأسلم في صفر سنة أربع وثمانين وأربع مئة قبل إسلام ابني الموصلايا بيوم حيث خرج التوقيع الشريف بإلزام أهل الذمة الغيار، وكان من بركات ذلك إسلامـهم.
أنشدني الشيخ الإمام عبد الرحيم بن الأخوة الشيباني بأصفهان، قال: أنشدني ابن الأصباغي الكاتب لنفسه:

عقرتهم معقورَةٌ لو سالمتْ ... شرّابها ما سُميتْ بعُقار
ذكرت طوائلها القديمة إذ غدت ... صرعى تداس بأرجل العصّار
لانت لهم حتى انتشوا وتمكنتْ ... منـهم فصاحت فيهمُ بالثار
وله في اللغز:
مقامر مذ كان لم يُقمَر ... كأنما يعلب بالسُدّر
يعشَقُه الناس على جورِه ... والجور ممقوت على الأكثر
شبابه المرموق في شيبه ... وشيبه مذ كان لم يخطر
يدلُّ في البيع ولكنّه ... يميل أحياناً مع المشتري
حديثُه مع أنـه صامت ... يَهيج مِن شِقشِقة السمَّر
هو القمر، وإنما قال مقامر لأنـه رأى اسمـه فعلاً، وهو قمر دائماً ولا يكون مقموراً. ولعب السدر معروف عند المقامرين، وهو معشوق الناس. وجوره: علوه عن منالهم. وشبابه: إبداره. وشيبه: نقصانـه. والمنجّمون يذكرون أنّ له ميلاً مع المشتري. وحديثه: طلوعه ودوام ضوئه. والسمر: جمع سامر.
وله في اللغز أيضاً:
ما حائم في كلام العُجم والعَربِ ... وما له في ورُودِ الماء من أَرَب
مَجْدولُ طيّ الحشا يهتزُّ من هَيَفٍ ... ومن نُحولٍ ومن شُربٍ ومن طرب
يبكي فيذري دموعاً ماؤها سَرِبٌ ... في السُّكْر لا من جوى بادٍ ولا حَرَب
إذا انتدى وابتدا بالشُّرب بادَرَه ... في آخر الدْور ذَرْعُ القيء والذَّرَب
تسري بـه اللّيلَ والإِصباحَ يعملةٌ ... ذَفُوفَة السّير في نقلٍ وفي خبب
تجري مع الرّيح لا تشكو الكَلالَ ولا ... تحيص عن صوبها حَيْصَ الوجِي اللغِب
هذا وراكبُها يعتاقُ نـهضته ... تقاعس بني عَقد الرّأس والذَّنَب
فما يجوز بسمعي قدُّ قامته ... طولاً ولا عُرُضاً في الميل والنكب
إذا امتطى عَنْسه جدَّ النّشاط بـه ... وإن تَرجَّل عنـها باءَ بالعَطب
ينقضُّ عنـه إذا ما انقضّ منصلتاً ... في السّير مثل رجوم الجِنّ بالشُّهُب
يناضل الغيث من جودٍ ومن كرمٍ ... حتّى يكادَ يرُدُّ الماء في السُّحُب
وقد تركت له وصفاً تجيبَ بـه ... والخِلّ يغني أخاه النَّدْب عن تعب
هذا اللُّغز في دولاب الماء. والحائم: العطشان يطلب الماء وقوله: انتدى وابتدا من التجنيس المصحف. وقوله: بادره في آخر الدّورِ ذَرْع القيْ. في نـهاية حُسن الاستعارة، والعبارة كناية عن صّب الماء الذي ملأ كوزَه منـه. واليعملة: هي الماء الّذي تدريه. والذفوفة: السريعة. والخبب: ضرب من السّير. والحَيص: الميل وطلب الهرب. وقوله: راكبها، الهاء راجعة إلى اليعملة. والراكب: الدولاب. والعنس: الناقة، وهي هاهنا الماء. وإذا امتطاه جد بـه نشاط الحركة؛ وإن نزل عنـه الماء عطب. والمنصلت: العاري. وقوله: يناضل الغيث، أي يراميه ونضاله: صب الماء.
فأجاب بعض أصدقائه:
جاءت صفاتُك تَبغي كشف مُضمرها ... يا واحدَ الدّهر فَرْدَ العلم والأَدبِ
حلّيتَه أدهماً لِلّيل صبغته ... أَقبَّ نَهْداً عجيب النقل والخَبب
كأنّه إذ جرى في شَوطه عَنَقاً ... إيّاه والفَلك الدّوار في قُطب
تراه يهوي إذا جَدّ المسير بـه ... يظَلُّ في صَعَدٍ طَوْراً وفي صَبَب
يقول طارَ ولا غَرْوٌ وجُملته ... ترى جناحاً بلا ريشٍ ولا زغَبِ
مُسخرَّاً في طريقٍ لا انقضاءَ له ... لا يشتكي من وجَىً فيه ولا تعَبِ
يسقي وللغير جَدْواه ومسكبُه ... فيا له أبداً من عاملٍ نصِب
إن أَنْ أبدى سُروراً قلبُ صاحبه ... وإن بكى قرّت العينان من طرب
قال صديقنا أبو المعالي الكتبيّ في كتاب الألغاز: هذه الأبيات أجود سبكاً، وأسلس حوكاً.
وقوله: مسخراً في طريق لا انقضاء له، مأخوذ من قولهم: سير السواني لا ينقطع. والسواني: هي الدالية. وفي دعاء بعض الحكماء: اللهم! ارفعني إليك بخط مستقيم؛ فإن المستديرَ لا طرفَ له.

أبو طاهر ابن الأصباغي أخو تاج الرؤساء أبي غالب كان يخدم عفيفَا القائمي، وانصرف عن خدمته، فبلغه أنـه تهدده، وكان عفيف قد بنى داراً وأنفق على سقفها في التذهيب أكثر من خمسة آلاف دينار، فعمل هذه الأبيات. وذكر ابن الهمذاني في تأريخه أنـه عملها تاج الرؤساء أبو غالب فيه:
تنوّق وزوّق واذهب السّقف والعُمرا ... فإِن تمّ فاكتب تحت زُنَّاره سطرا
علوٌّ وإقبال ومجد مؤثَّلٌ ... لصاحبه حقُاً ومالكهِ الدَّهْرا
لمن عنده في الدّار وجه مقدَر ... على مثل هذا الوجه والأوجه الأخرى
وهذا دعاء أنت منـه مُبرّأ ... وكان أمير المؤمنين بـه أحرى
فتطير منـها عفيف، ومات بعد شـهر، وأخذ المقتدي السقف، فكأن الله أنطق ما في الغيب على لسانـه. الأجل سديد الدولة أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الأنباري، منشئ ديوان الخلافة، من بيت السؤدد والكرم والفضل، وهو شيخ الدولة، كتب لخمسة من الخلفاء، وتوفي في الأيام الزاهرة المستنجدية سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، وولي ولده مكانـه.
وكان رحمـه الله غزير الفضل، رائق الخط واللفظ، ولمكان فضله لم يخل ديوان من شعر أهل العصر من مدحه، لا سيما الغزي، والأرجاني. ولو جمع ما فيه من شعر الأرجاني، لكان ديواناً بنفسه. فاضل مفضال، ومنشئ منشئ بالحقيقة لأبكار الأفكار، عارف بنقد الشعر وجهابذته، فكل ما زيف على محك انتقاده، أذن الدهر بكساده. وكل إبريز خلص على سبكه، ولم يبهرج على محكه، وأجازه صيرفي نقده، ولم يصمـه، نفق وراج، وصار درة على كل تاج.
وترددت إليه ببغداد، وما كان يتعاطى الشعر تغنياً عنـه، وكنت أهابه وأكبره من أن أستنشده، لكنني أثبت من شعره البيتين والثلاثة على حسب ما أنشدتها. فمن ذلك رباعياته الخالبة للِخلب، السالبة للب، فمنـهما:
يا قلب إلاَم لا يُفيدُ النّصح ... دَعْ مزحْك كم هوىً جناه المزح
ما جارحة منك خلاها جرح ... ما تشعر بالخُمار حتىّ تصحو
ومنـها:
الدَّهر يعوقني عن الإِلمام ... مَعَ ما أنّي إلى التَّصابي ظام
لا تأخذني بما جنت أيّامي ... ما ذنب السَّهم حين يخطي الرّامي
ومنـها:
يا ريح تحملي من المـهجور ... شكواه إلى المُعَسكر المنصور
قولي لمعذّبي شَبيه الحور ... ما أنت عن الجواب بالمعذور
وأنشدني مجد العرب العامري الشاعر بأصفهان، لسديد الدولة في ابن أفلح الشاعر:
يا فتى أفلح وإنْ ... لم يكنْ قطُّ أفلحا
لك وجهٌ مشوهٌ ... أسود قدّ من رحى
وكان وجهه منكراً. وأنشدني أبو المفاخر محمد بن أبي الشرف محفوط بن العلاء بن أسعد بن إسرائيل الجرباذقاني قال: أنشدني سديد الدولة لنفسه:
إن قدَّم الصاحب ذا ثروةٍ ... وعاف ذا فقرٍ وإفلاس
فالله لم يدعُ إلى بيته ... غير المياسير من النّاس
قال: فلما رجعت إلى أصفهان أنشدتهما لوالدي، فقال: لما قال: إن قدم الصاحب، كان الأحسن أن يقول: وأخر، أو يغير لفظه قدم، والأولى أن يقول:
إن آثر الصاحب ذا ثروة ... وعافَ ذا فقر وإِفلاس
فيكون قد جمع بين صناعتين: التطبيق، لأن آثر: اختار، وعاف: كره. والتجنيس بين آثر وثروة. وقوله: فالله لم يدع إلى بيته قاصر عن جواب الشرط، فالفاء وحده لا يصلح جواباً، فالأولى والأحسن أن يقول:
إن آثر الصّاحب ذا ثروةٍ ... وعاف ذا فقرٍ وإفلاس
لا غَزوَ فالربُّ إلى بيته ... دعا المياسيرَ من النّاس
وله في بعض الوزراء:
إنَّ زماناً قد صرتَ فيه ... مرشّحاً للوزارتين
قد أسخنَ الله كلَّ عين ... فيه ولكنْ لا مِثل عيني
وله:
الآن وما روضه العمر ندي ... لا تخل من الكؤوس والرّاح يدي
في باقي العمر فز بعيش رغدٍ ... عن الدّنيا إذا مضَتْ لم تَعُدِ
ثقة الدولة ابن الدُّرَيني

المعروف بابن الإبري، أبو الحسن علي بن محمد من بغداد. كان من أركان دولة المقتفي رضي الله عنـه. مجموع الكرم والفضل والورع والدين، لم يزل متعصباً لأصحاب الشافعي رضي الله عنـه.
وبنى ببغداد مدرسة لهم وسلمـها إلى شيخنا شرف الدين يوسف الدمشقي وأقمت بها ثلاث سنين للتفقه، وهي المدرسة المعروفة بالثقتية على الشط تحت دار الخلافة. وكان جاهه على نفع ذوي الحاجات موقوفاً، وما له في وجوه البر والخيرات مصروفاً.
توفي في شـهور سنة تسع وأربعين وخمس مئة.
له اليد الطولى في العربية، والنظم، والترسل. أنشدني له بعض الأفاضل ببغداد أبياتاً قد صدر بها كتاباً:
وإِنّي إِذا الظّلامُ رواقَهُ ... وساوَرَ طرْفي فيه هَمٌّ مؤرِّقُ
أُجاذِب أَطراف الحنين نُوَيْقةً ... تَحِنُّ إلى رملِ الحِمى وتُحَمْلِقُ
وتشتاق سَعْدانَ الحِمى ومناخها ... ولكنّني منـها إلى الرَّملِ أشوقُ
وله:
قالوا أبيّاتك ماذا بها ... أَعْطَى كأنّ الشِّعر لم يُرضِهِ
فقلت: أعطاني بها حُلَّةً ... أخلق من شِعْري ومن عِرضهِ
وكلُّ مدحٍ هكذا أجْرُهُ ... يَقْدِر بانيه على نَقْضِهِ
وله من الخمريّات:
إذا ما حساها في الدُّجُنّة شاربٌ ... ظننّاه بالبدر المُنيرِ تَلَثَّما
وكم ليلةٍ لم يَبْدُ منـهنَّ كوكبٌ ... أقمنا حَبابَ الكأس فيهنَّ أنجُما

جماعة أفاضل أماثل من بيت رئيس الرؤساء آل الرفيل بني المظفر كان جدهم وزير القائم بأمر الله، وقصته في نصر الدولة مع البساسيري مشـهورة، وله مآثر في ذلك مأثورة.
الأجلّ أبو محمد الحسن
ابن الأجل أبي نصر محمد ابن الوزير رئيس الرؤساء أبي القاسم علي بن الحسن ابن المسلمة. وجدت له في مجموع من مدائح عميد الدولة ابن جهير:
تذكَر والذِّكرى تهيجُ البلابِلا ... بوادي الغضا من آل نُعْمٍ منازِلا
عفتها الرّياح الجاريات جنائباً ... تهُبُّ بها طوراً وطوراَ شمائلا
ومنـها:
أصاحِ تبصّرْ هل ترى لمح بارقٍ ... يُضيء قُصوراً باللِّوى ومعاقلا
إذا ما استطار في الغمام ظننته ... أكفّ كُماةٍ ينتضون مناصلا
يناسبه قلبي خفوقاً ولوعتي ... ضِراماً غداةَ الحَيُّ غَلّسَ راحلا
ومنـها في التخلص:
سقى الله دهراً ضَمَّ شملي وشملكم ... جميعاً وأيّاماً مضيْنَ قلائلا
حويت بها جُلّ الأَماني كما حوى ... نَصِيرُ أميرِ المؤمنين الفضائلا
وله في وصف البخيل المستبشر، والكريم العابس:
لا تَمْدَحن طَلقَ المُحَيّا باسِماً ... لا خيرَ يُرْجَى عنده لمؤّمل
إِنَّ السماء إذا اكفهرَّ سحابُها ... كان البشير بصوبٍ غَيْثٍ مُسبِلِ
وله:
لنا برمٌ ذكيّ النشّر يغني ... عن الكافور أو عَرْف الكِباءِ
إذا ما السّلك أبرزه نَظيماً ... حكى للحُسن أزرار الفِراء
وله في اللّيمو:
يا رُبَّ ليموَةٍ حيّا بها قمرٌ ... حُلْوُ المقبَّل أَلمى بارد الشَّنَبِ
كأنّها كُرَةٌ من فضّة خُرِطَتْ ... واستودعوها غلافاً صيغ من ذهب
وله في النّارنج:
أنظر إلى النّارنج يَجْ ... لُوه من الصُّبح وَضَحْ
من حمرةٍ في خضرةٍ ... كأنَّها قوس قُزَحْ
وله في الباقلاء الأخضر:
وخضرآءَ مُحقوقِفٌ ظَهْرُها ... تضمُّ لآلئ لم تثقبِ
وتحمل في رأسها شوكة ... أشبّهها إبرة العقرب
وله:
لم يبق شيءٌ في الأنام يسرّني ... إلاّ صروف الدّهر بالبُخَلاء
أحياؤهم موتى وأموات النَّدى ال ... أجواد بالمعروف كالأَحياء
وله:
أما رأيتَ الأفْقَ لمّا غَدا ... هِلاله مُلتقِمَ الزُّهْرَهْ
كعاشِقِ قَبّلَ معشوقهُ ... فاستقبلَتْ من فمـه دُرّهْ أثير الدين

أبو جعفر عبد الله بن عميد الدين أبي شجاع المظفر بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء، ابن عم الوزير عضد الدين.
ذو المكان المكين، والفضل المبين، والحلم الرصين، والعلم المتين، المستكمل أدوات الكتابة: من حسن الخط والعبارة، والتصرف في اليراعة والبراعة.
هو ابن العميد الثاني نسباً وأدباً، واحد العصر فضلاً وحسباً، ابتلي بالاعتقال في الدولة المستنجدية، واستضاءت أمانيه بالأيّام المستضية. وما أجمعه لشتات المعالي، وأبدعه لأبيات المعاني، وأسلكه لجدد السلامة، وأمكنـه لقيادة الجودة والنفاسة! اعتناؤه بالنثر أكثر، واشتغاله بالترسل أشـهر، فهو الأثير الأثير فلكه في مطالع النجوم، الكبير دركه لمجامع العلوم، المأثور أثره في المنثور والمنظوم، فرند خاطره العضب الغرار ذو أثر، ومدعو صناعاته في زمانـه غير كثر.
اتفق اجتماعي معه في التوكيل بالديوان العزيز. ومما أنشدنيه لنفسه في عشرة محرم سنة إحدى وستين وخمس مئة في القمري:
وورقاء تندب فوق الغصون ... على نفسها خوفَ قنّاصها
وأشجى بكاها على نخلة ... تذكّرها كرب أقفاصها
وأنشدني لنفسه في المسك:
ما أنسَ لا أنسَ مسكاً كان يمسك لي ... بطيبه رمقاً في الحبس كان بقي
يهدي نسيمَ جنان الخلْد لي وأنا ... في النّار أشكو إليه شدّة الحرق
فلو قدرت أجازيه وهبت له ... سواد عيني وفضلَ الطِّيب من خلقي
وأنشدني لنفسه في الفرس:
وأدهم كالليل لما بدا ... مسيرَهُ والصبح قد أقبلا
ودَعه الصبح بتقبيلةٍ ... ما بين عينيه وقد طوّلا
والبرق إذْ خَجَّله عَدْوه ... حَجَّلَ منـه كل ما أَقبلا
وأنشدني لنفسه في السوط:
أنا سوط كالرعد لكن بلا صو ... تٍ أسوق السحاب من حيث تجري
قبضتني يد كبحرٍ فمن أب ... صر قبلي بحراً يسيرُ ببرّ
فقلت له: ألمعت في هذا ببيتي الشـهاب بن الصيفي، اللذين أنشدنيهما لنفسه:
لِمْ لا أَتيه على الرماح إذا ... فخرت وتحسدني الظُّبى البُتْر
واليّ سوق الريح حالمةً ... طوداً أشمّ وقابضي بحر
فإنـه وصف الفرس، والراكب وكفه، والمقرعة في هذا البيت، ولا يلحق شأوه أحد في معناه.
فقال: الذي قلت، غير هذا المعنى.
وأنشدني أثير الدين ابن رئيس الرؤساء لنفسه في السكين:
وذات حدّ يكلُّ السيف وهي إذا ... دانت على قِمم الأقلام لم تحم
تخافها الأسْدُ في الآجام ضاريةً ... فكيف تقوى بها الأقلام في الأُجُم
لكنّها إنْ برت روس اليراع مشت ... فوق الطّروس بلا ساق ولا قدم
وكلّمتك على القرطاس كاتبةً ... لا من كلام لِسانٍ ناطق وفم
وهذه آية الأقلام أظهرها ... موسى حديد كموسى جاء في الأمم
وأنشدني في التفاح لنفسه:
وتفّاحٍ أتى من خ ... دَ قاتلتي وقد جَنَت
فقلت لها لقد أهدي ... تِ ما قد جلّ عن صفتي
بعثت بـه شـهود دمي ... وحمرته ببينتي
وأنشدني لنفسه في الأترج:
أمسيت أرحم أترّجاً وأحسبه ... لصفرة فيه من بعض المساكين
عجبت منـه فما أدري أصفرته ... من فرقة الغصن أو خوف السكاكين
فقلت له: قد التفتّ في هذا البيت إلى بيت الغزي:
كالشمع يبكي ولا يدري أعَبرته ... من صحبة النار أو من فرقة العسل
ثم قلت: ولكن، لي بيتان في الأترج، وهما:
وأترّجة صفراء لم أدر لونـها ... أمن فَرْق السكين أم من فرق السكن
بحقِّ علتها صفرة بعد خضرة ... فمن شجر بانت وصارت إلى شجنْ
فعجب من ذلك، وقال: متى نظمـها فلم تخطئ المعنى؟ وأنشدني أيضاً لنفسه في الشمعة:
وشمعة في الظلام تؤنسني ... والنار فيها وفيّ تأتلق
تشبهني في الدجى وأفضُلُها ... إنّيَ طولَ النـهار أحترق
وأنشدني لنفسه في الديوان، عند حضوري معه في الاعتقال، في تاسع عشر رجب سنة ستين وخمس ومئة:

إنّي لأعشق من تملا محاسنـه ... أذني ولم تَر عيني وجهه الحسنا
والعشق بالقلب إمّا العين تصدقه ... وصف الحبيب وإما تصدق الأذنا
وأنشدني لنفسه ما يكتب على مروحة:
أحسن ما روّح بي شادن ... يداه تحكي اللؤلؤ الرطْبا
يروّح الجسم بترويحه ... وحسنـه قد روّح القلبا
وأنشدني لنفسه في الدفتر:
خير ما جالس اللبيب كتابٌ ... لا قرين فيه ريا ونفاق
وهو مثل الرّياض حقاً كما أَو ... راقه بينـه لها أوراق
وأنشدني لنفسه:
قلت شعراً قالوا بغير عروض ... ناقص والعروض بالميزان
قلت إنّي لصّ القوافي وديوا ... نيَ من شعر كلّ ذي ديوان
أَسرق الشعر لا بوزنٍ وما يس ... رق إلاّ حرف بلا ميزان
وأنشدني لنفسه:
وصَيْت بي من كان أخ ... ذ عطاي مُنْية قلبِه
والذَّنب للأيّام في ... عكس الرّجاء وقلبه
كالمرء يأكل رزقه ... في الصّيد من يد كلبه
وهو مأخوذ من قول أبي نواس:
أنعت كلباً أهله من كدّه ... وكُلّ صيدٍ عندهم من عنده
وله في مرثية ابن التلميذ الطبيب، وكانت وفاته سنة ستين:
أودى أبو الحسن الطبيب، فمن ترى ... يبقى ليوم فضيلة مشـهود
قد قلت لما أن نعوه وأَمطروا ... حمر الدُّموع على الثّياب السُّودِ
فُقِد الطَبيب فليس توجد صحة ال ... موجود منّا بعد ذا المفقودِ
مرض الصحيح أسىً عليه وبعده ... هلك المريض بطبّ كلّ بليدِ
فكأَنّما الأرواح من أنفاسه ... كانت تدبُّ بأعظم وجلودِ
قد كان يصطاد القلوب ببشره ... وبلطفه ويلين كلّ شديد
وإذا انتحت ألفاظه لبلاغة ... ركب القريب فنال كلّ بعيد
فالنّاس مأتمـهم عليه واحد ... من شامتٍ ومؤالف وحسودِ
وأنشدني لنفسه في كتاب صنّفه الوزير في شرح الصحاح، وهو:
كسرتَ الصحاح بتفسيرها ... وأصبحت تضربها في الكسور
أكنت دليلا عليها لنا ... وهل كان أعمى دليل البصير
وما كنت تقصد تهذيبها ... ولكن لتهذي بها في الصدور
وأنشدني له:
يا علّة الفالج لا تتركي ... مَنْ صحَّة العالم في سقمـه
وأنشدني له في الحبس:
أفادني السجن منـه عقلاً ... لعقله سُمتي اعتقالا
لكنَّه شفَّني بغم ... غادرني بالضنى خيالا
يضيء للعقل كلّ شيء ... إذ صرتُ من دقتي هلالا
وله فيه:
إن حاول الدهر إخفائي فإنَّ له ... في حبسيَ الآن سراً سوف يبديه
أعدَّني للعُلى ذخراً ومن ذَخرتْ ... يداه في الدهر شيئاً فهو يخفيه
وله في استهداء تقويم:
تفاءلت بالتَّقويم حين طلبته ... لعلَّ بـه تقويم ما اختلَّ من حالي
وللفأل في بعض الأمور إصابة ... وقد يحكم التقويم أيضاً بإقبالي
فأنعِمْ بـه حتى يقولوا تطوَّلَتْ ... يداه بما نالت من الفَلك العالي
وله في يهودي كان كاتباً بالعين وشفائي، وصرف:
خدمت بالعين وقد فرّقوا ... بينكما يا سخنة العين
العين لا تسخو بإنسانـها ... لو كنته ما زلت بالعين
وأنشدني في الغزل له:
تجري دموعيَ شوقاً إنْ نظرت إلى ... بدر السماء وبدرُ الأرض قد غابا
ما أطيبَ العيشَ لو كانا معاً طلعا ... وأجملَ الصبرَ لو كانا معاً غابا
وجدي بكم فوق ما قد كنت أعهده ... لم ينقص البعد من وجدي ولا عابا
يكفيكُمُ سهري في وقت نومكُمُ ... ومُرُّ عيشي إذا ما عيشكم طابا
وله في الزهد ومناجاة الله قبل خروجه:
يا أكرم الأكرمين يا مَنْ ... يطمع في جوده العبيدُ
ليس عجيباً خلاص مثلي ... مِنْ سجنِ مَنْ بأسه شديدُ

هل هو إلا عبدٌ لمولى ... له جميع الورى عبيدُ
يا مُخرج الأعظُم البوالي ... عَجِّلْ خروجي كما أريدُ
فكلّ ما قد كرهت منّي ... قد تبت منـه فما أعودُ
قد بان في شدّتي صديقي ... وبان لي المبغض الحسود
وكان هذا لِلوصل أهلا ... وذاك أهلا له الصّدود
وقد أفادتنيَ الليالي ... تجارباً مثلها يفيد
وأنشدني له إلى جهة أم أمير المؤمنين المستنجد بالله أبياتاً كان التوقيع عليها سبب الإفراج:
يا من لها شرف كفا ... طمة وعائشة ومريمْ
وعطاؤها كالغيث لا ... بل جودها أندى وأكرم
والخير من بركاتها ... وجودها الله يعلمْ
لا فخر مثل فخارها ... فيمن تأخر أو تقدّمْ
ولها أمير المؤمني ... ن خليفة مولى محكّمْ
مثل النبيّ محمد ... في الناس ممدوح معظّمْ
إن كان يوسف حسنُهُ ... في مصر أعجبَ من تَقدّمْ
فالحسن في كلّ البلا ... د ليوسف هذا مسَلَّمْ
فبحقّه قسماً تذكر بالسعيد عساه يرحَمْ
وله من أبيات يصف بها مرثية بعضهم:
رَثيتَ مَن ذكره يغثي ... فاصبرْ على القيء يا سميع
فإنّه كالمدام مُرٌّ ... والفيء من شربها ذريعُ
لكنْ لها نشوة الحميّا ... في آخر الأمر يا خليع
وله في النثر في صديق له زاره في محبسه، ثم انقطع عنـه: إن استدعينا حضورك أيدك الله، عرضناك للعناء، وإن تاركناك أعناك على البعد والجفاء. والأولى بك أن ترد أمر ترددك إلى هوى مودتك، فإنـه ينشطك على المواصلة والطلب، وتتهم مشورة الرأي في مقام الخطار، فإنـه يثبطك عن التعب أو العطب. فإن فرسان الوغى، وأهل الصبابة والهوى، لو لم ينزلوا من قلل عقولهم قليلاً، لم يجدلوا قتيلاً، ولا وجدوا إلى قضاء وطر سبيلاً. وقد زرع أيده الله زرعاً ما يقوم بسقيه، غير سعيه؛ ولا ينشيه، إلا تردده وتمشيه. فإن راعاه رعاه، وإن جنى عليه بجفاه حُرمَ جناه.
(وله إلى ابن شـهاب الدين، وقد رزق ولداً: عرفت أطال الله بقاك مقدم القادم الميمونة غرته، المأمولة رؤيته، الطالع في سماء مجده هلالاً، الناطقة شواهده بأنـه يصير بدراً يملأ العيون جمالاً وكمالاً، فتضاعف تصيبي من المسرة بـه والاستبشار، ووددت أن تمتد يدي عند الورود بـه إلى النثار، وشكرت الله على هذه الموهبة النفيسة التي زاد بها عدد هذا البيت فتزينوا بجمالها، وترشحوا للتكثير بها وبأمثالها، والخالق المصور بفضل حكمته يجعله على فطرة الحكمة وعلى الهمة مولوداً، وفي مـهاد السيادة والزيادة وداً، وفي الخير والصلاح ناشياً، وإلى رتب النـهى والعلى كل يوم صاعداً راقياً، وأن يجعله لبيباً نجيباً، وإلى كل القلوب قريباً حبيباً، ويتبعه بأخوة بدور، يقرون الأعين ويشرحون الصدور، ويملأون الأفنية والدور والمجالس والصدور، ليقوى بهم أزره، ويبقى إلى آخر الدهر صيته وذكره، ويرزق الاستمتاع بهذا الولد السار البار، وبما سيتلوه من الأولاد الصغار والكبار، موقى فيهم كل ما يخافه ويحذره، ملقي منـهم جميع ما يختاره ويؤثره، ولا بَرِحَ يستظلّ ويظللهم، بظل جدهم الصاحب الكبير جامع شمله في العز وشملهم، ليكونوا لقول الأول مستحقين:
سعوا للمعالي وهم صبية ... وسادوا وجادوا وهم في المـهود
ونالوا بِجِدِّهمُ جَدّهمْ ... فإنّ الجدودَ عُلا للجدود
وله رسالة عَمِلها لبعض أصدقائه إلى بعض الكتّاب:
أعزّ الله دعوة مستهام ... بذكرك في الصباح وفي المساء
دعاك على النوى بلسان شوق ... دُعا الظمآن من عطش بماء
يصعّد فيك أنفاساً ضعافاً ... فلو هبّت لطار إلى اللقاء
وما تقوى على ذا البعد نفسي ... ولا نفس بأرض أو سماء

كتب خادم المجلس السامي هذه الخدمة، عن خاطر مملوء بالمحبة وناظر مردود عن النظر بعده إلى أحد من هذه الأمة، ولسان، مملوء ببث الأشواق والأشجان، فائض عن جنان رحب، وبيان سكب. وذا كان الصاحب المخدوم محبباً إلى أنفس مواليه، والخادم المشتاق بليغاً لسناً فيما يخاطب بـه أو ينشيه، تدفقت ينابيع الكلم من خلال خطابه وكتابه، وارتفعت عوارض التهم عن أوصاف ذاته بالمحبوب وغرامـه، وصارت عبارات المحبين من أهل الهوى، وإشارات الممتحنين بالأشواق على طول البعد والنوى، مسلوكة على طريقته، مسبوكة على جسم لطيمته، مرددة من منطقة، مرقعة بخرق خرقه.
لا يدعي كلفي في الحب ذو كلف ... أنا الأمير على العشاق كلِّهم
ولولا أن شكل الزمان وشغل القلب الشاغل بالأهل والأوطان، يقيدان ذا الصبابة عن الخفوف، إلى من هو بـه صب مشغوف، والقدوم، على من يشتري يوم وصاله بالنوم وانضاء الركائب وعناء الجسوم، لكنت أجعل مقيلي دائماً لديه، ورحيلي وافداً من منزلي عليه، ومن حضرته إليه. وها أنا مذ الآن مجدّ في قصده، وآخذٌ أهب المسير عند إقبال القر لتقر بـه عيناي، وأستريح بـه من شدة عناي، وأشتو عنده شتاء الأعرابي النازل على آل المـهلب حين ذم زمانـه وشكا محله، فما زال بـه إكرامـهم وافتقادهم حتى حسبهم أهله. ووصل إلى الخادم تشريف حلله وجمله، فود لو اتبع إنفاذ تشريفه، باستنـهاضه في بعض المآرب وتكليفه. ولقد تأمله عليه صدور العراق فما منـهم إلا من شكر وبشر، وأثنى عليه خيراً وذكر.
وبعد، فلئن ألبس خادمـه خلعة غدا ثوبها مبهجاً، وسيكون غداً منـهجاً، فقد ألبس مجده حلة من الثناء والإطراء يبقى حديثها على الأيام طرياً أرجاً، والله لا يسلب كافة أوليائه، سابغ ن وآلائه في قرب أو بعد، وكسوة حر أو برد، والسلام).
وكتب إلي، وهو في الاعتقال سنة إحدى وسبعين، زمان اشتغالي بحل أقليدس:
ماذا يضرّ العزيز يوماً ... إن زار في أسره الذليلا
لو كان يبدي إليّ مَيْلاً ... لكان يسعى إليّ مِيلا
يا ملهماً حلّ كّلِ شَكْلٍ ... يقيم في حلّه الدليلا
أقليدسي في الأسار شكل ... فابغ إلى حلّهِ سبيلا
فكتب جوابها قطعةً طويلة على وزنـها.
وأنشدني لنفسه ممّا كتبه إلى صديق له يستزيره وهو في الحبس:
الحيُّ لِمْ يُهْجَرُ في حبسه ... والمَيْتُ لا يهجر في الترب
إن لم يكن لي فرج عاجل ... فعجّلوا لي فرج القرب
فأنتم الدّنيا إذا أقبلت ... عليّ كانت منية القلب

كمال الدين أبو الفضل عبيد الله بن الوزير عضد الدين بن رئيس الرؤساء.
شـهم مـهيب، وله فهم مصيب. وهو غضنفر بني المظفر، وقيل آل الرفيل. لما تولى أبوه الوزارة، صار أستاذ الدار، فغضت لهيبته الأبصار.
وبيني وبينـه من المعرفة وله عند من العارفة ما يوجب علي عرفان قدره، والاعتراف بشكره.
وله شعر يروق ويفوق، ومنـه قوله في بعض المماليك المستنجديه، وكان مليحاً:
وأهيف معسول الفكاهة واللمى ... مليح التثنّي والشمائل والقدّ
به ريَ عيني وهو ظامٍ إلى دمي ... وخدّي له وردٌ ومن خدّه وردي
ولي فيه مديح، ومن ذلك أنّه كتب إلى أخي من العراق يشكره على تكفله بأسبابنا، وتكلفه لآرابنا، فعملت فيه قصيدةً، وسيرتها إليه من الشام، مطلعها:
قضى عمره في الهجر شوقاً إلى الوصل ... وأبلاه من ذكرى الأحبّة ما يبلي
وكان خليّ القلب من لوعة الهوى ... فأصبح من بَرْح الصبابة في شغل
وأطريه اللاحي بذكر حبيبه ... فآلى عليه أن يَزِيد من العذل
وإنّ مرير العيش يحلو بذكركمْ ... وهل لمرير العيش غيريَ مُسْتَحْل
وصالكم الدنيا وهجركم الردى ... وقربكُمُ عزّي وبُعدكُمُ ذلّي
ومستحسنٌ حِفظ الوداد فراقبوا ... لأجل اقتناء الحمد نـهديّ لا أجْلي
نَفى الصبر من قلب المتيّم حَبلُهُ ... وكيف ثبات القلب في مسكن الخبل
فقلبيَ بين الشوق والصبر واقفٌ ... على جَدَد بين الولاية والعزل

إذا ما بقاء المرء كان بوصلٍ مَنْ ... يحبَ فإن الهجر نوعٌ من القتل
وهل نافعي عذل ونصح على الهوى ... وعذليَ يُغري بي ونصحيَ لا يسلي
وما كنت مفتون الفؤاد وإنّما ... عليّ فتوني دلَه فاتنُ الدلّ
نحولي ممّن شدّ عَقْدَ نطاقه ... على ناحلٍ واهٍ من الخصر منحلّ
إذا رام للصدِّ القيامَ أبت له ... روادفه إِلاّ القيامَ على وصلي
كبدر تجلّى في هَزِيع من الدجى ... وغصنٍ تثنّى فوق حقف من الرمل
وناظره نشوانُ لا من سلافة ... سقيمٌ بلا سقمٍ كحيل بلا كحل
وأشـهد أنّ الحسن ما خطّ خطّه ... بعارضه والسحر ما طَرفه يُملي
وما لحظه إلاّ عُقارٌ فإنّني ... وجدت هوى عينيه يذهب بالعقل
سقى الله بالزوراء عصر استقامتي ... لإنجازه الوعد المَصَون من المَطلْ
غداة نضوت الجد أبلى جديده ... ولا عيشَ إلا هزّ عِطْفي إلى الهزل
أنادمُ غرّاً من أفاضل أهلها ... كراماً وكلٌّ حلية الزمن العطل
وإخوان صدق للصداقة بيننا ... صفاء صدور طهّروها من الغِلّ
ندارس آي العقل من سورة الهوى ... ونفهم معنى العلم من صورة الجهل
وها أنا قد أصبحت بالشام شائماً ... سنا بارق من غير وبل ولا طلّ
يؤهَلني للبعد من كلّ حظوةِ ... ويحرمني اللذات بعدي من الأهل
ولا صاحب عندي أحاول نصره ... بتخفيف ما يعروه من فادح الثفل
وإنّي أرى عين الخصاصة ثروتي ... إذا عجزت عن سدها خَلّة الخِلّ
أُلايِنُ حسادي الأشدّاء رِقبةً ... لهم وأعاني الصعب بالخُلُق السهل
وأبقي مداراة اللئيم لعلّه ... يبيت ولا يطوي الضمير على دغل
سوى السوء لا تجدي مداراة حاسدي ... كما يستفاد السّمّ من صلة الصّلّ
ومن نقص دهري قصد فضلي بصرفه ... ليرخص منـه ما من الحقّ أن يغلي
وإنّي من العلياء في الكنف الّذي ... بـه حظُّ فضلي كلّما انحطّ يستعلي
وماذا بأرض الشام أبغي تعسّفاً ... ولا ناقتي فيها ترام ولا رحلي
ولي حرمٌ منـه الأفاضلُ في حمىً ... من الصون بالمعروف بالبذل في حِلّ
ومن جملة المديح:
أبي الفضل فيه أن يكون كماله ... لغير كمال الدين أعني أبا الفضل
رحيب النوادي والندى واسع الذرا ... رفيع الذُّرا عالي السنا وافر الظِّلِّ
نداه حيا المعروف قد شمل الورى ... عموماً وغيث الخصب شرّد بالمحل
إذا خفيت سُبْلُ الكرام فإنّه ... كريم المساعي بينـهم واضح السبل
وفي الجدب إن جادت سماهُ سماحة ... بدا زَهَرُ الإسعاف في الأمل العقل
تساوى له الإعلان والسرّ في العلى ... فخلوته ملء المـهابة كالحفلِ
فتى السنّ إلاّ أنّ للملك قوةً ... بما هو يستهديه من رأيه الكهل
من القوم أمّا المال منـهم فعرضة ال ... سماح وأمّا العِرض منـهم فللبخل
أَضاء زمان المستضيئ إمامِنا ... بآرائه الميمونة العَقد والحلّ
فمن رأيه ما يطلع السعد من سنا ... ومن عزمـه ما يطبع النصر من نصل
ومنـها في صفة الروض:
وما روضة غناء مرهوبة الثرى ... مُضَوَّعة الأسحار طيّبة الفصل
شمائلها طابت وطاب شمالها ... سقتها شَمُولاً عند مجتمع الشمل
تردّد أنفاس النسيم عليلة ... عليها فيشفي مرُّها كلَّ معتلّ
تهبّ الصبا فيها بِليلٍ بَليلةً ... على زهَر من عبرة الطلّ مبتلّ
لها من ثغور الأقحوان تبسّم ... وتنظر عن أحداق نرجسها النُّجْل

كأنّ نُعاماها تبلّغ نحونا ... تحايا قرأناها على ألسن الرسل
تؤرّج أرجاء الرضا كأنما ... تجامل في حمل التحية عن جُمْل
مرجعةٌ فوق الغصون ُها ... فنونَ هدِيلٍ بين أفنانـها الهُدل
تنوح بها الورقاء شجواً كأنّها ... مفجّعة بين الحمائم بالثكل
مطوّقة أبلت سوادَ حِدادِها ... ففي الجيد باق منـه طوق له كُحْلي
بأحسن من أَخلاقك الزُهْر بهجة ... وأذكى وأزكى من سجيتك الرسل
ومنـها:
إليك سرت منّي مطايا مدائح ... من الشكر والإحماد مُوقرةَ الحمل
سوائر في الآفاق وهي مطيفة ... ببابك دون الخلق مخلوفة العُقْل
تهذّب معناها بصقليَ لفظها ... كما بان إثر المشرفيّ لدى الصقل
وإن يجل شعري في مديحك رونقاً ... وحسنأً فإنّ الشـهد من نِحَل النَّخل
سلمت ولا لاقت عداك سلامةً ... ورهطك في كُثر وشانيك في قُلّ
ودمت ولا زالت بسطوك ديمة ال ... وبال على الأعداء دائمة الوبل
ودرّت لك النعمى على كلّ آمل ... بقيت بقاء الذرّ والحرث والنسل
أخوه:

عماد الدين أبو نصر علي بن الوزير عضد الدين أبي الفرج محمد بن عبد الله بن المظفر رئيس الرؤساء. شاب يتوقد ذكاء، ويتوقر حياء، ويتوقى لله اتقاء، ويتوقل في ذروة المجد ارتقاءً، ويتوقع لحظوة الجد احتظاءً، مرتدٍ بالتقوى، ومسدٍ للجدوى، ومتحلّ بمحاسن الأخلاق، ومتجلّ بأنوار الفضائل في الآفاق. قد خلّى الدنيا وتحلى بالدين وسلك طريق أهل اليقين، وملك التوفيق من الله رب العالمين، فأصبحت وزارة والده بسيرته حالية عالية، وبقيمة فضله غالية، وبديمة إفضاله هامية.
وله نظم أرق من النسيم السحرين وأدق من المعنى السحري، وأعطر من العنبر الشحري، وله عندي فوائد، ولي فيه مديح وقصائد.
ومن شعره السائر، في البادي والحاضر، ويغنى به:
قف باللّوى إن تناءت الدارُ ... فعند تلك الأوطان أوطارُ
وشِمْ لها بارِقَ السحاب فإنْ ... ضَنَّ فماءُ الجفون مدرار
أحبابنا أزمعوا الرّحيل وما ... أظنّ أنّي أعيش إنْ ساروا
راحوا بقلبي وخَلَّفوا جسداً ... جارَ عليه السَّقام مذ جاروا
أحِبّ نجداً إن انجدوا وإذا ... غاروا فعندي للغور إيثار
لا عُذْر لي في الحياة بعدهُمُ ... النْار في حبّهمْ ولا العار
وبيني وبين هذا الوزير عضد الدين خلوص وداد، وخصوص اتحاد. ولما وصلت إلى الشام، وأحوجني التلبس بأشغال المملكة إلى المقام، كتبت إليه قصيدة أتشوقه فيها وأمدحه بها، وذلك عقيب وزارة أبيه، وزهده وتأبيه، أولها:
لائم للمِحبّ غير ملائمْ ... هام قلبي وقلبُهُ غير هائمْ
لم يزل واجداً عليَّ لأنّي ... بتُّ للوجْد واجداً وهو عادم
أغتدي للهوى سليباً سليماً ... وهو سال منم الصَّبابة سالمْ
ناصحي غير عالم بالَّذي بي ... ومن الغَبْن ناصح غير عالمْ
خَلِّ يا خِلُّ في الهوى عذل صبّ ... واجد من لواذع العذلِ واجم
لا ترع بالملام مَنْ ليسَ يخْشى ... في سبيل الغَرام لومة لائم
لا تظنْ الهوى مفارقَ قلبي ... فهو وصفٌ كما علمتَ ملائم
لفؤادي ضمانةٌ وغرامٌ ... أتْلَفاه بلا ضمين وغارم
نار وجدي دخانـها في شحوبي ... وفؤادي صالٍ ووجهيَ ساهم
قد كتمت الهوى وباح بـه الدَّم ... ع فسرّي ما بين مُفش وكاتم
من لِصَبّ رمته مُقلةٌ رئمٍ ... حبّه من ضميره غير رائم
لجفون البيض الصوارم بيضٌ ... لم تزَلْ في الجفون وهي صوارم
وبوادي العُّذَيْب أُدْم ظباء ... فاتكات لحاظها بالضراغم
وبنفسي ظامي الوشاح على عذ ... ب لماه قلبي المُعذّب حائم

فحِمى العشق آهلُ الربع منـه ... وحِمى الصبر عنـه عافي المعالم
ساحر طرفهُ وساجٍ وإنّي ... لتمنّيه ساهِرُ الطّرف ساجم
قرّبَ الطيفُ وصلَهُ وهو ناءٍ ... وأتاني مستيقظاً وهو نائم
أنصفاني رأيتُما قطُّ مظلو ... ماً قضى نحبَه على حبّ ظالم
حبّذا والحبيب في الوصل منّي ... راغبٌ والحسود بالكره راغم
وسقى الله عيشنا المتقضّي ... ورعى الله عهدّنا المُتقادم
حين عصْرُ الصِّبا كحاليَ حالٍ ... وهو في مَرّه كأحلام حالم
فليالي العراق بيضٌ من البي ... ض غوانٍ من الغَواني غَوانِمْ
وزماني مساعِدٌ ورفيقي ... في الهوى مُسعدٌ ودهري مسالم
ومنادي المنى مُجاوبه الاس ... عافُ والسؤل للنجاح منادم
ومن الأكرمين كلُّ نديمٍ ... لستُ من قربه مدى الدهر نادم
ما فقدنا السرور إلاّ هِدانا ... كلُّ هادٍ لما بنى الهمُّ هادِم
وبذاك الجَناب أوطان أوطا ... ري كما أنَّها مغاني المغانم
ومَراد المُراد بالعُرف زاهٍ ... ومَراح المِراح بالعَرف فاغم
ومبيتي ما بين كأسٍ وثغر ... راشفاً منـهما متى شئتُ لائم
ورد خّدٍ نَدٍ وغُصن قوامٍ ... ذا جنيٌّ غضٌّ وذلك ناعم
فأنا اليوم بالشَآم وحيدٌ ... لِسَنا البارِق العراقيّ شائم
لا وَدودٌ على وفائي مُقيمٌ ... لا وفيٌّ بشرط وُدّيَ قائم
أبداً بين هِمَّتي وزماني ... في اقتراحي وفي اطّراحي ملاحم
عَظُمت هِمّتي وها أنا أستصْ ... غرُ في المطلب العظيم العظائم
ما نجا من مطاعِن العجز راضٍ ... بِمَلاهٍ من عَيشـه ومطاعم
مبتَغي قلبيَ المُشوق ببغدا ... دَ وجسمي نائي المَحلّ بجاسِم
ليتَ شعري متى يُبشّر عنّي ... أصدقائي فيها بنيّ قادمْ
ما لشَمْلي بها سوى أمر مولا ... ي عماد الدّين الممّلك ناظمْ
ومنـها في تقريظه:
واحد العصر ثالث الشمس والبد ... ر وثاني الحيا بغير مُزاحم
إنْ يكن مانِحَ المراحم بالجو ... دِ فبالبأس مانِعٌ للمحارم
شَيّدَ المجدَ وهو في المـهد شدّت ... بتمام العلى عليه التّمائم
وهو بالحزم مُدركٌ كلَّ سؤلٍ ... ولَعمْري كم حازماً رام حازِم
نُطْقُ قسٍّ ورأي قيسٍ وإقد ... مُ عليّ وجود كَعْب وحاتِم
وندىً فرّق الخزائن مقتا ... داً إلى المُعدِم الغِنى بالخزائم
بشّر البِشر منـه كلِّ مُرجٍّ ... دِيمة الخير بالنِّجاح الدائم
طالعةٌ طلقةٌ وباعٌ طويل ... ويدٌ بسْطَةٌ وثغرٌ باسم
وعطايا غُزْر وغُرُّ أيادٍ ... وسجايا زُهرٌ وبيضُ عزائم
كفلت كفّه بنُجْح الأماني ... ونُشور الآمالِ وهي رمائم
فله في التُّقى مآثر نزّهْ ... ن سجاياه عن جميع المآثم
ومنـها:
ما رياضٌ فاحتْ لطائف نفا ... س صَباها لطائِفٌ ولطائم
أَظهرَتْ سِرَّ نشرِها فكأنْ قد ... مشت الريح بينـها بالنّمائم
وَشْي نوارها المفوّفُ أسدى ... وأنارت فيه أكفُّ الغمائم
كقدودٍ تعلَّقتْها قلوبٌ ... ذات شجو غصونـها والحمائم
فَبِشَدْو الغِناءِ للوُرقِ أعرا ... سٌ وبالنوح للحَمام مآتم
من سجايا بني المُظْفّر أبهى ... ومساعيهمُ الحِسان الكرائم
ما استقامت إلاّ بهم سُنَّةُ الشر ... ع ودين الهدى ودولةُ هاشم

واستوت في خضارِم الرأي فلك ال ... ملك منـهم على مَراسي المراسم
أحسنوا العفو والتجاوزَ حتّى ... مَهّدوا حرمةً لأهلِ الجَرائم
كم بكت أعين اللّيالي فعادتْ ... وهِيَ اليوم ضاحكات المباسمْ
وبشمس الورى عليّ أبي نَصْ ... رٍ تجلّى عنّا ظلام المظالم
ذو نوالٍ لكلّ عاف معاف ... ولسقم الرّجا مداوٍ مداوم
ففدا كم بني المظفّرِ عاصٍ ... لم يطع أمره من الأمر عاصم
من محاسُنّه المحاسن بالش ... رّ وما زال للمساوي مُساوم
كم رديءِ رَدٍ وساعٍ كمينٍ ... في سعيرٍ وجاحدٍ فيَّ جاحم
ومنـها:
يا ابن من حكمـه على الخَلْق طرّاً ... وعلى ماله مرجّيه حاكم
أنا راقٍ في هُضْب علياك مدحاً ... ولطرز الثناء بالنظم راقم
غير قاصٍ عن قاصدٍ لك عُرفاً ... لفقار افتقاره هو قاصم
لم يَزلْ فائزاً بصدق الأماني ... كلُّ راجٍ لظنّه فيك راجم
بالمُوالين قوّة للموالي ... والخوافي بها نـهوض القَوادم
وكان يُنعت قبل وزارة والده بشـهاب الدين.
ولما اعتقلت بالديوان ببغداد، كتبت إليه قصيدة طويلة:
لو كنتَ تعلم منتهى بُرحَائه ... حابَيْتَ إبقاءً على حَوْبائه
ولكنت تترك في الغرام ملامـه ... كيلا يزيد اللّوْم في إغرائه
لا تنكِرنْ ضحكي أريك تجُّلداً ... ضحك الحَيا بالبرق عين بكائه
ما كنت أعلم دمع عيني مفشياً ... سراً لهم أشفقت من إفشائه
حتى جرى في الخدّ منّي أسطراً ... فعرفت أنَّ الشوق من إملائه
ما كان أعذب بالعذيّب لدى الصّبا ... عيشاً أمنت فناءه بفنائه
إذ كاسمـه ماء العذيب وأهله ... في العزّ تحسدهم نجوم سمائه
والحيّ شمس الأفق تخبأ وجهها ... منـه حياءً من شموس خبائه
أيام لم أبصر جميلاً فيهم ... إلاّ وفاء إلى جميل وفائه
ومقرطق ألفيت قلبي آبقاً ... منّي له فالقلب قلب قبائه
قلق الوشاح محبُّه قلق الحشا ... فكلاهما ظامٍ إلى أحشائه
ويشدُّ عَقْد نِطاقه في خصْره ... حذراً عليه لضعفه ووهائه
بدرٌ فؤادي في محبّة وجهه ... بدريّه المعدود من شـهدائه
إشراق غرِّة وجهه في صدغه ... يبدي لك الإصباح في أمسائه
منشور إقطاع القلوب عذاره ... فالحسن جند وهو من أمرائه
وله الشباب الغضّ أبدع كاتب ... إذ خطّه المرقوم من إنشائه
في عارضيه سواد أبصار الورى ... قد شفّ من ماء الصّبا لصفائه
والصُّدغ منـه لعارضيه معارض ... وسواد ذاك الخطّ من أفيائه
رَمق المحبّ ولم يدعْ رَمقاً له ... هلا أخذت زمامـه لذمائه
أعدى سقام اللّحظ منـه محبّه ... يا محنتي منـه ومن أعدائه
وسقام مقلته زيادة حسنـها ... وأراه في جسمي زيادة دائه
يا صاحبيّ الصاحيين من الهوى ... قد طال عهدكما بكأس طلائه
لا تطمعا في أن أفيق فإننّي ... يا صاحبيَّ سكرت منم صهبائه
لا تسمعاني فيه ما أنا كارهٌ ... إنّ المحب يصدُّ عن نصحائه
ولقد أصمّ عن الكلام تغافلاً ... لأُنزّه الأسماع عن فحشائه
أروي حديث الحادثات وخطبُها ... لي يخطب الأهوال من أهوائه
يخفي الزمان سناي في إظلامـه ... إخفاء ألْثغ سينـه في ثائه
لما مضيت له براني صَرْفه ... مثل اليراع فبرْيه لمضائه

حتَّام أرضي الضّيم من أدوانـه ... وإلى متى أغضي على أقذائه
إحفظ لسانك أن يطول فإنّما ... قصر اللّسان يكُفُّ من غلوائه
والشمْع قطع لسانـه من طوله ... وحياته سببٌ إلى إردائه
ومقاسمٌ في ثروتي لمّا رأى ... عدمي غدا مستأثراً بثرائه
قوَّمت في زمن الشدائد غصنـه ... فاعوج إذْ هبّت رُخاء رَخائه
ونفعته لمّا تناهى ضرّه ... فأعضته السّراء من ضرّائه
قلبي من الإشفاق محترقٌ له ... كالشمع وهو يعيش في أضوائه
متناومٌ عنّي إذا ناديته ... ولطالما استيقظت عند ندائه
إنْ أستزده يزد كراه وزائدٌ ... تحريك مـهد الطفل في إغفائه
ولئن جفاني الدهر في أحداثه ... فلأصبرن على فظيع جفائه
فالله يفعل ما يشاء بخلقه ... وجميع ما يجري لنا بقضائه
فاستعد من ريب الزمان بصاحب ... تعدي فضائله على عدوائه
واشك الزمان إلى شـهاب الدّين كي ... يبدي رياض الخصب في شـهبائه
ونداه ناد فإنّ أندية المنى ... مخضرّة الأكناف من أندائه
وهو الشـهاب حقيقةً فالفضل من ... أنواره والطول من أنوائه
كالشمس في آرائه كالغيث في ... آلائه كالصبح في لألائه
لله راحته ففيها راحةٌ ... لمؤمّليه ومرتجي نعمائه
فعداته يفنون من إعطابه ... وعفاته يحيون من إعطائه
يغضي حياءً والمـهابة كلّها ... في أنفس الأعداء من إغضائه
ويغضُّ عيناً للوقار ونوره ... لتغضّ عين الشمس دون لقائه
إنْ كان ما غثت معاني مدحه ... منّي فما رنت حبال حِبائه
ومنـها في الاستنجاد على الإمام المستنجد:
أبني المظفر ما يزال مظفّراً ... راجيكمُ أيداً بنيل رجائه
وإذا عرا خطب ملمٌّ مؤلمٌ ... داويتُمُ بالجود من أدوائه
يا من علا يحكي أباه وجدّه ... زان العلاء بجدّه وإبائه
يعني الزمان بمن عنيت بأمره ... حاشاك تترك عانياً بعنائه
فانصر أبا نصرٍ على زَمَنٍ أبى ... نصري لفضل أنت من أبنائه
واشفعْ تشفّع وعده بنجازه ... أنّى يخيب وأنت من شفعائه
ذكرْ بحالي الصاحبَ المولى الّذي ... يقوي أمير المؤمنين برائه
وقل استجار كريم بيتٍ بي وذو ال ... بيت الكريم يجد في إحيائه
والمستجير بنا مجارٌ لم يَزلْ ... ولو أنّ هذا الدهر من أعدائه
شافِهْ أميرَ المؤمنين بحاله ... فأرى شفاهك موجبٌ لشفائه
وبعده البيتان اللذان سبق ذكرهما وهما:
قل للإمام علام حبس وليّكم ... أولوا جميلكم جميل ولائه
أوليس إذْ حبس الغمام ولِيَّه ... خلّى أبوك سبيله بدعائه
ومنـها:
لولاك كان رويُّ شعري ظامئاً ... لا يطمع الراوون في إروائه
والفضل بين بنيه أوْكدُ نسبةً ... فَأغث كريماً أنت من نسبائه
وإنما ذكرت شعري فيه، إعراباً عن فضله ونبله، وتسييراً للمثل في ذكر سيرة مثله.
عمر:

تاج الدين أبو علي الحسن بن عبد الله بن المظفر، أخو عضد الدين الوزير، الكريم المطلق، والحليم الموفق، والصاحب المصحب، والمغدي للكرام المقيت.
ولي في الوزير وفيه مدائح إن أثبتها أكثرت في الكتاب نظمي، وخرجت عما هو رسمي.
وتاج الدين هذا جواد بني المظفر، ورئيس بيت رئيس الرؤساء، وشيمته أصفى من زلال الماء، وقرائحه في نظم أبيات. غير أبيات. وأكثر ما رأيت ميله إلى اللغز والمعمى والأحاجي. وسأورد من ذلك ما أتذكره، وأنا على ما سلف منـه في حقي من العارفة أعرف له وأشكره. بنو المطلب الأجل رضي الدين هبة الله بن محمد بن الوزير ابن المطلب، من بيت السؤدد والفضل.
أدواته في الأدب كاملة تامة، ذو نوادر للخاصة والعامة.
له الخط الرائق، والفضل الفائق. إذا كتب أغضى ابن مقلة مقلته حياء، وأغلق ابن البواب بابه خجلاً. وإذا ترسل فاسترسل كان لفظ عبد الحميد، للفظه عبداً غير حميد، لكن له لوثة ما تكاد تصحي سماء فضله بسحابها، ولا تبرز شمس أدبه من حجابها.
قصر حظه عن خطه، فصار موجباً لخموله وحطه. وحيث نسخت آي الفضل في عصرنا فلم تقم سوقه، اقتنع بأن يكون ناسخاً لما رأى عهد الأدب منسوخاً، وعقده مفسوخاً.
ورأيت أهل الأدب الأكابر ينبزونـه بالجرذ، ويتطايبون معه به، وهو كثيراً ما يذكره فيما ينظمـه تعريضاً، وربما صرح به.
ونثره في غاية الحلاوة، واستشـهاداته واقعة موقعها، وأبياته مضحكة.
أنشدني لنفسه:
فديت من في وجهها سنَّةٌ ... أشـهى إلى القلب من الفرض
تنسى عهوداً سلفت بيننا ... كأنما قد أكلت قرضي
هذه إشارة إلى أن أكل الطعام الذي قرضه الفأر، يورث النسيان على ما يقال.
وأنشدني لنفسه في الهجو:
ألا قبّح الله هذي الوجوه ... وبدَّلها غيرها أوجها
فلا أفقها مُؤذِنٌ بالندى ... ولا بالعُلى مؤذِنٌ أوجها
وأنشدني لنفسه في الهزل:
بنفسي كلُوُمٌ من هواك أليمةٌ ... وأخفي الذي بي في الهوى وأكايمُ
ولي في الرّضا والسخط عندك، فاعلمي ... سفيعان: . . . قائمٌ، ودراهمُ!
وأنشدني لنفسه في ابن دينار، كاتب منثر الوزير في محرم سنة إحدى وستين، وكان أحاله عليه فمطله:
مولاي في منثركم كاتبٌ ... يزيد في ظلميَ إفراطا
مضيع للمال لكنـه ... أضحى على شؤمي محتاطا
ظنّ أباه من عطاياك لي ... فليس يعطينيَ قيراطا
وأنشدني لنفسه في الأديب مفلح أيضاً حيث مطله وكان هو عامل المنثر يخاطب حاجب الوزير:
قل لابن تركان حليف الندى: ... جواهري في النظم لم تثَقب
والقول يا مولاي لو رُمْتَهُ ... عند وزير العصر لم يصعب
مولاي يا من برُّه عاجل ... ليس بمجنوب ولا متعب
مفلحُ عُرقوب ولكنني ... أطمع في برّك من أشعب
يقول مَن لقَّبنا هازئاً: ... هذا جَسدَىً ممتنع المطلب
واعجباً من جرذٍ شاعرٍ ... يُحال بالبرّ على ثعلب!
وأنشدني له أيضاً في نائب الوزير بسبب إحالته على المنثر، وكان قد عه:
يا سيدي والطَّالب الغالب ... قد وقع اللَّصُّ على النائب
ولست أهجو مفلحاً بعدها ... قد صحَّ أنَّ الذنب للنائب
وأنشدني لنفسه في ابن تركان:
يا ابن تركان لن يدومَ سِوى الل ... ه بعلمي، وكلُّ هَمّ يزولُ
كلُّ حيّ، وإن تمادى بـه العم ... رُ طويلاً، إلى الممات يؤول
وأنشدني لنفسه في بعض الوزراء:
يا سيد الوزرآء، عبدكَ لم يزل ... يرجو العلوَّ لظلّك الممدود
فعلام ذِيدَ، وللعفاة مناهِلٌ ... من حوضك المتُلاطِم المَوْرود؟
نَثَلَ الكنائنَ للنّضال ذِياده ... عنكم فأصمى عِرضَ كلِّ حسود
وغدا يهذ من المديح قصائداً ... تزهى إلى إحسان كلِّ قصيد
وبكلِّ عافية يروح ويغتدي ... منْ ربّه لكن بغير ثريد
وأنشدني في ذم الغيم لنفسه:
ما أقبح الغيم ولو أنَّهُ ... يُمطرنا دُرّاً وياقوتا!
فكيف والآفاق مغبرةٌّ ... شوهاء لا ماءً ولا قوتا؟
وأنشدني لنفسه في واسط، ويذكر مخالطة النسيم روائح السحاه، وفيه نوع تحميض:
لله واسط! ما أشـهى المقام بها ... إلى فؤادي وأحلاه إذا ذكرا!
لا عيب فيها ولله الكمال سوى ... أنَّ النسيم بها يفسو إذا خّطرا
وأنشدني لنفسه:
نَفْضُ التُراب عقوقٌ عن مناكبنا ... لأنَّه نَسَبُ الآباء في القِدَمِ

وأنشدني لنفسه في امرأة له بذلت نفسها لغيره، وتمنعت عليه، وقد لبست على ابنـها نقاب سواد:
قلتُ لها إذ أقبلتْ ... في حُلّة كالسبج
ومنظرٍ يسبي العقو ... ل لحظه بالغنج
تضايقي تضايقي ... لا بدَّ أنْ تنفرجي!

أبو سعد محمد بن علي بن عبد المطلب كان في عهد الوزير ابن المطلب، وزير الامام المستظهر رضي الله عنـه متصرفا. وكان هجاماً على الهجاء وثلب الكبراء.
له:
عُزلتُ وما خُنْت فيما ولي ... تُ وغيري يَخون ولا يُعزّلُ
فهذا يدلُّ على أنَّ مَن ... يوّلي ويعزل لا يعِقل
وله في الهجو السخيف:
. . . حتى يسيل فوه ... ويدّعي أَنَّه . . .
ثلاثة حبّبت إليه ... التيه، والعجبُ، والسّقوط
تراه في الدَّست مثل ميت ... ذرّ على وجهه الحنوط
وأنشدني مجد الدين ابن المطلب بدمشق لأبي سعد ابن المطلب:
تنانيركم للنَّمْل فيها مدارجُ ... وفي قِدركم للعنكبوت مناسِجُ
وعندكم للضَّيف يومَ يزوركمُ ... حَوالاتُ سوءٍ كلها وسَفائج
إذا سهل الإذن العسير ورفعت ... ستورك فانظرني بما أنا خارج
وسّيانٍ بيت العنكبوت وجوسق ... منيف إذا لم تقض فيه حوائج بهاء الدين كافي الدولة ابن حمدون الكاتب كان عارض العسكر المقتفوي. ثم صار صاحب ديوان الزمام المستنجدي. وهو كلف باقتناء الحمد، وابتناء المجد. وفيه فضل ونبل، وله على أهل الأدب ظل. وألف كتاباً كبيراً سماه التذكرة، وجمع فيه الغث والسمين والمعرفة والنكرة، فوقف الإمام المستنجد على حكايات ذكرها نقلاً من التواريخ نوهم في الدولة غضاضة، ويعتقد للتعرض بالقدح فيها غراضة، فأخذ من دست منصبه وحبس، ولم يزل في نصبه إلى أن رمس. وذلك في أوائل سنة اثنتين وستين وخمس مئة.
وأنشدني لنفسه في مروحة الخيش ملغزاً:
ومرسلة معقولة دون قصدها ... مقيدة تجري حبيس طليقها
تُمرّ خفيف الريح وهي مقيمة ... وتسري وقد سُدّتْ عليها طريقها
لها من سليمان النبي وراثة ... وقد ضربت إلى النبيط عروقها
إذا صدق النَّوْءُ السِمّاكيّ أمحلت ... وتمطرُ والجوزاء ذاكٍ حريقها
تحيتها إحدى الطبائعِ، إنّها ... لذلك كانت كلّ روح صديقها
وقال:
وحاشا معاليك أنْ يُستزادَ ... وحاشا نَوالُك أن يقتضى
ولكنّما أستزيد الحظوظَ ... وإنْ أمرتني النـهى بالرّضى
وقال:
يا خفيف الرأس والعقلِ معاً ... وثقيلَ الرُّوح أيضاً والبدنْ
تدّعي أنّك مثلي طيّبٌ ... طيب أنت ولكنْ باللبن! أبو المظفر ابن السببي الملقب عز الدولة، من أهل بغداد وأعيانـها. كان شاباً ظريفاً، متودداً لطيفاً، ذا كياسة، ورياسة ونفاسة، ملء الفضائل، حلو الشمائل، حسن البهجة، لسن اللهجة. أناب ابن البلدي في وزارته بوزر دمـه، وتوصل في قطع يده وقدمـه، وذلك في آخر سنة خمس وستين وخمس مئة. ولم يمض شـهران حتى انقضت أيام المستنجد، وفتك بالوزير المتبلد، ولم يتم ثأره، حتى ظهرت في تبديل الدولة آثاره.
ومن نظمـه السلس، وهو أرق من النفس، ويغنى به:
يا ناجِياً من عذاب قلبي ... وسالماً من رسِيس وَجْدي
لا تتقرب إلى ثيابي ... فإنَّ داء الغرام يعدي
تزعم أنَّ الفؤاد عندي ... لو كنت عندي لكان عندي
قد غّير الدهر كلّ شيء ... سوى جفاكم وحسن عهدي
وله:
أعيذكمُ من لوعتي وشجوني ... ونار أسى بين الضلوع دَفينِ
وبَرَّح جوى لم يُبق منّي بقيةً ... سوى حركاتٍ تارةً وسكونِ
سهرنا بنعمانٍ ونمتم ببابلٍ ... فيا لعيونٍ ما وفت لعيون!
أكاذب سمعي عن أحاديث غدركم ... وأعرفها عن صحّةٍ ويقين
ألا مخبرٌ عنّي قلوباً أبيةً ... يقول لها: كم ذي القساوة؟ ليِني! الأجل سعد الدين

أبو عبد الله الحسين بن شبيب الطيبي. ولد بالطيب، وسكن بغداد، وخص بأمير المؤمنين المستنجد، وولاه إشراف المخزن، وأحله محل أمينـه المؤتمن، وخف على قلبه، وجن بحبه، وصار له بمنزلة النديم السمير، وحصل من أثرته بالمقام الأثير. وكان يداعبه ويصحف عليه في خطابه، ويستدعي منـه تصحيف جوابه، فمن ذلك أنـه أقبل يوماً، فقال له الخليفة: ابن شتيت؟ فقال في الحال: عندك، يعني ابن شبيب، فقال هو: عبدك.
وله نظم رائق، بالإحسان لائق. واتفق له هذا البيت في المستنجد من قصيدة:
أصبحت لبَّ بني العبّاس كلّهم ... إنْ عُدّدَتْ بحروف الجُمَّل الخلفا
والمستنجد: هو الثاني والثلاثون من خلفاء بني العباس، ولب: اثنان وثلاثون بحساب الجمل.
واتفق للقاضي أبي بكر الأرجاني في المسترشد، وكان التاسع والعشرون من خلفاء بني العباس، وقد عدهم في قصيدة وقال:
خلائف نظموا في سِلك دهرهم ... ونورَ وجهك منـهم في المتون سرى
عشرون تتبعها منـهم ثمانيةٌ ... كاتوا المنازِلَ والمسترِشدُ القمرا
ابن شبيب، حلو التشبيب، ورقيق النسيب. وله أشعار تخجل الدر منظوماً، والوشي مرقوماً، والروض ناظراً، والبدر زاهراً.
ومن جملة شعره السائر، ولفظه الساحر، قصيدة له يستطرد فيها بمؤذن يعرف بعباس، جهر الصوت، كان يصل صوته إلى أقاصي المحال ببغداد وقت الصباح:
وشى بالصبح عبّاس ... وثوب الليل أدراس
ومنـها:
وقد مجّ فم الأبري ... ق مما قهقه الكاس
ويقول في آخرها:
فما أطيب ليلَ الوص ... ل لو يخرس عباس!
وله قصيدة في الإمام المستنجد أولها:
إذا حلّ تشرينُ فاحلل أوانا ... فإنّ لكلّ سرورٍ أوانا
وله من قصيدة في الإمام المستضيء:
سرى، والدّجى تصبي غدائره الجُونُ، ... نسيمٌ على سرَ الأحبّة مأمونُ
وما استيقظ الواشون إلا بنشره ... فقالوُا، وما قالُوه وَهْمٌ ومظنونُ
وبحر الهوى طامي الغوارب مزبدٌ ... مخيف، وفُلكي بالصّبابات مشحونُ
إذا جاد فالبحرانِ جرعة شاربٍ ... وإن زاد فالسبعُ الأقاليم ماعونُ
ومنـها:
فأنقذ مِصراً من يَدَيْ كلّ كافرٍ ... لنعماه، لا عقل لَدَيْهِ ولا دينُ
إذا ما أراد الله إهباطَ دولةٍ ... تبيذقَ منـها في الدُّسوتِ الفرازينُ
ولمّا مضى فِرْعَوْنُها فَرّ عَوْنُها ... وأدركها موسى الكليمُ وهارونُ
وَقد بقيت في نفس يَعقوبَ حاجة ... إلى سيفك الماضي هي الغرب والصينُ
قسوتم ولِنتم غِلظةً وتعطّفاً ... وفي جانب اللهِ القساوةُ واللينُ
وله من قصيدة فيه:
فمن ذا يبلغ أهل الغرام ... بهذا العجيب الذي قد بَدَرْ؟
فإنّيَ قد رَقَّ لي من قسا ... فمن شاء سرّ ومَنْ شاء برّ
وما بعد ذلك من غايةٍ ... إذا شـهد القلب غاب النظر
وله يهنيء الإمام المستضيء بأمر الله بالخلافة، ويذكر الخلع التي أفاضها على أرباب دولته، ومتقدميوخاصته، ووجوه الناس من رعيته. وكان رسم له في أيام والده المستنجد أن ينظم أبياتاً على وزن أبيات ابن الحجاج التي أولها:
يا دار يا دار الوزير النّاصح
أمسى بخير في حماه وأنْعمي ... ما دام يبقى في الصبّاح الصّالح
وفي هذه الأبيات صوت يعرف بالصباح الصالح. فتأخر عملها إلى حين تولى الخلافة، فقال يمدحه على الوزن والروي:
بكر الغمام لها بدمع سافح ... طرباً إلى نغم ال الصّادح
وتنّبهَ النّوّار في جَنباتها ... سحراً لدغدغة النسيم المازح
بالغ في وصف النسيم باللطف بتشبيهه بالمازح، وتشبيه مروره المنبه بالدغدغة، فأحسن في الاستعارة.
وافترّ ثغرُ الأقحوانة ضاحكاً ... لمّا حَبته يَدُ السحابِ الدّالح
ووشى بها ووشت بـه أنوارها ... يا حّبذا نَفس الكتوم البائح
وتسلسلت رُقْشُ الجداول، وانثنت ... تستنُّ بين أراكها المتناوح

تجري وتجري الريحُ بين غصونـها ... فتميل من راح وطيبِ روائح
فإذا أعير بديعه من روضها ... طُرَفاً، أقام بها، فليس ببارح
خَلعَ الربيع على الرُّبا لما انتشى ... وَشْياً، وضمخها بمسك نافح
خِلع الإمام المستضيء، فإنّها ... عظمت وجلّت عن بلاغة شارح
سفرت لنا من طيبها أيّامـه ... عن وجه معشوق الدلال مسامح
عاد الزّمان بـه إلى رَيْعانـه ... بعد ارتداد مَفارق ومَسايح
رُفِعت لنا عنـه السجوُف، فلاح لي ... كالبدر سُلَّ عن السحاب الرائح
فتبادروا لَثمَ الصعيد، وبايعوا ... طَوْعاً لمجتهدٍ تقيّ صالح
يا صاحب الدعوى العريضة، إنّه ... صبٌّ إلى ضوء الصباح الصابح
ما بعدها لمؤّملٍ من غايةٍ ... هذا أمير المؤمنين، فصافح!
هذا الذي عادت بُسنّة عدله ... سُنَنُ النبيّ إلى الطريق الواضح
فخراً، بني العبّاس، إنَّ لبيتكم ... شَرَفاً يُنيفُ على السّمِاك الرامح
ماذا يقول الجاحدون لفضلكم؟ ... علت المجرَّةُ عن عُواء النّابح!
وبفضلكم نطق الكتاب مفصّلاً ... أفكيفَ يبلغه فصاحة مادح؟
يا سعد أخبية الذين تحمَّلوا ... سَعد السعود خِلاف سَعد الذابح
يشير إلى والده المستنجد، ويقول: إن زمان هذا السخي الرحيم السهل الجانب، خير من زمان أبيه الحازم، الشديد السطوة، الصعب الشكيمة.
جاءتك تخِطبكَ الخلافة كفوها ... فاستجلها عَفواً بغير مشايح
وأفِضْ على عَطش البرايا رحمةً ... سَيباً كَمنـهلّ الغمام السافح
وانْشر رِداءَ العدل في أقطارِها ... تَنجُ البغاث من اختطاف الجارح
واستدِركِ الأرماقَ منك بنظرةٍ ... تخلصْ بها من كلّ خَطبٍ فادح
ولقد تجّهمـها الزمان، فأَحْيِها ... عدلاً يقرّبُ بالبعيد النازح
وقال يمدحه قبل إفضاء الخلافة إليه:
أوحى فِراقُ المُنجدِ ... فالصّبرُ غير مُنجدِ
قالوا: غَداً فِراقُهمْ ... فجاء قبل الموعدِ
بُحتُ بما ألقاه لمّ ... ا زاد عن تجلّدي
وَشَفّني طول الضنى ... حتى تلاشى جسدي
لولا الأنينُ لخفي ... تُ عن عيون الحُسَّد
يا صاحبيَّ، استمعا ... ما لم يَدُرْ في خَلدِ
ألفُ مريضٍ عُللوا ... رُمانةً في بَلد
فما تُرى بناظرٍ ... ولا تُنالُ بيدِ
عَزَّ الذي تبغي، فقد ... عزَّ وجودُ المسعد
سقى حُمولَ الظاعن ... ين كلُّ جَوْنٍ مُرْعِدِ
ولا عَدَتْهم روضةٌ ... أزهارُها كالعسجدِ
نرجسها مُركّب ... في قُضب الزُّمرَدِ
كأنما مرّ بها ال ... مولى أبو محمد
وجادَها بَنانُه ... بسائح مُطّردِ
يلبس إنْ جمّشـه الر ... يح صُنوفَ الزَّرَدِ
فتارة صَفيحةً ... وتارة كالمبرَدِ
سَرَى إلينا جُودُهُ ... من غير ضَرْبِ مَوْعدِ
وشمتُ من أخلاقه ... شَمائلَ التفرُّدِ
ودَلَّ حسن بِشرهِ ... على كريم المحِتدِ
للِه منـه ساعةٌ ... مسعودةٌ في مولدي!
قبّلتُ ظهرَ كفه ... فيها بغير عَددِ
وافترّ لي حين بدا ... ثغرُ الزمان الأغيد
وردّني إلى الشبا ... ب والنَّعيم الأرْغد
ودَبَّ من ألفاظه ... سكر الصِبّا في جسديِ
فمن عجيب ما جرى ... أنّيَ لم أعَرْبدِ
يقول: إنـه في بعض خرجات المستنجد بالله إلى الصيد، أدناني من خدمته، وأعطاني يده فقبلتها، ولطف بي، وحادثني ساعة.

يا من أُرَجِّيه على الدهرِ لِيوْمي وغَدي
ومن أفَدّيهِ ببذْ ... ل النفس لا بالصَّفَد
أصغ إلى شعري الذّي ... يبقى بقاء المُسَندِ
بكم عُرِفْتُ والسهى ... مُعَرَّفٌ بالفَرْقَدِ
دام عليكم ظَّل مَوْ ... لانا الامام الأمْجَدِ
العالم الحَبر الملي ... ك لقائم المُستنجِدِ
ناب عن الله وعن ... شَرْع النَّبيّ أحمد
به حَمِدْنا زمناً ... من قبله لم يُحمَدِ
فخُلّدِت أيّامـه ... في صَفو عيشٍ رَغَدِ
ولسعد الدين بن شبيب من قصيدة في المستنجد:
مستنجدٌ باللهِ مالكها ... أمسى لأِفلاك العْلى قُطْبا
إنْ عدَّد الخلفاء حاسبنا ... ألفيته لجميعهم لُبّا
لأن المستنجد كان الثاني والثلاثين من خلفاء بني العباس، ولب: في حساب الجمل اثنان وثلاثون.
وأعاد المعنى في نظم آخر، فلطف:
أنت الإمام الذي يحكي بعيرته ... من نابَ بعد رسول الله أو خَلفا
أصبحتَ لبَ بني العباس كلّهم ... إنْ عُدّدِت بحروف الجُمَّل الخلفا
الأمير السيد عزّ الدين
أبو الحسن علي بن المرتضى العلوي. مولده ومنشؤه بغداد، ووالداه من أصفهان.
كان في خدمة الخاتون زوجة المقتفي. وتفقه ولده هذا وبرع على مذهب أبي حنيفة، ووجد الكرامة الكثيرة من الخليفة، وأهل للرتب الشريفة، والمناصب النيفة، فلم يمل إلا إلى العلم ونشره، ولم يرغب إلا في الفقه المؤذن برفع قدره.
وله إلمام بنظم أبيات من الشعر، تدل على إبرازه بالبر. وهو مدرس جامع السلطان بمدينة السلام، مشتمل على الإفادة مشمول بالإكرام.
أنشدت له في سنة سبعين بالشام:
لا تحزَنَنَّ لذاهبٍ ... أبداً، ولا تجزَعْ لآِتِ
واغنَمْ لنفسك حظّها ... في البينِ من قبل الفواتِ
وقوله:
صُن حاضِرَ الوقتِ عن تضييعه ثقةً ... ألاّ بقاءَ لمخلوقٍ على الدَّوْم
وهَبْكَ أنَّك باقٍ بعده أبداً ... فلن يعودَ إلينا عينُ ذا اليوم

الأجل صفي الدين أبو القاسم عبد الله بن زعيم الدين صاحب المخزن يحيى بن جعفر. شاب شؤبوت خاطره دفوق، وشبا قريحته ذلوق. مشبوب الذكاء، محبوب اللقاء، مجبول من الكرم والحياء، متأدب متهذب، متحبب إلى الناس، متجنب للالتباس. وهو البحر ابن الجعفر، والليث ابن القسور.
وله شعر يقطر منـه ماء السلاسة، وينشر بـه عرف الرياسة. وله في مدح الإمام المستضيء بأمر الله يهنيه بالخلافة، في سنة ست وستين وخمس مئة:
يا إماماً أولى الغنى ... كلَّ راج ومُجتَدِ
وكريماً أمواُلهُ ... للعطايا بمرصد
ومُطِلاً على السِمّا ... ك بمجدٍ مُوطَّدِ
ومَناراً بـه إذا ... أظلم الخطبُ نـهتدي
كم وكم كفَّ عَدْلُهُ ... كفَّ طاغٍ ومُعتدِ
وبك اخضرّ ما ذَوَى ... من سَماح وسُؤدَدِ
فَابْقَ واسْلَمْ ودُمْ كذا ... أبدَ الدَّهْر واخْلُدِ
وارْقَ ما شِئْتَ آمِناً ... دَرَجَ العزّ وازْدَدِ
تُخلِق الدهرَ لابِساً ... ثوبَ سَعْد مُجَّددِ
بعلاءٍ مُجّمعٍ ... وثراءٍ مُبَدَّدِ
وانتصارٍ على العِدى ... واقتدارٍ مؤيَّدِ
يا مُعيني على الزّما ... نِ وكهفي ومُسْعِدي
أنا عبدٌ جَلا ندا ... كَ صَدا حظّيَ الصَّدِي
بك مدحي قد اغتدى ... كالجُمانِ المُنَضَّدِ
في معاليك حقّق ال ... لّهُ ظَنّي ومَوْعِدي
كنتُ أرجو لك الخِلا ... فَة، فأسْعَدْ بها اسْعَدِ!
وله أيضاً فيه على وزنين وقافيتين:
جُودُ الإمام المستضيء غمامة للمجتدي ... تروى بها آمالُهُ

مُنحَ الوَرى منـه بأبْلجَ في الشّدائد مُنجد ... معدومةٌ أمثالُهُ
إنّ الخليفةَ بالخليفة في المكارِم تقتدي ... فدليلها أفعالُهُ
وبجُودهِ الخَيْران منـها في النّوائب يهتدي ... فسراجُها أفضالُهُ
وَردَ الرّجاء بـه على أحْلى مراشف مَوْرِدِ ... مُعْذَوْذبٍ سَلساُلهُ
قال السماح، وقد حبا: أكرمْ بـه من مُرِفد ... مبذولة أموالُهُ
أحيا مناقبَ جَدِهّ العبّاس عمّ محّمد ... فبذاك تمَّ جَلاُلهُ
خَجِل الحَيا بسخائه متبرّعاً بندى يَدِ ... متتابع تَهْطاُلهُ
جُود السّحاب بمائة والمستضيءُ بعَسْجَدِ ... فاعتاقَه إخْجاُلهُ
دان الزمان لفخره ولماله من مَحْتِدِ ... وعنت له أقياُلهُ
وأمدَّه الرحمان منـه بناصر وبمسْعِدِ ... وأطاعه إقبالُهُ
وأجاب فيه دُعاءَ قِنٍّ مخلص متعّبدِ ... نطقت بذلك حالُهُ
وقال أيضاً يمدحه ويهنئه بالخلافة:
قد أمَّنَ الله ما كنّا نُحاذِرُهُ ... بعدل مولى زكت منـه عناصرُهُ
خليفةٌ عمّ أهل الأرض قاطبة ... جوداً، وطبّقت الدنيا مآثرُهُ
واستبشرَ الدَّهْرُ لما صار مالِكهُ ... تَمْضي عليه بما يَهْوى أوامرُهُ
أجرى إلى العدل من سيل بمنحدرٍ ... فيا له بحرَ جُودٍ عَبَّ زاخرُهُ
ينـهْنِهُ العلمُ منـه غَرْبَ بادِرَة ... وجُودُهُ باقتنا الحمد آمِرُهُ
فاللهُ من غِير الأيّام كالِئُهُ ... بلطفه وعلى الأعداء ناصِرُهُ
سمعاً إمامَ الهدى من عبد نعمتكم ... عبد صفت لكمُ منـه سرائرُهُ
ما زال يأمُلُ هذا اليوم مبتهلاً ... فحينَ وافى وَفى بالنَّذْرِ ناذرُهُ
بسطت آمالَهُ من بعد ما قبضت ... فطار بالنُّجْح في مَسعاه طائرُهُ
ولاؤكم يا بني العبّاس جُنَّتُهٌ ... وحُبّكمْ أخلصت فيه ضمائرُهُ
غرستموه فأضحى مُخِلصاً لكمُ ... تجيد في شكر نُعماكم خواطرُهُ
يا ابن الخلائف، دْم واسلم، وكن أملي ... بك هتدى في ظلام الليل حائرُهُ
قد أحكمَ الله عَقْداً أنت عاقده ... وعِز ملكك قد شُدَّتْ مرائرُهُ
وقال يمدحه:
عَدْل الإمام المستضيء الحَسَنْ ... أجارَ من جَوْر صُروفِ الزَّمَنْ
كم من عيونٍ في الورى أُسهرتْ ... بالجَوْر قد أهدى إليها الوَسَنْ
وطالما رُوّع قلبُ العُلى ... فالآن قد قرَّبه واطْمَأنّْ
وأصبحت دولتُهُ روضةً ... زاهرةً تُذِهبُ عنّا الحَزَنْ
وطوَّقَ الأعناقَ معروفُهُ ... فينا بأطواق اللُّهى والمِنَنْ
ولو رأى إفضالَهُ حاتِمٌ ... هامَ بـه من دَهَش وافتنْ
قد أوضحت سيرته بالنَّدَى ... لكلّ سارٍ في المعالي سَنَنْ
فما هَفا المذنب إلا عفا ... ولا شَكا الإمحالَ إلاّ هَتَنْ
قُلْ لإمام العصر: يا ذا الذّي ... حلَّ من الفخر الذُّرى والقُننْ
خِلافةٌ بالنصر قُلِدّتْها ... أنت حقيقٌ بحلاها قَمِنْ
دعا عبدٍ مخلصٍ يستوي ... في حبّكم إسرارُهُ والعلَنْ
وَلاؤكم أضحى له جُنّةً ... من كلّ ما لا يُتَّقي بالجَنَنْ
جرت أياديكم وآلاؤكم ... منـه كمجرى دمـه في البَدَنْ

لِسانُهُ منذ بدا ناطقاً ... لُزَّ مع الشكر لكم في قَرَنْ
يقول: إنْ لم أُلْفُ مُسْتَهَتراً ... بشكر ما أوليتموه، فَمنْ؟
فدُمْ رفيع القدر ذا قدرةٍ ... ما هتفت قُمرّيةٌ في فَنَنْ
وأنشدت له، وذكر لي شمس الدين بن نزار أنـها للعالمة جوهرة بنت الدوامي، وهي ببغداد من المعروفات الحسان:
هبَّ النسيم بحاجرٍ ... فتنّبهتْ أشواقُهُ
ووَشتْ بما حوت الضلو ... عُ من الجوى آماقُهُ
ناديتُ والبيَنُ المش ... تُّ غدت تُزَمُّ نِياقُهُ
يا مُشِبهَ الشّمس المني ... رة في الضُّحى إشراقُهُ
الصّبّ فيك مُعَذَّبٌ ... مُضنَي الحَشى مُشتاقُهُ
والقلب في أسر الهوى ... ما تنقضي أعلاُقهُ
إرْحَمْ معنّىً في الهوى ... ما إنْ يحّل وَثاقُهُ
أمسى لَديِغَ هواكمُ ... ووِصالُكمْ تِرْياقُهُ

باب في محاسن الشعراء الحيص بيص وأفضلهم الأمير الهمام شـهاب الدين أبو الفوارس، سعد بن محمد بن الصيفي التميمي، من ولد أكثم بن الصيفي. ذو الجزالة، والبسالة والأصالة. جزل الشعر فحله، قد علا محله، وغلا فضله، وأطاعه وعر الكلام وسيله.
قرأت عليه ديوانـه، واغتنمت زمانـه، وشكرت إحسانـه.
فمن كلامـه المنثور في خطبة ديوانـه، يفضل الشعر على النثر، قوله: وحسب الشعر فخراً أن الإنسان يسمع المعنى نثراً فلا يهز له عطفا، ولا يهيج له طرباً. فإذا حول نظماً فرح الحزين، وحرك الرزين، وكرم البخيل، ووقر الإجفيل. وقرب من الأمل البعيد، وسن الغناء لغير الغريد. وكم أوجف بالجبان إلى مأقط الحرب العوان، فروى حد السيف والسنان، من دماء الشجعان. وكم أعاد جلمود اليد الصيخود، هاطل غمامة بالجود، فهمت لغير سائل وسحت على غير شائم. وكم ارتسن الجليد القرحان بحبل الصبابة والتهيام. وكم أحدث سلوة للمعمود وقد أعيت مداخله، وكلت لوامـه وعواذله. وكم استل سخيمةً من ذي غمر عجز عن مداراته الحجا، وضعفت عن استرجاع وده الرقي. فما كان متصرفاً هذا التصرف في النفوس والأخلاق، فأكبر بشأنـه، وأعظم بمكانـه!.
ومنـها يصف حاله: وقد علم عصري وبنوه، وزماني وأهلوه، أني ابتدرت شعفات الفضل غلاماً يفعةً، هاجراً إليه كل خفض ودعه، ففرعتها شامذ النطاق، مشمراً عن ساق، أستلين عندها السيال والغرقد، وأستخشن وثير المضجع والمرقد، فانغمست في كبات العلوم جرياً، وعمت في جمتها ملياً، ونازلت خمس أبطالها مدرها هبرزياً، وشـهدت معارك الجدال، مع فرسان المذاهب والأقوال، فعرقت الجباه، وألقمت الحجارة الأفواه. ثم جاشت بالشعر مراجلي، وأستمرت إليه أعناق رواحلي، وأذكرني ما غبر من مساعي أوائلي، فعطفت عليه عطف باغم فقيد، ذات طلاً فريد، بغارب بعيد، لا مرعى ولا مورود، فوجدته قد بعد للؤم الزمان، وبعد لفقد الإحسان. وأبت إلى القوة فيه، عن كتمان قوافيه، فما هو إلا أن فهت بـه قائلاً حتى كفر فضائلي بذكره، وغمر أريج علومي برياه ونشره، وطفق يطوي البلاد طي الربد المجلحة، يخلط البيد بالآكام، والحضيض باليفاع، حتى كان كما قلت:
سرى ذكر فضلي حيث لا الريح تهتدي ... طريقاً، ولا الطير المحلق واقع
وله ابتداءات حسنة مخترعة، ومخالص مستطرفة مبتدعة. فمن جملة ابتداءاته، وقد خلع على الوزير، فمدحه بقصيدة أولها يشير إلى الخلعة:
جعلت من الحدثان أحصن أدرع ... فلقد سنن على الكريم الأروع
ومن جملة مخالصه:
تزاحم أشجاني إذا ما ذكرتهم ... زحام المقاوي عند باب ابنِ مسلم
ومنـها وقد وصف الحرب:
كأنّما دمُ أوداج الرجال بـه ... سيلٌ تََعَ، أو جودُ ابنِ حمادِ
وله في عمي العزيز مدائح، ومن جملتها قطعة كتبها إليه بأصفهان في قحط:
أظنّ اعتقاد النسخ صحَّ دليُله ... فعاد إلى ترتيبِ أوصافِهِ الدَّهْرُ
عزيزٌ يَمير المعتفين، وسبعة ... شداد، وجيّ في مساغبها مصر
فمن شعره ما استخرجته من ديوانـه على ترتيب الحروف في الافتخار والمديح: الهمزة قوله من قصيدة:

ترى الجار فينا غير شاكي خَصاصة ... إذا ضاق ذرع الحيّ بالنُّزَلاء
كأنّ القُرومَ الهادرات عشيّةً ... مراجلنُا في أزْمة وشتاء
سعيت فلم أترك قديماً، وإن أعش ... نسخت بفخري مفخر القدماء
ومنـها:
بنفسيَ من جور الحوادث وعكة ... وعند قراع الدارعينَ شِفائي
أما في ملوك الخافَقْينِ ابنُ همّةٍ ... يكفّ بميسور الكفاف عَنائي؟
يصون نَداهُ ماء وجه أراقه ... طِلابَي للجدوى من البخلاء
وهيهات ذاك الآل أن ينقع الصدى ... وإن الظّمآن مورد ماء
ومنـها في التخلص إلى المدح:
إليكم، فإنّي سيّد القول، ما جرى ... لساني، وهذا سيّد الوزراء!
إذا ما بنى مجداً، وقلت قصيدة، ... علونا على السادات والفصحاء
ومنـها:
وقور يشدّ الخطب حبوة حلمـه ... إذا روعة حلّت حُبا الحلماء
بنانٌ ووجهٌ حين يُسأل حاجةً ... نَضُوحانِ ماءً من حَيا وحياء
ومنـها في وصف القلم:
ومضطمر الجنبين يَخْطِر مائساً ... على لاحبٍ من طِرْسه وقوِاء
يذيب على الأطراس كلّ بليغة ... تذوب عليها أنفس العلماء
وله من قصيدة في مدح الإمام المسترشد بالله، أولها:
العزّ حيثُ البلدةُ الزوراءُ ... والمجد حيثُ القّبةُ البيضاءُ
فخر تسامى أن يزان بمدحه ... فالنطق عيّ والصُّمات ثناء
ومنـها:
يقظان أبلج ينجلي بجبينـه ... ودليله الاشكال والظلماء
فتوُّهمُ المتجادلين حقيقة ... منـه، وليل المدلجين ضياء
غيث وليث يرعوى لبنانـه ... بأس العدى واللَّزْبَة الغبراء
فلمحفظيه مَتألف ومَعاطب ... ولمعتفيه مكارم وعطاء
خمصان يقلى الزّادَ غير ممرض ... وله التقّية مطعم وغداء
نور أضاء الأفقَ ساطع لمعه ... فعلى الزّمان وأهِلِه لألاءُ
ومنـها في صفة الجيش:
وعرمرمٍ كاليمّ هِيج بعاصف ... شَرِقت بفضل عبابه البيداءُ
نسخ الفلا والصبحَ رَكَضْ ُجياده ... فالأرض جوّ والصبّاح عِشاءُ
طردت فوارسه وما لاح العدى ... حرصاً، فكل كتيبة دفواء
تدنو له عُتُق القشاعم مثلما ... يحتفّ بالمتصدّق الفقراء
والخيل تقتحم الغبار كأنّها ... نبل الجَفير وقد أُجيد رِماء
تزجي سنابكها سحاباً قطره ... منـها مسيح هاطل ودماء
ينقلن كلّ مُساور ذي همّة ... تجلى بحدّ حسامـه الغَمّاء
حنّ الكمُاةُ إلى النّجيع ولونـه ... فلذاك كلّ عصابة حمراء
وطمى أتِيُّ الحرب حتى ماؤه ... مـهج الفوارس، والرؤوس غُثاء
أجرى أمير المؤمنين جِياده ... ظمأى، وعاد بهنّ وهي رواء
فبِطاء خيل الطّالبين سريعة ... وسراع خيل الهاربين بِطاء
رهباً لأِغلبَ، لا مفرَّ لهارب ... منـه ولو أنّ النّجوم وقاء
وقوله من قطعة في مديح الوزير الزينبي:
إنّي خبرت علاه خُبْرَ مجرّبٍ ... فجعلت صفو قلائدى لثنائه
وتعلمتْ منّي الخواطر جوده ... فبدائهي في الحمد مثلُ عطائه
ولقد أغيب فتعتريني ظلمة ... في الحسّ يجلوها ضياء لقائه
ملآن من كرم، فإن فتّشته ... أبصرت خلو القلب من شَحْنائه
وقوله في ابن طغايرك:
لفخر الدين أخلاق كرام ... يضيق الحمد عنـها والثناء
تنكُّرُها على الأعداء نار ... وعَطفَتُها على العافين ماءُ
إذا مرَّت على ليلٍ بهيمٍ ... تجّلله التّبلّج والضياءُ
وله من قطعة:
أظَللُّ مريضاً بالصَّدى دون وِرِدْكم ... وأشقى بـه والوارداتُ رِواءُ
وأحبِس أعناقَ المطيّ عن السُرى ... وللشوق ما بين الضلوع مَضاءُ

ولمّا دنت داري إليكم تعرّضت ... موانع قُرْبى عندَها عُدَواءُ
فللّهِ دَرُّ القَيْل من آل أرْتَقٍ ... إذا ذُكِرَتْ أكرومَةٌ وحياءُ!
البآء وقوله في الافتخار:
خُذوا من ذِمامي عُدَّةً للعواقبِ ... فيا قربَ من بيني وبين المَطالب!
لَواني زماني بالمرام، ورَّبما ... تقاضيته بالمُرْهَفات القواضبِ
على حين ما ذُدْت الصِبّا عن صبابةٍ ... ذِيادَ المطايا عن عِذاب المَشاربِ
ورُضتُ بأَخلاق المشيب شبيبةً ... مُعاصيةً لا تستكين لجاذبِ
عقائلُ عزم لا تُباح لضارِعٍ ... وأسرار حزمٍ لا تُذاع للاعبِ
وللهِ مقذوفٌ بكلّ تَنُوفَةٍ ... رأى العز أحلى من وصال الكواعبِ
أغرَّ الأعادي أنّني بِتّ مُقْتِراً ... ورُبَّ خلّوٍ كان عونا لواثبِ؟
رُوَيدَ كُمُ، إنّي من المجدِ مُوسِرٌ ... وإن صَفِرتْ عما أفدتم حقائبي
هل المال إلا خادِمٌ شـهوةَ الفتى ... وهل شـهوة إّلا لِجَلْبِ المعاطِبِ
فلا تطلبنْ منـه سوى سّدِ خَلَّةٍ ... فإن زاد شيئاً فليكنْ للمواهبِ
مَرِهت بإدْماني سُرى كلّ حادثٍ ... ولا كحلَ إّلا من غبار المواكبِ
فلا تصطلوها، إنّها دار مِيّةٌ ... مَواقدُها هامُ الملوكِ الأغالبِ
سأضرمـها حمرا، ينزو شرارُها ... على جَنَباتِ القاع نَزْوَ الجنادبِ
بكلّ تميميّ كأنّ قميصَهُ ... يُلاثُ بغصن البانة المتعاقبِ
ومنـها:
إذا كذب البرق اللموعُ لِشائمٍ ... فبرقُ ظُباها صادقٌ غيرُ كاذبِ
فوارسُ باتوا مُجمعين، فأصبحوا ... وآثار عقد الرأي عقد السبائبِ
إذا شَرَعوا الأرماحَ للطّعنِ خلْتَهُمْ ... بدوراً تجارى في طِلابِ كواكبِ
أسودٌ إذا شبّ الخميسُ ضِرامَهُ ... أسالوا نفوس الأسْدِ فوق الثّعالب
ومنـها:
ورَكْب كأنَّ العيسَ أيّانَ ثوّروا ... تساوق أعناق الصَّبا والجَنائبِ
خِفاف على أكوارها، فكأنّهم ... من الوَبَرِ المأنوس عند الغَواربِ
هذه مبالغة في خفة الرجال على الرحال كأنـهم بعض أوبار الأباعر.
إذا أضمرتهم ليلة أظهرتهم ... صبيحتها بين المنى والمآرب
ومنـها في طلب غرض:
وبي ظمأ لم أرضَ ناقع حرّهِ ... سواك، فهل في الكأس فضل لشارب؟
وله من قطعة إلى بعض الأمراء:
أبا عُمارَة، إنْ شطت منازلنا ... فَمِنْ معاليكَ إدناءٌ وتَقريبُ
كما يجوز ضياءُ الشمس مطلَعَها ... ويبعث العَرْفَ للمستنشق الطِيّبُ
أنت الأمير، ووجه الشمس ملتثمٌ، ... واليوم ليلٌ بركض الخيل غِرْبيبُ
أحِنّ شوقاً على نأي الدّيار بنا ... كما تَحِنُّ إلى حِيرانـها النيّبُ
ولو ثنت عن وِداد الشيء غيبُته ... لما أضَرَّ لفَرط الشوق يَعقوبُ
وقوله في الافتخار من أخرى:
نَكِبّا صَمْتي، وخافا صَخَبي، ... لا ركبتُ الخيل إنْ لم أغضَبِ
وأحذرا آخرَ حِلْمي، إنّما ... لَهْذَمُ الذابل أقصى الأَكعُبِ
وأْذنا للقول من مَعْدِنـه ... إنّ جدّض القول غير اللَّعِب
ومنـها:
يا رُواةَ الِشّعر، لا تَرْوُوهُ لي ... فبغير الشعر شِيدَتْ رُتَبي
وَدَعُوهُ لضعافٍ عيُّهُمْ ... مانعٌ عنـهم زُهَيْرَ المكسب
وَرَدُوا الفضل، وما بلّوا بـه ... مَسْمَعاً، والشّرب غير المشرب
ومنـها:
لست بالقاعد عن مَكرُمَةٍ ... وأبو رَغْوان ذو المجد أبي
عَفّروا للسّلْم من أوُجهِكُمْ ... إنَّها خيلُ حكيم العَرَب
قبل يومٍ هامُهُ في صعدٍ ... حيثُ ما أبدانُه في صَبَبِ

يعسل الذئب إلى معركه ... شائم الأرزاق عند الثعلب
وله من قصيدة في وصف أبيات كتبت إليه:
صادرات ألفاظهنّ عذاب ... عن خلال مـهذَّبات عِذابِ
كلّ روعاء لو تقلّدها الفا ... رس أغنت عن صارم قرضاب
أذكرتني أيام عصر التّصابي ... ومَراحي، وابن عهد التصابي؟
حين لا آمرٌ يطاع سوى الله ... و، ولا حاكم سوى الأحباب
وله يصف حصاناً لمظفر الدين يرنقش البازدار صاحب قزوين:
مظفّر الدين، إن فاق الرجال فقد ... فاق الجياد بيوم الطرد أشـهُبهُ
تعلم السبقَ منـه في مناقبه ... من فرط ما راح يُجريه ويَرْكَبُهُ
مصغٍ إلى هاجس من سرّ فارسه ... كأنـه بضمير الركض يضربُهُ
يدنو عليه بَعِيدُ الأرض مرتكضاً ... كأنّ مربطه في الشّدّ سَبْسَبُهُ
يرنقش كسليمان بأشـهبه ... إذا غدا ورُخاء الرّيح مركبُهُ
لما تعوّد في حربٍ خِضابَ دمٍ ... غدا لدى السّلْمِ بالحِنّاء يَخضِبُهُ
ومن قطعه:
تطيش الرزايا حوله وهو راسخ ... يزيد وقاراً من طروق النوائب
وكتب عند قصده الموصل في أيام أتابك غازي بن زنكي:
يَقَرُّ بعيني أن أُجّشمَها السُّرَي ... سِراعاً كظِلْمانِ المُرُوت السَّباسبِ
ِلأنظُرَ بالحَصْباء من سِيفِ دجلةٍ ... أغرَّ كنَصْلِ السَّيْفِ جمّ المَناقب
تنوّرتُ منـه لمعةَ المجدِ يافعاً ... فما رِمْتُ حتّى طوَّحَتْ بالغَياهبِ
فجاء عماد الدّين وابن عماده ... طليق المحَيّا في قُطُوب النّوائبِ
يموتُ الرّدَى والمحل عندَ قبابه ... إذا سَلَّ سَيْفَيْ نَصْلهِ والرّغائب
وقوله من مديح في شرف الدين علي بن طراد الوزير الزينبي:
لَبِيق الغِنى لا ينُقصُ الفقرُ جودَهُ ... ولا يُمْتَرَى معروفه بالعواصب
مُريح غريب الحلم والخَطبُ طائش ... ومُغْري سَرايا صبرِه بالنّوائب
وحامل غُرْم الحيّ جلّ سراته ... مَريِرُ القُوى مستروحٌ للمتاعب
هو المرءُ، أقصى البأس منـه لنَجْدة أل ... طريدِ، وأدنى مالِهِ للمواهب
وما زال مِطْعامَ العشيّ، وسيّد ال ... نَّدِيّ، مشاراً في الوغى والمواكب
وقوله فيه:
ما طاب شيء في الزّمان لسامعٍ ... أو ناشقٍ إلا وعرضُك أطيبُ
َكلاّ ولا بَعْدَ النَّدى عن شائمٍ ... مستمطر إلاّ وجودُك أقربُ
ضَنْك الجوانح بالهضيمة مخرج ... وإذا حلمت فإنَّ صَدْرَك سَبْسَبُ
قد أعتب الدّهرُ الخؤونُ لعاتب ... أوسعتَهُ صدراً ولم يك يُعْتِبُ
فسُطاك موتٌ لأعادي قاتلٌ ... ونَداك للعافِينَ غيثٌ صَيّبُ
ومن قوله فيه يصف الفضل:
أبعدت بالفضل عمّن قبله سَفَهاً ... وبِتُّ للفضل منـه أيَّ مقتربِ
والفضُل كالصبح يَهْدِيَ مَنْ له نظرٌ ... ولا يَصيرُ بـه الأعمى إلى أرَب
وله قصيدة في مدح الأمير هندي الزهري، وكان موضعه الزاب:
أجَا وسَلْمَى أم بلاد الزّابِ؟ ... وأبو المُهَنَّدِ أم غضنفرُ غابِ؟
رفع المنارَ بنو زهيرٍ في العلى ... بالفارس المتغطرف الوهابِ
بأَغرَّ بسّامٍ كأنَّ بَنانَهُ ... في كل مكرمة قطارُ سَحابِ
بالمانع البذّال غير مَعٍ ... في بذلِ معروفٍ وعزِّ صحابِ
عمّت فواضُلهُ وعَمَّ ثناؤه ... فالحمد والإِحسان في إصقابِ
ومنـها في صفة الجيش:
وإذا الفلاة تضايقت أرجاؤها ... يوم الِهياجِ بجَحْفَل غلاّبِ
وتمطّرتْ قُبُلُ العُيُونِ، كأنّها ... بالقاع تحت القوم مُعْطُ ذئابِ
ظمأى إلى ماء الجراح كأنما ... تجري مواردُها بخدع سَرابِ

تطوي نضير الثمد وهي سواغبٌ ... طلباً لرعيِ جماجمٍ ورِقابِ
وأحْلَوْ لَكَ اليومُ المضيئةُ شمسهُ ... فالظُّهرُ جُنْحٌ غيرُ ما مُنجابِ
فعلى الدروع غَلائلٌ من عِثْيَرٍ ... وعلى مِجَنِّ الشّمسِ فضلُ نقابِ
لاقيت فخر الدين يكشف نَقْعَها ... كشفَ الغَزالةِ مضمحلَّ ضَبابِ
وقوله:
وكنتُ كبازيّ من الطّير أشـهبٍ ... يُهاب تجلّيه وتخشى مخالِبُه
إذا انقضّ في إثْرِ البُغاثِ تفرّقت ... شَعاعاً، ومَنْ لم يَنْجُ حانت مَعاطبه
فأصبحت فّلاً بعد رائعِ نَجْدَتِي ... لِصِرْدانـها، والدهرُ جَمٌّ عجائِبُهْ
وقوله:
الخُرْقُ يُرْهَبُ، لكنَّ الأناةَ لها ... عند التأيدّ أَضعافٌ من الرَّهَبِ
لا يأمَنُ الدَّهرَ بأسَ الجمر لامسهُ ... وقد يروح سليماً لامسُ اللَّهَبِ!!
وقوله:
سلامةُ المرءِ ساعةً عَجَبُ ... وكلُّ شيء لِحَتْفِهِ سَبَبُ
يَفِرُّ والحادثاتُ تطلُبُهُ ... يهرُبُ منـها ونَحْوَها الهَرَبُ
فكيف يبقى على تقلّبهِ ... مسلمَّاً مَنْ بقاؤه العَطَبُ!
وله من قطعة:
نشوانُ من ذكر العلاء، كأنّما ... في كل مَنْقَبَةٍ مُدامة شارِبِ
ويبيتُ منـه جارُهُ وضيوفه ... رَغَداً وأمناً في حِمىً ومَلاعِبِ
وقوله في التهنئة برجب:
أدْنَتْ لك العلياءُ نازِحَها ... فبعيدُ كلِّ فضيلةٍ كثَبُ
وَبَرَعْتَ في بأسٍ وفي كرمٍ ... فالحاسدانِ: البِيضُ والسُّحُبُ
فليهن عصراً أنت واحدُهُ ... فضلاً، وبعضُ شـهورِهِ رَجَبُ
التاء وقوله في مديح الوزير الزينبي، في الأيام المسترشدية:
صُلْتُ منـه بصقيل الص ... فْحِ مَطْرُوِر الشَّباةِ
بكريم الأصل مَشْ ... عُوفٍ بحبّ المأثُراتِ
بجميع العرض، والأم ... والُ منـه للشَّتات
من قريش في نواصي المج ... دِ والغُرِّ السَّراةِ
شأنُهُمْ طعنُ الغَطا ... ريفِ وإدْمانُ الصِّلاتِ
واغتصابُ العزّ بالأي ... دي الطِوّالِ الغاشماتِ
واقتيادُ الخيلِ جُرْداً ... مثلَ سِيدانِ الفلاةِ
يَتَعَثَّرْنَ بملفو ... ظ الظُّبا والقَنَواتِ
بحروبٍ مظلماتٍ ... وَوُجوهٍ مُشْرِقاتِ
وقوله فيه من قطعة:
كأنّ مِجَنّ الشّمسِ فوقَ جبيِنِه ... إذا ما وجوهُ الحادثاتِ اكفهرّتِ
يدلّ عليه نَشْر عرض كأنّه ... رِياح الخُزامَى إذْ جَرَتْ فاستمرتِ
كثير اهتزاز العِطْف من طرب العلى ... إذا ما أحاديثُ المماجيدِ كَرَّتِ
وقوله في الوزير عضد الدين بن رئيس الرؤساء، وكان أستاذ الدار في الأيام المستنجدية:
أقولُ لِمْنِطيقٍ من الحَيّ فْوَهٍ ... بليغٍ إذا ما الْسنُ اللُّدّ كَلَّتِ
زعيمٍ بغُرمِ الفَوْت غير مُجَمْجِمٍ ... إذا لفظةٌ عن مسلك القول ضَلّتِ:
تحمَّلْ، رعاك اللهُ، شكري إلى الذّي ... بـه عظُمت حالُ المعالي وجَلَّتِ
إلى عضد الدين الجواد ابن عزّهِ ... نِجارٌ كشمس الصّبحِ حين تجلّتِ
فَثَمَّ النَّدَى الهامِي إذا السُّحْب أخلفتْ ... وثَمَّ الحِمَى الحامي إذا البِيضُ ذَلّتِ
حييّ جريء في العُفاة وفي العِدى ... إذا عدّةٌ زادت لفضليه قلّتِ
فيحتقر الجَمَّيْن دثْراً وجَحْفَلا ... عطاء وإقداماً إذا الخيلُ وَلَّتِ
يُسَنُّ قميصاه على شامخ الذُّرى ... إذا ما الحُبا من سَوْرة الخَطْب حُلّتِ
فلا زال فرّاعاً لِكلّ منيفة ... من المجدِ لو طارت بها الرّيح زَلَّتِ
الثاء وقوله في مدائح الوزير الزينبي:

يفضّله على ماء الغَوادي ... نَدى كَفَّيْهِ والخُلُقُ الدَّمِيثُ
له دوُنَ المَعابِ وُقوفُ وانٍ ... وفي طلب العلى عَنَقٌ حثيثُ
وزيرٌ في الثراء وفي الأعادي ... بنائله ونَجدته يُغِيثُ
قَشيِبُ العِرضِ لا يُرْمي بذمٍّ ... وعرضُ عدوّهِ سَمَلٌ رَثيِثُ
تَضاءلُ دُوَنـهُ مُهَجُ الأعادي ... فنظرتُهُ لأنُفِسها تَمِيثُ
رزين العِطْفِ يحسب أنّ طَوْداً ... بِنِيقٍ منـه عِمَّتهُ يَلُوثُ
تركتُ عليه غُرّاً، لو زُهَيْرٌ ... أصاخ لفضلها، فمن البَغِيثُ؟
الجيم وقوله في مديحه:
جُمِعَتْ لك الأوصافُ غيرَ منازَعٍ ... في غايةٍ، وسواك منـها مُخْدَجُ
فحِماك معَتَصمٌ، وكفُّك دِيمةٌ، ... وسُطاك مَعْطَبةٌ، ووجهُك أبلجُ
هَيْفٌ على مُهَجِ الأعادي زعزعٌ ... وعلى الوليّ نسيمُ ليلٍ سَجْسَجُ
تكبو العزائم في محاولة العلى ... حِيناً، وعزمُك يستطيرُ ويمعَجُ
جذلانُ مبتسمٌ إذا ازورَّ الرَّدَى ... وإذا يُنيلُ المُعتفينَ فأبهجُ
وقوله فيه، وكأن حسن مدائحه فيه مقصور على حبي منائحه:
دعوت الّذي أرسى ثَبِيراً بِحَوِْلهِ ... وأعقب ظلما الدُّجَى بالتبلّجِ
دعاءَ بليغِ الالتماس مصرّح ... بآماله لا بالعيَيِ المُلَجْلجِ
بأن يَهديَ الآراءَ منك صوابها ... لدى كلّ مسدود المطالع مُرْتَجِ
ويجلو دجى الظلماء من كلِّ حادثٍ ... بواضحِ أمرٍ مثلِ وجهِك أبلجِ
وذلك مقدورٌ ليمنِ نقيبةٍ ... خُصصت بها في كلِّ أمرٍ بمَخْرَجِ
فإنّك من حبّ الصلاح تكادُ أن ... تصيب النَّدَى عند الضِّرام المؤجّجِ
إذا أخدجَ الرأيُ اللبيبُ لطارقٍ ... أتيتَ تماميَّ الحِجا غير مُخْدَجِ
شِعارْك إيساعُ الجَهالةِ رأفةً ... مع الحذق في ضرب الكَمِيّ المُدَجَّجِ
وقوله في الحكمة:
لا يُعْجِزَنْك المجدُ من بُعْدِه ... وإن نَضا عِيسَك إدلاجا
واسْلُكْ إلى إحراز غاياِتهِ ... وعراً من الرأي ومنـهاجا
كم خاملٍ صار بتدبيره ... ما بين أبناء العلى تاجا
كوَرَقِ التُّوت على ضَعْفِهِ ... أصبح بالتدبير دِيباجا
الحاء وقوله في مدح الوزير الزينبي من قطعة:
إنّ الوزارة وهي مُعتَلَجُ العلى ... ومَقامُ كلِّ مُسَوَّدٍ جَحْجاحِ
نِيطتْ بأبلجَ من ذُؤابِة هاشمٍ ... جمِّ المآثِرِ ذي سُطاً وسَماحِ
نَشوانَ من رَجْعِ المديح كأنّما ... في كلّ قافيةٍ حُمَيّا راحِ
ومنـها:
نكّبتُ عن سَنَن الفَخار توكّلاً ... منّي على المستبصر اللمّاحِ
وعلمت أنّ بـه أصيرُ إلى العلى ... فأجدت فيه قلائدي وفصِاحي
وله اعتْناءٌ بالرجال أظنّه ... ينتاشني عن موقف المُدّاحِ
وقوله فيه:
يظنّ الهوى العُذْريّ وجدي بمجده ... وما هو إلا الدارِميُّ المُبِّرحُ
ويحسبُ أني مادحٌ، وكأننّي ... لصدق مديح الزينبيّ مسبّحُ
مكارمُهُ أدنى من الغيث للغِنى ... وغُرَّتهُ من رَوْنَق الصبح أوضحُ
يَعافُ إباء فيه أدنى خَسِيفةٍ ... ويغتفرُ الجُرْمَ الجليلَ ويصفَحُ
ويهتزّ عِطْفاه ِلأُحدوثة العلى ... كما مال للكأس النَّزيفُ المرنّحُ
إذا طاشتِ الأحلام يوماً فَحْلُمـهُ ... من الأورق العاديّ ذي النّيِق أرجح
وإن ضاق قلب بالصغيرة لامريءٍ ... فقلب عليٍّ بالكبيرة أسمح
وقوله ارتجالاً في أول لقية الأمير دبيس بن صدقة:
إنّي َلأُفْكِرُ في علاك فأنثني ... حيرانَ لا أدري بماذا أمدحُ

إن قلت: ليثٌ كنتَ أقتلَ سطوةً ... أو قلت: بحر ندى فكفّك أسمح
الدال وقوله في وصف الخال واللمى والعذار:
وليس اللّمى والخال زينة نظرة ... ولكنّها قلبُ المُتَيَّمِ ذي الوَجْدِ
نـهبت سويداء الفؤاد بنظرة ... فقسمتها بين المُقَبَّلِ والخدِّ
وقوله من قصيدة في الوزير الزينبي:
كيفَ الرُّقادُ، ولاتَ حينَ رقادِ! ... رَحلَ الشَّباب ولم أفُزْ بمراد
هِمَمٌ عن الغَرَض المحاول بُدّلتْ ... أملاً فبَدلتِ الكرى بسهاد
سِيّانِ: معتلجُ الحِمامِ، وحسرة ... ضربتْ وجوهَ العزمِ بالأسدادِ
إنَّ المعَاليَ حالَ دونَ بلوغِها ... عَدَمُ الثَّراء وقِلّةُ الإنجادِ
فعلى العراقِ كآبة من مُغْرَمٍ ... جعل الضّلوعَ ركائبَ الأحقادِ
يُبدِي حَفائظه، وليس بحاصل ... إلا على الإبراقِ والإرعادِ
ومنـها:
طَرَقتْ بأشراف العُذَيْبِ مُسَهَّداً ... أغضى الجفونَ على قَذىً وقَتادِ
والجَوُّ من فَقْدِ الصبّاح كأنّه ... أسوانُ مشتملٌ بثوبِ حِدادِ
ومنـها:
ما أنصفتْ بغداد ناشئَها الذّي ... كَثْرَ الثّناءُ بـه على بغداد
سَلْ بي إذا مدَّ الجدالُ رِواقَهُ ... بصوارمٍ غير السيوف حِدادِ
وجرت بأنواع العلوم مقالتي ... كالسيل مَدَّ إلى قرار الوادي
وذعرت ألبْابَ الخُصوم بخاطر ... يقظانَ في الإصدار والإيراِد
فتصدّعوا متفرِّقينَ كأنـهّم ... مالٌ تفرْقه يدُ ابْنِ طِرادِ
وقوله في مدحه من قصيدة:
قربا مني حُسامي وجوادي ... وانظرا صدق ضرابي وطِرادي
ودَعاني من أحاديثِ الهوى ... فالعلى بين عِنانٍ ونِجادِ
إن بَرَى جسمي سَقامٌ عارِقٌ ... فبحُبُ المجد لا حُبِّ سُعادِ
لَقِحَتْ حربُ بني فاعلة ... جهلوا حّقي ولم يرعوا ودادي
ومنـها:
نَطَقُوا لا نَطَقُوا في فارع ... رفع الفضلَ إلى السبع الشداد
نَقَمُوا منـه عَلى أحرزَها ... والصّبا أغيد مخضر المَرادِ
بأس مطرور الشّبا بشفعه ... كلم تسخر من قسِّ إياد
ووراء الضيم نفس مرّة ... تسلبنّ العزَّ من خَرطِ القَتادِ
ومنـها:
كَررِّا لَحْظَكما في عارضٍ ... لبسَ الصّبح بـه ثوبَ سواِد
يلمع البارقُ من حافاته ... بدِلاصٍ ونصالٍ وصِعادِ
مستهلّ القَطْرِ، لكنّ ملؤهُ ... حَلَبُ الأوداجِ، لا صَوْبُ العِهاد
ملأ الخَرقَ رِجالاً وقَناً ... وجِياداً مثلَ مبثوثِ الجرادِ
واستمرّ الطعن حتّى فُجِعَتْ ... ذُبلُ الخَطّيِّ بالزُّرقِ الحِدادِ
وأتى الضَّرْبُ دِراكاً مثلَما ... رادفَ الجُودَ عليّ بن طِرادِ
أسد يُخْشَى، وغيثٌ يرتجى ... في غنى مُقْوٍ وإرْغامِ معادي
وقوله من قصيدة في مدح السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه في السهم والقوس وغيرهما:
أَلْقِ الحدائجَ تَرْع الضُّمرَّ القودُ ... طال السُّر وتشكّت وَخْدَك البيدُ
يا ساريَ الليلِ لا جَذبٌ ولا فَرَقٌ ... النّبتُ أغيدْ والسلطانُ محمودُ
قَيْلٌ تألفت الأضداد خيفته ... فالموردْ الضَّنْكُ فيه الشاءُ والسِّيدُ
أغرّ يُشرقُ ديجورُ الظلامِ بـه ... ومشرقاتُ الضحى من غزوه سُودُ
تروى غروب الظّبا والمعفين بـه ... ما أنبطَ الجُرح أو ما أسبلَ الجودُ
ومنـها:
يَزيدُه جَذَلاً صوتُ الصريخِ ضُحى ... كأنّما الحربُ في ألحاظه رُودُ
الْهُوبُ حربٍ له يوم الوغى شُعَل ... وماءُ سلم شـهيّ الطعم مورودُ
ومنـها في وصف السهام:
يصْمِي بطيرٍ من الأعوادِ هافيةٍ ... أو كارهنّ المَجالِي واللغَّاديدُ

من كلّ أهيفَ ممشوق يظاهره ... مُؤَلَّلٌ من حديد الهند مجرود
ألفى بـه النّسر عهداً من قوادمـه ... يَمِيره، ورواقُ الحربِ ممدودُ
كأنّ مرماهُ مغناطيسُ أنْصلِه ... ففيه قبلَ انتحاء القصدِ تسديدُ
لو أبصرتْ عينُ داوودٍ مَنافِذَهُ ... لما تحدّى بِنَسْجِ السَّرْدِ داوودُ
ومنـها في صفة القوس:
من قلب مَحْنِيَّةٍ مَلْوِيّةٍ قُذُفٍ ... سِيّانِ في قصدها قربٌ وتبعيدُ
لها رنينٌ إذا ما انْبِضَتْ زَجِلٌ ... كما أرنَّ أبِيُّ النّفس مجهودُ
كأنّها حاجب المذعور، مرشقة ... ما فيه للخوفِ تدريجٌ وتجعيدُ
وتنثني حين تلفى غيرَ مُوتَرَةٍ ... كأنّها حاجبٌ بالغيظِ معقودُ
وفي صفة الرمح:
له ألَفُّ قَويم القدّ معتدلٌ ... مثقَّفٌ من عروق الخَطّ أُمْلُودُ
سكران من عَسلان في مَعاطفه ... لكّنـه عند طعنِ النّحرِ غرّيدُ
وفي صفة السنان:
يجري بـه وهو كَيْوان لزرتته ... وينثني وهو كالمريخ مَزْؤُودُ
وفي صفة السيف:
وصارم يسبق التقحيمَ، قَتْلَتهُ ... يومَ الكريهةِ والإيماء تقديدُ
يغتالُ من لمعانٍ لحظَ ناظرهِ ... فما لمِقُلة راءٍ فيه ترديدُ
كأنّه جدولٌ والبحرُ قابضُهُ ... إذا انتضاه شديدُ البأس محدودُ
وفي صفة الفرس:
على أقبَّ رحيبِ الصدرِ ذي خُصَلٍ ... فيه علي الريح تبريزٌ وتجويدُ
نَوّام مربطة، يقظان معركة، ... سهل العنانِ، وفي التَّعْداءِ تشديدُ
مصغٍ إلى هاجس من سرّ فارسه ... كأنّه بضمير الرَّكض مجلودُ
وفي صفة الجيش:
في جحفل كأتِيّ الطّود ذي لَجَبٍ ... له بمخْترقِ البيدا تنضيدُ
كأنّما القاعُ طِربىٌ وهو أسطره ... والبيِضُ والسُّمْرُ إعرابٌ وتأكيدُ
كأنَّ حَيّا تَهادَوْا نارَ ممْسِيةٍ ... نار السنابك تعليها الجلاميدُ
لاحت بـه الطّلعةُ الغرّاء، إذ حجبت ... شمس الضُّحى، فضياء اليوم موجودُ
من نور أبلجَ، لا في عوده خَوَرٌ ... للعاجمينَ، ولا في الرأي تفنيدُ
صَدقُ البديهة في تأميم مقصده ... وللِرَّويَّةِ تصويبٌ وتصعيدُ
ومنـها في مدح قوم الممدوح:
قومٌ أنامِلُهم سُحْبٌ، وأعصرهم ... خِصْبٌ، وعافِيُهم في الجَدْبِ مورودُ
ومنـها:
من كلّ متعصبٍ بالتاج، يَنْعَتُهُ ... على المنابر تعظيمٌ وتمجيدُ
يُهاب، وهو جَنِينٌ قبلَ رُؤْيتِهِ ... ويستقادُ إليه وهو مولودُ
وفي التهنئة بالصوم والعيد:
يا صائماً قبلَ صومِ اليوم من وَرَعٍ ... هنّاك باليُمْن هذا اليومُ والعِيدُ
وله من قصيدة في مدح السلطان طغرل بن محمد بن ملكشاه:
أأهجع أم آوي إلى لِينِ مرقدِ ... ولم يَرْوَ في كّفيِ غرارُ مـهنَّدي؟
ومنـها في الافتخار:
إذا أخمد النّيرانَ قرٌّ مُراوِحٌ ... بأهداب رَجّافِ العشيّةِ مرْعدِ
ولم يُطقِ العجلانُ في قَبْسِ ضَرْمةٍ ... حِفاظاً، لِما يعروه من رعشة اليدِ
ولاذت بفرث المُودياتِ مع الدُّجَى ... من القُرِّ رعُيْانُ العَزِيبِ المبدَّدِ
رأيت ضيوف الدارِمييِّن هُجَّعاً ... لدى مثوى من رِجال وموقدِ
ومنـها في صفة الركب:
أقولُ لرَكْبٍ مُدْلِجينَ تذارعوا ... بُرودَ الفَيافِي بالرَّسِيمِ المُردَّدِ
نَشاوَى من التّهويمِ حتّى كأنّما ... سقاهم سُهاد الليل خمرةَ صَرْخَدِ
إذا ساور الإعياءُ منـهم غَرِيمَهٌ ... نَفاه مقالٌ من فصيح مغرّدِ
وقد لفظوا عن عِيسهم كلَّ مثقلٍ ... من الرَّحْلِ حتّى بُلْغَهَ المتزوّدِ
خذوا برقاب العيسِ إنْ رمتم الغِنى ... إلى ذي الأيادي طغرل بن محمّدِ
ومنـها:

يُذَمُّ بأفواه العِشارِ عشيّة ... وتَحْمَدُه العِقبانُ عندَ ضحى الغدِ
ومنـها:
وأبلج متلاف كأنّ نَوالَهُ ... تحدَّرُ سيلٍ من ذُرَى الطّود مُزْبدِ
هنيء الندى، لا واهبٌ بوسيلة، ... ولا شائب المعروفِ منـه بموعِدِ
ومنـها:
إذا غَدَرَتْ دارٌ، وَهبْتَ ترابَها ... لأَيدي المَذاكِي والعجاج المْصَعِّدِ
ومنـها:
وكم جلّ جُرمٌ فاغتفرتَ خطيرَهُ ... بحْلمٍ جميلِ الصفحِ رَحْبِ التغمُّدِ
وقوله من قصيدة في السلطان مسعود بن محمد نظمـها بمرو سنة اثنتين وعشرين:
حيّ نجداً وأين من مَرْوَ نجد؟ ... إنّما يبعثُ التحيّةَ وَجْدُ!
عرضت بيننا البلادُ، وأضحى ... للمطايا دونَ التّزاوُرِ وَخْدُ
شامخاتٌ من الجبال صِعابٌ ... وقِفارٌ من التنائف مُلْدُ
ووراء الفراق طيفُ خيالٍ ... لم يَعُقْهُ عن الزيارة بُعْدُ
يفضل اليقظةَ الكرى حين يخطو ... والظّلام الصّباح أيانَ يبدو
لا تظنّوا أنّ الغرامَ وإنْ بِنّ ... ا وبِنْتُمْ يقضي عليه الصدُّ
دون سَلْوانِ حبّكم زفَراتٌ ... لا فحلتٌ لها ضِرامٌ ووَقْدُ
ومنـها:
هان عندي الزَّمانُ بؤْسَي ونُعَمى ... وتساوى نحس لديَّ وسعدُ
وإذا الحبّ لم يَدُمْ، فسواءٌ ... عَذُبَ الوصلُ، أو أمرّ البعدُ
يفعل اللهُ ما يشاء، فما مِنْ ... هُ مفرٌّ، ولا لمِا شاء ردُّ
حازمُ القوم عاجزٌ في توقّي ... ه، وكالجاهل اللبيبُ الأسَدُّ
ما لفضلي يُذالُ بين أناسٍ ... جودُهم موعدٌ، وشعريَ نقدُ!
كنزوا المالَ للخطوب، وذمّي ... لَهُمُ من أشدِّ خطبٍ أشدُّ
كم أذَلْتُ المديح في حمد قومٍ ... كان كفراً بالمجد ذاك الحمدُ
حرجاً ألجأ الصدوق إلى المَيْ ... نِ، وما من لوازم العيش بدُّ!
لستُ أخشى فوتَ الغنى وأمامي ... شرفُ الحظ والمليكُ الجَعْدُ
ملك عنده قِراءانِ للضي ... فِ وللجيش: فتكه، والرِّفْدُ
كلّما نازلَ الكتائبَ والفق ... رَ، شكا جَحْفَلٌ، وأثنى وَفْدُ
نِعْمَ مَنْ لئّمتْهُ هَبْوَةُ حربٍ ... وجلاه تحت السنَوَّرِ طردُ
وادا ملّ سيفُه الغِمْدَ أضحى ... وله مَفرِقُ المتوَّجِ غِمْدُ
دارهُ حَوْمةُ الوَغَى من غِوارٍ ... وحشاياه عُودُ سرجٍ ولِبْدُ
ومنـها:
مُتْلِفٌ ما احتواه جوداً وبذلاً ... يُهْدَمُ المالُ حيثُ يُبْنَى المجدُ
وله من مدح المظفر بن حماد:
ظِلُّ الأسنّةِ لا جُدْرانُ بغدادِ ... وسابغُ الزُّغْفِ لا مَوْشيّ أبرادِ
أدنى إلى المجدِ من عيشٍ يقارنـهُ ... تهضُّمٌ من أباةِ الحمدِ أوغاِد
فارْغَبْ بنفسك أنْ يقتادَها رَغَدٌ ... ودونـه جائر في حكمـه عادِ
رحلت عنكم، فلا جِيدٌ بملتفتٍ ... إلى الدّيار، ولا شوقٌ بمُعْتاِد
وكم وراءَ رحيلي من مخّبرةٍ ... رَوْعاء بارقةٍ بالشرّ مِرْعاِد
يا غامزين قناةَ غيرَ خائرةٍ ... وراِسنينَ شديداً غير منقادِ
كفّوا عن الأورق العاديّ، إنّكم ... لا تستطيعون نقلَ الأورق العادي
ولا تسنّوا لأقوالي سِبابَكُمُ ... فما العَضِيهَةُ من شأني ولا عادي
ومنـها:
وإن أكن مادحاً من غير قارصة ... فرّبما كنت يوماً حَيّةَ الوادي
وفي المخلص بعد وصف معرك:
وبالفلاة لنا يومٌ تراجمـه ... بالهام يُنْجِزُ مأمولي وميعادي
كأنّما دَمُ أوداجِ الِرجال بـه ... سيلٌ تَعَ أو جود ابْنِ حَمادِ
ومن قطعة:
إلامَ أمَنّي النفسَ كلَّ عظيمةٍ ... ودهريَ عنـها عٌ لي وذائدُ؟

وأسْتَوْكِفُ المعروفَ أيديَ معشر ... تموتُ الأماني عندَهُمْ والمحامدُ
إذا أنا بالغُرّ القوافي مدحتهم ... لعذر، هجتني بالمديحِ القصائدُ!
وله من قصيدة في مدح الوزير محمود بن أبي توبة وزير السلطان سنجر:
كّفي منالكِ عن لومي وتفنيدي ... صَبابتي بالعلى لا الخُرَّدِ الغِيدِ
أطلتُ حتّى حسِبتُ المجدَ منقصهً ... كلاّ ولو أنّه حَتْفُ المَماجيدِ
لمّا رأيت غراماً جلّ عن عَدَلٍ ... حسبته بهوى الحُسّانِة الرُّودِ
لا والرواقصِ في الأَنساعِ يبَعثُها ... زجرُ الحُداةِ بإِنشادٍ وتغريدِ
إذا ونَيِنَ من الإرْقال، واضطمرت ... من اللُّغُوبِ، خلَطْنَ البيدَ بالبيدِ
يَحْمْلَن شعثاً على الأكوار تحَسبُهُمْ ... أزِمَّةَ العيسِ من همّ وتسهيدِ
ما حَنَّ قلبي إلى الحسناء من عَلَقٍ ... لكنّني بالمعالي حِدُّ معمودِ
صَبابتي دون عِقْدٍ زانـه عنقٌ ... إلى لواءٍ أمامَ الجيشِ معقودِ
أمِيس تيِهاً على الأحياء كلّهم ... علماً بأنّ نظيري غيرُ موجودِ
كيف الإجادةُ في نظمٍ وقافيةٍ ... عن خاطرٍ بصُروفِ الدهِر مكدودِ؟
كم قد قَريْتُ هنيَّ العزم نازلةً ... والخَطبُ يجْلِبُ في ساحات رِعْديدِ
تبصَّروُها مراحا في أعنّتها ... يَجِفْنَ ما بين مقتولٍ ومطرودِ
تَكِرَ في ليلةٍ ليلاءَ من رَهَجٍ ... على نجيع لخيلِ اللهِ مورودِ
تنزو بحُمْسِ هفت أضغانـهم بهمُ ... فحطَّموا في التّراقي كلَّ أمْلُودِ
كأنَّ فَرطَ توالي الطّعنِ بيَنُهمُ ... وَلْغُ العواسلِ أو معروفُ محمودِ
الواهب الحتف والعيش الخصيب معاً ... فالموتُ بالبأسِ، والإحياءُ بالجودِ
ومنـها:
إن أمسك الغيثُ لم يحبسْ مكارمَهُ ... طولُ المِطلِ ولا خُلْفُ المواعيدِ
مالٌ مُذالٌ وعرضٌ دون بذلته ... خوضُ الأسنّة في ماء اللَّغادِيدِ
أرقّ من خلق الصباء شيمته ... فإن يهجْ فهو كاسٍ خُلْقَ جلْمُودِ
ومنـها:
فكلُّ مُعّضِلِ خطبٍ في رَوِيَّتِهِ ... حديدُ سابغةٍ في كفِّ داوودِ
ومنـها في التهنئة:
فضلت حدّ التهاني فانصرفت إلى ... هنّي بك العيد من هنّيت بالعيدِ
وله من قصيدة في الأمير دبيس بن صدقة:
يغبّ الغيثُ أكنافَ البلادِ ... ويخلفُ بارقُ السُّحُبِ الغوادي
ويغبرُّ الشتاءُ، ومنـه يرجى ... نموُّ الروض، أو رِيُّ الصَّوادي
وسيفُ الدولة الملك المرَجَّى ... سَحُوحُ الجودِ مُنْهَلُّ العِهاِد
يُبِيدُ نواله فَقْرَ المَقاوِي ... وحد حُسامِهِ مُهَجَ الأعادي
إذا افتخرت ملوكُ الأرضِ طرّاً ... بتعديد المساعي والأيادي
شآها عند معتبر المَعاِلي ... طويلُ الرمحِ واليدِ والنِّجاِد
طليقُ الوجهِ أغلبُ مَزْيديٌّ ... مضيء النار مرفوع العِمِاد
ومنـها:
وباعثها إلى الغارات تهفو ... سِراعاً مثلَ مبثوثِ الجرادِ
فيَوْماً بالمشارق في مُغارِ ... ويوماً بالمغارب في جِلادِ
أجلت الخيل في الآفاق حتّى ... تخوّفت السماء من الطَّرادِ
وباراك الملوكُ فكنتَ منـهم ... مكانَ الشامخاتِ من الوِهادِ
ومنـها:
أطِعْ فيَّ العلى وازْجُر رجالاً ... سَعَوا في شأن مجدي بالفسادِ
فإنَّ الجاهلينَ بغيرِ خُلْفٍ ... لأهلِ لفضلِ قد خُلِقُوا لأعادي
ومنـها:
أنا الرجلُ المُقرُّ بفخر فضلي ... وهمّتيَ الأصادِقُ والأعادي
فإنْ حَرْبٌ فعَمْروٌ في زُبَيْدٍ ... وإن نُطْقٌ فقُسٌّ في إيادِ
ولم أمنحك هذا الرأسَ إّلا ... لترفعني على السبع الشِّدادِ
ومنـها:

وكم بدروبِ بغدادٍ حديث ... يَسُرُّكَ نَشْرُهُ في كلّ نادِ
بأنّي قد بلغتُ بك الثريّا ... وأنّي للترقّي في ازديادِ
فكن حيثُ الظّنونُ، فكُلُّ كسبٍ ... سوى الذِكْرِ الجميلِ إلى نَفادِ
وله من قطعة في مدح الوزير الزينبي:
جوادٌ، إذا ما أفقر البذلُ كفَّهُ ... غدا الشكرُ يُغني عرضه والمحامدُ
ويقظانُ في كسبِ العلى، غير أنَّهُ ... عن الجُرْمِ نوّامُ الحَفيظةِ راقدُ
وله فيه:
دأماءُ الجُودِ وخِضْرِمُهُ ... وحُسامُ البأسِ مُهَنَّدُهُ
مضّاءُ العزمِ وثاقبُهُ ... ومُصيبُ الرأيِ مُسَدّدُهُ
قَرَّاءُ الضيفِ وخادِمُهُ ... ومُشارُ الدهر وسيّدُهُ
يدنو للقِرْنِ فيَصْرَعُهُ ... ولِمَحْلِ العامِ فيَطْرُدُهُ
فالموتُ الفصلُ تَقَحُّمُهُ ... والطَّوْدُ الثَّبْتُ تأيُّدُهُ
وقوله:
مدحتكُمُ للوُدِّ، لا لرغيبة، ... وشتّانَ ما بينَ الرَّغائِبِ والوُدِّ
فجُدْتُمْ ولم أقدِمْ على ردِّ جودِكم ... محافةً أنْ أرْمى بداهيةِ الصدِّ
ونفّرتُمُ إنسَ القوافي وقد دنت ... إليكم دُنُوَّ العاطشاتِ إلى الوِرْدِ
ولمّا رأيتُ المدحَ فيكم فريضةً ... تحرَّجتُ من أخذ الجزاء على الحمدِ
فقل لرئيس الدين: مالي وللنّدى ... وحاجات نفسي منك في طلب المجدِ؟
قال: أرسل إلي شرف الدين الزينبي فضة، لأصوغ لي دواة من الفضة، فصغتها، وكتبت عليها:
قد حويتُ الشُّهْدَ والسُّمَّ معاً ... بالندى والبأس في لونِ مِدادِ
وفضلتُ الجنسَ، إذ يُكْتَبُ بي ... مدحُ مولانا عليِّ بْنِ طِرادِ!
وله في التغزل:
عجزتُ فما لي حِيلةٌ في هواكُمُ ... سوى أننّي أزدادُ وَجْداً مع الصَّدِّ
ولو أننَّي جاهدتُ نفسيَ فيكُمُ ... سلوتُ، ولكنْ لا جِهادَ على العبدِ
وله في الحكمة:
لا تلبس الدهرَ على غِرَّةٍ ... فما لِمَوْتِ الحيّ من بُدِّ
ولا يخادِعْك طويل البقا ... فتحسب الطولَ من الخُلْدِ
يَنْفَذُ ما كان له آخِرٌ ... ما أقربَ المَهْدَ من الَّلْحدِ!
وله:
وفُرْقةُ ما يعاد عليك صعبٌ ... فكيف فراقُ شيء لا يُعادُ؟
وله في المطل:
رُبَّ رِفْدٍ وإنْ تكاثر عَدّاً ... قلّ من فَرْطِ كَثْرِة التَّرْدادِ
إنّما الجودُ كالحياةِ، ولكن ... يعتريها السَّقامُ بالميعادِ
وسؤالُ الأحرارِ من غيرِ خُلْفٍ ... ثمنٌ للنَّدَى من الأجوادِ
الراء وله في الوزير جلال الدين أبي علي ابن صدقة في الأيام المسترشدية، وكان قد عتب عليه:
وراءَك أقوال الوُشاةِ الفَواجرِ ... ودُونَك أحوال الغرام المُخامِرِ
فلولا وَلُوعٌ منك بالصَّدِّ ما سَعَوْا ... ولولا الهوى لم أنتدب للمعاذِر
تزاور نومي أنْ هجرتِ، وطالما ... صغاِ صغْوَ جَفْنٍ، إذ وصَلْتِ، وناظِرِ
لقد أنجمت تلك العهودُ، كانّها ... جَوافلُ طيرٍ نُفِّرَتْ بالخوادرِ
فلا الطَّيْفُ للطَّرْفِ القَريحِ بسانحٍ ... ولا الحِبُّ للصبّ المُعَنَّى بزائرِ
سليمٌ من الأشواق شِيبَ بكاذب ... وأمنٌ من الإلمام رِيع بهاجرِ
وباكٍ إذا ما اجدب العامُ عندَه ... سقى التُّربَ من أجفانِهِ بالمواطرِ
أصَخْت ولو أرعيت بعديَ مَسمَعاً ... لرُدَّ على أعقابه كلُّ فاجرِ
وحملتني ذنبَ الكذوبِ، ولم تَزَلْ ... يدَ الخَطبِ تُدْمِي ناقلاً غير عائرِ
عصيتُ أميرَ العَذْلِ فيك، وطالما ... تداوَلَ سمعي مُجْلبِاً بالزواجرِ
إذا عُدِّدَتْ أنواع صدكِ، واغتدتْ ... أوائلها مشفوعةً بالأَواخرِ
محاها هَوىً لا يستفيقُ، كما انمحى ... بِحْلم جلالِ الدين عُظْمُ الجَرائرِ
ومنـها:

إذا ما أتاه مُجْرِمٌ وهو قادرٌ ... توهمتهُ من عفوِهِ غيرَ قادرِ
وله من قصيدة في أنوشروان الوزير، في الحلم:
وكم من سفِيه الرأي والقولِ أجلبت ... فَواحشُهُ إجلابَ هوجاءَ ذاعرِ
يقولُ ليَ الفحشاءَ كيما أجِيبه ... فيغدو بقولي في عِدادِ النَّظائرِ
كررتُ عليهِ الحلمَ حتّى تبدّلت ... جرائمُهُ، من خجلهٍ، بالمعاذرِ
ومنـها:
وحاجة مصدورٍ سَهِرْتُ لنُجْحِها ... وقد نام عنـها رَبُّها غيرَ ساهرِ
قطعتُ لها لَيْلَيْ سُرىً وَروِيَّةٍ ... فجاءت وما نَمَّ الصباحُ بجاشرِ
ومنـها:
وإنّي لمشتاقٌ إلى ذي حَفِيظهٍ ... شديدِ مَضاء البأس مُرِّ البوادرِ
متى سُمْتُهُ بالقولِ نصراً جرت بـه ... مقاول أغماد فِصاحُ المجازرِ
فيفتكُ فيمن رامَ ظُلمي بأوّلٍ ... ويسألُ عمّن جرَّ حربي بآخِرِ
يكونُ نصيري في دِاركيَ للعلى ... ولن تُدْرَكَ العَلياءُ إلاّ بناصرِ
ومنـها:
هجرنا إلى آمِالنا كلَّ مطعمٍ ... فلم تَرَ إّلا ضامراً فوق ضامرِ
بيوم وَغىً تُعمِى العجاجةُ شمسَهُ ... وتُطْلِعُ زُهْرَ الذابلاتِ الشّواجِر
جَبَهْناهُمُ فيه بطعنٍ كأنّه ... خُروقُ العزالي واستنانُ المواطرِ
وسقْناُهمُ تحت العَجاجِ كأنّما ... تَخِبُّ بِغزْلانِ الصَّريمِ النّوافِر
فلولا ادّكارٌ من أناةِ ابْنِ خالدٍ ... لما كفّ عن ضربِ الطُّلَى غَربُ باترِ
وله من قصيدة:
بني دارمٍ، إنْ لم تُغيروا فبدّلوا ... عمائمكم يومَ الكَريهِة بالخُمْرِ
فإن القُرى والمُدْنَ حِيزَتْ لأَعْبُدٍ ... وما سلمت أفْحُوصَةٌ لفتى حُرِّ
ربطتم بأطنابِ البيوتِ جِيادَكُمْ ... وخيلُ العدى في كلِّ مَلْحَمةٍ تَجْري
إذا ما شببتم نارَ حربٍ وقَودُها ... صدورُ المَواضي الِبيضِ والأسَلِ السُّمْرِ
ضَمِنْتُ لكم أنْ تَرجِعُوها حميدةً ... تَواجَفُ غِبَّ الرَّوْعِ بالنَّعَمِ الحمْرِ
أنا المرءُ لا أوفي المنى عن ضراعة ... ولا أستفيدُ الأمْنَ إلا منَ الذُّعْرِ
ولا أطرقُ الحَيَّ اللِئامَ بمدحهٍ ... ولو عَرَقَتْنِي شدّةُ الأزُمِ الغُبْرِ
تغانيت عن مالِ البخيلِ، ِلأَنَّنِي ... رأيتُ الغِنى بالذُّلِّ ضرباً من الفَقْرِ
وله:
أقرب من قولك يا عَمْرُو ... حالٌ بها ينكشفُ الضُّرُّ
فلا تَبِتْ أسْوانَ في غَمْرَةٍ ... ضاق بها ذَرْعْكَ والصَّدْرُ
واتّخذِ الصبرَ لها جُنَّةً ... فمن شِعارِ الحازمِ الصبرُ
هي العلى عِلْقٌ إذا قِسْتَهُ ... مسترخَصٌ، والثمنُ العُمْرُ
إنّ امرءاً مات على مجده ... لخاَلدٌ ما خلد الذكرُ
لا خيرَ في مُثْرٍ بلا شاكرٍ ... فإنّما المالُ هو الشكرُ
أحجار سَوْءٍ جُعِلَتْ آلةً ... وسِرُّها النفعُ أو الضُّرُّ
يُصيب من يبذلُهُا أجرَهُ ... وللّذي يَحرزُها الوِزْرُ
ومنـها:
إن شام غيري بارقاً من ندىً ... بفضله، فهو إذَنْ نُكْرُ
أيُّ مَحَلٍّ لنجومِ الدُّجَى ... يبقى إذا ما جهِلَ البدْرُ
وله من قصيدة في الأمير مظفر بن حماد، في الحث على السفر والمخلص:
ومعنّفٍ في المجد يحرق نابَهُ ... متخمّطٍ في عَذْلِهِ متنمِّرِ
قال: اتخذت الإغترابَ مطيّةً ... فارْفُقْ بنفسك من سِفارِك واحضُرِ
فأجبته: إنّ الهلالَ بسيرِه ... بدرٌ، ولولا سيُرهُ لم يُقْمِرِ
دعْ عنك لومي، إن عزميَ والسُّرَى ... أخوا لِبانٍ: كالنّدى ومظفّر
ومنـها في المديح:
خِرْقٌ، إذا عنّتَ وَغىً وخَصاصهٌ ... جادَتْ يداهُ بوابلٍ مُثْعَنْجِرِ

فالقَرْنُ والرجلُ الفقيرُ ِكلاهما ... غَرِقانِ من عُرْفٍ وقانٍ أحمرِ
وإذا خبت نارُ اليَفاعِ، فنارُهُ ... تهْدِي رِكابَ الخابطِ المتنوِّرِ
نارٌ تكادُ منَ المكارمِ والندَّىَ ... تخبو، فلولا البأسُ لم تَتَسعَّرِ
رُفِعَتْ ِلأبلجَ من كنانةَ، دَأبُهُ ... ضربُ الجماجمِ تحتَ ظِلِّ العِثْيَرِ
لِمُعَذَّلٍ في الجودِ، صَوْبُ يمينِهِ ... يُزْري بسيلِ الشاهِقِ المتحدِّرِ
باع الثراءَ من الثناءِ بطيِبِه ... وشِرا الثنا بالمال أربحُ مَتْجَرِ
فإذا غدا صِفْرَ اليدَيْنَ، فإنّه ... ملآنُ من شرفِ العُلى والمفخرِ
سهلُ الخلائقِ والودادِ كلاهما ... لا بالملولِ هوىً ولا المتكبِّرِ
تنجابُ أستارُ الحجابِ إذا انتدى ... للحيِّ عن متواضعٍ متوقّرِ
تُخْشَى سُطاه على لَطافةِ وجهِهِ ... ولَرُبَّ برقٍ بالصواعق مُنْذِرِ
أَلِفَتْ قِراعَ الدّارِعِينَ سيوفُهُ ... فيكادُ يمرُقُ مُغْمَدٌ لم يُشْهَرِ
وتعودّت خوضَ النُّحُورِ رماحُهُ ... فإذا جرتْ للطّعنِ لم تتأطَّرِ
وغنينَ من وِرْدِ الدّماءِ جيادُهُ ... في الحربِ عن ورد النَّمِير الأخضرِ
زَوْلٌ تُعيض الحَيَّ غُرَّةُ وجهِهِ ... تحتَ اللثامِ عنِ الصباح المُسْفِرِ
لا تَطَّبيهِ مع الشبيبة للهوى ... خدعٌ، ولا تُلْهيه بهجةُ منظِر
ومنـها في صفة الجيش:
ومزمجرٍ بالقاع يُظْلِمُ صبحُه ... مما يثير من العجاجِ الأكدرِ
مَجْرٍ كأنَّ خُيُوَلهُ ورِجالَهُ ... غِزْلانُ وَجْرَةَ تحتِ جنَّةِ عَبْقَرِ
أعمى القَتامُ بـه الكُماةَ، فخيُلُه ... لولا بريقُ حديدِهِ لم تنظُرِ
فيه السوابغُ والدِّلاصُ كأنّها ... غُدُرُ الفلاةِ تلوحُ للمتبِّصرِ
غادرتهم صَرْعَى بأوّلِ حملةٍ ... من غير تثنيةٍ وغير تكرّرِ
وإلى عُلى بكرٍ نَمَتْك عِصابةٌ ... طيبُ الثناءِ لهم لطيبِ العُنْصُرِ
قوم إذا كَرهوا الحريرَ بَسالةً ... لَبسُوا لزينتهم ثيابَ سَنَوَّرِ
يتقارعون على الضيوفِ إذا الدُّجَى ... سُدَّتْ مطالعْهُ بريحٍ صَرْصَرِ
من كلِّ متبوعِ اللِّواءِ، مؤمَّلٍ ... في المَحْلِ، مُنْتَجَعِ النَّدَى، مُسْتَمْطَرِ
تتلو الذئابُ المُعطُ كبّةَ خيلهِ ... ثِقةً بأنّ طعامَها من مَنْسِرِ
أرِجُ الثناءِ لدى النَّدِيِّ، كأنّما ... تُتْلَى مدائحُ عِرْضِهِ من مِجْمَرِ
وله من أخرى في الهم:
كأنَّ بلادَ اللهِ مما أجِنُّهُ ... من الهمّ أحْبُولٌ تُحاذِرُهُ العُفْرُ
يَضيقُ بيَ الخَرْقُ الوَسيِعُ كآبةً ... ولولا همومُ النفسِ لمَ يضقِ القَفْرُ
يظنّون فخري رائقَ الشعِر عندَهُمْ ... ولا عيبَ لي إلا الفصاحةُ والشعرُ
إذا لم يكن لي ناصرٌ من صوارمي ... فما لي من قولٍ أنِّمقُهُ نصرُ
وكم عارِ مدحٍ مُثْقِلٍ لأبيِتّي ... وإن كان لي لمّا نطقتُ بـه عذرُ
وله من قصيدة في السلطان مسعود:
وما عذبٌ مواردُهُ بَرُودٌ ... له بالرَّعْنِ جَرْيٌ وانحدارُ
أصاب بَمرِّهِ عُلْوِيَّ وَقْبٍ ... تَقاصَرُ عن تناوُلهِ البحارُ
حديث المجِّ من كرماءِ رَعْيٍ ... لهنّ بكلّ ناضرةٍ مطارُ
له خَصَرٌ، ونسمته اعتلالٌ ... إذا ما اسْتوقد الشِّعرَي النَّهارُ
بأعذبَ من غياث الدين وُداً ... إذا ما علقَمَ البَرِمَ النِفارُ
ومن قوله فيه:
وصاحبٍ من بني الآمال خُضْتُ بـه ... بحراً من الآل ذا لُجٍّ وتيّارِ

يلفُّه النومُ أحياناً فأفِرشُهُ ... حديثَ مجدٍ يجلّي نومةَ السّاري
يرجو، ويرقُدُ عمّا قد سَهِرتُ له، ... والمجدُ لا يُبْتنَى إلاّ بمسهار
إذا اطبَّاهُ مُناخٌ عند باديةٍ ... أذكرته دَعَةً من ريفِ أمصارِ
علماً بأنّ اعتزامي سوف يُنزِلُنا ... بمنزلٍ من غياث الدين مُختارِ
حتّى أنخنا بميمونٍ نقيبتُهُ ... منزّهِ العرْضِ عن ذامٍ وعن عارِ
القاتل المحل حيثُ المُزْنُ مُكديةٌ ... بهاطلٍ من ندى كفّيه مِدرارِ
يَجِلُّ عن منحِة الأموال آونةً ... فالجودُ منـه بآجالٍ وأعمارِ
ويُكْرِمُ السيفَ عن غِمْدٍ فيَغْمِدهُ ... ، إذا يُجرِّدُهُ، في رأسِ جبّارِ
ومنـها:
تناطُ حُبْوَتُهُ في يومِ نَدْوَتِهِ ... بصافحٍ عن عظيمِ الجُرْمِ غفّارِ
وله من قصيدة في الوزير الزينبي:
أعِيذُ قريشاً أنْ تُصيخُ لكاشحٍ ... كذوبٍ، وما يقضي بظلمٍ أميرُها
وعندَ قريشٍ شيمةٌ نبويّةٌ ... يُخبّرُها ما في النفوس ضميرُها
لهم مَهْبِطُ الوحيِ المَجيدِ، ومنُهمُ ... بَشيرُ البَرايا مُرْسَلاً ونَذيرُها
ومنـهم أغرُّ الوجه يُشرقُ وجهُه ... بشيبِتهِ، جادَ البلادَ مَطيِرُها
وجهل بحِلْمِ قد غفرتم عظيمَهُ ... إذا ما شفى غيظَ النفوسِ قديرُها
ويوم نِزالٍ قد دَلَفْتُمْ لِشرّهِ ... فأبليُتمُ والخيلُ تَدْمَى نحورُها
ومنـها:
ومَنْ كقريشٍ في المعاركِ والنَّدَى ... يموتُ مُناديها ويَحْيا فقيرُها
إذا ما مساعيهم أعيدَتْ وكُرِّرتْ ... أضاء الدجى والشّمسُ لم يَبْدُ نورُها
أبرَّ عِليّاها على كل ماجدٍ ... فأوّلهُا حاز العلى وأخيرُها
تلا ابْنُ طِرادٍ في المعالي سَميَّهُ ... فلا سورةٌ أّلا الوزيرُ أميرُها
ومنـها في صفة الروض:
وما أنُفٌ من روضةٍ ذاتِ بهجة ... ممنَّعِة الأكنافِ غَضٍّ نضيرُها
لها نَفَحاتٌ بالعشيّ، كأنّها ... لَطِيمَةُ داريٍّ يُفَتُّ عبيرُها
أقامَ بها القَيْلُ التَّريفُ وأسرةٌ ... كِرامُ التلهّي نَشؤها وكبيرُها
تصبّ على نُوّارهِا قرقفيّةٌ ... يَميِسُ لِعَرْفِ الطِّيبِ منـها مديرُها
يكادُ نسيمُ الجوِّ بعدَ رُكودِهِ ... يموجُ انتشاءَ إذْ تُصَبُّ خمورُها
بأطيب من عَرْفِ الوزير، وإنْ غْدت ... أصائلُها مطلولةً وبُكورُها
ومنـها في الاستعطاف:
تيمَّمْتُ زَوراء العراقِ، وذادَني ... عن القصد بُهتانُ الأعادي وزورُها
وماليَ ذنبٌ أختشي من عِقابه ... سوى صحبةٍ مجدُ الإمامِ غَفورُها
يعني صحبة دبيس حين خرج إلى المسترشد.
أقمتُ بها حيثُ الرِّضا ذو مَخايلٍ ... وفارقتُها لمّا بدا لي غرورُها
ومنـها:
ومن عجبٍ تغشى البلادَ قلائِدي ... وتُعرضُ عن زَوْراِئكم لا تزورُها
وفيكم غدت ألفاظُها مستجيبةً ... ملائمة أعجازُها وصدورُها
ومنـها:
أقِلْني عثاري واتّخذها صنيعةً ... يُطَرِّبُ شاديِها ويَلْهى سَمِيرُها
فما الدهرُ أّلا حِلْيَةٌ مستعارةٌ ... جديرٌ بكسبِ الحمدِ من يستعيرُها
وله في مدحه:
إذا ما عليُّ الخيرِ عُدَّ فَخارُهُ ... فكلُّ ثَرىً روضٌ، وكلُّ دُجى فَجْرُ
عَمِيدٌ بِحُبِّ المجدِ، ما في وِصالِهِ ... إذا انقضتِ الأهواءُ صدٌّ ولا هَجْرُ
هزيمانِ عن عافيهِ والمحتمي بـه ... لِفَرْطِ النَّدى والنَّجْدَةِ: الذلُّ والفقرُ
تَرى المُخْصِباتِ الخُضْرَ غُبْراً بفتكه ... وتخضرُّ من جَدْوَى أنامِلهِ الغُبْرُ

يَوَدُّ نسيمُ الليلُ لُطفَ خِلالِه ... وترهَبُهُ من بأسه البِيضُ والسُّمْرُ
يُسِرُّ النَّدى، والحمدُ فاشٍ حديثُهُ، ... فنائُلهُ سرٌّ، وإحمادُهُ جَهْرُ
وله فيه من قطعة:
أبي اللهُ إّلا ما تُرِيدُ، فكُنْ له ... شكوراً، فنُعْمَى اللهِ تبقى على الشكرِ
ودُمْ سالماً، إنّ المعالي بهيجةٌ ... بتصريفها ما بين نَهْيِكَ والأمرِ
فإنَّ على الأيّام نَضْرةَ زهرةٍ ... بوجهك يا ابْنَ الماجدِينَ بني النَّضْرِ
ومن قوله فيه:
تُناطُ أيادي الله منـه وعنده ... إلى وَرِعٍ جَمِّ المحامدِ شاكرِ
يُعيدُ النَّوارَ النافراتِ أنسيةً ... وَيْحبسُ منـها شكرَهُ كلُّ طائرِ
ومنـها:
أغرُّ، مَرِيرُ البأسِ، سهلٌ ودادُهُ ... رفيعُ عمادِ البيتِ، جَمُّ المآثرِ
إذا ما عصت صِيدُ الرِّقابِ مرادَهُ ... بَراها بحدِّ الرأي قبلَ البواترِ
نمى لِمَعدٍّ، والمساعي حميدةٌ ... مردّدةٌ بين النُّفوسِ الطواهرِ
فجاء كَنصْلِ السيفِ أكرمَ صاحبٍ ... وألينَ ملموسٍ، وأخشنَ ناصرِ
فتى مالُهُ نَهْبُ الفقيرِ، وبأسُهُ ... حِمى المستجيرِ في الليالي الغوادرِ
وله فيه:
مُسْمَهِرُّ البأسِ من مُضَرٍ ... يقشعرُّ الموتُ من حَذَرهْ
تطرَبُ الألبابُ مصغيةً ... لحديثِ المجدِ من سِيَرِهْ
كلَّما أوسعتَ مبتلياً ... خُبْرَهُ أربى على خَبَرِهْ
تُهْزَمُ الأحداثُ كالحةً ... بارتجالِ الرأي لا فِكَرِهْ
وإذا ما أجدبتْ سنةٌ ... كان سُقْيا الحيِّ من مطِرهْ
هو بحرٌ من فضائله ... ومديحي فيه من دُرَرِهْ
شرفُ الدين الذي وضَحَتْ ... ظُلَمُ الأحداثِ من غُرَرِهْ
ومن قوله فيه:
هو المرءُ: أمّا فضلُهُ فهو شاملٌ ... عميمٌ، وأمّا مدحُهُ فهو سائرُ
يَقَرُّ بعيني مدحُهُ وثناؤهُ ... وإنْ باتَ جفْني وهْوَ بالنظم ساهرُ
وله من قصيدة في مدح أتابك غازي بن زنكي بالموصل سنة أربع وأربعين وخمس مئة:
إلامَ يراك المجدُ في زيِّ شاعرِ ... وقد نَحَلتْ شوقاً فروعُ المنابِرِ؟
كتمتَ بصِيتِ الشعرِ علماً وهمّةً ... ببعضهما ينقادُ صعبُ المفاخرِ
لئنْ سرَّكَ التجويدُ فيما نظمتُهُ ... فنظمُ القوافي غيرُ نظمِ العساكرِ
لَعَمْرُ أبيك الخيرِ، إنّك فارسُ ال ... مَقال، ومحيي الدارسات الغوابرِ
وإنّك أغنيتَ المسامعَ والنُّهَى ... بقولك عمّا في بطونِ الدَّفاتر
ومنـها:
ولا خيرَ في فضلٍ تباعدَ عزُّهُ ... ولو فاق أضواء النجومِ الزَّواهرِ
يذلُّ شديدُ الأيْدِ أنْ تقطعَ الطُّلَى ... إذا لم يُعنْهُ غَرْبُ أبيضَ باترِ
ومنـها:
أقولُ لِخلٍّ بالعِراق يَسُرُّهُ ... مُقامي، ويأبى لي شِعارَ المسافرِ
حريصٍ على علم الخفيّ، ودُونَهُ ... جدائلُ حزمٍ مُحْصَداتُ المرائرِ
إذا استنطقتني في هواه مَوَدَّةٌ ... محا الرأيُ حُبّاً آذِناً بالفَواقرِ
تنكّر من كتمان سرّي. ولو درى ... بخُرْق زماني، بات في الصمتِ عاذري
تطاولَ همّي، فابْغني ذا نباهةٍ ... يُجّلي دُجَى ظلمائه عن خواطري
فبات لَمُوحَ الطّرف، والعصرُ أغبرُ ال ... مَطالع، والأيّامُ شُوسٌ لناظرِ
فلمّا استجال الرأي وانـهزمت بـه ... روِيَّتُهُ عن غادرٍ بعد غادرِ
ورَدَّ إليَّ الأمرَ ردَّ مُسَلِمٍ ... إلى عالمٍ بالدهرِ والناسِ ماهرِ
سَهِرتُ لبرقٍ من ديارِ ربيعةٍ ... ولم أكُ للبرقِ اللَّمُوعِ بِساهرِ
ومنـها في التخلص:

وما البرقُ إّلا البِشْرُ عند أسرَّةٍ ... بوجهِ عمادِ الدينِ رَبِّ المفاخِرِ
وله في عضد الدين وزير الإمام المستضيء:
آل المظّفرِ، والأيّامُ شاهدةٌ، ... بيضُ العَوارفِ والأنسابِ والأثَرِ
تشكو مَراجِلُهم فَرْطَ الوقودِ كما ... تشكو النواصفُ فَرْطَ القُرِّ والخصَرِ
فساهراتٌ من التَّرْدادِ في صَرَدٍ ... وراسياتٌ من الإيقادِ في سُعُرِ
إذا استراحتْ ظُباهم من منازلةٍ ... فلاغباتٌ لِعَقْرِ النِّيبِ والجُزُرِ
ومن مقطوعاته في المعاني قوله:
تعجَّبَ صحبي أنْ كتمتُ فلم أشِعْ ... علومي الّتي في بعضها شَرَفُ القدرِ
فقلتُ لهم: مالَ الزمانُ وأهُلهُ ... إلى فضلِ قولٍ، فاقتصرتُ على الشعرِ
وقوله في العذار:
شكّوا أشمسٌ أنتَ أم قمرٌ؟ ... ولِفَرْط حسنِكَ أشكلَ الأمرُ!
فانجاب ليلُ الشكّ حينَ قضى ... ليلُ العِذارِ بأنّكَ البدرُ
وقوله:
ومن السعادةِ للّئامِ تَرَفُّعِي ... عن هَجْوِهمْ، لمناقبي ومفاخري
فلو انتدَبْتُ له، أتيتُ بمعجزٍ ... منـه، لِفيضِ عُيوُبِهمْ وخواطري
وقوله:
أسدٌ باتَ يتَقي سَوْرَةَ الذّئ ... بِ، وبازٌ يَخْشَى من العُصْفُورِ
وقوله:
إذا شوركْتَ في حالٍ بدُونٍ ... فلا يغشاك عارٌ أو نُفُورُ
تشاركَ في الحياة بغيرِ خُلْفٍ ... أرسطا لِيسُ والكلبُ العَقُورُ
وقوله:
وجوهٌ لا يُحَمِّرُها عتابٌ ... جدير أنْ تصَفَّرَ بالصَّغارِ
فما دانَ اللئامُ لغيرِ بأسٍ ... ولا لانَ الحديدُ لغيرِ نارِ
وقوله في كبير زاده ثم انقطع عنـه، وتعذر لقاؤه:
إنْ عزّ لُقياك وماءُ النَّدى ... هامٍ، فإنّي شاكرٌ عاذرٌ
يسقي السَّحاب الجَدْبَ سَحّاً، ولا ... يجتمعُ الممطورُ والماطرُ
وقوله مما يكتب على المقرعة:
لم لا أتيهُ على الرّماح إذا ... فخرتْ وتحسُدنُي الظُّبى البُتْرُ؟
وإليَّ سوقُ الرّيحِ حاملةً ... طودْاً أشمَّ، وقابضي بحرُ
وقوله:
إذا المرءُ لم يُرْزقْ مع الأيْدِ همّةً ... فلا شرفٌ في الأيْدِ منـه ولا فخرُ
ألم تَرَ أنَّ البازَ يسمو لصيده ... عزيزاً، ويَهْوِي نحوَ جيفتِه النَّسْر؟
وقوله في التحريض:
قول المحرّض يزدادُ الشُّجاعُ بـه ... بأساً، ويغدو جبانُ القومِ ذا أشَرِ
ما السيفُ سيفاً وإنْ أرضاك جوهرُهُ ... لولا الصَّياقلُ والإمـهاءُ بالحجرِ
وقوله في صفة الجيش:
ويومٍ تظمأ الأرواحُ منـه ... وتَرْدَى من جماجمـه الشِّفارُ
تَضيقُ بخيله فِيحُ الموامِي ... ويَكْسِفُ شمس ضحْوِتهِ الغُبارُ
كأنَّ رِماحَهُ أشطانُ جدلٍ ... تُرَنِّخُها من الطُّولِ البِئارُ
تسابِقُ طيرُهُ زُرقْ العَوالي ... إلى مُقَلٍ، فطعنٌ وابتسارُ
جعل الطير والأسنة متسابقاتٍ إلى مقل الرجال، والطعن أفخره ما أصاب المقل، والطير شأنـها ابتسار عيون القتلى. وهذا أبلغ من قول النابغة الذبياني:
إذا ما غزوا بالجيش، حَلَّقَ فوقهم ... عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائبِ
الزّاي وقوله:
حُثَّ الكَريمَ على النَّدَى، وتقاضَهُ ... بالوعِد، وابْعَثْهُ على الإنجازِ
وَدَعِ الوثوقَ بطبعه، فلطالما ... نَشِطَ الجوادُ بشوكة الِمْهمازِ
السين وقوله:
لا تُنكري شَعَثي، ولو حسبت ... تلك البروُد هوابيَ الرَّمْسِ
فالحظُّ قد غطّى مطالعَهُ ... بخلُ الملوكِ وعزّةُ النفسِ
ولقد شكوتُ الأمسَ قبلَ غدٍ ... فأتى غَدٌ فشكرتُ للأمسِ
الصّاد وقوله في خالص المسترشدي:
إذا شائباتُ الدَّهْرِ كدَّرْنَ صَفْوَتِي ... جلوتُ قَذاها عن فُؤادي ب خاِلصِ

بِخِرْقٍ إذا عَزَّ الحَيا غير باخلٍ ... وماضٍ إذا جدّ الوغى غير ناكصِ
الضاد وقوله:
إذا مَرِض النمر أبو عليٍّ ... رعاه الله فالمجدُ المريضُ
يرى الناسُ العوارفَ نافلاتٍ ... وهنّ عليه واجبةٌ فروضُ
فدامت صحّةُ العلياءِ منـه ... ودام المدحُ فيه والقَريضُ
الطاء وقوله في مدح الوزير الزينبي:
وأحلاف مجدٍ مُوجِفينَ إلى العلى ... لهم من قُصَيّ حيثّما انتسبوا رَهْطُ
تَقِلُّهُمُ الجُرْدُ الجِيادُ كأنّها ... سَراحِينُ ثَلاّتٍ بَموْماتِها مُعْطُ
يَرْودُونَ رأياً من لبيبٍ مُغامرٍ ... لكلٍّ عقالٍ من رَويتِهِ نَشْطُ
منحتهمُ أسطارَ طِرْسٍ ومعركٍ ... بليغَيْن ممّا أنبت الخطُّ والخطُّ
فعادت لهم صِيدُ الملوكِ أذِلَّةً ... لكلّ طليقٍ من كُماتِهِمُ رُبْطُ
وَمنْ كالوزيرِ الزينَبّي مقرَّباً ... بعيدَ العلى إذْ حال من دُونِهِ الشَّحْطُ
فتى لا يُدانِيِه رضاهُ للينةٍ ... تذلُّ، ولا يَثْنِيهِ عن كرم سُخْطُ
العين وقوله من قصيدة في مدح أنوشروان بن خالد، الوزير:
وفتيان صِدْقٍ من تَمِيمٍ تناثلوا ... دروعَهُمُ والليلُ ضافي الوشائعِ
وَقيذَيْنِ من عَرْقِ السُّرى، وقلوبُهُمْ ... شِدادٌ على مَرّ الخطوبِ الصوادعِ
يقودون جُرْداً مُضْمَراتٍ، كأنّها ... كواسرُ عِقبانِ الشُّرَيْفِ الأباقِعِ
تَجَارى إلى شَعْواءَ، لا السَّيفُ عندَها ... بصادٍ، ولا ظامي الرّجالِ بناقِعِ
ضَمِنْتُ لهم مُلْكَ العِراقِ، فأوسعوا ... ضِرابَ الطُّلى بالمُرْهَفاتِ القواطعِ
وكنتُ إذا ما ساوَرَتْني كَريهةٌ ... بَرزْتُ لها في جَحْفَلٍ من مُجاشِعِ
فلم أسْتكِنْ من صَرْفِ دهرٍ لحادثٍ ... ولا ارتعتُ من وقعِ الخُطُوبِ لرائعِ
قِناعَكِ ما اسْطَعْتِ الغَداةَ، فإنّها ... صَبابةُ مجدٍ لا هوىً بالبراقعِ
سَلِي غانياتِ الحيّ عن مُتخمطٍ ... إذا السُّجْفُ مِيطَتْ عن ظباء الأجارعِ
وكم زَوْرَةٍ قابلُتها بتجنّبٍ ... ومبذولِ وصلٍ رُعْتُهُ بالقطائعِ
وسكرى من الوَجدِ الدَّخيلِ أبَحْتُها ... عَفافَ تقيٍّ لا عفافَ مُخادعِ
إذا المرء لم يَعْتَدَّ إلا لصَبْوةٍ ... أتاه الرّدَى ما بين ناءٍ وقاطعِ
وإن هو لم يجهدْ إلى العِزِّ نفسَهُ ... تحمَّل أوْقَ الذُّل في زِيِّ وادعِ
أبى الله إّلا وثبةً مُضَرِبّة ... تُبِيحُ المواضي من دماء الأخادعِ
تَعُمُّ الفَضا من أدكن البُرْدِ قاتمٍ ... وتكسو الثَّرِى من أحمرِ اللَّوْنِ ناصعِ
فلا تاجَ إّلا وَهْوَ في رُسْغِ سابحٍ ... ولا رأسَ إّلا وَهْوَ في كفِّ قاطعِ
إذا ما حَمَوْا أرماحهُمْ بِدُروِعهم ... أبَحْنا حِماها بالرماحِ الشّوارعِ
وإن ناجزونا بالطِعّانِ سَفاهةَ ... أعدناهُمُ بالرِّقِّ بعضَ البضائعِ
ومنـها في صفة الغام:
بدا لأصيَحْابي غَمامٌ كأنَّهُ ... أعَيْلامُ رَضْوَى للمُجِدِّ المُتابعِ
تعرَّضَ نجْديّا كأنّ وميضَهُ ... سيوفٌ جَلاها صاقلٌ غِبَّ طابعِ
كأنَّ العِشارَ المُثْقَلاتِ أجاءَها ... مَخاضٌ فجاءت بين مُوفٍ وواضعِ
فما زعزعتهُ الرّيحُ حتّى تصادمَتْ ... على الأكْمِ أعناقُ السُّيُول الدَّوافعِ
فأضحتْ له البيداءُ يَمّاً، وبُدلَتْ ... يَرابيعُ ذاك المُنحَني بالضَّفادعِ
فلا مُوِضعٌ إلا مخيضٌ رِكابهُ ... ولا واضعٌ إلا فُوَيْقَ المناقعِ

فقال خبيرُ القومِ: عامٌ بغبطةٍ ... نديُّ الثّرى، والجوُّ غضُّ المراتعِ
فقلت: لأنْدَى منـه لو تعلمونـه ... أنامِلُ نُوشَروانَ تَهْمِي لتابعِ
قوله: ندي الثري لحن، يعني بـه ندي مخففاً من الندى، ولا أعلم أنـه يجوز بالتشديد إلا بمعنى النادي.
وقوله من قصيدة في ملك العرب دبيس من صدقة:
أمجداً بلا سعيٍ؟ لقد كذبتكمُ ... نفوسٌ ثَناها الذُّلُّ أنْ تترفّعا
سلُوا صَهَوات الخيلِ عنيّ، فإننّي ... جعَلْتُ ظُهورَ اللاحِقيّات مَضجَعا
ومنـها:
وَفَيْتُ لقَيْلٍ من ذُؤابةِ خِنْدِفٍ ... إذا ما أضاعَ القومُ حقَّ أمريٍء رعى
هو ابنُ الّذي جازى مُناولَ سَوْطِهِ ... فأغنى وأقنى حين أعطى وأوسعا
يعني أن سيف الدولة سقط السوط من يده يوماً، فناوله إنسان إياه، فأعطاه وأغناه.
تَغِيبُ شموسُ الصبُّحِ من نَقْعِ خيِلِه ... وتغدو نُجُومُ الليلِ بالصبُّح طلُعَّا
تَخالُ سُقاطَ السُّمْرِ والدَّمِ إنْ غزا ... غُثاءً وسَيْلاً من يَفاعٍ تَدفَّعا
ومنـها في صفة الجيش:
وذي رَهَجٍ جَمِّ الغَماغمِ مُجلبٍ ... غدا عَرْضُهُ من أوسع الخَرْق أوسعا
طويل القنا تخشى النُّجومُ طِعانـهُ ... بأمثالها ما لم تَرَ السُّمْرَ شُرَّعا
إذا استثبحَ الظمآن فارطَ خيلهِ ... يظَنُّ الغَديرَ السابرِيَّ المُرفعَّا
تُخُيِّرَتِ الأبطالُ والخيلُ عندهُ ... فلم تَرَ إّلا سابقاً وسَمَيْدَعا
وطالتْ بـه عندَ التّجاوُب ألسُنٌ ... فأحمدت فيه ذا صهيلٍ ومِصقْعَا
كأنّ على أقطارِه من وَجِيفهِ ... غَضىً نَّبَهتهُ حَرْجفٌ فتجعجعا
طَردْت رخيَّ البال من سَوْرَةِ الرَّدَى ... كما جفَّل المُصطادُ سِرباً مُذعذَعا
فغادرتهُ من عادةِ البذلِ للقرِى ... يقوتُ عُقاباً كاسراً وسَمَعْمَعا
وكنت متى استمطرت بِيَضكَ والقنا ... دماءَ الأعادي في الوَغَى، هَطَلاً معا
ومنـها في البحر والروض:
وما الأخضرُ الطّامي يَعُبُّ عبابُهُ ... بأكرمَ من كفّيك في الجَدْبِ مَنْجَعا
ولا أنُفٌ من روضةٍ ذات بهجةٍ ... سقتها الصبَّا كأسا من الغيث مُتْرَعا
أقام بها الشَّرْبُ الكرامُ عشيّةً ... وقد هجم الليلُ البهَيمُ فأمتعا
إذا أمسك الغيثُ المُلثُّ بأرضها ... سَقَوْها من الأيدي عُقاراً مُشَعْشَعا
وإن دارتِ الصَّهْباءُ فيهم، تجاذَبُوا ... أحاديثَ مجدٍ يجعَلُ النِّكسَ أروعا
فما الهُجرُ مسموعاً لهم عندَ سكرةٍ ... وما الحلمُ فيِهمْ بالسُّروُرِ مضيَّعا
بأطيبَ من ذكرى دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ ... إذا ردَّدَ الساري ثناءً ورجّعا
توالَتْ عليه الفادحاتُ، ولم يَجِدْ ... عن الصّبرِ حتّى أدرك المجدَ أجمعا
ما زال يُرْخي للنَّوَى من قياده ... إلى أن أفادَ الحيَّ شملاً مُجَمَّعا
ولو لم تكن فيه سَرِيرَة قادرٍ ... لمَا راحَ من جَورِ الرَّزايا مُمَنَّعا
وقوله:
حَلَفْتُ بما شادتْ تَمِيمٌ من العَلى ... أولُو الفضل في يومِ النَّدى والوقائعِ
يمينَ صَدُوقِ القولِ من غير خِلْفَةٍ ... كريمِ المساعي والثنا والمطامعِ
لَئِنْ لم تَلُذْ بالوُدِّ من بعد نِبذِه ... مَلاذَ الأراوَى بالطَّوال الفَوارعِ
ليَعْتَلِجَنْ بين البيوتِ مع الضحُّى ... مَقالٌ كأطراف الرِّماحِ الشَّوارعِ
وله في الوزير الزينبي يهنئه بالخلعة، قال: جئته وهو يتهادى في ديوان الخلافة، والناس حافون به، وللحديد حوله صليل، فتولجت كثافة الجمع، وخضت وعر الهيبة مسترسلاً. فلما بصر بي، قبض قدميه عن السعي، وأنصت لأمارات المقالة من أسرة وجهي، فوضعت يدي على كم الخلعة، وقلت:

جُعِلَتْ من الحَدثانِ أحصَنَ أدْرُعِ ... فلقد سُنِنَّ على الكريمِ الأروعِ
شَرُفَتْ على شرف اللَّبُوص، فغُودرت ... فلَكَاً لشمسِ عُلَىً حَميدَ المطلعِ
زُرَّتْ على طَوْد الأناةِ، وضمّنت ... بحرَ النَّدَى، وحوت شِراسَ الأدْرُعِ
حسد اللّباسُ العبقريُّ مقامَها ... من ماجدٍ في نكسه متودعِ
نَضِرِ النعيمِ، يكادُ ساحبُ ذيلِهِ ... يخضرُّ منـه ثرى الجديبِ المُدْقِعِ
يختالُ في شَرَفيْنِ شَأوُ عُلاهما ... لبني المناقبِ سامقٌ لم يفْرَعِ
نَجْرٌ كمنبلجِ الصباح يَزِينُهُ ... سعيٌ كعَرْفِ الرّوضةِ المتضوّعِ
ومنـها:
يغدو لدى الحاجاتِ أسمعَ مُنصتٍ ... ويروحُ لّلاحي كأنْ لم يَسْمَعِ
قالّلائمُ المنطيقُ أعجمُ قائلٍ ... والمقُرَمُ السَّكِّيتُ أفصحُ مُسمعِ
ومنـها في صفة السحاب:
وإذا جرت هُوجُ الرّياحِ عشيّةً ... ما بين نكْباءِ الهُبُوبِ وزَعْزَعِ
فُرُطاً لمؤتلفٍ كأنّ رُكاَمـهُ ... في جوّه عَقِداتُ رملِ الأجرعِ
أو مُؤْثَراتٌ من ركائبَ بُزَّلٍ ... نَزَعُوا بمُعتَلِجِ المُناخِ الجعجع
فاقتَدْنَ منـه كلَّ أكحلَ داجنٍ ... هولِ التصاخبِ بالمكان البلقعِ
دانٍ يكادُ الوحشُ يكرَعُ وَسْطَهُ ... وتَمَسُّهُ كفُّ الوليدِ المُرْضَع
هذا أبلغ من قول الطرماح:
دانٍ مُسِفّ فُوَيْقَ الأرضِ هَيْدَبُهُ ... يكادُ يَلْمُسهُ من قام بالرّاحِ
متتابعٌ جَمٌّ كأنّ رُكامَهُ كبّاتُ قيصَر أو سَرايا تُبَّعِ
زَجِلُ الرُّغودِ يكادُ يُخْدِجُ عندَهْ ... شاءُ الملا، ويَمُوتُ سَخْلُ الموضعِ
فَهَمى، فألقى بالعَراءِ بعَاعَهُ ... سَحّاً كمندفعِ الأَتيِّ المترعِ
فتسلوتِ الأقطارُ من أمواهه ... فالقارةُ العلياءُ مثلُ المَدْفَعِ
وغدا سَرابُ القاعِ بحرَ حقيقةٍ ... فكأنّه لِتَيقُّنٍ لم يخدعِ
متعطمطاً غَصَبَ الوحوشَ مكانَها ... تَيّارهُ، فالضَّبُّ جارُ الضِّفدَعِ
فضل الوزيرُ الزينبيُّ بجوده ... ذاك الندى حقّاً بغير توسّع
ومنـها في صفة الركب:
ومُسَهَّدِين على الرِّحال يَميزُهْم ... شرفُ الرَّجاءِ عن النُّفوسِ الهُجَّعِ
شُعْثٍ كأنَّ على الرَّكائِب منُهمُ ... غولاً تَجارَى بالنَّعامِ الأجدعِ
نَحَلُوا على شَعَثِ الرِّحالِ، فأشبهت ... أعوادُها منـهم عَرِيقَ الأضْلُعِ
وتفاضلوا شحباً، فأبعدُ همـه ... أوفاهُمُ وَصَباً وإنْ لم يوجعِ
خَفَقُوا بهامِهِمُ على أكوارِهِمْ ... خَفْقَ السُّجُودِ من الصَّلاةِ الرَّكَّعِ
وطغت بإنجادِ النُّعاس أزمّةٌ ... فَجُعِلْنَ طَاعةَ راحةٍ أو إصبعِ
ومنـها:
كتَمَ الدُّجَى والقاعُ سِرَّ سُراهُمُ ... فأباحه صبحُ المكانِ المُتْلِعِ
يَبغونَ مُشِكي المُجْدِباتِ وماجداً ... تُغْنِي رَغائُبهُ غَناءَ الهُمَّعِ
ناداهُمُ كرمُ الوزير، فأُنزِلُوا ... بعد التماحلِ بالخَصِيب المُمْرعِ
بِمُوَسِّعِ المعروفِ غيرِ مُضَيِّقٍ ... ومُضِّيق الأعذارِ غيرِ مُوَسَّعِ
ومنـها في صفة السيف:
متّبسمٌ قبلَ الضِّرابِ، وإنّهُ ... من بَعِد فتكِتهِ غَزيرُ الأدُمعِ
برقٌ أضِيفَ إلى سَحابِ أنامِلٍ ... والبرقُ لولا سُحْبهُ لم يلمَعِ
بل جدولٌ في رَعْنِ طَوْدٍ أيْهَمٍ ... حَوْليهِ بحرُ نائلٍ مُتَدفِّعِ
عَدِمَ النُّبُوَّ غِرارُهُ، فكأنّه ... من غيرِ حدّهِ عزمِهِ لم يُطْبَعِ
ومنـها في صفة الفرس:
طِرْفٌ يراه الطَّرْفُ عندَ وَجِيِفهِ ... جبلاً يسيرُ على الرِّياحِ الأربعِ

رَحْبُ اللَّبانِ. كأنَّ لونَ إهابهِ ... شَفَقٌ تجلَّلَ قَشْعَ غيمٍ مُقْلِعِ
ومنـها في المقطع:
ما أقنعتني في وَلائِكَ غايةٌ ... فبِدُونِ تبليغي العُلَى لم تُقنعِ
وقوله في الغزل:
صحا القلبُ من وُدِّ الغَواني، ووُدُّها ... من السّورة العلياء ليس براجعِ
وفرّق جيشَ الجهلِ شيبُ وُجوهِنا ... حصينُ الحِمى لا يُدَّرَي بالرَّوادعِ
منَّعمةٌ لا الصّبرُ عنـها بناصرٍ ... مُجيرٍ، ولا العَذْلُ الطّويلُ بنافعِ
يذودُ الكَرى عن مُقلةِ الصَّبِّ صَدها ... وتسخَرُ عندَ الوصلِ من نفسِ هاجعِ
أسِرُّ هواها غَيرةً، فَتُذِيعُهُ ... حرارةُ أنفاسٍ، وفيضُ مدامعِ
وأظْهرَ سُلْواني لها، ووراءهُ ... غَرامٌ كضربِ المُرْهَفاتِ القواطعِ
ولّما استراح العَذْلُ من بَعْدِ شِدًّةٍ ... إلى بارقٍ في مَفْرقِ الرّأس لامِعِ
تضاعفَ سلطانُ الهوى، فكأنّما ... أطاف بِغَمْرٍ في الخلاعِة يافعِ
وقوله في أنوشروان:
يُجيبُ نداهُ قبلَ أن يستغيثَهُ ... وخيرُ النَّدَى ما لم يكن بدواعِ
يُضيء ابتهاجاً بالعُفاةِ، كأنّما ... مُحَيّاهُ في الجَدْوَى ظَهِيرةُ قاعِ
يُرَى عن جليلِ الجُرمِ بالحلمِ مُعِرضاً ... وعندَ دقيقِ القولِ أحسنَ واعِ
ومن قوله في قصيدة في وصف الخيل عند شربها:
إذا ما احتستْ، خِلْتَ الرِّياحَ جرت ضحُى ... على قَصَبِ الآجامِ وهْيَ زعازعُ
ومن قوله في الوزير الزينبي:
أغرُّ، رَحيبُ الصّدرِ أمّا مَلامُهُ ... فَعاصٍ، وأمّا جودُهُ فَهْوَ طائعُهْ
تُضِيءُ ظلامَ الليلِ غُرَّةُ وجههِ ... وتُظلِمُ منـه بالطِّرادِ وقائعُهْ
فتى هامُ أبناءِ المعالي صِلاتُهُ ... قديماً، وأطواقُ الرِّقابِ صنائعُه
وقوله فيه:
قومك أغرى معشراً بالنَّدَى ... وخيرُ من أصغى إلى الدّاعي
صِيدٌ، ومن رائق أخلاقهم ... تشبّهُ المَرْعِيّ بالرّاعي
تضُمُّ منـه هَبَواتُ الوَغَى ... كلَّ طويلِ الرُّمحِ والباعِ
وقفتُ في المسعى، ولمّا أقُلْ ... سعيت كيلَ الصّاِع بالصّاعِ
مُضّيعُ المالِ ومِتْلافُهُ ... والعهدُ وافٍ حافظٌ راعِ
يُنيخُ منـه جارُهُ بالنَّدَى ... والعُرْفُ والخِصْبُ بِجَعْجاعِ
ومن قوله فيه:
رعاك ضمانُ اللهِ، ما أظلم الدُّجَى ... بَهِيماً، وما ابيضَّتْ وجوهُ المطالع
وما طاب ذكرُ المحسنينَ، وما جرى النَّ ... سِيمُ بأرجاءِ المُرُوتِ البلاقعِ
أضاءت بك الأحداثُ حتّى كأنّها ... بشائرُ في ألحْاظِنا والمسامعِ
وطابت بك الأيّامُ حتّى كأنّها ... إيابُ شبابٍ، أو وِصالُ مُقاطع
ومن قوله فيه:
يبذُلُ المالَ، فإن حلَّ بـه ... لاجيءٌ من صَرْفِ دهرٍ، مَنَعَهْ
ولدَى الفاقةِ خِصْبٌ وغِنىً ... ولَدَى الخِيفةِ أمنٌ ودَعَهْ
أبداً يَجمعُ بالبأسِ الغِنى ... ويَفُضُّ الجودُ ما قد جمَعَهْ
زينبيٌّ يفخَرُ الدَّهْرُ بهِ ... أحرز المجدَ غُلاماً يَفَعَهْ
ضّيقُ الأعذارِ، لكنْ ضيفُهُ ... من حِماهُ وقِراهُ في سَعَهْ
وقوله من مدائحه في عمي الصدر الشـهيد عزيز الدين أبي نصر أحمد بن حامد بن محمد، وكان حينئذ مستوفي السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، كتبها إليه بعد غيبته عنـه:
ألا، مَنْ مُبْلِغٌ عنّي هُماماً ... أشمَّ كَذِروْةِ الطَّوْدِ الرَّفيعِ؟
يُباري بالنَّدَى والبأسِ سَيْحَ ال ... غمامِ، وهبّةَ السَّيفِ القَطُوعِ
إذا ما حلَّ أرضاً ذاتَ مَحْل ... أعاد المَحْلَ خصْباً من ربيعِ

ألُوكةَ صادقِ الدّعوى أمينٍ ... بريءٍ من نِفاقٍ في خضوعِ
بأنّي مغرمٌ بهواك أطوي ... على البُرَحاء أخّاذَ الضُّلُوعِ
أحنُّ حنينَ رازحةٍ فَقِيدٍ ... تراوِحُ في الأزمَّة والنُّسُوعِ
إلى الوجهِ الطَّليقِ لمعتفيه ... على العّلات، والكَلِفِ النَّفُوعِ
وما غالت هوايَ نَوَىً شَطُونٌ ... ولكنْ زادَ بُعْدِي في وَلوُعي
ولو مكّنت من عَطْف المطايا ... لكانَ إلى أبي نصرٍ رُجُوعي
وله في مدح أمير المؤمنين علي عليه السلام:
صِنْوَ النّبيِّ، رأيتُ قافيتي ... أوصافَ ما أوتيتَ لا تمَنعُ
فجعلتُ مدحي الصَّمْتَ عن شرفٍ ... كلُّ المدائحِ دُونَهُ يَقَعُ
ماذا أقولُ، وكلُّ مُقْتَسَمِ ... بين الأفاضلِ فيك مجتمِعُ؟
الفاء وقوله في الذم:
خليلَيَّ من عُليا تَميمِ ابْن خِنْدِفٍ ... نداءَ أبيٍّ للهَضيمَةِ عارفِ
خُذا برِقابِ العِيسِ عن عُقْرِ منزلٍ ... بَغيضٍ إلى النُّزّالِ شَيْنِ المواقفِ
عن الحيِّ: لا الجارُ المقيمُ بآمنٍ ... لَدَيْهمْ، ولا الجاني عليهِمْ بخائفِ
بيوتٌ قصيراتُ العمِادِ، كأنّها ... وَجارُ ضِباعٍ أجحرتْ للمخلوفِ
إذا نزلَ النّاسُ اليَفاعَ، تزاوروا ... إلى سُتُراتِ الغائطِ المتقاذفِ
جِفانُهُمُ أردانُهُمْ يستُرُونَها ... إذا أطعُموا نَسْرَ البُزاةِ الخوطفِ
أذىً كصدورِ السَّمْهَرِيّةِ مُرْهَفٌ ... وذُلٌّ كعِيدانِ الأراكِ الضَّعائف
ظواهرُ أمثالُ الصَّباحِ، ودُونـها ... بواطِنُ سودٌ كالدُّجى المتكاثف
عَداكم غَمامُ العامِ أخصبَ أهُلهُ ... وجادكُمُ صَوْبَ اللِّدانِ الرَّواعفِ
وله من قصيدة في شرف الدين البيهقي:
حاشا لدينِ العلى يُلْوي بواجبه ... وأنت للدّينِ من بين الورى شَرفُ
خيرُ المَوارد أدناها لِذِي ظمأٍ ... وشرُّها بطويلِ المتحِ يُعْتسفُ
لولا الحوادثُ، إذْ أمسين ضاريةً ... كما تَضارى ذئاب الثَّلَّة لغُضفُ
وجورُ دهرٍ أعاد الحالَ رازحةً ... فالملكُ يمدحُ والمخدومُ يَحترفُ
لَما طَمحْتُ إلى عيشٍ أرَمِّقهُ ... أعبُّهُ تارةً عبّاً، وأرتشفُ
وما جَزِعْتُ لخطبٍ غانَ في شرفي ... والشّمسُ تُشرقُ أحياناً وتنكسفُ
وإن علا نورَ مجدي ليلُ نازلةٍ ... فهالةُ البدرِ في لألائِها كلفُ
ومنـها:
وكم ثلمتَ غُروبَ البيضِ ماضيةً ... بمُضْمرِ القدِّ في أعطافهِ هَيفُ
الجودُ عندَك طبعٌ لا تكلَّفُه ... وعندَ غيرِك أفعالُ النَّدى كُلَف
وقوله يف الحكمة:
اضطرارُ الحرَّ الكريمِ إلى الدُّو ... نِ، وإنْ حازَ غايةَ الإسرافِ،
لا يَشِينُ المجدَ المُنِيفَ، ولا ين ... قُصُ قدرَ الشريفِ في الأشرافِ
هل يُعابُ العطّارُ يوماً إذا أص ... بحَ ذا حاجةٍ إلى الكَنافِ؟
القاف وله من قصيدة سارت في مدح الوزير الزينبي:
لمن جِيرةٌ دونَ اللِّوى والشقائقِ ... يُغَطُّونَ بالأعدادِ ثوبَ السَّمالقِ؟
ومنـها، وقد أحسن:
عِجالُ السُّرَى، لا يستقلُّ مُعرسٌ ... بِهمْ غيرَ إزجاءِ الطَّلاحَى الأيانِقِ
كأنَّ فَتيتَ المسكِ ذَرُّ سحيقةٍ ... مع الصُّبح في أكوارهم والنَّمارِقِ
إذا رحَلُوا عن منزلٍ، غادروا بـه ... مِهاجا لمشتاقٍ وِطيباً لناشقِ
وفوقَ الحَوايا كلُّ غيداءَ، دُونـها ... حميّةُ غيرانٍ ولوعةُ عاشقِ
سَحَبْنَ فُضولَ الرَّيْطِ صَوناً كأنّما ... خِفافُ المطايا من شعورِ المفارقِ
يعني: أضفين الملابس حتى سوين من الصون بين أخفاف إبلهن وبين شعور مفارقهن.

وأعرضُ عن زَجْرِ الحُداةِ تحرُّجا ... عن النّظمِ في ذكرى مَشُوقٍ وشائقِ
توّهمتُ حِلمي بَعْدَهُنَّ سَفاهةً ... وخِلْتُ أناتي خِفّةَ المُتَنازِقِ
وعهدي بنا والدَّارُ قربٌ لشاحِطٍ ... ووصلٌ لمـهجورٍ ووُدٌّ لوامقِ
ومُرتَبَعُ الحيِّ الجميعِ من الحِمى ... رياضُ العَوالي في رياضِ المَبارقِ
مَجامعُ أيسارٍ، ومَوْقِفُ سُمَّرٍ، ... ومَطْعَنُ فُرسانٍ، وشاراتُ راشقِ
ومَبْرَكُ أنْضاءٍ، ومُلْقَى سوابغٍ، ... ومَسْحَبُ أرماحٍ، ومُنْضَى سوابقِ
فلمّا دعا داعي النَّوَى واستخفّنا ... تجاوُبُ غربانِ الفراقِ النّواعقِ
ظَلِلْتُ أداري دمع عينٍ قريحةٍ ... أبَي الوَجْدُ إلا أن تجودَ بقِ
كأنّ إهابي مُشْعِرٌ جَبَريّةً ... غَداةَ سَرتْ ظُعْنُ الخليطِ المفارقِ
تنفّستُ حّتى قال صحبي: ضريمةٌ ... من النّارِ هاجتها رياحُ المشارِق
أهجراً وما أضمرتُ غدرا، ولا سَرى ... مشَيبيَ في ليلِ الشّبابِ الغُرانِق
إذنْ فوِصالُ الغانياتِ نقيصةٌ ... أمَحَّتْ فما فيها اعتصامٌ لواثق
ذرِ الدّمعَ يجري مُسْتّهلا، فما الهوى ... بِدانٍ، ولا وعدُ الحِسانِ بصادق
وإنّ وراءَ الحبِّ حِبّاً وصالُهُ ... مَجالُ المَذاِكي في دماءِ المَواذقِ
منعتُ القِرى إنْ لم أنُدْها عوابسا ... تُثيرُ عجاجَ المأزقِ المتضايقِ
خوارجَ من ليل الغُبار، كأنّها ... رُجومُ نُجومٍ أو سِهامُ مُراشقِ
تَجانَفُ عن ورِدْ الفلاةِ ظميئةً ... فلا وِرْدَ إّلا من دماءِ الفيالق
يُعيدُ عليها الكَرَّ كلُّ مُجاهرٍ ... بأخذِ العلى والمجدِ غيرِ مُسارق
رجالٌ نبتْ أغمادُهم بسيوفهمْ ... فعاجوا على إغمادها في العواتقِ
يَزينون ما أبقى الطِّعانُ من القَنا ... لهم برؤوس الصَّيدِ لا بالبيارِقِ
أرُوعُ بـه ضبحاً ظهيرةَ يومـه ... تعصّبَ تاجٍ واحتلالَ سُرادِقِ
دعوتُ تَميماً والرّجال بعيدة ... وقد ضِقتُ ذَرْعا بالخطوبِ الطّوارقِ
فقام بنصري من قُرَيْشٍ مُمَجَّدٌ ... شديدُ مَضاءِ البأس سهلُ الخلائق
فتى قُدَّ قَدَّ المَشْرَ فيَّ، فَصَفْحُهُ ... لِصَفْحٍ، وحدّا شَفْرَتَيْهِ لِعاتقِ
يشامُ نَدَى كفّيهِ من بِشرِ وجهِهِ ... كما شِيمَ مُنْهَلُّ الحَيا بالبوارقِ
ومنـها في وصف العود:
وما منَدلٌ فاهتْ بـه بعدَ هَجعةٍ ... جِمارُ غَضىً شُبَّتْ بأتلعَ شاهقِ
من القُطُر الأحوى كأنّ أريِجَهُ ... يَذِيعُ لَدى الدّارِيّ دُون المحارِقِ
أتِيحَ له نَشْرُ الخُزامَى ونَفْحُهُ ... من الغيدِ ما بين الطُّلى والبنائقِ
تهادته أرواحُ الصَّبا فبَعَثْنَهُ ... لِشُرْبِ جلالٍ بالِحمى فالأبارقِ
فمادت بمن لم يسكر الخمر نشوةً ... من الطّيب في عِرنينـه والمَناشقِ
بأطيبَ من عرض الرّضا حين تنشر ال ... مدائحُ غُرّاً بينَ نادٍ ومازِقِ
وله من قصيدة فيه، مطلعها:
ذَريني وأهوالي نَفِرُّ ونلتقي ... سيَهْزِمُها عنّي حُسامي ومنطقي
ومنـها:
وإنّ صباباتي بأجردَ سابحٍ، ... وأسمرَ خَطَّيٍّ، وعَضبٍ مُذَلَّقِ
هجرتُ الهوى والعمرُ غَضٌّ نباتُهُ ... فكيف وقد لاحَ المَشيِبُ بِمَفْرِقي!
ومنـها:
وربّ لُهامِ الجيشِ جَمّ بُنُودُهُ ... وَشِيكَ نَفاذِ الأمر من آل سلجقِ
تُحَجِّبُهُ عندَ المقامِ سُتُورُهُ ... وفي الحربِ أستارُ العجاجِ المرَوَّقِ

مَهيب الرُّؤا، معدودة لفَظاتُهُ، ... يُحاذِرُهُ الموتُ الزُّؤامُ ويتّقي
وَلَجْتُ عليه والملوكُ بِنَجْوَةٍ ... يُذادُونَ عن صعب المَراتجِ مُغْلَقِ
ومنـها:
وعَنْس كأعواد القِداحِ زَجَرْتُها ... على لاحبٍ من نازحِ الغَوْرِ سَمْلَقِ
ورَدْتُ بها أعقابَ ماءٍ كأنّه ... من الأَجْنِ أغبارُ السَّليطِ المُعَتَّقِ
ومنـها في المدح:
يُهابُ نَداه مثلَما هِيبَ بأسُهُ ... إذ المُغْرِقُ الجيّاشُ مثلُ المحرَّقِ
قشيبُ رِداء العِرضِ، لكنَّ مالهُ ... يمزّقُهُ العافُون كُلَّ مُمَزَّقِ
فشَمْلُ العُلى من سعيه في تجمُّعٍ ... وشمل اللُّهَا من بذلِه في تفرّقِ
ومنـها في المقطعة والنـهنئة:
لِيَهْنكَ عيدٌ أنتَ عيدٌ ِلأهلهِ ... سرورٌ لمـهموم ووُجْدٌ لِمُمْلِقِ
ولا زِلتَ تبقى للمكارمِ والعلى ... فأنت الَّذي يبَقىَ الفَخارُ إذا بَقِي
تعطَّلَ جِيدي من حِلَى كُلِّ مِنَّةٍ ... وراحَ بما أوليتَ أيَّ مُطَوَّقِ
ومن قوله:
وما معزمٌ صبُّ الفؤادِ وشتْ بـه ... مَدامِعُهُ إثْرَ الخَليطِ المُفارقِ
تذكّرَ نُوّاراً من الثَّغْرِ ضاحكاً ... ونَشْراً عِطاريّاً كروضِ المَبارقِ
لِهيفاءَ مِقلاقِ الوِشاح، قَوامُها ... لعُوبٌ كمتن الصَّعْدَةِ المتناسقِ
تعلَّقَها والقلبُ لم يعرفِ الأسى ... ولا اعتاقه صَرفُ الليالي بعائقِ
وباتَ يُرَجّي بعد ما شطّتِ النَّوى ... زِيارةَ طَيْفٍ بالتحّيةِ طارقِ
بأوجدَ منَي للعلى، غيرَ أنّه ... إذا فارقتْ محبوبةٌ لم يفارقِ
وقوله في الوزير ابن هبيرة، في الأيام المستنجدية، وقد دعاه إلى خوانـه، فكتب يستعفي من الحضور:
يا باذلَ المال في عدلٍ وفي سَعَةٍ ... ومُطعمَ الزّادِ في صُبحٍ وفي غَسَقِ
وحاشِرَ النّاسِ أغنتهمْ فَواضِلُهُ ... إلى مَزِيدٍ من النَّعماءِ مندفقِ
في كلّ بيتٍ خِوانٌ من مكارمـه ... يميرُهُمْ وَهْوَ يدعوهم إلى الطَّبَقِ
فاض النَّوالُ، فلولا خوفُ مفعمةٍ ... من بأسِ عدلِك نادى النّاسُ بالغرقِ
فكلُّ أرضٍ بها صَوْبٌ وساكبةٌ ... حتّى الوغى من نَجيعِ الخيلِ والعَرَقِ
صُنْ مَنْكبِي عن زِحامٍ إن غَضِبتُ له ... تمكّن الطّعنُ من عقلي ومن خُلُقي
وإنْ رَضيتُ بـه فالذُّلُّ منقصةٌ ... وكم تكلّفتُهُ حملاً فلم أطِقِ
أنا المريضُ بأحداثي وسَوْرَتِها ... وليس غيرَ إبائي حافظٌ رَمَقي
فَهَبْهُ لي كعطاياك التّي كَثُرَتْ ... فالجود بالعزّ فوق الجودِ بالورقِ
إنّ اصفرارَ مِجَنِّ الشّمسِ عن حَزَنٍ ... على علاها لمرماها إلى الأُفُقِ
وإنْ توهّم قومٌ أنّه حُمُقٌ ... فطالما اشتبهَ التّوقيرُ بالُحُمقِ
وقوله في صفة مروحة الخيش لغزاً:
ولَيْنَة الأعطافِ خوّارة ... ذات غصونٍ لونُها أورقُ
غبراء لا تبرحُ ممطورةً ... وَهْيَ على الغَبرةِ لا تُورِقُ
موثقة، مطلقة، لَيْنَة، ... شديدة، ثابتة، تَقْلَقُ
تسعى بلا رجل على طائر ... للذرّ في مسلكها مَزْلقُ
تجري مدى الشّمسِ، على أنّها ... محصورة مذهبُها ضيّقُ
طيّارة يمنع إبعادَها ... أسبابُها والسُّورُ والخندقُ
كأنّها، من حَيرةٍ، ناشدٌ ... يَدْأبُ نِشْداناً ولا يلحقُ
إذا أريحت خِلْتَها والهاً ... ثَكْلَى بها من حزنـها أوْلَقُ
كرّارّةٌ في حربِ شمسِ الضّحى ... لا تَرْهَبُ البأسَ ولا تَفْرَقُ
ما بين إدريسَ ونُوحٍ لها ... في حالَتْيها نسبٌ مُعْرِقُ

تُهْدِي الكَرى للمُستهامِ الذّي ... ينبو بـه المضجعُ والنُّمْرُقُ
لا يسألُ المُجْبلُ معروفَها ... ويجتدي نائَلها المُعرِقُ
تنقُصُ مَنْ خاشَنَها بَزَّها ... وتُوسِعُ الجودَ لمن يرفُقُ
قويّةُ السّلطانِ في مُدْنـها ... ضعيفةٌ إنْ ضمـهَّا سَمْلَقُ
تُجْبَلُ حالُ الأرضِ من فضلها ... سِيرافُ من إحسانـها جِلَّقُ
من لي بأخرى مثلها للّذي ... أعيا على الآسي، فما يعرقُ؟
وقوله في الحكمة:
مِنَّةُ الدُّونِ في الرِّقابِ حِبالٌ ... مُحْصَداتٌ كأحْبُلِ الخَنّاقِ
غيرَ أنّ التّخنيقَ مُرْدٍ، وهذا ... ألمٌ دائمٌ مسمع الدّهرِ بلقِ
فإذا أخفق الرَّجاءُ من الدُّو ... نِ، فأكرمْ بذاك من إخفاقِ!
سَوْرَةُ السُّمِّ في التَّعزّزِ أولى ... من شقاءٍ بالذُّلِّ في التِّرْياقِ
الكاف وقوله مما يكتب بـه بتطريز الإبرة على قميص امرأة:
إذا اشتملتُ على شمسٍ وبدرِ دجَى ... يهدى بـه الرَّكبُ أنَّى وجهةٍ سلكوا
فَمَنْ دعاني قميصاً، بات يَظْلِمُني ... وإنّما أنا لو أنصفتُمُ فَلَكُ
اللام وقوله في مدح ابن هبيرة الوزير في الأيام المقتفوية، وفيه حسن صنعة المقابلة:
يَفُلُّ غَرْبَ الرَّزايا وهي باسلةٌ ... ويُوِسُع الجارَ نصراً وَهْوَ مخذولُ
ويشـهَدُ الهولَ بَسّاماً، وقد دَمَعت ... شوسُ العيونِ، فذمَّ القومَ إجفِيلُ
وتُتقى مثَلما تُرجَى فَواضُلهٌ ... وجُودُهُ، فهو مرهوبٌ ومأمولُ
عارٍ من العارِ، كاسٍ من مَناقِبِه ... كأنّه مُرْهَفُ الحدَّيْنِ مصقولُ
سهلُ المكارمِ، سهلٌ في حَفِيظَتِهِ، ... فبأسُهُ والنّدى مُرٌّ ومعسولُ
قالي الدَّنايا وصّبْوانُ العلى كَلِفٌ ... فالعارُ والمجدُ مقطوعٌ وموصولُ
الصّدرُ يحيا لدى قولٍ ومُعْتَركٍ ... إذا تشابَهَ مقطوعٌ ومفلولُ
تَهمي الأسنّةُ والأقوالُ ماضيةٌ ... فالحِبرُ والقِرنُ مطرودٌ ومفضولُ
جوادُ مَحْلٍ، له من فخره شِيَةٌ، ... وفيه من واضح العلياءِ تحجيلُ
يَصيدُ وحشَ المعالي وهَيْ َنافرةٌ ... كأنّ مَسعاهُ للعلياء أحْبُولُ
وقوله من قصيدة في أنوشروان:
عفا الله عنـها. هل يُلمُّ خَيالُها ... فيقضى على رغم الرَّقيبِ وِصالُها
وما ملتقى الطّيفِ المُلِمِّ بناقعٍ ... غَلِيلاً. ولكنْ مُنْيَةٌ وضَلالهُا
تذكرّتُها والحيُّ للحيِّ جِيرَةٌ ... يهونُ تلاقيها ويدنو منالُها
وقومي وقومُ العامرّية عُصبةٌ ... كذاتِ البَنانِ ما يُرامُ انفصالُها
رفاقُ نَدىً لا يستهلُّ نَوالُها ... وأحلافُ درعٍ لا يُفَلُّ نِزالُها
وفي ألْسُنِ الواشينَ صمتٌ عن الخَنا ... إذا أرشقت بالقول طاشت نِبالُها
فبتُّ كأنّي شاربٌ قَرْقَفِيَّةً ... من الرّاح لم يَفْلُلْ شَباها زُلالُها
أبى حبّها إّلا غرامي، وأصبحت ... تقطَّعُ إّلا من فراقي حِباُلها
كأنّ خوافي ناهضٍ مُتَمَطِّرٍ ... غَدَت بفؤادي يومَ زُمَّتْ جِمالُها
عَدمْتُ اصطباري، والنَّوى مطمثّنةٌ، ... فكيف احتمالي حين جدَّ احتمالُها
وممّا شجاني أنَّ حُبّيَ سالمٌ ... من الفحش، والدّنيا كثيرٌ وبَالُها
إذا رفّت العشّاقُ ساهرتُ عفّةً ... سَواءٌ عليها حِرْمُها وحلالُها
تَجَنَّبُ بي عن مَحْرمِ الله خشيةٌ ... وتكثُرُ عندي رُخصةٌ واحتيالُها
ومن رام ما أبغيه، فالحربُ عندَهُ ... فتاةٌ، وتحطيمُ المعالي بِعالُها

ستُسفرُ لي تلك الدُّمَى مستدقّةً ... إذا هَلَكت تحتَ العجاجِ رِجالُها
لَدُنْ غُدوَةً لا أمنَعُ السّيفَ حَقَّهُ ... من الهامِ، أو يُبدي شعاري مقالُها
بفتيان صِدْقٍ من ذُؤابة دارِمٍ ... مَواضٍ إذا أعيا الكُماةَ اقتتالها
عَثَرْنَ جِيادي بالوشيج، وربّما ... أعِيدت وتيجانُ الملوكِ نعاُلها
وَغَىً ضاق عنـها القاعُ طرداً وكَثْرَةً ... فشاركتِ البَيْداء فيها جبالُها
أذَلْتُ مديحي، والحوادثُ جَمَّةٌ، ... بأعراض لؤمٍ من أذاها نَوالُها
ودونَ مديحي كلُّ دَهْياءَ، لو رمت ... دعائمَ رَضْوَى لاستمرَّ انـهيالُها
فإنْ تجهَلُوني فالقَنا ومُجاشعٌ ... وعزمي وحزمي والعلى واحتلالُها
وإنْ صَدِئتْ أعراضُهم فصوارمي ... بماء طُلاهم سوف يصدا صِقالُها
وإنّ مقامي في فِناء ابن خالدٍ ... لأوّل حربٍ عاث فيهم صيالُها
هو المرءُ يُغني مُعطياً عن سؤاله ... إذا شانَ بيضَ الأعطياتِ سؤالهُا
مَنيعُ الِحمى، لو ساور الموتُ جارَهُ ... لردَّ المنايا الحمرَ تنبو نصالهُا
مرائرُ عهدٍ لا يُرامُ انتقاضُها ... وعجلى عطايا لا يُخافُ مِطالُها
وأبلجُ سامي الطَّرفِ لا تستفزّه ال ... دَّنايا ولو زانَ الدَّنايا جَمالُها
تطيشُ الرَّزايا وهو ثَبْتٌ كأنّما ... جرت بِشَرَ ورْىَ نسمةٌ واعتلالهُا
ومنـها في صفة السيل:
وما مقبلٌ من قُنّة الطَّودِ زاخرٌ ... له صَخَباتُ الأسدِ عَنَّ مَصالُها
تَظَلُّ بـه عُصْمُ اليَفاعِ غريقةً ... ويتبَعُها ضَبُّ الفَلا وغَزالُها
إذا مرّ بالوَعْساءِ وهو مزمجرٌ ... تَدَهْدى له كُثبانُها ورِمالُها
ترى شجرَ الغُلاّن فيه كأنّها ... سفائنُ يَمٍّ أسلمتها رجالُها
كأنّ بياضاً راغياً في عُبابه ... لغُامُ المَطايا أثقلتها رِحالُها
أفادته غِبَّ المَحْلِ وَطْفاءُ جَوْنةٌ ... أقامتْ نُعاماها وغابَ شَمالُها
سرتْ لبني الآمالِ من بعد هَجعةٍ ... إلى الصّبحَ سَحّاً وَدْقُها وانـهمالُها
بأغزرَ من يُمناهُ جوداً إذا همى ... على مُعْتَفِيها رِفْدُها ونَوالُها
ومنـها في المقطع:
ألا رَجُلٌ ألقي عليه عظيمةً؟ ... وهيهاتَ، أعيت عقدةٌ وانحلالُها
فيغضب لي حتّى أديرَ رَحى وَغَىً ... تكونُ ديارَ النّاكثينَ ثِفالُها
ومن قوله في الوزير جلال الدين بن صدقة في الأيام المسترشدية:
لَمَعتْ كتلويح الرِّداءِ المُسْبَلِ ... والليلُ صبغُ خِضابه لم يَنْصُلِ
نارٌ كسَحْرِ العَوْدِ أرشدَ ضوؤها ... بالبيد أعناقَ الرِّكابِ الضُّلِّلِ
طابت لِمُعتِسفِ الظّلامِ، كأنّما ... شُبَّتْ على قُنَنِ اليَفاعِ بِمَنْدِل
فعلمتُ أنّ بني تميمٍ عندَها ... يتقارعونَ على الضُّيوف النُّزُّلِ
العاقرينِ الكُومَ وهي منيفةٌ ... والضّاربينَ الهامَ تحتَ القسْطلِ
والسّسائسينَ الملكَ لا آراؤُهم ... تهفو، ولا معروفُهم بمقلّلِ
قومي، وأين كمثلٍ قومي والقَنا ... والبِيضُ بينَ مُقصّدٍ ومُفللِ؟
نَجُلوا أخا وَجْدٍ بغير خَريدةٍ ... جعَلَ النَّسِيبَ لِذابلٍ أو مُنْصُلِ
شَغلتهُ عن وصف الهوى ذِكَرُ العُلى ... فنضا شِعارَ الشّاعرِ المتغزّلِ
قَضَّى شبيبَتهُ لمجدِ مَشِيبهِ ... فإذا المشيبُ بدا له لم يَوْجَلِ
ومنـها:
يَحْمِلْنَ فُرساناً كأنّ دُرُوَعُهمْ ... سُنَّتْ على مثلٍ الجبال المُثَّلِ
قوماً إذا طُبِعت نُصُولُ سيوفِهم ... قام النَّجِيعُ لها مَقامَ الصَّيْقلِ
ومنـها:

أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16




[كتاب : خريدة القصر وجريدة العصر جداه باسم]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Tue, 24 Jul 2018 22:52:00 +0000



نسل اول ازارا

كتاب : المعجم الأوسط للطبراني

الطبراني الأوسط باب الألف من اسمـه أحمد

1 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي قال حدثنا سعيد بن يزيد بن ذي عصوان عن عبد الملك بن عمير عن أبى بردة عن أبي موسى قال قال رسول الله : نسل اول ازارا أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من المسلمين رجل من أهل الكتابين فيقال يا مسلم هذا فداؤك من النار لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك إلا سعيد بن يزيد ولا عن سعيد بن يزيد إلا يحيى بن صالح الوحاظي

2 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا الضحاك بن حمرة قال حدثنا قتادة أن أبا مجلز أخبره عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبي موسى : أن رجلين اختصما إلى النبي في بعير ادعاه كلاهما أنـه له فجاء مع كل واحد منـهما شاهدان يشـهدان أن البعير له فقضى النبي أنـه بينـهما نصفين [ ص 6 ] * لم يرو هذا الحديث عن قتادة عن أبي مجلز إلا الضحاك تفرد بـه أبو المغيرة

3 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا مبشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء وعمرو بن دينار عن جابر قال قال النبي : لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء ولا يزوجهن إلا الأولياء ولا مـهر دون عشرة دراهم لم يرو هذا الحديث عن عمرو إلا الحجاج تفرد بـه مبشر بن عبيد

4 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا صفوان بن عمرو قال حدثنا يزيد بن خمير الرحبي عن عبد الله بن بسر المازني عن رسول الله أنـه قال : ما من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة قال وكيف تعرفهم يا رسول الله في كثرة الخلائق فقال أرأيت لو دخلت صيرة وفيها خيل دهم بهم وفيها فرس أغر محجل ما كنت تعرفه منـها قال بلى قال فإن أمتي يومئذ غر محجلون من الوضوء

5 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا عفير بن معدان عن قتادة عن عكرمة عن بن عباس : أن رسول الله استخلف بن أم مكتوم على المدينة مرتين وكان أعمى يصلي بالناس لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا عفير تفرد بـه أبو المغيرة

6 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا عفير بن معدان عن قتادة عن عكرمة عن بن عباس قال : صرفت الجن إلى رسول الله مرتين وكان أشراف الجن بنصيبين [ ص 7 ] * لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا عفير تفرد بـه أبو المغيرة

7 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا عفير قال حدثني قتادة عن أنس : أن رسول الله كان يقول يأتيني جبريل على صورة دحية الكلبي قال أنس ودحية كان رجلا جسيما جميلا أبيض لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا عفير تفرد بـه أبو المغيرة

8 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أنس بن مالك عن النبي قال : لما عرج بي مررت بقوم لهم اظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون لحم الناس ويقعون في أعراضهم لم يروه عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير إلا صفوان تفرد بـه أبو المغيرة

9 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا على بن عياش الحمصي قال حدثنا حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير عن محمد بن سيرين [ ص 8 ] عن أنس بن مالك قال قال رسول الله : طلب العلم فريضة على كل مسلم لم يروه عن محمد إلا كثير ولا عن كثير إلا حفص بن سليمان

10 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن إسماعيل بن عبيد الله عن أبى صالح عن أبي هريرة قال : عاد رسول الله رجلا من أصحابه بـه وجع وأنا معه فقبض على يده فوضع يده على جبهته وكان يرى ذلك من تمام عيادة المريض وقال إن الله قال ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من النار في الآخرة لم يروه عن أبي صالح وهو الأشعري ألا إسماعيل بن عبيد الله تفرد بـه عبد الرحمن

11 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال حدثنا أبي قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق عن أوسط البجلي عن عنبسة بن أبى سفيان عن أم حبيبة عن النبي قال : من صلى في يوم ثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتا في الجنة أربعا قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان قبل العصر وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر لم يرو هذا الحديث عن بن عجلان عن أبي إسحاق عن أوسط البجلي إلا إسماعيل بن عياش ورواه الليث بن سعد عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق عن عمرو بن أوس عن عنبسة

12 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا مبشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطاة عن أبيه عن أنس بن مالك : أن رسول الله لم يدعنا في لبس من ديننا نـهانا عن النفخ في ال

13 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال حدثنا أبى قال حدثنا خالد بن يزيد القسري عن وائل بن داود عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال قال رسول الله : إذا حلفت على يمين فرأيت ما هو خير فات الذي هو خير وكفر عن يمينك لم يرو هذا الحديث عن وائل بن داود إلا خالد بن يزيد تفرد بـه الحوطي

14 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا عبد العزيز بن موسى اللاحوني قال حدثنا يزيد بن زريع عن خالد الحذاء عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال قال لي رسول الله : يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وأن حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منـها فات الذي هو خير وكفر عن يمينك لم يرو هذا الحديث عن خالد إلا يزيد تفرد بـه عبد العزيز

15 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن الوليد بن عباد عن عرفطة عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال قال رسول الله : مثله لم يرو هذا الحديث عن عرفطة إلا الوليد بن عباد ولا عن الوليد إلا إسماعيل بن عياش تفرد بـه عبد الوهاب بن الضحاك

16 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبي قال حدثنا الجراح بن [ ص 10 ] مليح عن أرطاة بن المنذر عن نافع عن بن عمر : أن النبي كان يرفع يديه عند التكبير للركوع وعند التكبير حين يهوى ساجدا لم يرو هذا الحديث عن أرطاة إلا الجراح

17 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا أبو مـهدى سعيد بن سنان قال حدثتني أم الشعثاء عن أم عصمة العوصية امرأة من قيس قالت قال رسول الله : ما من مسلم يعمل ذنبا إلا وقف الملك الموكل باحصاء ذنوبه ثلاث ساعات فأن استغفر الله من ذنبه ذلك في شيء من تلك الساعات لم يوقف عليه يوم القيامة لا يروى هذا الحديث عن أم عصمة إلا بهذا إلاسناد تفرد بـه أبو المغيرة

18 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال حدثنا أبى قال حدثنا سويد بن عبد العزيز عن أبى وهب عبيد الله بن عبيد الكلاعي عن مكحول عن نافع عن بن عمر أسند حديثا إلى النبي فقال : من أتى منكم الجمعة فليغتسل لم يرو هذا الحديث عن مكحول إلا أبو وهب ولا عن أبى وهب إلا سويد تفرد بـه الحوطي

19 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا على بن عياش الحمصي قال حدثنا حفص بن سليمان قال حدثني عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش قال غدوت على صفوان بن عسال المرادي فقال : ما غدا بك يا زر فقلت ألتمس العلم فقال اغد عالما أو متعلما ولا تعدين ذلك [ ص 11 ] فإني سمعت رسول الله يقول ما من عبد مسلم يلتمس علما إلا وضعت له الملائكة أجنحتها من رضاها بما يفعل قال فسألته عن المسح على الخفين وقلت إني أجد في نفسي من ذلك فقال كنا إذا سافرنا مع النبي أمرنا أن لا نخلع خفافنا ثلاث ليال وأيامـهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم وللمقيم يوم وليلة لم يروه عن حفص بن سليمان إلا على بن عياش

20 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا مبشر بن عبيد قال سمعت الزهري يحدث عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله : الإحصان إحصانان إحصان عفاف وإحصان نكاح لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا مبشر بن عبيد

21 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن حمير عن إبراهيم بن أبى عبلة عن بن أبي مليكة الأعمى عن عروة بن الزبير : أنـه أتى بن عباس فقال يا بن عباس طالما أضللت الناس قال وما ذاك يا عرية قال الرجل يخرج محرما بحج أو عمرة فإذا طاف زعمت أنـه قد حل فقد كان أبو بكر وعمر ينـهيان عن ذلك فقال أهما ويحك آثر عندك أم ما في كتاب الله وما سن رسول الله في أصحابه وفي أمته فقال عروة هما كانا أعلم بكتاب الله وما سن رسول الله مني ومنك قال بن أبي مليكة فخصمـه عروة [ ص 12 ] هذا الحديث ساقط عند بن خليل

22 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبي قال حدثنا الجراح بن مليح عن أبى عذبة عن نافع عن بن عمر عن النبي قال : من أتى الجمعة فليغتسل لم يرو هذا الحديث عن أبي عذبة إلا الجراح تفرد بـه الحوطي

23 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبي قال حدثنا بقية بن الوليد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله : أيما امرأة صامت بغير إذن زوجها فأرادها على شيء فامتنعت عليه كتب الله عليها ثلاثا من الكبائر لم يروه عن الأوزاعي إلا بقية تفرد بـه الحوطي

24 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي قال : ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة الوالد على ولده ودعوة المسافر لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة إلا الأوزاعي تفرد بـه أبو المغيرة ورواية الناس عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر

25 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال حدثنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال قال رسول الله : ليس الخبر كالمعاينة فإن الله تعالى أخبر موسى بن عمران عما صنع قومـه من بعده فلم يلق الألواح فلما عاين ذلك ألقى الألواح

26 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا أبو المغيرة

27 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن الحجاج بن أرطاة عن الزهري عن أنس : أن النبي استبرأ صفية بحيضة لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا الحجاج بن أرطاة تفرد بـه إسماعيل بن عياش

28 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا علي بن عياش الحمصي قال حدثنا معاوية بن يحيى الأطرابلسي عن كثير بن مروان عن يزيد أبى خالد الدالاني عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله : قيلوا فإن الشيطان لا يقيل لم يرو هذا الحديث عن أبي خالد الدالاني إلا كثير ولا عن كثير إلا معاوية بن يحيى تفرد بـه علي بن عياش

29 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن الوليد بن عباد عن عرفطة عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : من اصطنع إليكم معروفا فجازوه فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى يعلم أنكم قد شكرتم فأن الله شاكر يحب الشاكرين لم يرو هذا الحديث عن نافع إلا عرفطة تفرد بـه إسماعيل بن عياش عن [ ص 14 ] الوليد بن عباد

30 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي قال حدثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير عن السائب بن يزيد أن سفيان بن أبي زهير أخبره أنـه سمع رسول الله يقول : من أمسك الكلب فإنـه ينقص من عمله كل يوم قيراط لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلا معاوية بن سلام

31 - حدثنا أحمد قال حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي قال حدثنا على بن حوشب عن أبي قبيل عن سالم عن أبيه أن النبي قال : لا تتخذوا المساجد طرقا إلا لذكر أو صلاة لم يرو هذا الحديث عن سالم إلا أبو قبيل المعافري واسمـه حيي بن هانئ ولا عن أبي قبيل إلا على بن حوشب تفرد بـه يحيى بن صالح

32 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا أبو بكر بن أبي مريم قال حدثني حميد بن عقبة بن رومان عن أبي الدرداء عن النبي قال : من أخرج من طريق المسلمين شيئا يؤذيهم كتب الله له بـه حسنة ومن كتب له عنده حسنة أدخله بها الجنة لا يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد تفرد بـه أبو بكر بن أبي مريم

33 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال حدثنا أرطاة بن المنذر عن عبد الله بن رزيق عن عمرو بن الأسود عن أبي الدرداء قال قال النبي : لا تأكل متكئا ولا تخط رقاب [ ص 15 ] الناس يوم الجمعة لم يرو هذا الحديث عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد تفرد بـه أرطاة بن المنذر

34 - حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي قال حدثنا سليمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله الجهني عن أبي مشجعة عن أبي الدرداء قال : ذكروا عند رسول الله الأرحام فقلنا من وصل رحمـه أنسيء في أجله فقال إنـه ليس يزاد في عمره قال الله تعالى { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ولكنـه الرجل تكون له الذرية الصالحة فيدعون له من بعده فيبلغه ذلك فذاك الذي ينسأ في أجله لا يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد تفرد بـه سليمان بن عطاء

35 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقي قال حدثني أبي عن أبيه قال صلى بنا المـهدي فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فقلت له في ذلك فقال حدثني أبي عن أبيه عن جده عن بن عباس : أن رسول الله كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم

36 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى قال حدثني أبي عن أبيه كتب إلى المـهدي بعهدي وأمرنى أن أصيب في الحكم وقال في كتابه حدثني أبي عن أبيه عن جده عن بن عباس قال قال رسول الله قال ربك تبارك وتعالى : وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله ولأنتقمن ممن رأى مظلوما فقدر أن ينصره فلم يفعل [ ص 16 ] لا يروى هذان الحديثان عن المـهدي إلا بهذا الإسناد تفرد بهما يحيى بن حمزة

37 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة قال حدثني أبي عن أبيه قال حدثني أبو عمرو الأوزاعي عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله يقول : إذا كان لأحدكم خادم قد كفاه المشقة فليط فإن لم يفعل فليناوله اللقمة لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا يحيى بن حمزة تفرد بـه ولده عنـه

38 - حدثنا أحمد بن محمد قال حدثني أبي عن أبيه قال حدثني داود بن عيسى الكوفي عن منصور بن المعتمر قال حدثني علي بن عبد الله بن عباس قال حدثني أبي : أن أباه بعثه إلى رسول الله في حاجة فوجدته جالسا مع أصحابه في المسجد فلم أستطع أن أكلمـه فلما صلى المغرب قام يركع حتى أذن المؤذن لصلاة العشاء وثاب الناس ثم صلى الصلاة فقام يركع حتى انصرف من بقي في المسجد ثم انصرف إلى منزله وتبعته فلما سمع حسى قال من هذا والتفت إلى فقلت بن عباس قال بن عم رسول الله قلت بن عم رسول الله قال مرحبا بابن عم رسول الله ما جاء بك فقلت بعثني أبى بكذا وكذا قال الساعة جئت فقلت لا فقال إذ لم تنصرف إلى ساعتك هذه فلست منصرفا فدخل منزله ودخلت معه فقلت لأنظرن صلاة رسول الله الليلة فنام حتى سمعت غطيطه ثم استيقظ فرمى ببصره إلى السماء وتلا هذه الآيات التي في سورة آل عمران إن في خلق السماوات والأرض الآيات الخمس حتى انتهى إلى إنك لا تخلف الميعاد [ ص 17 ] ثم قال اللهم اجعل في سمعى نورا وفي بصرى نورا ومن فوقى نورا ومن تحتى نورا وعن يميني نورا وعن شمالي نورا واجعل لي عندك نورا وإلى جانبه مخضب من برام مطبو عليه سواك فاستن ثم توضأ ثم ركع ركعتين ثم عاد فنام أيضا حتى سمعت غطيطه ثم استيقظ فتلا الآيات ودعا بالدعوة ثم استن ثم توضأ ثم ركع ركعتين ثم نام حتى سمعت غطيطه ثم استيقظ فتلا الآيات ودعا بالدعوة ثم استن ثم توضأ ثم صلى صلاة عرفت أنـه يوتر فيها ثم قال أنام الغلام فقلت لا فقمت فتوضأت ثم أقبلت فجئت إلى ركنـه الأيسر فأخذ بأصبعين في أذنى فأدارني حتى أقامني إلى ركنـه الأيمن ثم ركع ركعتي الفجر ثم خرج إلى الصلاة

39 - حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أبو الجماهر قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن الوليد بن عباد عن عرفطة عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس قال قال بن مسعود : مضت خمس آيات وبقى خمس يعنى انشقاق القمر وقد رأيناه ومضى الدخان ومضت البطشة الكبرى ومضى الروم

40 - حدثنا أحمد بن محمد قال حدثني أبي عن أبيه عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله : إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه لم يرو هذا الحديث من طريق الأوزاعي إلا يحيى بن حمزة وأبو خليد عتبة بن حماد والوليد بن مسلم

41 - حدثنا أحمد قال حدثني أبي عن أبيه قال حدثني النعمان بن المنذر عن عبد الكريم أبى أمية قال حدثني أبو رافع عن أبي هريرة : أن النبي نـهى عن صيام يوم الجمعة إلا في أيام قبله لم يرو هذا الحديث عن النعمان بن المنذر إلا يحيى بن حمزة

42 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة قال حدثني أبي عن أبيه قال حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن الزهري قال حدثني محمد بن ثابت الأنصاري قال حدثني أبي ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري قال قلت : يا رسول الله والله لقد خشيت أن أكون قد هلكت قال لم قلت نـهى الله المرء أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد ونـهى الله عن الخيلاء وأجدنى أحب الجمال ونـهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهير الصوت فقال رسول الله ألا ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شـهيدا وتدخل الجنة حميدا قال بلى يا رسول الله فعاش حميدا وقتل شـهيدا يوم مسيلمة لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا يحيى بن حمزة تفرد بـه ولده عنـه

43 - حدثنا أحمد بن محمد قال حدثني أبي عن أبيه عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي قال زعم إبراهيم بن طريف عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بن مسعود قال : كنت مع النبي ليلة صرف إليه النفر من الجن فأتى رجل من الجن بشعلة من نار إلى رسول الله فقال جبريل يا محمد ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن طفئت شعلته وانكب لمنخره قل أعوذ بوجه الله الكريم وكلمات الله التامة التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منـها ومن شر فتن [ ص 19 ] الليل والنـهار ومن شر طوارق الليل والنـهار إلا طارق يطرق بخير يا رحمن لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا يحيى بن حمزة تفرد بـه ولده عنـه

44 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة قال حدثني أبي عن أبيه عن ثور بن يزيد عن راشد بن سعد عن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله يقول : ان البيان كل البيان شعبة من الشيطان لم يرو هذا الحديث عن ثور إلا يحيى بن حمزة

45 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة قال حدثنا بن عائذ قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا أبو عثمان الأوقص عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله : لا تزالون تقاتلون الكفار حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا أبو عثمان الأوقص تفرد بـه الوليد

46 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى قال حدثني أبي عن أبيه قال حدثني مسلمة بن عمرو القاضي قال وجدت في ديوان الزهري بخطه قال حدثني نافع عن بن عمر قال سمعت رسول الله يقول : من أتى منكم الجمعة فليغتسل لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا بهذا الإسناد

47 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى قال حدثنا أبو الجماهر قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن الوليد بن عباد عن عامر الأحول عن أبي صالح الخولاني عن أبي هريرة عن رسول الله قال : لا تزال طائفة من أمتي [ ص 20 ] يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين إلى أن تقوم الساعة لم يروه عن عامر الأحول إلا الوليد بن عباد تفرد بـه إسماعيل بن عياش

48 - حدثنا أحمد بن يحيى قال حدثني أبي عن أبيه قال حدثني النعمان بن المنذر عن سليمان بن موسى عن نافع عن بن عمر أن رسول الله قال : من جاء إلى الجمعة فليغتسل لم يروه عن النعمان إلا يحيى

49 - وعن النعمان بن المنذر عن سليمان بن موسى عن عطاء عن بن عباس أنـه سمع رسول الله يقول : من جاء إلى الجمعة فليغتسل

50 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى قال حدثني أبي عن أبيه عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار أنـه سمع بن عمر يقول : نـهى النبي عن بيع الولاء وهبته لم يروه عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار إلا يحيى بن حمزة تفرد بـه ولده عنـه ورواه الناس عن سفيان عن عبد الله بن دينار

51 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى قال حدثني أبى عن أبيه قال حدثني محمد بن الوليد الزبيدي أنـه سمع النعمان بن المنذر يحدث عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله قال : يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا فقالت عائشة فكيف بالسوءات قال لكل امرئ منـهم يومئذ شأن يغنيه لم يدخل بين الزهري والزبيدي أحد ممن روى هذا الحديث عن الزبيدي النعمان إلا يحيى بن حمزة تفرد بـه ولده عنـه

52 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة قال حدثني أبي عن أبيه عن ثور بن يزيد عن عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب : أن النبي علم رجلا أن يقول إذا أخذ مضجعة اللهم وجهت وجهي إليك وألجأت ظهري أليك وفوضت أمرى إليك وأسلمت نفسي إليك رهبة ورغبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مات من ليلته غفر له لم يروه عن عمرو بن قيس إلا ثور بن يزيد ولا عن ثور إلا يحيى بن حمزة تفرد بـه ولده عنـه

53 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى قال حدثني أبي عن أبيه عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله : الصوم جنة من النار لم يروه عن الأوزاعي إلا يحيى بن حمزة

54 - حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى قال حدثنا علي بن عياش الحمصي قال حدثنا شعيب بن أبى حمزة عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله : اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف لم يروه عن الزهري عن أبي بكر إلا شعيب

55 - حدثنا أبو زيد أحمد بن عبد الرحيم بن يزيد الحوطي قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله : إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم [ ص 22 ] اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا كذا حدثنا أبو زيد بهذا الحديث متصل الإسناد عن عبد الله بن عمرو وحدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال حدثنا أبو المغيرة قال حدثنا الأوزاعي عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي ولم يذكر في الإسناد عبد الله بن عمرو

56 - حدثنا أحمد بن عبد الرحيم بن يزيد أبو زيد الحوطي قال حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج قال حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : من أتى الجمعة فليغتسل لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا أبو المغيرة

57 - حدثنا أحمد بن عبد الرحيم قال حدثنا على بن عياش الحمصي قال حدثنا معاوية بن يحيى قال حدثني إبراهيم بن ذي حماية عن غيلان بن جامع عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن النبي قال : أنت ومالك لأبيك

58 - حدثنا أحمد بن إبراهيم أبو عبد الملك القرشي الدمشقي قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زبر قال حدثنا أبى عبد الله بن العلاء عن مكحول عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك الأشجعي قال : أتيت النبي وهو في خباء له من آدم فسلمت عليه ثم قلت أدخل قال أدخل فأدخلت رأسي فإذا رسول الله يتوضأ وضوءا مكينا فقلت يا رسول الله أدخل كلي قال كلك فلما دخلت قال لي أعدد ست خصال بين يدي الساعة موت نبيكم قال عوف فوجمت لذلك وجمة ما وجمت مثلها قال قل [ ص 23 ] إحدى قلت إحدى قال وفتح بيت المقدس وفتنة تكون فيكم تعم بيوتات العرب وداء يأخذكم كعقاص الغنم ويفشو المال فيكم حتى يعطي الرجل مائة دينار فيظل ساخطا وهدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم في ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا لم يروه عن مكحول إلا العلاء بن زبر

59 - حدثنا أحمد بن إبراهيم بن عبد الملك قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن مالك بن يخامر السكسكي عن عبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن عمرو أن رسول الله قال : الهجرة هجرتان إحداهما أن تهجر السيئات والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل لا يروى عن عبد الرحمن بن عوف إلا من هذا الوجه

60 - حدثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم البسري الدمشقي قال حدثنا محمد بن عائذ الدمشقي قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا أبو طرفة عباد بن الريان اللخمي قال سمعت عروة بن رويم اللخمي يقول حدثني عامر بن كدين الأشعري قال سمعت أبا ليلى الأشعري يقول حدثني أبو ذر قال : إن أول ما دعاني إلى الإسلام أنا كنا قوما عربا فأصابتنا السنة فاحتملت أمي وأخي وكان اسمـه أنيس إلى أصهار لنا بأعلى نجد [ ص 24 ] فلما حللنا بهم أكرمونا فلما رأى ذلك رجل من الحي مشى إلى خالي فقال تعلم أن أنيسا يخالفك إلى أهلك فحز في قلبه فانصرفت من رعية إبلي فوجدته كئيبا يبكى فقلت ما بكاؤك يا خال فأعلمني الخبر فقلت حجز الله تعالى من ذلك إنا نعاف الفاحشة وإن كان الزمان قد بنا ولقد كدرت علينا صفو ما ابتدأتنا بـه ولا سبيل إلى اجتماع فاحتملت أمي وأخي حتى نزلنا بحضرة مكة فقال أخي إني مع رجلا على الماء بشعر وكان امرأ شاعرا فقلت لا تفعل فخرج بـه اللجاج حتى ع دريد بن الصمة صرمته إلى صرمته وايم الله لدريد يومئذ أشعر من أخى فتقاضيا إلى خنساء فقضت لأخي علي دريد وذلك أن دريدا خطبها إلى أبيها فقالت شيخ كبير لا حاجة لي فيه فحقدت ذلك عليه فضممنا صرمته إلى صرمتنا فكانت لنا هجمة ثم أتيت مكة فابتدأت بالصفا فإذا عليه رجالات قريش وقد بلغني أن بها صابئا أو مجنونا أو شاعرا أو ساحرا فقلت أين هذا الذي تزعمونـه فقالوا هاهو ذلك حيث ترى فانقلبت إليه فوالله ما جزت عنـهم قيس حجر حتى أكبوا على كل عظم وحجر ومدر فضرجونى بدمي فأتيت البيت فدخلت بين الستور والبناء وصمت فيه ثلاثين يوما لا آكل ولا أشرب إلا من ماء زمزم حتى إذا كانت ليلة قمراء إضحيان أقبلت امرأتان من خزاعة فطافتا بالبيت ثم ذكرتا إسافا ونائلة وهما وثنان كانوا يعبدونـهما فأخرجت رأسي من تحت الستور فقلت احملا أحدهما على صاحبه فغضبتا ثم قالتا وايم الله لو كانت رجالنا حضورا ما تكلمت بهذا فخرجتا تقفو آثارهما حتى لقيتا رسول الله فقال من أنتما وممن أنتما ومن أين جئتما وما جاء بكما فأخبرتاه الخبر فقال أين تركتما الصابىء فقالتا تركناه بين الستور والبناء فقال لهما هل [ ص 25 ] قال لكما شيئا قالتا نعم كلمة تملأ الفم فتبسم رسول الله ثم انسلتا وأقبلت حتى جئت رسول الله ثم سلمت عليه عند ذلك فقال من أنت وممن أنت ومن أين أنت ومن أين جئت وما جاء بك فأنشأت أعلمـه الخبر فقال من أين كنت تأكل وتشرب فقلت من ماء زمزم فقال أما إنـه طعام طعم ومعه أبو بكر فقال يا رسول الله ائذن لي أن أعشيه قال نعم ثم خرج رسول الله يمشى وأخذ أبو بكر بيدي حتى وقف رسول الله بباب أبي بكر ثم دخل أبو بكر بيته ثم أتى بزبيب من زبيب الطائف فجعل يلقيه لنا قبضا قبضا ونحن نأكل منـه حتى تملانا منـه فقال لي رسول الله يا أبا ذر فقلت لبيك فقال إنـه قد رفعت لي أرض وهي ذات نخل لا أحسبها إلا تهامة فاخرج إلى قومك فادعهم إلى ما دخلت فيه قال فخرجت حتى أتيت أمي وأخي فأعلمتهما الخبر فقالا ما بنا رغبة عن الدين الذي دخلت فيه فأسلمنا ثم خرجنا حتى أتينا المدينة فأعلمت قومي فقالوا إنا قد صدقناك ولكنا نلقى محمدا فلما قدم علينا رسول الله لقيناه فقالت له غفار يا رسول الله إن أبا ذر قد أعلمنا ما أعلمته وقد أسلمنا وشـهدنا أنك رسول الله ثم تقدمت أسلم خزاعة فقالوا يا رسول الله أنا قد رغبنا ودخلنا فيما دخل إخواننا وحلفاؤنا فقال رسول الله أسلم سالمـها الله وغفار غفر الله لها ثم أخذ أبو بكر بيدي فقال يا أبا ذر فقلت لبيك يا أبا بكر فقال قد كنت تأله في جاهليتك قلت نعم لقد رأيتني أقوم عند الشمس فلا أزال أصلى حتى يؤذينى حرها فأخر كأني خفاء فقال لي فأين كنت توجه قلت لا أدري إلا حيث وجهني الله حتى أدخل الله علي الإسلام لم يروه عن عروة بن رويم إلا أبو طرفة عباد بن الريان ولا عن عباد إلا [ ص 26 ] الوليد تفرد بـه محمد بن عائذ

61 - حدثنا أحمد بن إبراهيم الدمشقي قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زبر قال حدثنا أبي عبد الله بن العلاء أنـه سمع القاسم أبا عبد الرحمن يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله قال قال ربنا تبارك وتعالى : يا بن آدم إن تعط الفضل فهو خير لك وإن تمسكه فهو شر لك وابدأ بمن تعول ولا يلوم الله على الكفاف واليد العليا خير من اليد السفلى لم يروه عن القاسم إلا عبد الله بن العلاء

62 - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زبر قال حدثني أبي قال حدثنا الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي هريرة أن رسول الله قال : أول ما يحاسب بـه العبد يوم القيامة أن يقال ألم أصح جسمك وأروك من الماء البارد لم يروه عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب إلا عبد الله بن العلاء

63 - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زبر قال حدثنا أبي عبد الله بن العلاء عن الزهري والأوزاعي قال حدثني المطلب بن عبد الله بن حنطب قال حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قال حدثني أبي قال : كنا مع رسول الله في غزوة غزاها فأصاب الناس مخمصة فاستأذن الناس رسول الله في نحر بعض ظهرهم فهم رسول الله أن يأذن لهم في ذلك فقال عمر بن الخطاب أرأيت يا رسول الله إن نحرنا ظهرنا ثم لقينا عدونا غدا ونحن جياع رجالا فقال رسول الله فما ترى يا عمر قال تدعو الناس ببقايا أزوادهم ثم تدعو لنا فيها بالبركة فإن الله عز و جل سيبلغنا بدعوتك إن شاء الله قال فكأنما كان على رسول الله غطاء فكشف فدعا بثوب فأمر بـه فبسط ثم دعا الناس ببقايا أزوادهم فجاؤوا بما كان [ ص 27 ] عندهم فمن الناس من جاء بالحفنة من الطعام أو الجفنة ومنـهم من جاء بمثل البيضة فأمر بـه رسول الله فوضع على ذلك الثوب ثم دعا فيه بالبركة وتكلم بما شاء الله أن يتكلم ثم نادى في الجيش فجاؤوا ثم أمرهم فأكلوا وطعموا وملئوا أوعيتهم ومزاودهم ثم دعا بركوة فوضعت بين يديه ثم دعا بماء فصبه فيها ثم مج فيها وتكلم بما شاء الله أن يتكلم ثم أدخل خنصره فيها فأقسم بالله لقد رأيت أصابع رسول الله تفجر ينابيع من الماء ثم أمر الناس فشربوا وسقوا وملئوا قربهم وأداواهم ثم ضحك رسول الله حتى بدت نواجذه قال أشـهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله لا يلقى الله بهما أحد يوم القيامة إلا دخل الجنة على ما كان فيه لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا عبد الله بن العلاء تفرد بـه ابنـه عنـه

64 - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال حدثنا الحكم بن يعلي بن عطاء المحاربي قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبى خلف عن أنس بن مالك قال قال رسول الله : من ساء خلقه من الرقيق والدواب والصبيان فاقرءوا في أذنيه أفغير دين الله يبغون لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد

65 - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن قال حدثنا الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي قال حدثنا أبو معمر عباد بن عبد الصمد التيمي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه : أن رسول الله نـهى عن رضاع الحمقاء لم يروه عن سالم بن عبد الله إلا أبو معمر ولا عن أبي معمر إلا الحكم بن يعلى [ ص 28 ] تفرد بـه سليمان بن عبد الرحمن

66 - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زبر قال حدثني أبي عن يحيى بن أبي المطاع عن العرباض بن سارية السلمي قال : قام فينا رسول الله ذات غداة فوعظنا موعظة وجفت منـها القلوب وذرفت منـها العيون فقلنا يا رسول الله إنك قد وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا فقال عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا وسيرى من بقي من بعدي اختلافا شديدا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء المـهديين الراشدين وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم والمحدثات فإن كل بدعة ضلالة لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي المطاع إلا عبد الله بن العلاء بن زبر

67 - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زبر قال حدثني أبي قال حدثني أبو عبيد الله مسلم بن مشكم قال سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول : قلت يا رسول الله أخبرني بما يحل لي وما يحرم علي فصعد في النظر وصوب فقال نويبتة قلت يا رسول الله نويبتة خير أو نويبتة شر قال نويبتة خير لا تأكل لحم الحمار الأهلي ولا ذا ناب من السبع قال عبد الله بن العلاء وحدثني بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة مثله لم يروه عن مسلم بن مشكم إلا عبد الله بن العلاء بن زبر

68 - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زبر قال حدثني أبي قال حدثني بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن حسان بن الضمري عن عبد الله بن السعدي قال : وفدنا على رسول الله سبعة أو ثمانية [ ص 29 ] كلنا يطلب حاجة وكنت آخرهم ا على رسول الله فقلت يا رسول الله إني تركت من خلفي وهم يزعمون أن الهجرة قد انقطعت فقال رسول الله حاجتك من خير حاجتهم لن تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار لم يروه عن حسان إلا أبو إدريس

69 - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي قال حدثنا الصلت بن عبد الرحمن الزبيدي قال حدثنا سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن عبد الله عن قتادة عن أبي مجلز عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله : إذا أشرع أحدكم بالرمح إلى الرجل فإن كان سنانـه عند ثغرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنـه الرمح

70 - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن قال حدثنا الصلت بن عبد الرحمن قال حدثنا سفيان الثوري عن بن عون عن الحسن عن عمران بن الحصين : أن عياض بن حمار النـهشلي أهدى لرسول الله فرسا فقال إني أكره زبد المشركين لم يرو هذين الحديثين عن سفيان إلا الصلت بن عبد الرحمن تفرد بهما سليمان بن عبد الرحمن

71 - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن قال حدثنا مسلمة بن علي عن محمد بن عجلان عن نافع عن بن عمر : أن رسول الله كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا كبر وإذا ركع وإذا سجد لم يروه عن بن عجلان إلا مسلمة

72 - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا سليمان بن عبد الرحمن قال حدثنا الحسن بن يحيى الخشني قال حدثنا زيد بن واقد عن بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء قال سألت عائشة عن خلق رسول الله فقالت : كان خلقه القرآن يغضب لغضبه ويرضى لرضاه لا يروى عن أبي الدرداء عن عائشة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه زيد بن واقد

73 - حدثنا أحمد بن إسماعيل بن مـهدي السكوني قال حدثنا محمد بن كثير الصنعاني عن معمر وبن شوذب وحماد بن سلمة كلهم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال قال رسول الله : إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا خلع فليبدأ باليسرى

74 - حدثنا أحمد بن علي بن سعيد القاضي قال حدثنا سريج بن يونس قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة قال قال رسول الله : الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين

75 - حدثنا أحمد بن علي بن سعيد القاضي بحمص قال حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي قال حدثنا حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله : أن النبي طبق لم يروه عن حماد بن أبي سليمان إلا حماد بن سلمة ولا عن حماد إلا إبراهيم بن الحجاج

76 - حدثنا أحمد بن علي بن سعيد القاضي قال حدثنا الفضل بن زياد الطستي قال حدثنا عباد بن عباد المـهلبي عن محمد بن عمرو عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة [ ص 31 ] لم يروه عن محمد بن عمرو إلا عباد بن عباد تفرد بـه الفضل بن زياد

77 - حدثنا أحمد بن زياد الحذاء الرقي قال حدثنا حجاج بن محمد الأعور قال حدثنا بن جريج قال حدثني موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي قال : من جلس في مجلس كثر فيه لغطه فليقل قبل أن يقوم سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك فإنـه يغفر له ما كان في ذلك المجلس

78 - حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الجمحي المصيصي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال قال رسول الله : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين لم يروه عن كثير إلا الحنيني

79 - حدثنا أحمد بن محمد الجمحي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : صلاة الليل والنـهار مثنى مثنى لم يروه عن عبد الله بن عمر إلا الحنيني

80 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية قال حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن سعيد بن جبير عن بن عباس عن النبي قال : إذا لم يجد المحرم إزارا فليلبس سراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين لم يرو هذا الحديث عن الشيباني إلا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية وأبو شـهاب الحناط

81 - حدثنا أحمد بن يحيى قال حدثنا أبي يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا أبو المليح الحسن بن عمر الرقي قال حدثنا فرات بن سلمان عن أبي بردة بن أبي موسى قال سمعت أبا موسى يقول قال رسول الله : يحشر الناس يوم القيامة فينادي منادي أليس عدلا مني أن أولي كل قوم ما كانوا يعبدون ثم يرفع لهم آلهتهم فيتبعونـها حتى لا يبقى أحد إلا المؤمنون فيقال لهم ما بكم قالوا ما نرى إلهنا الذي كنا نعبد قال فيتجلى لهم تبارك وتعالى لم يرو هذا الحديث عن فرات بن سلمان إلا أبو المليح الرقي

82 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا أبو عبيدة بن فضيل بن عياض قال حدثنا مالك بن سعير بن الخمس قال حدثنا فرات بن أحنف قال حدثني أبي عن عبد الله بن الزبير : أن رسول الله قال في حجة الوداع أي بلد أحرم قيل مكة فقال أي شـهر أحرم قال ذو الحجة قال أي يوم أحرم قال يوم النحر يوم الحج الأكبر فقال رسول الله فإن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شـهركم هذا في بلدكم هذا فلا أرى من الرأي أن يهراق في حرم الله دم لم يرو هذا الحديث عن فرات بن أحنف إلا مالك بن سعير تفرد بـه [ ص 33 ] أبو عبيدة ولا يروى عن بن الزبير إلا بهذا الإسناد

83 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا عمرو بن بكر بن بكار القعبني قال حدثنا مجاشع بن عمرو الأسدي قال حدثنا الليث بن سعد عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن معاذ بن جبل أنـه : مات بن له فكتب إليه رسول الله يعزيه بابنـه فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر فإن أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله الفانية وعواريه المستودعة متعك بـه في غبطة وسرور وقبضه منك في أجر كثير الصلاة والرحمة والهدى إن احتسبته فاصبر ولا يحبط جزعك أجرك فتندم واعلم أن الجزع لا يرد ميتا ولا يدفع حزنا وما هو نازل فكأن قد والسلام لا يروى هذا الحديث عن معاذ إلا بهذا الإسناد تفرد بـه مجاشع

84 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي قال حدثنا أبو عبيدة بن فضيل بن عياض قال حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال حدثنا شعبة عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله : يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام قلنا ومن هم يا رسول الله قال هم الذين إذا كان مـهلكا بعثوا فيه وإذا كان مغنما بعثوا غيرهم الذين يحجبون عن الأبواب [ ص 34 ] لم يرو هذا الحديث عن شعبة إلا أبو سعيد

85 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال حدثني أبي قال حدثنا الليث بن سعد قال حدثني بن لهيعة عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله : من أصبح فنسي فأكل أو شرب وهو صائم فالله أط وسقاه لم يروه عن الليث بن سعد إلا ابنـه شعيب

86 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي قال حدثنا زكريا بن يحيى الوقار قال حدثنا عثمان بن كليب عن نافع بن يزيد عن زهرة بن معبد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله قال : يا بني هاشم يا بني عبد المطلب يا صفية عمة رسول الله يا فاطمة بنت محمد لا أعرفن ما جاء الناس غدا يحملون الآخرة وجئتم تحملون الدنيا إنما أوليائي منكم يوم القيامة المتقون إنما مثلي فيكم كمثل رجل مستنصح في قومـه أتاهم فقال يا قوم أنتم عشيتم واصباحاه أنا النذير والموت المغير والساعة الموعد لم يروه عن زهرة بن معبد إلا نافع بن يزيد ولا عن نافع إلا عثمان بن كليب تفرد بـه زكريا بن يحيى الوقار

87 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : زوروا غبا تزدادوا حبا لم يرو هذا الحديث عن نافع إلا يزيد بن أبي حبيب ولا عن يزيد إلا بن لهيعة [ ص 35 ] تفرد بـه روح بن صلاح

88 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله قال : سيأتي عليكم زمان لا يكون فيه شيء أعز من ثلاث درهم حلال أو أخ يستأنس بـه أو سنة يعمل بها لم يروه عن سفيان إلا روح بن صلاح

89 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن صفوان بن سليم عن طاوس عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله : لا طلاق لمن لا يملك ولا عتاق لمن لا يملك

90 - وقال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن محمد بن المنكدر أنـه سمع جابر بن عبد الله يقول : أعتق رجل منا عبدا ليس له مال غيره فرده رسول الله في الرق ثم باعه

91 - وقال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عكرمة عن بن عباس : أن رسول الله نكح ميمونة وهو محرم

92 - وقال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن صالح مولى التوأمة ابنة أمية بن خلف أنـه سمع بن عباس يقول قال رسول الله : لا تؤذوا الحي بالميت

93 - وقال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن [ ص 36 ] سعيد بن المسيب عن عائشة : أن رسول الله كان يقبل وهو صائم لم يرو هذه الأحاديث عن سعيد بن أبي أيوب إلا روح بن صلاح

94 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زبريق الحمصي قال حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي قال حدثنا بن لهيعة عن حيي بن عبد الله المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال قال النبي : إذا طلعت الشمس من مغربها يخر إبليس ساجدا ينادي إلهي مرني أن أسجد لمن شئت فتجتمع إليه زبانيته فيقولون يا سيدهم ما هذا التضرع فيقول إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم وهذا الوقت المعلوم ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا فأول خطوة تضعها بأنطاكية ثم تأتي إبليس فتلطمـه لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو إلا بهذا الإسناد تفرد بـه عثمان بن سعيد

95 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد قال حدثنا زهير بن عباد الروأسي قال حدثنا سويد بن عبد العزيز عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : سجد رسول الله في يوم طين حتى اني لأنظر أثر ذلك في جبهته وأرنبته لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا سويد تفرد بـه زهير بن عباد

96 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا موسى بن ناصح قال حدثنا جابر بن سليم الزرقي عن عباد بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة يبلغ بـه النبي قال : ما من رجل يعلم ولده القرآن في الدنيا إلا توج أبوه يوم القيامة بتاج في الجنة يعرفه أهل الجنة بتعليمـه [ ص 37 ] ولده القرآن في الدنيا لم يروه عن عباد بن أبي صالح إلا جابر بن سليم تفرد بـه موسى

97 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا عبد السلام بن حرب عن شعبة عن قتادة عن أنس قال كان أصحاب النبي : إذا تلاقوا تصافحوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا لم يرو هذا الحديث عن شعبة إلا عبد السلام بن حرب تفرد بـه يحيى الجعفي

98 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد قال حدثنا جعدي بن جعفر قال حدثنا عبد الرحمن بن أشرس عن عبد الله بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله : ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة لم يرو هذا الحديث عن عبد الله إلا عبد الرحمن بن أشرس

99 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا زهير بن عباد قال حدثنا أبو بكر الداهري عبد الله بن حكيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن الوليد بن عقبة قال قال رسول الله : إن أناسا من أهل الجنة يتطلعون إلى أناس من أهل النار يقولون لم دخلتم النار فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم فيقولون إنا كنا نقول ولا نفعل [ ص 38 ] لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد إلا أبو بكر الداهري تفرد بـه زهير

100 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا أبو عبيدة بن فضيل بن عياض قال حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال حدثنا عباد بن راشد عن ثابت عن أنس أن رجلا أتى النبي فقال : إن أبي مات ولم يحج أفأحج عنـه قال أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أقضي عنـه قال نعم قال حج عن أبيك لم يروه عن ثابت إلا عباد تفرد بـه أبو سعيد

101 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد حدثنا محمد بن الحارث المؤذن حدثنا بن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر عن النبي قال : الندم توبة

102 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد قال حدثنا محمد بن سلام المصري قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال حدثنا مالك بن أنس عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله : إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة قالوا فما يكفرها يا رسول الله قال الهموم في طلب المعيشة لم يروه عن مالك إلا يحيى بن بكير تفرد بـه محمد بن سلام قال أحمد بن يحيى فقلت كيف سمعت هذا من بن بكير ولم يسمعه أحد غيرك [ ص 39 ] فقال كنت عند بن بكير جالسا فجاءه رجل فذكر ضعف حاله فقال بن بكير حدثنا مالك وذكر هذا الحديث

103 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا زهير بن عباد قال حدثنا أبو بكر بن شعيب عن مالك بن أنس عن الزهري عن عمرو بن الشريد عن فاطمة عن رسول الله قال : من تختم بالعقيق لم يزل يرى خيرا لم يرو هذا الحديث عن مالك إلا أبو بكر بن شعيب تفرد بـه زهير بن عباد

104 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا ياسين بن أبي زرارة قال حدثنا فضالة بن المفضل بن فضالة قال حدثني أبي قال حدثنا يحيى بن أيوب عن أبي سعيد البصري أن شعبة بن الحجاج حدثه عن الحكم بن عتيبة عن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم قال : كتب رسول الله ونحن في أرض جهينة أني كنت رخصت لكم في جلود الميته فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب لم يروه عن أبي سعيد البصري إلا يحيى بن أيوب تفرد بـه فضالة بن المفضل عن أبيه

105 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن موسى أبو يعقوب المصري قال حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن منصور عن مجاهد عن خالد بن سعيد عن غالب بن أبجر عن أبي بكر الصديق عن عائشة عن رسول الله قال : في الحبة السوداء شفاء من كل داء الا السام [ ص 40 ] لا يروى هذا الحديث عن أبي بكر عن عائشة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه عبيد الله بن موسى

106 - حدثنا أحمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن سفيان الحضرمي قال حدثنا بكر بن مضر عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس قال : رأيت النبي وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة لم يرو هذا الحديث عن بكر بن مضر إلا محمد بن سفيان

107 - حدثنا أحمد بن يحيى قال حدثنا عبد الله بن عباد العباداني قال حدثنا إبراهيم بن لهيعة قال حدثني أبو صخر حميد بن زياد عن يحيى بن النضر عن أبي قتادة قال : جاء رجل إلى النبي يسأله عن الساعة فقال رسول الله ماذا أعددت لها قال حب الله ورسوله قال فأنت مع من أحببت لم يرو هذا الحديث عن أبي قتادة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه أبو صخر

108 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا أبو عبيدة بن فضيل بن عياض قال حدثنا عبد الملك بن إبراهيم الحربي قال حدثنا اليسع بن قيس عن الحكم بن عتيبة عن نافع عن بن عمر عن النبي قال : إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل لم يرو هذا الحديث عن اليسع إلا عبد الملك

109 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا وهب بن بيان المصري قال حدثنا يحيى بن سعيد العطار قال حدثنا أبو عمران سعيد بن ميسرة [ ص 41 ] عن أنس بن مالك : أن النبي كان إذا اشتكى تقمح كفا من شونيز ويشرب عليه ماء وعسلا لا يروى هذا الحديث عن النبي إلا بهذا الإسناد

110 - حدثنا أحمد بن يحيى قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا ليث بن سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن سليمان بن يسار عن أبي عبد الله الجندعي عن أبي هريرة عن النبي قال : لا يحل سبق إلا على خف أو حافر لم يروه عن عبد الله الجندعي إلا سليمان بن يسار ولا عن بن يسار إلا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن تفرد بـه الليث عن عبيد الله

111 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثني الليث عن عبد الله بن أبي جعفر عن أبي الأسود عن بكير عن نافع عن بن عمر عن رسول الله قال : إذا قال رجل لآخر يا كافر فقد وجب الكفر على أحدهما لم يروه عن بكير إلا أبو الأسود ولا عن أبي الأسود إلا عبيد الله بن أبي جعفر تفرد بـه الليث

112 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثني الليث عن عبيد الله بن أبي جعفر عن صفوان بن سليم عن فضل قال : سمعت معاوية ومعه قصة من شعر للنساء فقال إن ابنة قرظة أخبرتني أن النساء يلبس هذا وإن من رحمة الله بكم أن علمت ذلك لما عندي من العلم بـه سمعت رسول الله يقول من زاد في شعره شيئا ليس منـه فإنـه يزيد [ ص 42 ] فيه زورا لم يرو هذا الحديث عن صفوان بن سليم إلا عبيد الله بن أبي جعفر تفرد بـه الليث

113 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا مسلم بن خالد الزنجي قال حدثني عبد الرحمن بن عمر عن بن شـهاب عن عروة عن عائشة عن النبي قال : إن الخاصرة عرق الكلية فإذا تحركت آذت صاحبها فداووها بالماء المحرق لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا عبد الرحمن تفرد بـه مسلم

114 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثني عمي عن عمرو بن عثمان قال حدثني أبو مسلم قائد الأعمش عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة أن رسول الله قال لجبريل : هل يصلي ربك قال نعم قلت ما صلاته قال سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي

115 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بن لهيعة عن سليمان بن موسى عن مكحول عن عبد الله بن محيريز عن أبي سعيد الخدري : أن النبي نـهى عن صلاتين صلاة بعد العصر حتى [ ص 43 ] تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس وعن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى وقال لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها وعن اشتمال الصماء وأن يحتبي الرجل في الثوب ليس على فرجه منـه شيء وأن تسافر المرأة بعد يومين إلا ومعها زوج أو ذو محرم وأن يرحل الرجل إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي والمسجد الحرام والمسجد الأقصى لا يروى هذا الحديث عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن لهيعة

116 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا محمد بن يحيى بن إسماعيل الصدفي قال حدثنا عبد الله بن وهب قال حدثني معاوية بن صالح عن عبد الوهاب بن بخت عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله قال : إن الله حرم الخمر وثمنـها وحرم الخنزير وثمنـه وحرم الميتة وثمنـها لم يروه عن أبي الزناد إلا عبد الوهاب بن بخت ولا عن عبد الوهاب إلا معاوية بن صالح تفرد بـه بن وهب

117 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا محمد بن يحيى بن إسماعيل الصدفي قال حدثنا عبد الله بن وهب قال حدثنا جرير بن حازم قال حدثنا أيوب السختياني وعبد الله بن عون وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال : أتى رسول الله خيبر فقيل يا رسول الله أفنيت الحمر فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا طلحة فنادى إن الله ورسوله ينـهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنـها رجس لم يروه عن بن عون إلا جرير تفرد بـه بن وهب

118 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا القاسم بن عمر أبو سلمة البصري قال حدثنا بشر بن إبراهيم الأنصاري عن الأوزاعي عن مكحول عن عروة عن عائشة قالت [ ص 44 ] حدثني معاذ بن جبل أنـه شـهد إملاك رجل من الأنصار مع رسول الله فخطب رسول الله وأنكح الأنصاري وقال : على الألفة والخير والطير الميمون دففوا على رأس صاحبكم فدففوا على رأسه وأقبلت السلال فيها الفاكهة والسكر فنثر عليهم فأمسك القوم فلم ينتهبوا فقال رسول الله ما أزين الحلم ألا تنتهبون فقالوا يا رسول الله إنك نـهيتنا عن النـهبة يوم كذا وكذا فقال إنما نـهيتكم عن نـهبة العساكر ولم أنـهكم عن نـهبة الولائم قال معاذ بن جبل فوالله لقد رأيت رسول الله يحبذنا ونحبذه إلى ذلك النـهب لم يروه عن الأوزاعي إلا بشر بن إبراهيم

119 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن سليمان قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن مجاهد عن بن عباس : أنـه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة ثم قرأ { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت } يقول إذا ذكرت فقيل للأعمش سمعت هذا من مجاهد فقال حدثني بـه الليث عن مجاهد لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا أبو معاوية تفرد بـه يحيى

120 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال [ ص 45 ] حدثني عرابي بن معاوية عن عبد الله بن هبيرة السبئي قال حدثني بلال بن عبد الله بن عمر أن أباه عبد الله بن عمر قال يوما إن رسول الله قال : لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد فقلت أما أنا فسأمنع أهلي فمن شاء فليمنع أهله فالتفت أبي فقال لعنك الله لعنك الله لعنك الله تسمعني أن رسول الله أمر أن لا يمنعن وتقول لأمنعن أهلي ثم بكى وقام مغضبا لم يرو هذا الحديث عن عرابي بن معاوية إلا يحيى بن بكير

121 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال ذكر حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله : يغفر للمؤذن مد صوته لم يرو هذا الحديث عن حفص إلا يحيى الجعفي

122 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا عمرو بن خالد قال حدثنا موسى بن أعين عن مطرف بن طريف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس الله : يتوفى الأنفس حين موتها قال تلتقي أرواح الأحياء والأموات في المنام فيتساءلون بينـهم فيمسك الله أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها لم يروه عن مطرف إلا موسى

123 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يوسف بن عدي قال حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل عن محمود بن لبيد عن بن عباس قال قال رسول الله : الشـهداء على بارق نـهر بباب الجنة [ ص 46 ] في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا لا يروى هذا الحديث عن بن عباس إلا بهذا الإسناد تفرد بـه محمد بن إسحاق

124 - حدثنا أحمد بن يحيى قال حدثنا عمرو بن خالد الحراني قال حدثنا بن لهيعة عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن نافع عن بن عمر قال لزم رجل رجلا بحقه فألح عليه فقال رسول الله : من طلب فليطلب بعفاف واف أو غير واف

125 - حدثنا أحمد بن يحيى قال حدثني مـهدي بن جعفر قال حدثنا ضمرة قال حدثنا عبد الله بن شوذب عن أبي التياح عن أنس بن مالك قال : أتانا النبي ولي أخ صغير فقال أبا عمير ما فعل النغير لم يرو هذا الحديث عن بن شوذب إلا ضمرة

126 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا مـهدي بن جعفر الرملي قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن عنبسة بن سعيد عن الشعبي عن جابر عن رسول الله قال : لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا عنبسة بن سعيد قاضي الري ولا عن عنبسة إلا بن المبارك تفرد بـه مـهدي بن جعفر

127 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بن لهيعة عن عمارة بن غزية عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك : أن رسول الله أمر برأس الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب يوم سابعهما فحلق ثم تصدق بوزنـه فضة ولم يجد ذبحا

128 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بن لهيعة عن عمارة بن غزية عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الشريد رجل من الصدف قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله : قلب الكبير جديد على حب اثنتين حب الحياة وحب المال لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إلا عمارة بن غزية تفرد بـه بن لهيعة

129 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير عن بن لهيعة عن عمارة بن غزية عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله كثيرا ما يدعو بهذه الكلمات اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والبخل والجبن والعجز والكسل ومن ضلع الدين ومن غلبة الرجال

130 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بن لهيعة عن العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة قال سمعت أبي يقول سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله يقول الله تعالى : أنا أغني الشركاء عن الشرك فمن أشرك بي فهو له كله فمن أشرك بي فهو له كله

131 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بن لهيعة عن عمارة بن غزية عن يحيى بن سعيد عن رفاعة بن رافع بن مالك الزرقي قال سمعت أبي يقول : قال جبريل عليه السلام لرسول الله كيف أهل بدر فيكم قال هم أفاضلنا فقال جبريل ومن شـهد من الملائكة بدرا فهم أفاضلنا

132 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال [ ص 48 ] حدثنا بن لهيعة عن عمارة بن غزية عن يحيى بن سعيد عن مجلز مولى الزبير عن أبي هريرة أن النبي قال : إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض

133 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بن لهيعة عن عمارة بن غزية عن يحيى بن عمارة عن أبيه عن عويمر بن أشقر : أنـه ذبح أضحيته فصنع صحفة منـها ثم أتى بها النبي فقال ما هذا قال من أضحيتي فقال متى ذبحتها قال قبل أن أصلي فأمره أن يعيد

134 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بن لهيعة عن عمارة بن غزية عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد المازني عن نبي الله : أنـه حين أمر الناس أن يرفعوا أيديهم في الاستسقاء كانت عليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ ما بأسفلها ليحولها فاستثقلها وغلبته فأخذ بطرفها من على منكبيه فحول الشقين أحدهما على الآخر وجعل ما كان إلى الظهر خارجا لم يرو هذه الأحاديث عن عمارة بن غزية إلا بن لهيعة

135 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي قال حدثنا عمرو بن خالد الحراني ويحيى بن بكير قالا حدثنا عبد الله بن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن بن بريدة [ ص 49 ] عن أبيه قال : كان رسول الله إذا بعث سرية أو جيشا قال اغزوا في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ولا شيخا كبيرا يقول لأميرهم إذا أنت حاصرت حصنا أو أهل قرية فادعهم إلى إحدى ثلاث إلى أن يدخلوا الإسلام أو يعطوا الجزية أو تقاتلهم وإذا أنت حاصرت أهل حصن أو أهل قرية فأرادوا أن ينزلوا على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك وإذا أنت حاصرت أهل حصن أو أهل قرية فأرادوك أن تعطيهم ذمة الله وذمة رسوله فلا تعطهم ذمة الله وذمة رسوله ولكن أعطهم ذمتك وذمم أصحابك فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن أبي هلال إلا خالد بن يزيد تفرد بـه بن لهيعة

136 - حدثنا أحمد بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بن لهيعة عن موسى بن وردان عن أنس بن مالك أن النبي قال : ابتغوا الساعة التي ترجى في الجمعة ما بين صلاة العصر إلى غيبوبة الشمس وهي قدر هذا يعني قبضته لم يرو هذا الحديث عن موسى بن وردان إلا بن لهيعة

137 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثني بن لهيعة قال حدثني عبد العزيز بن عبد الملك بن مليك عن أبيه [ ص 50 ] أنـه سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول : رجم رسول الله يهوديا ويهودية وكنت فيمن رجمـهما لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن الحارث بن جزء إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن لهيعة

138 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثني بن لهيعة قال حدثني عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله : أن النبي نـهى أن ينبذ التمر والزبيب معا والعنب والرطب جميعا لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن دينار إلا بن لهيعة

139 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا هارون بن سعيد الأيلي قال حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن جعفر بن ربيعة عن الأسود بن العلاء عن أبي سلمة عن عائشة قالت : كان رسول الله يصوم شعبان كله إلا أقله لم يرو هذا الحديث عن الأسود بن العلاء الا جعفر بن ربيعة

140 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا هارون بن سعيد الأيلي قال حدثنا بن وهب قال أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه عن عمرو بن سليم الزرقي قال سمعت أبا قتادة الأنصاري يقول : رأيت رسول الله يصلي للناس وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه فإذا سجد وضعها

141 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا أبي قال حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير [ ص 51 ] عن بن عباس قال جاء رجل إلى النبي فقال : إن أبي مات ولم يحج أفأحج عنـه قال لو كان على أبيك دين أكنت قاضية قال نعم قال فدين الله أحق لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عبيد الله بن عمرو

142 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثني عبد الله بن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أنس بن مالك قال : كنا يوما عند النبي فدخلت عليه اليهود فرآهم بيض اللحى فقال ما لكم لا تغيرون فقيل إنـهم يكرهون فقال النبي لكنكم غيروا وإياي والسودا لم يرو هذا الحديث عن سعد بن إسحاق إلا بن لهيعة

143 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا أحمد بن بشير الهمداني قال حدثنا مسعر بن كدام عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه يرفعه قال : لو كان بكاء داود وبكاء جميع أهل الأرض جميعا يعدل ببكاء آدم ما عدله لم يرو هذا الحديث عن مسعر إلا أحمد بن بشير تفرد بـه يحيى بن سليمان

144 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا أبو سعيد التغلبي قال حدثنا عمار بن سيف الضبي عن الأعمش عن حميد بن أبي ثابت عن أبي البختري [ ص 52 ] عن حذيفة قال : قلت للنبي يا رسول الله متى نترك الأمر بالمعروف والنـهي عن المنكر وهما سيدا أعمال أهل البر قال إذا أصابكم ما أصاب بني إسرائيل قلت يا رسول الله وما أصاب بني إسرائيل قال إذا داهن خياركم فجاركم وصار الفقه في شراركم وصار الملك في صغاركم فعند ذلك تلبسكم فتنة تكرون ويكر عليكم لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عمار بن سيف ولا عن عمار إلا أبو سعيد التغلبي تفرد بـه يحيى بن سليمان الجعفي

145 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي أنـه سمع سلام بن سلم يذكر عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن حذيفة بن اليمان قال : جاء جبريل إلى النبي فقال يا محمد ما بعثت إلى نبي قط أحب ألي منك ألا أعلمك أسماء من أسماء الله هن من أحب أسمائه إليه أن يدعى بهن قل يا نور السماوات والأرض يا زين السماوات والأرض يا جبار السماوات والأرض يا عماد السماوات والأرض يا بديع السماوات والأرض يا تاج السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا صريخ المستصرخين ويا غياث المستغيثين ومنتهى العابدين المفرج عن المكروبين المروح عن المغمومين ومجيب دعاء المضطرين وكاشف الكرب ويا إله العالمين ويا أرحم الراحمين تزول بك كل حاجة لم يرو هذا الحديث عن منصور إلا سلام بن سلم تفرد بـه المحاربي

146 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا الحكم بن ظهير عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة [ ص 53 ] عن أبيه قال شكا خالد بن الوليد إلى رسول الله الأرق من الليل فقال له رسول الله : إذا أويت إلى فراشك فقل اللهم رب السماوات السبع وما أظلت ورب الأرضين السبع وما أقلت ورب الرياح وما أذرت كن لي جارا من شر خلقك لم يرو هذا الحديث عن علقمة إلا الحكم بن ظهير

147 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا محمد بن سفيان الحضرمي قال حدثنا مسلمة بن علي عن زيد بن واقد وهشام بن الغاز عن مكحول عن جبير بن نفير عن عبادة بن الصامت أن رسول الله قال : ما على الأرض من رجل مسلم يدعو الله بدعوة إلا أتاه الله إياها أو كف عنـه من الشر مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يعجل قالوا يا رسول الله وما استعجاله قال يقول قد دعوت ودعوت فلم يستجب لي فقال رجل من القوم إذا نكثر يا رسول الله فقال الله أكثر

148 - وعن زيد بن واقد وهشام بن الغاز عن مكحول عن عبد الرحمن بن سلامة عن أبي رهم السباعي عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله قال : إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاها أهل الرحمة من عباد الله كما تلقون البشير من أهل الدنيا فيقولون انظروا صاحبكم يستريح فإنـه في كرب شديد ثم يسألونـه ما فعل فلان وماذا فعلت فلانة هل تزوجت فإذا سألوه عن الرجل قد مات قبله فيقول هيهات قد مات ذاك قبلي فيقولون إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب بـه إلى أمـه الهاوية بئست الأم [ ص 54 ] وبئست المربية وقال إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من أهل الآخرة فإن كان خيرا فرحوا واستبشروا وقالوا اللهم هذا فضلك ورحمتك فأتمم نعمتك عليه وأمته عليها ويعرض عليهم عمل المسيء فيقولون اللهم ألهمـه عملا صالحا ترضى بـه وتقربه إليك لم يرو هذين الحديثين عن مكحول إلا زيد بن واقد وهشام بن الغاز تفرد بهما مسلمة بن علي

149 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا محمد بن سفيان الحضرمي قال حدثنا مسلمة بن علي عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي قال قال الله تبارك وتعالى : أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا لم يرو هذا الحديث عن الزبيدي إلا مسلمة بن علي

150 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي قال حدثنا موسى بن أبي سهل المصري قال حدثنا علي بن عاصم عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله قال : من تمام الصلاة الصلاة في النعلين لم يرو هذا الحديث عن مغيرة إلا علي بن عاصم تفرد بـه موسى بن أبي سهل

151 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا موسى بن أبي سهل [ ص 55 ] المصري قال حدثنا بن أبي بكير الكرماني قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس قال : طلق النبي حفصة فاغتم الناس من ذلك ودخل عليها ا عثمان بن مظعون وأخوه قدامة فبينما هما عندها وهم مغتمون إذ دخل النبي على حفصة فقال يا حفصة أتاني جبريل آنفا فقال إن الله يقرئك السلام ويقول لك راجع حفصة فإنـها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة لم يرو هذا الحديث عن شعبة إلا يحيى بن بكير تفرد بـه موسى بن أبي سهل

152 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا محمد بن سفيان الحضرمي قال حدثنا مسلمة بن علي عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر عن أبي هريرة عن النبي قال : ثلاث لا يعاد صاحبهن الرمد وصاحب الضرس وصاحب الدمل لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا مسلمة بن علي

153 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يوسف بن عدي الكوفي قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد قال حدثني أخي أبو علي بن يزيد عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي قرأ : العين بالعين والأنف بالأنف لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا أبو علي بن يزيد ولا عن أبي علي إلا يونس تفرد بـه بن المبارك

154 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا يوسف بن عدي [ ص 56 ] قال حدثنا بن المبارك عن معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده : أن النبي حبس رجلا في تهمة فكلم فيه فخلى سبيله لم يرو هذا الحديث عن بهز إلا معمر

155 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن نجيح قال أخبرني أبي قال حدثنا بن لهيعة عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله : من أنعم الله عليه بنعمة فأراد بقاءها فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قرأ رسول الله ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يرو هذا الحديث عن بن لهيعة إلا خالد بن نجيح

156 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي قال حدثنا أبي قال حدثنا إسماعيل بن علية عن يونس عن الحسن عن أبي هريرة قال قال رسول الله : أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة لم يرو هذا الحديث عن يونس إلا بن علية تفرد بـه يحيى بن خالد بن حيان

157 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا محمد بن سفيان الحضرمي قال حدثنا بن لهيعة عن أبي زرعة عمرو بن جابر عن عمر بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب أنـه قال للنبي : أمنا المـهدي أم من غيرنا يا رسول الله قال بل منا بنا يختم الله كما بنا فتح وبنا يستنقذون من الشرك وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة بينة كما بنا ألف بين قلوبهم بعد [ ص 57 ] عداوة الشرك قال علي أمؤمنون أم كافرون فقال مفتون وكافر لم يرو هذا الحديث عن أبي زرعة عمرو بن جابر إلا بن لهيعة تفرد بـه محمد بن سفيان

158 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر عن حميد الطويل عن أنس بن مالك عن عبد الله بن سلام عن رسول الله : أنـه سئل عن أول أشراط الساعة فقال النبي إن أول أشراط الساعة نار تخرج من المشرق وتحشرهم إلى المغرب لم يرو هذا الحديث عن حميد إلا أبو خالد الأحمر

159 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا حامد بن يحيى البلخي قال حدثنا جرير بن عبد الحميد عن رجل وهو عمر بن هارون البلخي عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت أن رسول الله قال : من صلى ليلة الفطر والأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب لم يرو هذا الحديث عن ثور إلا عمر بن هارون تفرد بـه جرير

160 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا عبدوس بن محمد المصري قال حدثنا منصور بن عمار عن بن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله قال : شعار أمتي إذا حملوا على الصراط يا لا إله إلا أنت

161 - حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي قال وجدت في كتاب أبي يحيى بن خالد بن حيان قال حدثنا إبراهيم بن أبي حية قال حدثنا بن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله قال : أن الله يحب من يحب التمر لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو إلا بهذا الإسناد تفرد بـه يحيى بن خالد بن حيان

162 - حدثنا أحمد بن إسحاق بن واضح العسال المصري قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا محمد بن جعفر بن أبي بشر عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن عامر الشعبي قال : سألت عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر كيف كانت صلاة رسول الله بالليل فقالا ثلاث عشرة ثمان ويوتر بثلاث وركعتين بعد الفجر جوده موسى بن عقبة فرواه متصلا عن بن عمر وبن عباس ورواه شريك عن أبي إسحاق فلم يصله حدثنا محمد بن النضر الأزدي قال حدثنا شـهاب بن عباد العبدي قال حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن عامر الشعبي * قال قدمت المدينة فسألت عن صلاة رسول الله بالليل فأجمعوا على ثلاث عشرة منـها الوتر وركعتين قبل الفجر

163 - حدثنا أحمد بن إسحاق بن واضح قال حدثنا حامد بن يحيى البلخي قال حدثنا حفص بن سلم قال حدثنا مسعر عن أبي العنبس عن القاسم بن محمد [ ص 59 ] عن عائشة قالت : كنت أحت المني من ثوب رسول الله هكذا رواه مسعر عن أبي العنبس عن القاسم عن عائشة ولا نعلم رواه عن مسعر إلا حفص بن سلم ورواه أبو نعيم عن أبي العنبس فخالف مسعرا في إسناده حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا أبو العنبس سعيد بن كثير قال حدثني أبي قال قالت عائشة * إن كنت لأحت المني وقالت بإصبعها هكذا في راحتها يعني من ثوب النبي

164 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال : آخى رسول الله بين قريش والأنصار فآخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف فقال له سعد إن لي مالا فهو بيني وبينك شطرين ولي امرأتان فانظر أيهما أحب إليك فأنا أطلقها فإذا حلت فتزوجها فقال بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق فلم يرجع حتى رجع بتمر وأقط قد أفضله ورأى رسول الله علي أثر صفرة فقال مـهيم فقلت تزوجت أمرأة من الأنصار فقال ما سقت إليها قلت وزن نواة من ذهب قال أولم ولو بشاة

165 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن حميد عن أنس قال : أكلت لرسول الله وليمة ليس فيها خبز ولا لحم قلت [ ص 60 ] أي شيء هو يا أبا حمزة قال تمر وسويق لم يرو هذين الحديثين عن يحيى بن سعيد إلا سليمان بن بلال

166 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن بن شـهاب عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله يقول : توضئوا مما مست النار

167 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن بن شـهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه و سلم قالت : سمعت رسول الله يأمر بالوضوء مما مست النار قال الزهري أبو سفيان بن أخت أم حبيبة لم يرو هذين الحديثين عن بكر بن سوادة إلا جعفر بن ربيعة

168 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن عائشة وأم سلمة : أن رسول الله كان يصبح جنبا ثم يصوم لم يرو هذا الحديث عن عراك بن مالك إلا جعفر بن ربيعة

169 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بكر بن مضر عن خالد بن يزيد عن أبي الزبير عن عبد الله بن أبي سلمة عن عائشة : أن النبي كان يصبح جنبا من نسائه ثم يصبح صائما ذلك اليوم لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن أبي سلمة إلا أبو الزبير ولا عن أبي الزبير [ ص 61 ] إلا خالد بن يزيد تفرد بـه بكر بن مضر

170 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن صالح بن عطاء بن خباب مولى بن أبي دياب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله عن النبي قال : أنا قائد المرسلين ولا فخر وأنا خاتم النبيين ولا فخر وأنا أول شافع ومشفع ولا فخر لم يرو هذا الحديث عن عطاء إلا صالح بن عطاء ولا عن صالح إلا جعفر بن ربيعة تفرد بـه بكر بن مضر

171 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا زهير بن عباد الرؤاسي قال حدثنا عبد الله بن محمد التميمي عن يوسف بن زياد عن نوح بن ذكوان قال حدثني عطاء بن أبي رباح قال حدثني نافع عن بن عمر عن النبي قال : الصلاة في المسجد الجامع تعدل الفريضة حجة مبرورة والنافلة كحجة متقبلة وفضلت الصلاة في المسجد الجامع على ما سواه من المساجد بخمسمائة صلاة لا يروى هذا الحديث عن نافع إلا عطاء ولا عن عطاء إلا نوح بن ذكوان تفرد بـه زهير بن عباد

172 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا بن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر عن أبي قتادة أنـه : رأى رسول الله يبول مستقبل القبلة لا يروى عن أبي قتادة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن لهيعة

173 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا بن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو : أن رسول الله استعاذ من سبع موتات من موت الفجأة ومن لدغ الحية ومن أكل السبع ومن الغرق ومن الحرق ومن أن يخر على شيء أو يخر عليه شيء ومن القتل عند فرار الزحف

174 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا بن لهيعة عن أبي قبيل قال وحدثني أبو عبد الرحمن الحبلي أنـه سمع ثوبان مولى رسول الله يقول قال رسول الله : ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } الآية

175 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا بن لهيعة قال حدثني عبد ربه بن سعيد عن يونس بن خباب عن شقيق الأزدي عن علي بن ربيعة قال : أردفني علي بن أبي طالب خلفه على بغلة فلما وضع رجله في الركاب قال بسم الله فلما استوى قال الحمد لله فلما تم قال الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم حمد الله ثلاث مرات ثم كبر ثلاثا ثم قال اللهم اغفر لي ذنبي إنـه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقلت له مم تضحك قال كنت رديف رسول الله فقال مثل ذلك ثم ضحك فقلت يا رسول الله مم ضحكت قال ضحكت لعجب الله للعبد يقول اللهم اغفر لي ذنبي إنـه لا يغفر الذنوب إلآ أنت يقول الله علم أنـه لا يغفر الذنوب غيري لم يرو هذا الحديث عن شقيق الأزدي وهو شقيق بن أبي عبد الله إلا [ ص 63 ] يونس بن خباب ولا عن يونس إلا عبد ربه بن سعيد تفرد بـه بن لهيعة

176 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن أبي المنيب عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله قال : إذا أتى أحدكم أهله فليستتر فإنـه إذا لم يستتر استحيت الملائكة وخرجت وحضره الشيطان فإذا كان بينـهما ولد كان الشيطان فيه شريك لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلا أبو المنيب الجرشي ولا عن أبي المنيب إلا عبيد الله بن زحر تفرد بـه يحيى بن أيوب

177 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله قال : إن الله عز و جل يقول إذا أذهبت حبيبتي عبدي فصبر واحتسب أثبته بهما الجنة

178 - وعن أبي هريرة قال قال رسول الله : من فرج عن مسلم كربة في الدنيا فرج الله عنـه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر عورة مسلم ستر الله عورته يوم القيامة ومن يسر على مسلم يسر الله عليه يوم القيامة والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه لم يرو هذين الحديثين عن عبيد الله بن زحر إلا يحيى بن أيوب تفرد بهما سعيد بن أبي مريم

179 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا بن أبي أيوب قال حدثني عبد الله بن سليمان عن دراج أبي السمح عن [ ص 64 ] أبي الهيثم عن بن حجيرة عن أبي هريرة عن رسول الله قال : مثل بلال كمثل نحلة غدت تأكل من الحلو والمر ثم هو حلو كله لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه يحيى بن أيوب

180 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا يحيى بن أيوب عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري عن أسيد بن حضير : أنـه بينما هو يقرأ سورة البقرة وفرسه مربوط فجال الفرس في طوله فرفع رأسه فإذا مثل القنديل مدلى بين السماء والأرض فغدا على رسول الله فأخبره فقال رسول الله اقرأ يا أسيد بن حضير هل تدري ما هي قال لا قال تلك السكينة دنت لصوتك ولو قرأت أصبح الناس ينظرون إليها لا يروى هذا الحديث عن أبي سعيد عن أسيد بن حضير إلا بهذا الإسناد تفرد بـه يحيى بن أيوب

181 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن محمد بن أبي أيوب المخزومي قال حدثني أبو علقمة مولى لبني هاشم عن عبد الله بن عمر قال : خرج علينا رسول الله ونحن نصلي بعد الفجر فقال لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين [ ص 65 ] لم يرو هذا الحديث عن محمد بن أبي أيوب إلا عبيد الله بن زحر تفرد بـه يحيى بن أيوب

182 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب قال حدثني عياش بن عباس القتباني قال حدثني أبو النضر عن عامر بن سعد أن أسامة بن زيد أخبر والده سعدا أن رجلا جاء إلى رسول الله فقال : إني أعزل عن امرأتي قال لم قال شفقا على الولد فقال رسول الله إن كان لذاك فلا ما كان ذلك ضارا فارس والروم لا يروى هذا الحديث عن أسامة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه أبو النضر

183 - حدثنا أحمد بن حماد قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا يحيى بن أيوب قال حدثني ثور بن زيد الديلمي عن أبي الزبير قال سئل جابر بن عبد الله عن العزل فقال : كنا نفعله على عهد رسول الله فلا يعاب علينا لم يرو هذا الحديث عن ثور بن زيد إلا يحيى بن أيوب

184 - حدثنا أحمد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن أبي عبيدة بن الجراح قال قال رسول الله : ما من الصلاة صلاة أفضل من صلاة الفجر يوم الجمعة في الجماعة وما أحسب شـهدها منكم إلا مغفور له لا يروى هذا الحديث عن أبي عبيدة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه يحيى بن [ ص 66 ] أيوب

185 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب عن عمرو بن الحارث أن أبا عشانة حدثه عن عقبة بن عامر الجهني عن رسول الله قال : من توضأ فأحسن الوضوء ثم جمع عليه ثيابه ثم خرج إلى المسجد كتب له بكل خطوة عشر حسنات ولم يزل في صلاة ما كان ينتظر الصلاة وكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع لا يروى هذا الحديث عن عقبة بن عامر إلا بهذا الإسناد تفرد بـه عمرو بن الحارث

186 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن بن عمر قال قال رسول الله : قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن وكان يقرأ بهما في ركعتي الفجر وقال هاتان الركعتان فيهما رغب الدهر لم يرو أول هذا الحديث في قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون عن ليث إلا عبيد الله بن زحر تفرد بـه يحيى بن أيوب

187 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر : أن النبي أمر من كل حائط بقناء للمسجد [ ص 67 ] لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر إلا الدراوردي

188 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا بن لهيعة عن سعيد بن موسى بن وردان عن أبيه موسى بن وردان عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله قالا قال رسول الله : علي بن أبي طالب صاحب حوضي يوم القيامة فيه أكواب كعدد النجوم وسعة حوضي ما بين الجابية إلى صنعاء لم يرو هذا الحديث عن موسى بن وردان إلا ابنـه سعيد ولا عن سعيد إلا بن لهيعة تفرد بـه روح بن صلاح

189 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أنس بن مالك قال : لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي دخل عليها رسول الله فجلس عند رأسها فقال رحمك الله يا أمي كنت أمي بعد أمي تجوعين وتشبعيني وتعرين وتكسونني وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعميني تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة ثم أمر أن تغسل ثلاثا وثلاثا فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه عليها رسول الله بيده ثم خلع رسول الله قميصه فألبسها إياه وكفنت فوقه ثم دعا رسول الله أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاما أسود ليحفروا فحفروا قبرها فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله بيده وأخرج ترابه بيده فلما فرغ دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم فاضطجع فيه وقال الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنـها حجتها ووسع [ ص 68 ] عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين ثم كبر عليها أربعا ثم أدخلوها القبر هو والعباس وأبو بكر الصديق رضي الله عنـهم لم يرو هذا الحديث عن عاصم الأحول إلا سفيان الثوري تفرد بـه روح بن صلاح

190 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا يحيى بن أيوب قال حدثني محمد بن عجلان قال حدثني القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله : أنـه سئل عن ضالة الغنم فقال هي لك أو لأخيك أو للذئب وسئل عن ضالة الإبل فقال مالك ولها عليها سقاؤها وحذاؤها دعها حتى يأتيها ربها لم يرو هذا الحديث عن بن عجلان إلا يحيى بن أيوب

191 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا يحيى بن راشد البراء قال حدثنا هشام بن حسان الفردوسي عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله قال : من أكل من هذه الخضروات فلا يقربن مسجدنا الثوم والكراث والبصل والفجل فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منـه بنو آدم لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا يحيى بن راشد تفرد بـه سعيد بن عفير

192 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي قال حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله قال : يأتي الرجل العظيم السمين يوم [ ص 69 ] القيامة لا يزن جناح بعوضة ثم قال اقرؤوا فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا لم يرو هذا الحديث عن أبي الزناد إلا المغيرة بن عبد الرحمن تفرد بـه سعيد بن أبي مريم

193 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا عبد الله بن المنيب المدني قال أخبرني أبي عن عبد الله بن عطية بن عبد الله بن أنيس أخبرنا أبو أمامة بن ثعلبة أن رسول الله قال : من تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منـه صرفا ولا عدلا ومن أحدث في مدينتي هذه حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منـه صرف ولا عدل لا يروى هذا الحديث عن أبي أمامة بن ثعلبة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه عبد الله بن المنيب

194 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا بن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله قال : من قال حين ينادي المنادي بالصلاة اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة صل على محمد وارض عني رضاء لا سخط بعده استجاب الله عز و جل له لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا بن لهيعة ولا يروى عن جابر إلا بهذا الإسناد

195 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا خنيس بن عامر عن أبي قبيل عن جنادة بن أبي أمية عن معاذ بن جبل عن رسول الله قال : إن الدجال أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه الكاتب وغير الكاتب من المؤمنين معه جنة ونار فناره جنة وجنته نار لا يروى هذا الحديث عن معاذ إلا بهذا الإسناد تفرد بـه يحيى بن بكير

196 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا بن لهيعة ويحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه قال : كنا نعد الرياء على عهد رسول الله الشرك الأكبر لم يرو هذا الحديث عن يعلى بن شداد إلا عمارة بن غزية تفرد بـه بن لهيعة ويحيى بن أيوب

197 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب قال حدثني عمارة بن غزية قال سمعت أبا النضر يقول سمعت عروة بن الزبير يقول قالت عائشة : فقدت رسول الله ليلة وكان معي على فراشي فوجدته ساجدا مستقبلا بأطراف أصابعه القبلة فسمعته يقول أعوذ برضاك من سخطك وبمغفرتك من عقوبتك وبك منك أثني عليك لا ابلغ كل ما فيك فلما انصرف قال يا عائشة أخذك شيطانك فقلت أما لك شيطان قال ما من آدمي إلا وله شيطان قلت وأنت يا رسول الله قال وأنا ولكن دعوت الله فأعانني عليه فأسلم لم يرو هذا الحديث عن أبي النضر سالم إلا عمارة بن غزية تفرد [ ص 71 ] بـه يحيى بن أيوب

198 - حدثنا أحمد بن حماد بن زغبة قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب قال حدثني عبد الله بن قريظ أن عطاء بن يسار حدثه أنـه سمع أبا سعيد الخدري يحدث أنـه سمع رسول الله يقول : الصلوات الخمس كفارة ما بينـهما وقال رسول الله أرأيتم لو أن رجلا كان له معتمل بين منزله ومعتمله خمسة أنـهار إذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله وأصابه الوسخ أو العرق فكلما مر بنـهر اغتسل ما كان ذلك يبقى من درنـه وكذلك الصلوات كلما عمل خطيئة أو ما شاء الله ثم صلى ودعا واستغفر غفر له ما كان قبله لا يروى هذا الحديث عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد تفرد بـه يحيى بن أيوب أحمد بن المعلى الدمشقي

199 - حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي قال حدثنا عبد الله بن يزيد بن راشد المقرئ الدمشقي قال حدثنا صدقة بن عبد الله عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب قال : نـهى رسول الله أن يبيع المـهاجر للأعرابي لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا سعيد بن أبي عروبة تفرد بـه صدقة بن عبد الله

200 - حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي القاضي قال حدثنا عبد الله بن يزيد بن راشد المقرئ الدمشقي قال حدثنا صدقة بن عبد الله عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله قال : أعددت [ ص 72 ] لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر

201 - حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا عبد الله بن يزيد البكري عن بن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن بن عباس قال قال رسول الله : أول من غير دين إبراهيم عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبو خزاعة لم يرو هذا الحديث عن صالح مولى التوأمة إلا بن أبي ذئب ولا عن بن أبي ذئب إلا عبد الله بن يزيد البكري تفرد بـه هشام بن عمار

202 - حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد المصري قال حدثنا إبراهيم بن حماد بن أبي حازم المديني قال حدثنا مالك بن أنس عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله : خمسة لا جمعة عليهم المرأة والمسافر والعبد والصبي وأهل البادية لم يرو هذا الحديث عن مالك إلا إبراهيم بن حماد بن أبي حازم

203 - حدثنا أحمد بن محمد بن رشدين قال حدثنا إبراهيم بن حماد بن أبي حازم قال حدثنا عمران بن محمد بن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال : إن لله عز و جل حرمات ثلاثا من حفظهن حفظ الله له أمر دينـه ودنياه ومن ضيعهن لم يحفظ الله له شيئا فقيل وما هن يا رسول الله قال حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي لم يرو هذا الحديث عن عمران بن محمد بن سعيد بن المسيب غير إبراهيم بن حماد ولا نعلم لعمران بن محمد بن سعيد بن المسيب حديثا مسندا غير هذا

204 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن صالح قال قرأت على عبد الله بن نافع قال حدثني مالك بن أنس عن المقبري عن أبي هريرة عن النبي قال : لا عدوى ولا هام ولا صفر ولا يحل الممرض على المصح لم يرو هذا الحديث عن مالك إلا بن نافع تفرد بـه أحمد بن صالح

205 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد المنعم بن بشير قال حدثني بن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة أن رسول الله قال البربري : لا يجاوز إيمانـه تراقيه لم يرو هذا الحديث عن بن أبي ذئب إلا عبد المنعم

206 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال حدثنا عبد الله بن وهب قال حدثنا الليث بن سعد قال حدثني موسى بن علي بن رباح عن أبيه قال قال المستورد الفهري سمعت رسول الله يقول : وذكر قريشا فقال إن فيهم لخصالا أربعة إنـهم أصلح الناس عند فتنة وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة وأوشكهم كرة بعد فرة وخيرهم لمسكين ويتيم وأمنعهم من ظلم الملوك لم يرو هذا الحديث عن الليث إلا بن وهب تفرد بـه عبد الملك بن شعيب بن الليث

207 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال حدثني أبي شعيب قال حدثنا الليث بن سعد قال حدثني شعيب بن إسحاق [ ص 74 ] القرشي من أهل دمشق عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وسعيد بن أبي عروبة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله أنـه كان يقول : لا تتقدموا الشـهر بيوم أو اثنين إلا رجلا كان يصوم صياما فليصمـه لم يرو هذا الحديث عن الليث إلا ابنـه شعيب

208 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الملك بن شعيب قال حدثنا بن وهب قال أخبرني الليث قال قال يحيى بن سعيد الأنصاري زعم بن جريج أن عطاء بن أبي رباح حدثه : أن رجلا أتى بن عباس فقال إني نذرت لأنحرن نفسي فقال بن عباس لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ثم تلا وفديناه بذبح عظيم بكبش فذبحه لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إلا الليث ولا عن الليث إلا بن وهب تفرد بـه عبد الملك بن شعيب

209 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا محمد بن منصور الجواز المكي قال حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد القارئ قال حدثنا موسى بن عقبة عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن مروان بن الحكم عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث عن كعب بن مالك أن رسول الله قال : لكأنما تنضحونـهم بالنبل مما تقولون لهم من الشعر يعني من هجاء المشركين لم يرو هذا الحديث عن موسى بن عقبة إلا محمد بن عبد الله تفرد بـه يعقوب الزهري

210 - حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين قال حدثني أبي عن أبيه عن جده رشدين عن يونس بن يزيد عن محمد بن إسحاق عن عمارة بن عبد الله بن طعمة عن سعيد بن المسيب قال حدثني زيد بن خالد الجهني : أن رسول الله قسم في أصحابه ضحايا فأعطاني عتودا فوجدته جذعا فرجعت إليه فقلت يا رسول الله هو جذع قال ضح به

211 - وعن يونس عن محمد بن إسحاق عن محمد بن مسلم بن شـهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس : أن سعد بن عبادة سأل رسول الله عن نذر كان على أمـه فقال اقضه عنـها

212 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا زكريا بن يحيى كاتب العمري قال حدثنا رشدين بن سعد عن يونس بن يزيد عن محمد بن إسحاق عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن أبي بن كعب قال : وجدت مائة دينار في عهد رسول الله فذكر الحديث

213 - وعن يونس عن محمد بن إسحاق عن محمد بن مسلم بن شـهاب عن سهل بن سعد الساعدي قال اطلع على رسول الله رجل من ستر له وفي يد رسول الله مدرى فقال رسول الله : لو أعلم أنـه ينظرني لفقأت عينـه

214 - وعن يونس عن محمد بن إسحاق عن خالد بن كثير الهمداني عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه و أنـهما : خرجا مع رسول الله في غزوة تبوك فعض رجل رجلا فانتزع يده من فمـه فانتزع ثنيته فجاء إلى النبي يطلب القصاص [ ص 76 ] فقال النبي أفكان يدع يده في فيك تقضمـها كما يقضم الفحل فأطلها رسول الله

215 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يسار عن عائشة قالت : ما رأيت رسول الله ضاحكا حتى أرى منـه لهواته إنما كان يبتسم وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه لم يرو هذا الحديث عن أبي النضر إلا عمرو بن الحارث تفرد بـه بن وهب

216 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثني عذرة بن مصعب بن الزبير قال حدثني أبي مصعب بن الزبير قال حدثنا أبو النضر عن عطاء بن خليفة عن أبي هريرة عن رسول الله قال : المقتول في سبيل الله شـهيد والغريق في سبيل الله شـهيد والمبطون في سبيل الله شـهيد لم يرو هذا الحديث عن عطاء بن خليفة إلا أبو النضر

217 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا حرملة بن يحيى قال حدثنا عبد الله بن وهب قال حدثني بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي النضر عن عبد الله بن حنين عن بن عمر قال سمعت عمر يقول قال رسول الله : الورق بالورق مثلا بمثل لا زيادة فيه لم يرو هذا الحديث عن أبي النضر إلا يزيد بن أبي حبيب تفرد بـه بن لهيعة

218 - حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين قال حدثني أبي عن أبيه قال حدثنا بن لهيعة عن عمر بن السائب عن عبد الجبار عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال علمني أبي كلمات زعم أن عمر بن الخطاب علمـه إياهن وزعم عمر : أن رسول الله علمـه إياهن التحيات الصلوات الطيبات [ ص 77 ] المباركات لله السلام على النبي ورحمة الله وبركاته والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشـهد أن لا إله إلا الله وأشـهد أن محمدا عبده ورسوله لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عمر إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن لهيعة

219 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني قال حدثنا حيان بن عبيد الله قال حدثنا أبو مجلز لاحق بن حميد عن بن عباس قال : كانت راية رسول الله سوداء ولواؤه أبيض مكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله لا يروى هذا الحديث عن بن عباس إلا بهذا الإسناد تفرد بـه حيان بن عبيد الله

220 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني قال حدثنا بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله : إذا باع أحدكم سلعة فلا يكتم عيبا إن كان بها لم يرو هذا الحديث عن يزيد بن أبي حبيب إلا بن لهيعة ولا يروى عن عقبة إلا بهذا الإسناد

221 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن صالح مولى التوأمة [ ص 78 ] عن أبي هريرة قال : كأني أبصر ببياض إبطي رسول الله إذا سجد لم يرو هذا الحديث عن صالح مولى التوأمة إلا سعيد بن أبي أيوب تفرد بـه روح بن صلاح وقال

222 - حدثنا بن أبي أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن عمير مولى بن عباس عن بن الحارث بن الصمة عن أبيه قال : لقيت رسول الله وقد خرج من الغائط فسلمت عليه فلم يرد علي حتى وضع يده على جدار فمسح وجهه ويده ثم سلم علي لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن أبي جعفر إلا سعيد بن أبي أيوب تفرد بـه روح بن صلاح

223 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا إبراهيم بن سويد المدني قال حدثني يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة قال أخبرني سلمة بن الأكوع : أنـهم يوم افتتحوا خيبر رأى رسول الله نيرانا تتوقد فقال رسول الله ما هذه النيران قالوا على لحوم الحمر الأنسية فقال رسول الله أهريقوا ما فيها وكسروها يعني القدور فقال رجل من القوم أو نغسلها يا رسول الله فقال أو ذاك

224 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن يزيد بن إسماعيل الصدفي قال حدثنا ضمام بن إسماعيل عن واهب بن عبد الله المعافري عن أبي هريرة : أن رسول الله كان يسجد في إذا السماء انشقت وفي اقرأ باسم ربك لم يرو هذا الحديث عن واهب بن عبد الله الا ضمام تفرد بـه يحيى بن يزيد الصدفي

225 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا عطاف بن [ ص 79 ] خالد المخزومي قال حدثني أمية بن محمد بن عبد الله بن مطيع عن بن عمر قال سمعت رسول الله يقول : من مات ولا بيعة عليه مات ميتة جاهلية لم يرو هذا الحديث عن أمية بن محمد إلا عطاف بن خالد تفرد بـه يحيى بن بكير

226 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا محمد بن سفيان الحضرمي قال حدثنا بكر بن مضر عن حمزة النصيبي عن عمرو بن دينار عن طاوس عن أبي هريرة عن النبي قال : من قتل في عمية رميا يكون بينـهم بحجر أو عصا أو سوط فهو خطأ عقله عقل خطأ ومن قتل عمدا فهو قود من حال دونـه فعليه لعنة الله وغضبه لا يقبل منـه صرف ولا عدل لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن دينار عن طاوس عن أبي هريرة إلا حمزة النصيبي ورواه غيره عن عمرو عن طاوس عن بن عباس

227 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد المنعم بن بشر الأنصاري قال حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال قال لي رسول الله : يا أبا هريرة لا تدخلن على أمير فإن غلبت على أمرك فلا تجاوز سنتي ولا تخافن سيفه وسيفه أن تأمرهم بتقوى الله وطاعته لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلا ابنـه عبد الرحمن تفرد بـه عبد المنعم بن بشير

228 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أبو صالح عبد الغفار بن داود الحراني قال حدثنا بن لهيعة عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن سعد ال أخبره عن عمر بن أبي سلمة أنـه قرب إلى رسول الله طعاما فقال لأصحابه : اذكروا اسم الله وليأكل كل امرئ مما يليه لم يرو هذا الحديث عن عبد الرحمن بن سعد إلا أبو الأسود تفرد بـه بن لهيعة

229 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا زيد بن بشر الحضرمي قال حدثنا شبيب بن سعيد عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : مر رسول الله على عبد الله بن أبي بن سلول وهو في ظل فقال قد غبر علينا بن أبي كبشة فقال ابنـه عبد الله بن عبد الله والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لئن شئت لآتينك برأسه فقال رسول الله لا ولكن بر أباك وأحسن صحبته لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو إلا شبيب بن سعيد تفرد بـه زيد بن بشر

230 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا محمد بن رمح قال حدثنا بن لهيعة عن عقيل بن خالد أنـه سمع نافعا يحدث عن بن عمر أن رسول الله قال : مالك من ميراث قسم في الجاهلية فهو على قسمته وما كان من ميراث أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام [ ص 81 ] لم يرو هذا الحديث عن نافع إلا عقيل ولا عن عقيل إلا بن لهيعة تفرد بـه محمد بن رمح

231 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا موسى بن علي عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله : إنما الحسد في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فقام بـه فأحل حلاله وحرم حرامـه ورجل آتاه الله مالا فوصل منـه أقاربه ورحمـه وعمل بطاعة الله فيه

232 - وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله : أتدرون من المسلم قالوا الله ورسوله أعلم قال من سلم المسلمون من لسانـه ويده قالوا فمن المؤمن قال من أمنـه الناس على أنفسهم وأموالهم قالوا فمن المـهاجر قال من هجر السوء فاجتنبه لم يرو هذين الحديثين عن موسى بن علي إلا روح بن صلاح

233 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا عبد الله بن وهب عن سعيد بن أبي أيوب قال حدثني زهرة بن معبد القرشي : أنـه كان يخرج مع جده عبد الله بن هشام إلى السوق ليشتري الطعام فيلقاه عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير فيقولان أشركنا فإن رسول الله قد دعا لك بالبركة لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن عمر وبن الزبير إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن وهب

234 - حدثنا أحمد بن رشدين المصري قال حدثنا محمد بن زياد العامري قال حدثنا رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن أيوب بن موسى عن الزهري عن سليمان بن يسار عن بن عباس عن النبي : أن امرأة من خثعم استفتته في حجة الوداع [ ص 82 ] فقالت يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي مسنا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي عنـه أن أحج عنـه فقال لها النبي نعم

235 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا هانئ بن المتوكل قال حدثنا معاوية بن صالح عن جعفر بن محمد عن عكرمة عن بن عباس قال قال رسول الله : من قال جزى الله عنا محمدا بما هو أهله أتعب سبعين كاتبا ألف صباح لم يرو هذا الحديث عن عكرمة إلا جعفر بن محمد ولا عن جعفر بن محمد إلا معاوية بن صالح تفرد بـه هانئ بن المتوكل

236 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال حدثنا حفص بن غياث قال سمعت مسعر بن كدام والعوام بن حوشب كليهما حدث عن إبراهيم السكسكي عن أبي بردة عن أبي موسى أن رسول الله قال : من مرض أو سافر كان له من الأجر مثل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم لم يرو هذا الحديث عن مسعر إلا حفص بن غياث تفرد بـه أحمد بن أبي الحواري

237 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن سليمان قال حدثنا أحمد بن بشير الهمداني عن مسعر عن إبراهيم بن المنتشر عن أبيه عن عائشة قال : طيبت رسول الله بيدي فطاف على نسائه ثم أصبح محرما

238 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يوسف بن عدي الكوفي قال حدثنا عبد الله بن بكير الغنوي عن حماد بن أبي سليمان عن بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله : كنت نـهيتكم عن ثلاث عن زيارة [ ص 83 ] القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا ونـهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا ونـهيتكم أن تنتبذوا في الأوعية فاشربوا فيما بدا لكم ولا تشربوا مسكرا لم يرو هذا الحديث عن حماد بن أبي سليمان إلا عبد الله بن بكير

239 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني قال حدثنا حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس : أن زوجها طلقها ثلاثا فلم يجعل لها النبي سكنى ولا نفقة

240 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثني موسى بن ربيعة بن موسى بن سويد الجمحي عن الوليد بن أبي الوليد عن عبد الرحمن بن أفلح : أن نفرا من الصحابة أرسلوني إلى بن عمر يسألونـه عن الصلاة الوسطى فقال كنا نتحدث أنـها الصلاة التي وجه فيها رسول الله إلى القبلة الظهر لا يروى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أفلح عن بن عمر إلا بهذا الإسناد تفرد بـه موسى بن ربيعة

241 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد المنعم بن بشير الأنصاري قال حدثنا أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان المدني عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة قال قال رسول الله : أكثروا الصلاه علي في الليلة الزهراء واليوم الأزهر فإن صلاتكم تعرض علي

242 - وعن أبي هريرة عن النبي قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليبدأ فليسو موضع سجوده ولا يدعه حتى إذا أهوى ليسجد نفخ ثم سجد [ ص 84 ] فليسجد أحدكم على جمرة خير من أن يسجد على نفخته

243 - وعن أبي هريرة قال قال رسول الله : الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن استطاع أن يستكثر فليستكثر لا تروى هذه الأحاديث عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد تفرد بها أبو مودود

244 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية قال حدثني المعتمر بن أبي رافع عن أبيه قال : ذبح رسول الله كبشا ثم قال هذا عني وعن أمتي

245 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا موسى بن ربيعة عن موسى بن سويد الجمحي عن الوليد بن أبي الوليد عن يعقوب الحرمي عن حذيفة بن اليمان عن النبي قال : إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر لم يرو هذا الحديث عن الوليد بن أبي الوليد إلا موسى بن ربيعة

246 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا هشام بن سلام البصري قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا إسماعيل بن عبد الله السكوني عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أبيه [ ص 85 ] عن معاذ بن جبل قال : صلينا مع رسول الله في يوم غيم في سفر إلى غير القبلة فلما قضى الصلاة وسلم تجلت الشمس فقلنا يا رسول الله صلينا إلى غير القبلة فقال قد رفعت صلاتكم بحقها إلى الله عز و جل لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم بن أبي عبلة إلا إسماعيل بن عبد الله ولا عن إسماعيل إلا أبو داود تفرد بـه هشام بن سلام

247 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا السري بن حماد قال حدثنا المعلى بن الوليد القعقاعي قال حدثني هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أبيه ونافع عن بن عمر قال قال رسول الله : إن الله تعالى ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم بن أبي عبلة إلا هانئ بن عبد الرحمن تفرد بـه المعلى بن الوليد

248 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن عبد المؤمن المصري قال حدثنا إبراهيم بن الحجاج المكي قال حدثنا يحيى بن عقبة بن أبي العيزار عن محمد بن سوقه قال أخبرني نافع عن بن عمر أن رسول الله قال : إذا لقي أحدكم أخاه في النـهار مرارا فليسلم عليه

249 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا زيد بن بشر الحضرمي قال حدثنا رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن أبي الزبير عن أنس بن مالك أن رسول الله قال : من سره أن ينسأ في أجله ويوسع عليه في رزقه فليصل رحمـه [ ص 86 ] لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا عمرو بن الحارث تفرد بـه رشدين

250 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا زيد بن بشر الحضرمي قال حدثنا رشدين بن سعد عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عمرو مولى المطلب عن أنس بن مالك عن رسول الله قال يقول الله عز و جل : إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته بهما الجنة لم يرو هذا الحديث عن المطلب إلا بن الهاد تفرد بـه رشدين

251 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد المنعم بن بشير الأنصاري قال حدثنا أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان الهذلي عن أبي صخر حميد بن زياد الخراط قال سمعت زيد بن ثابت يقول : دخل رسول الله وبلال يقيم للصبح فرأى رجلا يصلي ركعتي الفجر فقال له أصلاتان معا لا يروى هذا الحديث عن زيد بن ثابت إلا بهذا الإسناد تفرد بـه عبد المنعم بن بشير

252 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا مـهدي بن جعفر الرملي قال حدثنا الوليد بن مسلم عن عمر بن محمد العمري عن إسحاق بن عبد الله الطفاوي إلا عمر بن محمد : تفرد بـه الوليد بن مسلم

253 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا زهير بن عباد الرواسي قال حدثنا شـهاب بن خراش عن صالح بن جبلة عن ميمون بن مـهران عن بن عباس قال قال رسول الله : من صام الأربعاء والخميس والجمعة [ ص 87 ] بنى الله له بيتا في الجنة يرى ظاهره من باطنـه وباطنـه من ظاهره لم يرو هذا الحديث عن ميمون بن مـهران إلا صالح بن جبلة تفرد بـه شـهاب بن خراش

254 - وعن صالح بن جبلة عن أبي قبيل المصري عن أنس بن مالك أنـه سمع النبي يقول : من صام الأربعاء والخميس والجمعة بنى الله له قصرا في الجنة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد وكتب له براءة من النار لم يرو هذا الحديث عن أنس إلا أبو قبيل المعافري واسمـه حي بن يؤمن

255 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا عمرو بن عثمان قال حدثنا عمي أبو مسلم قائد الأعمش عن الأعمش عن مجاهد عن بن عباس قال : إن كان الرجل من أهل العوالي ليدعو رسول الله بنصف الليل على خبز الشعير فيجيب لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا أبو مسلم ولا عن أبي مسلم إلا عمر بن عثمان تفرد بـه يحيى بن سليمان

256 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح عن عمارة بن غزية عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال قال رسول الله : ما من ملب يلبي إلا لبى ما عن يمينـه [ ص 88 ] وشماله من حجر وشجر لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن صالح إلا بن وهب تفرد بـه إبراهيم بن المنذر

257 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا حامد بن يحيى البلخي قال حدثنا بكر بن صدقة عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن نافع عن بن عمر عن النبي قال : من أتى الجمعة فليغتسل لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند إلا بكر بن صدقة تفرد بـه حامد بن يحيى

258 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا موسى بن ناصح قال حدثنا العلاء بن برد بن سنان عن أبيه عن نافع عن بن عمر عن النبي قال : من أتى الجمعة فليغتسل لم يرو هذا الحديث عن العلاء بن برد إلا موسى بن ناصح

259 - حدثنا أحمد بن رشدين قال ذكر أحمد بن محمد بن مالك بن أنس عن إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن نافع عن بن عمر عن النبي قال : من أتى الجمعة فليغتسل لم يرو هذا الحديث عن بن أبي أويس إلا ابنـه تفرد بـه أحمد بن محمد بن مالك بن أنس

260 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله قال : لا تخيروا بين الأنبياء

261 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن خارجة بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه [ ص 89 ] عن جده : أن رسول الله حرم ما بين لابتي المدينة أن يصاد وحشـها

262 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله بن عمر عن بن عمر : أن رسول الله وأبا بكر وعمر كانوا يصلون قبل الخطبة في العيدين

263 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن عمارة بن غزية عن موسى بن وردان عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال : إن الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة فسلوا الله أن يؤتينيها

264 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن علي بن الحنفية عن معاوية عن النبي قال : العمري بمنزلة الميراث

265 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن أبي النضر سالم عن بسر بن سعيد عن أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري عن رسول الله قال : لأن يمكث المار بين يدي المصلي أربعين خير له من أن يمر بين يديه

266 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن صالح بن كيسان عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن عن عمرة عن عائشة أن رسول الله قال : لا يمنع نقع بئر

267 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن إسماعيل بن محمد بن سعيد عن سعيد بن المسيب [ ص 90 ] عن علي عن رسول الله قال : الحديث ما تعرفون

268 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن أبي سهل عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله قال : لا ضرر ولا ضرار

269 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن صفوان بن سليم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن بن عباس عن رسول الله : أنـه سئل عن الخط فقال هو أثارة من علم

270 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن صفوان بن سليم عن أبي كثير مولى محمد بن عبد الله بن جحش عن محمد بن عبد الله بن جحش أنـه سمع النبي يقول : لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل في سبيل الله لم يدخل الجنة حتى يقضي عنـه دينـه ليس ثم ذهب ولا فضة أي هي الحسنات والسيئات

271 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن محصن بن علي عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه عن بن مسعود عن رسول الله قال : ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين

272 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن زيد بن أبي العتاب عن عبد الله بن نافع [ ص 91 ] عن أبي هريرة قال قال رسول الله : ما من أمير عشرة فصاعدا إلا وهو يأتي مغلول يوم القيامة عافاه الله بما شاء أو عاقبه بما شاء

273 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن أسيد بن أبي أسيد البراد المدني عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري عن جابر بن عبد الله عن رسول الله قال : من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع الله على قلبه

274 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس قال : ضحى رسول الله بكبش أقرن أعين فحيل

275 - وعن بن عباس عن رسول الله قال : لا يغل مؤمن

276 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن محمد بن عبد الله بن أبي عتيق عن أبيه عن عائشة أن رسول الله قال : السواك مطهرة للفم مرضاة للرب لم يرو هذه الأحاديث عن سعيد بن أبي أيوب إلا روح بن صلاح

277 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا هانئ بن المتوكل الإسكندراني قال حدثنا أبو شريح عبد الرحمن بن شريح عن سهيل بن حسان الكلبي عن حديج بن [ ص 92 ] صومي الحميري عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت أن رسول الله قال : عليكم بالسمع والطاعة فيما أحببتم وكرهتم في منشطكم ومكرهكم وأثرة عليكم ولا تنازعوا الأمر أهله لم يرو هذا الحديث عن سهيل بن حسان الكلبي إلا أبو شريح

278 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا محمد بن سليمان الأصبهاني عن أبي سنان ضرار بن مرة عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي هريرة عن النبي قال : إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقتهم فلفحتهم لفحة لم تدع لحما على عظم إلا ألقته على العرقوب لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن أبي الهذيل إلآ أبو سنان تفرد بـه محمد بن سليمان الأصبهاني

279 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني الليث بن سعد قال حدثني الهقل بن زياد عن الأوزاعي عن رجل من أهل المدينة يقال له داود بن عطاء قال حدثني موسى بن عقبة عن نافع عن بن عمر : أن رسول الله كان يخرج زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير لم يرو هذا الحديث عن الليث بن سعد إلا ابنـه

280 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عيسى بن حماد بن زغبة قال حدثنا رشدين بن سعد عن الحسن بن ثوبان وبن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن علي بن رباح [ ص 93 ] عن أبي قتادة أن رسول الله قال الشـهيد : لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم مس القرصة لا يروى هذا الحديث عن أبي قتادة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه عيسى بن حماد

281 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا هانئ بن المتوكل الإسكندراني قال حدثنا خالد بن حميد المـهري عن زهرة بن معبد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي قال : من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بني له قصر في الجنة ومن قرأها عشرين مرة بني له قصران ومن قرأها ثلاثين مرة بني له ثلاثة لم يرو هذا الحديث عن زهرة بن معبد متصل الإسناد إلا خالد بن حميد تفرد بـه هانئ بن المتوكل

282 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا زيد بن بشر الحضرمي قال حدثنا رشدين بن سعد عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن مسلم بن الوليد بن رباح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله قال : لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنـه ولا تأذن لرجل في بيتها وهو كاره وما تصدقت مما كسبت فله نصف أجر صدقتها

283 - وعن أبي هريرة عن النبي قال : إنما خلقت المرأة من ضلع أعوج فلن تصاحبها إلا وفيها عوج فإن ذهبت تقيمـها كسرتها وكسرك لها طلاقها لم يرو هذين الحديثين عن مسلم بن الوليد بن رباح إلا يزيد بن عبد الله بن الهاد

284 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا سفيان بن بشير الكوفي قال حدثنا حاتم بن إسماعيل عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبي أيوب الأنصاري قال قال رسول الله : لا تبكوا على الدين إذا وليتموه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليتموه غير أهله لا يروى هذا الحديث عن أبي أيوب إلا بهذا الإسناد تفرد بـه حاتم

285 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا محمد بن سفيان الحضرمي قال حدثنا بن لهيعة عن أبي زرعة عمرو بن جابر عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال قال رسول الله : يخرج قوم من قبل المشرق فيوطئون للمـهدي سلطانـه لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن الحارث إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن لهيعة

286 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش عن طريف بن ميمون عن بن عباس يرفعه قال : ما من رجل ولي عشرة إلآ أتي بـه يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يقضي بينـه وبينـهم لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا المحاربي تفرد بـه الجعفي

287 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا علي بن الحسن بن هارون الأنصاري قال حدثني الليث بن ابنة الليث بن أبي سليم قال حدثتني عائشة ابنة يونس امرأة ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن بن عمر عن النبي قال : من زار قبري بعد موتي كان كمن [ ص 95 ] زارني في حياتي

288 - وعن الليث عن مجاهد عن أبي أمامة عن النبي قال : خلق الحور العين من الزعفران لا يروى هذان الحديثان عن ليث إلا بهذا الإسناد تفرد بهما علي بن الحسن بن هارون الأنصاري

289 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن موسى بن جعفر الأنصاري قال حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه لم يرو هذا الحديث عن الضحاك بن عثمان إلا بن أبي حازم

290 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا يحيى بن محمد المحاربي قال حدثنا أبو شاكر عبد الله بن حسان بن سعيد بن أبي مريم عن أبيه عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش أنـه سمع عبد الله بن أبي أحمد بن جحش يقول قال علي بن أبي طالب : حفظت من رسول الله ستا لا طلاق إلا من بعد نكاح ولا عتاق إلا من بعد ملك ولا وفاء لنذر في معصية ولا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل ولا وصال في الصيام قال أحمد بن صالح عبد الله بن أبي أحمد بن جحش من كبار تابعي المدينة قد لقي عمر بن الخطاب وهو أكبر من سعيد بن المسيب لا يروي هذا الحديث عن عبد الله بن أبي أحمد إلا بهذا الإسناد تفرد بـه [ ص 96 ] أحمد بن صالح

291 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا محمد بن سفيان الحضرمي قال حدثنا بن لهيعة عن عياش بن عباس وعبد الله بن هبيرة والحارث بن يزيد عن عبد الله بن رزين عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله : يكون في آخر الزمان فتنة يحصل الناس فيها كما يحصل الذهب والفضة من المعدن لا يروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن لهيعة

292 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الله بن محمد الفهمي قال حدثنا عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن موسى بن سرجس عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عروة بن الزبير عن عائشة عن رسول الله قال : من أكل بشماله أكل معه شيطان ومن شرب بشماله شرب معه شيطان لا يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي حكيم إلا موسى بن سرجس ولا عن موسى إلا يزيد بن الهاد تفرد بـه بن لهيعة

293 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا إبراهيم بن حماد بن أبي حازم المدني قال حدثنا مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن أبي حازم عن سهل بن سعد أنـه : رأى رسول الله يبول قائما

294 - وبإسناده عن النبي قال : يحشر الناس يوم القيامة مشاة حفاة غرلا فقيل يا رسول الله تنظر النساء إلى الرجال فقال لكل امرئ منـهم يومئذ شأن يغنيه [ ص 97 ] لم يرو هذين الحديثين عن مصعب بن ثابت إلا إبراهيم بن حماد ولا رواهما عن أبي حازم إلا مصعب بن ثابت

295 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا زهير بن عباد الروأسي قال حدثنا رشدين بن سعد عن أبي صنو عن عبد الله بن يزيد بن هرمز عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : كان رسول الله يصلي حتى تكاد تفطر رجلاه ثم ثقل بعد ذلك وكان يصلي قاعدا فإذا أراد أن يختم السورة قام فأتمـها ثم ركع لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن يزيد بن هرمز إلا رشدين تفرد بـه زهير بن عباد

296 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أبو يوسف الجيزي قال حدثني يحيى بن عقبة بن أبي العيزار عن محمد بن جحادة عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار قال قال رسول الله : العمل في الهرج كالهجرة إلي لم يرو هذا الحديث عن محمد بن جحادة إلا يحيى بن عقبة

297 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا محمد بن سفيان الحضرمي قال حدثنا مسلمة بن علي عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال قال رسول الله : ما مسخت أمة قط فيكون لها نسل لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا الزبيدي

298 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث [ ص 98 ] قال حدثني أبي قال حدثنا الليث قال حدثني الهقل بن زياد عن الأوزاعي قال حدثني عبد الرحمن بن اليمان المدني عن يحيى بن سعيد الأنصاري أن حميدا الطويل أخبرهم أنـه سمع أنس بن مالك يقول : مر رسول الله برجل يتهادى بين ابنين فسأل عنـه فقالوا نذر أن يحج ماشيا فقال رسول الله إن الله عز و جل غني عن تعذيب هذا نفسه وأمره أن يركب لم يرو هذا الحديث عن الليث بن سعد إلا ابنـه

299 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا محمد بن راشد المصري قال حدثنا رشدين بن سعد عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن محمد بن أبي عائشة قال حدثني أبو هريرة قال قال أبو ذر : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضول أموال وليس لنا ما نتصدق بـه فقال رسول الله يا أبا ذر ألا أعلمك كلمات تدرك من سبقك ولا يلحقك من خلفك إلا من أخذ بمثل عملك قال بلى يا رسول الله قال كبر الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين واحمده ثلاثا وثلاثين وسبحه ثلاثا وثلاثين وتختمـه بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا رشدين

300 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا روح بن صلاح قال حدثنا سفيان الثوري عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن بن عمر قال : كنت مع رسول الله إذ جاء رجل إلى النبي فصافحه فلم ينزع النبي يده من يد الرجل حتى انتزع الرجل يده ثم قال له يا رسول الله جاء عثمان قال امرؤ من أهل الجنة [ ص 99 ] لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا روح بن صلاح

301 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا زهير بن عباد الروأسي قال حدثنا وكيع بن الجراح قال حدثنا سفيان عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أنس بن مالك قال : كان النبي إذا أفطر عند قوم قال أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وتنزلت عليكم الملائكة لم يرو هذا الحديث عن وكيع عن سفيان إلا زهير بن عباد ورواه الناس عن وكيع عن هشام ولم يذكروا سفيان

302 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا حامد بن يحيى البلخي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن حمدان بن أبان عن عثمان بن عفان أنـه توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال سمعت رسول الله يقول : من توضأ مثل وضوئي هذا خرجت خطاياه من وجهه ويديه ورجليه لم يرو هذا الحديث عن بن عجلان إلا سفيان تفرد بـه حامد بن يحيى

303 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا موسى بن عون بن عبد الله بن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال حدثتني جدتي أم أبي أم عبد الله بنت حمزة بن عبد الله بن عتبة قالت سمعت أبي حمزة بن عبد الله بن عتبة يقول : سألت أبي عبد الله بن عتبة بن مسعود أي شيء تذكر من رسول الله قال إذ أذكر أنـه أخذني وأنا خماسي أو سداسي فأجلسني في حجرة ومسح رأسي بيده ودعا لي ولولدي من بعدي بالبركة لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن عتبة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه موسى بن عون

304 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الأعلى بن عبد الواحد الكلاعي قال حدثنا زبن بن شعيب الإسكندراني عن أسامة بن زيد عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة : أن النبي نـهى عن بيع الغرر

305 - وبإسناده : أن النبي نـهى عن بيع الحصاة

306 - وعن أسامة بن زيد عن صفوان بن سليم عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن رسول الله قال : الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله

307 - وعن أسامة بن زيد عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال : غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم

308 - وعن أسامة بن زيد عن نافع عن بن عمر أن رسول الله قال : مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقام بـه من الليل والنـهار كمثل الإبل المعقلة إذا عاهد عليها صاحبها أمسكها وإن أطلق عقلها ذهبت فكذلك صاحب القرآن

309 - وعن أسامة بن زيد عن نافع عن بن عمر لما سمع حديث رافع بن خديج : نـهى رسول الله عن كري الأرض قال بن عمر إنما كنا نكريها على ربيع الساقي وببعض ما يخرج منـها من التبن

310 - وعن أسامة بن زيد عن نافع عن بن عمر عن رسول الله : أنـه نـهى أن تحلب مواشي الناس إلا بإذنـهم لم يرو هذه الأحاديث عن أسامة بن زيد إلا زين بن شعيب تفرد بها عبد الأعلى بن عبد الواحد الكلاعي

311 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن عيسى اللخمي قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال حدثنا زهير بن محمد عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن حرملة أحسبه عن أنس بن مالك عن النبي : أنـه كان إذا رأى الهلال قال هلال خير ورشد آمنت بالذي خلقك فعدلك لم يرو هذا الحديث عن يحيى إلا زهير

312 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن بن شـهاب عن سالم عن أبيه : أن رسول الله فرض في البعل وفيما سقت الأنـهار العشور وفيما سقي بالنضح نصف العشر لم يرو هذا الحديث عن يزيد بن أبي حبيب إلا بن لهيعة تفرد بـه بن أبي مريم

313 - قال حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا بن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد أن رسول الله قال : لا تترك هذه الأمة شيئا من سنن الأولين حتى تأتيه لا يروى هذا الحديث عن المستورد إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن لهيعة

314 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الله بن محمد الفهمي قال حدثنا [ ص 102 ] سليمان بن بلال عن أبي عبد العزيز موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن أبي محمد عن عوف بن مالك الأشجعي قال قال رسول الله : من قرأ حرفا من القرآن كتبت له حسنة ولا أقول ألم ذلك الكتاب ولكن الألف حرف واللام حرف والميم حرف والذال حرف واللام حرف والكاف حرف لا يروى هذا الحديث عن عوف بن مالك إلا بهذا الإسناد تفرد بـه سليمان بن بلال

315 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الله بن محمد الفهمي قال حدثنا بن لهيعة عن عمارة بن غزية عن بن شـهاب عن سعيد بن عبيد بن السباق أنـه سمع زيد بن ثابت يقول : كنت أكتب القرآن الحديث

316 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني قال حدثنا سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل عن بن مسعود قال : دخل رسول الله مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنـها بعود معه ويقول { جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد لم يرو هذا الحديث عن جامع بن أبي راشد إلا سفيان بن عيينة تفرد بـه أبو صالح الحراني

317 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا زيد بن بشر الحضرمي قال حدثنا رشدين بن سعد عن زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام قال : كنا مع النبي وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال عمر والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي [ ص 103 ] فقال لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك قال عمر فأنت الآن أحب إلي من نفسي فقال رسول الله الآن يا عمر

318 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني قال حدثنا موسى بن أعين عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله : يخرج عنق من النار لها لسان تتكلم بـه وعينان تبصر بهما فتقول إني أمرت بكل جبار عنيد وبمن دعا مع الله إلها آخر ومن قتل نفسا بغير حق

319 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني قال حدثنا بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن بن شـهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال : إذا كان أحدكم يصلي فلا يرفع بصره إلى السماء لا يلتمع لم يرو هذا الحديث عن الزهري عن عبيد الله عن أبي سعيد إلا يزيد بن أبي حبيب تفرد بـه بن لهيعة

320 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عيسى بن حماد بن قال حدثنا رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن عمر مولى عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال : ما رأيت أحدا أشبه بصلاة رسول الله من هذا الغلام يعني عمر بن عبد العزيز لم يرو هذا الحديث عن ربيعة إلا عبد الرحمن بن عمر تفرد بـه رشدين

321 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن صالح عن عبد الله بن وهب قال أخبرني سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم عن عائشة قالت : كان رسول الله يصلي من الليل وأنا معترضة بينة وبين القبلة لم يرو هذا الحديث عن ربيعة إلا سليمان بن بلال تفرد بـه بن وهب

322 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الأعلى بن عبد الواحد الكلاعي قال حدثنا زبن بن شعيب الإسكندراني عن أبي معدان عامر بن مرة عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن حنظلة بن قيس الزرقي عن رافع بن خديج قال : كنا نكري أرضنا فنـهانا رسول الله عن ذاك قال أحمد بن رشدين أبو معدان كان بمكة جليل القدر لم يرو هذا الحديث عن أبي معدان إلا زبن بن شعيب

323 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن صفوان بن سليم عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن رسول الله قال : إن الرجل ليسأل حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم لم يرو هذا الحديث عن صفوان بن سليم إلا عبيد الله بن أبي جعفر

324 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بن لهيعة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي قرة عن صفوان بن سليم عن يوسف بن هاشم عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري عن علي بن أبي طالب قال سمعت رسول الله يقول : من عاد مريضا وكل بـه سبعون ألف ملك يصلون عليه [ ص 105 ] لم يرو هذا الحديث عن صفوان بن سليم إلا إسحاق بن عبد الله تفرد بـه بن لهيعة

325 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا النضر حدثه أن بسر بن سعيد حدثه عن معمر بن عبد الله العدوي قال سمعت رسول الله يقول : الطعام بالطعام مثلا بمثل لم يرو هذا الحديث عن أبي النضر إلا عمر بن الحارث تفرد بـه بن وهب

326 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أبي عن أبيه عن جده رشدين قال حدثني عمرو بن الحارث عن جبير بن أبي حكيم عن أبي النضر عن نافع عن بن عمر عن رسول الله أنـه قال : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها منـه لم يرو هذا الحديث عن أبي النضر إلا جبير بن حكيم ولا عن جبير إلا عمرو بن الحارث تفرد بـه رشدين

327 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا زكريا بن يحيى كاتب العمري قال حدثنا رشدين عن يونس بن يزيد عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن الحارث عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير الحضرمي أنـه سمع عبد الله بن عمرو يقول : دخلت على رسول الله وعلي ثوب [ ص 106 ] معصفر فكرهه حين رآه علي وقال إنما هذه ثياب الكفار

328 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يوسف بن عدي قال حدثنا عيسى بن يونس عن عثمان بن حكيم قال حدثني محمد بن أفلح مولى بن أبي أيوب عن أسامة بن زيد قال : أشـهد على رسول الله لسمعته يقول إن الله لا يحب الفاحش المتفحش لا يروى هذا الحديث عن أسامة إلا بهذا الإسناد

329 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن بكير وأبو صالح الحراني قالا حدثنا بن لهيعة عن أبي النضر عن عمرة عن عائشة أن رسول الله قال : لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن فما فوقه ربع دينار فصاعدا لم يرو هذا الحديث عن أبي النضر إلا بن لهيعة

330 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن صالح ويحيى بن سليمان الجعفي قالا حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه عن سليمان بن يسار عن عمرة عن عائشة قالت سمعت رسول الله يقول : لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه لم يرو هذا الحديث عن سليمان بن يسار إلا بكير ولا عن بكير إلا مخرمة

331 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث عن أيوب بن موسى عن بن أبي مليكة [ ص 107 ] عن عائشة زوج النبي أن النبي قال لها : يا عائشة لو كان الفحش رجلا كان رجل سوء ولو كان الحياء رجلا لكان رجل صدق لم يرو هذا الحديث عن أيوب بن موسى إلا عمرو بن الحارث تفرد بـه بن وهب

332 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن موسى بن جعفر الأنصاري قال حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن عبد الله بن عامر الأسلمي عن أيوب بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت : طيبت رسول الله بيدي قبل أن يفيض لم يرو هذا الحديث عن أيوب بن موسى إلا عبد الله بن عامر تفرد بـه بن أبي حازم

333 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث عن أيوب بن موسى أن يزيد بن عبد الله المزني حدثه عن أبيه أن رسول الله قال : يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم

334 - وبإسناده أن رسول الله قال : في الإبل فرع وفي الغنم فرع لم يرو هذين الحديثين عن أيوب بن موسى إلا عمرو بن الحارث تفرد بهما بن وهب

335 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال حدثنا أشـهب بن عبد العزيز قال حدثنا بن لهيعة أن أيوب بن موسى حدثه عن نافع عن بن عمر : أن رسول الله لما أتى محسرا حرك راحلته وقال عليكم بحصى الخذف لم يرو هذا الحديث عن أيوب بن موسى إلا بن لهيعة تفرد بـه أشـهب

336 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثني سعيد بن خالد الربعي المروزي قال حدثنا عيسى بن يونس عن إبراهيم بن يزيد عن أيوب بن موسى عن نافع عن بن عمر أن رسول الله قال : ألا هل عسى أحد منكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميلين أو ثلاثة تأتي الجمعة فلا يشـهدها ثلاثا فيطبع الله على قلبه

337 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثني حميد بن علي البجلي قال حدثنا بن لهيعة عن أبي عشانة عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله قال : الحسن والحسين شنفا العرش وليسا بمعلقين وإن النبي قال إذا استقر أهل الجنة في الجنة قالت الجنة يا رب وعدتني أن تزينني بركنين من أركانك قال أولم أزينك بالحسن والحسين لم يرو هذين الحديثين عن بن لهيعة إلا حميد بن علي

338 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني قال حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن [ ص 109 ] عبد الله بن باباه عن عبد الله بن عمرو عن النبي : أنـه مر بـه وهو يصلي قاعدا فقال إن للقاعد نصف صلاة القائم لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عيسى بن يونس تفرد بـه أبو صالح الحراني

339 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا صالح بن موسى الطلحي عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم عن الأسود بن يزيد عن عائشة قالت : جرت السنة من رسول الله في صداق النساء اثنا عشر أوقية والوقية أربعون درهما فذلك ثمانون وأربعمائة وجرت السنة من رسول الله في الغسل من الجنابة صاع والوضوء رطلين والصاع ثمانية أرطال وجرت السنة من رسول الله فيما أخرجت الأرض من الحنطة والشعير والزبيب والتمر إذا بلغ خمسة أوسق والوسق ستون صاعا فذلك ثلاثمائة صاع بهذا الصاع الذي جرت بـه السنة لم يرو هذا الحديث عن منصور بن المعتمر إلا صالح بن موسى

340 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أبو الطاهر بن السرح قال حدثنا رشدين بن سعد عن يونس بن يزيد الأيلي عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : لا يبكي إلا أحد رجلين فاجر يكمل فجوره أو بار يكمل بره

341 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثني أبي عن أبيه عن جده رشدين قال حدثني أبو عيسى المؤذن محمد بن عبد الرحمن عن أبي مرزوق التجيبي عن سهل بن علقمة النسائي عن أبي عثمان عن أبي هريرة أن رسول الله قال : من شرب خمرا أخرج الله نور الإيمان من جوفه

342 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا الحسن بن سليمان قبيطة قال حدثنا الحجاج بن رشدين بن سعد قال حدثنا معاوية بن صالح عن أبي عقبة عن ثوبان مولى رسول الله : أن النبي كان إذا اعتم أرخى عمامته بين يديه ومن خلفه لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن صالح إلا الحجاج بن رشدين ولا يروى عن ثوبان إلا بهذا الإسناد

343 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا هانئ بن المتوكل الإسكندراني قال حدثنا أبو شريح عبد الرحمن بن شريح قال حدثني موسى بن وردان عن سعد بن أبي وقاص قال سمعت رسول الله يقول : ادفعوها إليهم ما صلوا الخمس يعني الصدقات إلى الأمراء لا يروى هذا الحديث عن سعد مرفوعا إلا بهذا الإسناد تفرد بـه هانئ بن المتوكل

344 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يوسف بن عدي الكوفي [ ص 111 ] قال حدثنا عمرو بن أبي المقدام عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أخي زيد بن أرقم قال : دخلت على أم سلمة أم المؤمنين فقالت من أين أنتم فقلت من أهل الكوفة فقالت أنتم الذين تشتمون النبي قلت ما علمنا أحدا يشتم النبي قالت بلى أليس تلعنون عليا وتلعنون من يحبه وكان رسول الله يحبه لم يرو هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبي زيد بن أرقم إلا يزيد بن أبي زياد ولا عن يزيد إلا عمرو بن أبي المقدام تفرد بـه يوسف بن عدي

345 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا فضالة بن المفضل بن فضالة قال حدثنا أبي قال حدثنا بن لهيعة قال حدثني معروف بن سويد الجذامي عن أبي عشانة أنـه سمع عقبة بن عامر يقول سمعت رسول الله يقول : من كان منكم من معد فليقم فذهبت لأقوم فقال اقعد ثم قال ذلك الثانية فقمت فقال اقعد ثم قال الثالثة فقمت فقال اقعد فقلت من نحن يا رسول الله قال أنتم من قضاعة بن مالك بن حمير لم يرو هذا الحديث عن معروف بن سويد إلا بن لهيعة تفرد بـه فضالة بن المفضل عن أبيه

346 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن بن طاوس عن أبيه [ ص 112 ] عن بريدة أن النبي قال لعلي : من كنت مولاه فعلي مولاه لم يرو هذا الحديث عن طاوس إلا ابنـه ولا عن بن طاوس إلا معمر وبن عيينة تفرد بـه عبد الرزاق

347 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني قال حدثنا البراء بن عبد الله الغنوي قال سمعت أبا نضرة يحدث عن بن عباس : أن عمر بن الخطاب لما استخلف نـهى الناس عن متعة النساء قال إنما هذا شيء رخص للناس فيه والناس قليل ثم إنـه حرم عليهم بعد ذلك فلا أقدر على أحد يفعل ذلك اليوم إلا أحللت بـه العقوبة لم يرو هذا الحديث عن أبي نضرة إلا البراء بن عبد الله

348 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا بن لهيعة قال حدثنا محمد بن زيد بن المـهاجر بن قنفذ عن أبيه عن عمر بن الخطاب أن النبي قال : أفضل عباد الله منزلة يوم القيامة إمام عدل رفيق وشر عباد الله منزلة يوم القيامة إمام جائر خرق لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن لهيعة

349 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني قال حدثني بن لهيعة عن خالد بن زيد عن سعيد بن أبي هلال [ ص 113 ] عن نبيه بن وهب عن محمد بن الحنفية عن أبيه : أن رسول الله جلد في الخمر ثمانين لا يروى هذا الحديث عن بن الحنفية إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن لهيعة

350 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الله بن محمد الفهمي قال حدثنا بن لهيعة عن أبي الزبير عن عبد الله بن أبي سلمة عن عائشة : أن رسول الله كان يصبح جنبا من نسائه ثم يتم صيامـه لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن أبي سلمة إلا أبو الزبير تفرد بـه بن لهيعة

351 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا يحيى بن أيوب قال أخبرني جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك وعبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله : أنـه نـهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها

352 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب وبن لهيعة عن عقيل بن خالد عن بن شـهاب عن قبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة عن رسول الله : مثله

353 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا يحيى بن أيوب عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال : الذهب بالذهب مثلا بمثل والورق بالورق مثلا بمثل

354 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا بن لهيعة [ ص 114 ] عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن بن عباس : أن رسول الله خرج بقصة فقال إن نساء بني إسرائيل كن يجعلن هذا في رؤوسهن فلعن وحرم عليهن المساجد لم يرو هذا الحديث عن عروة عن بن عباس إلا أبو الأسود تفرد بـه بن لهيعة

355 - وعن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن أبي هريرة أن رسول الله قال : الفطرة خمس الاختتان والاستحداد والسواك وتقليم الأظفار ونتف الإبط لم يرو هذا الحديث عن عروة عن أبي هريرة إلا أبو الأسود تفرد بـه بن لهيعة

356 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا الربيع بن سليمان قال حدثنا الشافعي قال حدثنا مالك بن أنس عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله قال : صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ وحده بخمس وعشرين درجة لم يرو هذا الحديث عن مالك إلا الشافعي

357 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أبو صالح عبد الغفار بن داود الحراني قال حدثنا عبد الله بن لهيعة عن سلمة بن عبد الله بن الحصين بن الأنصاري عن أبيه أنـه سمع جابر بن عبد الله يقول : خرج رسول الله إلى بقيع الغرقد فتوضأ وغسل وجهه ويديه ومسح برأسه وتناول الماء بيده اليمنى فرش على قدميه فغسلهما [ ص 115 ] لم يرو هذا الحديث عن سلمة بن عبد الله بن الحصين إلا بن لهيعة

358 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح الحراني قال حدثنا بن لهيعة عن أبي الأسود عن عكرمة عن بن عباس : أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين فيأتي السهم يرمى بـه فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل فأنزل الله عز و جل فيهم إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض الآية لم يرو هذا الحديث عن أبي الأسود إلا بن لهيعة

359 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أبو صالح عبد الغفار بن داود الحراني قال حدثنا عبد الرزاق بن عمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي قال : إن من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه لم يرو هذا الحديث عن الزهري عن أبي سلمة إلا عبد الرزاق بن عمر وقرة بن عبد الرحمن

360 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أبو صالح الحراني قال حدثنا بن لهيعة عن عمرو بن الحارث عن أبي علي الهمداني عن عائشة قالت سمعت رسول الله يقول : اللهم من ولي أمر أمتي فرفق بأمتي فارفق بـه ومن شق عليهم فشق عليه لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن الحارث إلا بن لهيعة واسم أبي علي الهمداني ثمامة بن شفي

361 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عبد الغفار بن داود أبو صالح [ ص 116 ] الحراني قال حدثنا بن لهيعة عن عطاء بن دينار عن أبي يزيد الخولاني عن فضالة بن عبيد عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله يقول : الشـهداء ثلاثة رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك يرفع إليه الناس أعناقهم يوم القيامة ورجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فأتاه سهم غرب فقتله فذاك في الدرجة الثانية ورجل مؤمن أسرف على نفسه لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك في الدرجة الثالثة لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن لهيعة

362 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يوسف بن عدي قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد عن النبي قال : الوضوء مما مست النار لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا محمد بن أبي حفصة تفرد بـه بن المبارك

363 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال حدثنا داود بن صالح عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه : أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وناسا من أصحاب رسول الله جلسوا بعد وفاة رسول الله فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر فأتيتهم فأخبرتهم فأنكروا ذلك ووثبوا إليه جميعا فأخبرهم أن رسول الله قال إن ملكا من بني إسرائيل أجبر رجلا فخيره بين أن يشرب الخمر أو يقتل صبيا أو يزني أو يأكل لحم الخنزير أو يقتلوه [ ص 117 ] إن أبى فاختار أنـه يشرب الخمر وأنـه لما شرب لم يمتنع من شيء أرادوه منـه وأن رسول الله قال لنا حينئذ ما من أحد يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة ولا يموت وفي مثانته منـها شيء إلا حرمت عليه الجنة وإن مات في الأربعين مات ميتة جاهلية لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمرو إلا بهذا الإسناد تفرد بـه الدراوردي

364 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال حدثنا داود بن صالح عن أمـه عن عائشة أن رسول الله قال : في الهرة إنـها ليست بنجس

365 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا محمد بن جعفر قال أخبرني حميد بن أبي زينب عن حسين بن حسن بن علي بن أبي طالب عن أبيه أن رسول الله قال : حيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني لا يروى هذا الحديث عن الحسن بن علي إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن أبي مريم

366 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا أحمد بن عمرو الحميري المصري قال حدثنا محمد بن الحسن بن عبد الله الجعفري قال حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي قال قال رسول الله : الحسن والحسين سيدا [ ص 118 ] شباب أهل الجنة لا يروى هذا الحديث عن الحسن إلا بهذا الإسناد تفرد بـه أحمد بن عمرو الحميري

367 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا حفص بن غياث قال حدثنا الأعمش ومسعر بن كدام وأشعث بن سوار عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال : كان رسول الله في مسجد منى فأتاه ناس من الأعراب فقالوا يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان قال الخلق الحسن لم يرو هذا الحديث عن أشعث بن سوار إلا حفص بن غياث

368 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا زهير بن عباد الرؤاسي قال حدثنا أبو بكر الداهري عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن بن عمر قال قال رسول الله : المؤمن الذي يخالط الناس فيؤذونـه فيصبر على أذاهم لم يرو هذا الحديث عن الأعمش عن حبيب إلا أبو بكر الداهري تفرد بـه زهير بن عباد

369 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثني بن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير عن عائشة قالت : خيرنا رسول الله فاخترناه فلم يعد ذلك طلاقا لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن جبير إلا عطاء بن دينار تفرد بـه بن لهيعة

370 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا حامد بن يحيى قال حدثنا [ ص 119 ] عبد العزيز بن أبان قال حدثنا سفيان الثوري عن فراس وبيان عن الشعبي عن وهب بن خنبش عن النبي قال : عمرة في رمضان تعدل حجة لم يرو هذا الحديث عن سفيان عن فراس إلا عبد العزيز بن أبان تفرد بـه حامد بن يحيى

371 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا زيد بن بشر الحضرمي قال حدثنا بشر بن بكر قال حدثتني أم عبد الله ابنة خالد بن معدان عن أبيها عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله : إذا رأيتم عمودا أحمر قبل المشرق في رمضان فادخروا طعام سنتكم فإنـها سنة جوع لم يرو هذا الحديث عن أم عبد الله ابنة خالد إلا بشر بن بكر تفرد بـه زيد بن بشر

372 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا عمرو بن خالد الحراني قال حدثنا بن لهيعة عن عياش بن عباس القتباني عن الهيثم بن شفي عن عبد الله بن سعد بن أبي سرح قال : بينا رسول الله وعشرة من أصحابه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وغيرهم على جبل حراء وإذ تحرك بهم فقال رسول الله أسكن حراء فإنـه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شـهيد لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن سعد إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن لهيعة

373 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا يوسف بن عدي قال حدثنا القاسم بن [ ص 120 ] مالك المزني عن عمرو بن عثمان بن وهب عن رباح بن عبيدة عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال سمعت رسول الله يقول : إذا مر الرجل بين يدي أحدكم وهو في الصلاة فليدرأه عنـه فإن أبى فليجاهده لم يرو هذا الحديث عن رباح بن عبيدة عن عبد الرحمن بن أبي سعيد إلا عمرو بن عثمان بن وهب تفرد بـه القاسم بن مالك

374 - حدثنا أحمد بن رشدين قال حدثنا محمد بن عيسى بن جابر الصعيدي عن أبيه عيسى بن جابر عن أيوب بن موسى عن بن شـهاب أن أنس بن مالك حدثه : أن رسول الله نـهى عن الدباء والمزفت أن ينتبذ فيه

375 - وبإسناده عن أيوب بن موسى عن بن شـهاب أن مالك بن أوس بن الحدثان حدثه أنـه سمع عمر بن الخطاب يقول قال رسول الله : الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء

376 - وبإسناده عن أيوب بن موسى عن بن شـهاب عن عروة عن عائشة : أن رسول الله كان يغتسل في القدح وهو الفرق وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد

377 - وبإسناده عن أيوب بن موسى عن محمد بن مسلم أن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن حدثاه أن عائشة زوج النبي كانت تقول : كان رسول الله يهدي من المدينة فأفتل قلائده ثم لا يجتنب شيئا مما يجتنب المحرم

378 - وبإسناده عن أيوب بن موسى عن محمد بن مسلم أن أبا سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير حدثاه أن عائشة قالت : حاضت صفية بنت حيي بعد ما أفاضت فذكرت حيضتها لرسول الله فقال رسول الله أحابستنا هي فقلت يا رسول الله إنـها كانت أفاضت وطافت بالبيت وحاضت بعد الإفاضة فقال رسول الله فلتنفر

379 - وبإسناده عن أيوب بن موسى عن بن شـهاب عن سليمان بن يسار : أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله في حجة الوداع والفضل بن العباس رديف رسول الله فقالت يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يغني عنـه أن أحج عنـه فقال رسول الله نعم

380 - وبإسناده عن أيوب بن موسى عن بن شـهاب أن حميد بن عبد الرحمن حدثه أن بشير بن سعد جاء بالنعمان إلى رسول الله فقال : إني نحلت ابني هذا العبد فقال له رسول الله وكل ولدك نحلت قال لا قال فاردده

381 - وبإسناده عن أيوب بن موسى عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله أنـه قال : أيما امرئ أبر نخلة ثم باع أصلها فهو للذي أبر ثمر النخل إلا أن يشترط المبتاع

382 - وبإسناده عن أيوب بن موسى عن نافع عن بن عمر عن رسول الله : أنـه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه فنادى رسول الله ألا إن الله ينـهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله وإلا فليصمت

383 - وبإسناده عن أيوب عن نافع عن بن عمر أنـه أري رجال من أصحاب رسول الله : ليلة القدر في المنام أنـها في السبع الأواخر من رمضان فقال رسول الله أسمع رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر

384 - وبإسناده عن أيوب عن نافع عن بن عمر عن رسول الله أنـه قال : لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه

385 - وبإسناده عن أيوب عن نافع عن بن عمر عن رسول الله أنـه قال : لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب بعضكم على خطبة بعض

386 - وبإسناده عن أيوب عن نافع عن بن عمر عن رسول الله أنـه قال : إن الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله

387 - وبإسناده عن أيوب عن نافع عن بن عمر أنـه سمع رسول الله وهو مستقبل المشرق يقول : ألا إن الفتنة ها هنا ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان

388 - وبإسناده عن أيوب عن نافع عن بن عمر قال سمعت رسول الله يقول : أيما مملوك بين شركاء فأعتق أحدهم نصيبه فإنـه يقام فيها للذي أعتق عدل فيعتق إن بلغ ماله

389 - وبإسناده عن أيوب عن نافع أن بن عمر أخبره أن رسول الله قال : إن الذي يقتني كلبا إلا كلبا ضاريا أو كلب ماشية ينقص من أجره كل يوم قيراطين وكان [ ص 123 ] يأمرنا أن نتبع الكلاب فنقتلها حيث وجدناها من المدينة

390 - وبإسناده عن أيوب عن نافع عن عبد الله بن عمر أخبره أن رسول الله قال : ما حق امرئ مسلم عنده شيء يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه

391 - وبإسناده عن أيوب عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عامر بن ربيعة أخبره أن رسول الله قال : إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشيا معها فليقم حتى تخلف أو توضع من قبل ذلك

392 - وبإسناده عن أيوب عن بكير بن عبد الله بن الأشج أنـه سمع سعيد بن المسيب يقول سمعت بن عباس يقول قال النبي : مثل الذي يتصدق ثم يعود في صدقته مثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه لم يرو هذه الأحاديث عن أيوب بن موسى إلا عيسى بن جابر الصعيدي تفرد بها ابنـه عنـه ولم يكتبها إلا بن رشدين

393 - حدثنا أحمد بن خليد الحلبي قال حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال حدثنا عبيد الله بن عمرو عن معمر عن قتادة وأيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي قال : الرؤيا الصالحة من الله والتحزين من الشيطان ومن الرؤيا ما يحدث بـه الرجل نفسه فإذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليقم فليصل ركعتين وأكره الغل في النوم ويعجبني القيد لأنـه ثبات في الدين ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب وأصدقكم حديثا أصدقكم رؤيا لم يرو هذا الحديث عن معمر عن قتادة إلا عبيد الله بن عمرو تفرد بـه عبد الله بن جعفر

394 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن حماد عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : كان نبيكم إذا كان راكعا أو ساجدا قال سبحانك وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك لم يرو هذا الحديث عن حماد إلا زيد بن أبي أنيسة ولا عن زيد إلا عبيد الله بن عمرو تفرد بـه عبد الله بن جعفر ولا عن بن مسعود إلا بهذا الإسناد

395 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال حدثنا أبو عوانة عن أبي حصين عن مجاهد قال حدثني بن رافع بن خديج عن أبيه قال : نـهى رسول الله عن أمر كان لنا نافعا وأمر رسول الله على الرأس والعين نـهانا أن نتقبل الأرض ببعض خراجها أو بورق منقودة ونـهانا عن كسب الحجام لم يرو هذا الحديث عن أبي حصين عن مجاهد عن بن رافع إلا أبو عوانة تفرد بـه محمد بن عيسى ورواه أبو بكر بن عياش وغيره عن أبي حصين عن مجاهد عن رافع نفسه

396 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال حدثنا محمد بن مـهاجر عن العباس بن سالم الأسود عن ثوبان مولى رسول الله قال قال رسول الله : حوضي من عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أحلى من العسل وأطيب من المسك وأبيض من اللبن أكوابه عدد نجوم السماء من شرب منـه شربة لم يظمأ بعدها أبدا أول الناس يرد عليه فقراء المـهاجرين الشعث رءوسا الدنس ثيابا الذين لا ينكحون [ ص 125 ] المنعمات ولا تفتح لهم السدد لم يرو هذا الحديث عن العباس بن سالم إلا محمد بن مـهاجر

397 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا محمد بن مـهاجر عن يزيد بن أبي مريم عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم عن أبي الدرداء قال قال رسول الله : لا ألفين ما نوزعت أحدا منكم علي الحوض فأقول هذا من أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك قال أبو الدرداء يا نبي الله ادع الله أن لا يجعلني منـهم قال لست منـهم لم يرو هذا الحديث عن مسلم بن مشكم إلا يزيد بن أبي مريم

498 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا مسلمة بن علي عن الأوزاعي ومحمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري عن سالم عن أبيه قال قال رسول الله : إنـه سيكون عليكم أمراء يعملون بما يعلمون ويفعلون بما يؤمرون وسيكون من بعدهم أمراء يعملون بما لا يعلمون ويفعلون ما لا يؤمرون من أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي عن الزهري عن سالم إلا مسلمة وروى المعافي بن عمران وغيره عن الأوزاعي عن إبراهيم بن مرة عن الزهري عن أبي سلمة

499 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا الهيثم بن حميد عن زيد بن واقد عن سليمان بن موسى عن كثير بن مرة قال حدثنا عبادة بن الصامت أن رسول الله قال : ما في الأرض من نفس تموت ولها عند الله خير تحب أن ترجع إليكم وأن لها الدنيا إلا الشـهيد فإنـه يحب أن يرجع فيقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشـهادة [ ص 126 ] لم يرو هذا الحديث عن زيد بن واقد إلا الهيثم بن حميد

400 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا محمد بن مـهاجر عن عروة بن رويم اللخمي عن أبي كبشة الأنماري قال : خرجنا مع رسول الله في غزوة من مغازية فنزلنا منزلا فأتيناه فيه فرفع يديه وقال الإيمان والحكمة ها هنا إلى لخم وجذام لم يرو هذا الحديث عن عروة بن رويم عن أبي كبشة إلا محمد بن مـهاجر

401 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا محمد بن مـهاجر عن يزيد بن عبيدة عن حيان أبي النضر قال لقيت واثلة بن الأسقع فقال سمعت رسول الله يقول : أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرا فخيرا وإن ظن شرا فشرا لم يرو هذا الحديث عن يزيد بن عبيدة إلا محمد بن مـهاجر

402 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنـه سمع أبا سلام يقول حدثني عامر بن زيد البكالي أنـه سمع عتبة بن عبد السلمي قال جاء أعرابي إلى رسول الله عليه السلام فقال : ما حوضك الذي تحدث عنـه قال كما بين البيضاء إلى بصرى يمدني الله فيه بكراع لا يدري إنسان ممن خلق أين طرفاه فكبر عمر بن الخطاب فقال [ ص 127 ] أما الحوض فيرد عليه فقراء المـهاجرين الذين يقاتلون في سبيل الله ويموتون في سبيل الله فأرجو أن يورثني الكراع فأشرب منـه وقال رسول الله إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ثم يشفع كل ألف بسبعين ألف ثم يحثي ربي تبارك وتعالى بكفيه ثلاث حثيات فكبر عمر وقال إن السبعين الأولى ليشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر فقال الأعرابي يا رسول الله فيها فاكهة قال نعم وفيها شجرة تدعى طوبى هي تطابق الفردوس فقال أي شجر أرضنا تشبه قال ليس تشبه من شجر أرضك ولكن أتيت الشام قال لا يا رسول الله قال فإنـها تشبه شجرة في الشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحد ثم ينتشر أعلاها قال فما عظم أصلها قال لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك لما قطعتها حتى تنكسر ترقوتها هرما قال فيها عنب قال نعم قال ما عظم العنقود منـها قال مسيرة شـهر للغراب الأبقع لا ينثني ولا يفتر قال فما عظم الحبة منـه قال هل ذبح أبوك من غنمـه تيسا عظيما قال نعم قال فسلخ إهابها فأعطاه أمك فقال ادبغي هذا ثم افري لنا منـه ذنوبا نروي بـه ماشيتنا قال نعم قال فإن تلك الحبة تشبعني وأهل بيتي فقال النبي وعامة عشيرتك لا يروى هذا الحديث عن عتبة بن عبد إلا من حديث زيد بن سلام ولا رواه عن زيد إلا معاوية بن سلام ويحيى بن أبي كثير

403 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنـه سمع أبا سلام يقول حدثني أبو أمامة الباهلي أن رجلا قال : يا رسول الله أنبي كان آدم قال نعم قال كم بينـه وبين نوح قال عشرة قرون قال كم بين نوح وإبراهيم قال عشرة قرون قال يا رسول الله كم كانت الرسل قال ثلاثمائة وخمسة عشر لا يروي هذا الحديث عن أبي أمامة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه معاوية بن سلام

404 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنـه سمع أبا سلام يقول حدثني عبد الله بن علية أن قيسا الكندي حدثه أن أبا سعيد الأنماري حدثه أن رسول الله قال : إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ويشفع كل ألف لسبعين ألفا ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه قال قيس فقلت لأبي سعيد أنت سمعت هذا من رسول الله قال نعم بأذني ووعاه قلبي قال أبو سعيد وذلك إن شاء الله يستوعب [ ص 129 ] مـهاجري أمته ويوفي الله عز و جل بقيته من أعرابنا لا يروى هذا الحديث عن أبي سعيد الأنماري إلا بهذا الإسناد تفرد بـه معاوية بن سلام

405 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنـه سمع أبا سلام يقول حدثنا عبد الله بن فروخ أنـه سمع عائشة تحدث أن رسول الله قال : خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاث مائة مفصل

406 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنـه سمع أبا سلام يقول حدثني الحكم بن ميناء أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة حدثاه أنـهما سمعا رسول الله يقول : لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختم الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين

407 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنـه سمع أبا سلام يقول حدثني السلولي عن سهل بن الحنظلية : أنـهم ساروا مع رسول الله يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية فحضرت الصلاة عند رسول الله فجاء رجل فارس فقال يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا [ ص 130 ] وكذا فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظعنـهم ونم وشائهم اجتمعوا إلى حنين فتبسم رسول الله وقال تلك غنائم المسلمين جميعا إن شاء الله ثم قال من فارسنا الليلة فقال أنس بن أبي مرثد الغنوي أنا يا رسول الله فقال اركب فركب فرسا له فجاء إلى رسول الله فقال له رسول الله استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قبلك الليلة فلما أصبحنا خرج رسول الله إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال هل أحسستم فارسكم فقال رجل يا رسول الله ما أحسسناه فثوب بالصلاة فجعل رسول الله وهو في الصلاة يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته وسلم قال أبشروا فقد جاءكم فارسكم فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله فقال إني قد انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله فلما أصبحت اطلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا فقال رسول الله قد أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها لا يروى هذا الحديث إلا بهذا الإسناد تفرد بـه معاوية بن سلام

408 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال حدثنا سعيد بن زكريا المدائني قال حدثنا الزبير بن سعيد الهاشمي عن عبد الحميد بن سالم عن أبي هريرة قال قال رسول الله : من لعق العسل ثلاث غدوات كل شـهر لم يصبه عظيم من البلاء

409 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال حدثنا [ ص 131 ] عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي أن النبي قال : من ارتبط فرسا في سبيل الله فعلفه وأثره في ميزانـه يوم القيامة

410 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال حدثنا أبو المليح عن الزهري عن أنس قال : خرج رسول الله فعرض له أعرابي وقال متى الساعة فقال ما أعددت لها قال ما أعددت لها من خير أحمد عليه نفسي غير أني أحب الله ورسوله قال فأنت مع من أحببت لم يرو أبو المليح عن الزهري عن أنس غير هذا

411 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال حدثنا عيسى بن يونس عن سليمان التيمي عن أنس أن النبي قال : رأيت ليلة أسري بي رجالا تقطع ألسنتهم بمقاريض من نار فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بما لا يفعلون لم يرو هذا الحديث عن سليمان التيمي إلا عيسى بن يونس

412 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن العلاء بن عبد الرحمن عن نعيم المجمر عن بن عمر أن رسول الله قال : إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينـه وبين الكعبين وما أسفل من الكعبين في النار [ ص 132 ] لم يرو هذا الحديث عن نعيم المجمر إلا العلاء بن عبد الرحمن تفرد بـه زيد بن أبي أنيسة

413 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع قال حدثنا يحيى بن محمد بن قيس أبو زكير عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس بن مالك قال قال رسول الله : لست من دد ولا دد مني يقول لست من باطل ولا باطل مني لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن أبي عمرو إلا أبو زكير

414 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عمرو بن عثمان الكلابي قال حدثنا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه قال : بعثني النبي ومعاذ بن جبل إلى اليمن فقلت يا رسول الله أوصنا فقال تكاتفا ولا تعاصيا ويسرا ولا تعسرا لم يرو هذا الحديث عن زهير إلا عمرو بن عثمان

415 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال حدثنا أبو عوانة عن عاصم بن كليب عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال : رأيت النبي عليه السلام ركع فوضع يديه على ركبتيه لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن كليب عن عبد الجبار بن وائل إلا أبو عوانة تفرد بـه محمد بن عيسى

416 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال حدثنا قزعة بن سويد عن الحجاج بن الحجاج قال حدثنا سويد بن حجير قال حدثني أنس بن مالك أن رسول الله قال : من قتل تحت راية عمية [ ص 133 ] يقاتل عصبة أو ينصر عصبة فقتلته جاهلية لم يرو هذا الحديث عن سويد بن حجير إلا الحجاج بن الحجاج الباهلي تفرد بـه قزعة بن سويد

417 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال حدثنا فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن أم سلمة زوج النبي : أنـها كانت لها شاة تحلبها ففقدها رسول الله فسأل عنـها أم سلمة فقالت أم سلمة ماتت يا رسول الله قال أفلا انتفعتم بإهابها قالوا يا رسول الله إنـها ميتة فقال النبي يحلها دباغها كما يحل خل الخمر لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إلا فرج بن فضالة

418 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال حدثنا مطر بن عبد الرحمن الأعنق عن أم أبان بنت الوازع بن الزارع عن جدها الزارع وكان في وفد عبد القيس قال : لما قدمنا المدينة جعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يدي النبي ورجليه وانتظر المنذر الأشج حتى أتى عيبته فلبس ثوبه ثم أتى النبي فقال له النبي إن فيك خلتين يحبهما الله عز و جل الحلم والأناة فقال المنذر الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله لم يرو هذا الحديث عن أم أبان إلا مطر بن عبد الرحمن

419 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال حدثنا [ ص 134 ] أبو المليح عن ميمون بن مـهران قال : جاء رجل إلى بن عمر فسأله عن هذه الآية { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } فقال بن عمر قد قاتلنا مع النبي حتى لم تكن فتنة فاذهب أنت وأصحابك فقاتلوا حتى تكون فتنة لم يرو هذا الحديث عن ميمون بن مـهران إلا أبو المليح

420 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي قال حدثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال : بارز عقيل بن أبي طالب رجلا يوم مؤتة فقتله فنفله رسول الله خاتمـه وسلبه لم يرو هذا الحديث عن بن عقيل إلا شريك تفرد بـه إسماعيل بن عبد الله بن زرارة

421 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنـه سمع أبا سلام يقول حدثني النعمان بن بشير قال : كنت عند منبر رسول الله فقال رجل ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج وقال الآخر ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال آخر الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر وقال لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فما اختلفتم فيه فأنزل الله عز و جل أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله الآية لا يروى هذا الحديث عن النعمان إلا بهذا الإسناد

422 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا محمد بن مـهاجر قال حدثني العباس بن سالم عن أبي سلام عن أبي أمامة الباهلي عن عمرو بن عبسة قال : أتيت رسول الله أول ما بعث وهو يومئذ مستخف فقلت ما أنت قال أنا نبي قلت وما نبي قال رسول الله قلت فالله أرسلك قال نعم قلت بم أرسلك قال بأن تعبدوا الله وتكسروا الأوثان وتصلوا الأرحام قلت نعم أرسلك فمن تبعك على هذا قال حر وعبد يعني أبا بكر وبلالا فكان عمرو بن عبسة يقول أنا رابع الإسلام فأسلمت ثم قلت أتبعك يا رسول الله قال لا ولكن الحق بقومك فإذا سمعت أنا قد ظهرنا فأتنا لم يرو هذا الحديث عن العباس بن سالم إلا محمد بن مـهاجر

423 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن أبي أسامة عن ضمرة بن ربيعة عن سعدان بن سالم عن يزيد بن أبي شيبة قال سمعت بن عمر يقول ما قال رسول الله : في الإزار فهو في القميص

424 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن أبي أسامة قال حدثنا بشر بن إسماعيل عن تمام بن نجيح عن كعب بن ذهل قال سمعت أبا الدرداء يقول : كان رسول الله إذا قام من مجلسه فأراد الرجوع إليه ترك نعليه أو بعض ما يكون عليه

425 - حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال حدثنا بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن أبي بكرة قال : كنا عند النبي فوجه سرية في بعض الوجوه فجاءه البشير يبشره بأن ولي أمر العدو امرأة فخر ساجدا ثم رفع رأسه وهو يقول هلكت الرجال حين أطاعت النساء

426 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبيد بن جناد قال حدثنا بقية بن الوليد عن [ ص 136 ] سلمة بن كلثوم عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال النبي : المستحاضة تغتسل من قرء إلى قرء لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا سلمة بن كلثوم تفرد بـه بقية

427 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أبي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رجلا جاء إلى رسول الله فقال : يا رسول الله سعر لنا فقال بل أدعو الله ثم جاءه رجل فقال يا رسول الله سعر لنا فقال بل الله يرفع ويخفض وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا من حديث العلاء بن عبد الرحمن

428 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا يوسف بن يونس الأفطس قال حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف عن أبي عبيدة عن عبد الله أنـه كان إذا افتتح الصلاة قال : سبحانك اللهم وبحمدك مثل قول النبي لم يرو هذا الحديث عن خصيف إلا عتاب تفرد بـه يوسف بن يونس

429 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبد الله بن السري الأنطاكي قال حدثنا هارون أبو الطيب عن عبد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : من بدأ بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه

430 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبد الله بن السري الأنطاكي قال [ ص 137 ] حدثنا سعيد بن زكريا المدائني عن عنبسة بن عبد الرحمن عن محمد بن زاذان عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله : إذا لعن آخر هذه الأمة أولها فمن كان عنده علم فليظهره فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل على محمد

431 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن سعيد القرشي قال حدثنا شبيب بن شيبة السعدي قال حدثنا الحسن قال حدثني أبو بكرة قال سمعت رسول الله يقول : من قتل معاهدا لم يجد رائحة الجنة وإن ريحها لتوجد من مسيرة خمسمائة عام لم يرو هذا الحديث عن شبيب بن شيبة إلا محمد بن سعيد القرشي

432 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن حكيم بن عمير عن جابر بن عبد الله قال : رأيت رسول الله يسجد على جبهته على قصاص الشعر لم يرو هذا الحديث عن حكيم بن عمير إلا أبو بكر بن أبي مريم

433 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال : سئل النبي عن هذه الآية { هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } فقال رسول الله إنـها كائنة ولم يأت تأويلها بعد لا يروى هذا الحديث عن سعد إلا بهذا الإسناد تفرد بـه أبو بكر بن أبي مريم

434 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو اليمان قال حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن حبيب بن عبيد [ ص 138 ] عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله : يكون في آخر الزمان قوم إخوان العلانية أعداء السريرة فقيل يا رسول الله وكيف يكون ذلك قال يكون برغبة بعضهم إلى بعض ولرهبة بعضهم من بعض لا يروى هذا الحديث عن معاذ إلا بهذا الإسناد تفرد بـه أبو بكر بن أبي مريم

435 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله يقول : لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا يصلي بالناس ثم آخذ حزما من حطب ثم آتي أقواما في دورهم لا يشـهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم لم يرو هذا الحديث عن عدي بن ثابت إلا زيد بن أبي أنيسة

436 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن أبي بكر بن حفص عن عامر بن ربيعة عن أبيه : أن رجلا من ثقيف يكنى أبا تمام أهدى إلى رسول الله راوية خمر فقال رسول الله عليه وسلم إنـها قد حرمت يا أبا تمام فقال له يا رسول الله فأستنفق ثمنـها فقال له النبي إن الذي حرم شربها حرم ثمنـها لم يرو هذا الحديث عن أبي بكر بن حفص إلا زيد بن أبي أنيسة ولا يروى عن عامر بن ربيعة إلا بهذا الإسناد

437 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن عطاء [ ص 139 ] عن جابر قال : كنا لا نمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام فأمرنا رسول الله أن نأكل ونتزود لم يروه عن زيد إلا عبيد الله بن عمرو

438 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبيد بن جناد الحلبي قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن حميد بن مالك اللخمي عن إبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي عن أبيه قال : رأيت رسول الله يمسح على الخفين بعد نزول المائدة لم يرو هذا الحديث عن حميد بن مالك إلا إسماعيل بن عياش

439 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبيد بن جناد قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن سليمان بن عمير عن الطفيل بن عمرو الدوسي قال : أقرأني أبي بن كعب القرآن فأهديت إليه قوسا فغدا إلى النبي وقد تقلده فقال له النبي تقلدها من جهنم قلت يا رسول الله إنا ربما حضرنا طعامـهم فأكلنا منـه فقال أما ما عمل لك فإنك إن أكلته فأنما تأكله بخلاقك وأما ما عمل لغيرك فحضرته فأكلت منـه فلا بأس بـه لا يروى هذا الحديث عن الطفيل بن عمرو إلا بهذا الإسناد تفرد بـه إسماعيل بن عياش

440 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال حدثنا صفوان بن عمرو عن مـهاجر بن ميمون عن فاطمة أنـها : قالت للنبي أين أمنا خديجة قال في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب بين مريم وآسية امرأة فرعون قالت من هذا القصب قال لا بل من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت [ ص 140 ] لا يروى هذا الحديث عن فاطمة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه صفوان

441 - حدثنا أحمد بن خليد الحلبي قال حدثنا عبد الرحيم بن مطرف أبو سفيان السروجي قال حدثنا أيوب بن أبي هند قال حدثنا أبو مروان الواسطي عن هشام بن حسان عن الحسن عن عمران بن الحصين قال : نـهى رسول الله عن إجابة طعام الفاسقين لا يروى هذا الحديث عن عمران بن الحصين إلا بهذا الإسناد تفرد بـه عبد الرحيم بن مطرف

442 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو اليمان قال حدثنا صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد الحضرمي يرده إلى أبي ذر قال : لما كان العشر الأواخر من رمضان اعتكف النبي في المسجد فلما صلى النبي صلاة العصر من يوم اثنين وعشرين قال إنا قائمون الليلة إن شاء الله فمن شاء أن يقوم فليقم فهي ليلة ثلاث وعشرين فصلى لنا النبي جماعة بعد العتمة حتى ذهب ثلث الليل ثم انصرف فلما كانت ليلة أربع وعشرين لم يقل شيئا ولم يقم فلما كانت ليلة خمس وعشرين قام بعد صلاة العصر يوم أربع وعشرين فقال إنا قائمون الليلة إن شاء الله يعني ليلة خمس وعشرين فمن شاء فليقم فصلى النبي حتى ذهب نصف الليل فلما كانت ليلة ست وعشرين قام فقال إنا قائمون إن شاء الله يعني ليلة سبع وعشرين فمن شاء أن يقوم فليقم قال أبو ذر فتجلدنا للقيام فقام بنا النبي حتى ذهب ثلثا الليل ثم انصرف إلى قبة في المسجد فقلت له إن كنا لقد طمعنا يا رسول الله تقوم بنا حتى نصبح قال يا أبا ذر إنك إذا صليت مع إمامك وانصرفت إذا انصرف كتب لك [ ص 141 ] قنوت ليلتك لم يرو هذا الحديث عن شريح بن عبيد إلا صفوان بن عمرو

443 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن حميد الكندي عن عبادة بن نسي عن أبي ريحانة قال قال رسول الله : من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزا فهو عاشرهم في النار لا يروى هذا الحديث عن أبي ريحانة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه أبو بكر بن عياش

444 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن أبي بن كعب عن أبيه عن جده عن أبي بن كعب قال قال رسول الله : يا أبا المنذر إني أمرت أن أعرض عليك القرآن فقال بالله آمنت وعلى يديك أسلمت ومنك تعلمت قال فرد النبي القول فقال يا رسول الله وذكرت هناك قال نعم باسمك ونسبك في الملأ الأعلى قال فاقرأ إذا يا رسول الله وبإسناده

445 - عن أبي بن كعب أنـه قال : يا رسول الله ما جزاء الحمى قال تجري الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق فقال اللهم إني أسألك حمى لا تمنعني خروجا في سبيلك ولا خروجا إلى بيتك ولا مسجد نبيك فلم يمس أبي قط إلا وبه حمى لم يرو هذين الحديثين عن معاذ بن محمد بن أبي إلا محمد بن عيسى الطباع

446 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال حدثنا [ ص 142 ] عبد الحميد بن سليمان قال حدثنا محمد بن عجلان عن أبي وثيمة النصري عن أبي هريرة قال قال رسول الله : إذا أتاكم من ترضون دينـه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض لم يرو هذا الحديث عن بن عجلان إلا عبد الحميد بن سليمان

447 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا محمد بن عيسى الطباع قال حدثنا الحسن بن حبيب بن قال حدثنا المثنى بن الصباح عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله في بعض غزواته : استكثروا هذه النعال فإن أحدكم لا يزال راكبا ما كانتا في رجليه لم يرو هذا الحديث عن المثنى إلا الحسن بن حبيب

448 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا يوسف بن يونس الأفطس أخو أبي مسلم المستملي قال حدثنا سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن بن عمر قال سمعت رسول الله يقول : إذا كان يوم القيامة دعا الله عبدا من عبيده فيوقف بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن ماله لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن دينار إلا سليمان بن بلال تفرد بـه يوسف بن يونس

449 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا إسحاق بن عبد الله أبو يعقوب التميمي الأذني قال حدثنا شريك عن هلال الوزان عن عبد الله بن عكيم عن عبد الله بن مسعود عن النبي قال : ما منكم من أحد إلا وسيسأله [ ص 143 ] ربه تبارك وتعالى فيقول عبدي ما غرك بي ماذا أجبت المرسلين لم يرو هذا الحديث عن هلال الوزان إلا شريك تفرد بـه إسحاق بن عبد الله

450 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبيد بن هشام الحلبي قال حدثنا عبيد الله بن عمرو عن إسماعيل بن أبي خالد عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب : أن النبي كان يقرأ في العشاء بالتين والزيتون لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد إلا عبيد الله بن عمرو تفرد بـه عبيد بن هشام

451 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا إسحاق بن عبد الله التميمي الأذني قال حدثنا إسماعيل بن علية عن بن جريج عن عطاء عن بن عباس قال : من السنة أن لا تخرج يوم الفطر حتى تطعم ولا يوم النحر حتى ترجع لم يرو هذا الحديث عن بن جريج إلا بن علية تفرد بـه إسحاق بن عبد الله

452 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس : أن النبي خلل لحيته لم يرو هذا الحديث عن حميد إلا إسماعيل بن جعفر تفرد بـه إسحاق بن عبد الله

453 - حدثنا أحمد الحلبي قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا شيبان أبو معاوية عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال : بينما نحن نصلي مع رسول الله إذ سمع جلبة رجال [ ص 144 ] خلفه فلما قضى صلاته قال ما شأنكم قالوا أسرعنا إلى الصلاة قال فلا تفعلوا ليصل أحدكم ما أدرك وليقض ما فاته لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير إلا شيبان

454 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا الحميدي قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن أخي الزهري عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عدي بن الحمراء قال : وقف رسول الله على الحزورة فقال والله إني لأعلم أنك خير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت لم يرو هذا الحديث عن بن أخي الزهري إلا الدراوردي

455 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا الحميدي قال حدثنا محمد بن طلحة التيمي قال حدثني عبد الرحمن بن سالم عويم بن ساعدة عن أبيه عن جده أن رسول الله قال : عليكم بالأبكار فإنـهن أعذب أفواها وأرحاما وأرضى باليسير

456 - وعن جده قال قال رسول الله : إن الله تبارك وتعالى اختارني واختار لي أصحابا فجعل لي منـهم وزراء وأنصارا وأصهارا فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يروى هذا الحديثان عن عويم بن ساعدة إلا بهذا الإسناد تفرد بهما محمد بن طلحة التيمي

457 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا الحميدي قال حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال حدثني سعيد بن سفيان الأسلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال قال رسول الله : إن الله تبارك وتعالى مع المدين حتى يقضي دينـه ما لم يكن دينـه فيما يكره الله لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن جعفر إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن أبي فديك

458 - حدثنا أحمد قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أخي عن حماد بن أبي حميد عن موسى بن وردان عن أبي هريرة : أن رجلا قام عند رسول الله فرأوا في قيامـه عجزا فقالوا ما أعجز فلانا فقال رسول الله أكلتم أخاكم واغتبتموه لم يرو هذا الحديث عن موسى بن وردان إلا حماد بن أبي حميد

459 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبد الله بن يزيد بن راشد الدمشقي قال حدثنا صدقة بن يزيد قال حدثني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنـه سمع رسول الله يقول : لا طلاق لمن لا يملك ولا عتق لمن لا يملك لم يرو هذا الحديث عن صدقة بن يزيد إلا عبد الله بن يزيد

460 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا أبو الربيع السمان عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال : كنت مع رسول الله في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلا فجعل الرجل يأخذ الحجارة فيجمعها مسجدا [ ص 146 ] فيصلي إليه فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فقلنا يا رسول الله صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة فأنزل الله تعالى ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن عبيد الله إلا أبو الربيع السمان

461 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا إبراهيم بن مـهدي المصيصي قال حدثنا أبو جعفر الأبار قال حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن الأودي عن أبي بردة عن أبي موسى عن ألنبي قال : أول من صنعت له النورة ودخل ال سليمان بن داود فلما دخله ووجد حره وغمـه قال أوه من عذاب الله أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه لا يروى هذا الحديث عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد تفرد بـه إبراهيم بن مـهدي

462 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا عبيد بن جناد قال حدثنا سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر عن أشعث بن سوار عن أبي الزبير عن جابر قال : وقت للنفساء أربعين يوما لم يرو هذا الحديث عن أشعث إلا أبو خالد

463 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا موسى بن عيسى الطباع قال حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله : مداراة الناس صدقة لم يرو هذا الحديث عن يوسف بن محمد إلا موسى بن عيسى

464 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا إسحاق بن عبد الله الأذني قال حدثنا عمرو بن الأزهر الواسطي عن حميد الطويل عن أبي نضرة [ ص 147 ] عن أبي سعيد الخدري : أن النبي تزوج أم سلمة على متاع بيت قيمته عشرة دراهم لم يرو هذا الحديث عن حميد إلا عمرو بن الأزهر

465 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال حدثنا سويد بن عبد العزيز عن عاصم الأحول عن أنس بن مالك عن النبي قال : سترة الإمام سترة من خلفه لم يرو هذا الحديث عن عاصم إلا سويد تفرد بـه الربيع

466 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنـه سمع أبا سلام يقول حدثني عبد الله الهوزني أنـه : لقي بلالا مؤذن رسول الله يتسوك بحلب قال فقلت يا بلال حدثني كيف كان مـهنة رسول الله فقال ما كان له شيء كنت أنا الذي ألي ذلك منـه منذ بعثه الله حتى توفي وكان إذا أتاه الإنسان المسلم فرآه عاريا يأمرني بـه فأنطلق فأستقرض فأشتري البردة فأكسوه وأط حتى اعترضني رجل من المشركين فقال لي يا بلال إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني ففعلت فلما كان ذات يوم توضأت ثم قمت لأؤذن للصلاة فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار فلما رآني قال يا حبشي قلت لبيك فتجهمني وقال قولا غليظا فقال أتدري كم بينك وبين الشـهر قلت قريب قال إنما بينك وبينـه أربع فآخذك بالذي لي عليك فإني لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك ولا كرامة صاحبك علي ولكني إنما أعطيتك لآخذك عبدا فأردك ترعى لي الغنم كما كنت ترعى قبل ذلك [ ص 148 ] فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس فانطلقت ثم أذنت بالصلاة حتى إذا صليت العتمة رجع رسول الله إلى أهله فاستأذنت عليه فأذن لي فقلت يا رسول الله إن المشرك الذي كنت أدنت منـه قال لي كذا وكذا وليس عندك ما تقضي وليس عندي وهو فاضحي فأذن لي أن آتي إلى بعض هؤلاء الأحياء الذي قد أسلموا حتى يرزق الله رسوله ما يقضي عنـه فخرجت حتى أتيت منزلي فجعلت سيفي وجرابي ونعلي عند رأسي واستقبلت بوجهي الأفق فلما نمت ساعة انتبهت فإذا رأيت علي ليلا نمت حتى انشق عمود الصبح الأول فأردت أن أنطلق فإذا إنسان يسعى يدعو يا بلال أجب رسول الله فانطلقت حتى أتيته فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن فأتيت رسول الله فاستأذنت فقال لي رسول الله أبشر فقد جاءك الله بقضائك فحمدت الله فقال الم تمر على الركائب المناخات الأربع قلت بلى فقال إن لك رقابهن وما عليهن فإن عليهن كسوة وطعاما أهداه إلي عظيم فدك فاقبضهن ثم اقض دينك ففعلت فحططت عنـهن أحمالهن ثم علفتهن ثم قمت إلى صلاة الصبح حتى إذا صلى رسول الله خرجت إلى البقيع فجعلت إصبعي في أذني فناديت من كان يطلب رسول الله بدين فليحضر فما زلت أبيع وأقضي حتى لم يبق على رسول الله دين في الأرض حتى فضل في يدي أوقيتان أو أوقية ونصف ثم انطلقت إلى المسجد وقد ذهب عامة النـهار وإذا رسول الله قاعد في المسجد وحده فسلمت عليه فقال لي ما فعل ما قبلك فقلت قد قضى الله كل شيء كان على رسوله فلم يبق شيء فقال أفضل شيء فقلت نعم فقال انظر أن تريحني منـها فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى [ ص 149 ] تريحني منـه فلم يأتنا أحد حتى أمسينا فلما صلى رسول الله العتمة دعاني فقال ما فعل ما قبلك قلت هو معي لم يأتنا أحد فبات في المسجد حتى أصبح وصلى اليوم الثاني حتى كان في آخر النـهار جاءه راكبان فانطلقت بهما فأطعمتهما وكسوتهما حتى إذا صلى العتمة دعاني فقال ما فعل الذي قبلك فقلت قد أراحك الله منـه يا رسول الله فكبر وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك ثم اتبعته حتى جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته فهذا الذي سألتني عنـه لا يروى هذا الحديث عن بلال إلا بهذا الإسناد تفرد بـه معاوية بن سلام

467 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال حدثنا معاوية بن سلام عن يزيد بن سلام أنـه سمع أبا سلام يقول حدثني أبو أسماء الرحبي أن ثوبان مولى رسول الله قال : كنت قائما عند رسول الله فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يسقط منـها فقلت له أولا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمـه الذي سماه بـه أهله فقال رسول الله إن أسمي محمد الذي سماني بـه أهلي فقال اليهودي جئت أسألك فقال له رسول الله ينفعك شيء أن حدثتك قال أسمع بأذني فنكت بعود كان معه فقال سل فقال اليهودي أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فقال رسول الله هم في الظلمة دون الجسر قال فمن أول الناس إجازة قال فقراء المـهاجرين فقال اليهودي فما تحيتهم حين يدخلون الجنة قال زيادة كبد الحوت قال فما غداؤهم على إثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها قال فما هم عليه قال من عين تسمى سلسبيلا قال [ ص 150 ] صدقت قال وجئت أسألك عن شيء لا يعلمـه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال ينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد فقال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله فقال اليهودي لقد صدقت وإنك نبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله لقد سألني عما سألني عنـه وما لي علم بشيء منـه حتى أتاني الله بـه لا يروى هذا الحديث بهذا التمام عن ثوبان إلا بهذا الإسناد تفرد بـه معاوية بن سلام

468 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنـه سمع أبا سلام يقول سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله يقول : اقرأوا القرآن فإنـه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرأوا الزهراوين سورة البقرة وسورة آل عمران فإنـهما يأتيان يوم القيامة كأنـهما غمامتان أو غيايتان أو كأنـهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرأوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة لم يرو هذا الحديث عن زيد إلا معاوية بن يحيى

469 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن علي عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله : إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء قالوا يا رسول الله وما هي قال إذا كان الفيء دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وأطاع الرجل زوجته وعق أمـه وارتفعت الأصوات في المساجد وبر الرجل صديقه وجفا أباه وأكرم الرجل [ ص 151 ] مخافة شره وكان زعيم القوم أرذلهم واتخذت القيان والمعازف وشربوا الخمور ولبسوا الحرير فانتظروا مسخا وخسفا لم يرو هذا الحديث عن يحيى إلا فرج بن فضالة

470 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث الصنعاني عن أبي عثمان النـهدي عن أبي ذر قال قال رسول الله : يا أبا ذر كيف أنت إذا كنت في حثالة من الناس وشبك بين أصابعه قلت يا رسول الله ما تأمرني قال صبرا صبرا خالقوا الناس بأخلاقهم وخالفوهم في أعمالهم لا يروى هذا الحديث عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد تفرد بـه أبو توبة

471 - وبه عن أبي ذر قال قال النبي : من أصبح وهمـه الدنيا فليس من الله في شيء ومن لم يهتم بالمسلمين فليس منـهم ومن أعطى الذل من نفسه طائعا غير مكره فليس منا لا يروى هذا الحديث إلا بهذا الإسناد تفرد بـه يزيد بن ربيعة

472 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا موسى بن أيوب الشعيثي قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عمرو بن الأزهر عن بن عون عن الشعبي عن بن عباس : في قوله عز و جل أو أثارة من علم قال جودة الخط لم يرو هذا الحديث عن بن عون إلا عمرو بن الأزهر

473 - حدثنا أحمد بن خليد قال حدثنا أبو اليمان قال حدثنا صفوان بن عمرو عن يزيد بن خمير قال : سألت عبد الله بن بسر أين حالنا من حال من كان قبلنا فقال سبحان الله [ ص 152 ] والله لو نشروا من القبور ما عرفوكم إلا أن يجدوكم قياما تصلون لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن بسر إلا يزيد بن خمير تفرد بـه صفوان بن عمرو

474 - حدثنا أحمد بن قبيل الأنطاكي قال حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع قال حدثنا حفص بن ميسرة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله قال : أيما رجل أعمر عمري فهي له ولعقبه من بعده يرثها من يرثه من عقب أو أرقب رقبى فهي بمنزلة العمرى هكذا رواه حفص بن ميسرة عن بن الزبير

475 - حدثنا أحمد بن عمرو الخلال المكي قال حدثنا محمد بن أبي عمر العدني قال حدثنا بشر بن السري قال حدثنا مسعر عن قتادة عن أنس أن رسول الله قال : أقيموا صفوفكم فإن من حسن الصلاة إقامة الصف لم يروه عن مسعر إلا بشر بن السري ولا رواه عن بشر إلا بن أبي عمرو

476 - حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عجلان عن أبيه عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد لم يروه عن بن عجلان إلا ابنـه عبد الله

477 - حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا عبد الله بن عمران العابدي قال [ ص 153 ] حدثنا فضيل بن عياض عن منصور عن الأسود عن عائشة قالت جاء رجل إلى النبي فقال : يا رسول الله والله إنك لأحب إلي من نفسي وإنك لأحب إلي من أهلي وأحب إلي من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي حتى نزل جبريل بهذه الآية { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين } الآية

478 - حدثنا أحمد بن عمرو حدثنا عبد الله بن عمران قال حدثنا سفيان عن مسعر عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال قال النبي : ليس على الأمة حد حتى تحصن فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات

479 - حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا عبد الله بن عمران قال حدثنا سفيان عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن بن عباس : أن النبي نـهى أن توطأ الحامل حتى تضع

480 - حدثنا أحمد بن عمرو الخلال قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزائي قال حدثنا أبو علقمة الفروي قال حدثنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان قالت قال رسول الله : من مس فرجه فقد وجب عليه الوضوء [ ص 154 ] لم يرو هذا الحديث عن مالك إلا أبو علقمة تفرد بـه إبراهيم بن المنذر

481 - حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد السالمي قال حدثنا بن أبي فديك عن رباح بن أبي معروف عن قيس بن سعد عن مجاهد عن بن عباس قال قال رسول الله : يدخل الجنة رجل لا يبقى في الجنة أهل دار ولا غرفة ألا قالوا مرحبا مرحبا إلينا إلينا قال أبو بكر ما ترى هذا الرجل في ذلك اليوم قال النبي أجل وأنت هو يا أبا بكر

482 - حدثنا أحمد بن عمرو قال حدثنا محمد بن منصور الجماز قال حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن أمـه أم كلثوم قالت جاءتني بسرة بنت صفوان فأخبرتني أن رسول الله قال لها : من يخطب أم كلثوم بنت عقبة فقلت فلان وفلان فقال أين أنتم من عبد الرحمن بن عوف فإنـه سيد المرسلين وخيارهم

483 - حدثنا أحمد بن عمرو الخلال قال حدثنا محمد بن ميمون الخياط قال حدثنا سفيان بن عيينة عن معمر عن ثابت عن أنس : أن النبي كان يطوف على نسائه في غسل واحد لم يرو هذا الحديث عن معمر عن ثابت إلا سفيان بن عيينة ورواه سفيان الثوري وغيره عن معمر عن قتادة

484 - حدثنا أحمد بن عمرو الخلال قال حدثنا الحسن بن داود المنكدري قال حدثنا بكر بن صدقة عن محمد بن عجلان عن نافع عن بن عمر : قد كان رسول الله إذا أتاه مؤذنـه بالعشاء في ليلة ذات [ ص 155 ] ريح ومطر أمره أن يتبع أذانـه أن صلوا في رحالكم

485 - حدثنا أحمد بن عمرو الخلال قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا معن بن عيسى القزاز عن مالك بن أنس عن أبي سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله : أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم لهي أشد سوادا من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفا لم يرو هذا الحديث عن مالك إلا معن تفرد بـه إبراهيم بن المنذر

486 - حدثنا أحمد بن عمرو الخلال قال حدثنا محمد بن أبي عمر العدني قال حدثنا عبد الرزاق عن الثوري عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال يقول الله عز و جل : إن عبدا أصححت له بدنـه وأوسعت عليه في الرزق لم يفد إلي في كل أربعة أعوام لمحروم لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا عبد الرزاق

487 - حدثنا أحمد بن عمرو الخلال قال حدثنا الحسين بن الحسن العدني قال حدثنا معتمر بن سليمان عن حميد الطويل عن أنس قال : سئل رسول الله أي الناس أحب إليك قال عائشة قالوا لسنا نعني من النساء قال فأبوها إذا

488 - حدثنا أحمد بن عمرو الخلال قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا معن بن عيسى القزاز قال حدثنا عبد الله بن المؤمل عن بن أبي مليكة عن بن عباس قال قال رسول الله خذوها : يا بني طلحة خالدة [ ص 156 ] تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم يعني حجابة الكعبة لم يرو هذا الحديث عن بن أبي مليكة إلا عبد الله بن المؤمل تفرد بـه معن بن عيسى

489 - حدثنا أحمد بن عمرو الخلال قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا عبد الله بن موسى التيمي قال حدثنا يعقوب بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن أمية الضمري عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه : أن النبي بعث ثلاثة نفر إلى قيصر وإلى كسرى وإلى صاحب الإسكندرية وبعث عمرو بن العاص إلى النجاشي فلما أتى عمرو النجاشي وجد من كان عنده يدخلون مكفرين من خوخة فلما رأى عمرو الخوخة وهم عليه ولى ظهره ثم دخل يمشي القهقري فلما دخل منـها اعتدل ففزعت الحبشة وهموا بقتله قالوا ما منعك أن تدخل كما دخلنا فقال لا نصنع ذلك بنبينا فهو أحق أن يصنع ذلك بـه فقال النجاشي اتركوه صدق لا يروى هذا الحديث عن عمرو بن أمية إلا بهذا الإسناد تفرد بـه إبراهيم بن المنذر

490 - حدثنا أحمد بن عمرو الخلال قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا عبد الله بن موسى التيمي عن المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال : رأيت رسول الله إذا انصرف من العيدين أتى وسط المصلى فقام فنظر إلى الناس كيف ينصرفون وكيف سمتهم ثم يقف ساعة ثم ينصرف لا يروى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عثمان إلا بهذا الإسناد تفرد بـه إبراهيم بن المنذر

491 - حدثنا أحمد بن عمرو الخلال قال حدثنا مروان بن أبي مروان العثماني [ ص 157 ] قال حدثنا عبد الله بن نافع قال حدثنا مالك بن أنس عن نافع عن بن عمر قال : دخل رسول الله ودخلنا معه من باب بني عبد مناف وهو الذي يسميه الناس باب بني شيبة وخرجنا معه إلى المدينة من باب الحزورة وهو باب الخياطين لم يرو هذا الحديث عن مالك إلا عبد الله بن نافع تفرد بـه مروان بن أبي مروان

492 - حدثنا أحمد بن محمد الشافعي قال حدثني عمي إبراهيم بن محمد قال حدثنا حفص بن غياث عن أبي العميس عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي : أنـه كان إذا استلم الحجر قال اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك واتباعا سنة نبيك لا نعلم أسند أبو العميس عن أبي إسحاق حديثا غير هذا ولم يروه عن أبي العميس إلا حفص ولا عن حفص إلا إبراهيم الشافعي

493 - حدثنا أحمد بن زيد بن هارون المكي قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي عن أبيه عن عبد الله بن نافع مولى بن عمر عن أبيه عن بن عمر قال قال عمر بن الخطاب قال رسول الله : خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها لا يروى هذا الحديث عن عمر بن الخطاب إلا بهذا الإسناد تفرد بـه [ ص 158 ] إبراهيم بن المنذر

494 - حدثنا أحمد بن زيد بن هارون قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا معن بن عيسى القزاز قال حدثنا مالك بن أنس عن وهب بن كيسان عن بن عمران رسول الله قال : إنما أجلكم فيما خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس لم يروه عن مالك إلا معن تفرد بـه إبراهيم بم المنذر

495 - حدثنا أحمد بن محمد أبو سليمان القزاز المكي قال حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله يقول : إن أبى فرده إن أبى فقاتله فإنما هو شيطان يعني في المار بين يدي المصلي لم يروه عن صفوان إلا الدراوردي

596 - حدثنا أحمد بن زكريا العابدي قال حدثنا الحسن المروزي قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي قال : إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء لم يرو هذا الحديث عن معمر عن قتادة إلا بن المبارك

597 - حدثنا أحمد بن زكريا العابدي قال حدثنا عبد الوهاب بن فليح [ ص 159 ] المكي قال حدثنا سليم بن مسلم الخشاب قال حدثنا بن جريج عن عطاء عن بن عباس أن النبي قال : يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب إن وليتم هذا الأمر فلا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت أن يصلي أي ساعة شاء من ليل أو نـهار لم يرو هذا الحديث عن بن جريج عن عطاء عن بن عباس إلا سليم بن مسلم

598 - حدثنا أحمد بن زكريا قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن بن عباس أن النبي قال : من بات وفي يده غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه لم يرو هذا الحديث عن سفيان عن الزهري عن عبيد الله إلا الزبير بن بكار

599 - حدثنا أحمد بن زكريا قال حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن بن عباس أن النبي قال : هذه مكة حرمـها الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرام إلى يوم القيامة لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد فقال العباس يا رسول الله إلا الإذخر قال إلا الإذخر [ ص 160 ] لم يروه عن سفيان إلا سعيد بن عبد الرحمن

500 - حدثنا أحمد بن زكريا المكي قال حدثنا سعيد بن عبد الرحمن قال حدثنا بشر بن السري قال حدثنا سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن بن عباس : أن النبي قدمـه من المزدلفة إلى منى في ضعفة أهله لم يروه عن سفيان إلا بشر

501 - حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور الجوهري قال حدثنا محمد بن إبراهيم أخو أبي معمر قال حدثنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن بن عباس قال أرسل لي عمر بن الخطاب يدعوني إلى السحور وقال : إن رسول الله سماه الغداء المبارك لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا من هذا الوجه ولا نعلم رواه عن بن عيينة إلا محمد بن إبراهيم أخو أبي معمر عيسى بن السري الحجواني كوفي

502 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا حماد بن مسلمة عن بهز بن حكيم عن زرارة بن أوفى عن سعيد بن هشام عن عائشة : أن رسول الله كان إذا قام من الليل وضع له سواكه ووضوءه لم يرو هذا الحديث عن سعد إلا زرارة ولا عن زرارة إلا بهز تفرد بـه حماد بن سلمة

503 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا سعد بن سليمان الواسطي قال حدثنا منصور بن أبي الأسود عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال : كنا نصلي الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله لم يرو هذا الحديث عن المختار إلا منصور تفرد بـه سعيد بن سليمان

504 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال حدثنا أرطاه أبو حاتم قال حدثنا بن جريج عن عطاء عن بن عباس قال قال رسول الله : ما أحد أعظم عندي يدا من أبي بكر واساني بماله ونفسه وأنكحني ابنته لم يرو هذا الحديث عن بن جريج إلا أرطاة تفرد بـه محمد بن صالح

505 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى قال حدثنا هاشم جليس لأبي معاوية الضرير عن يزيد بن عبد الرحمن أبي خالد الدالاني عن قيس بن مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أبي ليلى قال : كنا مع رسول الله في غزاة فغلت القدور من لحوم الحمر الأهلية فأمرنا بإكفائها وقسم لكل عشرة منا شاة لم يرو هذا الحديث عن أبي خالد إلا هاشم هذا الشيخ تفرد بـه محمد بن عمران

506 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا قيس بن الربيع عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد عن النبي قال : لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم لم يرو هذا الحديث عن قيس إلا علي بن الجعد

507 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا سعيد بن عثمان البصري قال حدثنا نوح بن قيس الطاحي قال حدثنا ثمامة [ ص 162 ] عن أنس بن مالك قال : بعثتني أم سليم إلى رسول الله وقد عملت له وطبة فطلبته فوجدته في بيت عبد له خياط وقد عمل له طعاما فيه ذروة وقرع فجعل رسول الله يأكل القرع وينحي الذروة بإصبعه السبابة فقلت يا رسول الله إن أم سليم صنعت لك وطبة وهي تحب أن تأكل منـها فجاء رسول الله فأكل منـها فقالت له يا رسول الله أنس أدع الله له فقال اللهم أطل عمره وأكثر ماله وولده واغفر له

508 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا خالد بن خداش قال حدثنا حماد بن زيد عن معاذ الأعور عن الحسن قال قال رسول الله : لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منـها كل أسود بهيم فقال له عمرو من حدثك قال حدثنيه والله عبد الله بن مغفل لم يرو هذا الحديث عن معاذ الأعور إلا حماد بن زيد تفرد بـه خالد بن خداش

509 - حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور قال حدثنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم قال أملى علي عبد الله بن وهب من حفظه عن يونس عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي قال : ليس على منتهب ولا مختلس ولا خائن قطع لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا يونس ولا عن يونس إلا بن وهب تفرد بـه أبو معمر

510 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا محمد بن يوسف الغضيضي قال حدثنا عبد الله بن وهب عن عمر بن محمد عن نافع عن بن عمر أن رسول الله قال : لا ينكح المحرم ولا يخطب [ ص 163 ] ولا يخطب عليه ولا يبع أحدكم على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يأذن له لم يرو هذا الحديث عن نافع عن بن عمر إلا عمر تفرد بـه بن وهب

511 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة قال حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال حدثنا إسرائيل قال حدثنا أبو إسحاق عن عمرو بن الحارث أخي جويرية عن جويرية قالت : ما ترك رسول الله يوم توفي إلا بغلة بيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا إسرائيل تفرد بـه مؤمل

512 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة قال حدثنا نوح بن قيس قال حدثنا البختري عن عبد الحميد عن شـهر بن حوشب [ ص 164 ] عن أبي هريرة قال قال النبي : في شـهر رمضان الصوت وفي ذي القعدة تميز القبائل وفي ذي الحجة يسيب الحاج لم يرو هذا الحديث عن شـهر بن حوشب إلا البختري تفرد بـه نوح بن قيس

513 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عيسى بن المساور قال حدثنا سويد بن عبد العزيز عن محمد بن زيد عن عمرو بن دينار عن بن عمر قال سمعت رسول الله يقول : إن المرأة إذا خرجت من بيتها وزوجها كاره لذلك لعنـها كل ملك في السماء وكل شيء تمر عليه غير الجن والإنس حتى ترجع لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن دينار إلا محمد بن زيد تفرد بـه سويد بن عبد العزيز

514 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن عمر القواريري قال حدثنا محمد بن عبد الله العصري قال حدثنا غالب القطان عن أنس بن مالك عن النبي : أنـه دخل على عائشة ذات غداة فقالت بأبي وأمي يا رسول الله علمني اسم الله الذي إذا دعي بـه أجاب وإذا سئل بـه أعطى فأعرض النبي بوجهه فقامت فتوضأت فقالت اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منـه وما لم أعلم وباسمك العظيم الذي إذا دعيت بـه أجبت وإذا سئلت بـه أعطيت فقال والله إنـها لفي هذه الأسماء لم يرو هذا الحديث عن غالب القطان إلا محمد بن عبد الله العصري تفرد [ ص 165 ] بـه القواريري

515 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : جلست في عهد رسول الله مجلسا ما جلست قبله ولا بعده أغبط عندي منـه خرج نبي الله وأناس عند حجرته يتجادلون بالقرآن فخرج من البيت كأنما رضح في وجهه حب الرمان أو كأنما يقطر من وجهه الدم فقال يا قوم أبهذا أمرتم أن تجادلوا بالقرآن بعضه ببعض إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا وإن كان متشابها فآمنوا بـه لم يرو هذا الحديث عن سليمان التيمي إلا ابنـه تفرد بـه عمرو الناقد

516 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا داود بن رشيد قال حدثنا الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني أنـه سمع عبادة يحدث عن النبي أنـه قال : القمح بالشعير اثنين بواحد يدا بيد ولا يصلح نسيئة لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا سعيد بن بشير

517 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عمي عيسى بن مساور قال حدثنا مروان بن معاوية عن أشعث عن أبي الزبير عن جابر قال قال يعني النبي : التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة لم يرو هذا الحديث عن أشعث إلا مروان تفرد بـه عيسى بن المساور

518 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال حدثنا [ ص 166 ] محمد بن كثير الكوفي عن السري بن إسماعيل عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : جاء رجل إلى النبي فقال أوصني فقال دع قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا السري بن إسماعيل

519 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أحمد بن جميل المروزي قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا سفيان الثوري عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله : إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص جعل الرجل يرى أخاه على الذنب فينـهاه عنـه ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ما رأى منـه أن يكون خليطه وأكيله وشريبه فضرب الله على قلوب بعضهم على بعض ونزل فيه القرآن { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم } الآية إلى قوله { كثيرا منـهم فاسقون } ثم قال رسول الله كلا والذي نفسي بيده حتى تأخذوا على يدي الظالم فتأطروه على الحق أطرا لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا عبد الكبير الحنفي وعبد الله بن المبارك والأشجعي

520 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أحمد بن منيع قال حدثنا شجاع بن الوليد أبو بدر قال حدثنا الرحيل بن معاوية عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال : كان النبي إذا توضأ خلل لحيته لم يرو هذا الحديث عن الرحيل إلا شجاع بن الوليد

521 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال حدثنا عبد الله بن داود وبشر بن المفضل وعبد الرحمن بن مـهدي كلهم عن سفيان عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير [ ص 167 ] عن بن عباس قال قال رسول الله : لا نكاح إلا بإذن ولي مرشد أو سلطان لم يرو هذا الحديث مسندا عن سفيان إلا بن داود وبشر وبن مـهدي تفرد بـه القواريري

522 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبو معمر القطيعي قال حدثنا جرير بن عبد الحميد عن زكريا بن يحيى البدي عن حبيب بن يسار عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله : من لم يأخذ شاربه فليس منا لم يرو هذا الحديث عن زكريا بن يحيى إلا جرير

523 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا محمد بن إبراهيم أخو أبي معمر قال حدثنا إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله : من قال حين يصبح وحين يمسي أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء

524 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عمي عيسى بن مساور قال حدثنا سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضي الله عنـه : في قول الله عز و جل إذا جاء نصر الله والفتح قال فتح مكة نعيت لرسول الله نفسه فاستغفر ربك واعلم أنـه قد حضر أجلك لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا سويد

525 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عيسى بن مساور قال حدثنا سويد عن سفيان عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال : مر بي رسول الله في عمرة الحديبية وقد [ ص 168 ] كثر هوام رأسي فقال يا كعب إن هذا لأذى قلت أجل يا رسول الله فهل من رخصة فقال رسول الله نعم أنسك نسيكة أو صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا سويد

526 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبي وعمي عيسى بن مساور قالا حدثنا سويد عن سفيان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رسول الله سئل عن اللقطة توجد في الأرض المسكونة في المسيل الماء فقال عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فهي لك وسئل عن اللقطة توجد في أرض العدو فقال فيها وفي الركاز الخمس وسئل عن ضالة الغنم فقال خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب وسئل عن ضالة الإبل فقال دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر وسئل عن حريسة الجبل فقال يضرب ضربات ويضعف عليه الغرم فإذا كان من المراح فبلغ ثمن المجن وهو الدينار ففيها القطع وإذا كان دون ذلك ضرب ضربات وضوعف عليه الغرم لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا سويد

527 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا داود بن رشيد قال حدثنا عمر بن عبد الواحد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال حدثني أبو الهذيل الربعي قال أخذ أبو داود بيدي فقال أخذ البراء بن عازب بيدي فقال : أخذ رسول الله بيدي فقال ما من مؤمنين يلتقيان فيأخذ كل واحد منـهما بيد صاحبه لا يأخذ بها حين يأخذ إلا المودة في الله فيفترقا حتى يغفر لهما

528 - وبه حدثنا داود بن رشيد قال حدثنا شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد أن بشير بن يسار أخبره أن حصين بن محصن أخبره [ ص 169 ] عن عمته : أنـها دخلت على رسول الله فقال لها أذات زوج أنت قالت نعم قال كيف أنت له قالت ما آلوه إلا ما عجزت عنـه فقال رسول الله انظري أين أنت منـه فإنـه جنتك ونارك لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا شعيب بن إسحاق

529 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن داهر الرازي قال حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب قال سمعت حذيفة يقول : من سره أن ينظر إلى أشبه الناس هديا وسمتا ودلا برسول الله حين يخرج من منزله حتى يعود فلينظر إلى عبد الله بن مسعود لم يرو هذا الحديث عن الأعمش عن يزيد بن وهب إلا داهر الرازي

530 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا يزيد بن مـهران أبو خالد الخباز قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي مريم قال قال عمار بن ياسر : إن أمكم قد جاءت إلى البصرة وإنـها زوجة رسول الله في الدنيا وزوجته في الآخرة لم يرو هذا الحديث عن أبي حصين إلا أبو بكر بن عياش

531 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبو كريب قال حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن المغيرة بن أبي لبيد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم أ يقول : دخلت امرأة [ ص 170 ] النار في هرة ربطتها فلم تسقها ولم تطا ولم ترسلها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت في رباطها ودخلت مومسة الجنة إذ مرت على كلب على طوي يريد الماء فلا يقدر عليه فنزعت خفها أو موقها فربطته في خمارها فنزعت له فسقته حتى أروته لم يرو هذا الحديث عن المغيرة بن أبي لبيد إلا محمد بن إسحاق

532 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبي وعمي قالا حدثنا رواد بن الجراح عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله : من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة إلا رواد

533 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال حدثنا عبيدة بن الأسود عن القاسم بن الوليد ومجالد عن عامر الشعبي قال حدثني عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه قال : بت مع رسول الله فقام لحاجته وعليه جبة رومية فتمسح فتوضأ ومسح على خفيه فقلت يا رسول الله ألا أنزعها قال إني لبستهما على طهر لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن الوليد ومجالد إلا عبيدة بن الأسود تفرد بـه عبد الله بن عمر بن أبان

534 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى قال حدثني أبي عن بن أبي ليلى عن أبي حمزة عن الحسن عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين [ ص 171 ] يشربها وهو مؤمن قلنا يا رسول الله كيف يكون ذلك قال يخرج الإيمان منـه فإن تاب رجع إليه لم يرو هذا الحديث عن أبي حمزة إلا بن أبي ليلى تفرد بـه ولده عنـه

535 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا كامل بن طلحة الجحدري قال حدثنا بن لهيعة عن أبي الأسود عن القاسم عن عائشة قالت : ما أعجب رسول الله شيء من الدنيا ولا اعجبه منـها إلا ورعا لم يرو هذا الحديث عن القاسم إلا أبو الأسود تفرد بـه بن لهيعة

536 - حدثنا أحمد بن القاسم حدثنا قال عصمة بن سليمان القزاز قال حدثنا سلام الطويل عن زيد العمي عن معاوية بن قرة عن بن عباس قال قال رسول الله يقول الله تبارك وتعالى : لست بناظر في حق عبدي حتى ينظر عبدي في حقي لا يروى هذا الحديث عن بن عباس إلا بهذا الإسناد تفرد بـه سلام الطويل

537 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا الوليد بن الفضل العنزي قال حدثنا نوح بن أبي مريم عن زيد العمي عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال قال رسول الله : من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذي أحدا أضعف الله له أجر الصف الأول لا يروى هذا الحديث عن بن عباس إلا بهذا الإسناد تفرد بـه [ ص 172 ] الوليد بن الفضل

538 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا الحسن بن شبيب المكتب قال حدثنا علي بن هاشم عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء عن أبي هريرة قال قال رسول الله : إذا توضأ أحدكم فليتمضمض وليستنشق والأذنان من الرأس لم يرو هذا الحديث عن عطاء إلا إسماعيل تفرد بـه علي بن هاشم

539 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثني الحارث بن حصيرة قال حدثني القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال : قال لنا رسول الله كيف أنتم وربع الجنة لكم ولسائر الناس ثلاثة أرباعها قالوا الله ورسوله أعلم قال كيف أنتم والشطر لكم قالوا ذاك أكثر فقال رسول الله أهل الجنة عشرون ومائة صف لكم منـها ثمانون صفا لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن عبد الله إلا الحارث تفرد بـه عبد الواحد بن زياد

540 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثني أبي قال حدثنا شعيب بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن دينار عن أيوب عن عكرمة عن بن عباس قال : تزوجها رسول الله حراما وبنى بها حلالا ثم ماتت بسرف وذلك قبرها تحت السقيفة لم يرو هذا الحديث عن الحسن بن دينار إلا شعيب بن إسحاق

541 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا أبو معاوية [ ص 173 ] العباداني قال سمعت أبا المليح الهذلي يحدث عن أبيه قال : غزوت مع رسول الله غزاة حنين في سنة ثمان في رمضان فوافق يوم الجمعة يوم مطير فأمر رسول الله بلالا فنادى الصلاة في الرحال لم يرو هذا الحديث عن أبي معاوية العباداني إلا علي بن الجعد

542 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عفان قال حدثنا أبان بن يزيد قال حدثنا قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار بن ياسر عن النبي قال : التيمم ضربة للوجه والكفين لم يرو هذا الحديث عن أبان إلا عفان

543 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثني عمي عيسى بن المساور قال حدثنا سويد بن عبد العزيز قال حدثنا عبد الله بن حميد قال حدثنا طاوس عن عبد الله بن عمر عن رسول الله قال : إياكم والكبر فإن الكبر يكون في الرجل وإن عليه العباءة لم يرو هذا الحديث عن طاوس إلا عبد الله بن حميد تفرد بـه سويد

544 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبي قال حدثنا سويد عن قرة بن عبد الرحمن عن بن شـهاب عن مسعود بن الحكم عن عبد الله بن حذافة السهمي : أن رسول الله أمره أن ينادي في أهل منى في بردين لا يصومن هذه الأيام أحد فإنـها أيام أكل وشرب

545 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثني أبي وعمي قالا حدثنا سويد عن قرة عن بن شـهاب عن عروة [ ص 174 ] عن عائشة قالت : طرقتني الحيضة وأنا مع رسول الله على فراشـه فانسللت حتى وقعت بالأرض فقال ما شأنك فأخبرته أني حضت فأمرني أن أشد علي إزاري إلى أنصاف فخذي وأن أرجع

546 - وعن بن شـهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله قال : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة

547 - وعن بن شـهاب عن سالم عن بن عمر قال سمعت رسول الله يقول : من جاء منكم الجمعة فليغتسل

548 - وعن بن شـهاب الزهري عن عروة عن عائشة : أن أفلح بن أبي القعيس استأذن عليها فقالت حتى أسأل رسول الله فسألته فقال ليلج عليك فإنـه عمك وقال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

549 - وعن الزهري عن عروة عن عائشة : أن رسول الله كان يصلي وهي معترضة بين يديه على الفراش

550 - وعن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي : أنـه سئل عن الرجل يحدث في صلاته قال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا

551 - وعن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس قال : أقبلت على اتان وقد قاربت الحلم ورسول الله يصلي بالناس حتى جاوزت بعض الصف ثم سرحتها فرجعت ثم صليت [ ص 175 ] فلم يعد لي رسول الله شيئا

552 - وعن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس : أن رسول الله صام عام الفتح حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر أصحابه فهم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمر رسول الله إن ذلك هو الناسخ المحكم

553 - وعن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي قال : إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين لم يرو هذه الأحاديث عن قرة إلا سويد ورشدين

554 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبو معمر القطيعي قال حدثنا جرير عن الشيباني عن عدي بن ثابت عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال قال رسول الله : من صلى على جنازة فله قيراط ومن شـهدها حتى تدفن فله قيراطان ومن أكل من هذه البقلة فلا يقربن مسجدنا لم يرو هذا الحديث عن الشيباني إلا جرير

555 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا يزيد بن مـهران أبو خالد الخباز قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن مجالد عن مجاهد قال : جاء رجل إلى بن عمر فقال ما تقول في علي فقال هو ذاك بيته قال فما تقول في عثمان قال ما أقول في رجل أذنب ذنبا فيما بينـه وبين الله فعفا عنـه وأذنب ذنبا فيما بينكم وبينـه فقتلتموه لم يرو هذا الحديث عن مجاهد إلا مجالد ولا عن مجالد إلا أبو بكر بن عياش تفرد بـه يزيد بن مـهران

556 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال [ ص 176 ] حدثنا عبد الله بن سلمة الأفطس قال حدثنا سفيان الثوري عن أيوب بن موسى عن طاوس عن بن عباس قال قال رسول الله : من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان أفتتن لم يرو هذا الحديث عن سفيان عن أيوب بن موسى إلا عبد الله بن سلمة تفرد بـه القواريري ورواه أبو نعيم والناس عن سفيان عن أبي موسى اليماني

557 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أحمد بن جميل المروزي قال حدثنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا روح بن القاسم قال حدثنا عبيد الله بن أبي بكر عن جده أنس بن مالك عن النبي قال : من عال جاريتين حتى تبلغا دخلت أنا وهو الجنة وأشار بأصبعيه الإبهام والتي تليها لم يرو هذا الحديث عن روح إلا بن المبارك

558 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبي وعمي عيسى بن المساور قالا حدثنا رواد بن الجراح عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن بن عباس قال : سبعة من السنة في الصبي يوم السابع يسمى ويختن ويماط عنـه الأذى وتثقب أذنـه ويعق عنـه ويحلق رأسه ويلطخ بدم عقيقته ويتصدق بوزن شعره في رأسه ذهبا أو فضة لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك إلا رواد

559 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال حدثنا الحسين بن حبيب بن ندبة قال حدثنا راشد أبو محمد الحماني قال : رأيت أنس بن مالك عليه فرو أحمر فقال كانت لحفنا على عهد رسول الله نلبسها ونصلي فيها [ ص 177 ] لم يرو هذا الحديث عن راشد إلا الحسن بن حبيب

560 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبي قال حدثنا غسان بن عبيد الموصلي قال حدثنا زكريا بن حكيم الحبطي عن الشعبي : أن بن عمر طلق امرأته وهي حائض فأتى عمر النبي وأمره أن يراجعها فإن بدا له طلقها وهي طاهر في قبل عدتها

561 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا وهيب بن خالد قال حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال قال رسول الله : من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لم يرو هذا الحديث إلا وهيب عن بن خثيم

562 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا إسماعيل بن عيسى القناديلي قال حدثنا صالح المري عن جعفر بن زيد وميمون بن سياه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله : ما من صباح ولا رواح إلا وبقاع الأرض تنادي بعضها بعضا يا جارة هل مر بك اليوم عبد صالح صلى عليك أو ذكر الله فإن قالت نعم رأت لها بذلك عليها فضلا لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد تفرد بـه صالح المري

563 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي قال حدثنا عبد الله بن المؤمل قال سمعت عطاء بن أبي رباح يحدث عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله : يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان يشـهدان لمن استلمـه بالحق وهو يمين الله عز و جل التي يصافح بها خلقه [ ص 178 ] لم يرو هذا الحديث عن عطاء عن عبد الله بن عمرو إلا عبد الله بن المؤمل

564 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبي وعمي عيسى بن المساور قال حدثنا سويد بن عبد العزيز عن المغيرة بن قيس عن أبي عثمان النـهدي عن أسامة بن زيد قال قال رسول الله : ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء

565 - وعن المغيرة بن قيس عن المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله : لا تستقيم لك المرأة على خليقة واحدة إنما هي كالضلع إن تقمـها تكسرها وأن تتركها تستمتع بها وفيها عوج

566 - وعن المغيرة بن قيس عن عروة عن عائشة قالت : كان رسول الله يصلي في المسجد الغداة وخلفه نساء المؤمنات فإذا سلم خرجن في مروطهن ما يعرفن من الغلس

567 - وعن المغيرة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي قال : أعطيت قوة أربعين في البطش والنكاح وما من مؤمن إلا أعطي قوة عشرة وجعلت الشـهوة على عشرة أجزاء وجعلت تسعة أجزاء منـها في النساء وواحدة في الرجال ولولا ما ألقي عليهن من الحياء مع شـهواتهن لكان لكل رجل تسع نسوة مغتلمات

568 - وعن المغيرة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن [ ص 179 ] عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله يقول : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن لا يأتينـه إلا تفلات

569 - وعن أبي هريرة قال قال رسول الله : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر يوما واحدا إلا مع زوج أو ذي محرم

570 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبي وعمي قالا حدثنا سويد بن عبد العزيز قال حدثنا هشام بن حسان والمغيرة بن قيس عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء السلمي عن عمر بن الخطاب أنـه قال : يا أيها الناس لا تغالوا بصداق النساء فإنـها لو كانت مكرمة عند الناس أو تقوى عند الله لكان أحقهم بذلك رسول الله لم ينكح امرأة من نسائه ولا أنكح امرأة من بناته إلا على اثنتي عشرة أوقية ونش وإن أحدكم ليغالي بصداق المرأة حتى يقول أما كلفت إليك علق القربة قال وكنت غلاما مولدا فلم أدر ما علق القربة لم يرو هذه الأحاديث عن المغيرة إلا سويد بن عبد العزيز

571 - حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور قال حدثنا أبي وعمي عيسى بن المساور قالا حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن معاوية بن أبي العباس عن محمد بن المنكدر قال سمعت جابر بن عبد الله يقول : كانت اليهود تقول إذا جامع الرجل امرأته من ورائها في فرجها كان ولده أحول فأنزل الله تعالى نساؤكم حرث لكم

572 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عمي عيسى بن المساور قال حدثنا مروان بن معاوية الفزاري قال حدثنا معاوية بن أبي العباس عن إسماعيل بن عبيد الله المخزومي عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال قال رسول الله : عرض علي ما هو مفتوح لأمتي بعدي [ ص 180 ] فسرني فأنزل الله تعالى { وللآخرة خير لك من الأولى } إلى قوله { فترضى } أعطاه الله في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي له

573 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبي قال حدثنا مروان عن معاوية عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أنس عن النبي : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله قال هم من عكل لم يرو هذه الأحاديث عن معاوية إلا مروان

574 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبو بلال الأشعري قال حدثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن علي قال قال رسول الله : من كان آخر كلامـه لا إله إلا الله لم يدخل النار لم يرو هذا الحديث عن عطاء إلا أبو الأحوص

575 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو معمر القطيعي قال حدثنا إسماعيل بن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن عن قيس بن عباد قال : قلت لعلي أخبرني عن مسيرك هذا أعهد عهده إليك رسول الله ولكن رأيا رأيته لم يرو هذا الحديث عن يونس إلا بن علية

576 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو بلال الأشعري قال حدثنا قيس بن الربيع عن يونس بن عبيد عن الحسن عن قيس بن عباد [ ص 181 ] عن العباس بن عبد المطلب قال نظر رسول الله إلى المدينة فقال : قد طهر الله أهل هذه المدينة ما لم تضلهم النجوم لم يرو هذا الحديث عن يونس عن الحسن عن قيس بن عباد إلا قيس بن الربيع تفرد بـه أبو بلال وقد رواه موسى بن داود الضبي والحسن بن عطية عن قيس عن يونس عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس عن النبي مثله

577 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة التيمي قال حدثنا حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد وقيس بن سعد عن عطاء عن بن عباس قال : أخر رسول الله صلاة العشاء ذات ليلة حتى نام القوم ثم استيقظوا فجاء عمر فقال الصلاة يا رسول الله فخرج فصلى بهم ولم يذكر أنـهم توضئوا لم يرو هذا الحديث عن يونس إلا حماد تفرد بـه يونس بن محمد المودب وبن عائشة

578 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبو معمر القطيعي قال حدثنا عبد الله بن جعفر المديني عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي قال : من رأى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منـه لم يرو هذا الحديث عن محمد بن جبير إلا ابنـه سعيد تفرد بـه عبد الله بن جعفر

579 - حدثنا أحمد قال حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي قال حدثنا مبارك بن فضالة قال حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع [ ص 182 ] عن بن عمر قال : لما طعن أبو لؤلؤة عمر طعنـه طعنتين فظن عمر أن له ذنبا في الناس لا يعلمـه فدعا بن عباس وكان يحبه ويدنيه ويستمع منـه فقال له أحب أن نعلم عن ملأ من الناس كان هذا فخرج بن عباس فجعل لا يمر بملأ من الناس إلا وهم يبكون فرجع إليه فقال يا أمير المؤمنين ما أتيت على ملأ من المسلمين إلا وهم يبكون كأنما فقدوا اليوم أبكار أولادهم فقال من قتلني قال أبو لؤلؤة المجوسي عبد المغيرة بن شعبة قال بن عباس فرأيت البشر في وجهه فقال الحمد لله الذي لم يبتلني بقول أحد يحاجني بقول لا إله إلا الله أما إني كنت قد نـهيتكم أن تجلبوا إلينا من العلوج أحدا فعصيتموني ثم قال ادعوا لي إخواني قالوا ومن قال عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص فأرسل إليهم ثم وضع رأسه في حجري فلما جاؤوا قلت هؤلاء قد حضروا فقال نعم نظرت في أمر المسلمين فوجدتكم أيها الستة رؤوس الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم ما استقمتم يستقيم أمر الناس وإن يكن اختلاف يكن فيكم فلما سمعت ذكر الاختلاف والشقاق ظننت أنـه كائن لأنـه قل ما قال شيئا إلا رأيته ثم نزف الدم فهمسوا بينـهم حتى خشيت أن يبايعوا رجلا منـهم فقلت إن أمير المؤمنين حي بعد ولا يكون خليفتان ينظر أحدهما إلى الأخر فقال احملوني فحملناه فقال تشاوروا ثلاثا ويصلي بالناس صهيب قال من نشاور يا أمير المؤمنين فقال شاوروا المـهاجرين والأنصار وسراة من هنا من الأجناد ثم دعا بشربة من لبن فشرب فخرج بياض اللبن من الجرحين فعرف أنـه الموت فقال الآن لو أن لي الدنيا كلها لافتديت بها من هول المطلع وما ذاك والحمد لله إن أكون رأيت إلا خيرا [ ص 183 ] فقال بن عباس وأن قلت ذلك فجزاك الله خيرا أليس قد دعا رسول الله أن يعز الله بك الدين والمسلمين إذ يخافون بمكة فلما أسلمت كان إسلامك عزا وظهر بك الإسلام ورسول الله وأصحابه وهاجرت إلى المدينة فكانت هجرتك فتحا ثم لم تغب عن مشـهد شـهده رسول الله من قتال المشركين من يوم كذا ويوم كذا ثم قبض رسول الله وهو عنك راض فوازرت الخليفة بعده على منـهاج رسول الله فضربت من أدبر بمن أقبل حتى دخل الناس في الإسلام طوعا أو كرها ثم قبض الخليفة وهو عنك راض ثم وليت بخير ما ولى الناس مصر الله بك الأمصار وجبى بك الأموال ونفى بك العدو وأدخل الله بك على كل أهل بيت من توسعهم في دينـهم وتوسعهم في أرزاقهم ثم ختم لك بالشـهادة فهنيئا لك فقال والله إن المغرور من تغررونـه ثم قال أتشـهد لي يا عبد الله عند الله يوم القيامة فقال نعم فقال اللهم لك الحمد ألصق خدي بالأرض يا عبد الله بن عمر فوضعته من فخذي على ساقي فقال الصق خدي بالأرض فترك لحيته وخده حتى وقع بالأرض فقال ويلك وويل أمك يا عمر إن لم يغفر الله لك ثم قبض رحمـه الله فلما قبض أرسلوا إلى عبد الله بن عمر فقال لا آتيكم إن لم تفعلوا ما آمركم بـه من مشاورة المـهاجرين والأنصار وسراة من ها هنا من الأجناد قال الحسن وذكر له فعل عمر عند موته وخشيته من ربه فقال هكذا المؤمن جمع إحسانا وشفقة والمنافق جمع إساءة وغرة والله ما وجدت فيما مضى ولا فيما بقي عبدا ازداد إحسانا إلا ازداد مخافة وشفقة منـه ولا وجدت فيما مضى ولا فيما بقي عبدا إزداد إساءة إلا ازداد غرة لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن عمر إلا مبارك بن فضالة

580 - حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور قال حدثنا محمد بن إبراهيم أخو أبي معمر قال حدثنا عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد عن النبي قال : التسبيح في الصلاة للرجال والتصفيق للنساء

581 - حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور قال حدثنا خالد بن خداش المـهلبي قال حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين عن أيوب السختياني عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام قال : نـهاني رسول الله أن أبيع ما ليس عندي لم يرو هذا الحديث عن حماد بن زيد إلا خالد بن خداش

582 - حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور قال حدثنا خالد بن خداش قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن بن أبي مليكة عن عائشة قالت : لما بلغني ما تكلم بـه أهل الإفك هممت أن آتي قليبا فأطرح نفسي فيه لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا حماد بن زيد ولا عن حماد إلا خالد بن خداش

583 - حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور قال حدثنا الوليد بن صالح النحاس قال حدثنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس عن النبي قال قال الله عز و جل : من أخذت حبيبته فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة [ ص 185 ] لم يرو هذا الحديث عن أبي بشر إلا هشيم ولا يروى عن بن عباس إلا بهذا الإسناد

584 - حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور حدثني عمي عيسى بن مساور قال حدثنا مروان بن معاوية الفزاري قال حدثنا معاوية بن أبي العباس القيسي عن علي بن ربيعة الأسدي عن أسماء بنت الحكم الفزاري عن علي بن أبي طالب قال كان الرجل إذا حدثني عن رسول الله : استحلفته فإذا حلف صدقته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنـه قال ما من عبد يذنب ذنبا فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن أبي العباس إلا مروان تفرد بـه عيسى بن المساور

585 - حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور قال حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي قال حدثنا إسماعيل بن زكريا عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن جرير قال : بايعت رسول الله على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم لم يرو هذا الحديث عن داود بن أبي هند إلا إسماعيل بن زكريا تفرد بـه سعيد بن سليمان

586 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبي وعمي عيسى قال حدثنا سويد عن سفيان بن حسين عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال قال رسول الله : يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منـها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك [ ص 186 ] لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا سويد تفرد بـه أبنا المساور

587 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا حفص بن غياث عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس : في قول الله عز و جل ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله قال اللينة النخلة وليخزي الفاسقين قال استنزلوهم من حصونـهم وأمروا بقطع النخل فحك في صدورهم فقال المسلمون قطعنا بعضها وتركنا بعضها فلنسألن رسول الله هل لنا فيما قطعنا من أجر وهل علينا فيما تركنا من وزر فأنزل الله عز و جل ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين لم يرو هذا الحديث عن حبيب بن أبي عمرة إلا حفص تفرد بـه عفان

588 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عصمة بن سليمان الخراز قال حدثنا الحسن بن صالح عن ليث عن طاوس عن جابر قال قال رسول الله : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل ال إلا بمئزر ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يدار عليها الخمر لم يرو هذا الحديث عن ليث إلا الحسن

589 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عصمة الخراز قال حدثنا شريك عن مجزأة بن زاهر عن أبيه : أن النبي أمر بصيام عاشوراء فقال من كان صائما فليتم صومـه ومن لم يكن صائما فليتم بقية يومـه لم يرو هذا الحديث عن مجزأة إلا شريك

590 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال [ ص 187 ] حدثنا حفص بن عبد الله بن الشخير قال دخلنا على إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس داره فحدثنا عن أبيه عن جده عن بن عباس قال : كان لأبي بكر مجلس من النبي لا يقوم عنـه إلا للعباس فكان يسر ذلك رسول الله فأقبل العباس يوما فزال له أبو بكر عن مجلسه فقال له رسول الله مالك فقال يا رسول الله عمك قد أقبل فنظر إليه رسول الله ثم أقبل على أبي بكر مبتسما فقال هذا العباس قد أقبل وعليه ثياب بيض وسيلبس ولده من بعده السواد ويملك منـهم اثنا عشر رجلا فلما جاء العباس قال يا رسول الله ما قلت لأبي بكر قال ما قلت إلا خيرا قال صدقت بأبي وأمي لا تقول إلا خيرا قال قلت قد أقبل عمي وعليه ثياب بياض وسيلبس ولده من بعده السواد ويملك منـهم اثنا عشر رجلا لم يرو هذا الحديث عن إسحاق إلا حفص تفرد بـه محمد بن صالح

591 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثني عمي عيسى بن المساور قال حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله : أن النبي كان يخطب إلى جذع فلما بنى المنبر حن الجذع فاحتضنـه النبي فسكن لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا الوليد بن مسلم تفرد بـه عيسى بن المساور

592 - حدثنا أحمد قال حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي قال حدثنا مبارك بن فضالة عن الحسن وثابت البناني عن أنس بن مالك : أن المطر قحط على عهد رسول الله بالمدينة حتى غلا السعر وخشوا الهلاك على الأموال وخشينا الهلاك على أنفسنا فقلنا ادع ربك [ ص 188 ] أن يسقينا فرفع رسول الله يديه إلى السماء ولا والله ما نرى في السماء بيضاء ولا والله ما قبض يده حتى رأيت السماء تشقق من ها هنا وههنا حتى رأيت ركاما فصب سبع ليال وأيامـهن من الجمعة إلى الجمعة الأخرى والسماء تسكب فقالوا خشينا الغرق فادع لنا ربك أن يحبسها فرأيت رسول الله رافعا يديه وما نرى في السماء من خضراء فقال اللهم حوالينا ولا علينا قال فوالله ما قبض يده حتى رأيت السماء تصدع لم يرو هذا الحديث عن مبارك عن الحسن وثابت جميعا إلا سعيد بن سليمان

593 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا أبو بلال قال حدثنا عدي بن الفضل عن أيوب السختياني عن نافع عن بن عمر عن النبي قال : الشـهر تسع وعشرون فإذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا لم يرو هذا الحديث عن عدي بن الفضل إلا أبو بلال

594 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو بلال الأشعري قال حدثنا قيس بن الربيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله : ما زالت قريش كافة عني حتى مات أبو طالب لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا قيس تفرد بـه أبو بلال

595 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال : كان أحب الدعاء إلى رسول الله أن يدعوا ثلاثا لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة إلا زائدة تفرد بـه حسين [ ص 189 ] ورواه أصحاب أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عمرو بن مرة عن عبد الله

596 - حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن إبراهيم أخو أبي معمر قال حدثنا محمد بن عبد الملك الواسطي عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة : أن النبي أجاز شـهادة القابلة لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا محمد بن عبد الملك

597 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا يحيى بن إسماعيل بن سالم عن الشعبي قال لما أراد الحسين بن علي الخروج إلى العراق قال له بن عمر : لا تخرج فأن رسول الله خير بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة وإنك لن تنالها أنت ولا أحد من ولدك فلما أبى إلا الخروج قال له بن عمر أستودعك الله من مقتول لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا يحيى بن إسماعيل بن سالم ولا رواه عن يحيى بن إسماعيل إلا سعيد بن سليمان وشبابة بن سوار

598 - حدثنا أحمد قال حدثنا داود بن رشيد قال حدثنا بقية بن الوليد عن معاوية بن يحيى عن سليمان بن مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله : احترسوا من الناس بسوء الظن لم يرو هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بقية

599 - حدثنا أحمد قال حدثنا محرز بن عون والفضل بن غانم قالا حدثنا [ ص 190 ] حسان بن إبراهيم عن عبد الملك عن العلاء بن كثير عن مكحول عن أبي أمامة عن النبي قال : أقل الحيض ثلاث وأكثره عشر لم يرو هذا الحديث عن مكحول إلا العلاء

600 - حدثنا أحمد بن القاسم قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا مبارك بن فضالة عن محمد بن سيرين وبكر بن عبد الله المزني عن عدي بن حاتم عن النبي قال : يوشك الرجل أن من أن يقبل صدقته منـه فلا يجده لم يرو هذا الحديث عن مبارك إلا سعيد

601 - حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن عبد الوهاب الحارثي قال حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله : من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق لم يرو هذا الحديث عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن عمرو إلا مسلم

602 - حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى قال حدثنا أبي عن بن أبي ليلى عن إسماعيل بن أمية عن محمد بن مسلم الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي قال : خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرم ويقتلهن المحرم الحدأة والحية والفأرة والعقرب والكلب العقور لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أمية إلا بن أبي ليلى تفرد بـه ولده عنـه

603 - حدثنا أحمد قال حدثنا عفان قال حدثنا همام بن يحيى قال : سئل قتادة عن رجل فاتته ركعة من الصبح حتى طلعت الشمس فقال حدثني خلاس بن [ ص 191 ] عمرو عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي قال يصلي إليها أخرى لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا همام

604 - حدثنا أحمد قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال : كان رسول الله إذا قضى حاجته أتيته بماء فيستنجي بـه ويمسح يده بالأرض لم يرو هذا الحديث عن أبي زرعة إلا إبراهيم بن جرير تفرد بـه شريك

605 - حدثنا أحمد قال حدثنا الوليد بن الفضل العنزي قال حدثنا أبو هشام عبد الرحمن بن حوشب عن قرة بن خالد السدوسي عن الضحاك بن مزاحم عن بن عباس قال قال رسول الله : اليوم الرهان وغدا السباق والغاية الجنة أو النار والهالك من دخل النار أنا أول وأبو بكر الصديق المصلي وعمر بن الخطاب الثالث ثم الناس بعدي على السبق الأول فالأول لم يرو هذا الحديث عن قرة إلا عبد الرحمن تفرد بـه الوليد

606 - حدثنا أحمد قال حدثنا خالد بن خداش قال حدثنا صالح المري عن حبيب أبي محمد قال سمعت الفرزدق بن غالب يقول : لقيت أبا هريرة بالشام فقال لي أنت الفرزدق فقلت نعم فقال أنت الشاعر قلت نعم فقال أما إنك إن بقيت لقيت قوما يقولون لا توبة لك فإياك أن تقطع رجاءك من الله [ ص 192 ] لم يرو هذا الحديث عن الفرزدق إلا حبيب تفرد بـه صالح المري

607 - حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور الجوهري قال حدثنا عفان قال حدثنا همام بن يحيى عن قتادة عن عكرمة عن بن عباس أن النبي قال : الولاء لمن أعتق وتصدق على بريرة بلحم فأهدت منـه لعائشة فقال النبي هو عليها صدقة ولنا هدية لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا همام

608 - حدثنا أحمد بن علي الأبار قال حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي قال حدثنا أبو عون التنوخي عن عمرو بن قيس السكوني عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله : من زارني في المنام فكأنما زارني في اليقظة إن الشيطان لا يتمثل بي لا يعلم يروى عن عبد الله بن عمرو إلا من هذا الوجه

609 - حدثنا أحمد قال حدثنا عمر بن سعيد أبو حفص الدمشقي قال حدثنا صدقة بن عبد الله أبو معاوية أخبرني عبد الكريم الجزري عن أنس بن مالك عن النبي عن جبريل عن الله تعالى : من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة لم يرو هذا الحديث عن عبد الكريم إلا صدقة تفرد بـه عمر

610 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو حصين الرازي قال حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة [ ص 193 ] لم يرو هذا الحديث عن بن خيثم إلا يحيى تفرد بـه أبو حصين

611 - حدثنا أحمد قال حدثنا عباد بن موسى الي قال حدثنا أزهر بن سعد عن بن عون عن الحسن قال قال عمرو بن العاص ما كنا نرى : أن رسول الله مات يوم مات وهو يحب رجلا فيدخله الله النار قيل له قد كان يستعملك فقال الله أعلم ولكنـه كان يحب رجلا قالوا من هو قال كان يحب عمار بن ياسر لم يرو هذا الحديث عن بن عون إلا أزهر تفرد بـه عباد

612 - حدثنا أحمد قال حدثنا علي بن عثمان اللاحقي قال حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير عن سعيد بن فيروز عن أبيه أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله فقالوا : رأيناه يصلي في نعلين متقابلتين لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك إلا حماد ولا روي عن فيروز الديلمي إلا بهذا الإسناد

613 - حدثنا أحمد قال حدثنا أحمد بن بحر العسكري قال حدثنا عبثر بن القاسم عن مطرف بن طريف عن أبي الجهم عن القاسم مولى أبي بكر الصديق عن أبي بكر الصديق قال : لما فتح رسول الله خيبر وقع الناس في الثوم فجعلوا يأكلونـه فقال رسول الله من أكل من هذه البقلة فلا يقربن مسجدنا [ ص 194 ] لم يرو هذا الحديث عن مطرف إلا عبثر تفرد بـه أحمد بن بحر ولا يروى عن أبي بكر إلا بهذا الإسناد

614 - حدثنا أحمد قال حدثنا علي بن حجر المروزي قال حدثنا الهيثم بن حميد قال حدثنا المطعم بن المقدام عن أبي الزبير عن جابر قال : رأيت النبي على راحلته يوم النحر يقول لتأخذ أمتي مناسكها فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا

615 - وبه عن جابر قال : كان نبي الله عليه وسلم يرمي أول يوم ضحى جمرة العقبة واحدة وأما بعد ذلك فعند زوال الشمس

616 - وبه عن جابر قال : رأيت النبي يرمي بمثل حصى الخذف لم يرو هذه الأحاديث عن المطعم إلا الهيثم بن حميد تفرد بها علي بن حجر

617 - حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن جعفر الوركاني قال حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن محمد بن المنكدر وصفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري : غسل يوم الجمعة واجب على من أدرك الحلم ممن أتى الجمعة لم يرو هذا الحديث عن محمد بن المنكدر عن عطاء إلا عبد الرحمن تفرد بـه محمد بن جعفر

618 - حدثنا أحمد قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمر بن محمد عن سالم عن بن عمر : أن رسول الله نـهى عن الجلالة عن لحومـها [ ص 195 ] وألبانـها وظهورها لم يرو هذا الحديث عن عمر إلا إسماعيل

619 - حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن عباد المكي قال حدثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الحميد بن جعفر عن نافع عن بن عمر قال : حلق رسول الله وطائفة من أصحابه وقصر بعضهم لم يرو هذا الحديث عن عبد الحميد بن جعفر إلا حاتم بن إسماعيل تفرد بـه محمد

620 - حدثنا أحمد قال حدثنا مخلد بن مالك قال حدثنا حفص بن ميسرة عن صديق بن موسى عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي قال : إذا كان يوم القيامة أعطى الله عز و جل الرجل من أمة محمد اليهودي والنصراني فيقال افد بهذا نفسك من النار لم يرو هذا الحديث عن صديق إلا حفص

621 - حدثنا أحمد قال حدثنا سليمان بن النعمان الشيباني قال حدثنا حفص بن سليمان عن محارب بن دثار عن جابر قال سمعت رسول الله يقول : نعم الإدام الخل لم يرو هذا الحديث عن محارب إلا حفص

622 - حدثنا أحمد قال حدثنا نصر بن الحكم المؤدب قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله : يأتي على الناس زمان وإن البعير الضابط والمزادتين أحب إلى الرجل مما يملك

623 - وبه قال قال رسول الله : إنكم ستفتحون مدينة هرقل أو قيصر وتقتسمون [ ص 196 ] أموالها بالترسة ويسمعهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في أهاليهم فيلقون ما معهم ويخرجون فيقاتلون لم يرو هذين الحديثين عن إسماعيل بن أبي خالد إلا إسماعيل بن عياش تفرد بهما نصر

624 - حدثنا أحمد حدثنا عباد بن موسى الي قال حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن عتبة بن أبي عمر المعلم عن بكر بن الأخنس عن مسروق أنـه سمع رجلا يحدث عن عائشة انـها قالت : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه قال مسروق فقلت أنت سمعت منـها قال نعم فرحلت إلى المدينة فذكرت ذلك لعائشة وقلت نحن نكره الموت فقالت ليس ذاك كذلك إنما ذاك عند الموت يرى المؤمن ماله عند الله فيحب لقاءه والكافر يبغض الموت ويبغضه الله عند ذلك لم يرو هذا الحديث عن بكر إلا عتبة ولا عن عتبة إلا أبو إسماعيل تفرد بـه عباد

625 - حدثنا أحمد قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا سلمة بن صالح الأحمر عن عبد الكريم عن يزيد أبي خالد عن عبد الكريم أبي أمية بن أبي المخارق عن بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله : لا تخرج من المسجد حتى أعلمك آية من سورة لم تنزل على أحد قبلي غير سليمان بن داود فخرج النبي صلى الله عليه و سلم [ ص 197 ] حتى إذا بلغ أسكفة الباب قال بأي شيء تستفتح صلاتك وقراءتك قلت ببسم الله الرحمن الرحيم قال هي هي ثم أخرج رجله الأخرى لم يرو هذا الحديث عن بن بريدة إلا عبد الكريم ولا عن عبد الكريم إلا يزيد أبو خالد تفرد بـه سلمة بن صالح

626 - حدثنا أحمد قال حدثنا مسروق بن المرزبان قال حدثنا أبو عبد الرحمن الأشجعي عن محمد بن عمرو بن علقمة عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : كل مسكر خمر وما أسكر كثيره فقليله حرام لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو إلا الأشجعي تفرد بـه مسروق

627 - حدثنا أحمد قال حدثنا مؤمل بن إهاب قال حدثنا عبد الله بن ميمون القداح حدثني بن سعيد الأنصاري قال سألت أنس بن مالك : متى كنتم تصلون العصر مع رسول الله فقال والشمس بيضاء نقية لم يرو هذا الحديث عن يحيى إلا عبد الله

628 - حدثنا أحمد قال حدثنا الوليد بن عبد الملك بن مسرح الحراني قال حدثنا مخلد بن يزيد عن حفص بن ميسرة عن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله : لا تذهب الأيام والليالي حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع لم يرو هذا الحديث عن يحيى إلا حفص تفرد بـه مخلد

629 - حدثنا أحمد قال حدثنا أحمد بن نصر النيسابوري قال حدثنا عبد الله بن [ ص 198 ] عبد الرحمن بن مليحة عن عكرمة بن عمار عن الهرماس بن زياد قال : رأيت النبي يخطب على ناقته فقال إياكم والخيانة فإنـها بئست البطانة وإياكم والظلم فإنـه ظلمات يوم القيامة وإياكم والظلم فإنـه ظلمات يوم القيامة وإياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح حتى سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامـهم لا يروى عن الهرماس إلا بهذا الإسناد تفرد بـه أحمد بن نصر

630 - حدثنا أحمد حدثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك : أن النبي خطب فقال أما بعد لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا حماد

631 - حدثنا أحمد قال حدثنا معلل بن نفيل قال حدثنا هارون بن حيان الرقي قال حدثنا خصيف عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال قال رسول الله : الأمن والعافية نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس لم يرو هذا الحديث عن خصيف إلا هارون

632 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو الأصبغ عبد العزيز بن يحيى قال حدثنا مخلد بن يزيد عن نصير بن أبي الأشعث عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال : رأيت النبي مشى في جنازة وركب حين أقبل فرسا عريا ليس عليه إلا لجامـه لم يرو هذا الحديث عن نصير إلا مخلد

633 - حدثنا أحمد قال حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني قال حدثنا موسى بن [ ص 199 ] أعين عن بن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن بن عباس قال قال رسول الله : سلوا الله لي الوسيلة فإنـه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شـهيدا أو شفيعا يوم القيامة لم يرو هذا الحديث عن بن أبي ذئب إلا موسى

634 - حدثنا أحمد قال حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن معاذ بن سهل بن أنس عن أبيه عن جده قال : دخلت على أبي الدرداء أعوده في مرضه فقلت يا أبا الدرداء أما تحب أن تصح فلا تمرض فقال سمعت رسول الله يقول إن الصداع والمليلة يولعان بالمرء حتى لا يدعن عليه من ذنبه مثقال حبة من خردل

635 - حدثنا أحمد قال حدثنا علي بن هشام بن مرزوق قال حدثنا أبي قال حدثنا عمرو بن قيس عن بن أبي ليلى عن أخيه عن أبيه عن بلال : أن النبي دخل البيت فصلى ركعتين عن يسار الإسطوانة الثانية لم يرو هذا الحديث عن بن أبي ليلى إلا عمرو

636 - حدثنا أحمد قال حدثنا رميح أبو غسان قال حدثنا حجام بن سلم عن عنبسة عن بن أبي ليلى عن نافع عن بن عمر قال قال النبي : إذا سجدت فضع كفيك على الأرض فإن الكفين يسجدان كما يسجد الوجه

637 - حدثنا أحمد قال حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني [ ص 200 ] قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر لم يرو هذا الحديث عن سعيد إلا إبراهيم ولا رواه عن أبي الزبير إلا سعيد

638 - حدثنا أحمد قال حدثنا علي بن حجر المروزي قال حدثنا الوليد بن محمد الموقري عن الزهري عن القاسم بن محمد عن بن عمر قال قال رسول الله : عليكم بثياب البياض فالبسوها وكفنوا فيها موتاكم لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا الموقري تفرد بـه علي بن حجر

639 - حدثنا أحمد قال حدثنا يحيى بن نصير قال حدثنا عبد الله بن إدريس عن بن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال : رمى رسول الله جمرة العقبة يوم النحر ضحى ورمى سائرهن بعد الزوال لم يرو هذا الحديث عن بن جريج إلا بن إدريس

640 - حدثنا أحمد قال حدثنا معلل بن نفيل قال حدثنا العلاء بن سليمان عن الخليل بن مرة عن أبي غالب عن أبي أمامة قال قال رسول الله : صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي إمام غشوم وغال في الدين لم يرو هذا الحديث عن الخليل إلا العلاء

641 - حدثنا أحمد قال حدثنا محرز بن عون قال حدثنا أخي مختار [ ص 201 ] عن جعفر بن سليمان الضبعي قال : رأيت خلف مالك بن دينار كلبا يتبعه فقلت ما هذا يا أبا يحيى قال هذا خير من جليس السوء

642 - حدثنا أحمد قال حدثنا محرز بن عون قال حدثنا يحيى بن يمان عن أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال : قالت بنو إسرائيل يا موسى يخلق ربك عز و جل خلقا ثم يعذبهم فأوحى الله عز و جل إليه أن أزرع فزرع ثم قال أحصد فحصد ثم قال ذره فذراه فاجتمع فقال لأي شيء يصلح هذا قال للنار قال فكذلك لا أعذب من خلقي إلا من استأهل النار

643 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة التيمي قال حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب ويونس بن عبيد وحبيب بن الشـهيد وحميد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال : افتخر الرجال والنساء فقال أبو هريرة النساء أكثر في الجنة من الرجال فنظر عمر بن الخطاب إلى القوم فقال أتسمعون ما يقول أبو هريرة فقال سمعت رسول الله يقول إن أول زمرة تدخل الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر والثانية وجوههم كأضوأ كوكب في السماء لكل رجل منـهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء الجلد وليس في الجنة أعزب لم يرو هذا الحديث عن يونس وحبيب وحميد إلا حماد

644 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة قال حدثنا أبو هلال الراسبي عن مساور بن سوار عن جده زهدم الجرمي قال : دخلت على أبي موسى وهو يأكل لحم دجاج فقال هلم فقلت إني رأيته يأكل قذرا فأحببت أن لا آكله فقال اجلس فإني رأيت رسول الله يأكله [ ص 202 ] لم يرو هذا الحديث عن مساور إلا أبو هلال تفرد بـه بن عائشة

645 - حدثنا أحمد قال حدثنا عمار بن نصر أبو ياسر قال حدثنا بقية بن الوليد عن إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كان رسول الله إذا واقع بعض أهله فكسل أن يقوم ضرب يده على الحائط فتيمم لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا إسماعيل

646 - حدثنا أحمد قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : تزوجني رسول الله بعد خديجة بثلاث سنين لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا إسماعيل

647 - حدثنا أحمد قال حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنـه سيورثه لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا بن أبي حازم

648 - حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال حدثنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : مر النبي بأرض يقال لها عذرة فسماها خضرة لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا عبدة

649 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبد الرحمن بن عبيد الحلبي قال [ ص 203 ] حدثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله : انصر أخاك ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فرده وإن كان مظلوما فخذله لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا إسماعيل وعكرمة بن إبراهيم الأزدي

650 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة التيمي قال حدثنا محمد بن ثابت العبدي عن جبلة بن عطية عن عبد الله بن الحارث عن بن عباس قال : تضيفت خالتي ميمونة وهي ليلتئذ حائض لا تصلي فألقت لي وجعلت لي وسادة إلى جنبها وفرشت لرسول الله فلما جاء رسول الله من المسجد ألقى ثوبه وأخذ خرقة فلبسها ثم اضطجع إلى جنبها لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن الحارث إلا جبلة بن عطية تفرد بـه محمد بن ثابت

651 - حدثنا أحمد قال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا رشدين بن سعد عن عبيد الله بن الوليد التجيبي عن أبي منصور مولى الأنصار عن عمرو بن الحمق قال قال رسول الله : لا يحق العبد حقيقة الإيمان حتى يغضب لله ويرضى لله فإذا فعل ذلك فقد استحق حقيقة الإيمان وإن أحبائي وأوليائي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم لا يروى هذا الحديث عن عمرو بن الحمق إلا بهذا الإسناد تفرد بـه رشدين

652 - حدثنا أحمد قال حدثنا علي بن عثمان اللاحقي قال حدثنا عمارة بن راشد عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن خولة بنت حكيم وكان رسول الله صلى الله عليه سلم تزوجها فأرجأها فيمن أرجأ : أن رسول الله صلى الله عليه سلم سئل عن المرأة ترى في منامـها ما يرى الرجل فقال هي مثل الرجل إذا أنزلت اغتسلت وإن لم تنزل لم تغتسل لم يرو هذا الحديث عن عمارة إلا علي

653 - حدثنا أحمد قال حدثنا علي بن حكيم الأزدي قال حدثنا شريك عن حميد عن أنس قال : رأيت النبي يبزق في ثوبه في الصلاة فيفتله بإصبعه

654 - وعن أنس قال وصل رسول الله بيتنا وقربة معلقة فشرب منـها وهو قائم فقامت أمي فقطعت فم القربة وقالت : لا يشرب منـها أحد بعد رسول الله لم يرو هذين الحديثين عن شريك إلا علي بن حكيم ومنجاب

655 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو مسلمة عمرو بن سعيد بن أركون الجمحي قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله عن من حدثه عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله : من ستر فاحشة فكأنما أحيا موءودة لم يرو هذا الحديث عن سعيد إلا عمرو

656 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو الفتح نصر بن منصور عن بشر بن الحارث الحافي قال حدثني زيد بن أبي الزرقاء قال حدثنا الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن عبد الرحمن بن أبي عميرة أنـه سمع رسول الله وذكر معاوية فقال : اللهم اجعله هاديا مـهديا واهد بـه لم يرو هذا الحديث عن بشر إلا نصر

657 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو نصر التمار عبد الملك بن عبد العزيز قال حدثنا عطاف بن خالد المخزومي عن عبد الرحمن بن رزين عن سلمة بن الأكوع قال : بايعت رسول الله بيدي هذه فقبلناها فلم ينكر ذلك لا يروى هذا الحديث عن سلمة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه عطاف

658 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو نصر التمار قال حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة : أن رجلا من الأنصار عمي فبعث إلى رسول الله اخطط لي في داري مسجدا لأصلي فيه فجاء رسول الله وقد اجتمع إليه قومـه فتغيب رجل منـهم فقال رسول الله ما فعل فلان فذكره بعض القوم فقال رسول الله أليس قد شـهد بدرا قالوا نعم ولكنـه كذا وكذا فقال رسول الله فلعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم

659 - حدثنا أحمد قال حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن عدي بن عدي الكندي عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله يقول : ما من والي ثلاثة إلا [ ص 206 ] لقي الله مغلولة يمينـه فكه عدله أو غله جوره لا يروى هذا الحديث عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد تفرد بـه سعيد

660 - حدثنا أحمد قال حدثنا معلل بن نفيل الحراني قال حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي عن زيد بن أبي أنيسة عن أبي حازم عن أبي أمامة قال : أتي رسول الله برجل قد زنى فسأله فاعترف فأمر بـه فجرد فإذا هو حمش الخلق فقعد فقال ما يبقي الضرب من هذا شيئا فدعا بأثكول فيه مائة شمراخ فضربه ضربة واحدة لم يرو هذا الحديث عن زيد إلا عبيد الله

661 - حدثنا أحمد قال حدثنا معلل بن نفيل قال حدثنا محمد بن سلمة وعتاب بن بشير وخطاب بن القاسم عن أبي الواصل عبد الحميد بن واصل عن أنس بن مالك رضي الله عنـه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول يا ويلي الإسلام وأهله ثبتني بـه حتى ألقاك : لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد تفرد بـه أبو الواصل

662 - حدثنا أحمد قال نا معلل قال نا عتاب بن بشير عن أبي الواصل عبد الحميد بن واصل عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقول اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن علم لا ينفع ومن دعاء لا يسمع اللهم إني أعوذ بك من شر هؤلاء الأربع اللهم اغفر لي ذنوبي وخطئي وعمدي : لم يرو هذا الحديث عن أبي الواصل إلا عتاب

663 - حدثنا أحمد قال نا معلل بن نفيل قال نا عيسى بن يونس عن عوف الأعرابي عن عن محمد بن سيرين [ ص 207 ] عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة وإن ريح الجنة توجد من مسيرة مائة عام : لم يرو هذا الحديث عن عوف إلا عيسى

664 - حدثنا أحمد قال حدثنا معلل قال حدثنا موسى بن أعين عن سفيان الثوري عن بن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي قال : إن الذين فرقوا دينـهم وكانوا شيعا لست منـهم في شيء قال هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا موسى تفرد بـه معلل

665 - حدثنا أحمد قال حدثنا كثير بن عبيد الحذاء قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كنت ألعب بالبنات في بيت رسول الله تعني اللعب لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا محمد

666 - حدثنا أحمد قال حدثنا معلل قال حدثنا عتاب بن بشير عن إسحاق بن راشد عن الزهري قال أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير أنـه سمع عروة يقول قالت عائشة : سئل رسول الله عن الكهان فقال ليسوا بشيء قالوا يا رسول الله فإنـهم يحدثون بالشيء فيكون حقا فقال رسول الله تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة فيخلطون فيها مائة كذبة

667 - وعن الزهري عن أبي سلمة أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله يقول : يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينـه ثم يقول أنا الملك فأين ملوك الأرض

668 - وعن الزهري قال حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنـه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يقول يا أبا هريرة نشدتك بالله هل سمعت رسول الله يقول أجب عن رسول الله : اللهم أيده بروح القدس فقال أبو هريرة نعم

669 - وعن الزهري قال حدثني عبد الله بن كعب بن مالك أن كعب بن مالك حين أنزل الله في الشعر ما أنزل أتى رسول الله فقال : يا رسول الله إن الله قد أنزل في الشعر ما قد علمت فكيف ترى فقال رسول الله إن المؤمن ليجاهد بسيفه ولسانـه لم يرو هذه الأحاديث عن إسحاق إلا عتاب

670 - حدثنا أحمد قال حدثنا كامل بن طلحة الجحدري قال حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب وحبيب ويونس بن عبيد وهشام عن محمد بن سيرين عن أم عطية الأنصارية قالت : أمرنا رسول الله أن نخرج العواتق وذوات الخدور والحيض فيشـهدن الخير ودعوة المسلمين فقالت امرأة يا رسول الله إذا لم يكن لإحداهن ثوب فقال لتلبسها أختها طائفة من ثوبها يعني يوم العيد لم يرو هذا الحديث عن حبيب ويونس إلا حماد

671 - حدثنا أحمد قال حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : كان لأبي قتادة جمة فسأل النبي فيها فقال أكرمـها وأدهنـها لم يرو هذا الحديث عن يحيى إلا إسماعيل

672 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة التيمي قال حدثنا [ ص 209 ] أبو الربيع السمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله : نبات الشعر في الأنف أمان من الجذام لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا أبو الربيع

673 - حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن أبان الواسطي قال حدثنا شريك عن محمد بن زيد عن نافع عن بن عمر : أن رسول الله مر على امرأة مقتولة في بعض غزواته فقال ما كانت هذه تقاتل ثم نـهى عن قتل النساء والولدان لم يرو هذا الحديث عن محمد بن زيد إلا شريك

674 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة التيمي قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن سلمة بن أبي الطفيل عن علي أن رسول الله قال له : يا علي إن لك في الجنة كنزا وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة لا يروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد تفرد بـه حماد

675 - حدثنا أحمد قال حدثنا نوح بن حبيب القومسي قال حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال حدثنا عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس قال : كانت للنبي ملحفة مصبوغة بالورس والزعفران يدور بها على نسائه فإذا كانت ليلة هذه رشتها بالماء وإذا كانت ليلة هذه رشتها بالماء لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا عمارة تفرد بـه مؤمل

676 - حدثنا أحمد قال حدثنا معلل بن نفيل قال حدثنا محمد بن محصن [ ص 210 ] عن بن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله : احتجموا لسبع عشرة من الشـهر وتسع عشرة وإحدى وعشرين لم يرو هذا الحديث عن بن لهيعة إلا محمد بن محصن

677 - حدثنا أحمد قال حدثنا معلل قال حدثنا محمد بن محصن عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله : اتخذوا الديك الأبيض فإن دارا فيها ديك أبيض لا يقربها شيطان ولا ساحر ولا الدويرات حولها

678 - وعن إبراهيم بن أبي عبلة عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري عن معاذ بن جبل قال سمعت رسول الله يقول : نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة يطيب الفم ويذهب بالحفر هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي لم يرو هذين الحديثين عن إبراهيم إلا محمد

679 - حدثنا أحمد قال حدثنا جعفر بن حميد قال حدثنا خديج بن معاوية عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله : أنصر أخاك ظالما أو مظلوما إن كان مظلوما فانصره على من ظلمـه وإن كان ظالما فرده عن الظلم لم يرو هذا الحديث عن خديج إلا جعفر

680 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو عمير بن النحاس قال حدثنا أيوب بن سويد [ ص 211 ] عن سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : ما رأيت أحسن من رسول الله في حلة حمراء لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا أيوب

681 - حدثنا أحمد قال حدثنا علي بن حجر قال حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال قال رسول الله : لا نكاح إلا بولي لم يروه عن شريك إلا علي

682 - حدثنا أحمد قال حدثنا عباد بن موسى الي قال حدثنا قران بن تمام عن عمرو بن قيس الملائي عن زبيد اليامي عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال : كان رسول الله يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد لم يرو هذا الحديث عن عمرو غير قران

683 - حدثنا أحمد قال حدثنا أحمد بن محمد بن نيزك قال حدثنا محمد بن كثير الكوفي عن عمرو بن قيس الملائي عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال : علمنا رسول الله التشـهد التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشـهد أن لا إله إلا الله وأشـهد أن محمدا عبده ورسوله لم يرو هذا الحديث عن عمرو إلا محمد

684 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال حدثنا أبو يحيى التيمي عن موسى الجهني عن مجاهد عن عائشة قالت قال رسول الله : من قدم شيئا من ولده صابرا محتسبا حجبوه بإذن الله من النار لم يرو هذا الحديث عن موسى إلا أبو يحيى

685 - حدثنا أحمد قال حدثنا علي بن خشرم قال حدثنا عيسى بن يونس قال حدثني موسى الجهني عن زاذان عن عابس الغفاري قال سمعت رسول الله يقول : يتخوف على أمته ست خصال إمرة الصبيان وكثرة الشرط والرشوة في الحكم وقطيعة الرحم واستخفاف بالدم ونشو يتخذون القرآن مزامير يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أعلمـهم ولا بأفضلهم يغنيهم غناء لم يرو هذا الحديث عن موسى إلا عيسى

686 - حدثنا أحمد قال حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن الحراني قال حدثنا فياض بن محمد الرقي قال حدثنا جعفر بن برقان عن الزهري عن سالم عن بن عمر عن زيد بن الخطاب : أن رسول الله نـهى عن قتل العوامر ذوات البيوت لم يرو هذا الحديث عن جعفر إلا فياض

687 - حدثنا أحمد قال حدثنا مخلد بن مالك قال حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله : لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه لم يرو هذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة إلا زيد ورواه شعبة وأصحاب الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد

688 - حدثنا أحمد قال حدثنا عمرو بن هشام أبو أمية الحراني قال حدثنا [ ص 213 ] عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل ال إلا بمئزر ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته ال ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم إلا عثمان

689 - حدثنا أحمد قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا عبد الله بن وهب قال حدثني بن لهيعة عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم وعبد الرحمن بن حجيرة عن أبي هريرة أن رسول الله قال : مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يحدث بـه كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منـه لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن لهيعة

690 - حدثنا أحمد قال حدثنا سعيد بن حفص النفيلي قال حدثنا موسى بن أعين عن عمر بن الحارث عن أبي الزبير عن جابر قال : خرج علينا رسول الله ونحن نأكل على ترس فجلس فأكل معنا ولم يمس ماء لم يرو هذا الحديث عن عمرو إلا موسى

691 - حدثنا أحمد قال حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بزة قال حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال : مر النبي بقوم من الأنصار يضحكون فقال [ ص 214 ] أكثروا ذكر هادم اللذات لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا حماد تفرد بـه مؤمل

692 - حدثنا أحمد قال حدثنا إسحاق بن موسى أبو موسى الأنصاري قال حدثنا أبو غزية محمد بن موسى قاضي المدينة قال حدثنا أبو المثنى الكعبي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع عن بن عمر قال : رأيت رسول الله جالسا في وجه الكعبة محتبيا بيديه لم يرو هذا الحديث عن يحيى إلا أبو المثنى الكعبي سليمان بن يزيد تفرد بـه أبو غزية

693 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي قال حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن ليث بن أبي سليم عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وليس فيما دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمس أواق صدقة لم يرو هذا الحديث عن ليث إلا عبد الوارث

694 - حدثنا أحمد قال حدثنا معلل بن نفيل قال حدثنا محمد بن محصن العكاشي عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : نـهى رسول الله أن يسمي الرجل عبده أو ولده حارثا أو مرة أو وليدا أو حكما أو أبو الحكم أو أفلح أو نجيحا أو يسارا قال أحب الأسماء إلى الله ما تعبد بـه وأصدق الأسماء همام لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا محمد

695 - حدثنا أحمد قال حدثنا معلل بن نفيل قال حدثنا محمد بن محصن [ ص 215 ] عن بن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال : لما افتتح النبي مكة استقبلها بوجهه وقال أنت حرام ما أعظم حرمتك وأطيب ريحك وأعظم حرمة عند الله منك المؤمن لم يرو هذا الحديث عن بن جريج إلا محمد

696 - حدثنا أحمد قال حدثنا معلل قال حدثنا محمد بن محصن عن إبراهيم بن أبي عبلة عن عبد الله بن الديلمي عن حذيفة قال قال رسول الله : إذا عطس العاطس فشمته ولو من خلف سبعة أبحر ومن شمت عاطسا ذهب عنـه ذات الجنب ووجع الضرس والأذنين لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم بن أبي عبلة إلا محمد

697 - حدثنا أحمد قال حدثنا معلل بن نفيل قال حدثنا بقية بن الوليد عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن مكحول عن وقاص بن ربيعة عن المستورد بن شداد قال قال رسول الله : من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يط مثلها من جهنم ومن كسي برجل ثوبا فإن الله يكسوه مثله من جهنم ومن قام برجل مسلم مقام رياء وسمعة فإن الله يقيمـه مقام رياء وسمعة يوم القيامة لم يرو هذا الحديث عن بن ثوبان إلا بقية

698 - حدثنا أحمد قال حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النـهدي عن أبي موسى الأشعري : أن رجلا أراد أن يبايع النبي فأبصره النبي وعليه أثر صفرة فأبى أن يبايعه وقال طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونـه وطيب النساء ما ظهر لونـه وخفي ريحه [ ص 216 ] لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا الرمادي

699 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو الإصبع عبد العزيز بن يحيى الحراني قال حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبد الملك بن عمير عن أبي بردة عن أبي موسى قال : دخلت على رسول الله أنا وبن عم لي وفي يده سواك يستن بـه فقلت يا رسول الله استعملنا فإن عندنا غنى فقال رسول الله ما نريد أن نستعمل على عملنا من حرص عليه لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير إلا محمد بن إسحاق

700 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية بن بسطام قال حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر أن رسول الله قال : إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بن أم مكتوم لم يرو هذا الحديث عن روح بن القاسم إلا يزيد بن زريع ولا عن يزيد إلا أمية بن بسطام تفرد بـه الأبار

701 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية بن بسطام قال حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي قرأ : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى لم يرو هذا الحديث عن روح إلا يزيد ولا عن يزيد إلا أمية تفرد بـه الأبار

702 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية بن بسطام قال حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن رسول الله قال : خمس فواسق يقتلن في الحرم الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور

703 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية بن بسطام قال حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن [ ص 217 ] القاسم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رجلا أتى النبي فقال : يا رسول الله أن أمي افتلتت نفسها وأظنـها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنـها قال نعم لم يرو هذين الحديثين عن روح إلا يزيد ولا عن يزيد إلا أمية تفرد بهما الأبار

704 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية قال حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي قال : الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا

705 - وبه أن رسول الله قال : لا تبدءوهم بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقها

706 - وبه قال قال رسول الله : لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تفضي إليه خير له من أن يجلس على قبر

707 - وبه قال قال رسول الله : من صلى على جنازة فله قيراط ومن صلى عليها واتبعها حتى تدفن فله قيراطان قيل لأبي هريرة وما القيراطان قال أصغرهما مثل أحد

708 - وبه عن النبي قال : إن العبد ليتصدق بالتمرة من الكسب الطيب فيضعها في حقها فيقبلها الله تبارك وتعالى بيمينـه ثم لا يزال يربيها كأحسن ما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل أو أكثر

709 - وبه عن رسول الله : ويل للأعقاب من النار

710 - وبه قال قال رسول الله : لا يستر الله على عبد في الدنيا [ ص 218 ] إلآ ستر الله عليه يوم القيامة

711 - حدثنا أحمد قال حدثنا سليمان بن منصور البلخي قال حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن بن عمر قال : كان رسول الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى منكبيه لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أمية إلا مسلم بن خالد

712 - حدثنا أحمد قال حدثنا حميد بن علي الوراق قال حدثني نائلة عن أم عاصم عن السوداء قالت : أتيت رسول الله لأبايعه فقال اذهبي فاختضبي ثم تعالي حتى أبايعك لا يروى هذا الحديث عن السوداء إلا بهذا الإسناد تفرد بـه نائلة

713 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال حدثنا حفص بن غياث عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة : أن النبي أبصر رجلا يدعوا بإصبعيه جميعا فنـهاه وقال ادع بإحداهما باليمنى لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا حفص

714 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية بن بسطام قال حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار [ ص 219 ] عن بن عباس أنـه قال : ألا أريكم كيف وضوء رسول الله فأخذ ماء بيده فمضمض واستنشق ثم أخذ الماء بيده فضم إليها يده الأخرى فغسل وجهه ثم أخذ بيده فغسل يده وذراعيه ثم فعل مثل ذلك بالأخرى ثم مسح برأسه ثم أخذ بيده ماء فنضحه على قدميه ومسح بهما قدميه وعليه النعلان

715 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية بن بسطام قال حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن زيد بن أسلم عن معاذ بن أبي حواء عن جدته حواء أن رسول الله قال : يا نساء المسلمات لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو فرسن محترق

716 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية بن بسطام عن يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن بجيد عن جدته عن النبي قال : لا تردوا السائل ولو بظلف محرق

717 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية بن بسطام قال حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن بن أبي نجيح عن عطاء عن إياس بن خليفة عن رافع بن خديج : أن عليا أمر عمارا أن يسأل النبي عن المذي فقال يغسل ذكره ويتوضأ

718 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع قال حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قلنا : يا رسول الله نفضي إلى نسائنا في الجنة فقال إي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء لم يرو هذا الحديث عن هشام إلا زائدة

719 - حدثنا أحمد قال حدثنا بشر بن الوليد الكندي قال حدثنا إسماعيل بن [ ص 220 ] عياش عن برد بن سنان عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال : لا يضن أحدكم بقليل من ماله تزوج أم بكثير بعد أن يشـهد لم يرو هذا الحديث عن برد إلا إسماعيل بن عياش

720 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع بن الوليد قال حدثني أبي قال حدثنا زياد بن خيثمة عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله : إني فرط لكم على الحوض وإن بعد ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيلة وإن الأباريق فيه بعدد النجوم لم يرو هذا الحديث عن زياد بن خيثمة إلا شجاع بن الوليد

721 - حدثنا أحمد قال حدثنا عامر بن سيار قال حدثنا عبد الكريم الخراز عن أبي إسحاق الهمداني عن الحارث وعاصم بن ضمرة عن علي قال : كل دعاء محجوب حتى يصلي على محمد وآل محمد لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا عبد الكريم الخراز

722 - حدثنا أحمد قال حدثنا علي بن حجر المروزي قال حدثنا عبد العزيز بن الحصين عن أيوب السختياني عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي قال : توضئوا مما غيرت النار لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا عبد العزيز بن الحصين بن أبي جعفر

723 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني أبو الأصبغ قال حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر : أن رسول الله أراد أن يزوج رجلا من امرأة فقال يا فلانة أتحبين أن أزوجك فلانا يا فلان أتحب أن أزوجك فلانة

724 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو الأصبغ الحراني قال حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله : خير النكاح أيسره لم يرو هذين الحديثين عن يزيد بن أبي حبيب إلا محمد بن إسحاق تفرد بهما محمد بن سلمة ولا يروى عن عقبة بن عامر إلا بهذا الإسناد

725 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية بن بسطام قال حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن سهيل بن أبي صالح عن أبي عبيد عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة عن النبي قال : من كبر دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وسبح ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا وثلاثين وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير تمام المائة غفرت ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر

726 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية بن بسطام قال حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن جابر أنـه : كان على أبيه أوسق من تمر فقلنا للرجل خذ ثمرة نخلنا فأبى فأتى رسول الله ومعه عمر فدعا لنا فيها بالبركة فجذذناها فأعطينا الرجل كل شيء كان له وبقي خرص نخلنا كما هو فأتيت رسول الله فأخبرته فقال أخبر عمر فأخبرته فقال قد علمت يا رسول الله أنك إذا دعوت لهم فيها بالبركة أنـه سيبارك فيها

727 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية بن بسطام قال حدثنا يزيد بن زريع عن [ ص 222 ] روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر أن أم هانئ حدثت : أن النبي دخل عليها يوم الفتح فصلى الضحى أربع ركعات

728 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية بن بسطام قال حدثنا يزيد بن زريع عن روح عن محمد بن المنكدر قال : زعمت أم هانئ أنـه تعني النبي أكل كتفا ولم يتوضأ

729 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية قال حدثنا يزيد بن زريع عن روح عن أبي رافع : أن النبي أكل من لحم شاة ولم يتوضأ

730 - حدثنا أحمد قال حدثنا أمية قال حدثنا يزيد بن زريع عن روح عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال : إن ناسا يخرجون من النار

731 - حدثنا أحمد قال حدثنا سفيان بن زياد العقيلي قال حدثنا سعيد بن يزيد بن الصلت قال حدثنا بن جريج عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله : ليس من البر الصيام في السفر لم يرو هذا الحديث عن بن جريج إلا سعيد بن يزيد تفرد بـه سفيان بن زياد

732 - حدثنا أحمد قال حدثنا عبد الرحمن بن نافع درخت قال حدثنا علي بن ثابت عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله : إن لكل شيء نسبة وإن نسبة الله قل هو الله أحد لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد تفرد بـه عبد الرحمن بن نافع

733 - حدثنا أحمد قال حدثنا أبو حصين الرازي قال حدثنا يحيى بن سليم قال حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله : ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي لم يرو هذا الحديث عن بن خثيم إلا يحيى بن سليم تفرد بـه أبو حصين

734 - حدثنا أحمد قال حدثنا كثير بن يحيى صاحب البصري قال حدثنا ميمون بن زيد قال حدثنا صالح صاحب القلانس عن الحسن قال حدثني عبد الله بن مغفل قال قال رسول الله : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر لم يرو هذا الحديث عن صالح إلا ميمون تفرد بـه كثير بن يحيى

735 - حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن إسماعيل الواسطي قال حدثنا أحمد بن عيسى التنيسي قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن مصعب بن ماهان عن سفيان الثوري عن حماد بن سلمة عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس بن مالك قال قال رسول الله : هذا بن آدم ووضع يده تحت ذقنـه ثم بسط يده فقال هذا أمله لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا مصعب بن ماهان ولا عن مصعب إلا عمرو بن أبي سلمة تفرد بـه أحمد بن عيسى

736 - حدثنا أحمد قال حدثنا إسحاق بن وهب العلاف قال حدثنا سهل بن سعيد قال حدثنا زياد الجصاص قال حدثنا أنس بن مالك قال قال رسول الله : يأتي على الناس زمان هم ذئاب فمن لم يكن ذئبا أكله الذئاب [ ص 224 ] لم يرو هذا الحديث عن زياد الجصاص إلا سهل بن سعيد تفرد بـه إسحاق بن وهب

737 - حدثنا أحمد قال حدثنا هشام بن خالد الأزرق الدمشقي قال حدثنا بقية بن الوليد قال حدثنا بن جريج عن عطاء عن بن عباس قال قال رسول الله : من أصيب بمصيبة بماله أو في نفسه وكتمـها ولم يشكها إلى الناس كان حقا على الله أن يغفر له

738 - حدثنا أحمد قال حدثنا هشام بن خالد قال حدثنا بقية قال حدثنا بن جريج عن عطاء عن بن عباس قال قال رسول الله : لما خلق الله جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون لم يرو هذين الحديثين عن بن جريج إلا بقية تفرد بهما هشام بن خالد

739 - حدثنا أحمد قال حدثنا أحمد بن حفص قال حدثني أبي قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن منصور بن المعتمر عن الحكم بن عتيبة عن طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال قال رسول الله : إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول وكان يأتينا إلى الصلاة فيمسح مناكبنا وصدورنا ويقول لا تختلفوا فتختلف قلوبكم لم يرو هذا الحديث عن منصور عن الحكم إلا إبراهيم بن طهمان ورواه سفيان الثوري عن منصور عن طلحة نفسه

740 - حدثنا أحمد قال حدثنا العلاء بن موسى بن عطية أبو الجهم الباهلي قال حدثنا الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر عن رسول الله أنـه قال : خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا والبيت العتيق لم يرو هذا الحديث عن الليث إلا العلاء بن موسى

741 - حدثنا أحمد قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا عكرمة بن إبراهيم عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود عن النبي قال : قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن لم يرو هذا الحديث عن عكرمة بن إبراهيم إلا علي بن الجعد

742 - حدثنا أحمد قال حدثنا سليمان بن النعمان الشيباني قال حدثنا القاسم بن الفضل الحداني عن قتادة عن قسامة بن زهير عن أبي هريرة أن رسول الله قال : إن المؤمن إذا حضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك ومن ضبائر الريحان وتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين ويقال يا أيتها النفس المطمئنة اخرجي راضية مرضية مرضيا عنك وطويت عليه الحريرة ثم يبعث بها إلى عليين وإن الكافر إذا حضر أتت الملائكة بمسح فيه جمرة فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال أيتها النفس الخبيثة اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى هوان وعذاب وإذا خرجت روحه ووضعت على تلك الجمرة فإن لها نشيشا فيطوى عليها المسح ويذهب بها إلى سجين لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن الفضل إلا سليمان بن النعمان

743 - حدثنا أحمد قال حدثنا إسحاق بن سعيد بن الأركون أبو سلمة الجمحي الدمشقي قال حدثنا خليد بن دعلج أبو عمرو السدوسي عن عطاء بن أبي رباح عن بن عباس قال قال رسول الله : أمان أهل الأرض من الاختلاف [ ص 226 ] الموالاة لقريش قريش أهل الله ثلاث مرات فإذا خالفتها قبيلة من العرب صاروا حزب إبليس لم يرو هذا الحديث عن عطاء إلا خليد بن دعلج

744 - حدثنا أحمد قال حدثنا محمد بن يوسف العصيمي قال حدثنا رشدين بن سعد بن مصبح بن هلال المـهري أبو الحجاج عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي عن النبي أنـه قال : لا ينجس الماء شيء إلا ما غير ريحه أو ط لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن صالح إلا رشدين تفرد بـه محمد بن يوسف

745 - حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان البغدادي قال حدثنا عمرو بن خالد الحراني قال حدثنا بن لهيعة عن عبد ربه بن سعيد عن سلمة بن كهيل عن شقيق بن سلمة عن جرير بن عبد الله قال : كان النبي إذا بعث سرية قال بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان لا يروى هذا الحديث عن جرير إلا بهذا الإسناد تفرد بـه بن لهيعة

746 - حدثنا أحمد بن بشير أبو أيوب الطيالسي قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله : صلاة القاعد على النصف [ ص 227 ] من صلاة القائم هكذا رواه جرير بن حازم عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أبي سلمة ورواه سفيان بن عيينة عن الزهري عن عيسى بن طلحة ورواه بن جريج عن الزهري عن أنس بن مالك ورواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سائب بن يزيد عن المطلب بن أبي وداعة ورواه عبد الله بن زياد الرصاصي عن الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي عن عبد الله بن عمرو ورواه محمد بن الزبير الحراني عن سالم عن أبيه والصحيح والله أعلم ما رواه سفيان بن عيينة

747 - حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا الفضل بن حبيب السراج قال حدثنا حيان بن عبد الله أبو زهير عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : اشتهى رسول الله تمرا فأتى بصاع من عجوة فلما جاؤوا بـه أنكره وقال من أين لكم هذا قالوا بعثنا بصاعين فأتينا بصاع قال ردوه ردوه لا حاجة لنا بـه لا يروى هذا الحديث عن بريدة إلا بهذا الإسناد ولم يروه إلا يحيى بن معين

748 - حدثنا أبو أيوب أحمد بن بشير الطيالسي قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا حجاج بن محمد عن بن جريج قال أخبرني محمد بن الحارث قال : قدم رجل يقال له أبو علقمة حليف في بني هاشم وكان فيما حدثنا أنـه قال سمعت أبا هريرة يقول إن من أشراط الساعة أن يظهر الشح والفحش ويؤتمن الخائن ويخون الأمين ويظهر ثياب يلبسها نساء كاسيات عاريات ويعلو التحوت الوعول أكذلك يا عبد الله بن مسعود سمعته من حبي قال نعم ورب الكعبة قلنا وما التحوت قال فسول الرجال وأهل البيوت الغامضة يرفعون فوق صالحيهم والوعول أهل البيوت الصالحة لم يرو هذا الحديث عن بن جريج إلا حجاج

749 - حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا حجاج عن بن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنـه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله يقول : أنا فرطكم بين أيديكم فإن لم تجدوني فأنا على الحوض والحوض ما بين أيلة إلى مكة وسيأتي رجال ونساء بآنية وقرب لم يرو هذا الحديث عن بن جريج إلا حجاج

750 - حدثنا أحمد بن بشير قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله : إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة فلا بأس أن ينظر إليها [ ص 229 ] لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا معمر تفرد بـه عبد الرزاق

751 - حدثنا أحمد بن بشير قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا معتمر بن سليمان قال قرأت على الفضل بن ميسرة قال حدثني أبو حريز أنـه سمع سعيد بن جبير يقول سأل رجل عبد الله بن عمر عن صوم يوم عرفة فقال : كنا ونحن مع رسول الله نعدله بصوم سنتين لم يرو هذا الحديث عن سعيد بن جبير إلا أبو حريز

752 - حدثنا أحمد بن بشير قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا وهب بن جرير قال سمعت أبي يقول سمعت يونس بن يزيد يحدث عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن بن عباس قال : كان أسامة بن زيد رديف رسول الله من عرفة إلى المزدلفة ثم ردفه الفضل من المزدلفة إلى منى فكلاهما حدث قال لم يزل رسول الله يلبي حتى رمى الجمرة لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا يونس بن يزيد تفرد بـه جرير بن حازم ولا رواه عن جرير إلا ابنـه وهب

753 - حدثنا أحمد بن بشير قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا عتاب بن زياد قال حدثنا أبو حمزة عن إبراهيم الصائغ عن نافع عن بن عمر قال : كان رسول الله يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة ويسمعناها لم يرو هذا الحديث عن إبراهيم الصائغ إلا أبو حمزة السكري

754 - حدثنا أحمد بن بشير قال حدثنا أبو معمر القطيعي قال حدثنا عبد الله بن جعفر عن ثور بن زيد عن أبي الغيث [ ص 230 ] عن أبي هريرة قال قال رسول الله : بورك لأمتي في بكورها لم يرو هذا الحديث عن ثور إلا عبد الله بن جعفر

755 - حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي قال حدثنا سليمان بن أيوب صاحب البصري وشباب العصفري قالا حدثنا هارون بن دينار عن أبيه قال سمعت رجلا من أصحاب النبي يقال له ميمون بن سنباذ يقول سمعت رسول الله يقول : قوام أمتي بشرارها لا يروى هذا الحديث عن ميمون بن سنباذ إلا بهذا الإسناد تفرد بـه هارون بن دينار

756 - حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي قال حدثنا هدبة بن خالد قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله قال : في هذه الآية { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون وما هو ألم يبيض وجوهنا ألم يثقل موازيننا ألم يزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة فيكشف لهم عن الحجاب فينظرون إلى الله عز و جل فما شيء أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا حماد بن سلمة

757 - حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي قال حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال حدثنا الهذيل بن بلال أبو البهلول قال حدثنا عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه قال : جعل رسول الله الأذان لنا ولموالينا والسقاية لبني هاشم والحجابة لبني عبد الدار لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن أبي محذورة إلا الهذيل بن بلال

758 - حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي قال حدثنا محمد بن شجاع المروزي محمويه قال حدثنا أبو عبيدة الحداد عبد الواحد بن واصل عن المثنى العطار عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي قال : صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت أن يرهقك الصبح فأوتر بواحدة لم يرو هذا الحديث عن المثنى العطار إلا أبو عبيدة الحداد

759 - حدثنا أحمد بن بشير قال حدثنا عبيد بن جناد الحلبي قال حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر قال : مر النبي في حجته عند امرأة فأخرجت صبيا بيدها فقالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم ولك أجر لم يرو هذا الحديث عن يوسف إلا عبيد بن جناد

760 - حدثنا أحمد بن بشير قال حدثنا محمد بن عقبة السدوسي قال حدثنا يونس بن أرقم عن أبي الجارود عن حبيب بن يسار عن بن عباس قال : كان العباس بن عبد المطلب إذا دفع مالا مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك بـه بحرا ولا ينزل بـه واديا ولا يشتري بـه ذات كبد رطبة فإن فعل فهو ضامن فرفع شرطه إلى رسول الله عليه وسلم فأجازه لا يروى هذا الحديث عن بن عباس إلا بهذا الإسناد تفرد بـه محمد بن عقبة

761 - حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي قال حدثنا محمد بن عقبة السدوسي قال حدثنا مسكين بن عبد الله أبو فاطمة الأزدي قال سمعت أبا عطية البكري بكر بن وائل يقول : انطلق بي أهلي إلى النبي وأنا غلام شاب فمسح يده على رأسي [ ص 232 ] قال فرأيت أبا عطية أسود الرأس واللحية وكانت قد أتت عليه مائة سنة لا يروى هذا الحديث عن أبي عطية إلا بهذا الإسناد تفرد بـه محمد بن عقبة

762 - حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي قال حدثنا داود بن عمرو الضبي قال حدثنا المثنى بن زرعة عن محمد بن إسحاق قال حدثني الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون الأودي عن عبد الله بن مسعود قال : بينا رسول الله في المسجد وأبو جهل بن هشام وشيبة وعقبة ابنا ربيعة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف فقال أبو جهل أيكم يأتي جزور بني فلان فيأتينا بفرثها فيلقيه على محمد فانطلق أشقاهم وأسفههم عقبة بن أبي معيط فأتى بـه فالقاه على كتفيه ورسول الله ساجد لم يهتم قال بن مسعود وأنا قائم لا أستطيع أن أتكلم بشيء ليس عندي عشيرة تمنعني إذ سمعت فاطمة بنت رسول الله بذلك فأقبلت حتى ألقت ذلك عن أبيها ثم استقبلت قريشا تسبهم فلم يرجعوا إليها شيئا ورفع رسول الله رأسه كما كان يرفعه عند تمام سجوده فلما قضى رسول الله صلاته قال اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش اللهم عليك بعقبة وعتبة وأمية بن خلف وأبي جهل بن هشام وشيبة وخرج رسول الله من المسجد فلقيه أبو البختري ومع أبي البختري سوط بخنصريه فلما رأى رسول الله أنكر وجهه فأخذه فقال تعال مالك فقال النبي خل عني فقال علم الله لا أخلي عنك أو تخبرني ما شأنك ولقد أصابك سوء فلما علم رسول الله أنـه غير مخل عنـه أخبره فقال ان أبا جهل أمر فطرح علي فرث [ ص 233 ] فقال أبو البختري هلم إلى المسجد فأبى النبي فأخذه أبو البختري فأدخله المسجد ثم أقبل إلى أبي جهل فقال يا أبا الحكم أنت أمرت بمحمد فطرح عليه الفرث فقال نعم فرفع السوط فضرب بـه رأسه فتأخرت الرجال بعضها إلى بعض فقال أبو جهل ويحكم هي له إنما أراد محمد أن يلقي بيننا العداوة وينجوا هو وأصحابه لم يرو هذا الحديث عن الأجلح إلا محمد بن إسحاق تفرد بـه المثنى بن زرعة

763 - حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي قال حدثنا محمد بن جعفر الوركاني قال حدثنا مالك بن أنس عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله : السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومـه ولذته وطعامـه وه فإذا قضى أحدكم نـهمته من سفره فليسرع الرجوع إلى أهله لم يرو هذا الحديث عن مالك عن سهيل إلا محمد بن جعفر الوركاني ومحمد بن خالد بن عثمة ورواه أصحاب مالك عن مالك عن سمي عن أبي صالح ورواه عتيق بن يعقوب الزبيري عن مالك عن أبي النضر عن أبي صالح ورواه رواد بن الجراح عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم عن عائشة

764 - حدثنا أحمد بن بشير الطيالسي قال حدثنا شيبان بن فروخ قال حدثنا أبو هلال الراسبي محمد بن سليم قال حدثني أبو موسى الهلالي عن أبيه عن كعب بن عجرة قال : دخل علينا رسول الله المسجد فقال من [ ص 234 ] ها هنا هل تسمعون إن بعدي أمراء يعملون بغير طاعة الله عز و جل فمن شاركهم في عملهم وأعانـهم على ظلمـهم فليس مني ولست منـه ولن يرد علي الحوض ومن لم يشاركهم في عملهم ولم يعنـهم على ظلمـهم فهو مني وأنا منـه وسيرد علي الحوض لم يرو هذا الحديث عن أبي موسى الهلالي إلا أبو هلال الراسبي

765 - حدثنا أحمد بن بشير قال حدثنا عبد الجبار بن عاصم أبو طالب قال حدثنا أبو المليح الرقي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال أول خبر : جاءنا بالمدينة مبعث رسول الله أن امرأة من أهل المدينة كان لها تابع من الجن جاء في صورة طير حتى وقع على جذع لهم فقالت له ألا تنزل إلينا فتحدثنا ونحدثك وتحذرنا ونحذرك فقال لا إنـه قد بعث بمكة نبي حرم الزنى ومنع منا القرار لم يرو هذا الحديث عن بن عقيل إلا أبو المليح الحسين بن عمر

766 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا الفيض بن وثيق الثقفي قال حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال حدثنا عكرمة بن عبد الله البناني عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله قال : يجيء المقتول آخذا قاتله وأوداجه تشخب دما عند ذي العزة فيقول يا رب سل هذا فيم قتلني فيقول فيم قتلته قال قتلته لتكون العزة لفلان قيل هي لله لم يروه عن عاصم إلا عكرمة بن عبد الله البناني من أهل البصرة تفرد بـه الفيض بن وثيق الثقفي

767 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت عن بن أبي حبيبة عن موسى بن عقبة عن كريب [ ص 235 ] عن بن عباس قال : كان رسول الله إذا تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه لا يروى عن بن عباس إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد تفرد بـه إبراهيم بن المنذر

768 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا الفيض بن وثيق الثقفي قال حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق وأيوب عن محمد بن سيرين عن عمران بن الحصين : أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند الموت لم يكن له مال غيرهم فأقرع النبي بينـهم فاعتق اثنين وأرق أربعة لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن عتيق إلا حماد بن زيد تفرد بـه الفيض بن وثيق

769 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا الفيض بن وثيق الثقفي قال حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال حدثنا عنبسة الأعور عن الحسن عن عمران بن الحصين وسمرة بن جندب : أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند الموت لم يكن له مال غيرهم فأقرع النبي بينـهم فأعتق اثنين وأرق أربعة لم يرو هذا الحديث عن عنبسة بن أبي رائطة الأعور الغنوي إلا عبد الوهاب الثقفي تفرد بـه الفيض بن وثيق ولا قال أحد ممن روى هذا الحديث عن الحسن عن سمرة إلا عنبسة

770 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا الفيض بن وثيق الثقفي قال حدثنا جرير بن عبد الحميد عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال قال رسول الله : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانـها [ ص 236 ] لم يرو هذا الحديث عن حبيب بن أبي عمرة إلا جرير تفرد بـه الفيض بن وثيق

771 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا خلف قال حدثنا عبثر بن القاسم عن الأعمش عن الحكم عن مقسم عن بن عباس : أن النبي صلى يوم التروية بمنى الظهر والعصر لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عبثر

772 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة قال حدثنا عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري قال حدثنا سفيان الثوري عن أبي الجحاف عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله : ما ذئبان ضاريان جائعان باتا في زريبة غنم أغفلها أهلها يفترسان ويأكلان بأسرع فيها فسادا من حب المال والشرف في دين المرء المسلم لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا عبد الملك الذماري

773 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا الفيض بن وثيق الثقفي قال حدثنا جرير بن عبد الحميد عن مغيرة بن مقسم الضبي عن واصل بن حيان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله : صلى الله عليه و سلم لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله وأنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منـها ظهر وبطن لم يرو هذا الحديث عن مغيرة إلا جرير

774 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا إبراهيم بن المـهاجر بن مسمار عن صفوان بن سليم عن يزيد الرقاشي [ ص 237 ] عن أنس بن مالك قال : بعث نبي الله بعد ثمانية آلاف نبي منـهم أربعة ألاف من بني إسرائيل لم يرو هذا الحديث عن صفوان بن سليم عن يزيد الرقاشي إلا إبراهيم بن المـهاجر بن مسمار تفرد بـه إبراهيم بن المنذر ورواه زياد بن سعد بن صفوان بن سليم عن أنس

775 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي قال حدثنا عمرو بن هاشم أبو مالك الجنبي عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبي الطفيل قال : جاء النبي وعلي رضي الله عنـه قائم في التراب فقال إن أحق أسمائك أبو تراب أنت أبو تراب لا يروى هذا الحديث عن أبي الطفيل إلا بهذا الإسناد تفرد بـه عبد الرحمن بن صالح

776 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا سعيد بن سليمان عن صالح بن عمر عن مطرف بن طريف عن أبي إسحاق عن عمرو ذي مر عن علي : في قوله { الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومـهم دار البوار } الآية قال نزلت في الأفخرين من قريش بني مخزوم وبني أمية فأما بنو مخزوم فقطع الله دابرهم يوم بدر وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين لم يرو هذا الحديث عن مطرف إلا صالح بن عمر تفرد بـه سعيد بن سليمان

777 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال حدثنا سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر عن هشام بن عروة عن أبيه [ ص 238 ] عن بن عمر قال : صلى رسول الله بمنى ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان شطرا من إمارته لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا أبو خالد الأحمر وعبدة بن سليمان

778 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال حدثنا قزعة بن سويد عن عمرو بن دينار عن أبي هريرة قال قال رسول الله : من قال لا إله إلا الله موقنا دخل الجنة لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن دينار إلا قزعة بن سويد تفرد بـه القواريري

779 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا سعيد بن سليمان عن عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الحكم بن مقسم ومجاهد عن بن عباس قال قال رسول الله : قبل التروية بيوم منزلنا غدا إن شاء الله بالخيف الأيمن حيث استقسم المشركون على الكفر لم يرو هذا الحديث عن سفيان بن حسين إلا عباد بن العوام

780 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا يوسف بن عطية الصفار قال سمعت مرزوقا أبا عبد الله الشامي يحدث عن مكحول عن أبي أمامة قال قال رسول الله : ما من ناشيء ينشأ في العبادة حتى يدركه الموت إلا أعطاه الله أجر تسعة وتسعين صديقا لم يرو هذا الحديث عن مكحول إلا مرزوق أبو عبد الله

781 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري [ ص 239 ] قال حدثنا داود بن منصور القاضي قال حدثنا زكريا بن حكيم الحبطي البصري عن الحسن عن سليك الغطفاني قال : بينما رسول الله يخطب إذ دخلت المسجد فجلست فقال هل ركعت الركعتين قلت لا قال فاركعهما لم يرو هذا الحديث عن زكريا بن حكيم إلا داود بن منصور القاضي

782 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا سعيد بن سليمان عن عباد بن العوام عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن عائشة أن رسول الله قال لها : يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام فقلت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته فذهبت تزيد فقال النبي إلى هذا انتهى السلام فقال رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت لم يرو هذا الحديث عن العلاء بن المسيب إلا عباد بن العوام

783 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا سعيد بن سليمان عن منصور بن أبي الأسود عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله : كل بن آدم يبلى إلا عجب الذنب وفيه يركب الخلق يوم القيامة لم يرو هذا الحديث عن منصور بن أبي الأسود إلا سعيد بن سليمان

784 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا الفيض بن وثيق الثقفي قال حدثنا أبو أمية بن يعلى الطائفي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : قام رسول الله على المنبر وبيده كتاب فقال لأعطين هذا الكتاب رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قم يا عثمان بن أبي العاص فقام عثمان بن أبي العاص فدفعه إليه [ ص 240 ] لم يرو هذا الحديث عن المقبري إلا أبو أمية بن يعلى تفرد بـه الفيض بن وثيق

785 - حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال حدثنا الفيض بن وثيق قال حدثنا أبو أمية بن يعلى عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله لعمرو بن جدعان : إذا اشتريت نعلا فاستجدها وإذا اشتريت ثوبا فاستجده لم يرو هذا الحديث عن سعيد المقبري إلا أبو أمية تفرد بـه الفيض بن وثيق

أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14. نسل اول ازارا . نسل اول ازارا ، نسل اول ازارا




[كتاب : المعجم الأوسط للطبراني نسل اول ازارا]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Mon, 23 Jul 2018 17:45:00 +0000



حلما نعمتي

الكتاب : بستان الواعظين ورياض السامعين

بسم الله الرحمن الرحيم

مجلس في الاستعاذة تفسير الاستعاذة
قال الله تبارك وتعالى { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنـه هو السميع العليم } الأعراف 200 وقال تعالى { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله } النحل 98 المعنى فاستعذ بالله إذا أردت أن تقرأ القرآن أعوذ بالله ملاذا وعياذا ويقال هذا عوذ لي مما أخاف منـه أي مجيري والع عني وتسمى المرأة عائذا لأنـها تعوذ بولدها
والتعوذ بالقرآن هو الشفاء من آفات الشيطان
وكان النبي {صلى الله عليه وسلم} يتعوذ من آفات كثيرة تواترت بها الأخبار
وكان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يتعوذ من البخل والجبن والهرم والكسل وعذاب القبر وفتنة الدجال فتعوذوا مما تعوذ منـه نبيكم {صلى الله عليه وسلم} واعتصموا بمولاكم العظيم من كيد الشيطان الرجيم
أعوذ بالله وأحتمي بالله وأستكفي بالله يا قارئ يا تالي بمن تعوذ بمن تلوذ بمن تستغيث بمن تستجير بمن تستنصر بمن تعتصم بمن تحتمي بمن تستكفي إلا بالله
نصائح
اعلم أن المستعيذ بالله من الشيطان الرجيم معتصم بحبل الله المتين
أعوذ بالله من الذنوب والعصيان أعوذ بالله من الضلال والخذلان أعوذ بالله من سخط الرحمن
اعلم يا أخي أن العبد إذا اعتصم بحبل السلطان المخلوق سلم من شر الظالمين فأحرى أن يسلم المستعيذ برب العالمين من الشيطان العدو اللعين
روى عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من استعاذ بالله في اليوم عشر مرات من الشيطان الرجيم وكل الله بـه ملكا يذود عنـه شر الشيطان كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض فكيف لا يسلم المستعيذ بالله من الشيطان والملك يذود عنـه بأمر الملك الديان
3 كيفية الاستعاذة
أعوذ بالله من أكل الحرام أعوذ بالله من ظلم الضعفاء والأيتام أعوذ بالله من ارتكاب الكبائر والآثام أعوذ بالله من سخط الملك العلام

أعوذ بالله من عدم التوفيق لحسن العمل أعوذ بالله من الركون إلى طول الأمل أعوذ بالله من تمزيق الأعمار في مخالفة هدي الأبرار ونستعينـه على تطهير القلوب من طوالع الارتياب وجنايات الاغتياب فإنـه داء قد أعيا دواؤه وتعذر شفاؤه وعم بلاؤه وكما نستعين بـه على تطهير ضمائرنا من حب الدنيا فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة وأصل كل بلية فلذلك نسأله علما نافعا وعملا متقابلا وإيمانا صريحا ويقينا صحيحا
أعوذ بالله من رأي يكون ضلالا أعوذ بالله من عمل يصير حسرة ووبالا أعوذ بالله من نية تعقب وزرا أعوذ بالله من عزيمة تجلب شرا أعوذ بالله من عدم التوفيق أعوذ بالله من ترك التحقيق أعوذ بالله من ترك السعة والرجوع إلى الضيق
تحذير من الشيطان
عباد الله تفكروا في إخراج أبيكم آدم من الجنة دار الأمان وهبوطه إلى دار الذل والهوان وكان سبب ذلك الملعون الشيطان
وقد نـهاكم مولاكم عن طاعته وأمركم بمعصيته فإن في طاعته سخط الرحمن ومعصيته توجب سكنى الجنان ونزول محل الرضوان
قال الله سبحانـه وتعالى { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء }
البقرة 268 فمن أطاعه خذله وصده عن الهدى وفتح في قلبه أبواب الضلالة والردى
قال الله تبارك وتعالى { وكان الشيطان للإنسان خذولا } الفرقان 29 أعوذ بالله من وسواس الصدر أعوذ بالله من المكر والغدر أعوذ بالله من شتات الأمر أعوذ بالله من قلة الشكر أعوذ بالله من عذاب القبر أعوذ بالله من ترك المتاب أعوذ بالله من شدة العذاب أعوذ بالله من مناقشة الحساب أعوذ بالله من غضب رب الأرباب
5 التعوذ عبادة
واعلموا عباد الله أن التعوذ بالله من الشيطان الرجيم هو من أفضل العبادات لأن الله تعالى قد أمر عبده المؤمن أن يتعوذ بـه من الشيطان الرجيم في محكم القرآن الكريم
الله الله لا تقروا عين عدوكم الشيطان فإنـه يؤديكم إلى عذاب النيران ويصدكم عن دار الخلد وسكنى الجنان

أعوذ بالله من مرديات الأعمال أعوذ بالله من الغي والمحال أعوذ بالله من سخط ذي الجلال
واعلموا وفقنا الله وإياكم أن من دخل الحصن سلم من شر الأعداء وصار في حرز ذي النعم والآلاء ومن استعاذ بالملك الرحمن سلم من شر العدو الشيطان
والاستعاذة أحصن حصن لدين المؤمن من كيد الشيطان الرجيم وأحرز حرز لقلبه من وسواس العدو اللئيم
أعوذ بالله من شـهادة الزور أعوذ بالله من ركوب الفجور أعوذ بالله من الغي والنفور أعوذ بالله من الشيطان المبعد المثبور أعوذ بالله من الركون إلى دار الغرور أعوذ بالله من سخط الملك الغفور
6 تعوذ النبي {صلى الله عليه وسلم}
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه كان يقول } اللهم إني أعوذ بك من صاحب غفلة وقرين سوء وروح أذى { أعوذ بالله من شماتة الأعداء أعوذ بالله من خيبة الرجاء أعوذ بالله من عضال الداء أعوذ بالله من مخالفة الهدى أعوذ بالله من أفعال الردى أعوذ بالله من سخط ذي النعيم والآلاء أعوذ بالله من عثرات اللسان
أعوذ بالله من النميمة والخذلان أعوذ بالله من الغيبة والبهتان أعوذ بالله من عقوبة الملك الديان 7
أحاديث في عذاب القبر
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه مر على البقيع فوقف على قبر ثم قال } الآن أقعدوه والآن سألوه والذي بعثني بالحق لقد ضربوه بأرزبة من نار لقد تطاير قلبه نارا { ثم وقف على قبر آخر فقال مثل مقالته على القبر الأول ثم قال {صلى الله عليه وسلم} لأصحابه } ولولا أني أخشى على قلوبكم لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر مثل الذي أسمع { فقالوا يا رسول الله ما كان فعل هذين الرجلين فقال عليه السلام } أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة بين الناس وكان الآخر لا يستنزه من البول
8 - أسباب عذاب القبر
وقد روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } لا يعذب أحد في قبره إلا بإحدى ثلاث في الغيبة والنميمة والبول { فالله الله عباد الله تعوذوا بالله من الغيبة والنميمة والبهتان وأذى الجيران فإن ذلك كله يبعد عن الرحمن ويقرب من الشيطان ويصد عن الجبان ويؤدي إلى النيران

أعوذ بالله من علة الدين أعوذ بالله من ضعف اليقين أعوذ بالله من الشيطان اللعين أعوذ بالله من سخط رب العالمين أعوذ بالله من الشيطان المثبور أعوذ بالله من عذاب القبور أعوذ بالله من ترك النعيم والسرور أعوذ بالله من الصد من دار الحبور أعوذ بالله من عذاب الويل والثبور أعوذ بالله من عقوبة من يعلم ما في الصدور
9 القرآن يأمر بالاستعاذة
واعلموا عباد الله أن من استعاذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم فقد عمل بالقرآن الحكيم وذلك أن الله تبارك وتعالى أمره بالاستعاذة من اللعين إبليس في آي كثيرة من القرآن
فمن استعاذ بالملك الوهاب من شر الشيطان الكذاب فقد عمل بالسنة وأحكام الكتاب
والقرآن شافع لمن عمل بـه وخصم على من لم يعمل به
واعلموا عباد الله أن الشيطان يصدكم عن العمل بالتنزيل ويبعدكم عن الملك الجليل ويلقيكم في معصيته لتصيروا إلى العذاب الدائم الطويل في اليوم الهائل العبوس الثقيل
0 لكل أحد الشيطان
روي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنـها أنـها قالت قلت يا رسول الله ما من أحد إلا ومعه شيطان قال نعم قالت وأنت يا رسول الله قال وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم أعوذ بالله من خشوع النفاق أعوذ بالله من البعد والفراق أعوذ بالله من مخالفة الملك الخلاق أعوذ بالله من عذاب يوم التلاق أعوذ بالله من الخلاف بعد الوفاق
وأنشدوا
ويحك عذ بالله ذي الجلال
والمجد والنعماء والإفضال
ثم اتل آيات من القرآن
ووحد الله ولا تبال
أعوذ بالله من عبد شارد أعوذ بالله من شيطان مارد أعوذ بالله من عدو حاسد أعوذ بالله من قلب فاسد أعوذ بالله من بدن عن الطاعة متقاعد
واعلموا عباد الله أن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبده خيرا أبعد عنـه شيطانـه وأعانـه عليه ونشطه للطاعة وأزال عن بدنـه الكسل فأقبل العبد عند ذلك على مولاه وأعرض عمن سواه وآثر رضاء سيده على هواه فعند ذلك يجعل الله الجنة العالية مأواه

وإذا أراد بعبده شرا مكن منـه شيطانـه وسلطه عليه فأبعده عن طاعة الجبار وكسله عن عمل الأبرار وحبب إليه أعمال أهل النار وبغض إليه أعمال أهل دار القرار
1 فرح الشيطان بالعاصي الجاهل
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يغلب خيره على شره قبله الشيطان بين عينيه وقال فديت وجها لا يفلح أبدا فإن من الله وتاب عليه واستنقذه من الضلالة واستخرجه من غمرات الجهالة يقول الشيطان لعنـه الله واويلاه قطع عمره في الضلالة فأقر بالمعصية عيني ثم أخرجه الله بالتوبة من الجهالة فأكثر بالتوبة حزني
فالله الله عباد الله لا تقبلوا وسواس العدو الشيطان وارجعوا بالتوبة إلى موالكم الرحمن فعساه أن يستر ذنوبكم وعيوبكم بستر الغفران إنـه كريم متفضل منان
أعوذ بالله من الشقاوة بعد السعادة أعوذ بالله من الغرة بعد الإرادة وأعوذ بالله من النقصان بعد الزيادة أعوذ بالله من الكفر بعد الإيمان أعوذ بالله بالله من القطيعة والحرمان أعوذ بالله من طاعة الشيطان أعوذ بالله من العقوبة والهوان أعوذ بالله من نقض العهود أعوذ بالله من مخالفة الملك المعبود أعوذ بالله من العذاب الدائم والخلود أعوذ بالله من سخط ذي الكرم والجود
عباد الله احذروا مكائد الشيطان فإنـه عارف بالعيوب بصير بإلقاء العبد في الذنوب له طرق كثيرة إلى الصدور فاستعيذوا من شره بمولاكم علام الغيوب
أعوذ بالله من قلب لا يخشع أعوذ بالله من عين لا تدمع أعوذ بالله دعاء لا يسمع أعوذ بالله من عمل لا يرفع أعوذ بالله من علم لا ينفع
أعوذ بالله من المصير إلى عذاب الله أعوذ بالله من النحيبة من رحمة الله ومن التزين بمعصيته
أعوذ بالله من زيغ القلوب أعوذ بالله من تتابع الذنوب أعوذ بالله من ترادف العيوب أعوذ بالله من سخط علام الغيوب
أعوذ بالله من مضلات الفتن أعوذ بالله من البلاء والمحن أعوذ بالله من سخط ذي الجود والمنن

أعوذ بالله من النقص بعد التمام أعوذ بالله من التخلف بعد الإقدام أعوذ بالله من سخط أحكم الأحكام
2 جنود إبليس
ذكر في بعض الأخبار أن إبليس لعنـه الله يبعث في كل يوم ثلاثمائة وستين عسكرا لإضلال المؤمنين والله تعالى ينظر في قلوبهم ثلاثمائة وستين نظرة ففي كل نظرة من نظراته تهلك عسكرا من عساكره فأنى تبقى عسكر للشيطان في جنب نظرة الرحمن
فالله الله عباد الله لا تقبلوا وسواس الشيطان المخدوع واستعملوا قلوبكم وصدوركم بالآيات والخشوع وأسيلوا على ما فرطتم غزير الدموع
أعوذ بالله من عواقب الخلاف أعوذ بالله من الجرأة والاستخفاف أعوذ بالله من العصيان وقلة الاعتراف
أعوذ بالله من الباطل وشره أعوذ بالله من الشيطان ومكره أعوذ بالله من العصيان وذكره
أعوذ بالله من فساد القلب أعوذ بالله من ترادف الذنب على الذنب أعوذ بالله من سخط الملك الرب
3 محاورة إبليس لموسى
روي أن الشيطان لعنة الله عليه قال لموسى بن عمران صلوات الله على نبينا وعليه لا تخلون بامرأة غير ذي محرم فأكون ثالثكما ولا تقضين فأنال منك وإذا هممت بصدقة فبادر إليها فإنك إن لم تبادر إليها فتحت لك في ذلك سبعين بابا من الفقر أمنعك بها من الصدقة
وقيل في قول الله عز وجل { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منـه وفضلا } البقرة 268 الآية
أي يردك الشيطان إلى نفسك ولينسيك اشتغالك بربك وقيل يعدكم الفقر في طلب فوق الكفاف فيكون عندك ما يكفيك وأنت تحرص على جمع الزيادة وهو الفقر اللازم فيردك عن غني الكفاية إلى طلب المزيد وهو الفقر الحاضر الذي يؤدي صاحبه إلى العذاب الدائم الشديد
وقيل يعدكم الفقر في البذل والعطاء في مرضاة الله عز وجل وهو الغني لأن الله تعالى يعدكم مغفرة وفضلا فينبغي للعبد أن يذكر منن الله تعالى عليه وإحسانـه إليه وإفضاله لديه
4 أصل البخل والكرم

واعلموا عباد الله أن الله تبارك وتعالى قال في محكم التنزيل على لسان محمد رسوله عليه السلام { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } الحشر 9 ومن هو بخيل شحيح فليس بواق ولا مفلح
واعلم أن البخل شجرة في النار وأغصانـها مدلاة على الدنيا وهي شجرة الشيطان فمن تعلق بغصن منـها قادته إلى النار
وكذلك الكرم شجرة في الجنة وأغصانـها مدلاة على الدنيا فمن تعلق بغصن منـها جذبه إلى النعيم والكرم من أخلاق الملك الكريم فمن تعلق بـه فقد أسخط الشيطان الرجيم
ودليل هذا أن الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيا قط إلا وهو كريم ولا رأيتم عبدا صالحا إلا وهو كريم
قال فالكرم من أخلاق النبيين والصديقين وهو من أخلاق رب العالمين فاستعملوه بينكم يا معاشر المؤمنين والمؤمنات يا أمة محمد خاتم النبيين
أعوذ بالله من عين لا تبكي عليه أعوذ بالله من قلب لا يشتاق إليه أعوذ بالله من دعاء لا يصل إليه أعوذ بالله من الذل إلا إليه
5 نجاة المستعيذ من العذاب
واعلموا عباد الله أن المستعيذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم ناج من العذاب الأليم وذلك أن الله سبحانـه وتعالى قال } الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منـه وفضلا والله واسع عليم { البقرة 268 وإنما يأمركم الشيطان بالفحشاء ليحرق غيره كما أحرق نفسه
قال الله تعالى { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء } النساء 89 أعوذ بالله من اللهو والغفلات أعوذ بالله من العذاب والحسرات أعوذ بالله من غضب إله الأرض والسموات
إخواني أطيعوا مولاكم الملك الجليل ودعوا كيد الشيطان المـهين الذليل واعملوا بالسنة والتنزيل
6 خصال الخير عن الإمام علي
روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنـه قال من جمع ست خصال لم يدع للجنة مطلبا ولا عن النار مـهربا أولها من عرف الله فأطاعه والثانية من

عرف الشيطان فعصاه والثالثة من عرف الحق فاتبعه والرابعة من عرف الباطل فاجتنبه والخامسة من عرف الدنيا فأعرض عنـها والسادسة من عرف الجنة فطلبها
فالله الله عباد الله اجتهدوا في طاعة الرحمن الرحيم
واجتنبوا كيد الشيطان الرجيم
7 من رأى إبليس من الصحابة والصالحين
روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنـه قال رأيت إبليس اللعين في المنام منكوسا فهممت أن أقرعه بالعصا فقال لي يا أبا سعيد أما علمت أني لا أخاف من العصا ولا من الأسلحة قال فقلت له يا ملعون فما الذي تخافه قال أخاف من شيئين أحدهما استعاذة المستعيذين والثاني شعاع معرفة الصادقين
أعوذ بالله ممن لا يشفق على نفسه أعوذ بالله ممن لا يبكي على رمسه أعوذ بالله ممن لا يقدم ليومـه من أمسه
حكي عن الجنيد رحمـه الله عليه أنـه قال رأيت إبليس في المنام عريانا يتلاعب بالناس فقلت أما تستحي من الناس فقال الملعون بالله عليك هؤلاء عندك ناس
لو كانوا من الناس ما تلاعبت بهم كما يتلاعب الصبيان بالكرة فقلت له يا ملعون ومن الناس قال ثلاثة نفر بمسجد الشيرازي كذا سمي المسجد أمرضوا كبدي وأنحلوا جسمي كلما هممت بهم أشاروا إلى الله تعالى فأكاد أن أحترق قال الجنيد فانتبهت وقد بقي من الليل بقية فخرجت إلى المسجد الذي ذكر الملعون فدخلته فإذا بثلاثة نفر قعود رؤوسهم في مرقعاتهم فقال لي أحدهم يا أبا القاسم أنت كلما قيل لك شيئا تقبله يا أخي اعلم أن من تعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقد ثبت على الدين القويم وذلك أن الله سبحانـه أخبر عن إبليس اللعين { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } الأعراف 16 وذلك أنـه بعثه الله تعالى قاطعا طريق الدين كما أن اللصوص قطاع لطريق الدنيا على المسلمين فإبليس لعنـه الله قاطع طريق العقبى ليصدكم عن الحق والهدى فإذا استعذت منـه هرب منك ولم يقدر على قطع طريق الدين
8 وقاية الله من إبليس
قال الله سبحانـه { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله }

الأعراف 200 وقال تعالى { إنـه ليس له سلطان على الذين آمنوا } النحل 99 الآية وقد أمر الله تعالى عباده أن يقولوا في الصلاة سبع عشرة مرة في سبع عشرة ركعة وهي عدد ركعات الفرض { اهدنا الصراط المستقيم } الفاتحة 6 فأنى يضرك كيد الشيطان الرجيم
اعلم يا أخي أن البيت المعمور كان في الأرض إلى وقت طوفان نوح عليه الصلاة والسلام فحفظ من الغرق وسلم من الطوفان ورفع إلى السماء
وقلب المؤمن أفضل من البيت المعمور أكثر من ألف ألف مرة فهو بالحفظ أولى لأن البيت المعمور معمور بعبادة الملائكة وقلب المؤمن معمور بنظر الخالق إليه فشتان ما بينـهما
ذكر عن أبي سعيد أنـه قال في قول الله عز وجل { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } الحجر 42 كأنـه يقول إن كان لك عليهم أن تلقيهم في معصية الله فليس لك عليهم أن تمنعهم من مغفرة الله
وقول آخر إن كان للشيطان سلطان في إلقاء العبد في المعصية فأولى أن يكون لمغفرة الله سلطان في تطهير العبد من الخطية وليست قوة الشيطان بأكثر قوة من مغفرة الرحمن في قلوب أهل الإيمان
أعوذ بالله من كثرة الفساد أعوذ بالله من ظلم العباد أعوذ بالله من غضب رب جواد أعوذ بالله من عذاب يوم التناد أعوذ بالله من القطع والبعاد
وأنشدوا
أعوذ بالرحمن من موقف
يشـهده المؤمن والكافر
} إن كنت بئس العبد يا سيدي
فأنت رب سيد غافر
9 ضعف الإنسان والشيطان
واعلموا عباد الله أن الله تبارك وتعالى سمى الإنسان ضعيفا وقال في آية أخرى { إن كيد الشيطان كان ضعيفا } النساء 76 والضعيفان إذا اقتتلا ولم يكن لواحد منـهما معين لم يظفر بصاحبه فأمر الله الإنسان الضعيف أن يستعين بالرب اللطيف من كيد الشيطان الضعيف ليعصمـه منـه ويعينـه عليه
من كان في معونته الإله العظيم لم يضره كيد الشيطان الرجيم من كان في معونته الملك الوهاب لم يضره كيد الشيطان الكذاب من كان في معونته الملك القهار لم

يضره كيد الشيطان الفرار من كان في معونته الملك الرحمن لم يضره كيد الشيطان وأنشدوا
العبد في كنف الإله وحفظه
من كل شيطان غوى ساه
إن عاذ بالرحمن عند صباحه
وكذاك إن أمسى بذكر الله
0 دعاء يعصم من الشيطان
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من قال حين يصبح وحين يمسي أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانـه القديم من الشيطان الرجيم قال قرينـه عوفي هذا العبد مني اليوم شعر
يا رجائي في بلائي
لا تزل عني خيرك
أنت ربي أنت حسبي
أنا لا أعبد غيرك
أعوذ بالله من عدم الإخلاص أعوذ بالله من هول يوم القصاص أعوذ بالله من ترك الاستقامة أعوذ بالله من العذاب والملامة أعوذ بالله من هول يوم القيامة أعوذ بالله من الحسرة والندامة أعوذ بالله من حرمان الكرامة
1 لماذا حجب الله إبليس
يا أخي إن الله تعالى لما قبح صورة إبليس ولعنـه وشوه خلقته وأوحش هيأته وقامته لطف بعباده حيث ستره عنـهم حتى لا تستوحش قلوبهم إذا أبصرته أعينـهم ولذلك جعل المولى جل جلاله السماء موضع نظرهم وزينـها بعلامات الرسوم وحفظها من الشيطان الرجيم برواصد النجوم فكأنـه قال سبحانـه يا عبادي لا يصلح لأبصاركم ما كان مشوها قبيحا بل يصلح لها ما كان مزينا مليحا هذه معاملته سبحانـه وتعالى مع جميع الناس في الدنيا فأولى أن يلطف بالمؤمنين في العقبى يصون أبصارهم عن النظر إلى النار الكبرى وهي الجحيم ويكرمـها بالنظر إلى الدار المزينة وهي جنة النعيم أعوذ بالله من مخالفة الأحكام
أعوذ بالله من التمادي في الآثام أعوذ بالله من معصية السلام أعوذ بالله من عذاب الغرام
2 زينة السماء

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } لما خلق الله تبارك وتعالى الجنة قال لها تزيني فازينت ثم قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون فجعل الله تعالى السماء في الدنيا موضع نظرك وجعل الجنة المزينة في العقبى موضع ترغبك فإذا ستر الله تعالى إبليس الملعون في الدنيا وغيبه عن بصرك لئلا يستوحش قلبك بقبح صورته فأولى أن يستر أعمالك القبيحة من الفساد والآثام من الفضيحة يوم التناد على رؤوس الأشـهاد
لطف الله بعباده فستر إبليس عنـهم فقال { إنـه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونـهم } الأعراف 27 فكأنـه سبحانـه وتعالى قال لعبده المؤمن أنا حبيبك الأعظم وإن إبليس عدوك الأعظم فلو رأيته وهو أعظم أعدائك عليك لشق ذلك عليك فسترته عنك ليكون حزن الدنيا ونصبها وترادف همومـها وغمومـها أهون عليك
وكان أيضا يجتمع عليك مغيب حبيبك الأعظم ورؤيتك عدوك الأعظم فغيب إبليس عنك حتى لا تراه كما لا ترى حبيبك الأعظم فيكون الأمر أهون عليك
أعوذ بالله من التضليل والتسويف أعوذ بالله من الزيغ والتحريف أعوذ بالله من سخط الرب اللطيف
حكي عن سهل بن عبد الله التستري رحمة الله عليه قال رأيت إبليس اللعين في المنام فقلت له أي شيء أشد عليك فقال استعاذة المستعيذ برب العالمين الذي هو أرحم الراحمين
3 طهارة العاصي ونجاسة المعصية
واعلم يا أخي أن العبد المؤمن وإن أطاع الشيطان بنفسه فهو غير راض بقلبه وإنما مثله كمثل الواقع في نجاسة وبين يديه غدير ماء طاهر فيكون قلبه مع
الماء وإن كانت نفسه في النجاسة فيكون سببا لطهارته كذلك نفس المؤمن وإن كانت في نجاسة المعصية فإن قلبه مع الله ومع محبته فيكون ذلك سببا لطهارته من المعصية

والأصل في هذا أن الله تعالى يعامل العباد على عقائد قلوبهم كما قال النبي {صلى الله عليه وسلم} } إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم { وفي هذا الحديث نكتة حسنة وهو أن المنافق يذكر كلمة التوحيد باللسان وهو لا يرضاها بالقلب فهو لا يثاب يوم القيامة على إقراره باللسان هكذا المؤمن يعمل المعاصي بالإدمان لكنـه لا يرضاها فنرجو أن لا يعاقب شعر
} إني تعوذت بالعظيم
الأول الآخر القديم {
} ذي الطول والفضل والمعالي الماجد الواحد الكريم {
} من شر نفسي ومن هواها وشر شيطانـها الرجيم {
أعوذ بالله من شر لا يزول أعوذ بالله من عذاب لا يحول أعوذ بالله من مخالفة الرسول
4 التمسك بالسنة وعدم مخالفتها
عباد الله عليكم بطاعة سيد المرسلين والتمسك بسنة خاتم النبيين وبمخالفة الشيطان اللعين ينجيكم مولاكم من العذاب المـهين
ويدخلكم الجنة مع أوليائه المتقين وتنظروا إلى وجه رب العالمين
وأنشدوا
} أعوذ بالله الذي لم يتخذ ولدا
وقدر الرزق قبل الخلق تقديرا {
} أعوذ بالله العلي مكانـه ذي العرش لم نعلم سواه مجيرا {
} من حر نار لا تفتر من لهب من حرها للظالمين سعيرا {
} وكذا السلاسل والعذاب لمن طغى
يدعون فيها حسرة وثبورا {
أعوذ بالله من الملوك العاتية أعوذ بالله من القلوب القاسية أعوذ بالله من الهوام العادية أعوذ بالله من اللصوص الضارية أعوذ بالله من جور السلاطين أعوذ بالله من كيد الشياطين أعوذ بالله من أذى المساكين
إخواننا إياكم ومخالفة السنة فإن ذلك يبعدكم من الجنة
روي عن مجاهد رضي الله عنـه أنـه قال من ذرية إبليس اللعين ولد يسمى زكبتور وهو صاحب الأسواق يضع فيها رايته كل يوم
فالله الله عباد الله لا تبذلوا
مـهجتكم للنيران
ولا ترضوا بالزيادة والنقصان في المكيال والميزان فإن ذلك يؤدي إلى عذاب النيران
5 كيف أهلك النبي عفريتا

روي عن ابن مسعود رضي الله عنـه أنـه قال كنت مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وجبريل عليه السلام معه فجعل النبي {صلى الله عليه وسلم} يقرأ فإذا بعفريت قد أقبل من مردة الجن وفي يده شعلة نار وهو يقرب من النبي {صلى الله عليه وسلم} فقال جبريل عليه السلام يا محمد ألا أعلمك كلمات تقولها فينكب العفريت لوجهه وتطفأ شعلته قال له قل أعوذ بنور وجه الله الكريم وكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منـها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر فتن الليل والنـهار ومن شر طوارق النـهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن
فقالها النبي {صلى الله عليه وسلم} فكب العفريت على وجهه وطفئت شعلته
6 سليمان وإبليس
وذكر أن إبليس لعنـه الله لقي سليمان {صلى الله عليه وسلم} فقال له سليمان يا ملعون ما أنت صانع بأمة محمد {صلى الله عليه وسلم} فقال له الملعون يا سليمان لأدعونـهم حتى تكون الدنيا والدرهم أشـهى عندهم من شـهادة أن لا إله إلا الله
فتحفظوا رحمكم الله من هذا كله فإنـها حبائل الشيطان
27
نصائح من خطبة الوداع
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال في خطبة الوداع } أيها الناس إني لكم ناصح أمين ألا وإن إبليس قد يئس منكم لا تعبدون صنما أبدا ولكن والذي بعثني بالحق ليجعلنكم إبليس لعنـه الله أن تعبدوا ألف إله يعبد الرجل إبله والآخر امرأته والآخر غنمـه والآخر حرثه والآخر تجارته والآخر صنعته والآخر مركبه والآخر صديقه يقول الرجل للرجل كيف حالك فيقول له لولا تجارتي ما كان لي حال والآخر يقول لولا حرثي والآخر يقول لولا امرأتي والآخر يقول
لولا مركبي والآخر يقول لولا صديقي فينسيه ذكر مولاه ويتبعه في دنياه ويقطعه عن أخراه
يا ابن آدم ما اغترارك بمن إليه اضطرارك وما احتقارك بمن إليه افتقارك يا ابن آدم إن كنت بالنـهار هائما وبالليل نائما متى ترضى من كان بأمرك قائما يا ابن آدم توكل على الملك الخلاق الذي يتكفل بقسمة الأرزاق توكل يا أخي عليه وأسند أمورك إليه فإنـه لا يملكها غيره
8 أعوان الشيطان من بني آدم

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال إن للشيطان أعوانا من بني آدم يبعثهم الملعون إلى المؤمنين يشغلونـهم عن الصلاة وعن الصدقة وعن ذكر الله ويحبب إليهم كسب السحت والحرام والذي بعثني بالحق ليعبدون الدنيا والدرهم أشد من عبادة الأوثان أعوذ بالله من الركون إلى الهوى أعوذ بالله من الضلالة والردى
أعوذ بالله من معصية إله السما
9 آدم وخروجه من الجنة
ذكر أن عبد الله بن سهل التستري رحمـه الله قال لما أخرج آدم من الجنة دار الكرامة والأمان وأنزله إلى دار الذل والهوان والبلاء والامتحان قال الله تعالى يا ابن آدم أسكنتك في جواري فعصيتني وأطعت الشيطان وتركتني وعزتي وجلالي لأسكننك في جواره لتطيعني وتعصيه وتحبني وتبغضه فإذا كان يوم القيامة أقول لك طاعة بطاعة ومعصية بمحبة ثم أدخلك الجنة
جاء في بعض الأخبار أن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم وولده أودع قلبه أربعة أشياء وهي المعرفة والعقل والإيمان واليقين
فصار خزانة لهذه الأشياء وسلط على قلبه أربعة أعداء وهم إبليس والهوى والنفس والدنيا وضمن إبليس لأصحابه الوصول إليها كما قال تعالى في كتابه { ثم لآتينـهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانـهم وعن شمائلهم } الأعراف 17 فلما علم المولى جل جلاله من ضعف ابن آدم وقلة مقدرته على معته علمـه أربعة أسماء من أسمائه يتحصن بها من إبليس وجنوده وهي يا أول يا آخر يا ظاهر يا باطن فكأنـه قال تعالى يا ابن آدم أنا الأول احفظ معرفتك لي من بين يديك وأنا الآخر احفظ
عقلك وأنا الظاهر احفظ إيمانك عن يمينك وأنا الباطن احفظ يقينك عن شمالك
30 اختصاص إبليس ببعض الجهات

سئل بعض الحكماء ما الحكمة في أن لم يعط إبليس اثنان من ابن آدم وأعطى أربعة أعطي من بين يديه ومن خلفه وعن يمنيه وعن شماله من الجهات الأربع لم يعط إبليس أن يأتيه من فوق ولا من تحت قال لأن الأربع جهات تدخلها المشاركة في الأعمال وفوق موضع نظر الرب جل جلاله إلى قلوب عباده المؤمنين وتحت موضع سجود الساجدين بين يدي رب العالمين عصمنا الله وإياكم من فتنته عصمة يدخلنا بها في رحمته وتاب علينا وعلى جميع المذنبين إنـه تواب رحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

مجلس في ذكر القيامة وأهوالها أجارنا الله منـها 31 سورة الزلزلة وما تشير إليه
قال الله عز وجل { إذا زلزلت الأرض زلزالها } الزلزلة 1 هذه السورة مكية محكمة بالوعد والوعيد يخوف الله تبارك وتعالى بها عباده ويذكرهم فيها تزلزل الأرض وقيام الساعة لينتهوا عما نـهاهم عنـه من العصيان ويمتثلوا ما أمرهم بـه من الطاعة والإيمان وخوفهم الله تبارك وتعالى من يوم القيامة ليستعدوا لها ولعظيم أهوالها
قال الله سبحانـه وتعالى { إذا زلزلت الأرض زلزالها } يقول إذا تحركت الأرض بأهلها فزلزلت من نواحيها وارتجت من مشرقها ومغربها فلا تزال كذلك حتى يكسر ما على ظهرها من جبل وبناء فلا تسكن حتى يدخل في بطنـها جميع ما خرج منـها
وزلزلتها من شدة صوت إسرافيل عليه السلام وذلك إذا فرغت أحيان الدنيا وساعاتها وشـهورها وأوقاتها وأعوامـها وأيامـها وحلالها وحرامـها

وذلك إذا خمد الحق وظهر الباطل وترك الناس الأمر بالمعروف والنـهي عن المنكر وركبوا المآثم واستحلوا المحارم وكثر بينـهم التظالم وترك الجهاد وظهر الفساد وفشا الربا وكثر اللواط والزنا وركبوا الفواحش والفجور واستعانوا على ذلك كله بشرب الخمور وأمر قوم بالمعروف وتركوه ونـهوا عن المنكر وفعلوه وكرهوا الحق واتبعوا أهواءهم وقرئ القرآن فلم يعمل بـه واسودت القلوب وكثرت الفواحش والعيوب وتزين الفساق بالمعاصي والذنوب فإذا كانوا كذلك اشتد غضب الجبار جل جلاله عليهم فعند ذلك يقول الله يا إسرافيل انفخ الصعق فينفخ إسرافيل عند ذلك كما أمره الجبار حل جلاله فتزلزل الأرض من مشرقها إلى مغربها وذلك من غضبة يغضبها الجبار على المنافقين والفجار
32 صفة إسرافيل
وإسرافيل عليه السلام ملك عظيم جناح له بالمشرق وجناح له بالمغرب ورجلاه تحت تخوم الأرض السابعة السفلى بخمسمائة عام والسموات السبع إلى ركبتيه وعنقه ملوي تحت العرش والعرش على كاهله
وقد مد الرجل اليمنى وأخر اليسرى واللوح المحفوظ بين عينيه وقد التقم الصور وشخص ببصره نحو العرش وأنصت بأذنيه ينتظر متى يؤمر بالنفخ في الصور والصور قرن من نور
قال النبي {صلى الله عليه وسلم} } الصور قرن من نور والذي نفسي بيده إن أعظم ثارة فيه كما بين السماء والأرض {

وروي عنـه {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم الصور وحنى جبهته وشخص ببصره نحو العرش وأنصت بأذنيه ينتظر متى يؤمر أن ينفخ في الصور فإذا نفخ فيه مات أهل السموات والأرض إلا أربعة أملاك فإنـهم لا يموتون إلا بعد موت الخلائق وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت فمن شدة صوت إسرافيل تتحرك الأرض من مشرقها إلى مغربها فلا يبقى بناء إلا انـهدم إلا المساجد فإن أساسها يبقى لا ينـهدم لفضلها عند الله تبارك وتعالى لما عبد فيها ووحد وقرئ كلامـه فيها وذلك قوله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } القصص 88 جاء في التفسير أن الأشياء كلها تهلك إلا عملا يراد بـه وجه الله تعالى والمساجد لا تهلك لأنـها إنما بنيت لوجه الله تعالى
33 خشية النبي من هبوب الريح
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه كان إذا هبت الريح تغير لونـه وكان يخرج ويدخل مرة بعد أخرى من شدة خوف قيام الساعة وزلزلة الأرض فإذا كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يخاف هذا الخوف كله وهو أكرم الخلق على الله فكيف بمن أفنى عمره في السهو
والغفلات وقطع أيامـه باللهو والبطلات وضيع أوقاته في العصيان حتى مات وأنشدوا
نـهارك يا مغرور سهو وغفلة
وليلك نوم والردى لك لازم
وشغلك فيما سوف تكره غبه
كذلك في الدنيا تعيش البهائم
وفعلك فعل الجاهلين بربهم
وعمرك في النقصان بل أنت ظالم
فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم
ولا أنت في النوام ناج وسالم
تسر بما يقنى وتفرح بالمنى
كما سر باللذات في النوم حالم
فلا تحمد الدنيا لكن قذمـها
ولا تكثر العصيان إنك ظالم
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } انتهيت ليلة أسري بي إلى السماء السابعة فرأيت إسرافيل قد حنى جبهته وقدم رجلا وأخر أخرى والعرش على منكبه والصور في فيه بين شدقيه وقد تهيأ للنفخ في الصور فما ظننت أن أبلغ الأرض حتى تبلغني النفخة كما رأيت من تهيئته للنفخ

سئل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن إسرافيل فقال } له جناح بالمشرق وجناح له بالمغرب ورجلاه تحت الأرض السابعة السفلى والعرش على كاهله وإنـه ليفكر في كل يوم ثلاث ساعات في عظمة الله تعالى فيبكي من خوف الجبار حتى تجري دموعه كالبحار فلو أن بحرا من دموعه أذن له أن يسكب لطبق بين السموات والأرض وإنـه ليتواضع ويصغر حتى يصير كالوضع والوضع طير صغير يشبه العندليب والعندليب أصغر ما يكون من الطير فالله الله يا معشر من آمن بالله واليوم الآخر استعدوا لقيام الساعة وزلزالها
قال الله تعالى { إذا زلزلت الأرض زلزالها } الزلزلة 1 تتحرك الأرض وتتمخض وتتطاير الجبال وتنقلع الشجر وتنـهدم المباني فلا يبقى على ظهرها من جبالها وشجرها ونباتها شيء إلا دخل في جوفها
قال عكرمة إنما تقوم الساعة على شر الخلق
34 متى ينفخ في الصور
قال حذيفة كان الناس يسألون النبي {صلى الله عليه وسلم} عن الخير وكنت أنا أسأله عن الشر مخافة أن يصيبني فكان النبي {صلى الله عليه وسلم} يقول } في آخر الزمان فتن كقطع الليل المظلم
فإذا غضب الله تعالى على أهل الأرض أمر الله تعالى إسرافيل أن ينفخ نفخة الصعق فينفخ على غفلة من الناس فمن الناس من هو في وطنـه ومنـهم من هو في سوقه ومنـهم من هو في حرثه ومنـهم من هو في سفره ومنـهم من يأكل فلا يرفع اللقمة إلى فيه حتى يخمد ويصعق
ومنـهم من يحدث صاحبه فلا يتم الكلمة حتى يموت فتموت الخلائق كلهم عن آخرهم

وإسرافيل لا يقطع الصيحة حتى تغور عيون الأرض وأنـهارها ونباتها وأشجارها وجبالها وبحارها ويدخل الكل بعضه في بعض في بطن الأرض والناس خمود صرعى فمنـهم من هو صريع على وجهه ومنـهم من هو صريع على ظهره وعلى جنبه وعلى خده ومنـهم من يكون اللقمة في فيه فيموت وما أدرك أن يبتلعها وتنقطع السلاسل التي فيها قناديل النجوم فتستوي بالأرض من شدة الزلزلة وتموت ملائكة السبع سموات والحجب والسرادقات والصادقون والمسبحون وحملة العرش والكرسي وأهل سرادقات المجد والكروبيون ويبقى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليه السلام
35 كيف يموت جبريل
يقول الجبار جل جلاله يا ملك الموت من بقي وهو أعلم فيقول ملك الموت سيدي ومولاي أنت أعلم بقي إسرافيل وبقي جبريل وبقي ميكائيل وبقي عبدك الضعيف ملك الموت خاضع ذليل قد ذهلت نفسه لعظيم ما عاين من الأهوال
فيقول له الجبار تبارك وتعالى انطلق إلى جبريل فاقبض روحه فينطلق ملك الموت إلى جبريل عليه السلام فيجده ساجدا راكعا فيقول له ما أغفلك عما يراد بك يا مسكين قد مات بنو آدم وأهل الدنيا والأرض والطير والسباع والهوام وسكان السموات وحملة العرش والكرسي والسرادقات وسكان سدرة المنتهى وقد أمرني المولى بقبض روحك فعند ذلك يبكي جبريل عليه السلام ويقول متضرعا إلى الله تعالى يا الله هون علي سكرات الموت
فيضمـه ملك الموت ضمة يقبض فيها روحه فيخر جبريل منـها صريعا فيقول الجبار جل جلاله من بقي يا ملك الموت وهو أعلم فيقول مولاي وسيدي بقي ميكائيل وإسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت
36 كيف يموت ميكائيل

فيقول الجبار جل جلاله انطلق إلى ميكائيل فاقبض روحه فينطلق ملك الموت إلى ميكائيل كما أمره الله تعالى فيجده ينتظر الماء ليكيله على السحاب فيقول له ما أغفلك يا مسكين عما يراد بك ما بقي لبني آدم رزق ولا للأنعام ولا للوحوش ولا للهوام قد مات أهل السموات وأهل الأرضين وأهل الحجب والسرادقات وحملة العرش والكرسي وسرادقات المجد والكروبيون والصادقون والمسبحون وقد أمرني ربي بقبض روحك فعند ذلك يبكي ميكائيل ويتضرع إلى الله ويسأله أن يهون عليه سكرات الموت فيحضنـه ملك الموت ويضمـه ضمة يقبض فيها روحه فيخر صريعا ميتا لا روح فيه فيقول الجبار جل جلاله من بقي وهو أعلم يا ملك الموت فيقول مولاي وسيدي أنت أعلم بقي إسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت
37 كيف يموت إسرافيل
فيقول الجبار تبارك وتعالى انطلق إلى إسرافيل فاقبض روحه فينطلق كما أمره الجبار إلى إسرافيل فيقول له ما أغفلك يا مسكين عما يراد بك قد ماتت الخلائق كلها وما بقي أحد وقد أمرني ربي ومولاي أن أقبض روحك فيقول إسرافيل سبحان من قهر العباد بالموت سبحان من تفرد بالبقاء ثم يقول مولاي هون علي مرارة الموت فيضمـه ملك الموت ضمة يقبض فيها روحه فيخر ميتا صريعا فلو كان أهل السموات في السماوات وأهل الأرض في الأرض لماتوا كلهم من شدة رجة وقعته
38 كيف يموت ملك الموت
فيقول الجبار تبارك وتعالى من بقي يا ملك الموت وهو تعالى أعلم فيقول مولاي وسيدي أنت أعلم بمن بقي بقي عبدك الضعيف ملك الموت فيقول الجبار تعالى وعزتي وجلالي لأذيقنك ما أذقت عبادي انطلق بين الجنة والنار ومت فينطلق بين الجنة والنار فيصيح صيحة لولا أن الله تبارك وتعالى أمات الخلائق لماتوا من عند آخ هم من شدة صيحته فيموت فتبقى السموات خالية من أملاكها ساكنة أفلاكها وتبقى الأرض خاوية من إنسها وجنـها وطيرها وهوامـها

وسباعها وأنعامـها ويبقى الملك لله الواحد القهار الذي خلق الليل والنـهار فلا ترى أنيسا ولا تحس حسيسا قد سكنت الحركات وخمدت الأصوات وخلت من سكانـها الأرضون والسماوات
39 لمن الملك اليوم
ثم يطلع الله تبارك وتعالى إلى الدنيا فيقول يا دنيا أين أنـهارك وأين أشجارك وأين سكانك وأين عمارك أين الملوك وأبناء الملوك وأين الجبابرة وأبناء الجبابرة أين الذين أكلوا رزقي وتقلبوا في نعمتي وعبدوا غيري لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول تعالى الملك لله الواحد القهار فينظر الجبار جل جلاله إلى عباده موتى من بين صريع على خده ومن بين بال في قبره ثم يقول يا دنيا أين أنـهارك وأين أشجارك وأين سكانك وأين عمارك وأين الملوك وأين الجبابرة لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول الله تعالى لله الواحد القهار فتبقى الأرضون والسموات ليس فيهن من ينطق ولا من يتنفس ما شاء الله من ذلك وقد قيل تبقى أربعين يوما وهو مقدار ما بين النفختين ثم بعد ذلك ينزل الله تبارك وتعالى من السماء السابعة من بحر يقال له بحر الحيوان ماؤه يشبه مني الرجال ينزله ربنا أربعين عاما فيشق ذلك الماء الأرض شقا فيدخل تحت الأرض إلى العظام البالية فتنبت بذلك الماء كما ينبت الزرع بالمطر
40 كيفية بعث الموتى
قال الله تعالى { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } الأعراف 57 إلى قوله { كذلك نخرج الموتى } الأعراف 57 الآية كما أخرج النبات بالمطر كذلك يخرج الموتى بماء الحياة فتجتمع العظام والعروق واللحوم والأشعار فيرجع كل عضو إلى مكانـه الذي كان فيه في دار الدنيا فتلتئم الأجساد بقدرة الجبار جل جلاله وتبقى بلا أرواح ثم يقول الجبار جل جلاله ليبعثن إسرافيل فيقوم إسرافيل عليه السلام حيا بقدرة الله تعالى فيقول له الجبار يا إسرافيل التقم الصور وازجر عبادي لفصل القضاء فأول ما يحيي الله تبارك وتعالى إسرافيل ويأمره أن يلتقم الصور
41 صفة الصور

والصور قرن من نور فيه أثقاب على عدد أرواح العباد فتجتمع الأرواح كلها فتجعل في الصور
42 أين يقف إسرافيل
ويأمر الجبار إسرافيل أن يقوم على صخرة بيت المقدس وينادي في الصور وهو في فيه قد التقمـه والصخرة أقرب ما في الأرض إلى السماء وهو قوله تعالى { واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب } ق 41 ويقول إسرافيل في ندائه أيتها العظام البالية واللحوم المتقطعة والأشعار المتبددة والعروق المتمزقة لتقمن إلى العرض على الملك الديان ليجازيكن بأعمالكن فإذا نادى إسرافيل عليه السلام في الصور خرجت الأرواح من أثقاب الصور فتنتشر بين السماء والأرض كأنـها النحل يخرج من كل ثقب روح ولا يخرج من ذلك الثقب غيره فأرواح المؤمنين تخرج من أثقابها نائرة بنور الإيمان وبنور أعمالها الصالحة وأرواح الكفار تخرج مظلمة بظلمات الكفر وإسرافيل يديم الصوت والأرواح قد انتشرت بين السماء والأرض ثم تدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فيدخل كل روح جسده الذي فارقه في دار الدنيا فتدب الأرواح في الأجساد كما يدب السم في الملسوع حتى ترجع إلى أجسادها كما كانت في دار الدنيا ثم تنشق الأرض من قبل رؤوسهم فإذا هم قيام على أقدامـهم ينظرون إلى أهوال يوم القيامة وإسرافيل عليه السلام ينادي بهذا النداء لا يقطع الصوت ويمده مدا والخلائق يتبعون صوته والنيران تسوق الخلائق إلى أرض القيامة
43 ملازمة الأعمال للأجساد
فإذا خرجوا من قبورهم خرج مع كل إنسان عمله الذي عمله في الدنيا لأن عمل كل إنسان يصحبه في قبره فإن كان العبد مطيعا لربه وعمل عملا صالحا كان أنيسه في الدنيا ويكون أنيسه إذا خرج من قبره يوم حشره يؤنسه من الأهوال ومن هموم القيامة وكروبها كلما نظر العبد المؤمن إلى نار أو إلى هول من أهوال القيامة جزع فيقول له عمله يا حبيبي ما عليك من هذا شيء ليس يراد بـه من أطاع الله وإنما يراد بـه من عصى الله تعالى مولاه ثم كذب بآياته واتبع هواه وأنت كنت عبدا

مطيعا لمولاك متبعا لنبيك تاركا لهواك فما عليك اليوم من هم ولا حزن حتى تدخل الجنة
44 العمل السوء وهيأته
وإذا كان العبد خاطئا وعاصيا لذي الجلال ومات على غير توبة وانتقال فإذا خرج المغرور المسكين من قبره خرج معه عمله السوء الذي عمل في دار الدنيا وكان قد صحبه في قبره فإذا نظر إليه العبد المغتر بربه رآه أسودا فظيعا فلا يمر على هول ولا نار ولا شيء من هموم القيامة إلا قال له عمله يا عدو الله هذا كله لك وأنت المراد بـه وأنشدوا
أي يوم يكون يوم النشور
يوم فيه يفوز أهل القبور
يوم فيه الجزاء جنة عدن
لمطيع ومن عصى في سعير
خاب من قد عصى وفاز مطيع
راقب الله في جميع الأمور
قام في الليل للإله ذليلا
ليس يخلو من خوفه للقدير
خاف من عظم يوم هول شديد
شدة الهول من عذاب الزفير
فالله الله عباد الله معشر المريدين انتبهوا من هذا المنام واهجروا الفواحش والآثام وارجعوا إلى طاعة الملك العلام من قبل أن يأتي يوم تشقق السماء فيه بالغمام
45 إخراج الأرض ما فيها
قال الله تعالى { وأخرجت الأرض أثقالها } الزلزلة 2 يعني ما فيها من الموتى والكنوز وما أودعها من أعمال العباد ومن مخبآت أسرارهم من أعمال الطاعة وأعمال العصيان
فيأمر الله تعالى أن تخرج أعمال العباد وذلك أن العبد إذا خرج من قبره يجد عمله على شفير قبره فإن كان عمله صالحا وجده نورا يستره ويحجبه يستر عورته من أعين الناس ويحجبه عن النيران التي تسوق الناس إلى أرض القيامة وإن كان عملا سيئا وجده ظلمة سوداء تكون عليه أشد من كل هول يلقاه من أهوال يوم القيامة
هذا كله في النفخة الثانية وبين النفخة الأولى والثانية أربعون سنة فهو قوله { وأخرجت الأرض أثقالها }
فمثل لنفسك يا مغرور وقد ترادفت عليك الهموم والكروب وأحاطت بك الأهوال والخطوب وأظهرت لك القبائح والعيوب وأثقلت ظهرك الأوزار والذنوب وأنشدوا
قد سودت وجهي المعاصي
وأثقلت ظهري الذنوب
أورثني ذكرها سقاما

فليس لي في الورى طبيب
يا شؤم نفسي غداة حشري
إذا أحاطت بي الكروب
وصوت داع دعا باسمي
أين مفري وما أجيب
هذا كتاب الذنوب فأقرأ
فعندها تظهر العيوب
ذكر أن العبد إذا خرج من قبره وجد عمله السوء حزمة وملك من ملائكة العذاب واقف عليها فإذا نظر إلى ما قدم في أيامـه قال له الملك يا عدو الله خذ عملك فاحمله على ظهرك كما كنت تلتذ بـه في الدنيا ولم تراقب مولاك وقد علمت أنـه مطلع عليك ويراك فيأخذ العبد المسكين تلك الحزمة فيجدها على ظهره أثقل من جبال الدنيا والنار تسوقه إلى الموقف وملك يسوقه سوقا حثيثا بالعنف والانتهار والإغلاظ عليه وآخر يشـهد عليه مع علم الله تعالى فيه
وأنشدوا
كيف احتيالي إذا جاء الحساب غدا
وقد حشرت بأثقالي وأوزاري
وقد نظرت إلى صحفي مسودة
من شؤم ذنب قديم العهد أوطاري
وقد تجلى لهتك الستر خالقنا
يوم المعاد ويوم الذل والعار
يفوز كل مطيع للعزيز غدا
بدار عدن وأشجار وأنـهار
لهم نعيم خلود لا نفاذ له
يخلدون بدار الواحد الباري
ومن عصى في قرار النار مسكنـه
لا يستريح من التعذيب في النار
فابكوا كثيرا فقد حق البكاء لكم
لا يستريح من التعذيب بدمع واكف جاري
فالله الله يا أولي الألباب تفكروا في هول يوم الحساب ولا تنسوا المطالبة برد الجواب وأشفقوا على أنفسكم من أليم العذاب وأرجعوا إلى طاعة رب الأرباب وابكوا على ما سلف من ذنوبكم بانتحاب 46
مدة النفخ في الصور
ذكر أن إسرافيل عليه السلام لا يقطع النداء في الصور حتى تخرج الأرض
جميع ما فيها من الموتى ومما أودعها الله تعالى من شيء فإذا كمل العباد في الموقف وكل إنس الأرض وجنـها ووحوشـها ودوابها وطيرها وأنعامـها وهوامـها حتى الذباب قطع إسرافيل النداء بأمر الله تعالى وذلك بعد تبديل الأرض غير الأرض والسموات ففي تبديلها قولان
47 هيأة أرض الحساب

أحدهما أن الأرض التي يحاسب العباد عليها هي أرض من فضة بيضاء لا جبل فيها ولا بناء ولا بحار ولا أنـهار ولا أشجار ما سفك عليها دم ولا عصى الله تعالى عليها يأتي بها من غامض علمـه ويقول لها كوني فتكون وقد أضرم تحتها النيران وتكون هذه الأرض في عظم تلك الأرض مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود
وقد قيل إن تبديل الأرض هدم مبانيها وغور مياهها وانقطاع أشجارها وتسجير بحارها وتسيير جبالها وتبديل السماء وتكوير شمسها وقمرها وانكدار نجومـها وتعطيل أفلاكها وتشققها
فهذه تبديل الأرض والسماوات والله أعلم بحقيقة ذلك
48 كيف يقف الناس في المحشر
فإذا قطع إسرافيل عليه السلام النداء وقف الخلائق كل واحد منـهم ينظر إلى السماء ولا يرتد إليه طرفه ولا يدري أحد من يقف بجواره لا رجل ولا امرأة ولا يدري الأخ بأخيه ولا الوالد بولده ولا الأم بابنـها
كل إنسان منـهم مشغول بما هو فيه من عظيم الأهوال وكل واحد منـهم يفكر فيما قد جاء بـه من العصيان وفرط فيه من الطاعة والنسيان فالكل ينظر إلى ما ينزل بـه الأمر من السماء من شقاوة أو سعادة
49 مقدار زمن الحشر
ويقال والله أعلم إن الوقوف يكون مقدار ثلاثمائة سنة من سنين الدنيا لا خبر يتنزل ولا خبر يصعد
قد كثر الزحام فلا تسمع إلا همس الأقدام حيارى نادمون فيما فرطوا فيه من استزلال القدم يومئذ لا ينفع البكاء ولا الندم
ليس في الدنيا لمن آمن
بالبعث سرور
إنما يفرح بالدنيا
جهول أو كفور
إنما يفرح بالدنيا
جهول أو كفور {
} فتذكر هول يوم السما فيه تمور
50 بكاء النبي من أهوال القيامة

روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } خوفني جبريل عليه السلام من أهوال يوم القيامة حتى أبكاني فقلت له حبيبي جبريل أليس قد غفر الله لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر فقال يا محمد لتشاهدن من الأهوال يوم القيامة ما ينسيك المغفرة فبكى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى بلت دموعه لحيته فإذا كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يبكي من هول يوم الحساب وقد أمنـه الجبار من أليم العذاب ووعده بالجنة وحسن المآب فكيف بأمثالنا المساكين وكيف بمن ترك الحق والصواب وخالف السنة والكتاب وأطاع الشيطان وأفنى عمره في معصية الملك الوهاب وقد قيل في قوله تعالى { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا } الفجر 21 هو تحريكها وقيل دكا دكا إذهابا
51 معنى دك الأرض وانشقاقها
سئل بعض العلماء عن معنى تكرار هاتين الكلمتين دكا دكا وصفا صفا فقال تدكدك الأرض دكا بعد دك أي تحرك مرة بعد أخرى حتى لا يبقى عليها أثر من بناء أو جبل أو شجر
وقوله صفا صفا تأتي الملائكة صفا بعد صف كل ملك قد شغل بنفسه لعظم ما يرى من ظهور الأهوال
فإذا كثر زلزال الأرض { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } الحاقة 41 حتى تنقطع الجبال من أصولها وتنشق الأرض وتغور فيها أنـهارها وعيونـها ويدخل فيها كل قصر شديد من بين قديم وجديد فيا له من يوم ما أهوله ومن بلاء ما أطوله ومن جبار ما أعدله
قد أفنى العباد بال فلا يرى أحد من الأنام
فإذا استوى الأولون والآخرون في أرض القيامة أمر الله تبارك وتعالى السموات أن تنشق فتنشق كل سماء وتنقطع مثل قطع السحاب وقيل كما يتطاير القطن بين يدي القطانين إذا ندفوه

فمثل لنفسك صوت انشقاقها في سمعك وكيف يثبت له فؤادك ويستقر لفظاعة هوله قدمك فقدم في أيام حياتك ما يقيك تلك الأهوال لأن الخلق في أهوال يوم القيامة على قدر أعمالهم في الدنيا من خير وشر فمن عمل صالحا وخاف من ربه وخاف من هول ذلك اليوم آمنـه مولاه من جميع أهواله وكروبه ومن لم يقدم في دنياه عملا صالحا لأخراه لقيته صعاب الخطوب وترادفت عليه الهموم والكروب فيندم حين لا تنفعه الندامة إذا حل في أهوال القيامة
52 الأمن والخوف
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } يقول الله تبارك وتعالى إذا خافني عبدي في الدنيا آمنته يوم القيامة وإذا آمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة { فإذا انشقت السموات بلغت القلوب الحناجر وأيقن كل عبد وأمة أنـه قادم على ما عمل في الظواهر والسرائر إذا انشقت السماوات عظمت المصائب وكثرت النوائب وندم العبد على ما فرط في الدنيا وضيع من الثواب والرغائب
فإذا انشقت السماوات عظمت الرزيات وكثرت الآفات وظهر العذاب وحلت العقوبات وأظهر الله مخبآت السريرات وندم العبد المغرور على ما أذنب في الأيام والأوقات وما جنى في الشـهور والساعات
فإذا انشقت السماوات كثرت الأحزان وبرزت النيران وأزلفت الجنان وندم العاصي على ما عمل من العصيان وعلى ما فرط فيه من طاعة الرحمن فانتبهوا لهذه الأهوال يا معشر الأخوان يا أهل الإسلام والإيمان فإن الهول والله عظيم والخطب كبير جسيم
53 ملائكة سماء الدنيا
فإذا انشقت السماوات وتقطعت ونزلت الملائكة بأجمعها فإذا نزلت ملائكة سماء الدنيا فزع منـهم أهل الأرض وظنوا أنـهم قد أمر فيهم بأمر فتقول لهم ملائكة سماء الدنيا لا تجزعوا منا فإنا نخاف من الذي تخافون وتكون ملائكة سماء الدنيا أكثر من أهل الأرض إنسها وجنـها وأنعامـها وطيرها ووحشـها وجميع ما خلق برها وبحرها سبعين ضعفا فتبقى العباد يموج بعضهم في بعض
54 ملائكة السماء الثانية

ثم تنزل ملائكة السماء الثانية وهم أكثر عددا وأعظم خلقا ممن اجتمع في الأرض سبعين ضعفا فتجزع منـهم ملائكة سماء الدنيا وجميع من في الأرض فيقولون لهم لا تجزعوا نحن مشغولون بأنفسنا ونخاف مما تخافون منـه
فلا تزال ملائكة كل سماء تنزل ويجزع منـهم جميع من سبقهم ويكون أهل كل سماء أكثر وأعظم ممن سبقهم سبعين ضعفا
وكأن أهل كل سماء في صف واحد على حدة كل واحد منـهم قد شغل بنفسه من عظيم ما يرى وما يبدو له
وأنشدوا
يا غافلين أفيقوا قبل بعثكم
وقبل يؤخذ بالأقدام واللم
والناس أجمع طرا شاخصون غدا
لا ينطقون بلابكم ولا صمم
والخلق قد شغلوا والحشر جامعهم
والله طالبهم بالحل والحرم
وقد تبدى لأهل الجمع كلهم
وعد الآله من التعذيب والنقم
وكل نفس لدي الجبار شاخصة
لا ينطقون بلا روح من الزحم
55 الجبابرة في الحشر كالذر
روي أن الجبابرة يحشرون يوم القيامة على صورة الذر أصغر الناس خلقة لتجبرهم على العباد في الدنيا قد صارت العزة للغني الحميد ولزمت الذلة كل جبار عنيد وشيطان مريد قد ترادفت عليهم الهموم والأهوال وظهرت لهم العقوبات والأنكال وندم كل مذنب بطال فحينئذ لا حيلة لمحتال في يوم لا بيع فيه ولا خلال شعر
} مقام المذنبين غدا عسير إذا ما النار قربها القدير
وقد نصب الصراط لكي تجوزوا فلا ينجو الكبير ولا الصغير
وقد نسفت جبال الأرض نسفا ويبست البحور فلا بحور
وبرزت الجحيم لكل عبد على أهل المعاد لها زفير
عباد الله تفكروا واعتبروا وابكوا وتباكوا
واستعدوا لليوم الثقيل والهول الكبير والخطب الجليل والعذاب الشديد الطويل
56 حديث في أهوال يوم القيامة
ذكر في بعض الأخبار عن النبي المصطفى المختار {صلى الله عليه وسلم} وعلى آله الأخيار

دوام اختلاف الليل والنـهار أنـه قال } ليوم القيامة مائة ألف هول كل هول أعظم من الموت مائة ألف مرة { فاندم يا مسكين على ما صنعت وفات وأصلح بالتوبة النصوح ما هو آت من قبل أن تأتي يوم لا مرد له من الله ليس للظالمين من نصير ولا للعاصين من مجير ولا لأحد من ملجأ ولا نكير
57 شدة الحر والظل
فإذا تكامل أهل السموات وأهل الحجب والسرادقات وحملة العرش والكرسي وجميع أهل الأرض في عرصة يوم القيامة وازدحمت الخلائق واختلفت الأقدام وشخصت الأحداق وتطاولت الأعناق وانثنت من شدة العطش واجتمع زحام الخلائق وأنفاسهم وشدة حر الشمس وضيق البأس ارتفع العرق على وجه الأرض حتى يعلو على الأبدان ويعم العباد على قدر منازلهم ورتبتهم التي أنزلتهم عليها أعمالهم التي عملوها في دار الدنيا وقد زيد في حر الشمس ما يتضاعف قيل حر عشر سنين ولا ظل يومئذ إلا ظل العرش فلا يصيب منـه عبد ولا أمة إلا على قدر عمله فكم بين مستظل ناعم بظل العرش وبين صاح باد بحر الشمس
58 مطر الرحمة
وقد قيل إن الله تبارك وتعالى يمطر يوم القيامة الغيث على طائفة من عباده وترمي جهنم شررها على طائفة أخرى فكم من مستريح ببرد ماء الأمطار وبين ملتهب بحر شرر النار فمن قطع عمره في الدنيا بطاعة الرحمن وعمل بالسنة والقرآن خلصه مولاه من جميع الهموم والأحزان
59 ترهيب من أهوال الحشر
فمثل لنفسك وقد نظرت للجبال قد تقلعت من أصولها وصارت مثل السراب وتقطعت السماوات وتطايرت مثل قطع السحاب وقد أيقن كل فاجر وكافر بالحلول في أليم العذاب وقد صارت العزة لذي البطش الشديد ولزمت الذلة كل جبار عنيد ثم رجعت السماء كالمـهل وهو دردي الزيت الذي يجلس في قعر الإناء قيل ترجع السماء كالدهن الرقيق وترجع الجبال كالعهن المنفوش وهو أضعف ما يكون من الصوف وتصير الخلائق كالفراش وهو البعوض وقيل كالجراد

المنتشر إذا خرجت عليه الشمس لا يأخذ بجهة واحدة كذلك الخلق يموج بعضهم في بعض لكل امريء منـهم يومئذ شأن يغنيه
قد اجتمعت القيامة بأهوالها ووضعت الحوامل أحمالها وزلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وشـهد على الأمم بأعمالها وشاب الوليد وحضر الوعد وحق الوعيد وعظم الهول الشديد وذل كل متكبر وجبار عنيد
قد خضعت الرقاب لرب الأرباب وخاب كل كفار كذاب واشتد الهول وعظم العذاب فتفكروا فيما تسمعون يا معشر الأحباب وانظروا لأنفسكم يا جماعة الإخوان والأصحاب واستعدوا لأهوال القيامة يا أولي العقول والألباب
وأنشدوا
مثل لقلبك أيها المغرور
يوم القيامة والسماء تمور
قد كورت شمس النـهار وأضعفت
حرا على روس العباد تقور
وإذا الجبال تعلقت بأصولها
فرايتها مثل السحاب تسير
وإذا النجوم تساقطت وتناثرت
وتبدلت بعد الضياء كدور
وإذا العشار تعطلت عن أهلها
خلت الديار فما بها معمور
وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت
وتقول للأملاك أين نسير
فيقال سيروا تشـهدون فضائحا
وعجائبا قد أحضرت وأمور
وإذا الجنين بأمـه متعلق
خوف الحساب وقلبه مذعور
} هذا بلا ذنب يخاف لهوله
كيف المقيم على الذنوب دهور
60 جهنم في المحشر
فإذا اشتد الفرق وسال العرق أمر الجبار جل جلاله أن يؤتى بجهنم أعاذنا الله وإياكم منـها وزحزحنا وإياكم عنـها برحمته فيؤتى بها وأهوالها وأنكالها وسلاسلها وأغلالها وقد اشتد جحيمـها وغلا حميمـها وكثر زقومـها وغضب زبانيتها وعظم سم حياتها وعقاربها واسودت جبالها وهاجت بحارها ونتن غسلينـها وغلى سمومـها وقد اجتمعت مما خلق الله فيما من عظيم بلائها فأبرزت للخلائق وهم ينظرون إليها من مسيرة خمسمائة عام
61 وصف جهنم
قال الله تعالى { وبرزت الجحيم لمن يرى } النازعات 36 فيراها

الخلائق كلها وهي تغتاظ على العباد وتغضب لغضب الجبار جل جلاله وتتغيظ وتتسعر عليها سبعون ألف زمام من حديد قد تعلق بكل زمام سبعون ألف ملك من ملائكة النار يحبسونـها عن الخلائق وهي تريد أن تنفلت من أيديهم وتأتي على أهل الموقف والملائكة التي يحبسونـها وجوههم مثل الجمر وأعينـهم مثل البرق الخاطف فإذا تكلم أحدهم تناثرت النار من فيه بيد كل واحد منـهم أرزبة من حديد من نار فيها إثنان وسبعون ألف رأس من نار كأمثال الجبال الراسيات العظام ورؤوسها كرؤوس الأفاعي وهي أخف في يدي الملك من الريشة وأعينـهم زرق ووجوههم كلحة قد خلقوا من نار السموم فتريد جهنم أن تنفلت من أيدي الملائكة من غضب الجبار جل جلاله
هذا كله قاله الضحاك عن الأئمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنـهم
62 بطش جهنم
فإذا جاءت جهنم بأمر الله تبارك وتعالى جاءت بالهول الأكبر والفزع الأعظم فيخرج من نفسها وهج شديد ويسمع من جوفها دوي سلاسل الحديد
فإذا قربت من الخلائق سمعوا لها شـهيقا ورأوا لها حريقا فإذا نظرت في أهل المعاصي ثارت وفارت وأرادت أن تثب عليهم فاغتاظت وتمحمحت إليهم وأرادت أن تأتي على جميع الخلائق وتريد أن تنفلت من أيدي الخزان فتهرب الخلائق فلا يجدون منفذا ولا مكانا يستغيثون إليه ومنادي ينادي { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان } الرحمن 33 أي بحجة ثم ترجع جهنم بسلطانـها على خزانـها لشدة غضب الجبار على من عصى الله وخالف رسوله فإذا انفلتت من أيدي الزبانية أرادت أن تقبض على كل من في الموقف فيعرض لها صلوات الله وسلامـه عليه محمد الرسول وكل نبي يومئذ بنفسه مشغول
63 رد الرسول جهنم عن الخلائق
فيأخذ محمد {صلى الله عليه وسلم} بزمامـها ويقبض على خطامـها فيردها على عقبها وهو {صلى الله عليه وسلم} يقول لها كفي عن أمتي فتخمد من نوره {صلى الله عليه وسلم} وتناديه أيها النبي المكرم والرسول المشرف المعظم خل سبيلي من يديك فما جعل الله لي ولا لغيري من سلطان

عليك فيناديها الملك الجليل الجبار هذا محمد حبيبي سيد الأبرار ووزير الأخيار فالطاعة لمن له الوسيلة والشفاعة فعند ذلك تضع جهنم رأسها خاضعة كالحة كليلة تحت سكون وخمود بإذن الملك المعبود لمحمد {صلى الله عليه وسلم} صاحب الحوض المورود والمقام المحمود واللواء المعقود والكرم والجود وإقامة الحقائق والحدود
ولو تركها خاتم النبيين وسيد المرسلين لأهلكت الخلائق أجمعين غضبا لغضب رب العالمين
أعاذنا الله وإياكم برحمته منـها إنـه أرحم الراحمين
64 جهنم وزفيرها
وقيل إن جهنم أعاذنا الله منـها وزحزحنا وإياكم برحمته عنـها إذا نظرت إلى الكفار والمنافقين والفجار وأصحاب الخطايا والأوزار زفرت زفرة فترمي شررا على رؤوس الخلائق مثل عدد نجوم السماء وزبد البحر ورمل البر فتقع 8 على رؤوس الكافرين والعاصين لرب الأولين والآخرين
فلو كانت الدنيا باقية لأنـهارت جبالها وجفت أزهارها ويبست عيونـها وأنـهارها من شدة حر جهنم ولو كان ثم موت لمات الخلق كلهم
65 الزفرة الثانية
ثم تزفر أخرى أعظم من الأولى فلا تبقى دمعة في عين إلا قطرت ويغلب بياض العين على سوادها وتبلغ القلوب الحناجر ولا يسأل أحد إلا نفسه البر والفاجر
66 الزفرة الثالثة
ثم تزفر الثالثة وهي أعظم من الأولى والثانية فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي ولا صديق إلا جثا على ركبتيه حتى إبراهيم وجميع المرسلين إلا ما خلا من حبيب رب العالمين محمد {صلى الله عليه وسلم} خاتم النبيين فإنـه لا يسأل عن هول النار قد خلصه الله من أهوالها
67 الزفرة الرابعة
ثم تزفر الرابعة وهي أعظم من الأولى والثانية والثالثة فتلقى الزبانية على
وجوههم أجمعين وتفر الخلائق كلهم هاربين ويتعلق جبريل وميكائيل عليهما السلام بساق العرش وكل ملك ينادي نفسي نفسي لا أسألك اليوم غيرها

ويقول أيضا كل واحد منـهم بحرمة محمد وبقدر محمد {صلى الله عليه وسلم} نجني من عذابك لما يرون من حرمته وجلالة قدره وعظيم منزلته عند ربه فإذا هرب الخلائق وجهنم تريد أن تأتي عليهم وقد غلا بعضها في بعض ويقلب بعضها على بعض ولا يبقى غل ولا سربال ولا سلسلة ولا قيد ولا حية ولا عقرب إلا ألقت الكل على متنـها
68 بماذا تخمد النار
فعند ذلك يقبل إليها محمد {صلى الله عليه وسلم} ويلقى يده في زمامـها ويلوح إليها بحلة خضراء فتخمد من نور وجهه المبارك وهو {صلى الله عليه وسلم} يضرع إلى العلي المجيد وهو يقول يا سلام سلم أمتي من العذاب الشديد
وأنشدوا
الدمع في خد من عصى حسن
حسب الفتى من دموعه الحزن
يا من شكى حافظاه حلوته
لما خلا والعباد ما فطن
قد كان ربي عليك مطلعا
وأنت لاهي الفؤاد مفتتن
لم تهتك السر إذ خلوت به
ولا انقضت من عطائه المنن
النار تسعى إلى العصاة غدا
لم يعلم المذنبون وما وسن
يا قوم العجب من القلوب التي بليت بالعباد وغفلت عن أهوال يوم المعاد وتمادت على معصية الرب الكريم الجواد
يا أخي كأن المراد بهذا كله غيرنا
ليبعثن الجبار الذليل والحقير ويسألهم عن الفتيل والنقير وعن الذرة والقطمير وعن القليل والكثير في اليوم المـهول العبوس العسير الذي يشيب من فظاعة هوله الطفل الصغير رفق الله بنا وبكم في ذلك اليوم إنـه على ما يشاء قدير
ثم يبعث الله تعالى جبريل عليه السلام إلى جهنم فيقول لها الله تعالى يقول لك الطاعة فتقول وعزة الله وعظيم جلاله لأنتقمن اليوم ممن لا يعمل بطاعة الله واستعان بنعمته على معصيته
ثم تقول يا جبريل هل خلق الله خلقا يعذبني بـه فيقول جبريل لا ما خلقك الله إلي إلا نقمة لمن عصاه
فتقول جهنم عند ذلك الحمد لله الذي جعلني نقمة لمن عصاه ولم يجعل من خلقه من ينتقم مني عند
ذاك والله تعظم الخطوب وتظهر القبائح والعيوب ويندم أهل المعاصي والذنوب
وأنشدوا
ليس في الدنيا لمن
آمن بالبعث سرور

فإن لله وإنا إليه راجعون على من باع نفسه في سوق الخسران وترك العز ورضي بالهوان وبذل مـهجته لعذاب النيران وبارز بالخطايا الملك الديان
69 من أسباب غفران الذنوب
حكي عن بعض العارفين رحمـه الله أنـه قال حضرت سنة من السنين الوقوف بعرفات فإذا بضجة الناس فتذكرت يوم القيامة وذكرت رحمة الله فأردت أن أحلف أن الله قد غفر لكل من في الجمع فذكرت أني فيهم فأمسكت
وأنشدوا
يا كثير الذنوب أقصر قليلا
قد بلغت المدى من الإسراف
فإذا اشتد بالخلائق الهلع وكثر منـهم الخوف والجزع وبلغت القلوب الحناجر من خوف من يعلم الظواهر والسرائر نادى الملك الرحمن يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون
فإذا سمعت الخلائق هذا النداء طمع كل منـهم فيه
فيقول سبحانـه { الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين } الزخرف 69 فعند ذلك ييأس من الرحمن جميع الكفار والمنافقين والفجار ويطمع فيها من آمن بالواحد القهار واتبع سنة محمد المختار
عند ذلك تنشر الدواوين وتوضع الموازين وتتطاير الصحف في الألف فكل امرئ بما اكتسب معترف فندم الظالم وخسر الآثم وظهرت في الصحائف الفضائح وكثر الخجل واشتد الوجل وبدت الفضائح وشـهدت على كل امرئ حفظته والجوارح
وأنشدوا
طال والله بالذنوب اشتغالي
وتماديت في قبيح فعالي
ليت شعري إذا أتيت فريدا
والموازين قد نصبن حيالي
والدواوين قد نشرن وجئنا
والنبيون يشـهدون سؤالي
ما اعتذراي وما أقول لربي
في سؤالي وما يكون مقالي
أورثتني الذنوب دار هموم
لست أبقى لها ولا تبقى لي
يا عظيم الجلال مالي عذر
بل حقيق أنا بنار السفالي
0 غير أن الرجاء فيك مكين
فارحم العبد يا جميل الفعال {
وتفضل على عبد مسيء
ليس يرجو سواك يا ذا الجلال
70 هذا يوم الدين

روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إذا جمع الله تبارك وتعالى الأولين والآخرين نادى مناد هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم بـه تكذبون فانظر لنفسك يا مسكين يا ضعيف الإيمان واليقين يا من يقول إنـه من المؤمنين المصدقين
وهو يعمل أعمال المكذبين المخالفين التاركين لسنن سيد المرسلين وخاتم النبيين
ما أجراك أن تكون عند الله من الكاذبين لو خفت من عذاب يوم الدين لعملت بالقرآن المبين ولو كنت من المؤمنين المصدقين لأطعت رب الأولين والآخرين
فسل مولاك أن يفرج عنك ما قد نزل بك من داء الذنوب وهتك سترك من القبائح والعيوب
وأنشدوا
} يا طبيب الذنوب والآثام هل دواء أبرأ بـه من سقامي
إن داء الذنوب أضعف جسمي ومشيبي موكل بي
وشفائي أعيا الأطباء إني قد تغذيت مدتي بالحرام
وركبت الذنوب سرا وجهرا وتباعدت من محل الكرام
كيف بالطب أن يعالج سقمي وكلامي يزيد قرح كلامي
أيها الناس قد علمتم ذنوبي واغتراري وشقوتي واجترامي
وأنا أرغب الدعاء فجدوا في فكاكي من الذنوب العظام
واشتياقي إلى الطواف شديد وإلى الركن والصفا والمقام
وإلى يثرب يحن فؤادي كي أزور النبي خير الأنام
فسلوا الله في الوصول فإني ذو اشتياق لحج بيت حرام
فلعل الإله يغفر جرمي وينجي من هول يوم القيام
} ويفك المنان عبدا ضعيفا مات خوفا من العذاب الغرام
71 موعظة كعب الأحبار
روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنـه قال لكعب يا كعب خوفنا
فأطرق برأسه ثم رفع رأسه وعيناه تذرفان دموعا فقال يا أمير المؤمنين والذي نفس كعب بيده أن جهنم لتزفر زفرة فتقطع السلاسل التي بأيدي الزبانية الذين يمسكونـها بها
حتى تفيض على أهل الجمع وتلقي الزبانية على وجوههم وينـهزم مالك خازنـها من بين يديها فلو كان لكل آدمي عمل مائة ألف نبي ومائة ألف صديق ومائة ألف شـهيد لحقر عمله ولظن أنـه لا ينجو منـها

فعند ذلك يعرض لها النبي {صلى الله عليه وسلم} وقد أشرقت القيامة من نور وجهه فيأخذ بزمامـها ويقول لها كفي عن أمتي كفي عن أمتي ثلاثا
فتقول له يا أيها النبي الكريم والرسول الرؤوف الرحيم ما جعل الله لي عليك ولا على أمتك من سبيل
فعند ذلك يتعلق العبد المذنب إذا رأى الأهوال العظام بالنبي عليه الصلاة والسلام فيقول يا رسول الله أنقذني من عذاب الله فيقول له ألم أبلغك رسالة ربي فلم عصيت فيقول له العبد المذنب يا رسول الله غلبت علي شقوتي
فيقول {صلى الله عليه وسلم} لا شقوة على أحد نم أمتي ولا على من قال في الدنيا مخلصا لا إله إلا الله محمد رسول الله
فيشفع له إلى الله تعالى فيشفع فيه
وأنشدوا
ألا أكرم بأحمد ذي الأيادي
شفيع الناس في يوم التنادي
إذا نشر الخلائق من قبور
عراة يبتغون ندا المنادي
وقربت الجحيم لمن يراها
فيا لله من خوف العباد
وقد زفرت جهنم فاستكانوا
سقوطا كالفراش وكالجراد
وقد بلغت حناجرهم قلوب
وقد شخصوا بأبصار حداد
فيا جبار عفوا منك فالطف
ويا رحمن رفقا بالعباد
ونودوا للصراط ألا هلموا
فهذا ويحكم يوم المعاد
تسوقكم إليه سوق عنف
مقامع من زبانية شداد
ألا يا معشر الإسلام هبوا
من الإغفال في غمر الرقاد
72 حديث في الترهيب
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت من خشية الله وعين غضت عن محارم الله وعين باتت تحرس في سبيل الله
فقدموا عباد الله في اليسير من الأيام ما يقيكم الأهوال العظام والخطوب الجسام والزلازل والطوام والعذاب الغرام فإن العمر يسير والأجل قصير والزاد قليل والهول جليل والعذاب طويل واليوم مـهول ثقيل
فإنا لله وإنا إليه راجعون على من قطع أيامـه في العصيان واستبدل الجنة بالنيران والربح بالخسران وترك العز ورضي بالهوان وعوض عن الزيادة والنقصان ففكر فيما تسمع أيها الإنسان وأنا وأنت وكلنا ذلك الإنسان وأنشدوا
مقام المذنبين غدا ذليل
وقدر الطائعين غدا جليل
إذا مد الصراط على جحيم
تصول على العصاة وتستطيل

ونادى مالكا خذ من عصاني
فإني اليوم لست لهم أقيل
73 سجود جهنم
ذكر في بعض الأخبار أن جهنم أعاذنا الله منـها وزحزحنا برحمته عنـها تستأذن يوم القيامة في السجود فيأذن لها فتسجد ما شاء الله من ذلك ثم يقال لها ارفعي فترفع رأسها وهي تقول الحمد لله الذي خلقني لينتقم بي ممن عصاه ولم يجعل شيئا من خلقه ينتقم بـه مني
إلهي قد اشتد بلائي وأخمدت ناري وغلا حميمي وزقومي وكثر نتني وغسليني وأكل بعضي بعضا
إلهي عجل بأهلي فوعزتك لأنتقمن لك ممن عصاك واتبع هواه وجحد آياتك وكذب رسلك وجعل معك إلها غيرك لا إله إلا أنت
فتنادى نداء يسمعه أهل الموقف جميعا ثم تغتاظ على أهل المعاصي فترمي بشرر كعد النجوم في السماء وزبد البحر ورمل البر ونبات الأرض على رؤوس الخلائق فيقع على رؤوس العصاة فمن كان له عمل صالح صار حجابا بينـه وبين شرر جهنم ومن لم يكن له عمر صالح صار رأسه غرضا لشرر جهنم أعاذنا الله منـها وزحزحنا عنـها برحمته يا رب العالمين آمين

3 مجلس في ذكر الميزان والصراط 74
قال الله سبحانـه وتعالى {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا} الأنبياء 47 الآية عباد الله ما لقلوبكم لا تخشع وما لآذانكم لا تسمع وما لدعائكم لا يسمع وما لعيونكم لا تدمع وما لبطونكم من السحت والحرام لا تشبع وما لعملكم المحمود لا يرفع إخواني من شغل نفسه بخدمة المعبود المحمود من خاف من ورود الناس وبئس الورد والمورود
75 افتخار الوحوش على بني آدم
ذكر في بعض الأخبار أن الوحوش تجتمع يوم القيامة فتخر ساجدة فيقال لها ما هذا يوم السجود فتقول إنما سجدنا شكرا لله الذي لم يجعلنا من ولد آدم وجعلنا ممن يشـهد فضائح بني آدم
فالله الله يا إخواني اقبلوا النصيحة قبل يوم الخجل والفضيحة

فإذا كان يوم القيامة وجاءت جهنم بأهوالها يضرب الصراط على متنـها طوله خمسمائة عام وقد قيل طوله ستة وثلاثون ألف سنة من سنين الدنيا أرق من الشعر وأحد من الموسى وقيل أحد من السيف وأحر من الجمر وقد قيل إنـه شعرة من جفن مالك خازن جهنم يمدها على متن جهنم عليه حسك وكلاليب قد تعلق بكل كلوب منـها عدد نجوم السماء من الزبانية لو أن واحدا منـهم أذن الله له أن يتنفس في الدنيا لأحرقها بإنسها وجنـها وجميع ما ذرأ فيها ولأذاب جبالها وجفف بحارها
76 صفة الصراط
والصراط أسود مظلم من شدة سواد جهنم فلا يجوز يومئذ إلا من كان له
نور ولا يكون النور يومئذ إلا من الأعمال الصالحة فمن عمل عملا صالحا نجاه من النار وجاز إلى دار الراحة والقرار
ومن لم يقدم في الدنيا عملا صالحا حجب عن النظر إلى وجه الجبار وهوى في دار الندامة والبوار
في دار عذابها سموم وها حميم وظلها لا بارد ولا كريم وطعامـها الزقوم يتردى والله في دار عذابها أليم ومسكنـها جحيم وساكنـها أبدا في العذاب مقيم يتردى والله في نار قعرها بعيد وعذابها شديد وها صديد ومقامعها حديد وما هي من الظالمين ببعيد
وأنشدوا
أما آن يا أخ أن تستفيقا
وأن تتناسى الحمى والعقيقا
وقد ضحك الشيب في عارضيك
وبانت مساويك فيه بروقا
وركب أتاهم وقد عرضوا
على أتباع المنايا طروقا
أدارت عليهم كؤوس ال
صبوحا } تلازمـهم
أو غبوقا )
وما زال فيهم غراب ال
فيسمعهم للمنايا نعيقا
ويحجل في عرصات القصور
وحتى أعاد الفسيحات ضيقا
ألا فازجر النفس عن غيها
عساك تجوز الصراط الدقيقا
مقام بـه تذهل المرضعات
وتلقى الحوامل وعدا صدوقا
وتبرز للناس نار الجحيم
لها عنق تترامى حريقا
هم المـهل في قعرها
تقطع أمعاءهم والعروقا
إذا طبقت فوقهم لم يكن
لتسمع إلا البكا والشـهيقا
أذلك خير أم القاصرات
تخال مباسمـهن البروقا
قصرن على حب أزواجهن
فمشتاقة تتلقى مشوقا
} لقد فاز من كان للمصطفى
بدار المقامة يوما رفيقا

77 حسن العمل والصراط
فمثل لنفسك يا مسكين وقد جئت إلى الصراط وقد رأيت العاملين وقد جازوا وأنوارهم تسعى بين أيديهم وبأيمانـهم ورأيت الباطلين في ظلمات البطالات وغمرات الجهالات
فالله الله يا جماعة الضعفاء يا من قطع عمره في الخلاف والجفاء خذوا لانفسكم بالاحتياط واحذروا الأهوال الصعبة عند جواز الصراط
لأن الصراط لا يجوزه آثم ولا ينجو منـه ظالم
والصراط حق رقيق لا
ينجو منـه من خالف التحقيق وترك السنة ومنـهاج الطريق الصراط طويل بعيد لا يجوز إلا من أخذ نفسه بالحزم الشديد واستقام على طاعة الولي الحميد
الصراط مـهول مخوف ولا يجوزه إلا من أغاث الملهوف وأطاع الرحيم الرؤوف الصراط صعب مـهول ولا يجوزه إلا من اتبع سنة محمد الرسول وأطاع ربا لا يحول ولا يزول الصراط كثير الزبانية لا يجوزه إلا من أطاع مولاه في الفانية وراقب الله في السر والعلانية
وذكر في بعض الأخبار أنـه لا يجوز الصراط العبد والأمة إلا من بعد نشر الدواوين ووضع الموازين
78 الموازين يوم القيامة
ذكر أن لكل إنسان ميزانا يوزن بـه عمله فمن عمل عملا سيئا خفت موازينـه وهوى في النار وقد قيل إن الميزان هو منصوب بين يدي عرش الرحمن يوزن بـه أعمال العباد
وكان الحسن رضي الله عنـه يقول لكل إنسان ميزان يوزن بـه عمله من خير وشر واستدل على ذلك بقوله تعالى { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } الأنبياء 47 الآية
وأما قوله تعالى { فأما من ثقلت موازينـه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينـه } القارعة 8 فهو ميزان الحسنات وميزان السيئات وقوله { ثقلت } و { خفت } فقوله { ثقلت } بقول لا إله إلا الله بالإخلاص و { خفت } من الحسنات بالشرك والنفاق والرياء والسمعة

لأن العبد قد يقول لا إله إلا الله على معصية ويقول لا إله إلا الله والله أكبر على أخذ مال مسلم فإنما ذلك نفاق لأن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال } من قال لا إله إلا الله مخلصا رجح ميزانـه ونجا من النار ودخل الجنة { فقيل يا رسول الله وما إخلاصها فقال أن تزحزحكم عما حرم الله عليكم
79 وزن الأعمال
ذكر في بعض الأخبار أنـه يقدم عبد يوم القيامة للحساب فيخرج له تسعة
وتسعون سجلا مملوءة بالسيئات فتوضع في كفة الميزان فيشتد هم العبد وكربه فيقول الجبار جل جلاله لعبدي عندي ذخيرة ادخرتها له فيأمر الله تبارك وتعالى أن يخرج له رقعة صغيرة فيها مكتوب مات فلان وهو يشـهد ويقول لا إله إلا الله مخلصا
80 كلمة التوحيد
فيقول الله تعالى ضعوها في ميزان عبدي فتوضع في ميزانـه فتميل الميزان بها وترجح على جميع سيئاته فعند ذلك يفرح العبد فيأمر الله تبارك وتعالى بـه إلى الجنة وأنشدوا
أعددت لله حين ألقاه
أشـهد أن لا إله إلا الله
أقولها للإله خالصة
يرحمني في القيامة الله
لعل يوم الحساب أنج بها
يوم العقوبة يوم زاد بلواه
يوم يفوز على الأشـهاد قائلها
ويخسر الجاحدون نعماه
فهي لدار الخلود قائدة
ومن عصى فالجحيم مأواه
من قالها للإله مخلصة
فهو الذي قد أتاه تقواه
وهو الذي في الخلد مسكنـه
الله قد خصه فيها وأرضاه
قد فاز عبد يكون ذاكرها
بدار عدن جوار مولاه
يحظى بدار الخلود قائلها
طوبى لمن قالها وطوباه
من كان عند الممات قائلها
فاز بدنياه وأخراه
فالله لله عباد الله ارغبوا إلى مولاكم أن يثبتكم على الكلمة المباركة الخفيفة في اللسان الثقيلة في الميزان المزينة للديوان بها يرضى الملك الرحمن وبها يسخط اللعين الشيطان وبها ينجو العبد المذنب من النيران وبها يصل العبد إلى نعيم الخلد والآمان
81 فضل الصدقة
ذكر أن العبد إذا قدم إلى ميزانـه وأخرجت سجلات سيئاته أعظم من جبال

الدنيا فإذا وجدت له صدقة طيبة تصدق بها لم يرد بها إلا وجه الله تعالى ولم يطلب بها جزاء من مخلوق ولا رياء ولا سمعة ولا محمدة ولا شكر فإن تلك الصدقة توضع في الميزان بأمر الملك الخلاق فترجح على جميع سيئاته ولو كانت سيئاته مثل وزن الجبال وأنشدوا
يا جامع المال يرجو أن يدوم له
كل ما استطعت وقدم للموازين
ولا تكن كالذي قد قال إذ حضرت
وفاته ثلث مالي للمساكين
واعملوا عباد الله أن الميزان إذا نصب للعبد فهو من أعظم الأهوال يوم القيامة لأن العبد إذا نظر إلى الميزان انخلع فؤاده وكثرت خطوبه وعظمت كروبه فلا تهدأ روعة العبد حتى يرى أيثقل ميزانـه أم يخف فإن ثقل ميزانـه فقد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خف ميزانـه فقد خسر خسرانا مبينا ولقى من العذاب أمرا عظيما
82 شفاعة الرسول
ذكر في الأخبار أن أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} إذا قدموا إلى الميزان عظمت كروبهم حين أظهرت لهم قبائحهم وعيوبهم ووزنت أوزارهم وذنوبهم وضاقت حيلهم وتغيرت أحوالهم فعند ذلك يأتيهم النبي الشفيع محمد {صلى الله عليه وسلم} فإذا نظر إلى أمته قد تحيروا عند الميزان دعا الله أن يثقل موازينـهم فيأمره الله تعالى أن ينظر إلى موازين أمته فينظر {صلى الله عليه وسلم} إليها فترجح موازينـهم من نظره ونور وجهه {صلى الله عليه وسلم}
ذكر أن الميزان بيد جبريل عليه السلام وله كفتان أحدهما بالمشرق والأخرى بالمغرب وأن الذرة والخردلة والحبة من أعمال العباد من الخير والشر لتوضع في الكفة فتميل بها بقدرة الله تعالى فالله أعلم بحقيقة ذلك
فلا يحقرن أحدكم حسنة يعملها وإن صغرت في عينـه فربما ثقلت الميزان ولا يحقرن أحدكم سيئة يعملها وإن صغرت فربما خففت الميزان
لأن الذنب الصغير في عين محتقره يأتي يوم القيامة وهو في الميزان أعظم من الجبال الرواسي
83 ما يثقل الميزان
قال الله تعالى { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا }
الأنبياء 47 الآية

روى أبو هريرة رضي الله عنـه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم { وقيل جاء رجل إلى رسول الله تعالى فقال يا رسول الله جئتك تعلمني علما يدخلني الجنة وينجيني من النار
فقال له النبي {صلى الله عليه وسلم} } ألا أدلك على كلمتين ثقيلتين في الميزان خفيفتين على اللسان ترضيان الرحمن وتسخطان الشيطان تقول سبحان الله والحمد لله فإنـهما المقربتان يقربان من الجنة ويبعدان من النار { فكل من زعم أن الميزان ليس هو حق فقد رد على الله في كتابه وعلى رسوله {صلى الله عليه وسلم} في سنته
84 الرأس في الخير والرأس في الشر
روي عن الحسن رضي الله عنـه أنـه قال يؤتى يوم القيامة بالميزان فتوضع بين يدي الله تبارك وتعالى ثم يدعى العباد للحساب فإذا كان العبد أو الأمة رأسا في الخير يدعو إليه ويأمر بـه دعي باسمـه ثم يقرب من الميزان فتوزن حسناته وسيئاته ولو كانت حسنة واحدة ولو كانت سيئاته أكثر من حسناته وأثقل من جبال الدنيا لأن الله تبارك وتعالى إذا تقبل من العبد أو الأمة حسنة واحدة غفر له جميع ذنوبه وإن كثرت ذنوبه
وقد قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لعائشة يا عائشة لو قبل الله تعالى من العبد سجدة واحدة لأدخله بها الجنة فقالت يا رسول الله فماذا يصنع بأعمال العباد فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يأكلها الرياء والسمعة كما تأكل النار الحطب وإذا كان العبد أو الأمة رأسا في الشر يأمر بـه ويدعو إليه دعي باسمـه فقدم إلى الميزان فتوضع حسناته وسيئاته فترجح سيئاته على حسناته ولو كانت سيئاته واحدة ولو كانت حسناته أكثر وأثقل من جبال الدنيا لأن الله تعالى أحبطها ولم يتقبل منـها حسنة واحدة ويأمر بهم ذات الشمال إلى النار
فقال أصحابه رضي الله عنـهم يا رسول الله أما كانوا مسلمين فقال {صلى الله عليه وسلم} كانوا يصلون كما تصلون ويصومون كما تصومون ويزكون كما تزكون ويقومون من الليل برهة ولكن كانوا إذا عرض لهم درهم حرام وثبوا

عليه كالذئاب فأحبط الله أعمالهم بذلك ولم يتقبل منـهم حسنة واحدة وإذا لم يتقبل الله من العباد حسنة واحدة فأحرى أن لا يؤثر في الميزان لأن الحسنات لا تنفع ولا تثقل الميزان إذا لم يتقبلها الله تعالى لأنـه تعالى لا يقبل إلا ما كان لوجهه خالصا
فالله الله عباد الله إذا عملتم عملا فأخلصوا لله فإن الله لا ينفعكم ولا يتقبل منكم إلا ما كان لوجهه خالصا
وأنشدوا
من كان يعلم أن الله باعثه
يوم الحساب لدى نشر الدواوين
فلا يزد بفعال البر أجمعها
إلا الحساب وتثقيل الموازين
فقدموا عباد الله للميزان بلزوم طاعة الرحمن
قدموا للموازين بطاعتكم لسلطان السلاطين
إخواني وأعظم مصيبة وحسرة من خفت موازينـه من الحسنات وأمر بـه إلى العذاب والعقوبات
والويل ثم الويل لمن خفت موازينـه من صالح الأعمال وغضب عليه ذو الجود والإفضال وأمر بـه إلى العذاب والنكال وإلى السلاسل والأغلال
85 وزن أعمال العباد
يا إخواني فإذا وزنت أعمال العباد وخف من خف وثقل من ثقل أمروا أن يمضوا إلى الصراط فيجيء كل إنسان إلى الصراط فيقحم الصراط فمن الناس من يضع عليه قدمـه فيزل من أول قدم يضعه فيهوي في النار ومن الناس من يمشي القليل منـه ويزل في النار ومنـهم من يجوزه كالبرق الخاطف ومنـهم من يجوزه كالريح الهبوب ومنـهم من يجوزه كالطير السريع في طيرانـه ومنـهم من يهرول ومنـهم من يكون كالضعيف إذا مشى ومنـهم من يكون كالمبطون الذي يمشي على يديه ورجليه ومن الناس من يأتي إلى الصراط فتخرج النار فتأخذه فتهوي بـه كل هذا على قدر أعمال العباد وأنوارهم ورتبتهم على قدر القبول من الله تبارك وتعالى بها وعلى قدر تثقيل الموازين وتخفيفها
فإذا أتى العبد من أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} إلى الصراط فمن كان من أهل الذنوب ولم يكن له عمل يجوز بـه على الصراط بقي متحيرا لا يقدر على الجواز
فبينما هم في شدة الفزع من هول الصراط إذ أقبل محمد {صلى الله عليه وسلم}
86 نور الرسول على الصراط

فإذا نظر صلوات الله وسلامـه عليه إليهم كساهم نور وجهه {صلى الله عليه وسلم} ما يجوزهم الصراط فيأخذ كل واحد من نور وجه المصطفى {صلى الله عليه وسلم} على قدر صلاته عليه في الدنيا فيستبق العباد في الجواز على قدر ما أخذوا من النور الذي أخذوه من نور وجه المصطفى وكلما أخذ الخلق من نور وجهه {صلى الله عليه وسلم} زاد الله تبارك وتعالى في النور في وجه الحبيب محمد {صلى الله عليه وسلم} فأكثروا من الصلاة على نبيكم {صلى الله عليه وسلم} فإن صلاتكم عليه مبلغة إليه
87 فضل الصلاة على النبي
قال النبي {صلى الله عليه وسلم} } أنجاكم من أهوال يوم القيامة ومواطنـها أكثركم علي صلاة وأولاكم بشفاعتي أكثركم علي صلاة { فأكثروا من الصلاة عليه يا معشر المذنبين فهو شفيعكم يوم الجزاء والدين {صلى الله عليه وسلم} وعلى آله وصحبه أجمعين وجعلنا بالصلاة عليه من الآمنين من عقابه والفائزين برحمته من عذابه إنـه منعم كريم
وأنشدوا
} ألا أكرم بأحمد ذي المعالي
شفيع الناس في يوم السؤال {
} إذا مد الصراط على جحيم تصول على العباد باستطال {
} إذا كان النبي لنا شفيعا سننجوا من سلاسلها الطوال {
} ولو كانت خطايانا جساما
تشبه بالثقال من الجبال {
} لجزنا في الصراط بغير حزن إلى دار الخلود مع الجلال {
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } يمر الناس على الصراط فالزالون والزالات كثير وأكثر ما تزل النساء ذكر أن الصراط عليه زبانية ينظرون إلى وجوه العباد فمن رأوا في وجهه نورا تركوه أن يتحول ويجوز ومن لم يروا في وجهه نورا كبكبوه في النار ولا يكون النور يومئذ إلا من العمل الصالح
88 جسور جهنم
روى بعض العلماء عن التابعين وعن بعض الصحابة أنـهم قالوا إن جهنم أعاذنا الله منـها عليها سبعة جسور وهي القناطر ثلاثة دون الرب سبحانـه وتعالى الرابعة الوسطى عليها الرب جل جلاله لأحد ولا كيف تسليما وإيمانا وتصديقا
89 القنطرة الأولى

والصراط أحد من السيف فيقول الله تبارك وتعالى حين يبلغون القنطرة الأولى وقفوهم إنـهم مسؤولون ما لكم لا تناصرون فيحبسون فيحاسبون على الصلاة فمن وجدت صلاته تامة نجا من تلك القنطرة ومن لم توجد له صلاة تامة هوى في النار فينجو من نجا ويهلك من هلك
90 القنطرة الثانية
ثم يحبسون على القنطرة الثانية فيحاسبون على الأمانة وهي أمانة الخالق وأمانة الخلق وإذا أراد بعبده خيرا جعل الغنى في قلبه وجعله أمينا لله وأعانـه على أداء الأمانات التي افترض عليه جل جلاله من الوضوء والاغتسال والصلاة والصيام والزكاة وإعطاء كل ذي حق حقه والأمر بالمعروف والنـهي عن المنكر والحفظ لحدود الله فذلك العبد الذي ألهمـه الله تعالى رشده وبصره عيوب نفسه وجعل غناه في قلبه
تأدية الأمانة وتضييعها وإذا أراد بعبده شرا جعل فقره بين عينيه وفي قلبه وكسله عن إداء الأمانات من المفترض الذي افترض عليه وعلى جميع عباده وغيب عنـه رشده وسلط عليه الشيطان فزين له سوء عمله وحبب إليه عيوبه
فإذا كان العبد كذلك فلا يبالي عما قال ولا عما قيل فيه ولا يكون همـه إلا في دنياه وإصلاحها ولا يبالي بتلاف دينـه فذلك العبد الذي قد سخط عليه مولاه وأبعده عن أبواب الخير كلها وقربه من أبواب الشر كلها
قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } الأنفال 27 91
تضييع الأمانة
ذكر في بعض الأخبار أنـه يؤتى بمضيع الأمانة فيقال له أد ما ضيعت فيقول يا رب ذهبت عني الدنيا فمن أين أؤديها فيخلق له مثلها في قعر جهنم أعاذنا الله منـها فيقال إنزل إليها وأخرجها إلى صاحبها فينزل العبد المسكين إليها فيرفعها على كتفه فهي أثقل من جبال الدنيا كلها فإذا صار الشقي المسكين إلى أعلا جهنم وقعت من كتفه إلى قعر جهنم فيقال له انزل إليها فينزل مرة أخرى ويرفعها فإذا صار إلى أعلا جهنم وقعت منـه فلا يزال هذا عذابه إلى ما شاء الله تعالى من ذلك

هذا كله عند جواز الصراط والله أعلم
وهذا العبد والله أعلم الذي ضيع أمانات الناس
وأنشدوا
خرجت من الدنيا وقد خنت أهلها
وصرت إلى النيران بالوزر والإثم
وطالبني الجبار بالصدق والوفا
وبان لأهل الجمع ما كان من جرمي
وقيل لكل الخلق هذا مضيع
أمانة رب العرش والذكر والحكم
92 القنطرة الثالثة
ثم يحاسبون على القنطرة الثالثة وهي أدنى من الرب جل جلاله بلا تكييف ولا تحديد فيحاسبون على صلة الرحم كيف وصلوها
93 صلة الرحم
ولم قطعوها والرحم يومئذ تنادي اللهم من وصلني فصله ومن قطعني فاقطعه
فينجو من نجا ويهلك من هلك
94 القنطرة الرابعة
ثم يمرون على القنطرة الرابعة فيحاسبون على بر الوالدين فينجو من نجا ويهلك من هلك وهو السؤال العظيم لأن الله تعالى قد قرن شكره بشكر الوالدين فقال جل اسمـه وعز وجهه { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير } لقمان 14 فالله تعالى يقول في بعض كتبه المنزلة
95 شكر الوالدين
أرض والديك فإن رضائي في رضا الوالدين وسخطي في سخط الوالدين فلو أن عبدا جاء يوم القيامة بعمل ألف صديق وكان عاقا لوالديه ما نظر الله تبارك وتعالى في شيء من عمله وكان مصيره إلى النار وما من عبد مسلم أو أمة مسلمة ضحك في وجه والديه أو أحدهما إلا غفر الله له ما كان منـه من الذنوب والخطايا وكان مصيره إلى الجنة
وأنشدوا
} الوالدان إلى شكر الإله وصول والوالدان إلى دار السلام سبيل
} صل والديك ولا تقطع حبالهما ليجزينك في دار البقاء جليل
96 القنطرة الخامسة
ثم يحبسون على القنطرة الخامسة فيحاسبون على حفظ اللسان من الغيبة والنميمة وشـهادة الزور فينجو من حفظ لسانـه ويهلك من سرح لسانـه بما لا يعنيه
لأنـه ليس من جوارح العبد أشد ذنبا من اللسان لأن كلمة يتكلم بها العبد أو الأمة تكون سببا ل النار
97 ترك الغيبة والنميمة

وقد كان بعض الخائفين إذا أصبح أخذ لوحا ودواة وجعلهما بجواره فإذا تكلم كلمة كتبها في اللوح ويقول لنفسه هكذا أثبتها عليك الملك بأمر الملك فإذا غربت الشمس وصلى صلاة المغرب وضع اللوح بين يديه وجعل يقرأ ويبكي ويقول في بكائه ونحيبه وتقريره لنفسه يا نفس كأني بك وقد سئلت عن هذا عند جواز الصراط يا نفس تراك بأي كلمة من هذه تدخليني النار فلا يزال يبكي حتى لا يجد بكاء وتفرغ دموعه فيغشى عليه فإذا أفاق مما هو فيه أخرج اللوح وكتب ما فيه بقرطاس وهو يقول متضرعا يا الله عفوا ورفقا ولطفا بعبدك
فلم يزل هذا دأبه حتى مات فرآه بعض الصالحين في المنام في حالة حسنة فسأله عما لقي من الله تعالى فقال ما يلقى من الكريم إلا الكرم جعل محاسبتي لنفسي في الدنيا بدلا عن الحساب في الآخرة وجعل دموعي التي بكيت في الدنيا أنـهارا ترويني يوم العطش الأكبر وتفضل الكريم علي ب الجنة وبجواز الصراط ومن علي بالفضيلة العظيمة والزيارة الكبرى إلى وجهه الكريم
98 كلمة الشر وعذابها
وقد روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إن الرجل ليتكلم بالكلمة فينزل بها في النار بعد ما بين المشرق والمغرب فإذا أراد الله تبارك وتعالى بعبده خيرا أعانـه على حفظ لسانـه وشغله بعيوب نفسه عن عيوب غيره
قيل مر رجل على رجل فسلم عليه فقال له الرجل الذي سلم عليه يا أخي لو كشفت لك عن حالي ما سلمت علي فقال له الرجل الذي سلم عليه يا أخي لو كشفت لي عيوبك لكان في عيوبي ما يشغلني عن جميع عيوبك
فجلس كل منـهما يبكي في ناحية حتى بل كل واحد منـهما الأرض بدموعه ثم تفرقا
99 شـهادة الزور
وروي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال
من شـهد شـهادة زور على ذمي أو مسلم أو من كان من الناس علق بلسانـه في الدرك الأسفل من جهنم
وفي بعض الأخبار أن شـهادة الزور من أعظم الكبائر عند الله تعالى وشاهد الزور يعلق بلسانـه بكل كلمة في شـهادة الزور وبكل حرف كتب فيها شـهادته ألف عام على الصراط عند القنطرة الخامسة

ولو أن شاهد الزور جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيا ما نظر الله إليه
وكذلك صاحب الغيبة والنميمة لا يجوز من هذا الصنف الصراط إلا أن يعفو الله أو تدركه الشفاعة
وأنشدوا
} إذا ازدحم العباد لكي يجوزوا تساقط كل جبار أثيم
بقعر النار ليس لهم مغيث
ولا للعاصي يوما من حميم
ومن يطع الإله فسوف ينجو
من التعذيب في قعر الجحيم
إذا نصب الصراط على جحيم
فيالله من هول عظيم
ألا يا معشر الإسلام توبوا
من العصيان للرب الرحيم
إخواني أطيعوا الله في السر والإعلان واعملوا بالسنة والقرآن واتركوا الأوزار والعصيان واحذروا من هول الصراط المنصوب على سموم النيران
00 القنطرة السادسة
ثم يحبسون على القنطرة السادسة فيحاسبون على حفظ الجار فينجو من حفظ جاره وأكرم ضيفه ويهلك من خان جاره ولم يكرم ضيفه
01 إكرام الضيف
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه {
وكرامته أن يكرمـه لوجه الله وتكون ضيافته من حلال وأما من أنفق على ضيفه من حرام فإنـه لا ثواب له
فما أنفق على الضيف في الخمر أو مما لا يرضى الله تعالى بـه فإن ذلك الضيف يأتي يوم القيامة يتعلق هذا بهذا ويلعن هذا بهذا ثم يأتيان إلى الصراط وكل واحد منـهما يلوم صاحبه ويقول له لعنك الله الذي ساعدتني على الإنفاق في غير الله ثم يقال لهما جوزوا الصراط ففي أول قدم يضعان على الصراط يهويان في النار
02 البركة مع الضيف
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } الضيف إذا دخل بيت المؤمن دخلت معه ألف بركة وألف رحمة ويكتب الله تعالى لصاحب المنزل بكل لقمة يأكلها الضيف حجة وعمرة {
وعن ابن عباس رضي الله عنـهما أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال درهم ينفقه الرجل على ضيفه أفضل من ألف دينار ينفقها في سبيل الله ومن أكرم الضيف لوجه الله أكرمـه الله تعالى يوم القيامة بألف كرامة وخلصه من النار وأدخله الجنة

وقد جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنـها أن النبي {صلى الله عليه وسلم} كان يقول لها يا عائشة لا تتكلفي للضيف فتمليه وإنما أراد {صلى الله عليه وسلم} مداومتها على إكرام الضيف
وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنـه قال قال لي رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا علي إذا جاءك الضيف فاعلم أن الله تعالى قد من عليك إذ بعثه إليك ليغفر لك ذنبك بذلك
03 ينزل الضيف برزقه
وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنـه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } أيها الناس لا تكرهوا الضيف فإنـه إذا نزل نزل برزقه وإذا رحل رحل بذنوب أهل المنزل {
وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنـه ما من منزل ينزل فيه ضيف إلا بعث الله تبارك وتعالى إلى ذلك المنزل قبل نزول الضيف بـه بأربعين يوما ملكا على صورة طائر ينادي يا أهل المنزل فلان بن فلان ضيفكم في يوم كذا وكذا والخلف من الله من باب كذا وكذا فتقول الملائكة الذين وكلوا بأهل الدار وبعد الخلف ما يكون فيخرج لهم ذلك الملك كتابا فيه مكتوب قد غفر الله لأهل المنزل ولو كانوا في ألف
وفي حديث آخر أنـه قال ما من عبد من عباد الله المؤمنين أكرم ضيفا لوجه الله الكريم إلا نظر الله إليهم إن كانوا جماعة فإن كان الضيف من أهل الجنة وكان رب المنزل من أهل النار جعله الله تعالى من أهل الجنة بإكرامـه ضيفه
وفي حديث آخر أن الضيف ورب المنزل وأرباب المنزل إن كانوا جماعة يأتون الصراط فيأخذ كل واحد منـهم بيد صاحبه فيجوز الصراط أسرع من البرق اللامع فإن لم يكن فيهم من له عمل يجوز الصراط أمر الله الملك الموكل بنفقة الضيف أن يأخذ بيدهم ويجوز الصراط ولو كانوا مئة ألف
04 إطعام الطعام
وإطعام الطعام ينقسم على ثلاثة أوجه مخلوف ومسلوف ومتلوف فالمخلوف الذي يطعم لوجه الله لا يريد بـه غير الله تعالى ولا يطلب بـه جزاء من مخلوف والمسلوف الذي تضيفه مرة ويضيفك أخرى
والمتلوف كل ما كان إطعامـه على المعاصي

والمخلوف والمسلوف فيهما الأجر إلا أن المخلوف أعظم أجرا والمتلوف هو حسرة وندامة يوم القيامة
وأنشدوا
يا مكرم الضيف للرحمن خالقنا
عند الصراط ستلقى الخير موفورا
} أكرم ضيوفك كي ترجو الجواز غدا
على الصراط وترجو الخلد مجبورا
05 حفظ الجار
وأما حفظ الجار فإن العبد أو الأمة يسأل عن حفظه فمن حفظ جاره جاز
الصراط ونجا من العذاب الأليم وصار إلى جنة الخلد ودار النعيم
وروي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعان وجاره جوعان أو بات ريان وجاره عطشان { ومن كرامة حفظ الجار أن توقظه من الغفلات تلهمـه إلى الطاعات وتأمره بإقامة الصلوات
06 تعلق الجار بالجار
ذكر في بعض الأخبار أن الجار يتعلق بجاره يوم القيامة فيقول يا رب جاري هذا خانني في الدنيا
فيقول الله تبارك وتعالى لم خنت جارك فيقول وعزتك وجلالك ما خنته لا في مال ولا في أهل وأنت أعلم بذلك
فيقول له جاره ما فعلت ذلك ولكن رأيتني على المعاصي فلم تزجرني عنـها فيؤمر بـه وبصاحبه إلى النار ولا يغفر الله لهما
وما من عبد مسلم أو أمة مسلمة حفظ جاره وأمره بالمعروف ونـهاه عن المنكر إلا جوزه الله تبارك وتعالى على الصراط قبل العباد بخمسمائة عام
07 الوصية بحفظ الجار
وروي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } لقد أوصاني ربي ليلة أسري بي بحفظ الجار حتى ظننت أنـه سيورثه { وبعض العلماء يرى شفاعة الجار
فكل من حفظ الجيران فقد أطاع الرحمن وأسخط الشيطان وعمل بالسنة والقرآن
روي أن الرجل الصالح والمرأة الصالحة يشفعان يوم القيامة في سبعين من جيرانـهما ويجوزانـهم على الصراط
عباد الله من حفظ الجار نجا من النار وجاز الصراط إلى دار القرار ومن حفظ الجار فقد عمل بالسنة والكتاب وأطاع الملك الوهاب وأسخط الشيطان اللعين الكذاب وما من جار يلقى جاره المسلم فيسلم عليه إلا غفر الله لجاره ولو كان له ألف جار
حفظ الجار قربة ووسيلة ودرجة عند الله وفضيلة
وأنشدوا

يا حافظ الجار ترجو أن تنال به
عفو الإله وعفو الله مذخور
الجار يشفع للجيران كلهم
يوم الحساب وذنب الجار مغفور
08 القنطرة السابعة
ثم يحبسون على القنطرة السابعة فيسألون عن الصدق فمن حفظ لسانـه عن الكذب نجا من الصراط ونجا من النار وصار إلى الجنة مع الأبرار
09 الصدق والكذب
ومن كذب فقد خالف الكتاب والسنة وقد حرم نعيم الجنة
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إذا كذب المؤمن كذبة من غير عذر تباعد منـه الملكان مسيرة سنة من نتن ما جاء بـه وكتب الله تبارك وتعالى عليه بكذبة ثمانين خطيئة أقلها كمن يزني بأمـه 110
كذبة المؤمن بثمانين خطيئة
وإذا كذب المؤمن من غير عذر يخرج من فيه شيء منتن حتى يبلغ العرش فتلعنـه حملة العرش ويلعنـه ثمانون ألف ملك ويكتب عليه ثمانون خطيئة أقلها مثل جبل أحد
الكذب نفاق والكذب من الكبائر وإذا استحل العبد الكذب فقد استحل المحارم كلها وإذا لم يستحل العبد الكذب لم يقدر أن يباشر شيئا من محارم الله وأن الصادق إذا جاء الصراط سبقه نور وجهه مسيرة مئة عام يعني على الصراط ومن صدق عمل بكتاب الله واتبع سنة رسول الله والصادق أسرع جوازا على الصراط وأسرع الناس ا الجنة
والكاذب في أول قدم يضعها على الصراط يهوي في النار فلا ينجو من الجسر السابع وهو أصعبها إلا من صدق ويهلك من كذب جعلنا الله وإياكم برحمته ممن صدق فنجا
وأنشدوا
أصدق يريك إله العرش جنته
يوم المعاد ولا تولع بتكذيب
إن الصدوق لدى الرحمن منزله
دار الخلود بلا موت وتعذيب
يوم الجزاء على متن الصراط إلى
دار النعيم بلا حزن وتكئيب
ذكر في بعض الأخبار أن الصادق يجوز على الصراط وهو لا يشعر بـه ولا يهوله فالله الله عباد الله كونوا من الصادقين ولا تكونوا من الكاذبين وتأسوا بخاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين
11 نجاة الصادقين

ذكر في بعض الأخبار أن الناس الذين ينجون من الصراط وهوله يحبسون بقنطرة بين الجنة والنار يتقاصون مظالم كانت بينـهم في الدنيا حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم ب الجنة
قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } فوالذي نفسي بيده إن أحدهم مسكنـه في الجنة أدل منـه لمسكنـه الذي كان في الدنيا { يا لها من كرامة ويا لها من نعمة ويا لها من منة ويا لها من فرحة
فقدموا عباد الله في اليسير من الأوقات والقليل من الساعات ما يجوزكم الصراط ويقيكم الآفات
الصراط على متن جهنم ممدود لا يجوزه إلا من خاف من أهوال اليوم الموعود وأطاع الملك المعبود الغفور الودود
12 الصلاة تجوز على الصراط
ذكر في بعض الأخبار أن من صام ثلاثة أيام من كل شـهر وقام في ليلة من لياليها يصلي عشر ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد ثلاث مرات فإذا فرغ من صلاته صلى على محمد {صلى الله عليه وسلم} عشر مرات ثم يقول سبحان من كان ولا مكان سبحان الموجود بكل حين وأوان سبحان المعبود في كل أوان سبحان المسبح بكل لسان سبحان المنجي من الهلكات سبحان خالق الأرضين والسموات جوزه الله تبارك وتعالى على الصراط أسرع من البرق الخاطف ولا يؤذيه حر النار ويمضي إلى الجنة مع أول زمرة من الصحابة والتابعين ويشفعه الله تعالى في سبعين من أهله وجيرانـه
وهي أفضل ما يصام من الشـهر وهي يوم ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } يمر الناس على الصراط فالزالون والزالات كثير وأكثر ما يزل النساء وجبريل عليه السلام آخذ بحجزتي إذا عصفت الريح بأمتي فصاحوا يا محمداه فلولا أن جبريل عليه السلام آخذ بحجزتي لأغثت أمتي
فيبادرون جوازا فلا يجوزه ظالم فيبقون متحيرين ثم يتداركهم الله برحمته وبفضل دعائي لهم فيقول جوزوا على الصراط بعفوي فيجوزوا اللهم اغفر لنا جميعا برحمتك
وأنشدوا
لو علم الخلق ما يراد بهم
وأيما مورد غدا يردوا
ما استعذبوا لذة الحياة ولا
طاب لهم عيش إذا رقدوا
خوفا من العرض والصراط على

نار تلظى وحرها يقد
والناس في هول موقف عسر
قد عاينوا هوله الذي وعدوا
يا لك من موقف يفوز به
قوم هم للجنان قد وفدوا
مع النبي قد اصطفاه خالقنا
صلى عليه المـهيمن الصمد
عباد الله اشتروا أنفسكم من مولالكم باليسير من الأعمال وبالقليل من الأفعال وبالطيب من الأقوال من قبل حبسكم على الصراط لشدة الأهوال يوم لا بيع فيه ولا خلال بين يدي الكبير المتعال
13 كيفية الجواز على الصراط
ذكر في بعض الأخبار أن الناس ينقسمون في جواز الصراط سبعة أقسام فيجوز أول قسم من الرجال والنساء كطرفة عين والقسم الثاني كالبرق الخاطف والقسم الثالث كالريح العاصف والقسم الرابع كالطير المجد والقسم الخامس كالخيل في جريها والقسم السادس كالماشي والقسم السابع كالمـهرول
14 أقسام الناجين على الصراط
فأما القسم الأول فهم أصحاب الصدقات وقوام الليل والعلماء يقدمونـهم
والقسم الثاني هم الذين استقاموا على أداء الفرائض ولم يفرطوا فيها وأدوها في أوقاتها
والقسم الثالث هم الذين أدوا الزكاة ولزموا صحبة العلماء وأحبوهم
والقسم الرابع هم الذين وصلوا أرحامـهم وطلبوا بصلتها رضاء مولاهم
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه أوصى عند موته بصلة الرحم وما من عبد وصل رحمـه بنفسه أو ماله إلا جعله الله تعالى يوم القيامة على الصراط كالذي يمشي في
رياض الجنة ولا يرى من أهوال الصراط شيئا ويدخل الجنة مع أول زمرة تجوز الصراط وأنوارهم تسعى بين أيديهم وبأيمانـهم
والقسم الخامس هم الذين غضوا أبصارهم عن محارم الله وصانوا فروجهم عن الفواحش وحفظوا أزواجهم عما لا يحل لهن وحجبوهن ولاطفوهن ورفقوا بهن كما قال {صلى الله عليه وسلم}
15 حديث في العناية بالنساء
النساء ودائع الأحرار ولا يعزهن إلا عزيز ولا يذلهن إلا ذليل والذليل عند الله في النار وكذلك المرأة إذا عزت زوجها وأطاعته فيما يرضي الله تعالى
والقسم السادس هم الذين تجنبوا الربا والحرام وتجنبوا الخيانة في المكيال والميزان
وقد قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم}

كل مال خالطه الربا فهو زاد صاحبه إلى النار
16 آكل الربا
وقد ذكر أن آكل الربا يأتي الصراط فيجعل الله تبارك وتعالى كل درهم وكل حبة وكل ثوب وكل لقمة وكل شيء أكل أو اكتسبت يداه من الربا ثعبانا من نار يخطفه من على الصراط يهوي بـه في قعر جهنم مع اليهود ومن تاب تاب الله عليه وغفر له ما جنى
والقسم السابع هم الذين بروا الوالدين وبروا الأزواج وبروا الجيران وبروا الإخوان ولزموا المساجد وأمروا بالمعروف ونـهوا عن المنكر وحفظوا حدود الله ولم تأخذهم في الله لومة لائم وعملوا بكتاب الله وسنة رسوله {صلى الله عليه وسلم}
وأنشدوا
} أتطمع بالنجاة وكيف تنجو ولست على نجاتك بالحريص
ولو في نيلها أعملت حرصا
لنلت الفوز بالثمن الرخيص
ولكني أراك تريد عزا
وحالك حال ممتهن نقيص
} وليس لمن تعرض للمعاصي
هديت عن الضلالة من محيض
17 المتصدقين سرا وعلانية
يا أحبابي إذا جاز الناس الصراط وجدوا خلقا كثيرا نساء ورجالا قد سبقوهم إلى الجنة فيقولون من هؤلاء الذين سبقونا فتقول لهم الملائكة هؤلاء الرجال
الذين تصدقوا في السر ابتغاء وجه الله وتصدقوا في العلانية ليحببوا الصدقة إلى عباد الله هؤلاء الذين فرجوا عن المكروبين
وهؤلاء النسوة اللواتي أطعن أزواجهن وحفظن فروجهن وحفظن ألسنتهن عن أذى الزوج وعن أذى الجيران وتصدقن في السر والإعلان تسبق هذه الزمرة جميع الناس إلى الصراط وجوازه بخمسمائة عام
ومن كان من إخوانـهم من أهل الذنوب جازوا في شفاعتهم فإذا جازت أول زمرة من الأولين السابقين وزمرة المتأخرين يبقى رجل واحد فيضع قدمـه الواحدة فتنزل فيبقى بالقدم الأخرى فيركب الصراط على بطنـه والنار تصيبه على قدر ذنوبه
18 آخر من يبقى على الصراط
فلا يزال يحبو ويتدرج ويبكي ويتضرع إلى الله تعالى حتى يجوز فإذا جاز ونجا رد رأسه ونظر إلى الصراط وأهواله وأهوال أهل النار وعواء أهل النار في النار فيقول سبحان الذي خلصني منك ونجاني من أهوال النار

فبينما هو ينظر إلى الصراط ويقول هذا القول يبعث الله تعالى إليه بلطفه ملكا من ملائكته فيأتيه فيأخذه بيده ويقول له قم يا عبد الله فينطلق إلى غدير من ماء على باب الجنة فيقول له الملك اغتسل من هذه الماء واشرب منـه فيغتسل العبد ويشرب كما أمره الملك فيعود كالقمر الطالع ليلة التمام وتعود رائحته كرائحة أهل الجنة ولونـه كألوان أهل الجنة ثم ينطلق بـه إلى قرب جهنم فيقول له قف ها هنا حتى يأتيك إذن من ربك فينظر إلى أهل النار ويسمع عواءهم كعواء الكلب يستغيثون من شدة العذاب فإذا سمع العبد أهل النار وما هم فيه بكى وقال يا رب اصرف وجهي عن أهل النار حتى لا أنظر إليهم ولا أسمع صوتهم ولا أسألك غير هذا فيأتيه ذلك الملك من عند رب العالمين فيحول وجهه عن أهل النار إلى أهل الجنة فينظر إلى ناحية أهل الجنة فيرى بينـه وبين باب الجنة روضة خضراء ما رأى أحد قط مثلها ثم ينظر إلى باب الجنة وجماله وعرضه مسيرة أربعين يوما للطير المسرع والله أعلم من أي الأعوام يقول يا رب قد أحسنت إلي الإحسان كله جوزتني الصراط وأنجيتني من النار وأدنيتني من باب الجنة هذه الروضة أسألك أن تبلغني إليها ولا أسألك غير ذلك فيأتيه ذلك الملك فيقول له يا ابن آدم ما أكذبك ألست قد عزمت أنك لا تسأل غير هذا المقام فيأخذ بيده وينطلق بـه للروضة فيدخله فيها
19 باب الجنة

فينظر إلى باب الجنة وإلى بهجة تلك القصور وأطرافها من الجندل الأخضر وحصباؤها من الياقوت الأحمر فيستنشق نسيم طيب الكافور والمسك ويسمع حسن تغريد الأطيار وخرير تلك الأنـهار وما لا تصفه ألسنة الواصفين ولا يخطر ببال المتفكرين فإذ 1 ا سمع العبد ذلك كله استخفه الطرب فيقول يا مولاي لقد أنعمت علي نعمنا أكمل النعم جوزتني الصراط وأنجيتني من النار وصرفت وجهي عن أهل النار حتى لا أراهم ولكن أسألك يا سيدي ومولاي أن تدخلني الجنة فاجعل هذا الباب بيني وبين أهل النار حتى لا أسمع حسيسهم ولا أرى عذابهم فيأتيه ذلك الملك فيقول له ابن آدم ما أكذبك ألست قد زعمت أنك لا تسأل غير ما قد سألت فيقول وعزتك يا رب لا سألتك غيره
فيأخذ الملك بيده فيدخله الباب فينظر العبد عن يمينـه وعن شماله مسيرة سنة فلا يرى إلا الشجر المثمر ما رأى قط مثلها ولا خطر على قلب آدمي ولا جني فينظر إلى أدنى شجرة فيرى عندها روضة فيها شجرة أصلها ذهب وأغصانـها فضة وورقها حلو ما رأى مثلها قط آدمي ولا جني ولا خطر على قلب بشر وثمرها ألين من الزبد وأحلا من العسل فيقول العبد يا رب لقد أنعمت علي عبدك وتفضلت نجيتني من النار وأدخلتني الجنة وأعطيتني وأرضيتني وإنما بيني وبين هذه الروضة قليل فبلغني إليها فوعزتك لا سألتك غيرها
فيأتيه ذلك الملك فيقول له يا ابن آدم ما أكذبك ألست قد زعمتا أنك لا تسأل غير ما سألت يا ابن آدم أين أقسمت بـه أما تستحي من الله
20 منازل الجنة
فيأخذ بيده فينطلق بـه إلى أدنى منزل من منازلها فإذا هو بقصر من لؤلؤة بيضاء بين يديه فلا يملك نفسه حين ينظر إليه فيقول يا رب أسألك هذا المنزل ولا أسألك غيره

فيأتيه الملك من عند الله سبحانـه فيقول له لله يا ابن آدم ما أكذبك ألست أنك قد زعمت أنك لا تسأل غير ما أنت فيه فينظر بين يديه فإذا بمنزل كأنما المنزل الأول والثاني وجميع ما خلق ورآه حلما فيسأله فيعطى فلا يزال كذلك حتى يعطى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فلو نزل في أدنى قصر من قصور الجن والإنس لكان عنده من الكراسي ما يجلسون ويتكئون عليها ولكان عنده من الموائد ما يفضل عنـهم ولكان عندهم من الطعام وال
ما يأكلون وإذا أكلوا وشربوا لم ينقص من الطعام وال إلا بقدر ما أصاب رجل واحد { وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } الشورى 36 وأنشدوا
مقام المتقين غدا جليل
يطيب لهم مع الحور المقيل
} وأنوار عليهم مشرقات
إذا ناداهم الملك الجليل
21 فائدة للجواز على الصراط
ذكر في بعض الأخبار أن العبد أو الأمة إذا ذكر الصراط وهوله وصعوبته ورقته وطوله وبعد مسافته ثم بكى ثم قام فصلى عشر ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات ويسلم عن كل ركعتين فإذا فرغ من العشر ركعات صلى على لنبي {صلى الله عليه وسلم} وشرف وكرم مائة مرة ثم قال سبحان الله من خلق ما شاء وقضى بما شاء والحمد لله على كل شيء ثلاث مرات ثم يقول اللهم جوزني الصراط ونجني من هوله الله لا إله إلا أنت لا شريك لك وصلى الله على سيدنا محمد وآله
فمن صلى هذه الصلاة وقال هذا القول جوزه الله تبارك وتعالى الصراط وهو لا يشعر بـه ولا يهوله مع أول زمرة تمر إلى الجنة
فاغتنموا رحمكم الله هذا الثواب وتحصنوا بـه من أليم العذاب يا أولي العقول والألباب لأن الصراط حاد رقيق وطريقه أبعد الطريق يا له من طريق ما يعين على جوازه أخ ولا صديق إلا عمل صالح ورب رفيق
واعلموا وفقنا الله وإياكم أن العمر يذهب والدنيا تفنى وتخرب والنفس تموت والمرد إلى الحي الذي لا يموت

فاستعدوا بكثرة الأنوار وبالصلاة وفعل الخير في الليل والنـهار وبالطاعة للنبي السيف المختار وبالعمل بكتاب الملك الواحد القهار وابكوا على هول الصراط المنصوب على متن النار يسره الله لنا وهونـه علينا آمين رب العالمين إنـه قريب مجيب
22 شفاعة الناس بعضهم لبعض
ذكر أن العبد إذا جاوز الصراط وخلص ذكر في ذلك الموقف أباه وأبناءه وإخوانـه وجيرانـه فعند ذلك يسأل الصديق في صديقه والوالد في ولده والجار في جاره والرجل في زوجته والمرأة في زوجها والإمام في جماعته التي كان
يصلي بها فيشفع كل واحد منـهم على قدر عمله ومنزلته عند ربه
روى قتادة عن الحسن البصري رضي الله عنـه أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال له بعض أهله يا رسول الله هل يفكر الرجل يوم القيامة في حميمـه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ثلاثة مواطن لا يذكر فيها أحد أحدا عند الميزان حتى ينظر أيثقل ميزانـه أم يخف وعند الصراط حتى ينظر أيجوز أم لا وعند الصحف حتى ينظر أبيمينـه يأخذ الصحيفة أم بشماله فهذه ثلاثة مواطن لا يذكر فيها أحد حميمـه ولا صديقه ولا حبيبه ولا قريبه ولا بنيه ولا والديه وذلك قول الله تبارك وتعالى { لكل امرئ منـهم يومئذ شأن يغنيه } عبس 37 هو مشغول بنفسه عن غيره من شدة الأهوال العظام أسأل الله أن يسهلها لنا برحمته ويهونـها علينا بمنـه ولطفه وأنشدوا
بكيت على هول الصراط وذكره
وهو زفير النار من أعظم الذكر
وكيف يطيق الصبر من كان عاصيا
لخالق كل الخلق في السر والجهر
ومن يك ذا خوف شديد لهوله
فإن له أمنا من الهول في الحشر
فليس لمن يبكي لهول صراطه
جزاء سوى دار النعيم مع الفخر
فيا له من هول فظيع يجوزه
رجال أطاعوا الله في سالف العمر
عباد الله تفكروا في هول الصراط الرقيق البعيد وأشفقوا من الهول العظيم الشديد وأطيعوا الجبار الولي الحميد
23 لا تقبل صلاة الخمر

ذكر أن الخمر إذا أتوا على الصراط تخطفهم الزبانية فتهوي بهم إلى عين الخبال وهي قيح أهل النار فيسقون بكل كأس شربوا من الخمر في الدنيا شربة من الخبال لو أن تلك الشربة تصب من السماء السابعة لأحرقت السماوات والأرضين بمن فيهن ومن عليهن والأصل في شارب الخمر أنـه يخطف من على الصراط لأنـه ليس في وجهه نور لأن النور لا يكون من العمل الصالح وشارب الخمر ليس له عمل صالح والأصل فيه أن الأعمال كلها لا تقبل إلا ممن صلى لأن الصلاة هي رأس الأعمال وشارب الخمر لا تقبل منـه صلاة ما دام مصرا على شرب الخمر فإذا لم تقبل منـه صلاة فلم لا يقبل منـه سائر عمله فيأتي إلى الصراط ووجهه أسود وقد عهد إلى الزبانية الذين على الصراط أن لا يتركوا أن يجوز إلا
من له ومن ليس له نور أن يكبوه في النار إلا من تاب وترك الخمر ورجع إلى الله تعالى
24 التوبة من الخمر وثوابها
يا إخواني اعلموا أن شارب الخمر إذا تاب وترك الخمر لوجه الله تعالى كان يوم القيامة أفضل وأكثر نورا على الصراط وأسرع جوازا ممن لم يشربها فالله الله يا معشر المذنبين توبوا إلى مولاكم أسرع الحاسبين يغفر لكم ذنوبكم أجمعين
25 فضل المؤذنين
ذكر في بعض الأخبار أن المؤذنين إذا أتوا إلى الصراط يجدون نجائب من نور مسرجة بسرج الياقوت والزبرجد فيركبونـها فتطير بهم على الصراط ويشفع كل واحد منـهم عند جواز الصراط في أربعين ألفا كلهم قد استوجبوا النار ويجوز في نور المؤذن ألف رجل وألف امرأة وفي حديث آخر أن المؤذن إذا جاء إلى الصراط سبقه نور الآذان ونور لا إله إلا الله ونور محمد رسول الله ونور الدعاء الذي يدعو الناس إلى توحيد الله تبارك وتعالى فيجوز الصراط في نور المؤذن أربعون ألفا ممن ليس لهم نور وهم أهل الذنوب والخطايا

روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } ما من عبد مسلم حان عليه وقت الصلاة في أرض قفراء أو موضع ليس فيه جماعة فقام فأذن ثم أقام فصلى إلا وأم من جنود الأرض ما لا يحصي عددهم إلا الله تبارك وتعالى ويكتب الله له بعددهم حسنات ويمحو بعددهم سيئات ويرفع له بعددهم في الجنة درجات لو دخل في أدنى درجة من درجاته الجن والإنس لوسعتهم ولكان فيها من الفرش والأسرة والموائد والطعام وال والخدم ما يفضل عنـهم وإن لم يؤذن واقتصر على الإقامة وحدها لم يصل خلفه إلا ملكاه اللذان يكتبان {
وفي حديث آخر إذا أذن العبد المسلم في فلاة من الأرض ثم أقام فصلى جعل الله تبارك وتعالى خلفه سبع صفوف من الملائكة المقربين أحد طرفي الصف بالمشرق والآخر بالمغرب فإذا فرغ من صلاته ودعا أمنوا على دعائه ويكتب الله تبارك وتعالى له بعددهم حسنات ويمحو عنـه جل وعلا بعددهم سيئات ويرفع له تعالى بعددهم درجات كل درجة أعظم من الدنيا سبعون ألف مرة فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن
سمعت ولا خطر على قلب بشر
فإذا جاء يوم القيامة إلى الصراط جاء معه أصحابه من الملائكة الذين صلوا خلفه كل ملك منـهم معه نور من نور الجنة فيأخذون بيده وبأيدي أهله وبأيدي إخوانـه الذين صحبوه وأحبوه في الله فيفرقون عليهم من تلك الأنوار ويجوزونـهم الصراط في شفاعته ويمضون معه إلى الجنة ولا يرون من هول الصراط ولا من حره ولا صعوبته شيئا
26 فضل العلماء
ذكر في بعض الأخبار أن العلماء إذا أتوا إلى الصراط تكون وجوههم كالشمس الضاحية وأنوارهم بين أيديهم وبيد كل عالم منـهم لواء من نور الجنة يضيء له مسيرة خمسمائة عام وتحت لواء العالم كل من اقتدى بعلمـه وكل من أحبه في الله ومناد ينادي هؤلاء أحباء الله هؤلاء أولياء الله هؤلاء الذين خلفوا الأنبياء هؤلاء الذين علموا عباد الله هؤلاء الذين دعوا إلى الله هؤلاء الذين حفظوا حدود الله هؤلاء مصابيح الدجى هؤلاء أئمة الهدى

فإذا دنوا من الصراط يوضع على رأس كل واحد منـهم تاج من نور الجنة لو وضع ذلك التاج في السماء السابعة العليا لخرق نوره إلى الأرض السابعة السفلى ويكسى كل واحد منـهم حلة من حلل الجنة لو نشرت تلك الحلة بين السماء والأرض لغطى نورها نور الشمس ولمات الخلائق كلهم عشقا إلى رؤيتها ولملأت الأرض والبحار من رائحة المسك وينزل على رأس كل واحد منـهم غمامة من نور تقيه من حر شرر جهنم ومن حر الشمس
وأنشدوا
يا طالب العلم ترجو أن تنال به
عفو الإله وعفو الله موجود
اطلب بعلمك وجه الله خالقنا
إن الصراط على النيران ممدود
عفو الإله لأهل العلم نائلهم
وعفوه عند أهل الجهل مفقود
فاحرص هديت على التعليم مجتهدا
وأنت عند إله العرش محمود
فاعمل بعلم رسول الله سيدنا
وأنت بين عباد الله مسعود
واعلموا أن الله تبارك وتعالى لا يقبل عملا بلا علم
قال الله تبارك وتعالى { إنما يخشى الله من عباده العلماء } فاطر 28 فالعلماء قد أثبت لهم الجبار الخشية والتقى
قال الله تعالى { إنما يتقبل الله من المتقين } المائدة 27 ومن لا يعلم لا يتقي وكيف يتقي من لا يدري ما يتقي
وقد قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
} تعلموا العلم فإن تعلمـه لله خشية وطلبه عباده ومدارسته تسبيح والبحث عنـه جهاد وتعليمـه لمن لا يعلمـه صدقة بـه يعرف الله ويعبد وبه يحمد الله ويوحد { هو إمام العمل والعمل تابعه يرفع الله بالعلم أقواما فيجعلهم للخير قادة وأئمة يقتدى بهم وينتهي إلى رأيهم
فقد بين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن العبادة لا تكون إلا بالعلم لقوله {صلى الله عليه وسلم} } بـه يعرف الله ويعبد { ويستوفي ذكر فضل العلم في قول الله تبارك وتعالى { إنما يخشى الله من عباده العلماء } والمقصود في هذا الموضع ذكر الصراط والجواز عليه
27 فضل حملة القرآن

ذكر في بعض الأخبار أن حملة القرآن يحشرون يوم القيامة على كثبان من مسك أسود وأنوار وجوههم تغشى بالأبصار فإذا أتوا إلى الصراط تلقتهم الملائكة الذين وكلوا بحملة القرآن فتأخذ بأيديهم وتضع التيجان على رؤوسهم والحلل على أجسامـهم وتقرب إليهم خيلا من نور ا لجنة عليه سرج من المسك الأذفر والعنبر الأشـهب ألجمـها من اللؤلؤ والياقوت يركبونـها فتطير بهم على الصراط ويجوز في شفاعة كل واحد مائة ألف ممن قد استوجب النار ومناد ينادي هؤلاء أحباب الله هؤلاء أولياء الله الذين قرءوا كتاب الله وعملوا بـه فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون
وهم أهل الله وهم أحباب الله من أحبهم في الدنيا أحبه الله فجاوزا الصراط وخلفوه بلا هول ولا هم ولا حزن ولا غم
وهذا إذا عملوا بالقرآن ووقفوا عند أوامره ونواهيه وأحلوا حلاله وحرموا حرامـه وآمنوا بمحكمـه ووقفوا عند متشابهه وسارعوا إليه { أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } المجادلة 22 { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } الأنعام 90 أولئك أولياء الله الصالحون أولئك الذين رضي الله عنـهم ووفقهم وهداهم وآتاهم تقواهم
28 من لم يعمل بالقرآن
وأما حامل القرآن إذا لم يعمل بـه فإنـه يأتي إلى الصراط فتستقبله الزبانية بمقامع الحديد وأرازب النار وتسود وجوههم على قدر ما ضيعوا من العلم فمن تعلم علما للتجبر والمباهاة أو الرياء أو السمعة ولم يرد بـه وجه الله تعالى وطلب
عليه الرشا والبراطيل وكتمـه ولم ينصح بـه عباد الله وطلب بـه الرياسة وصحبة الملوك ومشى بـه إلى أبواب أبناء الدنيا وإلى دور الظلمة وأهل الجور وحكم بـه بغير العدل ألجم بلجام من نار جهنم وكان عمله عليه حجة وغمة ومحنة وحسرة وندامة وظلمة على الصراط

ثم يكون العلم للعامل نورا وفرحة وسرورا وجنة وحبورا ينظر المغرور المسكين إلى وفود العلماء وزمر الأولياء وألويتهم على رؤوسهم منشورة وقلوبهم مما بشروا بـه من الفوز بالجنان مسرورة وأنوارهم تسعى بين أيديهم وبأيمانـهم والملائكة تنادي أدخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون وأنت في ظلمك حيران أيقنت بالحلول في سموم النيران إلا أن يتداركك بعفوه الملك الديان
وقد أخذ الملك بيدك وهو ينادي عليك ولجام النار في فمك لو كان ذلك اللجام في الدنيا لأحرقها من مشرقها إلى مغربها وينادي عليك هذا الذي ضيع حدود الله هذا الذي خالف أوامر الله هذا الذي بدل عهد الله وخالف كتاب الله وسنة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وآثر حب الدنيا على ما عند هؤلاء
يا مسكين أخذت على العلم أجرة وبرطيلا واشتريت بـه ثمنا قليلا ولم تراقب مولى كريما جليلا وتركت وراءك يوما هائلا ثقيلا وخسرت يا مغرور ملكا كبيرا دائما جزيلا
29 فسقة حملة القرآن
ذكر في بعض الأخبار عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } الزبانية أسرع إلى فسقة حملة القرآن منـهم إلى عبدة الأوثان والنيران فيقولون ويبدأ بنا قبل عبدة الأوثان والنيران فتقول لهم الملائكة ليس من يعلم كمن لا يعلم وفي حديث آخر إن الملائكة الذين جعلهم الله على الصراط إذا نظروا إلى حملة القرآن الفساق أخذوهم
وزجوا في أقفيتهم وألقوهم في جهنم أو يعف الله تعالى عنـهم
اللهم اعف عنا وعن جميع إخواننا المسلمين واجعل القرآن حجة لنا لا تجعله حجة علينا يا أرحم الراحمين
وأنشدوا
عظمت مصيبة حامل القرآن
إن كان ملجأه إلى النيران
فهو الجزاء لمن عصى رب العلا
دار العذاب وموقف الخسران
عظمت خسارته وجل مصابه
عند الصراط بظلمة وهوان
يا رب عفوا عن قبيح فعالنا
أنت الدليل لجنة الرضوان

فاتقوا الله معشر أهل القرآن في كتابه وأشفقوا من أليم عذابه واعملوا بالقرآن وارغبوا في جزيل ثوابه لأن القرآن هو لكم وهو عليكم إن تعملوا بـه ويل وثبور { فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } لقمان 33
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } عرضت علي الذنوب كلها فلم أر فيها ذنبا أعظم من ذنب حامل القرآن وتاركه {
ومعنى تاركه تارك العمل بـه العمل مع قلة العلم أفضل من كثرة العلم وقلة العمل
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } يسأل حامل القرآن عما يسأل عنـه الأنبياء { وإذا غضب حامل القرآن يقول له القرآن أما تستحي أنا معك وأنت تغضب اقتد بي تنجو وأكرمني بالطاعة أنجيك من الأهوال وأجوزك الصراط وأدخلك الجنة
ويروى عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } ما من شفيع أفضل منزلة عند الله من القرآن نبي ولا ملك ولا غيره { فإنا لله وإنا إليه راجعون على من لا يعمل بالسنة والقرآن كيف اختار النار على الجنان وعصى مولاه وأطاع الشيطان لقد ضل ضلالا بعيدا وتبوأ عذابا شديدا وبقي من الخير فريدا وحيدا
فيا لها من مصيبة ما أعظمـها ومن حسرة ما أدومـها
30 ما خلف الصراط
روي الحسن عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } خلف الصراط جسر عليه الأمانة وجسر عليه الرب جل جلاله وجسر عليه الرحمة فيا أيها السامع لما جاء من أحاديث الصفات والآثار المشكلات سلم الأمور لباريها واترك تأويلها إن كنت تاليها وقاريها وعليك بخويصة نفسك واعمل ليوم رمسك وذلك الجسر عليه
السؤال ذلك الوقت يقول الله جل جلاله وتقدست أسماؤه عبدي عملت كذا وفي يوم كذا فيقول العبد نعم يا رب فلا يزال الرب جل جلاله يعرف العبد والعبد يعترف ويقول نعم حتى يقول العبد لإرسالك بي إلى النار أهون علي من هذا التوبيخ فيقول له جل وتعالى يا عبدي بعيني إذا كنت عملت ذلك وكنت عليك شـهيدا وملائكتي وأرضي ولكن سترت عليك بحلمي وجودي يا عبدي أنا سترتها في الدنيا عليك وأنا أغفرها اليوم لك

غفر الله لنا أجمعين وأماتنا برحمته مسلمين تائبين على السنة والجماعة على أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا رسول الله {صلى الله عليه وسلم}

4 مجلس في قوله سبحانـه وتعالى وتقدست أسماؤه { وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم } 131 هؤلاء الذين ذكرهم المولى جل جلاله بقوله { وعلى الأعراف رجال } الأعراف 46 هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فحبسوا على الأعراف والأعراف هي مواضع مرتفعة على الصراط لأن الصراط سبع قناطر وهي الجسور بعضها أصعب من بعض وبعضها أشد سؤالا من بعض وبعضها أكثر ارتفاعا من بعض وعند كل جسر يسأل العبد فيها عن عبادته التي افترضها الله عليه في الدنيا
فنسأل الله التوفيق في الدنيا والتسهيل في الآخرة في تلك المقامات
32 سؤال العباد يوم القيامة
فأول ما يسأل عنـه العبد الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج ثم الأمانة ثم بر الوالدين ثم حفظ اللسان ثم حفظ الجار ثم صلة الرحم وكذلك جميع ما أمر الله عزو وجل بـه وجميع ما نـهى عنـه فكل من جاء إلى جسر من جسور الصراط سئل عن عبادته فإن أجابها جاز وصار إلى الجنة ونور الإيمان يسعى بين يديه وعن يمينـه وعن شماله وإن لم يأت بها نقص نوره وهو نور الإيمان لأن الإيمان يزيد وينقص يزيد بطاعة الله وينقص بمعصية الله فكل من نقص ثوابه بالمعصية نقص نوره على الصراط
فمن أراد مولاه أن يعذبه أتم له النور في بعض جسور الصراط وطفأ النور عنـه في بعضه والصراط أسود مظلم من شدة سواد جهنم لو أن قطرة من ظلمة الصراط وضعت في الدنيا لأظلم مشرق الدنيا ومغربها ولمات الخلق من شدة الظلمة وإنما حبس الله تعالى هؤلاء القوم على أعراف الصراط ليبين لأهل الجنة والملائكة والجن والإنس ولجميع ما خلق الله تبارك وتعالى فضل نبينا محمد {صلى الله عليه وسلم} وليظهر فخره وجاهه وقدره وحرمته عند ربنا جل جلاله وذلك أن الله تبارك وتعالى يأمر العباد يمضون على الصراط

منصوب على متن جهنم وتأتي الخلائق إلى الصراط المؤمنون والكافرون فأما المؤمنون فيمضون وأنوارهم تسعى بين أيديهم وبأيمانـهم أي عن أيمانـهم
33 ظلمات الكفر والمعصية
وأما الكافرون فإنـهم يمضون في ظلمات الكفر وظلمات أعمالهم التي عملوا في حال الكفر في دار الدنيا فإذا أتوا إلى الصراط فأول قدم يضعونـها على الصراط يهوون في النار فتخطفهم الملائكة بالكلاليب فتلقيهم في قعر جهنم فإذا مضى المؤمنون بنورهم مضى المنافقون في آثارهم يتبعونـهم وينادونـهم انظرونا نقتبس من نوركم فنمشي في ضوئكم فيقال ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا
وهو قوله تعالى { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } النساء 142 وذلك أنـهم كانوا في الدنيا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وأظهروا لهم الإيمان بألسنتهم واعتقدوا الكفر بقلوبهم والله تعالى يعامل العباد على عقائد قلوبهم والمنافقون كانوا يتربصون بالمؤمنين الدوائر فإذا كانوا على الصراط على آثار المؤمنين ليمشوا في نورهم قالوا للمؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فيظنون أن وراءهم نورا يلتمسونـه فيرجعون وراءهم فيرفع لهم سرداب فيظنون أن في السرداب نورا يجوزهم على الصراط فيقتحم بهم إلى أبواب جهنم فإذا رأى المؤمنون المنافقين قد تساقطوا وتهافتوا في النار فزعوا مما حل بالمنافقين فعند ذلك يقال لهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنـهار وهذا العذاب الذي فزعتم منـه هو للمنافقين الذين عصوا الله ورسوله وجحدوا بآيات الله وخالفوا كتابه فعند ذلك يضرب بينـهم بسور له باب
34 السور الحاجز بين الجنة والنار

والسور هو الحائط له باب إلى الجنة وهو حائط بين الجنة والنار باطن ذلك الحائط في الرحمة وظاهره من قبله العذاب يعني جهنم والباطن فيه الرحمة يعني الجنة فإذا رأى المنافقون المؤمنين لم يعرجوا عليهم ولم يلتفتوا إليهم ورأوهم في حال السلامة والفوز فيقول لهم المنافقون ألم نكن معكم في الدنيا على التوحيد وكنا نصلي معكم فيقول لهم المؤمنون بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم أي عذبتم وأحرقتم أنفسكم بالنار بخلافكم لرسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقولكم
بألسنتكم ما ليس في قلوبكم وتكذيبكم بلقاء الله تبارك وتعالى وكذبتم بهذا اليوم وتربصتم برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبالمؤمنين الدوائر وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فيما فعلتم برسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبالمؤمنين فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا يعني لا يؤخذ من كافر ولا منافق فداء
35 صفة المنافق
فالكافر هو الذي كفر في السر والإعلان والمنافق الذي كفر في السر وآمن في الإعلان وآمن بلسانـه وكفر بقلبه وقوله مأواكم النار أي مرجعكم إليها ومستقركم فيها هذا كله غرور الشيطان بكم حتى جاءكم الموت ومتم على النفاق فإذا رجعوا وراءهم ليلتمسوا النور رأوا سردابا فيدخلون ذلك السرداب ويظنون أن النور فيه فيهجم بهم على أبواب جهنم فتخطفهم الملائكة بالكلاليب فتقذفهم في جهنم حتى يجاوزن الباب الأول من جهنم ثم يلقون في الباب الثاني حتى يجاوزونـه فلا يزالون من باب إلى باب حتى يجاوزن الباب الأول من جهنم ثم يلقون في الباب الثاني حتى يجاوزنـه فلا يزالون من باب إلى باب حتى ينتهوا إلى الدرك الأسفل من النار فينتهي بهم إلى جب يقال له جب الحزن في ذلك الجب بئر يقال لها الهبهب فيها توابيت من نار وعليها أقفال من نار
36 بئر الهبهب

على تلك البئر صخرة من كبريت في تلك البئر باب إذا رفعت تلك الصخرة استغاثت نيران جهنم من تلك النار التي تخرج منـها فتأكل تلك النار التي تخرج من تلك البئر نيران جهنم وما فيها أسرع من طرفة العين فيؤتى بالمنافقين فيلقون في تلك البئر وتوضع عليهم تلك الصخرة فلا يخرجون منـها أبدا كلما أكلت تلك النار لحومـهم جدد الله لهم لحوما غيرها فلا يخرجون من تلك البئر أبدا فذلك قوله عز وجل { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا } النساء 145 وقوله { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } النساء 142 يعني بقوله ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا
وأما المؤمنون الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم فإنـهم يمشون على الصراط وأنوارهم تسعى بين أيديهم وبأيمانـهم حتى إذا كانوا على جسر الصراط وهو أعلا الجسور من الصراط وهي الأعراف وهي
المواضع المرتفعة واحدها عرف وتسمى النشز من الأرض وهو الموضع المرتفع عرفا ومنـها عرف الديك
37 أهل الأعراف
فإذا صار على تلك المواضع من الصراط نقص نورهم وبقوا على أطراف أنامل أرجلهم ورأوا أن ذلك ظلمة وذلك أن الخلق على الصراط على قدر أعمالهم في الدنيا فمن الناس من يكون له من النور ما يضيء على الصراط مسيرة مائة عام ومنـهم من يعطي من النور ما يضيء له مسيرة سنة وما يضير مسيرة شـهر ومسيرة جمعة ومسيرة يوم ومسيرة ساعة ومن الناس من يعطي من النور ما يضيء له موضع قدميه
على قدر منازلهم عند الله تبارك وتعالى وعلى قدر أعمالهم في الدنيا فيستبقون في الجواز على قدر أنوارهم التي معهم فمن كان له نور كثير جاز في السعة ومن كان له نور قليل جاز في الضيق على قدر ما أعطى الله لكل عبد فإذا ثبت أصحاب الأعراف على أنامل أرجلهم في ذلك ولا ينظرون إلى موضع أقدامـهم من شدة الظلمة والظلمة هي شدة سواد جهنم أعاذنا الله وإياكم منـها وسهل لجميعنا شدائدها وظلمتها وثبت على الصراط أقدامنا بمنـه وفضله

والصراط أحد من السيف وأرق من الشعرة وأحر من الجمر عليه من الحسك والكلاليب أكثر من عدد الإنس والجن قد تعلق بكل كلوب من الزبانية عدد نجوم السماء إذا تكلم واحد منـهم تناثر النار من فيه لو أن واحدا منـهم بصق في البحار الزاخرة لجففها وإذا تكلم واحد منـهم فزع صاحبه منـه ولو سمع أهل الدنيا صوت واحد يتكلم بالكلام لمات كل من فيها من إنسها وجنـها وجميع ما خلق الله تبارك وتعالى فيها من برها وبحرها من فظاعة كلامـه ومن شدة صوته وإذا صاح مالك خازن جهنم على خزنة جهنم يغشى عليهم من شدة صوته
والصراط مع دقته ورقته يضطرب كما تضطرب السفينة بأهلها إذا كانت الريح عاصفة فإذا ثبت القوم على أناملهم من أرجلهم ولا يستطيعون الجواز وهم ينظرون إلى أهل النار كيف يعذبون في النار قال الله تعالى { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } الأعراف 47 وهم يستغيثون ويتضرعون إلى مولاهم جل جلاله ويسألونـه النجاة من النار ومن هول ما هم فيه من صعوبة الصراط فيمكثون كذلك ما شاء الله تبارك
وتعالى مغمومين مكروبين محزونين لا يدرون أينجون أم يهلكون مع كل إنسان منـهم حافظاه اللذان كانا يكتبان عليه عمله في الدنيا فبينما هم كذلك إذ يلقى الله تبارك وتعالى ذكرهم في قلوب إخوانـهم من أهل الجنة وعلى ألسنتهم فيقول بعضهم لبعض يا ليت شعرنا ما فعل إخواننا من أهل الأعراف فيقولون ما لنا علم بما صنعوا ولكنا نسأل الحفظة ومن معهم حتى يخبرونا ما فعلوا فينادون من قصورهم يا معشر الملائكة الذين مع أصحاب الأعراف ما فعل أخواننا من أصحاب الأعراف
38 شفاعة أهل الجنة في أصحاب الأعراف

فيقول الملائكة يا معشر أهل الجنة أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون بها قد قل نورهم وطفئ سراجهم وبقوا على أطراف أناملهم وأرجلهم وهم وقوف ينتظرون رحمة ربهم فذلك قوله تعالى { ونادوا أصحاب الجنة } الأعراف 46 يعني نادت الملائكة أصحاب الجنة { أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون } الأعراف 46
39 حياء آدم
فعند ذلك يلبس أهل الجنة الحلي والحلل ويضعون التيجان على رؤوسهم ثم يمصون بأجمعهم حتى يأتوا آدم عليه الصلاة والسلام وهو في قصره فينادون بأجمعهم يا أبانا أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك كرام ملائكته وأسكنك جنته إن ناسا من ولدك محبوسون على الصراط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لهم عند ديان يوم الدين فيقول آدم عليه السلام لست هنالك أنا الذي عصيت ربي وأكلت من الشجر فغفر لي وأنا أستحي أن أساله بعد المغفرة شيئا ولكن عليكم يا بني بنوح الذي حمله الله في الفلك
40 حياء نوح
فيأتون نوحا عليه السلام فينادون بأجمعهم يا نوح فيشرف عليهم من قصره فينظر إلى جماعتهم فيقول لهم نوح يا أهل الجنة ما الذي أزعجكم من منازلكم وما الذي جاء بكم فيقولون له يا نوح أنت الذي حملك الله في الفلك إن ناسا محبوسون على الصراط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لهم عند ديان يوم
الدين فيقول لهم نوح لست هنالك أنا الذي خاطبت ربي فيما ليس لي بـه علم فغفر لي وأنا أستحي أن أسأله بعد المغفرة شيئا ولكن عليكم بإبراهيم الذي اتخذه الله خليلا وجعل النار عليه بردا وسلاما فيأتون إبراهيم عليه السلام وهو في قصره فينادون بأجمعهم يا إبراهيم أنت الذي اتخذك الله خليلا إن ناسا محبوسون على الصراط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لهم عند ديان يوم الدين فيقول لهم لست هنالك أنا الذي كذبت كذبتين وقيل ثلاث فغفر لي وأنا أستحي أن أسأله بعد المغفرة شيئا ولكن عليكم بموسى بن عمران كليم الله ونجيه
41 حياء موسى

فيأتون موسى عليه السلام فينادونـه فيشرف عليهم فيقول له يا موسى أنت الذي كلمك الله بغير ترجمان وأنزل عليه التوراة وضرب لك طريقا يبسا في الأرض وأراك العجائب من قدرته إن ناسا من إخواننا محبوسون على الصراط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لهم عند ديان يوم الدين فيقول لهم موسى لست هنالك أنا الذي وكزت الرجل فقتلته فغفر لي وأنا أستحي أن أسأله بعد المغفرة شيئا ولكن عليكم بعيسى بن مريم العذراء البتول البكر
42 حياء عيسى
فيأتون عيسى وهو {صلى الله عليه وسلم} في قصره فينادون بأجمعهم يا عيسى فيشرف عليهم من قصره فيقول لهم يا أهل الجنة ما الذي أزعجكم من منازلكم وما الذي جاء بكم فيقولون له يا عيسى أنت الذي خلقك الله من غير بشر وأنت الذي جعلك الله آية للناس وأنت ابن الطاهرة البكر العذراء البتول إن ناسا محبوسون على الصراط قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لهم عند ديان يوم الدين فيقول لست هنالك أنا الذي زعمت النصارى أني قلت لهم اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فاستحي منـه أن أسأله شيئا ولكن عليكم بالذي كان آخر المرسلين وهو اليوم أولهم عليكم بـه فهو إمام المتقين وسيد العالمين وخاتم النبيين محمد {صلى الله عليه وسلم}
43 شفاعة محمد
فيأتون النبي {صلى الله عليه وسلم} وهو في قصره خير قصور الجنة فيقفون حول القصر
والقصر قد أشرق نوره وبهجته على جميع قصور أهل الجنة فينادون بأجمـهم يا محمد يا أبا القاسم يا أحمد يا سيد العالمين يا إمام المتقين يا خاتم النبيين فيشرف عليهم {صلى الله عليه وسلم} من قصره والنور من وجهه قد أشرق على قصور الجنة كلها فيقول لهم صلوات الله وسلامـه عليه ما الذي أزعجكم من منازلكم وما الذي جاء بكم فيقولون له أنت الذي جعلك الله خاتم النبيين وسيد العالمين وإمام المتقين إن ناسا من أمتك على الصراط محبوسون قل نورهم وطفئ سراجهم فاشفع لهم عند ديان يوم الدين
44 ه جنة عدن

فيقول النبي {صلى الله عليه وسلم} أنا لها فيلبس صلوات الله وسلامـه عليه الحلي والحلل ويضع على رأسه التاج صلوات الله وسلامـه عليه ويتبعه أهل الجنة حتى ينتهي إلى باب جنة عدن فيستفتح فيقال من هذا قال {صلى الله عليه وسلم} فأقول أنا أحمد فيفتح لي فإذا خلف السرداق ملك يتلألأ نور فيهولني ما أرى منـه فيؤنسني ويمسحني فيقول يا أحمد أنت عبد وأنا عبد مثلك ثم أمضي فأنتهي إلى سرداق ثاني فأستفتح فيقال من هذا فأقول أنا أحمد فيفتح لي فإذا خلف سرداق ملك عظيم أعظم خلقا وأشد نورا من الذي رأيت فيهولني ما رأيت من عظمـه فيؤنسني ويمسحني ويقول يا أحمد أنت عبد وأنا عبد مثلك فلا أزال أمشي في عظم الملائكة وبعضهم أشد نورا من بعض حتى أنتهي إلى السرداق السابع فأستفتح فيقال من هذا فأقول أنا أحمد فيفتح لي فإذا خلف السرداق جبريل عليه الصلاة والسلام فيقول مرحبا بهذا الصوت لقد كنت إليه مشتاقا فأمضي حتى أنتهي إلى الحجب فترتفع الحجب فيتجلى لي رب العالمين جل جلاله وعظمت قدرته فإذا نظرت إليه خررت له ساجدا فأحمده بتحميد ما حمده بمثله ملك من حملة العرش ولا من حملة الكرسي ولا نبي مرسل حينئذ في ذلك المكان حتى يقول الكروبيون والروحانيون وأصحاب السرادقات إن هذا لأهل أن يشفعه الله فيمن يشفع
45 سجوده بين يدي الله تعالى
فيقول الجبار جل جلاله وعظمت قدرته يا أحمد ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأرفع رأسي من السجود فإذا نظرت إلى ربي جل جلاله خررت ساجدا وأحمده وأثني عليه بمثل ما حمدته بـه في المرة الأولى

فأفعل ذلك ثلاث مرات وربي جل جلاله يقول لي في كل مرة ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب ناسا من أمتي محبوسون على الصراط قل نورهم وطفئ سراجهم فأتمم لهم نورهم وأضيء سراجهم وهم الذين يقولون عند ذلك { ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير } التحريم 8 متى تمضي كما مضى اخواننا إلى الجنة فيبعث الله تبارك وتعالى الملائكة فيأتون بالنور من جنة عدن ثم يغمسون غمسا فيحي الله نورهم ويضيء سراجهم ثم تقبل الملائكة على أهل جهنم فيقولون لهم { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } الأعراف 49 وذلك أن أهل جهنم لما نظروا إلى أصحاب الأعراف محبوسين على الصراط قال بعضهم لبعض والله ما حبسوا هؤلاء إلا ليدخلوا معنا في جهنم فمن أجل ذلك قالت لهم الملائكة { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } الأعراف 49 ثم تقبل الملائمة على أصحاب الأعراف 146
جاه المصطفى العظيم
فيقولون لهم { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } الأعراف 49 أي لا تحزنون ولا تموتون في الجنة أبدا فيمضون والنور الذي جاءتهم بـه الملائكة في جنة عدن يسعى بين أيديهم وبأيمانـهم حتى يجوزوا الصراط ويدخلوا الجنة ويلحقوا بمنازلهم وإخوانـهم ونبيهم محمد {صلى الله عليه وسلم} وإنما حبسهم الجبار جل جلاله وعظمت قدرته ليظهر جاه محمد {صلى الله عليه وسلم} وفضله وحرمته ودرجته ومنزلته ومكانـه عند الله تبارك وتعالى من الشفاعة {صلى الله عليه وسلم} صلاة تشرف بها عقباه وتبلغه بها من الشفاعة العظمى رضاه آمين يا رب العالمين صلاة دائمة منتهى الآباد طيبة باقية بلا انقطاع ولا نفاد صلاة تنجينا بها من حر جهنم وبئس المصير وتدخلنا الجنة مع صحابته الأبرار الطيبين آمين يا رب العالمين
5 مجلس في قوله تعالى
{ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها
47 في حساب الملائكة والرسل واللوح المحفوظ

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } تقف للعرض الأكبر بين يدي رب العالمين فيغرقون على قدر أعمالهم {
وروي عن ابن عباس رضي الله عنـهما أنـه قال يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة يا بني آدم انصتوا فطالما نصت لكم وفي رواية أخرى فقد نصت لكم من يوم خلقتكم إلى يوم هذا أسمع قولكم وأنظر أعمالكم فانظروا اليوم أعمالكم تعرض عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه احشروا علي عبادي فوعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم
فكيف بك يا مسكين يا مغرور يا تارك الحق والصواب يا مخالف السنة والكتاب يا ظالما لنفسه يا غافلا عن الحساب يا من بذل نفسه لأليم العذاب يا من تمادى في معصية رب الأرباب ونسي الجنة وحسن المآب
وأنشدوا
} إلى كم لا تفيق من التصابي
وهذا العمر يؤذن بالذهاب {
} ويرضى بالقليل المرء حظا ويزهد في الكثير من الثواب {
} فقدما غرت الدنيا أناسا كما غر المحين بال {
} تمنيهم غرورا باطلات
وتخدعهم بآمال كذاب {
كأنك لا ترى في كل يوم
جنائز تستحث إلى الخراب
خلقت من التراب وعن قريب
ستلحق غير شك بالتراب
وتحيا بعد موتك كي تجازي
بما قدمت في يوم الحساب
فإنك تك بالمسيء بقبح فعل
فحسبك بالعقاب مع العذاب
} وإن كنت الذي قدمت خيرا
جزيت بـه غدا حسن المآب
48 تبكيت الله تعالى للجبابرة
ذكر في بعض الأخبار أن الجبار جل جلاله إذا اجتمع الأولون والآخرون في عرصة القيامة نادى سبحانـه وتعالى أين الجبابرة وأبناء الجبابرة أين الملوك وأبناء الملوك قصمت الجبابرة بسلطاني وأفنيت الملوك بعظمتي
ذكر في الخبر أن الجبابرة يحشرون يوم القيامة على صور الذر أصغر الخلائق خلقة لتجبرهم على العباد والجبابرة هم الذين تجبروا على الخلق وعن اتباع سنة رسول الله {صلى الله عليه وسلم}
وقيل الجبابرة هم الذين جبروا المساكين والضعفاء على ما لم يطيقوا وهذا الاسم قد اشترك فيه الخالق والمخلوق فالخالق جل جلاله هو جبار على الحقيقة
49 تفسير الجبار

وتفسير الجبار في حق الله تعالى الذي جبر عباده على ما أراد وقيل الذي يجبر عن ظلم العباد إن الله تعالى جل اسمـه لا ينسب إليه الظلم لأن حد الظلم وضع الشيء في غير موضعه لأن الدنيا والآخرة ملك الله تعالى والجبار من العباد هو الظالم الذي يضع الشيء في غير موضعه يأخذ ما ليس له بحق ويرده إلى ما قد ملكه الله تبارك وتعالى وإذا قضى الله تعالى على عبده بقضاء فهو له خيرا
لقول رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } لا يكمل للمؤمن إيمانـه حتى يرى أن الذي قضاه الله عليه أو له خير له من الذي أراد لنفسه { وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } في قضاء الله تعالى خيرا إلا قضاء النار { وإذا قضى الله تبارك وتعالى على عبده بالنار فهو عبده وهو خلقه لم يعنـه أحد على خلقه ولا على رزقه وهو يفعل ما يريد لا شريك له في ملكه
ثم ينادي الجليل جل جلاله { يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } الزخرف 69 فإذا سمع الخلق هذا النداء رفعوا رؤوسهم وطمعوا كلهم في هذا النداء وقالوا كلهم نحن عباد الله ثم ينادي ثانية { الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين } الزخرف فعند ذلك ينكس رأسه كل من لم يكن مسلما فتبقى أهل الأديان متحيرين ويفرح المسلمون ثم ينادي ثالثة { الذين آمنوا وكانوا يتقون } يونس 63 أي كانوا يتقون الكبائر فينكس أهل الكبائر من أهل التوحيد رؤوسهم ويرفع رؤوسهم سائر أهل التوحيد الذين اجتنبوا الكبائر وتابوا عنـها توبة نصوحا
فكيف بك يا مغرور يا مسكين قد ارتكبت الكبائر والصغائر وعصيت مولاك في الخفيات والظواهر وأيقنت أنك مسئول يوم تبلى السرائر ولاق من العقوبة على ذلك الحظ الجزيل الوافر
وأنشدوا
} عصيت الله ألوان المعاصي
كأني لست أوقن بالقصاص {
} فمالي لا أنوح على ذنوبي وأبكي يوم يؤخذ بالنواصي
50 نصيحة
فانظر لنفسك يا مسكين يا ضعيف الإيمان واليقين قبل حلول الندم وزوال النعم ونزول النقم حيث لا ينفع الندم

فاستعد للسؤال وتهيأ للجدال قال الله الكبير المتعال { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون } النحل 111
51 السائق والشـهيد
فإذا سمع العباد النداء وعلم كل عبد وأمة منزلته من جميع أهل الأديان نشرت الدواوين ووضعت الموازين وجيء بالنبيين ونصبت المنابر بالأنبياء والرسل فيجلس كل نبي على منبره وأمته قد أحدقت بـه ونصبت الكراسي
للصديقين والشـهداء
{ وجاءت كل نفس معها سائق وشـهيد } ق 21 سائق يسوقها وشاهد يشـهد عليها فالناس ينقسمون في السياقة على قسمين قسم تسوقه الملائكة ببر وإكرام ورق وإجلال وتؤمنـهم وتهديء روعاتهم كلما نظر العبد إلى من يعذب أو ينكل يقول له سائقه من الملائكة يا عبد الله ما أنت مثل هذا هذا عصى الله وأنت أطعته
والقسم الثاني يساقون بالانتهار والسطوة والإغلاظ يسوقه سائقه وهو يروعه ويقول له يا عدو الله هذا الحساب سوف تدري كلما نظر المسكين إلى من يعذب أو ينكل قال له سائقه الساعة تكون أنت مثل هذا هذا عصى الله وأنت عصيته أما علمت يا عدو الله أن الحساب والحشر أمامك
وأنشدوا
كأني بنفسي قد بلغت مدى عمري
وأنكرت ما قد كنت أعرف من دهري
وطالبني من لا أقوم بدفعه
وحولت من داري إلى ظلمة القبر
وفاز بميراثي أناس فشتتوا
بإفسادهم ما كنت أجمع من أمري
وأغفلني من كان يبدي محبتي
فأخلصه ودي ويغمره بري
فلم يسخ لي منـهم صديق بدعوة
إذا ما جرى يوما بحضرته ذكرى
وأضحى لبيتي ساكن مبهج به
وفي اللحد بيتي لا أقوم إلى الحشر
فيا شقوتي إن لم يجد بنجاته
إلهي ولم يجبر برحمته فقري
فقد أثقلت ظهري ذنوب لو أنـها
على ظهر طور أثقلته في الوزر
فما أعظم مصيبتكم وما أطول حسرتكم إن لم يعف عنكم مولاكم وجعل النار مأواكم فاغتنموا التجارة في دار الفناء والذهاب يجازيكم بها مولاكم عند مناقشة الحساب فالحساب عظيم عسير والهول والله جليل كبير والناقد مميز بصير واليوم عبوس قمطرير
52 اللوح المحفوظ

ذكر عن ابن عباس رضي الله عنـهما أنـه قال إذا جمع الله تبارك وتعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد ونشرت الدواوين ونصبت الموازين وأحضرت الأنبياء بأا وحضر الصديقيون والشـهداء وحشر وحوش الأرض وهوامـها وطيورها وأنعامـها وسكان جبالها وبحارها
ينادي مناد من قبل العرش أين اللوح المحفوظ فيؤتى باللوح المحفوظ فيوقف بين يدي الجبار جل جلاله خاضعا ذليلا فيقول له تبارك وتعالى ما صنعت بالوحي الذي أنزلت فيك واللوح من درة بيضاء صفحتاه من ياقوتة حمراء عرضه كما بين السماء والأرض ينظر الله تبارك وتعالى فيه في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة فيخلق في كل نظرة ويحيي ويميت ويعز ويذل ويرفع أقواما ويفعل بهم الخير ويوقفهم بفضله ويخفض أقواما ويصدهم عن منـهاج الهدى بعدله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون يوم القيامة لأنـهم ما قدروا الله حق قدره ولا عبدوه حق عبادته لأنـه جل جلاله أجل وأعظم من أن يوفى في العبادة والطاعة والمعرفة حقه ما قدر على هذا نبي مرسل ولا ملك مقرب فسبحان من لا سبيل إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته
قال فيقف اللوح بين يدي الجبار جل جلاله وعظمة قدرته فيقول له أيها اللوح المحفوظ ما صنعت بالذي أنزلته فيك فيقول اللوح المحفوظ سيدي ومولاي بلغته عبدك ميكائيل
53 رسالة ميكائيل
فينادي أين ميكائيل فيؤتى بـه {صلى الله عليه وسلم} وهو ملك عظيم له ستة عشر ألف جناح لو نشر منـها جناحا واحدا في الدنيا لما وسعته فيقف بين يدي الله تبارك وتعالى خاضعا ذليلا قد بلغت نفسه إلى حنجرته فلا هي تدخل ولا هي تخرج خوفا وجزعا وهيبة من الجبار جل جلاله فيقول الله له ما صنعت بالوحي الذي بلغ إليك اللوح المحفوظ وهل تشـهد له بالتبليغ وأنا أعلم بذلك منك ولكن سبق في علمي أني أسألك اليوم عبادي وجميع خلقي واستشـهد بعضهم على بعض فيقول ميكائيل يا رب بلغني اللوح المحفوظ وبلغته عبدك إسرافيل وأنت أعلم
54 رسالة إسرافيل

فيبرأ اللوح المحفوظ بشـهادة ميكائيل له ثم ينادي أين إسرافيل فيؤتى بـه {صلى الله عليه وسلم} وهو ملك عظيم له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب ورجلاه تحت تخوم الأرض السابعة السفلى والعرش على رأسه فيقف بين يدي الله تبارك وتعالى وجل مع عظم خلقه خاضعا ذليلا قد ذهلت نفسه وتغير لونـه وارتعدت فرائصه واضطربت أوصاله واصطكت ركبتاه وقد بلغت نفسه إلى حلقه فلا هي تدخل ولا
هي تخرج خوفا وجزعا وهيبة من الله تبارك وتعالى
فيقول له الجبار جل جلاله ما صنعت بالوحي الذي بلغك ميكائيل وهل بلغك وهل تشـهد له بالتبليغ وأنا علام الغيوب
فيقول إسرافيل عليه السلام نعم يا سيدي ومولاي قد بلغني وأنت أعلم وقد بلغته عبدك جبريل عليه السلام فيبرأ ميكائيل بشـهادة إسرافيل عليهما السلام
55 رسالة جبريل
ثم ينادي أين جبريل فيؤتى بجبريل عليه السلام وقد تغير لونـه وتبلبل لبه وارتعدت فرائصه واضطربت أوصاله واصطكت ركبتاه وقد بلغت نفسه إلى حلقه فلا هي تدخل ولا هي تخرج جزعا وخوفا من الجبار جل جلاله فيقول الله تبارك وتعالى يا جبريل ما صنعت بالوحي الذي بلغك عبدي إسرافيل وهل تشـهد له بالتبليغ فيقول جبريل عليه السلام نعم يا سيدي ومولاي بلغني وبلغته نبيك نوحا عليه السلام وأنت أعلم
فيبرأ إسرافيل بشـهادة جبريل 156
شـهادة نوح
فيؤتى بنوح عليه السلام حتى يوقف بين يدي الجبار جل جلاله وقد ذهبت نفسه وتغير لونـه وقد مات فزعا وخوفا من الجبار جل جلاله فيقول الجبار جل جلاله يا نوح ما صنعت بالوحي الذي بلغك عبدي جبريل عليه السلام وهل تشـهد له بالتبليغ فيقول عليه الصلاة والسلام نعم يا سيدي ومولاي قد بلغني عبدك جبريل عليه السلام وقد بلغته قومي وأنت أعلم من جميع عبادك بذلك
فيقول الله تبارك وتعالى صدقت أنا أعلم من جميع خلقي ولكن قد سبق في علمي أن أسأل جميع خلقي وأستشـهد بعضهم على بعض وأنا الحاكم الجبار الذي لا أجور في حكمي

ثم يدعي بقوم نوح عليه السلام فيقول لهم ما صنعتم بالوحي الذي بلغكم نوح عليه السلام وهل بلغكم وهل تشـهدون له بالتبليغ فيقول قوم نوح ربنا ما جاءنا من نذير ولا رأيناه يوما قط ولا سمعنا بـه ولا بلغ إلينا رسالة فإذا سمع نوح عليه السلام كلام قومـه ذهبت نفسه وود لو ابتلعته الأرض ولو قضى الله تبارك وتعالى بالموت لمات نوح حين جحده قومـه حياء من الله تبارك وتعالى فيقول الله تبارك وتعالى يا نوح هل تجد من يشـهد لك أنك قد بلغت قومك
الرسالة فينظر نوح عليه السلام في الموقف يمينا وشمالا ومشرقا ومغربا يتضح ويتبصر من بين سائر الأنبياء والمرسلين وبين كراسي الشـهداء والصديقين فلا يرى في المنابر أعلا ولا أنور ولا أحسن ولا أزهى من منبر محمد {صلى الله عليه وسلم}
57 جاه الرسول الأعظم
ولا يرى في الأنبياء أحسن وجها من وجه محمد {صلى الله عليه وسلم} ولا يرى نوح في الكراسي أنور ولا أحسن من كراسي أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} ولا يرى أبهى ولا أنور ولا أحسن من كرسي أبي بكر الصديق رضي الله عنـه
ولا يرى في الوجوه أحسن وجها من وجوه أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} ولا يرى في الصديقين والشـهداء أحسن ولا أبهى ولا أنور من وجه أبي بكر الصديق رضي الله عنـه
58 فضل أبي بكر الصديق
فيقول له نوح قد أصبت من يشـهد لي يا مولاي وسيدي فيقول الله تبارك وتعالى وهو أعلم من يشـهد لك يا نوح فيقول نوح عليه السلام يشـهد لي محمد {صلى الله عليه وسلم} وأمته بأني قد بلغت قومي الرسالة فينادي مناد أين النبي الأمي العربي التهامي أين أحمد أين سيد العالمين أين خاتم النبيين والمرسلين أين إمام المتقين فعند ذلك يقوم محمد {صلى الله عليه وسلم} وعند ذلك يرفع أهل الجمع رؤوسهم إذا رأوا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيمضي صلوات الله عليه حتى ينتهي إلى ربه عز وجل فيقول له ربه يا أحمد ونوح قائم ينظر ما تقول هل بلغ نوح الرسالة إلى قومـه فيقول محمد {صلى الله عليه وسلم} نعم يا سيدي ومولاي قد بلغ وأقام يدعوهم إلى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عاما
فيقول الجبار جل جلاله صدقت يا أحمد

فعند ذلك يفرح نوح عليه السلام ويتهلل وجهه
ثم يقول الله تعالى يا محمد هلم أمتك إلى الحساب والشـهادة فبينما الخلائق في الموقف إذ يموج بعضهم في بعض ويفزعون فزعة عظيمة فتجتمع كل أمة حول نبيها وتنظر أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} يمينا وشمالا فلا يرون النبي محمد {صلى الله عليه وسلم} والأمم قد أحدقت بأنبيائها وينظر الأنبياء والأمم إلى منبر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} خاليا
59 منبر الرسول والمحشر
فيقول بعضهم لبعض لمن هذا المنبر الذي لا يرى في الموقف مثله لحسنـه
وجماله ولا يرى أنور منـه ولا أعلا ولا أبهى منـه ونراه خاليا ولا نرى له صاحبا فبينما هم ينظرون إلى منبر النبي {صلى الله عليه وسلم} إذ ينادي المنادي ألا إن هذا المنبر منبر محمد {صلى الله عليه وسلم} وأن محمدا {صلى الله عليه وسلم} يناجي ربه في المذنبين من أمته يشفع لهم إلى الله تعالى فبينما هذه الأمة وقوف مغمومون محزونون بما يأتي النبي {صلى الله عليه وسلم} من عند ربه عز وجل إذ يخرج إليهم صلوات الله وسلامـه عليه من عند ربه جل جلاله حتى ينتهي إليهم فيقوم بينـهم فيرفعون رؤوسهم وينظرون إليه فإذا رآهم صلوات الله وسلامـه عليه أرسل عينيه بالبكاء فإذا نظروا { تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } آل عمران 30 الآية ذلك يوم مـهول عبوس يوم تشيب فيه الرؤوس وتذهل فيه النفوس وتبلو كل نفس ما أسلفت وتقدم كل أمة على ما قدمت وتذهل كل مرضعة عما أرضعت يجد والله كل عبد وأمة ما عمل وقدم من خير ثوابا ونعيما وسرورا مقيما وربا كريما رؤوفا بعباده رحيما ويجد كل عبد وأمة ما عمل من شر خزيا جسيما ونارا وجحيما وعذابا مقيما ونكالا أليما وربا غضبانا عظيما { يوم تجد كل نفس ما عملت } آل عمران 30
60 الثواب والعقاب

يجد الطائع الثواب ويجد الفاسق العذاب يجد المؤمن لذة الوصال بالنظر إلى الكبير المتعال في دار الخلد والجلال ويجد الكافر العذاب والنكال والسلاسل والأغلال والجحيم والخبال وفظاعة الأهوال { يوم تجد كل نفس ما عملت } آل عمران 30 يجد المؤمن النعيم والكرامة والأمن في القيامة والعافية والسلامة والحلول في دار المقامة ويجد الكافر الخزي والندامة والعذاب والملامة { يوم تجد كل نفس ما عملت } آل عمران 30 يجد المؤمن الدرجات ويجد الكافر العقوبات يجد المؤمن السرور ويجد الفاجر الثبور يجد المؤمن النعيم والخلود ويجد الفاجر عذابا غير مردود ويجد المؤمن ما قدم من الإحسان في درجات الجنان في جوار الرحمن مع الخيرات الحسان ويجد الفاجر ما عمل من العصيان في سموم النيران في جوار الشيطان مع الذل والهوان
يوم تجد كل نفس ما عملت في يوم هائل عظيم يوم تكثر فيه الغموم وتعظم فيه الهموم ويفصل الرب بين عباده وهو الحي القيوم { يوم تجد كل نفس } آل عمران 30 يوم تندم على القبائح وتتأسف عند معاينة الفضائح وتوجد الأعمال في الصحائف
الصحائح
{ يوم تجد كل نفس } آل عمران 30 يوم يندم الظالم ويخسر الآثم ويكون الجبار جل جلاله في ذلك اليوم العدل الحاكم ذلك يوم الندامة والحسرة والأهوال والعبرة
وأنشدوا
يا واحدا صمدا بغير قرين
ارحم ضراعة عبدك المسكين
واعطف علي إذا وقفت مروعا
حيران بين يديك يوم الدين
يا حسرتي بين العباد إذا همو
خافوا الحساب فخف عنـهم دوني
ما حيليتي في يوم نشر صحيفتي
إذ قيل لي خذها بغير يمين
ما حيلتي عند الحساب وهوله
إذ قصرت بي قوتي ويقيني
لا حيلة عندي ولا لي موثل
إن خانني طمعي وحسن ظنوني
يا رب لا تترك عبيدك هالكا
وارحم بفضلك عبرتي وشئوني
{ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } آل عمران 30 أي تجده حاضرا عتيدا وتسأل عن أعمالك سؤالا شديدا { وما عملت من سوء تود لو أن بينـها وبينـه أمدا بعيدا } آل عمران

قيل الأمد البعيد الذي يود من عمل سوءا وعصى مولاه أن يكون بينـه وبين عمله السوء كما بين المشرق والمغرب
وقيل الأمد البعيد الغاية في البعد الذي يتمنى أنـه تاب في الدنيا وتبدل الشر بالخير حتى يمحي عنـه السوء بالتوبة فلا يراه ولا يسمعه ولا يعاقب عليه إذا رأى التائبين غفر لهم بالتوبة وبدلت سيئاتهم بالحسنات والأوبة كما قال تعالى { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } الفرقان 68 الآية
61 فائدة التوبة
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون { فإذا رأى المسكين الذي عمل السوء وقد أحاطت بـه الكروب وترادفت عليه الهموم
والخطوب وأسود وجهه من ظلمات الذنوب وقد غضب عليه علام الغيوب ورأى الذين تابوا من أخوانـه وأهله وأصحابه وجيرانـه قد فازوا بالملك الكبير والحساب اليسير ولباس السندس والحرير والنظر إلى وجه السميع البصير ورأى نفسه قد خسر وخاب وحرم الثواب ونوقش الحساب وحجب عن رب الأرباب وصار إلى أليم العذاب يود لو كان تائبا ولم يكن من الرحمة خائبا يود لو كان السوء عنـه بعيدا ولم يكن حاضرا عتيدا ولم يكن العذاب عليه شديدا
يود لو كان من التائبين ولم يكن من المحرومين يود لو كان من الآمنين ولم يكن من المخالفين يود لو كان من الطائعين ولم يكن من العاصين يود لو كان من المحسنين ولم يكن من الظالمين يود لو كان من أهل الجنان ولم يكن من أهل النيران يود لو كان من أهل الثواب ولم يكن من أهل العقاب يود لو كان من أهل النعيم ولم يكن من أهل الجحيم يود لو كان من الأولياء ولم يكن من الأشقياء
يود لو كان من أهل الوفاق ولم يكن من أهل النفاق
يود لو كان من أهل الفوز بالجنة ولم يكن من أهل العذاب والمحنة
يود لو كان سعيدا رشيدا ولم يكن عن الله بعيدا
لا أبعدنا الله وإياكم من رحمته وقربنا وإياكم بالفوز لجنته
62 عمل العبد يلازمـه

ذكر في بعض الأخبار أن العبد إذا مات أحضر عمله كله عند رأسه حين يغسل خيرا كان أو شرا فإذا صلى عليه ومضى إلى قبره وانصرف الناس عنـه بقي عمله معه في قبره ولا يزال معه في قبره إلى يوم يخرج من قبره فإذا خرج خرج معه فإذا قدم إلى الحساب اجتمع عمله كله خيره وشره حتى حركاته وأنفاسه ووفاقه وخلافه يجد الكل مجموعا لم ينس منـه شيء من الكبائر ولا من الصغائر ولا من الظواهر ولا من السرائر
63 الحض على التوبة
فالله الله معشر المذنبين مثلي أبعدوا عن عمل السوء بالتوبة إلى الرحمن ولا تغرنكم الحياة الدنيا فإنـها غرور الشيطان واعلموا أن الله تبارك وتعالى يمحو عنكم سيئاتكم بترك الذنوب والعزم على التوبة ويرحمكم يوم الحساب بحسن
الأوبة
يا أخي يا أخي وما عسى أن أقول لك من كرم مولاك الجليل جل جلاله لو أن الذنوب التي عملت في أيام طغيانك وعصيانك كانت مثل جبال الدنيا برمالها وبحارها وأنـهارها وتبت توبة واحدة بصدق وحرقة وندامة ليغفرها لك مولاك الكريم بكرمـه وفضله ولا تسأل عنـها يوم القيامة وأنشدوا
نـهاك الطبيب محيلا على
مطاعم لو نلتها لم تمت
وخاطبك الله جل اسمـه
بترك الذنوب التي حرمت
فأعرضت عن أمره لاهيا
وأمنت نفسك ما خوفت
فأطمعتها أن تنال الرضا
بجهلك في فضل من قد عصت
فماذا تقول إذا أزعجت
لتخرج بالكره فاستسلمت
فلا ندم حط أوزارها
ولا توبة غسلت ما جنت
} وأفردت وحدك في ملحد
بكت فيه نفسك ما أسلفت
64 ما تحويه الآية
يا أهل الذنوب تدبروا هذه الآية فإن فيها بلاغة لمن تذكر وزجرا لمن اعتبر وتخويفا لمن تدبر ونـهيا لمن تفكر

فالفكرة عبادة وخير وزيادة لأن مولاكم الكريم قد خوفكم وهددكم وزجركم بها زجرا شديدا فقال { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينـها وبينـه أمدا بعيدا } آل عمران 30 ثم قال { ويحذركم الله نفسه } آل عمران 30 أي يحذركم عقابه وعذابه إذا عصيتموه ويجزل لكم ثوابه إذا أطعتموه فلا يحقرن أحدكم من الذنوب شيئا وإن صغر فربما كان فيه شدة العذاب والعقاب ولا يحقرن أحدكم حسنة يعملها وإن قلت فربما كان فيه الرضا من الملك الوهاب
واعلموا أن الذنب الذي يحقره صاحبه يكون يوم القيامة في ميزان فاعله أثقل من جبال الأرض فازجر نفسك عن غيها وقدم في حياتك
ليوم فقرك
والأصل في الذنب الصغير أن يكون سببا ل صاحبه في النار
إن العبد المغرور يعمل الذنب ويحقره ولا يفكر في من قد عصاه وهو الجبار جل جلاله فعند ذلك
يغضب عليه مولاه ويقول له عبدي حقر ذنبه واستخف بحقي وعزتي وجلالي لأعذبنـه عليه بالنار ومن تاب تاب الله عليه وغفر له بالتوبة
وقد قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } إياكم ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا { قال الله سبحانـه { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت } آل عمران 30 الآية
وأنشدوا
} قد ذهب الحي إلى عرسه
وعذب الميت في رمسه {
} مرتهن النفس بأعمالها لا يأمن الإطلاق من حبسه {
} لنفسه صالح أعمالها وما سوى هذا على نفسه { 165
حكاية عن أحد الصالحين
حكي أن المنصور بن عمار رحمـه الله دخل على عبد الملك بن مروان فقال له عبد الملك يا منصور مسألة
وقد أمـهلتك سنة كاملة من أعقل الناس ومن أجهل الناس قال فخرج منصور إلى بعض الفضاء من القصر ليخرج فإذا الجواب قد حضره فرجع إلى عبد الملك فقال له عبد الملك يا منصور ما الذي ردك إلينا قال يا أمير المؤمنين أعقل الناس محسن خائف وأجهل الناس مسيء آمن

فبكي أمير المؤمنين حتى بل ثيابه بدموعه ثم قال أحسنت والله يا منصور ثم قال له إقرأ علي شيئا من كتاب الله فهو الشفاء لما في الصدور وهو الدواء والنور
فقرأ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } آل عمران 30 الآية
فقال عبد الملك قتلتني يا منصور ثم غشي عليه فلما أفاق قال له يا منصور ما معنى { ويحذركم الله نفسه } آل عمران 30 قال منصور عقوبته يا أمير المؤمنين فبكى عبدالملك ثم أفاق فبكى مرة أخرى ثم قال يا منصور وما معنى { رؤوف بالعباد } آل عمران 30 قال رحيم غفار لمن تاب وأناب قال وما ومعنى { ما عملت من خير محضرا } آل عمران 30 قال كل صغيرة وكبيرة يجدها العبد يوم القيامة لم يغفر الله منـها شيئا
فبكى عبد الملك حتى غشي عليه فلما أفاق قال
66 رقة عبد الملك بن مروان
إن والله من فكر في هذه الآية وعصى مولاه بعد ذلك لقد ضل ضلالا بعيدا وأنشدوا
بكيت على عظم الذنوب وغزرها
وما قل من يبكي لعظم سؤاله
تفكر في عظم السؤال وهوله
وتندب دهرا زاد قبح فعالة
لعل إله العرش يرحم عبده
ويمنحه في الحشر طول وصاله
ويغفر ما قد كان في طول جهله
ويسكنـه بالعفو دار جلاله
وإن نظر الرب العظيم جلاله
فذاك جسيم من جزيل نواله
{ تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } آل عمران 30 تجد والله كل نفس ما قدمت في الأيام من الطاعات والإجرام
ذلك يوم المصائب ويوم النوائب ويوم العجائب
يوم هتك الأستار يوم تسعر فيه النار يوم يفوز فيه الأبرار ويندم فيه الفجار وتعرض العباد على الواحد القهار
فالعجب كل العجب ممن قطع عمره في الأغفال وضيع أيامـه في المحال وأفنى شبابه في الضلال ولم يعمل بما في كتاب ذي المجد والجلال قال الله الكبير المتعال { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } آل عمران 30 يقول الله تعالى يا ابن آدم تطلب موعظة ساعة وتقيم على الذنب سنة وأنشدوا
ما بال قلبك باللذات قد شغفا
وعن فوات صواب الفعل ما أسفا

} وقد توعده الجبار خالقنا
وبالذنوب وبالعصيان قد كلفا
67 توبيخ الله تعالى للعباد
ذكر في بعض الأخبار أن الله تبارك وتعالى يقول في بعض كتبه المنزلة على أنبيائه يا عبدي ما الذي زهدك في ورغبك في غيري عبدي أنا أتقرب إليك وتهرب عني وأطلبك وتفر مني عبدي بسطت لك غرور الدنيا فاشتغلت بها عني وآثرتها علي وزهدت في سعة رحمتي أهكذا يفعل المطيعون بأربابهم المحسنين إليهم عبدي من الذي سترك وكلاءك وحفظك ووقاك هل كانت لك شركة في نفسك معي أم هل كانت لك قوة بنفسك علي عبدي ما الذي قصرك عن عبادتي ما الذي زهدك في طاعتي أين أنت من هادم اللذات أين أنت من نواح الآباء والأمـهات أين أنت من المفرق بين البنين والبنات أين أنت ممن لا يستأذن على أصحاب القصور ولا يستأمر أرباب الدور أين أنت من قاصم الجبارين الموكل بأرواح المخلوقين عبادي أليس قد اضمحلت آثار الماضين ودرست
معالم السالفين واتبع اثارهم الباقون
ومن ذا الذي يقوم بخلود الدهر غيري ومن ذا الذي ينفع دوام الأبد غيري عجزت عن الخلود الجبال الراسيات والأطواد العاليات والبحار الطاميات
أنا الذي تفردت بالبقاء وحكمت على عبادي بالفناء أنا الله لا إله إلا أنا لا شريك معي في ملكي ولا نظير لي في حكمي ولا ضد لي في سلطاني
وأنشدوا
أما والذي لا خلد إلا لوجهه
ومن ليس في العز المنيع له كفو
لئن كان هذا العيش مرا مذاقه
لقد يجتني من غثه الثمر الحلو
168
السؤال لا يدع ذرة
واعلموا أن الله تبارك وتعالى مسائلكم عن الكبيرة والصغيرة والخفية والسريرة وعن كل ما قل وما دق وما جل لا يغفل عن شيء يجد العبد ما عمل حاضرا ويجزي بـه وافرا ويسأل عما عمل سرا وظاهرا { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } آل عمران 30 تجد والله القليل والكثير والنقير والذرة والقطمير
وأنشدوا
والله لو بكينا طول الأيام
بدمع هامل سجام
وفررنا من الأهل والأوطان
إلى الجبال والآكام

خوفا من ذلك المقام لكن ذلك لنا قليلا خوفا من سؤال الملك العلام
فكيف ونحن لا نفيق من الغفلات ولا ننتبه من السكرات ولا نخاف يوما نجد فيه الحسنات والسيئات ونسأل عن المظالم والتبعات كما قال الذي فطر الأرض والسموات { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } آل عمران 30
69 سؤال الله تعالى للعباد
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إن الله تعالى يخلو بعبده يوم القيامة ليس بينـه وبينـه حجاب ويقول له عبدي عملت كذا وكذا في يوم كذا أما علمت أني مطلع عليك يا عبدي أفجعلتني أهون الناظرين إليك أما استحييت مني أما استحيت من ملائكتي أما خفت من عقابي عبدي أرويتك من الماء البارد وقويت جسمك ووسعت عليك من سعة رفدي فعصيتني حتى إن العبد ليذوب حياء من الله ويغمره العرق حتى يكاد يموت من الفزع ثم يقول العبد يا رب النار أهون علي من حيائي
منك ومن العباد
فيأمر الله تعالى بـه إلى النار فيمضي العبد وهو يرد رأسه ويقول يا رب وعزتك وجلالك ما عصيت بهذا كله استخفافا بحقك وما ظننت بك إلا أن تغفر لي كما سترت علي في الدنيا وقد أيقنت أن عصياني ذلك لا يضرك وأن رحمتك ي لا تنقصك
فيقول الله تبارك وتعالى عبدي صدقت لم تقطع رجاءك من رحمتي
فوعزتي وجلالي لأغفرن لك اليوم يا ملائكتي مروا بعبدي إلى الجنة
ومن العباد من يقول يا رب العذاب علي أهون من توبيخك لي أرسل بي إلى النار كما يفعل بالعبد الآبق عن مولاه
فيقول الله تبارك وتعالى عبدي ما وبختك إلا لأعرفك أن ذنوبك بعيني إذ عصيني بها وجعلت توبيخي لك كفارة لذنوبك وقد غفرتها لك وقد رحمتك وأنا أرحم الراحمين مروا بعبدي إلى الجنة
جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة أجمعين وتوفانا برحمته مسلمين وختم لنا عند فراق الدنيا بحسن الخاتمة وكلمة التقوى قول لا إله إلا الله محمد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وعلى آله وشرف وكرم وحشرنا معه في المقام الأعظم مع أصحابه وأزواجه الكرام أمـهات المؤمنين آمين يا رب العالمين

6 مجلس ثاني في قوله سبحانـه وتعالى { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } 170 قال الله سبحانـه وتعالى { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } آل عمران 30 يجد المؤمن الحسنات في قرار الجنات والقصور العاليات والحور والدرجات والنظر إلى رب الأرضين والسموات يجد الطائع البشرى ويجد الفاجر النار الكبرى يجد المؤمن الأمان مع السرور والرضوان ويجد الفاجر الهوان مع الذل والخسران يجد المؤمن من الملك الجزيل مع الثواب والتفضيل وأنـهار السلسبيل والنظر إلى وجه الملك الجليل ويجد الفاجر النوح والعويل والحزن الدائم الطويل والعذاب الشديد الثقيل بجد المؤمن الخلاص والتبجيل والاختصاص ويجد الفاجر العذاب وشدة القصاص
المؤمن يوم القيامة مرحوم والفاجر باللعنة مرجوم المؤمن عند الحساب مستور والفاجر عند السؤال مشـهور
المؤمن عند الحساب يلاطف والفاجر عند السؤال يكاشف
المؤمن حسابه عتاب والفاجر سؤاله عذاب
المؤمن يجد من مولاه الرحمة والفاجر يجد من الله النقمة
المؤمن حسابه يسير والفاجر حسابه عسير
المؤمن يجد لباسه حرير الجنان والفاجر لباسه سرابيل القطران
المؤمن يجد عمله سرورا والفاجر يجد عمله ويلا وثبورا
المؤمن يجد الاتصال والفاجر يجد الانفصال
المؤمن يجد الخلاص والفكاك والفاجر يجد الهوان والهلاك
المؤمن مع محمد النبي والفاجر مع الشيطان الغوي
المؤمن في وجهه نضرة النعيم والفاجر في وجهه ظلمة الجحيم المؤمن في الحساب ريان والفاجر في الموقف عطشان
وأنشدوا
أنت المخاطب أيها الإنسان
فأصخ إلي يلح لك البرهان
أودعت ما لو قلته لك قلت لي
هذا لعمرك كله هذيان
فانظر لعقلك من بيانك واعتبر
إتقان صنعته فثم الشان
وجزا محاسن فعلهم في حشرهم
عند الإله وعنده الرضوان
هذا لعمري ظاهر لا يختفي
نطق الرسول وبين الفرقان
71 حكم قدسية

ذكر في بعض الحكم التي أنزلت على الأنبياء عليهم الصلاة السلام عجبا لمن لا يرحم نفسه كيف يرحم وعجبا لمن يدوم على المعصية كيف يرجو حسن المآب وعجبا لمن يعمل أعمال النيران وهو يطلب نعيم الجنان كأنك يا أخي قد قربت من العرض والحساب ووقفت بين يدي الملك الوهاب فيأمر بك إلى الجنة وحسن المآب أو إلى النار وأليم العذاب تفكر في هذا كله يا مغرور لعل القسوة تنجلي من قلبك والوقر أن يزول عن سمعك والغطاء أن يرتفع عن بصر قلبك فإنـها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور
فانظر يا أخي بنور فكرتك وأطلق الموعظة على بحر عبرتك فلعل العين إن تدمع ولعل القلب أن يرق ويخشع فإذا جرت الدموع وخشعت القلوب محيت الذنوب وبلغت المنى والمرغوب ويسر حسابك علام الغيوب
وأنشدوا
} تذكري المكث في التراب حتى أنادي إلى الحساب
هون كل البلاء عندي وهكذا الفقد للشباب
فليت شعري وكم مقامي تحت الثرى أو متى أيابي
لو كان لي عقل ما هناني نومي ولا ساغ لي ي
} ولا ضحكت ولست أدري مالي لدى الله من حساب
72 النداء بأسماء الخلائق
ذكر في بعض الأخبار أن الخلائق إذا وقفوا في أرض القيامة فيقف كل عبد وأمة إذ نادى المنادي باسمك يا مغرور على رؤوس الأولين والآخرين أين فلان بن فلان أو أين فلانة بنت فلان هلم إلى الحساب بين يدي رب العالمين فاستقر في سمعك يا مسكين إنك أنت المنادي من جميع الخلق فقمت على قدميك قد تغير من الفزع لونك وانخلع من الجزع قلبك واضطربت من الهلع مفاصلك وقد سمع من كان حولك حسيس قلبك بالخفقان وأوصالك قد اشتدت في
الطيران فكادت نفسك أن تزهق من خوف الرحمن فإذا نظر الملك الموكل بسوقك وقد تغير لونك وتحير لبك علم أنك أنت المنادى باسمـه فإذا كنت من أهل النفاق والعصيان للملك الخلاق نظر على وجهك ظلمة الذنوب فعلم أنك عدو لعلام الغيوب فجمع بين ناصيتك وقدميك غضبا لغضب الله عليك
73 أهل الرشاد وال توفيق

قال الله تبارك وتعالى { يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام } الرحمن 41 وإن كنت من أهل الرشاد والتوفيق والسداد الذين وفوا الله بالميعاد وخافوا مولاهم رب العباد أخذ بيدك الملك وقادك يجوز بك بالرفق ورفع الخلائق أبصارهم إليك وتمنوا مثل ما من الله عليك وأنت سائر إلى ربك ليجازيك بسعيك ويعدل عليك بكسبك فلما انتهى بك الملك إلى سلطان العظمة فإن كنت من أهل السير الصالح في الدنيا سترك جل جلاله بالنور وأبدى لك البشرى والسرور وقربك وأدناك وفضلك وحاباك فلم يطلع على حسابك ملك ولا نبي ولا رسول إلا الملك الجبار الذي لا يحول ولا يزول فيقول لك عبدي أنت الذي كنت تسهر والعباد نائمون وتصوم والعباد يشبعون وتبكي والعباد يضحكون وتحزن والعباد يفرحون وتخافني والعباد آمنون أنت الذي كنت تجتهد في عبادتي والعباد بطالون وتتصدق والعباد يبخلون وتبذل المعروف بين عبادي والناس يمنعون
يقول المولى جل جلاله فوعزتي وجلالي وملكي ومجدي وكبريائي وعظيم سلطاني وقدرتي على جميع العباد لأومنن روعك ولأبيحنك جنتي ولأوسعنك مغفرتي ورحمتي ولأعطينك من جزيل ثوابي وحسن مآبي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
ولأبيحنك النظر إلى وجهي ولأرفعن قدرك وجاهك ولأشفعنك في إخوانك وأهلك وأحبابك وجيرانك من أهل الذنوب والخطايا
74 شفاعة العبد المؤمن
يقول المولى جل جلاله يا عبدي أخرج إلى موقف الحشر فانظر إلى من لقيني من أهل الذنوب على التوحيد قد شفعتك فيه خذ بيده وانطلق بـه إلى الجنة
بلا خوف ولا حزن والله تعالى أعلم
وأنشدوا
عني إليك فما اللذات من شغلي
ولا سبيل الصبا واللهو من سبلي
حال التقى دون ما قد كنت تعرفه
فلست منـه على زيغ ولا زلل
في الحشر لي شغل عن كل مشتغل
بلذة وعن الألحاظ والمقل
هذا إطار الكرى عن مقلتي وزوى
عني المنى وطوى المبسوط من أملي
كم ليلة بت فيها ساهرا أرقا
أخشى العقاب وأخشى سرعة الأجل

قال الله تعالى { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينـها وبينـه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد } آل عمران 30 رؤوف والله بالمؤمنين ذو نقمة على الظالمين رؤوف بأهل الإحسان وذو انتقام من أهل العصيان رؤوف بأهل السداد وذو انتقام من أهل العناد يا مغرور تفكر في هذه الآية فلك فيها من التخويف غاية ومن الزجر والتقريع نـهاية فازجر نفسك عن هواها عساك تبلغها يوم العرض مناها
75 حكاية عن ذي النون المصري
حكي عن ذي النون المصري بن إبراهيم الأخميمي رحمـه الله تعالى عليه أنـه قال خرجت مرة من المرات إلى ناحية الأردن من أرض الشام فلما علوت الوادي فإذا أنا بسواد قد اقبل وهو يقول { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } الزمر 47 فلما قرب مني السواد إذا هو شخص فتأملته فإذا هو امرأة عليها جبة صوف وخمار من صوف وبيدها ركوة وبيدها الأخرى عكاز فقالت لي غير فازعة مني من أنت فقلت لها رجل غريب فقالت يا هذا وهل يوجد مع الله غربة وهو مؤنس الغرباء ومعين الضعفاء فاجعله أنيسك إذا استوحشت وهاديك إذا ضللت وصاحبك إذا احتجت
قال ذو النون فبكيت من كلامـها فقالت مم بكاؤك قلت لها وقع دواؤك على دائي وأنا أرجو أن يكون سببا لشفائي قالت فإن كنت صادقا في مقالتك فلم بكيت قلت لها رحمك الله والصادق لا يبكي قالت لا قلت لها لم لا يبكي الصادق قلت لأن البكاء راحة القلب وملجأ يلجأ إليه وما كتم القلب أحر من الزفير والشـهيق وذلك ضعيف عند أوليائه قال ذو النون فبقيت والله متعجبا من قولها فقالت لي مالك قلت أنا والله متعجب من قولك قالت وهل نسيت القرحة التي ذكرتها قال
قلت لها رحمك الله إن رأيت أن تمني علي الزيادة

فقالت وما أفادك الحكيم في مقامك بين يديه من الفوائد ما يستغني بـه عن طلب الزوائد قال قلت لها رحمك الله ما أنا بمستغن عن طلب الزوائد قالت صدقت يا مسكين حب مولاك واشتق إليه فإن له يوما يذيق فيه أولياءه كأسا لا يظمئون بعده أبدا
ثم علا شـهيق ثم قالت يا حبيب قلبي إلى كم تخلفني في دار لا أجد فيها صادقا بريئا من الدعاوى الكاذبة يسعدني البكاء عن أيام حياتي
ثم تركتني وانحدرت في الوادي وهي تقول اللهم إليك لا إلى النار حتى غاب شخصها عن بصري وانقطع صوتها عن سمعي
قال ذو النون فوالله ما ذكرت كلامـها قط إلا كدر علي أحشائي وعيشي
قال ذو النون فلقد أدبتني واستقام حالي مذ رأيتها
وأنشدوا
أريد وأنت تعلم ما مرادي
وتعلم ما تلجلج في فؤادي
} فهب لي ذلتي واغفر ذنوبي
وسامحني بها يوم التنادي
76 رجع إلى الموعظة
يا أخي مالك لا تفكر في قول مولاك الذي لم يزل عليك شـهيدا وهو يسمعك ويراك قوله تعالى { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينـها وبينـه أمدا بعيدا } آل عمران 30 الآية
أقرع يا مسكين بهذا الكلام باب قلبك فعساك تزيل عنـه الأقفال وترده عن الغي والمحال وتوقظه عن السهو والإغفال قال الله الكبير المتعال { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } محمد 24 { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } آل عمران 30 يوم يظهر الخفي من أعمالك يوم تبكي على قبيح أفعالك يوم يجزن المسيء من أقوالك يوم تنوح على خطاياك وضلالك
77 جهنم وشدتها
ذكر أن الخلق إذا اجتمعوا في الموقف وضاق المتسع وعظم الفزع واشتد الجزع واختلفت الأقدام وكثر الازدحام وجاءت جهنم بالهول الأعظم والعذاب المقيم الألزم ووقفت بين يدي الجبار خاضعة للملك القهار أمر الجبار جل جلاله أن تفتح أبوابها وترفع كل جلال عليها وهي سبعة أبواب على كل باب سبعمائة ألف جلال وهي الحجب
ولولا تلك الاجلال لاحترقت السموات

ومن فيها والارضون ومن عليها غلظ كل جلال خمسمائة عام فإذا فتح منـها الأبواب رفعت تلك الحجب من عليها ورمت النفط والقطران وحجارة الكبريت ويخرج منـها عنق من نار أسود فيلتقط من الموقف كل ذهب وفضة وياقوتة وزبرجدة ولؤلؤة استعدت لزينة الدنيا
78 زينة الدنيا الزائلة
فيأخذ الكل ويجمعه والجبار جل جلاله يقول لها اتركي ما لم يكن لنا فكل ما كان من زينة لم يرد بـه وجه الله تعالى أخذته النار ومناد ينادي أصحابها هذه زينتكم التي اشتغلتم بها عن طاعة الله عز وجل وآثرتموها على ما عند الله ولم تتبعوا سنن النبيين ولا سير الصالحين
ثم ينادي المنادي اتبعوا زينتكم فتخرج عنق من النار مرة أخرى فتلتقط أصحابها إلا من رحم الله
79 صاعقة جهنم
فعند ذلك يقول كل عبد وأمة يا ليت هذا كله جعلته في جنب الله يا ليته لم يكن معي يا ليته بعد عني ثم يأمر الله تعالى أن ترتفع صاعقة من جهنم سوداء فتسود وجوه أقوام من الرجال والنساء وتعمى أبصار قوم من الرجال والنساء وتختم على أفواه قوم من الرجال والنساء فذلك قول الله عز وجل { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } آل عمران 106 يا أخي يا مسكين يا ضعيف اليقين مثلي أتراك من أي الفريقين تكون أمن الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الملك الرحيم أو من الذي اسودت وجوههم في العذاب الأليم أفهل تكون من الذين ابيضت وجوههم بالرحمة أم من الذين اسودت وجوههم بالنقمة فكل من اسود وجهه قد أيقن بالنار وكل من ابيض وجهه قد أيقن أنـه من أهل دار القرار فيا لها من فرحة ما أعظمـها ويا لها من مصيبة ما أدومـها فإذا نزل السواد في وجه من شاء الله تبارك وتعالى صار ذلك السواد حجابا بينـه وبين النظر إلى وجه مولاه وإذا نزل البياض في وجه من أراد الله تبارك وتعالى يبيض وجهه رفع ذلك النور حجاب الذنوب الذي يحجب العبد عن النظر إلى وجه علام الغيوب
80 من ابيض وجهه
وذلك أن البياض نور المغفرة وهو نور الرحمة وهو نور القرب وهو نور

الوصال والسواد أيضا هو سواد البعد وهو سواد الانفصال وهو سواد النكال وهو سواد النقمة وهو سواد الحجبة قال الله تعالى { كلا إنـهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } المطففين 15 فالحجاب يا مسكين يا مغرور في الدنيا وقع على قلبك باكتساب السيئات ودوامك على الخطيئات واشتغالك عن رب الأرضين والسموات قال الله تبارك وتعالى { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } آل عمران 30 فيا معشر المذنبين أبعدوا السوء وأبدلوه بالإحسان وارغبوا في نعيم الجنان وارجعوا عن الأوزار والعصيان فإنـها تزيدكم من عذاب النيران
يا أخي أبعد السوء وأبغضه بغضا شديدا وكن على إبعاده بالتوبة جلدا جليدا من قبل أن يأتي يوم تود أن لو كان السوء عنك بعيدا ولم تتبع شيطانا غويا مريدا
وأنشدوا
يا من إليه جميع الخلق يبتهلوا
وكل حي على رحماه يتكل
يا من نأى فرأى ما في الغيوب وما
تحت الثرى وحجاب الليل منسدل
يا من دنا فنأى عن أن تحيط به
الافكار طرا أو الأوهام والعلل
أنت الملاذ إذا ما أزمة شملت
وأنت ملجأ من ضاقت بـه الحيل
أنت المنادى بـه في كل حادثة
أنت الإله وأنت الذخر والأمل
أنت الغياث لمن سدت مذاهبه
أنت الدليل لمن ضلت بـه السبل
إنا قصدناك والآمال واقعة
عليك والكل ملهوف ومبتهل
} فإن غفرت فعن طول وعن كرم
وإن سطوت فأنت الحاكم العدل
81 حكاية ذي النون عن الراهب الصامت
قال ذو النون رحمـه الله ذكر لي عن راهب بالشام أنـه لم يكلم أحدا مدة أربعين سنة فنـهضت إليه فلم أزل أنادي تحت صومعته وأقسم أن يشرف علي حتى أشرف من أعلا صومعته فراودته على الكلام فأبى علي فقلت له بالذي سكت من أجله ومن خوفه إلا أجبتني عما أسألك عنـه فقال لي قل ولا تطيل الكلام علي قلت له منذ كم أنت في هذا الموضع فقال منذ يوم واحد فقلت له وكيف ذلك قال سمعت الناس يقولون أمس واليوم وغدا فأما أمس فقد فات وأما اليوم فلي وأما الغد فلا أدري أبلغه أم لا ثم أدخل رأسه فما كلمني وهو

يبكي ويقول لا صبر لي على النار
وأنشدوا
أيا نفس لا صبرا على النار فاعلمي
وكوني على خوف من النار ما عشت
ودومي على الأحزان ما دمت حية
عسى تذهب الأحزان عنك إذا مت
يقولون في طول الكلام بلاغة
وقد علموا أن البلاغة في الصمت
إذا العبد لم يلعب هواه بعقله
عصى ربه وازداد مقتا على مقت
82 تقسيم العمر على الأعمال
معشر المذنبين اجعلوا أعماركم ثلاثة أيام يوم مضى يوم أنتم فيه يوم تنتظرونـه لا تدرون بما يأتيكم من صلاح أو فساد ولعلكم لا تبلغونـه فأصلحوا اليوم الذي مضى بالندم على ما فاتكم فيه من الطاعة والإحسان وما اقترفتم فيه من الذنوب والعصيان واليوم الذي مضى إنما تصلحونـه في اليوم الذي أنتم فيه بالبكاء والندامة وذم النفس مع الملامة
وأنشدوا
} حتى متى نحن والأيام نحسبها وإنما نحن فيها بين يومين
يوم تولى ويوم أنت تأمله لعله أجلب الأيام للحين
آنس الله روعتي وروعتكم يوم النشور وآنس وحشني ووحشتكم في القبور إنـه على ذلك قدير وهو عليه يسير وأماتنا وإياكم على هذه الكلمة شـهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله غير مبدلين ولا مغيرين ولا مبتدعين آمين رب العالمين

7 مجلس في قوله تعالى { فأما من أوتي كتابه بيمينـه } الآية 183 يا أخي يا مسكين يا حيران من الذنوب والعصيان يا من تعرض لسخط الملك الديان يا من أقر عين عدوه الشيطان بتماديه على الخذلان والضلال والبهتان والأوزار والطغيان يا مغرور إنك آخذ كتابا ووارد حسابا ونازل ثوابا أو عذابا
فقدم يا غافل في دار الغرور ما تجده في الكتاب المنشور من الثواب والحبور والفرح والسرور والضياء والنور من رحمة العزيز الغفور
84 أين الكتب يوم القيامة

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } الكتب كلها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة بعث الله تبارك وتعالى ريحا تطيرها بالإيمان وبالشمائل أول حرف في الكتاب { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } الإسراء 14 ما أعدل الملك الوهاب إذ جعل الإنسان حسيب نفسه في قراءة الكتاب
يا مسكين يا مغرور إن أخذت الكتاب بالشمال فحسبك العذاب والنكال والمحن والأهوال والسلاسل والأغلال والحميم والخبال واللعنة والانفصال من ذي الجود والجلال
وإن أخذت الكتاب باليمين فحسبك المقام الأمين في أعلا عليين مع الولدان والحور العين والاتصال برب العالمين وبمحمد خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين
وإن أصررت في الدنيا على جرمك ولم تتب إلى مولاك عن قبيح ذنبك فسوف تأخذ كتابك من وراء ظهرك فتجد فيه ما يحزن قلبك ويعظم حزنك ويكثر كربك فيا معشر المذنبين اعلموا أنما جعل الله الدنيا ابتلاء واختبارا وأوجب عليكم فيها حقوقا كبارا فمتى ضيعتموها فقد أودعتم كتبكم آثاما وأوزارا ومتى وفيتم بها فقد ملأتم كتبكم سرورا وأنوارا
وما من عبد ولا
أمة إلا وله كتاب يقرؤه يوم العرض والحساب وإنما مثل الناس عند قراءتهم الكتاب كمثل الزارع إن زرع طيبا رفع طيبا وإن زرع خبيثا رفع خبيثا
يا أخي فكأنك أنت كتبته بأقوالك وملأته بأفعالك وسودته بالقبائح من أعمالك
وأنشدوا
كأني بنفسي في القيامة واقف
وقد فاض دمعي حين أعطي كتابيا
لعلمي بأفعالي وسوء مناقبي
وأن كتابي سوف يبدي المساويا
فيا أهل الذنوب مثلي اعلموا أن الأعمال قد أثبتت عليكم في الديوان من الإحسان والعصيان والزيادة والنقصان والنفاق والإيمان وأنت غافل في سكرة الغرور وكتابك مملوء بالويل والثبور فبادروا إلى الصحائف وأمحوا ما فيها من القبائح ومحصوا ما قد ثبت عليكم من الفضائح وذلك باكتساب الحسنات كما قال رب الأرضين والسموات { إن الحسنات يذهبن السيئات } هود 114
85 أول الناس حسابا

ذكر في بعض الأخبار أن أول ما يحاسب الله من الأمم أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} فإذا اجتمع الأولون والأخرون في أرض القيامة وقفت أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} فأول من يدعي منـهم إلى الحساب رجل من قريش من بني مخزوم يقال له عبد الله بن عبد الأسد وله أخ يقال له الأسود بن عبد الأسد وفيهما نزلت هاتان الآيتان { فأما من أوتي كتابه بيمينـه } الحاقة 15 إلى قوله { في الأيام الخالية } الحاقة 24 نزلت هذه الآية في عبدالله بن عبد الأسد { وأما من أوتي كتابه بشماله } الحاقة 25 وهو الأسود بن عبد الأسد فأما عبد الله وهو المؤمن فيدخل من وراء الحجب فيوقف بين يدي الله عز وجل فترعد فرائصه وتنفك أوصاله وتذهل نفسه من شدة الخوف من الله تعالى فبينما هو على أشد الأحوال من الخوف بين يدي الجبار جل جلاله إذ يأتيه ملك من عند الله تعالى وبيده صحيفة بيضاء مختومة بخاتم الخلد فيقول له الملك
86 كتاب الحسنات
هذا كتابك فيتناول الكتاب بيمينـه وكل من كان من أهل الشقاوة إذا أوتي كتابه يروم أن يمد اليمين لأخذه فلا يقدر لأنـه يجد يمينـه كأنما علقت فيها جبال
الدنيا فلا يطيق أن يرفعها من الثقل وقيل إنـها تغل يده وقيل إنـها تلصق بجسده وقيل إن الملك يقول له يا عدو الله خذ كتابك بشمالك فإنك من أصحاب الشمال جعلنا الله وإياكم من أصحاب اليمين
فيتناول عبد الله أخو الأسود كتابه بيمينـه ويقال له إقرأ ما عملت من خير وشر ولا تلومن إلا نفسك فيفض خاتم الكتاب فينشر كتابه فإذا هو مكتوب بخط أبيض في باطن الكتاب السيئات وفي ظاهره الحسنات فيقال له إقرأ سيئاتك فأول حرف يجد في الكتاب أصغر ذنب عمله في الدنيا فإذا رأى ذلك الذنب ميل رأسه ونكسه حياء من الله تعالى وسال منـه من العرق ما لو أن مائتين من الإبل أكلت حمضا والتهبت عطشا ووردت على عرقه لشربت كلها ورجعت وقد رويت وما نقص من عرقه شيء
87 كيفية السؤال

هذا كله حياء من الله عز وجل فيقول الجبار جل جلاله عبدي فيقول لبيك ربي وسعديك فيقول ارفع رأسك أتعرف ذنبك هذا فيقول مولاي وسيدي وعزتك وجلالك إني لأعرفه فيقول عبدي أتذكر يوم كذا وكذا في موضع كذا وكذا وأنت على هذا الذنب فيقول نعم وعزتك وجلالك
فيقول له الجبار جلب جلاله عبدي إنك إذا أخفيت ذلك من الخلائق لقد علمت أني كنت مطلعا عليك فيقول بلى يا سيدي ومولاي وعزتك وجلالك لقد علمت ذلك فيقول له جل جلاله أما استحيت مني أما راقبتني أما علمت أن مرجعك إلي
والعبد في هذا التوبيخ قد علاه العرق وذاب من شدة الغرق فيقول مولاي وسيدي لأن ترسل بي إلى النار أهون علي من هذا التوبيخ فيقول الله تبارك وتعالى عبدي أليس قد سترتها عليك في الدنيا فيقول العبد مولاي لقد فعلت ذلك بي فيقول جل جلاله عبدي وعزتي وجلالي ومجدي وجودي وكرمي لقد محوتها من قلوب الملائكة وقلوب الآدميين وابقيتها بيني وبينك حتى تعلم نعمتي عليك وأفضالي لديك في الدنيا والآخرة
88 غفران الذنوب
فلا يزال جل جلاله يفعل بـه ذلك في كل ذنب حتى يقرأ جميع ما في كتابه من الذنوب فإذا أتي على آخر الكتاب وجد فيه عبدي هذه سيئاتك قد غفرتها لك
فعند ذلك يبيض وجهه وتحسن بشرته ويذهب عنـه الحزن والهم والجزع
ثم يقول الله جل جلاله قلب كتابك فاقرأ حسناتك فيقلب العبد كتابه فيقرأ حسناته كلما
مر على حسنة ازداد قلبه فرحا وسرورا وازداد بياضا وحسنا ونورا ثم يؤتى بتاج من نور فيوضع على رأسه لو أخرج ذلك التاج إلى الدنيا لكسف نوره ضوء الشمس والقمر
89 لباس المكرمين

ويؤتى بحلتين من حلل الجنة شبر منـها خير من الدنيا وما فيها مائة ألف مرة فيلبسها ويحلى كل مفصل منـه بحلى الجنة ويقال له أخرج على الناس وأخبرهم وبشرهم أن لكل عبد وأمة من المؤمنين مثل ذلك فعند ذلك يخرج عبد الله بن عبد الأسد وكتابه بيمينـه وقد أشرق وجهه نورا وقلبه قد امتلأ سرورا قد جرت على وجهه نضرة نعيم الجنان وتلك علامة لأهل الإيمان والملك آخذ بيمينـه وهو ينادي عليه نداء البشرى ألا إن فلانا لأهل الإيمان والملك آخذ بيمينـه وهو ينادي عليه نداء البشرى ألا إن فلانا قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا والخلائق قد رفعوا أبصارهم إليه وتمنوا مثل ما من الله بـه عليه وهو يقرأ { هاؤم اقرؤوا كتابيه } ليس فيه سيئة واحدة قد غفر الله تبارك وتعالى جميع ذنوبي ومحاها عني { إني ظننت أني ملاق حسابيه } إني أيقنت في الدنيا أني ألقى هذا اليوم وكنت خائفا من هوله ومن قراءتي كتابي ومن حساب ربي جل جلاله فلا يزال كذلك حتى ينتهي إلى أصحابه فيقولون من هذا العبد الذي أكرمـه الله ورضي عنـه اللهم اجعله من أحبابنا وقربه منا حتى ننظر إلى ما قد فضله مولانا بـه فإذا قرب منـهم سلم عليهم فيقولون له من أنت يا عبد الله فيقول أو ما تعرفوني فيقولون له يا عبد الله لقد زينتك كرامة المولى جل جلاله حتى لا نعرفك فمن أنت فيقول لهم أنا عبد الله بن عبد الأسد ألا وإن لكل واحد منكم مثل هذا وهكذا يفعل الله تبارك وتعالى بكل مؤمن يكون رأسا في الخير يدعو إليه ويأمر بـه ثم يشفعه الله تبارك وتعالى في كل من شاء من أهل الذنوب فعند ذلك يفرح أصحابه بما قد بشرهم بـه من المغفرة والفوز بالجنة والنجاة من النار { فهو في عيشة راضية } قد رضى ورضيت نفسه ورضي مولاه عنـه وهو راض بتلك العيشة والعيشة الجنة { في جنة عالية } في غرفة ارتفاعها مسيرة مائة عام من لؤلؤة بيضاء أو من ياقوتة حمراء ملاطها المسك الأذفر والعنبر الأشـهب والكافور الأبيض { قطوفها دانية } يعني

ثمارها دانية منـهم إذا
اشتهوها نزلت عليهم حتى تدخل عليهم في منازلهم فتدنو منـهم فيأكلون من ثمارها ما يشتهون وهم نيام أو قعود أو قيام على أي حال أرادوا ثم ترجع إلى أماكنـها وذلك قوله تعالى { كلوا واشربوا هنيئا } الحاقة 24 لا موت فيها ولا حزن { بما أسلفتم في الأيام الخالية } الحاقة 24 يعني الأيام االماضية وهي أيام الدنيا التي أطاعوا الله تبارك وتعالى فيها واستقاموا ولم يزوغوا عن طاعته
وأنشدوا
ببابك عبد من عبيدك مذنب
كثير الخطايا جاء يسألك العفوا
فأنزل عليه العفو يا من بمنـه
على قوم موسى أنزل المن والسلوى
أنا عبدك المسكين فارحم تضرعي
ولا تجعل النيران يا رب لي مثوى
وخفف من العصيان ظهري إنني
بلغت من الأوزار غايتها القصوى
فهذا عبد الله بن عبد الأسد الذي أنزل الله تعالى في هذه الآية وعلى سيرته في الحساب تجري سير المؤمنين من أمة {صلى الله عليه وسلم} على قدر أحوالهم واجتهادهم في الدنيا في الخير والاستقامة على طاعة الله
90 أشد الناس عذابا
وأما قوله تعالى { وأما من أوتي كتابه بشماله } الحاقة 25 فهو الأسود بن عبد الأسد المخزومي وهو أخو عبد الله بن عبد الأسد وذلك أن الله تعالى يدعو بـه على أثر أخيه عبد الله فيدخل الأسود حتى يوقف وبينـه وبين الله عز وجل حجاب السخط فيكون من وراء الحجاب لأن الله تبارك وتعالى لا يراه إلا المؤمنون وأما الكفار فلا يرونـه قال الله تعالى { كلا إنـهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } المطففين 15 فيوقف الأسود بين يدي الملائكة يرتعد من خوف العذاب والملائكة الذين معه هم ملائكة العذاب فبينما هو كذلك إذ يأتيه ملك من ملائكة السخط فيأخذ بيده اليمنى ثم يهزها فيخلعها من موضعها فيعلقها من صلبه بجلده ثم يأخذ برأسه فيلوي عنقه فيحول وجهه في قفاه
91 كتاب السيئات
ثم يأتيه ملك من وراء ظهره في يده صحيفة سوداء فيها كتاب بخط أسود في باطن الكتاب حسناته وفي ظاهره سيئاته والكتاب مختوم فيقال له هذا كتابك خذه

فلا يقدر أن يتناوله بيمينـه لأن يمينـه مخلوعة من منكبه فيتناول كتابه بشماله فيقال له فض خاتم الكتاب فيفضه ويقال له انشر كتابك اقرأ فينشر الصحيفة وهي سوداء فيبدأ بباطن الكتاب فتستقبله حسناته فيقرؤها ويفرح ويظن أنـه سينجو من عذاب الله تبارك وتعالى حتى إذا بلغ آخر الصحيفة وجد فيها هذه حسناتك قد ردت عليك لأنك لم ترد بها وجه الله تعالى والدار الآخرة وذلك قوله تعالى { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون } هود 15 أي لا ينقصون تعجل لهم في الدنيا أجور أعمالهم ولا يثابون في الآخرة بشيء من أعمالهم ولا تجاوز عنـهم في شيء من أعمالهم السيئة حتى يعذبهم الله تعالى عليها وأعمالهم الحسنة أحبطها الله عز وجل بالكفر والأعمال الصالحة التي يراد بها وجه الله تبارك وتعالى يجازي الله تعالى عز وجل أصحابها بالثواب الباقي وهو نعيم الجنة والنظر إلى وجه الله الكريم فوجه الله باق ونعيم الجنة باق لأن الله تعالى خلق الجنة ثوابا لأهل الأعمال الصالحة التي يراد بها وجه الله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } القصص 88 وكل عمل يراد بـه وجه الله لا يهلك يبقى ثوابه لصاحبه وثوابه الجنة فإن الله تبارك وتعالى يثيب على العمل الباقي بالنعيم الدائم الباقي ويثيب على العمل الفاني وهو ما يعمل للدنيا وزينتها بالعرض الفاني وهو حطام الدنيا والمؤمن لا يرضى الله عز وجل أن يثيبه على عمله الصالح بعرض الدنيا وإن وسع عليه في الدنيا فإنما يعطيه ذلك زيادة معونة يستعين بها على طاعته وأجر عمله أدخره له ليوم فقره إذا احتاج إليه ثم يقال للأسود بن عبدالأسد إقلب كتابك فاقرأ فيقلب ظاهره فتستقبله سيئاته مثل الجبال الرواسي وهي سود بخط أسود لأنـها محبوطة بالكفر غير مقبولة فأول سيئة يقرؤها يسود وجهه ويسمج لونـه كلما قرأ سيئة ازداد سماجة وقبحا فإذا بلغ آخر الصحيفة وجد فيها هذه سيئاتك قد أضعفت إني قد أضعف عليك العذاب

بعملك السيئات
92 صفة العذاب للكافر
فيرجع وجهه أشد سوادا من القار وهو الزفت ويعظم جسده للنار حتى يكون ما بين منكبيه مسيرة شـهر وغلظ كل فخذ من فخديه مسيرة ثلاثة أيام وما بين شفتيه العليا والسفلى أربعون ذراعا وقد خرجت أنيابه وأضراسه من بين شفتيه
بادية وعيناه زرق وحدقتاه قد وقعتا على وجهه من شدة ما هو فيه من العذاب وكل ضرس من أضراسه أعظم من جبل أحد شعره كآجام القصب وله سبعة جلود غلظ كل جلد منـها أربعون ذراعا ما بين الجلد إلى الجلد مسيرة ثلاثة أيام فيها ديدان لها جلبة كجلبة الوحوش في البرية في جسده من الشعر ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى في أصل كل شعرة من الآلام والوجع والعذاب ما لو قسم على أهل الدنيا من يوم خلقهم الله تعالى إلى يوم يبعثهم لماتوا كلهم في أسرع من طرفة عين
ثم يؤتى بسلسلة ذرعها سبعون ذراعا فتغل بها يداه وعنقه ويدخل طرفها في فيه وتخرج من دبره ثم يلف ما بقي منـها على عنقه يتوقد ويشتعل نارا ثم يؤتى بصخرة من كبريت أعظم من الجبل العظيم لو وضعت على جبال الدنيا لذابت من حرها فتعلق في عنقه وهي تشتعل نارا ثم يؤتى بتاج من نار فيوضع على رأسه فيصعد حر الصخرة إلى وجهه وينزل حر التاج إلى وجهه ويجتمع مع حر الصخرة ولا يقدر أن يرفع عن وجهه بيديه لأنـهما مغلولتان إلى عنقه قال الله تعالى { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } الزمر 24 وقال عز وجل { وتغشى وجوههم النار } إبراهيم 50 تغشى وجوه الكفار
ثم يؤتى بسربال من قطران وهو نحاس جهنم قد انتهى في شدة الحر فيلبسه لو أن ذلك السربال ألقي في الدنيا لصارت الدنيا من مشرقها إلى مغربها جمرة واحدة أسرع من لمح البصر ثم يقرن مع شيطان يكون ذلك الشيطان عليه أشد من كل عذاب يعذب بـه ثم يقال له أخرج على الناس وأخبر أصحابك أن لكل واحد منـهم مثل هذا العذاب

فيخرج الأسود على أقبح الأحوال وكتابه بشماله ليس فيه حسنة واحدة وسيئاته ظاهرة للخلق والملك ينادي على الأسد بن عبد الأسود يا أهل الموقف قد شقي الأسود شقاوة لا يسعد بعدها أبدا
إلعنوه فإن الله تعالى قد لعنـه وسخط عليه فينادي بأعلا صوته نداء يسمعه أهل الجمع { يا ليتني لم أوت كتابيه } الحاقة 25 أي يا ليتني لم أعط كتابي بشمالي ولا يحل بي هذا البلاء الذي أنا فيه { ولم أدر ما حسابيه } الحاقة 26 أي يا ليتني تبت وآمنت ولم أحاسب بهذا الحساب ولا نزل بي هذا العذاب { يا ليتها كانت القاضية } الحاقة 27 أي يا ليت الموت عاد إلي حتى يريحني من هذا العذاب { ما أغنى عني ماليه } الحاقة 28 يعني المال الذي كان معه في الدنيا وكان ينفقه في غير الله ويبخل بـه في ذات الله تبارك وتعالى { هلك عني سلطانيه } الحاقة 29 أي انقطعت عني حجتي واضمحلت
ثم يأمر الله تبارك
وتعالى أن يخرج له منبر من جهنم من نار فينصب له ويصعد عليه وتبدو كل قبيحة عملها في الدنيا ويلعنـه كل من في الموقف ويعبره حتى يود لو أمر بـه إلى النار ثم يقول الله تبارك وتعالى للملائكة { خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه } الحاقة 30 31 32 فيبتدره سبعون ألف ملك خلقوا من نار السموم مع كل ملك منـهم من العذاب خلاف ما مع الآخر فيأخذونـه بينـهم فيلقونـه في الهاوية من النار الحامية ويدخلون بسلسلة في فيه ويخرجون طرفها من دبره كما تصنع الخرزة في السلك ثم يطعم الغسلين وهو شيء أسود نتن لو أن قطرة من الغسلين أخرجت إلى الدنيا لمات جميع أهلها من النتن
93 طعام أهل النار

وإنما يطعم أهل النار الغسلين لأنـهم كانوا في الدنيا لا يرون أن يغتسلوا من الجنابة ولا يتوضؤوا للصلاة فيحرق الغسلين مواضع الوضوء والاغتسال وما سقط منـه أطعموه إياه جزاء بما ضيعوا في الدنيا من حقوق الله تعالى وهذا العذاب كله للأسود بن عبد الأسد وكذلك لكل من كان في الشر رأسا يأمر بـه ويدعو إليه يفعل بـه كما فعل بالأسود بن عبد الأسد وكل من كان في الدنيا في الخير رأسا يأمر بـه إليه يفعل بـه كما بالأسود بن عبد الأسد وكل من كان في الدنيا في الخير رأسا يأمر ويدعوا إليه يفعل بـه كما فعل بعبد الله ابن عبد الأسد يجزي الله تعالى الناس كلهم على هذا المنـهاج في الخير والشر والله يفعل ما يشاء لا إله إلا هو وهو حسبنا ونعم الوكيل فنعوذ بالله من أعمال أصحاب الشمال

8 مجلس في قوله تبارك وتعالى { ووضع الكتاب } الآية 194 يا أهل الذنوب مثلي يا أهل العيوب مثلي يا من يعصي ولا يتوب يا من ألغي والمحال له صحوب يا من ضيع غاية المنى والمرغوب يا من سود كتابه بمعصية علام الغيوب اعلموا عصمنا الله وإياكم أن للعباد غدا صحائف يقرؤون فيها الحسنات والقبائح فمن كتب له حافظاه خيرا في الدار الفانية فهو خير له في الدار الباقية ومن كان خائفا في الدنيا من العذاب متحفظا مما يثبت عليه في الكتاب متجنبا لمعصية رب الأرباب وفقه الله مولاه للحق والصواب ويسر عليه برحمته الحساب ومحيت أوزاره من الكتاب ورضي عنـه الملك الوهاب وأمر بـه إلى الجنة وحسن المآب ومن علم أن عمله يثبت عليه في الديوان وهو يقرؤه لا محالة بين يدي الرحمن فكيف يألف العصيان وكيف يتحرك منـه اللسان بالزور والبهتان ومخالفة كتاب الملك الديان
95 الفرق بين الحسنة والسيئة

ذكر في بعض الحكم أن رجلا كان يسوق دابته فعثرت فقال الرجل تعست الدابة يعني عثرت فقال ملك اليمين لملك الشمال ليست بحسنة فاكتبها فأوحي الله تعالي لملك الشمال ما ترك صاحب اليمين فاكتبه أنت فكتب صاحب الشمال قول الرجل تعست الدابة واعظم من هذا انـه ما من عبد ولا أمة يتنفس نفسا إلا اثبت عليه في الكتاب فان خرج النفس في طاعة الله تعالى أثبته صاحب اليمين وان خرج النفس في غير طاعة الله أثبته صاحب الشمال حتى يحكم الله تبارك وتعالي يوم الحساب فيه بحكمـه فمن علم هذا يقينا فلا يحتاج أن تمر عليه ساعة من ساعاته ولا وقت من أوقاته ولا لحظة من لحظاته إلا في ذكر الله وفي الفكرة في عظمة الله
96 النجاة في ذكر الله
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال
ليس شيء أنجى للمؤمن من عذاب الله من ذكر الله وأكثر ما يجد المؤمن في صحيفته يوم القيامة الاستغفار في الليل والنـهار فكل من كان في الدنيا من قراءة كتابه خائفا مشفقا كان الله تبارك وتعالى بـه عند قراءته إياه رحيما مرفقا ومن كان في الدنيا من الغافلين كان عند قراءته من النادمين فلو رأيتم يا أهل الذنوب ما قد أثبت عليكم في الديون من الخطايا والعصيان والزور والبهتان والزيادة والنقصان والغفلة والنسيان لعظمت منكم المصائب وكثرت منكم النوائب ولسارعتم إلى الثواب والرغائب ولثبتم إلى رب المشارق والمغارب وأنشدوا
} ما بال عينك لا تبكي لما سلفا ذكر الذنوب وخوف النار والتلفا
يا أيها المذنب المحصى جرائمـه
لا تنس ذنبك واذكر منـه ما سلفا
من الذنوب التي لم تبل جدتها
كيف تبلى وقد أودعتها صحفا
أما تخاف أما تخشى فضائحها
إذا الغطاء انجلى عنـهن وانكشفا
اعلموا معاشر المذنبين لو أن الله تعالى اطلع بعضنا على صحائف بعض وكشف له ما فيها من الذنوب لكان الناس يشتغلون عن معايشـهم بتعيير بعضهم لبعض ولعنة بعضهم لبعض فإنا لله وإنا إليه راجعون
97 حكاية عن رقة بن واسع

حكي عن محمد بن واسع رحمـه الله أنـه ما رآه أحد قط ضاحكا وإن كان ليبكي حتى ترحمـه الناس فذكر له ذلك فقال يا أحبائي وكيف يضحك من لا يدري ما أثبت عليه في كتابه ولا يدري بما يختم له
اللهم اختم لنا بخير وكان رجل يكلم محمد بن واسع في حاجة فقال له محمد بن واسع ادن مني فلو كانت للذنوب رائحة لما قدرت أن تدنو مني فيا معشر المذنبين مثلي ونفسي أعني وكلنا مذنب لا تغتروا بستر الله تعالى عليكم فإن له يوما يهتك فيه الأستار ويحاسب عباده على ما عملوا في الليل والنـهار فقوم إلى الجنة وقوم إلى النار فالخير والشر قد حصل عليكم الكتاب الذي يوضع لكم يوم العرض والحساب بين يدي رب الأرباب قال الملك الوهاب { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه }
{ الكهف 49 وضع الكتاب للمؤمنين ووضع الكتاب للمجرمين وضع الكتاب لأهل الإيمان ووضع الكتاب لأهل الضلال والطغيان ووضع الكتاب لأهل الجنان ووضع الكتاب لأهل النيران ووضع الكتاب لأهل الثواب ووضع الكتاب لأهل العقاب ووضع الكتاب للطائعين ووضع الكتاب للعاصين ووضع الكتاب لأهل الإخلاص والوفاق ووضع الكتاب لأهل الرياء والنفاق ووضع الكتاب لأهل الوفاء ووضع الكتاب لأهل الجفاء ووضع الكتاب للعاملين ووضع الكتاب للباطلين ووضع الكتاب للقائمين وضع الكتاب للنائمين ووضع الكتاب للمستغفرين ووضع الكتاب للغافلين وضع الكتاب للسعداء وضع الكتاب للأشقياء وضع الكتاب لأهل الجنة وضع الكتاب لأهل المحنة ووضع الكتاب للأبرار وضع الكتاب للفجار وضع الكتاب لأهل التوبة ووضع الكتاب لأهل الحوبة وضع الكتاب لأهل الكرامة وضع الكتاب لأهل الندامة ووضع الكتاب لأهل الرشاد ووضع الكتاب لأهل الفساد وضع الكتاب لأهل الحسنات وضع الكتاب لأهل السيئات وضع الكتاب لأهل النعيم والسرور وضع الكتاب لأهل الويل والثبور فكتب تبشر بالجنة وكتب آخرها باللعنة والمحنة جعلنا الله وإياكم ممن يبشره كتابه بالجنة برحمته

98 إحاطة الكتاب بكل شيء
واعلموا يا معشر المذنبين أن الله تعالى لم يدع شيئا من القول إلا وقد فسره لعباده وأنزل بذلك كتابه العزيز فقال فيه تبارك وتعالى { ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } الإسراء 38 وقد أعلمنا إلهنا ومولانا أن { وكل إنسان ألزمناه طائره } الإسراء 13 وأن كل إنسان لا بد له من السؤال ولا بد له من حساب ولا بد من ثواب أو عذاب ومولانا عز وجل قد أمرنا بالعمل الصالح ووعدنا عليه بالجنة ونـهانا عن المعاصي وتوعدنا عليها بالنار وما قدمتم من خير وشر قد أثبت عليكم في كتاب مكتوب بالحسنات والذنوب
99 حكاية في كتابة الكتب
روي عن الحسن رحمـه الله أنـه قال ما من عبد ولا أمة يدفن إلا دخل عليه ملك في قبره معه دواة وقرطاس فيأخذ الملك برأس الميت ويقعده ويرفع إليه
ذلك القرطاس ويناوله قلما ويقول له اكتب جميع ما عملت في عمرك الذي وجبت عليك فيه الحدود من خير وشر فيأخذ الميت القلم فيكتب وإن لم يكن في الدنيا كاتبا فإن كان العبد من أهل السعادة فأول ما يجري القلم بيده بإذن الله تبارك وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم لأن بسم الله الرحمن الرحيم لا تكون في كتاب الشقاوة وإنما تكون في كتاب أهل الإيمان والسنة والأمان والغفران لأن بسم الله الرحمن الرحيم هي آية الإيمان وهي إخبار عن رحمة الله ولطفه جل جلاله يا أهل السنة من هذه الأمة فإذا ثبت العبد في كتابه بسم الله الرحمن الرحيم فقد أمن في قبره من العذاب والضيقة
00 البسملة وبركتها
وإذا لم يثبت في كتابه بسم الله الرحمن الرحيم فقد حل بـه العذاب في قبره فإذا كتب العبد ما عمل من خير وشر شقيا كان أو سعيدا يطوي الملك الكتاب ويعلقه في عنقه فإذا خرج العبد من قبره يوم القيامة جاءه ذلك الملك فأخذ الكتاب وناوله إياه وقال يا ولي الله أو يا عدو الله أتعرف هذا فيقول نعم أنا كتبته وأنا عملته فيقول له فاقرأه فيستقبله منـه ما سبق له من سعادة أو شقاوة

فالله الله معشر المذنبين مثلي المؤمنين لا تضيعوا أيامكم بالقبائح ولا تهملوا أعماركم في الذنوب والفضائح فإن جميع أعمالكم قد حصيت عليكم في الصحائف والصحائح وستقرؤوها بين يدي مولاكم وتشـهد عليكم الجوارح بالقبيح والحسن من أعمالكم
وأنشدوا
سوف يأتي عليك ساعة خوف
حين تعطى صحائف الأعمال
وكأني أرى فضائح قوم
قد تجلى لكشفها ذو الجلال
ليت شعري إذا قرأت كتابي
بيميني أعطاه أم بشمالي
حكاية عن عيسى عليه السلام
روي عن محمد بن اللباد رحمـه الله أنـه قال دخل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام وعلى نبينا محمد {صلى الله عليه وسلم} مدينة خربة فدخل قصرا من قصورها فنادى يا خراب الآخر بين أين أهلك وعمارك فأجابه شيء من آخر القصر يا ابن مريم بادوا وسيعودوا فاجتهد يا أخي لا تفرط فإن العظام قد بليت وبقيت أعمالهم في رقابهم وأنشدوا
لا تحقرن من الذنوب صغيرها
إن الصغير غدا يعود كبيرا
كل الذنوب وإن تقادم عهدها
عند الإله مسطرا مسطورا
} أيها الرجل المقنع بالمشيب الملبس حلة المعاصي المريب قد خسرت أيام الشباب وبذلت مـهجتك للعذاب بغفلتك عما في الكتاب وإتباعك اللعين الكذاب وتهاونك بالحساب وصدودك عن الصواب ومعصيتك لرب الأرباب ما حبلتك يا مكروب مثلي سودت كتابك بالذنوب وعصيت مولاك علام الغيوب وبعت الحظ الجزيل بالكذب المشوب وضيعت الجنة التي ليس فيها نصب ولا لغوب واعلموا يا معشر المذنبين أن العبد إذا وفقه مولاه وأعطاه الفكرة في قراءة كتابه كان عند مولاه مستجاب الدعاء
02 حكاية في الاعتماد على الله
حكي عن مطرف بن الشخير رحمـه الله أنـه أرسل رسولا عن عوز ماء وكان في زمان الحر فأبطأ عليه الرسول وكان عنده جماعة قد عطشوا وكان معه قليل ماء فقام فتوضأ بذلك الماء ثم صلى ركعتين دعا فيهما مولاه سبحانـه فأرسل الله تبارك وتعالى سحابة حتى شرب هو وأصحابه فقيل له بم بلغت هذه المنزلة فقال جعلت كتابي نصب عيني في ليلي ونـهاري حتى كأني أقرؤه بين يدي ربي جل جلاله

03 حكاية عن مالك بن دينار
قال عبد الواحد بن زيد رحمـه الله كنا عند محمد بن واسع ومعه مالك بن دينار فجاء رجل فكلم مالكا وأغلظ عليه في الكلام في قسمة قسمـها وقال وضعتها في غير حقها وفضلت بها أهل مجلسك ليكثروا جمعك ولتصرف وجوه الناس إليك قال فبكى مالك بن دينار وقال ما أردت بهذا هذا الذي تقول قال بلى والله لقد أردته فلما أكثر على مالك الكلام رفع جيب يديه وقال اللهم إن هذا قد شغلنا عن ذكرك فأرحنا منـه كيف شئت فسقط الرجل ميتا بإذن الله
04 دعاء ابن واسع
وكان محمد بن واسع إذا جن عليه الليل يبكي ويقول في بكائه ويلي من ذنوب قد أحصيت ومن صحيفة قد ملئت وربي قد علم ذلك ولم يخف عليه من
ذلك شيء فأورثه الله تعالى ببكائه على كتابه وعلى حيائه من ربه الاستجابة في الدعاء وتنور القلب وأنشدوا
أرى المشيب بالعذار قد ألم
كأن موتي عن قريب قد هجم
خط المشيب أسطرا في مفرقي
فراعني ما خطه وما رقم
هل الفتى إذا انقضى شبابه
إلا كزرع هاج سوف ينحطم
شاب الفؤاد قبل شيب لمتي
واعتادني ضعف القوي قبل الهرم
ويحي من التوبيخ من ربي غدا
من ذلك الأمر الشديد المستهم
ويحي إذا نادى المنادي بي ألا
قم عبد سوء مسرع للعرض قم
ويحي إذا ما قال لي مقررا
وخص شيئا بعد شيء ثم عم
ما قد صنعت في فروضي والذي
قضيت منـها هل صفا لي هل سلم
فجئت ربي خاسرا قد أثقلت
ظهري ذنوب كالسحاب المرتكم

قال الله تبارك وتعالى { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه } الكهف 49 وضع الكتاب لفصل القضاء ووضع الكتاب للحزن والبكاء وضع الكتاب لتبدو الفضائح وضع الكتاب لتظهر القبائح ووضع الكتاب لتصح الصحائح الله الله يا معشر المذنبين حاسبوا أنفسكم قبل يوم الحساب وارحموا أنفسكم قبل نزول العذاب وبادروا بالتوبة قبل غلق الباب واجتهدوا في بقية أعماركم قبل وضع الكتاب وسارعوا إلى المغفرة من ربكم قبل الخجل بين يدي رب الأرباب وقبل أن تطلبوا برد الجواب وتحبس الألسنة عن النطق والخطاب وتشـهد الجوارح بما عملت من عصيان أو ثواب وأنشدوا
أبكي لذنبك طول الدهر مجتهدا
إن البكاء معول الأحزان
لا تنس ذنبك في الكتاب وعظمـه
إن الذنوب تحيط بالإنسان
مساكين أهل الذنوب أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن مساكين أهل الذنوب جلت كروبهم وعظمت خطوبهم وكبرت عيوبهم وأحصيت عليهم في الكتاب ذنوبهم
مساكين أهل الذنوب عصوا الجبار في الليل والنـهار وبذلوا مـهجتهم لعذاب النار وسودوا صحفهم بالخطايا والأوزار مساكين أهل الذنوب غفلوا عن الطاعة وخالفوا السنة والجماعة وخسروا أنفسهم قبل قيام الساعة
وأنشدوا
من كان يخشى الله جل جلاله
فليكثر العبرات في الخلوات
فلعله بعد التذكر والبكا
بدلت له العبرات بالحسنات
وتخفف الأوزار عن منشوره
يوم الحساب وموقف الحسرات
05 عجائب الكتب
قال الله تعالى { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه } الكهف 49 عباد الله عند وضع الكتاب عجائب وأحزان ومصائب وكروب ونوائب
فواحد يوضع له الكتاب فيبكي وآخر يوضع له الكتاب فيفرح ويبكي
وآخر يوضع له الكتاب فتجري على وجهه نضرة النعيم وآخر يوضع له الكتاب فتعلو وجهه ظلمة الجحيم
وآخر يوضع له الكتاب مختوما بسخط الرب الجواد
وآخر يوضع له الكتاب مختوما بالتوفيق والسداد
اللهم وفقنا للطاعة وأمتنا على السنة والجماعة ونجنا من أهوال يوم الساعة وأدخلنا في جملة أهل الشفاعة

واعلموا معشر المذنبين أن الماء يمحو الكتاب من ألواح الصبيان والدمع يمحو من كتبكم الأوزار والعصيان والهموم والغموم والأحزان
فاجتهدوا في البكاء معشر الإخوان وأكثروا الندامة فإنـها توجب الغفران
وأنشدوا
} دعوني على نفسي أنوح وأندب بدمع غزير وأكف يتصبب
دعوني على نفسي أنوح فإنني أخاف على نفسي الضعيفة تعطب
وإني حقيق بالتضرع والبكا إذا ما هدا النوام والليل غيهب
وجالت دواعي الحزن من كل جانب وغارت نجوم الليل وانقض كوكب
كفى أن عيني بالدموع بخيلة وإني بآفات الذنوب معذب
فمن لي إذا نادى المنادي بمن عصى إلى أين إلجائي إلى أين أهرب
وقد ظهرت تلك الفضائح كلها وقد قرب الميزان والنار تلهب
فيا طول حزني ثم يا طول حسرتي لئن كنت في قاع الجحيم أعذب
فقد فاز بالملك العظيم عصابة تبيت قياما في دجى الليل ترهب
إذا أشرف الجبار من فوق عرشـه وقد زينت حور الجنان الكواعب
فناداهم سهلا وأهلا ومرحبا أبحت لكم داري وما شئتم أطلبوا
فبادروا رحمكم الله في هذه الأيام الشريفة إلى محو السيئات من الصحيفة
06 ضرب مثل في رقة القلب
يا أخي الخشبة اليابسة إذا دخل طرفها الواحد في النار عرق طرفها الآخر وكذلك القلب إذا كانت فيه حرقة ندامة الذنوب التي حصلت في الكتاب المكتوب الموضوع جادت العينان بواكف الدموع ولانت الجوارح بالخضوع والقلب بالإنابة والخشوع
وأنشدوا
كتبت بأدمعي في صحن خدي
كتابا بالتذلل والخضوع
} فقالوا قد عفونا عنك لما
محوت قبيح فعلك بالدموع
07 حكاية عن التوبة

ذكر عن بعض الخائفين أنـه قال رأيت رجلا وافقا على صبي من الصبيان في المكتب وهو يمحو لوحا وكان اللوح قد كتبه بالحبر وكانت الكتابة قد ثبتت ولا تزول بالماء فجعل الصبي يحك اللوح بالحبل والتراب فقال الرجل الواقف عليه يا بني مالك تحك اللوح بالحبل فقال ليزول الحبر الذي ثبت فيه فقال له الرجل والحبل يا بني يزيل الحبر قال نعم ألا ترى أن الحبل إذا حك في تنور البئر يؤثر فيه وهو حجر فيصير فيه من أثر الحبل شبه الخنادق فقال الرجل ذلك بطول المدة فقال الصبي لا يا نعم الرجل إلا بالحزم والاجتهاد وإياك يا نعم الرجل بعيد الذهن قال الرجل كيف ذلك يا بني قال لأني قد قلت لك إشارة لو ألقيتها على قلبك لأفاق وامتحى الحبر الذي عليه فقال الرجل يا بني كان على قلبي حبرا قال يا عم وأي لون هو الحبر قال هو أسود
قال الصبي يا عم ألم أقل لك إنك بعيد الذهن وأي سواد أشد من سواد الذنوب على القلوب فصاح الرجل صيحة وخر مغشيا على وجهه ثم أخذ في البكاء
فقال له الصبي أما الآن فقد وجدت الدواء لذنوبك ومحوها من كتابك وقلبك
فقال الرجل يا بني وما الدواء فقال له البكاء
فقال يا بني والبكاء يمحو الذنوب من الكتاب والقلب قال له نعم والدليل على ذلك قول النبي {صلى الله عليه وسلم} إن الدموع تطفيء بحار النار يوم القيامة عن الباكي
08 الدموع تمحو الذنوب
فإذا محت الدموع بحار النار فأحرى أن تمحو من الكتاب القبائح والأوزار وإذا زالت من الكتاب الفضائح والأوزار رضي عنك الملك الغفار وأمر بك إلى دار الراحة والقرار وخلصت من عذاب البوار
فأبكوا يا جماعة المسلمين على ما أذنبتم في الشـهور والأعوام وفي الساعات والأيام من الخطايا والأجرام واكتساب الربا والحرام وظلم الضعفاء والأرامل والأيتام وما فرطتم فيه من أداء حقوق الملك العلام
وأنشدوا
وددت أن دموعي بحر فاسفحها
من مقلتي على ما فات من زمني
واها على أسف مني على وهل
يجني التأسف إلا غلة الشجن
والله لو صح تحقيق التأسف ما

ألفيت إلا مع النوام في الحزن
} يا ليت لي عينا في كل جارحة
تبكي علي بدمع مانع الوسن
09 فضل البكاء
فالواجب والله يا أهل الإسلام على كل مسلم علم من نفسه ذنبا أن يكثر البكاء عليه عساه يمحوه من كتابه مولاه ويتفضل عليه ويغفر له ما قد جناه فهو المنان الكريم المتفضل العظيم
اللهم يا أكرم الأكرمين ويا آخر الغافرين تفضل علينا بتوبة وعلى جميع المذنبين تنقلنا بها من ذل المعصية إلى عز الطاعة وثبتنا عليها حتى تخرجنا من الدنيا بلا ذنب ولا تباعة على منـهاج أهل السنة والجماعة الذين أوجبت لهم الرحمة والشفاعة
اللهم إن الطاعة والمعاصي بقدرك وفي يدك القلوب والنواصي فطهر قلوبنا بماء التوبة واغسلها من دنس الحوبة ومتعنا بالسلامة في ديننا ودنيانا وفي أسماعنا وأبصارنا وجميع جوارحنا ما أبقيتنا ولا تردنا على أعقابنا بعد إذ هديتنا فإنك على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
9 مجلس في ذكر الجنة وأوصافها
وما أعد الله لأوليائه من النعيم فيها
210 أيها المريد إنـه ينبغي لك أن تشغل قلبك وتعمل فكرك بالتطلع إلى ما أعد الله عز وجل لأوليائه في جنته والاشتياق إلى ما وصف الله لنا من نعيمـها فمن اشتغل بذكرها واشتاق إلى نعيمـها لهى عن الرغبة في الدنيا والحرص عليها والترجح بأمانيها وترك طلب العلو فيها
11 آيات في الجنة
وقد قال الله عز وجل { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين } القصص 83 وقال عز وجل من قائل { مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنـهار أكلها دائم وظلها } الرعد 13 وقال عز من قائل { جنات عدن يدخلونـها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } فاطر 33 وقال { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور } فاطر 34 الآية إلى { لغوب }
قال عز من قائل { في جنات النعيم على سرر متقابلين يطاف عليهم بكأس من معين } الصافات 45 الآية

إلى { مكنون } وقال عز وجل { يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب } 71 الآية إلى { خالدين }
12 أحاديث في الجنة
روي عن أبي هريرة رضي الله عنـه أنـه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } ما رأيت مثل الجنة نام طالبها ولا مثل النار نام هاربها
روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنـه أنـه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن أشفق من النار لهى عن الشـهوات ومن ترقب الموت هانت عليه المصيبات {
روي عن أبي هريرة رضي الله عنـه أنـه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } لما خلق الله الجنة قال لجبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم رجع فقال يا رب لا يسمع بها أحد إلا دخلها ثم حفها بالمكاره فقال الله اذهب فانظر إليها فذهب إليها فقال يا رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد فلما خلق الله النار قال يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب إليها فقال جبريل يا رب لا يسمع بها أحد فيدخلها ثم حفها بالشـهوات فقال يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها فقال يا رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها فيا معشر المشتاقين جاهدوا عدوكم اللعين بترك الشـهوات ونافسوا في أفعال الخيرات وتحملوا في طاعة مولاكم المكروهات يسكنكم مولاكم الجنات وبيوئكم أعلا الغرفات ويرفع لكم الدرجات
13 شجرة طوبى
روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنـه عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى لو يسير الراكب في ظلها مائة عام لم يقطعها { بطحاؤها ياقوت وترابها مسك أبيض ووحلها عنبر أشـهب وكثبانـها كافور أصفر وبسرها زمرد أخضر وأفناؤها سندس واستبرق وزهرها رياض أصفر وورقها برود
خضر وثمرها حلل صفر وسقيها زنجبيل وعسل وعبقها زعفران مبهج والألنجوج يتأجج من غير وقود يتفجر من أصلها أنـهار السلسبيل والرحيق وظلها مجالس أهل الجنة يألفونـه ومتحدث يجمعهم تحتها
14 وصف الجنة

فبينما هم ذات يوم يتحدثون في ظلها إذ جاءتهم الملائكة بنجائب مزمومة بسلاسل من ذهب كأن وجوهها المصابيح نضارة وحسنا وبرها خز أحمر وعبقري أبيض مختلطان الحمرة بالبياض والبياض بالحمرة لم ينظر الناظرون إلى مثله حسنا وبهاء ذللا من غير محنة نجب من غير رياضة رحالها من الياقوت الأخضر ملبسة بالعبقري والأرجوان ولجمـها ذهب وكسوتها سندس واستبرق فأناخوا إليهم تلك الرواحل وحيوهم بالسلام من عند الرب السلام وقالوا لهم أجيبوا ربكم جل جلاله فإنـه يستزيركم فزوروه وليسلم عليكم وتسلموا عليه وينظر إليكم وتنظروا إليه ويكلمكم وتكلموه ويحييكم وتحيوه ويزيدكم من فضله فإنـه ذو رحمة واسعة وذو فضل عظيم
15 رواحل الجنة
فيتحول كل رجل منـهم على راحلته ثم يسير بهم صفا واحدا معتدلا الرجل إلى جنب أخيه عن يمينـه لا يفوت ركبة ناقة ركبة صاحبتها ولا تعدو أذن ناقة أذن صاحبتها يمرون بالشجرة من أشجار الجنة فتميل لهم عن طريقهم كراهية أن يفرق بينـهم فإذا وقفوا بالجبار تبارك وتعالى أسفر لهم عن وجهه الكريم وتجلى لهم في عظمته العظيمة فيسلمون عليه ويرحب بهم وسلامـهم وتحيتهم أن يقولوا ربنا أنت السلام ومنك السلام ولك حق الجلال والإجلال فيقول لهم الرب جل جلاله عبادي عليكم السلام مني وعليكم رحمتي ومحبتي مرحبا وأهلا بعبادي الذين أطاعوني بالغيب والذي حفظوا وصيتي ورعوا عهدي وكانوا مني على كل حال مشفقين فيقولون وعزتك وجلالك وعظمتك وعلو مكانك ما قدرناك حق قدرك ولا أدينا إليك كل حقك فأذن لنا بالسجود لك فيقول لهم ربهم عز وجل إني قد رفعت عنكم مؤنة العبادة فهذا حين أرحت لكم أبدانكم وهذا حين أفضيتم إلى روحي ورحمتي وجنتي وكرامتي ومبلغ الوعد وعدتكم فاسألوني ما شئتم وتمنوا

على أعطيكم أمانيكم فإني لن أجزيكم اليوم بقدر أعمالكم ولكن أجزيكم بقدر رحمتي وكرامتي ورأفتي وعزي وجلالي وعلو مكاني وعظمة شأني فاسألوني ما شئتم فما يزالون في الأماني حتى ان المقصر في أمنيته يقول ربنا تنافس أهل الدنيا في دنياهم وفخر بعضهم إلى بعض فاجعل حظي من الجنة كل شيء كان فيه أهل الدنيا من يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها فإنا رفضناها وزهدنا فيها وصغرت في أعيننا تشاغلا بأمرك وإعظاما لك وإجلالا وإعزازا
16 إكرام الله تعالى
فيقول لهم ربهم لقد قصرتم في أمنيتكم ورضيتم بدون حظكم وبأقل من حقكم فقد أوجبت لكم ما سألتم وتمنيتم حتى تعرفه أنفسكم وألحقت بكم ما قصرت عنـه أمانيكم فانظروا إلى ما أعددت لكم إلى ما لا تبلغه أمانيكم ولم يخطر على قلوبكم فيؤتون ذلك فيقولون ربنا أنت أحق بالأمن والرحمة ولو وكلتنا إلى أنفسنا وأمانينا لضبعنا حظنا وإذا بقباب في الرفيع الأعلى قد نصبت وغرف من الدر والمرجان قد رفعت أبوابها من ذهب ومنابرها من نور وسررها من ياقوت وفرشـها من سندس واستبرق يفور من أعراصها وأفواهها ماء
نور شعاع الشمس عنده كنوز الكوكب الدري فإذا هم بقصور شامخة في أعلا عليين من الياقوت يزهر نورها فلو أنـها متخذة إذا لامتثعت الأبصار من شدة صفائها وعتق جوهرها فما كان منـها أبيض فمن الياقوت الأبيض مفروشا بالحرير الأبيض
وما كان منـها أحمر فمن الياقوت الأحمر مفروشا بالعبقري الأحمر
وما كان منـها أخضر فمن الياقوت الأخضر مفروشا بالسندس الأخضر
وما كان منـها أصفر فمن الياقوت الأصفر مفروشا بالأرجوان الأصفر مبوبة بالذهب الأحمر والفضة البيضاء قواعدها من جوهر وأركانـها من ذهب وشفوفها قباب من لؤلؤ وبروجها غرف من مرجان
17 براذين الجنة

فهم كذلك وإذا براذين مقربة من الياقوت الأحمر مصنوعا فيها الروح بجنبها الولدان المخلدون وبيد كل وليد حكمة برذون من تلك البراذين على كل أربعة منـها مرتبة من مراتب الجنة كالرحالة أسفلها سرير من ياقوتة وعلى كل سرير منـها قبة من ذهب مفرغة في كل قبة منـها فراش من فرش الجنة ليس في الجنة لون حسن إلا
وهو فيها ولا ريحة طيبة إلا عبق بهما ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظن من ينظر إليهما أنـهما من دون القبة يتبين مخها في عظامـها كما يتبين السلك الأبيض في الياقوتة الصافية ثم يأمر الله عز وجل رجلا منـهم فيتحول في مركبه مع صاحبته فتعانقه وتقبله وتمنيه بكرامة الله عز وجل والقبة إما لؤلؤة وإما زمردة وإما ياقوتة وإما درة وإذا في قبة من تلك القصور منابر من نور عليها ملائكة قعود ينتظرونـهم ليهنئوهم ويحيوهم فيتحول كل رجل منـهم على مركبة تزف تلك البراذين وبجنبها الولدان المخلدون تشيعهم الملائكة المقربون يقطعون بهم رياض الجنة
فلما رفعوا إلى قصورهم نـهضت الملائكة في أعراضهم فاستنزلوهم وصافحوهم وشبكوا أيديهم ثم أجلسوهم بينـهم ثم أقبلوا على الضحك والمداعبة حتى علت أصواتهم
18 مصافحة الملائكة
تقول الملائكة أما وعزة وربنا وجلاله ما ضحكنا منذ خلقنا إلا معكم ولا هزلنا إلا معكم فهنيئا لكم هنيئا بكرامة ربكم

فلما ودعوهم وانصرفوا عنـهم دخلوا قصورهم فليس أحد منـهم إلا وقد وجد الله عز وجل قد جمع له في قصره أمنيته التي تمنى وإذا على كل قصر منـها باب يفضي إلى واد أفيح من أودية الجنة محفوفة تلك الأودية بجبال من الكافور الأبيض وكذلك جبال الجنة وهي معادن الجوهر والياقوت والفضة فارغة أفواهها في بطون تلك الأودية في بطن كل واحد منـها أربع جنات جنتان ذواتا أفنان فيهما عينان تجريان فيهما من كل فاكهة زوجان وجنتان مداهامتان فيهما عينان نضاختان وفيهما فاكهة ونخل ورمان وحور مقصورات في الخيام لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان كأنـهن الياقوت والمرجان فلما تبؤوا المنازل واستقر قرارهم زارهم ربهم تبارك وتعالى في ملائكته فيقول لهم { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } الأعراف 44 قالوا نعم قال كيف وجدتم ثواب ربكم قالوا رضينا فارض عنا
فيقول لهم الجليل جل جلاله برضائي عنكم نظرتم إلى وجهي وسمعتم كلامي وحللتم داري وصافحتم ملائكتي
فهنيئا هنيئا عطائي لكم ليس فيه نكد ولا تكدير فقالوا { الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب } فاطر 35
19 عدد الجنات وأسماؤها
روي عن وهب بن منبه عن ابن عباس قال لما خلق الله تبارك وتعالى
الجنات يوم خلقها وفضل بعضها على بعض فهي سبع جنات دار الخلد ودار السلام وجنة عدن وهي قصبة الجنة وهي مشرفة على الجنان كلها وهي دار الرحمن تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ولا يشبه شيء ولباب جنات عدن مصراعان من زمرد وزبرجد من نور كما بين المشرق المغرب وجنة المأوى وجنة الخلد وجنة الفردوس وجنة النعيم سبع جنات خلقها الله عز وجل من النور كلها مدائنـها وقصورها وبيوتها وشرفها وأبوابها ودرجها وأعلاها وأسافلها وآنيتها وحليها وجميع أصناف ما فيها من الثمار المتدلية والأنـهار المطرزة بألوان الأشربة والخيام المشرفة والأشجار الناضرة بألوان الفاكهة والرياحين العبقة والأزهار الزاهرة والمنازل البهية المعجبة

20 الحور العين
فيها الأزواج المطهرة والعين الغنجات بريط النور معتجرات بوشح الكرامة متزينات بالمسك متزملات حدق أعينـهن كاحلات وأطرافهن خاشعات وفروقهن مكللة بالدر مركبة بالياقوت ينادين بأصوات غنجة رخيمة لذيذة يقلن نحن خالدات فلا نموت أبدا ونحن الغانجات فلا نبأس أبدا ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا ونحن الحور الحسان أزواج أقوام كرام ونحن الأبكار السوام للعباد المؤمنين طوبى لمن كان لنا وكنا له
فذلك قوله عز وجل { إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا } الواقعة 35 37 عاشقات لأزواجهن { أترابا } مستويات في الأسنان { وحور عين } الواقعة 22 حسان جمال { كأمثال اللؤلؤ المكنون } الواقعة 23 كأنـهن الياقوت والمرجان مشيها هرولة ونغمتها شـهية بهية فائقة وامقة لزوجها عاشقة وعليه محبوسة وعن غيره محجوبة فذلك قوله عز وجل { فيهن قاصرات الطرف } الرحمن 56 يقول قصرت أطرافهن عن الرجال فلا ينظرن إلى غير أزواجهن { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } الرحمن 56 وكلما أصابها زوجها وجدها عذراء عليها سبعون حلة مختلفة الوشي والألوان حملها أهون عليها وأخف من شعرها
21 صفة الحور
في نحرها مكتوب أنت حبي وأنا حبك لست أبغي بك بدلا ولا عنك
معدلا
كبدها مرآته وكبده مرآتها يرى مخ ساقها من وراء لحمـها وحليها كما ترى ال الأحمر في الزجاجة البيضاء وكما يرى السلك الأبيض في جوف الياقوتة الصافية
22 دار السلام
وخلق دار السلام من الياقوت كلها أزواجها وخدمـها وآنيتها وأسرتها وحجالها وقصورها وخيامـها ومدائنـها ودرجها وغرفها وأبوابها
وثمارها من اللؤلؤ والياقوت
23 جنة عدن
وخلق جنة عدن من الزبرجد كلها على هذه الصفة وخلق جنة المأوى من الذهب الأحمر بجميع ما فيها على هذه الصفة
24 جنة الخلد
وخلق جنة الخلد من الفضة البيضاء بجميع ما فيها على هذه الصفة
والجنات كلها مائة درجة ما بين الدرجتين خمسمائة عام

حيطانـها لبنة من ذهب ولبنة من فضة ولبنة من ياقوت ولبنة من زبرجد
ملاطها المسك وقصورها الياقوت وغرفها اللؤلؤ ومصارعها الذهب وأرضها الفضة وحصباؤها المرجان وترابها المسك
أعدها الله عز وجل لأوليائه يقول الله تبارك وتعالى يا أوليائي جوزوا الصراط بعفوي وأدخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم فلكم صنعت ثمار الفردوس ولكم نصبت شجرة الخلد ولكن بنيت القصور التي أسست بالنعيم وشرفت بالملك والخلود
25 درجات أهل الجنة
قال ابن عباس رضي الله عنـهما فأسفل أهل الجنة درجة من له من الجنة مسيرة خمسمائة عام ويزوج خمسمائة حوراء وأربعة بكر وثمانية آلاف بيت وإنـه ليعانق الزوجة عمر الدنيا فلا يتأخر واحد منـهما عن صاحبه وإنـه لتوضع المائدة بين يديه فلا ينقضي شبعة عمر الدنيا وإنـه ليوضع الإناء على فيه فلا ينقضي ريه عمر الدنيا وإنـه ليأتيه ملك بين إصبعيه مائة حلة تحية من ربه تبارك وتعالى فيلقيها على بدنـه فيقول العبد الحمد لله وتبارك ربي وتعالى فما عجبت
كإعجابي بهذه الهدية
فيقول الملك أعجبتك فيقول نعم فيبادر الملك أدنى شجرة من جنة الخلد فيقول أنا رسول ربك إليك تكوني لولي الله ما أحب فتتلون له على ما يشتهي
26 طعام الجنة
ويبلغ غداؤه سبعين ألف صفحة من ألوان لحوم الطير كأنـها البخت لا ريش لها ولا زغب ولا عظم فلا تطبخ بالنار ولا تقليها القدور ولذتها لذة الزبد وحلاتها حلاوة العسل ورائحتها رائحة المسك
يأكل من كلها يجد لآخرها من الطعم كما يجد لأولها
وفي عشائه مثل ذلك
قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } يأكلون ويشربون ويتفكهون يصير طعامـهم وهم رشحا كرشح المسك يخرج من أجسادهم
ويبعث الله تبارك وتعالى إليهم الملائكة بهدية من لدن العرش
27 دلال الحور

روي عن الحسن رضي الله عنـه أنـه قال بينما ولي الله في الجنة مع زوجته من الحور العين على سرير من ياقوت أحمر وعليه قبة من نور إذ قال لها قد اشتقت إلى مشيتك قال فتنزل من سرير ياقوت أحمر إلى روضة مرجان أخضر وينشئ الله عز وجل لها في تلك الروضة طريقين من نور أحدهما نبت الزعفران والآخر نبت الكافور فتمشي في نبت الزعفران وترجع في نبت الكافور وتمشي بسبعين ألف لون من الغنج
وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنـه أنـه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } يسطع نور في الجنة فيرفعون رؤوسهم فإذا هو نور حوراء
ضحكت في وجه زوجها {
وروي عن جابر بن عبد الله أنـه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } إن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتمخطون ولا يتغوطون ولا يبولون ولكنـه رشح كرشح المسك قد
ألهموا التسبيح والتقديس والتكبير والتحميد
28 لباس أهل الجنة
وروي عن بعض العلماء أنـه قال بلغني أن ولي الله في الجنة يلبس حلة ذات وجهين يتجاوبان بصوت مليح تقول التي تلي جسده أنا أكرم على ولي الله منك أنا أمس بدنـه وأنت لا تمسين بدنـه فتقول التي تلي وجهه بل أنا أكرم على ولي الله منك أنا أرى وجهه وأنت لا ترين وجهه
وروي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } يبعث أهل الجنة على صورة آدم عليه السلام في ميلاد ثلاث وثلاثين سنة جردا مردا مكحلين ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة فيلبسون منـها ثيابا لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم
29 أول من يدخل الجنة
وروي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين على آثارهم كأشد كوكب دري في السماء إضاءة قلوبهم على قلب واحد لا اختلاف بينـهم ولا تباغض يسبحون الله بكرة وعشيا لا يسقمون فيها ولا يموتون ولا ينزفون آنيتهم من الذهب والفضة وأمشاطهم الذهب ووقود مجامرهم الألوة ورشحهم المسك
30 مساكن الجنة

وقال الحسن رحمـه الله في قوله عز وجل { ومساكن طيبة في جنات عدن } التوبة 72 قيل سأله ابن أخيه في ذلك فقال يا ابن أخي على الخبير وقعت سألت عنـها أبا هريرة وعمران بن حصين فقالا على الخبير وقعت سألنا عنـها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كما سألتنا فقال هي قصر في الجنة من لؤلؤة بيضاء فيها سبعون
دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير فراش لون على لون على كل سرير امرأة من الحور العين
في كل بيت مائدة على كل مائدة سبعون قصعة وعلى كل مائدة سبعون وصيفا ووصيفة يعطي الله المؤمن في غداة واحدة ما يأكل ذلك الطعام ويطوف على تلك الأزواج
31 طيور الجنة
وروي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إنـه لينظر إلى الطير في الجنة فيخر بين يديه مشويا والطير أمثال الإبل فيقول الطير منـها يا ولي الله أما أنا فقد رعيت في وادي كذا وكذا وأكلت من ثمار كذا وكذا وشربت من ماء عين كذا وكذا وسني كذا وريحي كذا فكل مني فإذا اشتهى حسن الطير واشتهى صفته فوقع في نفسه وقع الطائر على ما يريد قبل أن يتكلم نصفه قديدا ونصفه شواء كلما شبع ألقى الله عليه ألف باب من الشـهوة في الأكل ثم يؤتى بال على برد الكافور وليس بهذا الكافور وطعم الزنجبيل وليس بهذا الزنجبيل وعلى ريح المسك وليس بهذا المسك فإذا شرب هضم ما أكل من الطعام ويأكل مقدار أربعين عاما ويعطي قوة مائة شاب في الجماع ويجامع مقدار أربعين سنة له في كل يوم مائة عذراء بذكر لا يمل ولا ينثني وفرج لا يحثى ولا يمنى
32 أنـهار الجنة
قال وهب بن منبه رضي الله عنـه إن في رياض الجنة نـهر من أنـهارها فهو أصل أنـهار الجنة كلها أظهره الله عز وجل حيث ما أراد وأن النيل نـهر العسل ودجلة نـهر اللبن في الجنة والفرات نـهر الخمر في الجنة وسيحان نـهر الماء في الجنة وجيجان كذلك وهما بأرض الهند وهما نـهرا الماء في الجنة وصفهم الله عز وجل في الدنيا حتى يصيرهم إلى الجنة

وذكر وهب عن ابن عباس رضي الله عنـهما أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال } مكتوب على باب الجنة إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أعذب من قالها إني أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسول الله لا أعذب من قالها {
وروي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } لشبر في الجنة خير من الدنيا وما فيها { قال الله عز وجل { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } السجدة 17
33 سرر الجنة
قال ابن عباس رضي الله عنـه وذلك أن ولي الله في الجنة على سرير والسرير ارتفاعه خمسمائة عام وهو قول الله عز وجل { وفرش مرفوعة } الواقعة 34 قال والسرير من ياقوت أحمر وله جناحان من زمرد أخضر وعلى السرير سبعون فراشا حشوها النور وظواهرها السندس وبطائنـها من استبرق ولو دلى أعلاها فراشا ما وصل إلى آخرها مقدار أربعين عاما
34 أرائك الجنة
وعلى السرير أريكة وهي الحجلة وهي من لؤلؤة عليها سبعون سترا من نور وذلك قوله عز وجل { هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون } يس 56 يعني ظلال الأشجار على الأرائك يعني الأسرة في الحجال فبينما هو معانقها لا تمل منـه ولا يمل منـها والمعانقة أربعين عاما فإذا رفع رأسه فإذا هو بأخرى متطلعة عليه تناديه يا ولي الله أما لنا فيك من دولة فيقول حبيبتي من أنت فتقول أنا من اللواتي قال فيهن الله { ولدينا مزيد } ق 35 قال فيطير سريره أو قال كرسي من ذهب له جناحان فإذا رآها فهي تضعف على الأولى بمائة ألف جزء من النور فيعانقها مقدار أربعين عاما لا تمل منـه ولا يمل منـها فإذا رفع رأسه رأى نورا ساطعا في داره فيعجب فيقول سبحان الله أملك كريم زارنا أم ربنا أشرف علينا فيقول الملك وهو على كرسي من نور بينـه وبين الملك سبعون عاما والملك في حجبته في الملائكة لم يزرك ملك ولم يشرف عليك ربك عز وجل فيقول ما هذا النور
35 زوجة الدنيا

فيقول الملك لزوجتك الدنيوية وهي معك في الجنة إنـها طلعت عليك ورأتك معانقا لهذه فتبسمت فهذا النور الساطع الذي تراه في دارك هو نور ثناياها فيرفع رأسه إليها فتقول يا ولي الله أما لنا فيك من دولة فيقول حبيبتي من أنت
فتقول له يا ولي الله أما أنا فمن اللواتي قال الله عز وجل فيهن { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } السجدة 17 الآية
فيطير سريره إليها فإذا لقيها فهي تضعف عن هذه الأخرى بمائة ألف جزء من النور لأن هذه صامت وصلت وعبدت الله عز وجل فهي إذا دخلت الجنة أفضل من نساء الجنة لأن أولئك أنبتن نباتا فيعانق هذه مقادر أربعين عاما لا تمل منـه ولا يمل منـها ثم إنـها تقوم بين يديه وخلالها من يواقيت فإذا وطئت يسمع من خلالها صفير كل طير في الجنة فإذا مس كفها كان ألين من المخ ويشم من كفها رائحة كل طيب في الجنة وعليها سبعون حلة من نور لو نشر الرداء منـها لأضاء ما بين المشرق والمغرب خلقت من نور والحلل عليها أسورة من ذهب وأسورة من فضة وأسورة من لؤلؤ وتلك الحلل أرق من نسج العنكبوت وهو أخف عليها من النقش وانـه يرى مخ ساقها من صفائها ورقتها من وراء العظم واللحم والجلد والحلل مكتوب على ذراعها اليمين بالنور { الحمد لله الذي صدقنا وعده } الزمر 74 وعلى الذراع الآخر مكتوب بالنور { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } فاطر 34
36 تبادل الحب

ومكتوب على كبدها بالنور حبيبي أنا لك لا أريد بك بدلا وكبدها مرآته وهي على صفاء الياقوت وحسن المرجان وبياض البيض المكنون { عربا أترابا } الواقعة 37 العرب العاشقات لأزواجهن والأتراب بنات خمس وعشرين سنة مفلجة لو ضحكت لأضاء نور ثناياها ولو سمع الخلائق منطقها لافتتن كل بر وفاجر فهي قائمة بين يديه فساقها يضعف على قدميها بمائة ألف جزء من النور وفخدها يضعف على ساقها بمائة ألف جزء من النور وعجزها يضعف على فخدها بمائة ألف جزء من النور وبطنـها يضعف على عجزها بمائة ألف جزء من النور وصدرها يضعف على بطنـها بمائة ألف جزء من النور ووجهها يضعف على نحرها بمائة ألف جزء من النور ولو تفلت في بحار الدنيا لعذبت كلها ولو أطلعت من سقف بيتها إلى الدنيا لأخفى نورها نور الشمس والقمر عليها تاج من ياقوت أحمر مكلل بالدر والمرجان على يمينـها مائة ألف قرن من قرون شعرها
37 ضفائر الجمال
وتلك القرون قرن من نور وقرن من ياقوت وقرن من لؤلؤ وقرن من زبرجد
وقرن من مرجان وقرن من درون مكلل بالزمرد الأخضر والأحمر مفضص بألوان الجوهر موشح بألوان الرياحين ليس في الجنة طيب إلا وهو تحت شعرها الواحدة تضيء مسيرة أربعين عاما وعلى يسارها مثل ذلك وعلى مؤخرها مائة ألف ذؤابة من ذوائب شعرها فتلك القرون والذوائب إلى نحرها ثم تتدلى إلى عجزها ثم تتدلى إلى قدميها حتى تجره بالمسك وعن يمينـها مائة ألف وصيفة كل قرن بيد وصيفة وعن يسارها مثل ذلك ومن ورائها مائة ألف وصيفة كل وصيفة آخذة بذؤابة من ذوائب شعرها
38 الوصائف

ومن بين يديها مائة ألف وصيفة معهن مجامر من درون فيها بخور من غير نار ويذهب ريحه في الجنة مسيرة مائة عام حولها ولدان مخلدون شباب لا يموتون كأنـهن اللؤلؤ المنثور كثرة فيه قائمة بين يدي ولي الله ترى إعجابه وسروره بها وهي مسرورة عاشقة له فتقول له يا ولي الله لتزغبطة وسرورا فتمشي بين يديه بمائة ألف لون من المشي في كل مشية تجلى في سبعين حلة من النور وان الماشطة معها فإذا مشت تتمايل وتنعطف وتتكاسر وتدور وتبتهج بذلك وتبتسم فإذا مالت مالت القرون من الشعر معها ومالت الذوائب معها ومالت الوصفان معها فإذا دارت درن معها فإذا أقبلت أقبلن معها خلقها الرحمن تبارك وتعالى خلقة إذا أقبلت فهي مقابله وإذا ولت فهي مقبلة الوجه لا تفارق وجهه ولا تغيب عنـه ويرى كل شيء منـها إذا جلست بعد مائة ألف لون من المشي خرجت عجزتها من السرير وتدلي قرونـها وذوائبها فيضطرب ولي الله لولا أن الله سبحانـه قضى أن لا موت فيها لمات طربا فلولا أن الله تبارك وتعالى قدرها له ما استطاع أن ينظر إليها مخافة أن يذهب بصره فتقول له يا ولي الله تمتع فلا موت فيها
وأنشدوا
بحسبك يا عمار من دار بلغة
جنان بها الخيرات يزلفن في الحلل
ويمشين هونا في الجنان أمامـهم
خيام من الدر المجوف في الكلل
إذا برزت حوراء حف بها البها
وأشرقت الفرودس والقوم في شغل
يعانقن أزواجا لكل مطهر
على فرش الديباج والعيش قد كمل
وطاف بها الولدان من كل جانب
ونودي ولي الله يجزي بما فعل
وقال غيره
يا خاطب الحوراء في خدرها
وطالبا ذاك على قدرها
انـهض بعزم لا تكن دانيا
وجاهد النفس على صبرها
وجانب الناس وارفضهم
وحالف الوحدة في ذكرها
وقم إذا الليل بدا وجهه
وصم نـهارا فهو من مـهرها
فلو رأت عيناك إقبالها
وقد بدت رمانتا صدرها
وهي تماشي بين أترابها
وعقدها يشرق في نحرها
} لهان في نفسك هذا الذي
تراه في دنياك من زهرها
39 ضيافة الله

روى أنس بن مالك رضي الله عنـه أن الله تبارك وتعالى إذا سكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار هبط ربنا الجليل جل جلاله بلا تكييف ولا تمثيل يتعالى ربنا عن ذلك إلى مرج أفيح فمد بينـه وبين خلقه حجابا من لؤلؤ وحجابا من نور ثم وضعت منابر النور وسرر النور وكراسي النور ثم أذن لرجل كريم على الله عز وجل بين يديه أمثال الجبال من النور يسمع دوي تسبيح الملائكة معه وصفق أجنحتهم فمد أهل الجنة أعناقهم فقيل من هذا الذي قد أذن له الله عز وجل فقيل هذا المجبول بيده والمعلم والأسماء والذي أمرت الملائكة فسجدت له والذي أبيحت له الجنة آدم {صلى الله عليه وسلم} أذن له على الله عز وجل قال ثم أذن لرجل آخر على الله عز وجل بين يديه أمثال الجبال من النور يسمع تسبيح الملائكة معه وصفق أجنحتهم فمد أهل الجنة أعناقهم فقيل من هذا الذي أذن الله عز وجل فقيل هذا الذي اتخذه الله خليلا وجعل النار عليه بردا وسلاما إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد أذن له على الله عز وجل قال ثم أذن لرجل آخر على الله عز وجل بين يديه أمثال الجبال من النور يسمع تسبيح الملائكة معه وصفق أجنحتهم فمد أهل الجنة أعناقهم فقيل من هذا قد أذن له على الله عز وجل فقيل هذا الذي اصطفاه الله عز وجل برسالته وقربه نجيا وكلمة تكليما موسى عليه الصلاة والسلام قد أذن له على الله عز وجل ثم أذن لرجل آخر معه مثل جميع مراكب النبيين قبله بين يديه أمثال الجبال من النور ويسمع دوي تسبيح الملائكة وصفق أجنحتهم فقيل من هذا الذي قد أذن له
على الله عز وجل فقيل هذا أول شافع وأول مشفع وسيد ولد آدم وأول من تنشق عنـه الأرض وصاحب لواء الحمد أحمد {صلى الله عليه وسلم} قد أذن له على الله عز وجل قال فيجلس النبيون على منابر النور والصديقون على سرر النور والشـهداء على كراسي النور وجلس سائر الناس على كثبان من المسك الأبيض الأذفر
40 وفد الله

ثم ناداهم الرب جل جلاله من وراء الحجب مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي يا ملائكتي انـهضوا إلى عبادي فأطعموهم قال فتقرب الملائكة إليهم لحم طير كأنـها البخت لا ريش معها ولا عظم فأكلوا ثم ناداهم الرب جل جلاله من وراء الحجب مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلوا أسقوهم يا ملائكتي قال فنـهض إليهم غلمان كأنـهم اللؤلؤ المنثور بأباريق الذهب بأشربة مختلفة تجد لذة آخرها كلذة أولها { لا يصدعون عنـها ولا ينزفون } الواقعة 19 قال ثم ناداهم الرب تبارك وتعالى من وراء الحجب مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلوا وشربوا فكهوهم فقربت إليهم أطباق مكللة بالياقوت من الرطب الجنى الذي أسماه الله أشد بياضا من اللبن وأطيب من عذوبة الشـهد فطعموا وشربوا وفكهوا ثم ناداهم الرب جل جلاله من وراء الحجب مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلوا وشربوا وفكهوا أكسوهم
41 كرامة الله لعباده
قال ففتحت لهم أشجار الجنة بحلل مصقولة بنور الرحمن فألبسوا ثم ناداهم الرب من وراء الحجب مرحبا بعبادي وزواري ووفدي أكلوا وشربوا وفكهوا وكسوا طيبوهم قال فهاجت عليهم ريح من تحت العرش يقال لها المثيرة بأنابيب المسك الأبيض الأذفر فنضحت على وجوههم من غير غبار ولا قتار ثم الرب تبارك وتعالى من وراء الحجب مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي أكلوا وشربوا وفكهوا وكسوا وطيبوا وعزتي وجلالي لأتجلين لهم حتى ينظروا إلي فذلك منتهى العطايا وفضل المزيد فيتجلى الرب تبارك وتعالى فيقول السلام عليكم عبادي انظروا إلي فقد رضيت عنكم قال فتداعت قصور الجنة وأشجارها واهتزت تقول سبحانك سبحانك أربع مرات وخر القوم سجدا
فناداهم الرب جل وعز عبادي ارفعوا رؤوسكم فإنـها ليست بدار عمل ولا بدار نصب وإنما هي دار جزاء ودار ثواب وعزتي وجلالي ما خلقتها إلا لأجلكم وما من ساعة ذكرتموني فيها في دار الدنيا إلا ذكرتكم فوق عرشي
42 سوق الجنة

وروي عن سعيد بن المسيب أنـه أتى أبا هريرة رضي الله عنـه فقال له أبو هريرة أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة فقال له سعيد أو فيها سوق قال نعم أخبرنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن أهل الجنة إذا دخلوها فنزلوا بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله عز وجل ويبرز لهم من عرش ه تبارك وتعالى في روضة من رياض الجنة وتوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من زبرجد ومنابر من ياقوت ومنابر من ذهب ومنابر من فضة يكون أدناهم وما فيها أدنى على كثبان المسك والكافور وما يرون أصحاب المنابر أفضل منـهم مجلسا
43 رؤية الله تعالى
قال أبو هريرة رضي الله عنـه فقلت يا رسول الله هل نرى ربنا عز وجل قال نعم هل تضامون في رؤية القمر ليلة البدر فقلنا لا قال فكذلك لا تضامون في رؤية ربكم تبارك وتعالى ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله عز وجل محاضرة حتى إنـه ليقول عز وجل لرجل يا فلان أتذكر يوم عملت كذا وكذا يذكره عذلاته في الدنيا فيقول يا رب ألم تغفر لي قال بلى فبسعة مغفرتي نلت منزلتك هذه قال فبينما هم على ذلك إذ غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط فيقول ربنا عز وجل قدموا إلي ما أعددت لكم من الكرامة قال فنأتي سوقا من أسواق الجنة قد حفت بـه الملائكة لم تسمع بـه الآذان ولم تنظر إليه العيون ولم يخطر على القلوب قال فيحمل لنا فيها ما اشتهينا ليس يباع فيها شيء ولا يشتري وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم
بعضا قال فيلقى الرجل ذو المنزلة المرتفعة من هو دونـه فيروعه ما عليه من اللباس فما ينقضي حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منـه وذلك أنـه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها
قال ثم ننصرف إلى منازلنا فيتلقانا أزواجنا فيقلن مرحبا وأهلا بحبيبنا لقد جئت وأن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه فنقول إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار جل جلاله ويحق لما أن نقلب بمثل ما انقلبنا

44 المتحابون في الله
وروي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } المتحابون في الله في الدنيا هم في الجنة على عمود من ياقوتة حمراء في رأس العمود سبعون ألف غرفة يشرفون على أهل الجنة إذا اطلع أحدهم ملأ حسنـه بيوت أهل الجنة نورا كما تملأ الشمس بيوت أهل الدنيا قال فيقول أهل الجنة أخرجوا بنا ننظر إلى المتحابين في الله فيخرجون فينظرون في وجوههم مثل القمر ليلة البدر عليهم ثياب خضر مكتوب في جباههم بالنور هؤلاء المتحابون في اله
وقال عليه الصلاة والسلام } إن أهل الجنة إذا زاروا ربهم وأرادوا الانصراف يعطي كل رجل منـهم رمانة خضراء فيها سبعون حلة لكل حلة سبعون لونا ليس منـهم حلة تشبه الأخرى فإذا انصرفوا عن ربهم مروا في أسواق الجنة ليس فيها بيع ولا شراء وفيها من الحلل والسندس والإستبرق والحرير والرفرف والعبقري من درون وياقوت وأكاليل معلقة فيأخذون من تلك الأسواق من هذه الأصناف ما شاؤوا ولا ينقص من تلك الأسواق شيئا وفيها صور كصور الناس من أحسن ما يكون من الصور مكتوب في نحر كل صورة منـها من تمنى أن يكون مثل صورتي جعل الله حسنـه على صورتي فمن تمنى أن يكون حسن وجهه مثل حسن تلك الصورة جعله الله على تلك الصورة قال ثم ينصرفون إلى منازلهم
45 خواتم الجنة
وقال النبي {صلى الله عليه وسلم} } إن أهل الجنة يعطيهم الله خواتم من ذهب يلبسونـها وهي خواتم الخلد ثم يعطيهم خواتم من درون وياقوت ولؤلؤ وذلك إذا رأوا ربهم في داره دار السلام {
46 نوق الجنة

وروي عن بعض العلماء أنـه قال بينا أهل الجنة يتحدثون في ظل طوبى إذ يأتيهم الملائكة بنوق مزمومة بسلاسل الذهب كأن وجوهها المصابيح من حسنـها ذلك من غير تهيئة نجب من غير رباية عليها رحائل الذهب وكسوتها سندس واستبرق حتى ترفع إليهم ثم يسلموا عليهم فيقولون إن ربكم بعث إليكم بهذه الرواحل لتركبوها فتزوره وتسلمون عليه قال فيتحول كل واحد منـهم على راحلته ثم يسيرون بها صفا في الجنة الرجل منـهم إلى جنب صاحبه لا يجاوز أذن ناقة منـها أذن صاحبتها ولا ركبة ناقة منـها ركبة صاحبتها وإنـهم ليمرون بالشجرة من شجر الجنة فتتأخر من مكانـها فإذا وقفوا بين يدي الرحمن تبارك وتعالى أسفر لهم عن وجهه الكريم وتجلى لهم فيسلمون عليه ويرحب بهم ويقال إن سلامـهم عليه أن يقولوا ربنا أنت السلام ومن عندك السلام ولك حق الجلال والإكرام فيقول لهم الجليل جل جلاله وعليكم سلام مني وعليكم رحمتي وكرامتي مرحبا وأهلا بعبادي الذين أطاعوني بالغيب وحفظوا وصيتي فيقولون لا وعزتك ما قدرناك حتى قدرك وما أدينا إليك كل حقك ائذن لنا أن نسجد لك فيقول إني قد رفعت عنكم مؤنة العبادة وأفضيتم إلي كرامتي
47 أماني أهل الجنة
وبلغ الوعد الذي وعدت لكم فتمنوا فإن لكل إنسان منكم ما تمنى فيتمنون فيعطي كل واحد منـهم ما يمني ثم يزيدهم تبارك وتعالى من فضله وكرمـه ما لم تبلغ إليه أمانيهم وأنشدوا
يا راغب الحور الجمم
والدل والشكل وحسن الشيم
الناعمات الدائمات الرضى
في جنة الفردوس مأوى النعم
أرفض بدار زهرها زائل
واغتنم الصحة قبل السقم
وابدر إلى الرؤية مستبصرا
واعتنق التشـهيد عند الظلم
واستغفر الله لما قد مضى
واستشعر الخوف وطول الندم
تفز بما تطلب من لذة
وتأمن البلوى وعقبى النقم

10 مجلس في قوله تبارك وتعالى { كل نفس ذائقة الموت } 248 قيل لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة متنا وعزة الله فعند ذلك أيقن كل ذي عقل وروح أنـه هالك
وأنشدوا
أيضحك من للموت فيه نصيب

وينعم عيشا إن ذا لعجيب
ويأكل والأيام تأكل عمره
وليس له جسم لذاك يذوب
ومن عرف الرحمن لم يهن قلبه
نعيم ولم ينفك عنـه نحيب
بعدت عن الورد الرضي بزلة
وبي قطعت دون الوصول ذنوب
قال الله تعالى { كل نفس ذائقة الموت } آل عمران 185 يموت كل صغير وكبير يموت كل أمير ووزير يموت كل عزيز وحقير يموت كل غني وفقير يموت كل نبي وولي يموت كل نجي وتقي يموت كل زاهد وعابد يموت كل مقر وجاحد يموت كل صحيح وسقيم يموت كل مريض وسليم كل نفس تموت غير ذي العزة والجبروت
وأنشدوا
ألا كل مولود فللموت يولد
ولست أرى حيا عليها يخلد
تجرد من الدنيا فإنك إنما
خرجت من الدنيا وأنت مجرد
وأنت وإن خولت مالا وكثرة
فإنك في الدنيا على ذاك أوحد
وأفضل شيء نلت منـها فإنـه
متاع قليل يضمحل وينفد
فكم من عزيز أعقب الذل عزه
فأصبح مذموما وقد كان يحمد
} فلا تحمد الدنيا ولكن فذمـها
وما بال شيء ذمـه الله يحمد
49 ذكر الموت
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال أكثروا ذكر هازم اللذات ومفرق الجماعات
وتوسدوه إذا نمتم واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم واعمروا بـه مجالسكم فإنـه معقود بنواصيكم يعني بما وكل بـه منكم ويفسد نعيمكم ويخرب مصانعكم ويفنيكم كما أفنى من كان قبلكم فلا تنسوه فإنـه لا ينساكم ولا تغفلوا عنـه فإنـه ليس بغافل عنكم
وأنشدوا
يا جار أحبابه شـهورا
وجار أمواته دهورا
ليس سرورا يعود حزنا
إذا تأملته سرورا
وروي عن عيسى عليه السلام أنـه قال ما من مولود يولد إلا وفي سرته من تراب الأرض التي يموت فيها
وأنشدوا
أمر على المقابر كل حين
ولا أدري بأي الأرض قبري
وأفرح بالغني إن زاد مالي
ولا ابكي على نقصان عمري
ما أحسن حال من ذكر الموت فعمل لخلاصه قبل الفوت وأشغل نفسه بخدمة مولاه وقدم من دنياه لأخراه ورغب في دار لا يزول نعيمـها ولا يهان كريمـها
وأنشدوا
الموت لا شك آت فاستعد له
إن اللبيب بذكر الموت مشغول
فكيف يلهو بعيش أو يلذ به
من التراب على عينيه مجعول

روي عن أبي ذر رضي الله عنـه أنـه قال يا رسول الله أي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنـهم له استعدادا
50 حكاية عن الربيع
وقيل للربيع رحمـه الله ألا تجلس معنا نتحدث فقال إن ذكر الموت إذا فارق قلبي ساعة فسد على قلبي
وأنشدوا
ما أغفل الناس عن وعيد
قربه الليل والنـهار
والعار ما جرت المعاصي
وليس في النائبات عار
ويحك ما تصنع المنايا
تأتي فتخلى لها الديار
فلا قلوب لها عيون
ولا عيون لها اعتبار
عباد الله اسعوا في فكاك رقابكم وأجهدوا أنفسكم في خلاصها قبل أن تزهق فوالله ما بين أحدكم وبين الندم والعلم بأنـه قد زلت بـه القدم إلا أن يحوم عقاب المنية عليه ويفوق سهامـها إليه فإذا الندم لا ينفع وإذا العذر لا يصنع وإذا النصير لا يدفع وإذا الشفيع لا يشفع وإذا الذي فات لا يسترجع وإذا البائس المحابي بـه في النجاة لا يطمع
فكأني بك يا أخي وقد صرخ عليك النسوان وبكى عليك الأهل والإخوان وفقدك الولدان ونفخ لفرقتك الجيران ونادى عليك المنادي قد مات فلان بن فلان
ثم نقلت عن الأحباب وحملت إلى أرماس التراب وأضجعوك في محل ضنك قصير السمك مـهول منظره كثير وعره مغشى بالوحشة
عرفته مـهول الصريح مطبق الصفيح على غير مـهاد ولا وداد ولا مقدمة زاد ولا استعداد
وأنشدوا
المرء يخدعه مناه
والدهر يسرع في بلاه
يا ذا الشبية لا تكن
ممن تعبده هواه
واعلم بأن المرء مرتهن
بما كسبت يداه
والناس في غفلاتهم
والموت دائرة رحاه
} الحمد لله الذي
يبقى ويهلك ما سواه
51 سكرات الموت
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه لما احتضر جعل يقول } لا إله إلا الله إن للموت
لسكرات وروي عنـه {صلى الله عليه وسلم} أنـه كان يقول وعنده قدح ماء عند موته وكان يدخل يده فيه ويمسح بالماء على وجهه ويقول مرة بعد مرة اللهم هون علي سكرات الموت
وروي عنـه {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } لو أن ألم شعرة من شعر الميت وضع على أهل السماوات والأرض لماتوا أجمعين { لأن في كل شعرة ألم الموت ولا يقع الموت ولا يحل في شيء إلا مات

وروي أنـه قال لو أن قطرة وضعت على جبال الدنيا كلها لزالت
وأنشدوا
} تيقظ للذي لا بد منـه
فإن الموت ميقات العباد {
} يسرك أن تكون رفيق قوم لهم زاد بغير زاد
52 آلام الموت
روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنـه قال لكعب يا كعب حدثنا عن الموت فقال يا أمير المؤمنين هو غصن كثير الشوك ادخل في جوف رجل حتى إذا أخذت كل شوكة بعرق ثم جذبه رجل شديد الجذب فقطع ما قطع وأبقى ما أبقى
وأنشدوا
} ألا أيها المغرور والموت نحوه خلقت له تحدو إليه الركائب {
} أغرك حلم الله أم لست موقنا
بأنك مبعوث غدا ومحاسب {
} بأيسر من مثقال حبة خردل وإنك مجزي بما أنت كاسب {
روي عن الحسن رحمـه الله أنـه قال لما مات خليل الرحمن اجتمعا إليه أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامـه عليهم أجمعين فقالوا إن الله تعالى اتخذك خليلا من بين سائر الأنبياء والرسل فإن كان الموت خفف عن واحد فأنت هو فأخبرنا كيف وجدت طعم الموت
53 طعم الموت
فقال أواه وجدته والله شديدا والذي لا إله غيره هو أشد من الطبخ في القدور والقطع بالمناشير أقبل ملك الموت نحوي بكلوب من حديد فأدخله في كل عضو مني ثم استل الروح من كل عضو حتى جعله في القلب ثم طعن في القلب طعنة بحربته المسمومة بسم الموت فلو أني طبخت في القدور سبعين مرة لكان أهون علي
فقالوا يا إبراهيم لقد هون الله عليك الموت فإذا كان هذا حال الأنبياء فما يصنع بالمخطئين كفى بالموت طامة
وإذا بجبريل {صلى الله عليه وسلم} عندهم يسمعهم فقال لهم يا أرواح الطيبين ما بعد الموت أشد وأطم وأعظم من الموت
وأنشدوا
وما الناس إلا هالك وابن هالك
وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
له عن عدو في ثياب صديق
54 داود والذرة
ذكر في بعض الأخبار أن داود عليه الصلاة والسلام كان في محرابه فإذا بدودة كالذرة فقال داود في نفسه ما يعبأ الله بهذه الدودة فأنطقها سبحانـه وقالت والله يا داود إني أعبد الله سبحانـه وتعالى وأخافه وأسأله أن يهون علي الموت

وأنشدوا
} يحب الفتى طول البقاء وإنـه على ثقة أن البقاء فناء
زيادته في الجسم نقص حياته وليس على نقص الحياة نماء
إذا ما طوى يوما طوى اليوم بعضه ويطويه من بعد الصباح مساء
جديدان لا يبقى الجميع عليهما ولا لهما بعد الجميع بقاء
ذكر في بعض الأخبار أن الله سبحانـه وتعالى قال لإبراهيم {صلى الله عليه وسلم} لما مات يا خليلي مت قال يا الهي مت قالها ورددها عليه ثلاثا قال يا خليلي كيف وجدت طعم الموت قال كسفود محمي جعل في صوف رطب ثم جذب
قال أما أنت فقد هونا عليك الموت
وأنشدوا
} أرى المرء يبكي للذي مات قبله وموت الذي يبكي عليه قريب
وما الموت إلا في كتاب مؤجل إلى ساعة يدعى له فيجيب
55 موسى وموعظته
وروي أن موسى صلوات الله وسلامـه عليه لما صارت روحه إلى الله سبحانـه قال يا موسى كيف وجدت الموت قال وجدت نفسي كالعصفور حين يقلى على المقلاة لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير
وفي رواية أخرى قال وجدت نفسي كشاة حية تسلخ بيد القصاب
وأنشدوا
الموت لا والدا يبقي ولا ولدا
هو السبيل إلى أن لا ترى أحدا
مات النبي فلم يخلد لأمته
لو خلد الله حيا قبله خلدا
للموت فينا سهام غير مخطئة
من فاته اليوم سهم لم يفته غدا
ما ضر من عرف الدنيا وغدرتها
ألا ينافس فيها أهلها أبدا
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال
لو علمت الطير والبهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منـها سمينا
56 نوح وخوفه
وروي عن وهب بن منبه أنـه قال قام نوح عليه السلام خمسمائة عام لا يقرب النساء وجلا من الموت وهو المطلع
وروي أن عيسى صلوات الله وسلامـه عليه قال للحواريين أدعوا الله أن يخفف عني سكرات الموت
وأنشدوا
} قد سقاك الهوى الأماني فاستطبت المقام تحت التداني
وتصاممت عن نداء الأماني
لاهيا عن وقائع الحدثان
} وإذا عارضتك خطرة ذكر
بادأتك الطباع بالنسيان
57 سكرات الموت

وفي بعض الأخبار للموت ثلاثة آلاف سكرة كل سكرة منـها أشد من ألف ضربة بالسيف وفي بعض الأخبار أن الدنيا كلها بين يدي ملك الموت كالمائدة بين يدي الرجل يمد يده إلى ما شاء منـها فيتناوله ويأكله
بل الدنيا كله مشارقها
ومغاربها برها وبحرها وكل ناحية منـها أقرب إلى ملك الموت من الرجل على مائدته وإن معه أعوانا الله أعلم بعدتهم ليس منـهم ملك إلا لو أذن الله له أن يلتقم السموات السبع والأرضين السبع في لقمة واحدة لفعل وما تقرب ملك الموت من حملة العرش إلا ازدادوا فزعا منـه حتى يرعدوا وإن غصه من غصص الموت أشد من ألف ضربة بالسيف وفي كل ما خلق الله عز وجل البركة إلا في الأجل فإنـه مؤقت لوفاء العدة وانقضاء المدة
وأنشدوا
للمنايا رحى عليك تدور
كلنا جاهل بها مغرور
رحم الله من بكى للخطايا
كل باك فذنبه مغفور
يا ابن آدم ما أغفلك وعن الصواب ما أبعدك كأنك بالموت قد فاجأك وملك الموت قد وافاك فيئس منك الطبيب وفارقك الحبيب وتفجع لفقدك كل قريب
فوقعت في الحسرة وجفتك العبرة وبطل منك اللسان بعد الفصاحة والبيان وأدرجت في الأكفان وأزعجت عن الأوطان وصار القبر مأواك وإلى يوم القيامة مثواك
وفارقك الأهل والإخوان ووقع بهم عنك السلو والنسيان فإن كان لك منزل سكنوه أو كنت ذا مال اقتسموه
وأنشدوا
يا عجبا للأرض ما تشبع
وكل حي فوقها يفجع
ابتلعت عادا فأفنتهم
وبعد عاد أهلكت بتبع
وقوم نوح أدخلت بطنـها
فظهرها من جمعهم بلقع
يا أيها الراضي بما قد مضى
هل لك فيما قد مضى مطمع
58 اذكر الموت
يا هذا اذكر ما وصفته واحفظ ما حكيته وعليك بالصوم والاجتهاد والطاعة لرب العباد ومراقبته في الليل والنـهار والتضرع إليه في ظلمات الأسحار
يا هذا عمرك أنفاس معدودة وعليك رقيب يحصيها لا تنس الموت فإنـه لا ينساك
المبادرة المبادرة إنما هي أنفاس لو حبست عنك لانقطع عنك عملك آخر الأبد وخروج نفسك آخر الأمد وفراق أهلك آخر العدد
وأنشدوا

} إذا ما الموت جر على أناس كلا كله أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا
فاذكر حالك أيها الغافل يوم تقلبك على المغتسل يد الغاسل قد زال عزك عنك وسلب مالك منك وأخرجت من بين أحبابك وجهزت لترابك وأسلمت إلى الدود وصرت رهنا بين اللحود وبكى عليك الباكون قليلا ثم نسوك دهرا طويلا فتغيرت منك المحاسن والمحلى وتحكم في أعضائك البلى وقطعت في الأكفان وسعى إليك الديدان فبلى منك اللسان وسالت الحدق كأنك لم تكن قط ممن رأى ولا نطق
وأنشدوا
فلو أنا إذا متنا تركنا
لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا
ونسأل بعدها عن كل شيء
ابن آدم كأنك بالموت قد حل بساحتك وحال بينك وبين ما تريد وأنت في النزع والكرب الشديد لا والد يدفع عنك ولا وليد ولا عدة تنجيك ولا عديد ولا عشيرة تحميك ولا قصر مشيد
أليس ذلك نازل بك على كل حال أي وعزة الكبير المتعال فإنك الآن حين ينفعك البكاء والاستكانة قبل حلول الحسرة والندامة
وأنشدوا
يا من يموت ويسأل
عما يقول ويفعل
إن الموكل بالنفوس
إذا أتى لا يمـهل
والنار منزل من عصى
والنار بئس المنزل
59 موعظة حسنة
يا ابن آدم بادر إلى حسن العمل بينا أنت في فسحة ومـهل وتب إلى مولاك من قبيح الخطايا والزلل قبل أن يقال فلان عليل أو مدنف ثقيل فهل إلى دوائه سبيل أو على طبيب من دليل فتدعى لك الأطباء ويجمع لك الدواء فلا يزيدك ذلك إلا بلاء
وقد اجتمعه عندك الإخوان والأحباء والأهل والأقرباء وكثر حولك البكاء ثم يقال حشرج ونفسه توشك أن تخرج وأنت تعاين الأمر العظيم بعد اللذة والنعيم وعدلت ببصرك عن القريب والحميم وحل بك القضاء وخرجت الروح من الأعضاء ثم عرج بها إلى السماء فيا لها من سعادة أو شقاء
وأنشدوا
} فلو يكن شيء سوى الموت والبلى وتفريق أعضاء ولحم مبدد
لكنت حقيقا يا ابن آدم بالبكا
على نائبات الدهر مع كل مسعد

فاستعذ من ذنوبك يا مسكين قبل عرق الجبين وانتشار العرقين وقبل مد الشمال وقبض اليمين وتضعيف قوتك بالأنين ويكثر حواليك البكا والحنين وجرت دموعك لمفارقة الأهل والبنين ولا ينفعك ما جمعت من الأموال في الشـهور والسنين ثم أنت في قبرك لعملك رهين إلى يوم عرضك على أسرع الحاسبين
قد تغير جسمك في الجنادل والتراب بعد تنعمك بدقائق الشباب
وأنشدوا
من لم يطأ منا التراب برجله
وطئ التراب بنضرة الخد
لو كشفت للناس أغطية البلى
لم يعرفوا المولى من العبد
من كان بينك في التراب وبينـه
شبران كان بموضع البعد
60 أسماء العباد
ذكر في بعض الأخبار أن لله سبحانـه وتعالى شجرة فرعها تحت العرش مكتوب على كل ورقة من أوراقها اسم عبد من عبيده فإذا جاء أجل العبد سقطت تلك الورقة التي فيها اسمـه في حجر ملك الموت فأخذ روحه في الوقت
وأنشدوا
} إني لعبت وحادي الموت في طلبي وإن في الموت شغل لي عن اللعب
لو شمرت مـهجتي فيما خلقت له ما اشتد حرصي على الدنيا ولا كلبي
سبحان ربي فلا شيء يعادله إن الحريص على الدنيا لفي تعب
لا تغترر بديار لا مقام بها واقصد لدارك إن الموت في الطلب
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } ما من يوم إلا وملكان يناديان يا أهل الدنيا ولدتم للموت وتبنون للخراب وأنتم محاسبون ومعذبون عند ربكم {
وأنشدوا
} عجبت لجازع باك مصاب بأهل أو حميم ذي اكتئاب {
} شقيق الجيب داعي الويل جهلا كأن الموت كالشيء العجاب {
} وسوى الله فيه الخلق حتى
نبي الله فيه لم يحابي {
} له ملك ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب {
} لمن نبني ونحن إلى تراب نعود كما خلقنا من تراب {
ألا يا موت لم أر منك بدا
أتيت فلا تحيف ولا تحابي
كأنك قد هجمت على مشيبي
كما هجم المشيب على الشباب
قيل مر رجل على خراب فسمع إنسانا ينشد هذه الأبيات
قل للذين بنوا ديارا عالية
وتنافسوا والموت منـهم دانية
شيدتموها راغبين وأنتم
تردوا القبور وتتركوها خالية
أين الملوك وأين ما قد جمعوا

وجيوشـهم وعبيدهم وزبانية
تحت التراب تقطعت أوصالهم
وأكفهم بعد الأعنة بالية
ثم قرأ { قل هو نبأ عظيم أنتم عنـه معرضون } ص 68
61 نوح وزهده
ذكر في بعض الأخبار أن جبريل عليه السلام هبط على نوح عليه السلام قال فوجده قد عمل خصا على البحر فقال أيش هذا يا نوح فقال يا جبريل هذا لمن يموت كثير فقال له جبريل عليه السلام لتأتين أمة أعمارهم من الستين إلى السبعين يبنون بالحصى والآجر والحجر فقال نوح عليه السلام ما كان على هؤلاء إنـهم يستفون الرماد حتى يموتوا
وأنشدوا
} لو كنت تعقل يا مغرور ما برقت عيناك للناس من خوف ومن حذر
} ما بال قوم سهام الموت تخطفهم يفاخرون برفع الطين والمدر
62 عيسى والجمجمة
روي أن عيسى عليه السلام مر بجمجمة فقذفها برجله وقال تكلمي بإذن الله تعالى قالت يا روح الله أنا مالك زمام كذا وكذا بينا أنا جالس في ملكي وعلى رأسي تاجي وحولي جنودي وحشمي إذ بدا لي ملك الموت فأزال مني كل عضو على حياله ثم خرجت نفسي فيا ليت ما كان من ذلك الجمع كان فرقة وما كان من ذلك الأنس كان وحشة
فما ظنك يا عاصي بصفحة ملك الموت إذا بدت وعاينتها عند كشف الغطاء فتنظر إليها بطرف كليل وقلب وجل ثم تسل الروح للخروج فلا تخرج حتى تسمع نغمة ملك الموت بإحدى البشارتين ابشر يا عدو الله بالنار أو ابشر يا ولي الله بالجنة
وأنشدوا
يخيل لي بكاء القوم حولي
وقولهم ألا أزف الرحيل
وما يغني البكاء إذا تقضى
لدى عمري وإن كثر العويل
فخذ للموت أهبته فأما
نجاة بعد أو هول طويل
63 عمرو بن العاص عند موته
روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنـهما أنـه قال لإبنـه عند الموت ليتني ألقي رجلا عاقلا عند نزول الموت يخبرني بما يجد فقال له ابنـه قد نزل بك الموت فصف لي الذي تجد فقال لي يا بني كأن في تحت وكأن غصن شوك يخرج من قدمي إلى هامتي وكأني أتنفس من سم إبرة
ثم مد يده وقال اللهم لا قوي فأنتصر ولا بريء فأعتذر اللهم إني مقر مذنب مستغفر

ثم مات رضي الله عنـه
وأنشدوا
} للموت فاعمل بجد أيها الرجل واعلم بأنك من دنياك مرتحل
إلى متى أنت في لهو وفي لعب تمسي وتصبح في اللذات مشتغل
كأنني بك يا ذا الشيب في كرب بين الأحبة قد أودى بك الأجل
لما رأوك صريعا بينـهم جزعوا وودعوك وقالوا قد مضى الرجل
فاعمل لنفسك يا مسكين في مـهل ما دام ينفعك التذكار والعمل
إن التقي جنان الخلد مسكنـه ينال حورا عليها التاج والحلل
} والمجرمين بنار لا خمود لها في كل وقت من الأوقات تشتعل
64 سليمان وملك الموت
روي أن ملك الموت كان صديقا لسليمان عليه السلام وكان يزوره أبدا فدخل عليه يوما وعنده رجل يكلمـه سليمان فجعل ملك الموت ينظر إلى الرجل الذي مع سليمان نظرا منكرا فقال الرجل لسليمان بعد خروج ملك الموت يا نبي الله من هذا الداخل عليك آنفا فقال ملك الموت فقال له لقد رايته يجد النظر إلي ولكن لي إليك حاجة قال وما هي قال تأمر الريح أن تحملني إلى الهند
فأمر سليمان الريح فحملته إلى الهند ثم قال سليمان بعد أيام لملك الموت وجدت عندي منذ أيام رجلا فنظرت إليه نظرا منكرا فقال ملك الموت كنت
أعجب منـه أمرت بقبض روحه في ذلك اليوم بجزائر الهند وهو عندك بالشام
فقبض روحه في ذلك اليوم بالهند
وأنشدوا
الموت بحر يهاب المرء مورده
وكل يوم له من كأسه جرع
لا صحة المرء في الدنيا تؤخره
ولا يقدم يوما موته الوجع
وكل يوم علينا في فجائعه
طير يحوم فلا ندري بمن يقع
65 سعيد بن المسيب والجني
روي أن سعيد بن المسيب دخل يوما مسجد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فجعل يلتفت في أركان المسجد يتفكر فيمن أدرك من أصحاب النبي {صلى الله عليه وسلم} ثم بكى وجعل يقول
} ألا ذهب الحماة واسلموني فوا اسفا على فقد الحماة
تولوا للقبور فاسقموني فوا اسفا على فقد الثقاة
فأجابه هاتف من ركن المسجد بصوت محزون من كبد مشجون وهو يقول
فدع عنك الثقاة فقد تولوا ونفسك فابكها حين الممات
فكل جماعة لا بد يوما يفرق بينـهم وقع الشتات

فقال سعيد من أنت فقد زدتني حزنا فقال أنا من مؤمني الجن كنا في هذا المسجد سبعين رجلا فأتى الموت على جماعتنا كما أتى على جماعتك ولم يبق منـهم غيري كما لم يبق من الإنس غيرك وإنا بهم لاحقون فإنا لله وإنا إليه راجعون
وأنشدوا
جرت الرياح على جميع ديارهم فكأنما كانوا على ميعاد
} فأرى النعيم وكل ما يلهى بـه يوما يصير إلى بلى ونفاد
66 صلحاء الجن
وذكر عن بعض العباد أنـه كان يصلي فقرأ هذه الآية { كل نفس ذائقة الموت } آل عمران 185 الأنبياء 35 العنكبوت 57
وجعل يتدبرها ويرددها فسمع قائلا يقول يا هذا كم تردد هذه الآية فوالله لقد قتلت بها أربعة من الجن ما رفعوا رؤوسهم إلى السماء قط حياء من الله تعالى ولقد ماتوا من ترديدك هذه الآية
وأنشدوا
ليس ينجو المقصوص من ملك الموت
إذا جاءه ولا الطيار
للمنايا وإنما للمنايا
خلق الطفل والشيوخ الكبار
كم رأينا من سادة وملوك
ما على الأرض منـهم ديار
67 العبد وربه
حكي عن بعض العارفين أنـه قال إن الله سبحانـه يسر إلى عبده سرين يخبره ذلك بإلهام يلهمـه أحدهما إذا ولد وخرج من ظلمة بطن أمـه يقول له عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرا نقيا نظيفا وسر عند خروج روحه يقول له عبدي ما صنعت في أمانتي عندك هل حفظتها حتى تلقاني على الوفاء والعهد والرعاية فألقاك بالوفاء والجزاء أو ضيعتها فألقاك بالمطالبة والعذاب وأنشدوا
} يا من تقدم جده وابوه وصديقه سكن الثرى وأخوه
وغدا إلى دار البلى أترابه ومضى إلى حفر القبور بنوه
ورأى مصارع إخوة وقرابة بين الثرى في برزخ سكنوه
ألا أتيت قبورهم فسألتها عنـهم وعن ما في القبور لقوه
فلتخبرنك أن أحكام البلى تجري عليهم هموا وطنوه
وليخبرنك أنـهم وجدوا الذي عملوه مكتوبا كما عملوه
ما زادت الحفظاء في أعمالهم مثقال خردلة ولا نقصوه
يا معشر الإخوان إن سبيلكم كسبيلهم في كل ما سلكوه
ولكم نصيب في البلى كنصيبهم وكأنـه قد حل فانتظروه

ومحجب قد غرهم بحجابه لما أتاه الموت ما حجبوه
لكنـهم سجوه فوق سريره وتكفلوه بأربع حملوه
ساروا بـه حتى إلى دار البلى بيت له تحت الثرى قبره
حتى إذا ما غيبته أكفهم بين الجنادل في الثرى تركوه
} وتفرقوا على بابه وتبدلوا وتبدلوا بابا سواه وغيروا ونسوه
68 عمر بن الخطاب وعظته
روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنـه قال أكثروا من ذكر هازم اللذات فإنكم لا تذكرونـه في قليل إلا كفى وأجزى ولا في كثير إلا قلله
فالله الله عباد الله اجتهدوا واستعدوا للموت وبادروا آجالكم قبل الفوت تفوزوا بالجنان في دار الرحمن
وأنشدوا
لملك الموت في الدنيا ديون
تحل فليس يمطلها المطول
وكل العالمين بها ملي
فليس له على أحد جميل
سواء إذ يحل على غريم
عليه ذو التعزز والذليل
فالله الله معاشر المسرفين لا تغتروا بالعز والمال فإن الموت لا يهاب الكبير الجليل ولا يرحم الحقير الذليل فكونوا منـه على حذر وأعدوا له صالح الأعمال من قبل أن يأتي يوم لا حيلة فيه لمحتال
يا إخواني إلى كم هذه الغفلة إلى كم هذا التمادي في البطالة والاغترار بالمـهلة وأنشدوا
يا أيها الناس كان لي أمل
قصر عن بلوغه الأجل
ما أنا وحدي نقلت حيث تروا
كل إلى مثله ينتقل
فليتق الله ربه رجل
أمكنـه في حياته العمل
69 حث النبي أصحابه على ذكر الموت
روي أن النبي {صلى الله عليه وسلم} كان في بيت بعض نسائه إذ سمع صوتا في مجلس من مجالس أصحابه وقد استعلى على حديثهم الضحك فخرج عليهم صلوات الله وسلامـه عليه حتى قام على رؤوسهم فقال أرى الضحك قد غلب على مجلسكم هذا أفلا تذكرون مكدر اللذات في أثناء حديثكم قالوا وما مكدر اللذات يا نبي الله قال ذكر الموت فبكى أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بأجمعهم

فإذا كان أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مصابيح الإسلام وقادة الأنام السادة الكرام رجع ضحكهم بكاء من هول يوم ال وقد أفنوا أعمارهم في طاعة ذي الجلال والإكرام وقطعوا أيامـهم في العمل بالسنة والأحكام فكيف بمن تمادى في المعاصي والإجرام والطغيان والآثام وأكلوا الربا والحرام وأموال الضعفاء والأيتام
وأنشدوا
} الموت في كل حين ينشر الكفنا ونحن في غفلة عما يراد بنا
لا تطمئن إلى الدنيا وزهرتها وإن توشحت من أثوابها المحنا
أين الأحبة والجيران ما فعلوا أين الذين همو كانوا لنا سكنا
سقاهم الدهر كأسا غير صافية
فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا
فالله الله معاشر المذنبين لا تشغلوا عمن يطلبكم ولا تنسوا من لا ينساكم وقد خلقكم الله تعالى وخلق آجالكم من قبل أن تأتي ساعة السكرات والندم على ما فات فهيهات هيهات ثم هيهات هيهات
وأنشدوا
إسمع فقد أسمعك الصوت
إن لم تبادر فهو الفوت
بل كان ما شئت وعش سالما
آخر هذا كله الموت
يا أخي إذا جاءك الموت لا ينفعك ما جمعته ولا ينجيك ما اكتسبته فامـهد لنفسك قبل مفارقة الأحباب والجيران والأصحاب والخروج من الديار إلى منازل الدود والتراب وبيوت الوحشة والعذاب إلا أن يعفو الملك الوهاب فتفكروا يا أولي الألباب يا معشر الشيب والشباب
وأنشدوا
مضى أمسك الماضي شـهيدا معدلا
وأعقبه يوم عليك شـهيد
فإن تك بالأمس اجترحت إساءة
فبادر بإحسان وأنت حميد
ولا تبق فعل الصالحات إلى غد
لعل غدا يأتي وأنت فقيد
إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت
حميمك فاعلم أنـها ستعود
70 ذكر الموت والعمل
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } ما أكثر رجل ذكر الموت إلا زاد ذلك في عمله فيا إخواني أكثروا ذكره لعل الله أن يهونـه عليكم ويرحمكم عند نزوله بكم واجعلوا الموت عند منامكم مـهادا وعند قيامكم سهادا
واستعدوا بكثير الحسنات واجتناب الأوزار والسيئات
فرحم الله امرأ رحم نفسه ونظر إليها وذكر رمسه
وأنشدوا
نغص الموت ويحكم كل طيب
ودهاني بفقد كل حبيب

كم وكم قد رأيت من حدث السن
عزيز كغصن بان رطيب
حس بالموت فانثنى بانكسار
واضعا خده بذل عجيب
قائلا إخوتي سلام عليكم
إذ دنت شمس مدتي بالمغيب
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } ما أكثر رجل ذكر الموت إلا ترك الفرح
والحيد والرغبة { يا أخي لو كان عندنا علم أنـه لا يموت منا إلا رجل واحد لا يعلم من هو فينا لكان الواجب علينا أن لا ترقأ لنا دمعة خوفا من الموت فكيف ونحن على يقين أنـه لا يبقى منا أحد
وانشدوا
يلقى الفتى حذر المنية كارها
منـها وقد حدقت بـه لو يشعر
نصبت حبائلها له من حوله
فإذا أتاه يومـه لا ينذر
إن امرأ أمسى أبوه وأمـه
تحت التراب لواجب يتفكر
تعطي صحيفتك التي أمليتها
فترى الذي فيها إذا ما تنشر
حسناتها محشوة قد أحصيت
والسيئات فأي ذلك أكثر
فابكوا معاشر المذنبين على ساعة لا بد منـها أما ترون الموت قد أفنى الأمم الماضية وقتل القرون الخالية وهدم القصور العالية عطل عشارهم وخرب ديارهم وهدم منازلهم وقطع آثارهم وقطف أعمارهم ولم ينفعهم ما جمعوا ولم يحصنـهم ما بنوا وصنعوا قد صاروا في القبور رميما ولقوا من الموت والأهوال أمرا عظيما فهذا دليل على أن الموت لا يترك أحدا من المخلوقين حتى يتوفاهم وينقلهم إلى التراب أجمعين
71 حكاية في الزهد
روي عن عمرو بن مرة أنـه قال ذكر عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رجل فأثنوا عليه فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كيف زهده في الدنيا وتركه لما يشتهي منـها قالوا إنـه ليصيب منـها
قال فكيف ذكره للموت قالوا ما سمعناه يكثر ذكره
قال ليس صاحبكم هناك فمن لم يكثر ذكر الموت ولا يترك الرغبة في حطام الدنيا فلا خير فيه والله أعلم
وأنشدوا
إنما الدنيا بلاغ
ليس في الدنيا ثبوت
إنما الدنيا كبيت
نسجته العنكبوت
ليس للطالب فيها
كل يوم غير قوت
كل من كان عليها
عن قليل سيموت
فالله الله بادروا العمر اليسير والأجل القصير قبل نزول ملك الموت بالهول العظيم الكبير فالموت يقصم الأصلاب ويذب الرقاب ويرد كل مخلوق إلى

التراب ويقرب المؤمن الطائع إلى الجنة المآب ويسوق الفاجر العاصي إلى أليم العذاب فتفكروا في الموت يا أهل الفناء والذهاب
وأنشدوا
هل للفتى من عثار الدهر من واق
أم هل له من الموت من راق
قد رجلوني وما بالشعر من شعث
ولبسوني ثيابا غير أخلاق
وكفنوني وقالوا أيما رجل
وأدرجوني كأني طي مخراق
هون عليك ولا تولع بإشفاق
فإنما مالنا للوارث الباقي
72 عظة ابن مسعود
روي عن ابن مسعود رضي الله عنـه أنـه قال ليس بغافل ولا ذاكر للموت من عد غدا من أجله فرب مستقبل يوما لا يستكمله ومؤمل غدا لا يبلغه لو أبصرتم الأجل ومروره لأبغضتم الأمل وغروره
فيا عجبا للفروع ذهبت أصولها وللنجوم قد آن أفولها
73 الداء والدواء
روي أن رجلا جاء إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنـها فقال يا أم المؤمنين إن بي داء فهل عندك دواء قالت وما داؤك قال القسوة قالت بئس الداء داؤك عد المرضى واشـهد الجنائز وتوقع الموت
فالله الله يا اعراض المنية ويا أبواب الرزية لا تنسوا الموت الذي كتبه الله على العباد المخرب الأقطار والبلاد وكونوا منـه على حذر واستعداد يا أبدان الأسقام ويا أعراض ال
أنشدوا
} من كان يعلم أن الموت مدرجه والقبر منزله والبعث مخرجه
وأنـه بين حيات ستنـهشـه يوم القيامة أو نار تنضجه
فكل شيء سوى التقوى بـه سمج وما اقام عليه من أسمجه
} ترى الذي اتخذ الدنيا له وطنا لم يدر أن المنايا سوف تزعجه
74 عظة عمر بن عبد العزيز
روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنـه أنـه كان يقول أيها الناس ما الجزع مما لا بد منـه وما الطمع فيما لا يرجى وما الحيلة فيما لا يزول وإنما
الشيء من أصله وقد مضت من قبلنا أصول نحن فروعها فما بقاء الفروع بعد الأصل فكل ما هو آت قريب

أيها الناس إنما أنتم في الدنيا أغراض تتنصل فيكم المنايا ونـهب للمصائب ومعدن للنوائب مع كل أكلة غصص ومع كل شربة شرق ألا تنالون نعمة إلا بفراق أخرى ولا يعمر فيكم معمر لا بهدم آخر من أجله وأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم فأين المـهرب مما هو كائن فالله الله يا إخواني لا تركنوا إلى طول الأمل ولا تنسوا اقتراب الأجل فالموت لا بد منـه
وأنشدوا
آه على سفرة بغير إياب
آه من حسرة على الأحباب
آه من سكرة بغير سراب
آه من ركبة بغير ركاب
آه من مضجعي وحيدا فريدا
بين فرش من الحصى والتراب
يا إخواني هل رأيتم أحدا خلد في الدنيا حتى تكونوا مخلدين أم أنتم من الرحيل إلى الآخرة على شك فتكونوا بالقرآن كافرين فوالله لو كان الأمر كذلك لخلد خاتم النبيين لقد رانت على قلوبكم سترة الغافلين واستحوذ على نفوسكم كيد الشيطان اللعين حتى نسيتم الموت المفرق لجمع الجامعين
وأنشدوا
ليس دوام البقاء للخلق لكن
دوام البقاء للخلاق
غلب الموت حيلة كل محتال
واعي بدائه كل راق
عطفت شدة الزمان فأدته
إلى فاقة وضيق خناق
لا يغرنك الغرور من الدنيا
فمنـها شدائد بسياق
75 القرآن والموت واعظان
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } تركت فيكم واعظين ناطقا وصامتا فالناطق القرآن والصامت الموت مساكين فلا بالقرآن عملتم ولا في الموت تفكرتم تمسون وتصبحون وقلوبكم معلقة بعلائق الدنيا ما عندكم من الموت خبر ولا أنتم منـه على حذر قلوبكم خالية من خوف الرحمن عامرة بخدوع الشيطان كأنكم قد أمنتم الموت وطوارق الحدثان
وأنشدوا
} ركبت جموح الغي في سبل الصبا لم تدر أن النائبات تنوب
وجررت أذيال البطالة لاهيا
كأنك لم يكتب عليك ذنوب
أمليت كتاب الشمال صحائفا
بكثرة ما تأتي ولست تتوب
ومـهما يغب عنك ال لمدة
ستبلغها حتما وأنت كئيب
فقل لي إذا وافى على غير أهبة
بأي جواب إن دعيت تجيب

فالله الله عباد الله عظوا أنفسكم بآبائكم وأحبابكم وجيرانكم وإخوانكم فإن في ذلك بلاغا لم تذكر وعبرة لم تفكر إخوانكم كانوا بالأمس معكم يأكلون ما تأكلون ويلبسون مما تلبسون فاصبحوا اليوم وقد صارت القبور لهم بيوتا وصاروا بين أطباق الثرى خفوتا قد قسم الوارث أموالهم ونكح العدو والصديق عيالهم وأهان العدو أطفالهم
قد هتكت منـهم الأستار واستوحشت منـهم الديار وتحدثت عنـهم الأخبار
وأنشدوا
رأيت الموت لا يبقي خليلا
على خل وإن عاشا زمانا
فكن منـه على حذر فإني
رأيت الموت لا يعطي أمانا
أنسنا غرة منـه كأنا
بما نعني بـه يعني سوانا
وكم للموت من دار ودار
أبان عميرها عنـها فبانا
فكم ذي نخوة وعزيز قوم
أذل الموت عزته فهانا
كأنا قد نظرنا عن قريب
إلى ما قد وعدناه عيانا
76 شدة الموت
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه ذكر الموت وغمـه وكربه فقال } هو أشد من ثلاثمائة ضربة بالسيف فيا معشر الموقنين بنزوله ما هذه الفترة وما هذه السكرة من ذكر الموت قل فرحه وحسده ورغبته
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه كان إذا رأى فترة أو غفلة من الناس وقف بباب المسجد فأخذ بأعضاد الباب ثم صاح بأعلا صوته يا أيها الناس الموت الموت جاءكم الموت بالوحية سعادة أو شقوة جاءكم الموت بما جاء بـه بالروح والراحة والكرامة الرابحة في جنة عالية لأولياء الله من أهل دار الخلود الذين سعيهم لها ورغبتهم فيها ألا إن لكل ساع غاية وغاية كل ساع الموت جاءكم الموت بما جاء بـه بالخزي والندامة والمكرمة الخاسرة في نار حامية لأولياء الشيطان من أهل
دار الغرور الذين سعيهم لها ورغبتهم فيها ألا إن لكل ساع غاية وغاية كل ساع الموت فسابق ومسبوق
فالله الله يا إخواني كونوا من السابقين ولا تكونوا من الخاسرين وكونوا من الموت على تحقيق ويقين
وأنشدوا
أراك بما ترضى بـه النفس والهوى
ويغضب منـه الله صرت تدين
وقلبك لا يزداد إلا قساوة
فداركه بالذكرى عساه يلين
فإن كنت في شك من الموت فاعتبر

بمن قد مضى يزداد منك يقين
كأني بك استغرقت في غمراته
وجاءك من بعد الحراك سكون
وقد حشرجت في الصدر منك وأسلبت
بأدمعها تجري عليك عيون
فقل لي إذا وسدت ويحك في البلى
وهيل عليك الترب كيف تكون
77 تمني الموت
عباد الله تذاكروا أعماركم قبل الفوت وتأهبوا لأهوال غصص الموت
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } لا تتمنوا الموت فإن هول المطلع شديد وإن من سعادة المرء أن يرزقه الله تعالى الإنابة إليه ويطيل عمره فإنا لله وإنا إليه راجعون على من طال عمره وساء عمله ولا تنفعه الموعظة فمن كان منا كذلك فقد عظمت خسارته وما ربحت تجارته
وأنشدوا
} نودي بصوت أيما صوت ما أقرب الحي من الموت
كأن أهل الحي في غيهم قد أخذوا أمنا من الموت
كم من صحيح عامر بيته لم يمس إلا خارب البيت
} كم وكم حي بكى ميتا فأصبح الحي مع الميت
78 دعاء مجرب
اللهم يا أكرم الأكرمين تفضل علينا وعلى جميع المذنبين بتوبة تنقلنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة وثبتنا عليها حتى تخرجنا من الدنيا بلا ذل ولا تباعه على منـهاج أهل السنة والجماعة الذين أوجبت لهم الرحمة والشفاعة اللهم إن الطاعة بقدرك والمعاصي وفي قبضتك القلوب والنواصي فطهر قلوبنا بماء
التوبة واغسلها من دنس الحوبة ومتعنا بالسلامة في ديننا ودنيانا ما أبقيتنا ولا تردنا على أعقابنا بعد إذ هديتنا وصلى الله على محمد خاتم النبيين وخير المرسلين واحشرنا تحت لوائه أجمعين على منـهاجه وسنته غير مبدلين ولا مغيرين موفقين معصومين غير مغضوب علينا ولا ضالين يا أرحم الراحمين { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } يونس 10 ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
والله أعلم

1 مجلس في موت الأنبياء والأولياء الصالحين

279 وهو قوله تعالى { كل نفس ذائقة الموت } آل عمران 185 معاشر الموتى وأبناء الموتى أنتم موتى بلا محالة وإنما سبقكم إخوانكم إلى مناخ القبور فإذا استكمل ولد آدم من أولهم وآخرهم قام الكل للعرض والنشور على الملك الغفور فاستعدوا لذلك المقام واجتنبوا الأوزار والآثام وبادروا بالتوبة قبل نزول ال
80 صفة الموت
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } الموت غصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل أخذت كل شوكة بعرق ثم جذبه رجل شديد الجذب فأخذ ما أخذ وابقى ما أبقى {
وأنشدوا
} يا من سينأى مسرعا
كما نأى عنـه ابوه {
} مثل بقلبك قولهم جاء اليقين فلقنوه {
} وتحللوا من ظلمـه قبل الفراق وودعوه {
فالله الله عباد الله لا تضيعوا أعماركم في الباطلات ولا تفنوا أيامكم في الجهالات واذكروا الموت مفرق الأحباب وقاطع الأنساب ومذب الرقاب وقاصم الجبابرة والأرباب مـهلك الآباء والأمـهات وقاتل الأخوة والأخوات ومبيد الجيران والقرابات الموت يقطع أموالكم ويغير أحوالكم ويرمل نساءكم وييتم أطفالكم فلا يبقى منكم خليلا ولا حبيبا ولا جاهلا ولا أديبا
وأنشدوا
} الموت أفنى من مضى
والموت يفني من بقي {
} والموت يجمع في الثرى بين المنعم والشقي {
يا مسكين أنفقت مالك في بنيان الدور وتشييد القصور ونسيت الموت والتحول إلى ظلمة القبور ثاويا فيها إلى يوم النشور وأنشدوا
ألا للخراب بنى العامرونا
وللموت ما ولد الوالدونا
وعما قليل يرى الآخرون
عجائب ما قد رأى الأولونا
ويشقى أناس بما جمعوا
ويسعد بالقلة الزاهدونا
ولا يرحمون إذا ما بكوا
ولا يرتجي الرحمة الظالمونا
ويسأل قوم هناك الرجوع
فلا يرجعون ولا يكرمونا
اعلم يا مسكين أن المنية خير من الحياة الدنية يا ابن آدم الرقاد والله تحت التراب خير لمعصيتك لرب الأرباب
81 عظة الموت

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } كفى بالموت واعظا وكفى بالعبادة شغلا وكفى بالقين غناء { واعلموا عباد الله أنـه لا أمة بعد أمتكم ولا نبي بعد نبيكم وإنما ينتظر بأولكم أن يلحق آخركم ثم يجمعون في عرصة القيامة لوقوع الحسرة والندامة عند ذلك لا ينفعكم مال ولا بنون ويحال بينكم وبين ما تشتهون ويحيق بكم ما كنتم بـه تستهزؤون
وأنشدوا
} كل حي وإن بقي
فمن الموت يستقي {
} فاعمل اليوم واجتهد بادر اليوم يا شقي
82 أبو العتاهية الشاعر
ذكر عن أبي العتاهية رحمـه الله أنـه دخل يوما على الرشيد فقال له الرشيد أنشدني فقال اجعل لي الأمان قال أنت آمن فأنشأ وأنشد
} لا تأمن الموت في طرف ولا نفس وإن تسترت بالحجاب والحرس {
} واعلم بأن سهام الموت قاصدة
لكل مدرع منا ومترس {
} ما بال دينك ترضى أن تدنسه وثوبك الدهر مغسول من الدنس {
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس
فاعلموا يا معشر بني آدم أن الموت لا يترك منكم أحدا ولا يرحم والدا ولا ولدا فاجعلوه بين أعينكم منصوبا فإنـه لا يترك الفرح كئيبا مكروبا فيقيننا يقين من يموت وأعمالنا أعمال من لا يموت كأن يقيننا بالموت مشوبا بالشك وكأن إيماننا بالبعث ممزوجا بالإفك ما هذه حال من أيقن بال يعصي مولاه في الليالي والأيام
وأنشدوا
نحن من العمر في ظنون
وفي يقين من المنون
ثمت لا نذكر المنايا
أليس ذا غاية الجنون
83 مثل الدنيا والموت

ذكر عن بعض الصالحين أنـه قال رأيت في المنام رجلا وهو في برية وأمامـه غزالة وهو يجري خلفها وهي تفر منـه وأسد كأعظم ما يكون خلقة وقد هم أن يلحقه والرجل يرد رأسه وينظر إلى الأسد فلا يجزع منـه ثم يجري خلف الغزالة حتى لحق بـه الأسد فقتله فوقفت الغزالة تنظر إليه وهو مقتول إذ جاء رجل آخر قد فعل ما فعله المقتول فقتله الأسد ولم يدرك الغزالة فخرج آخر ففعل كذلك قال فما زلت أعد واحدا بعد واحد حتى عددت مائة رجل صرعى والغزالة واقفة فقلت إن هذا لعجب فقال الأسد مم تعجب أو ما تدري من أنا ومن هذه الغزالة فقلت لا فقال أنا ملك الموت وهذه الغزالة الدنيا وهؤلاء أهلها يجدون في طلبها وأنا أقتلهم واحدا بعد واحد حتى آتي على آخرهن فاستيقظت فزعا مرعوبا وأنشدوا
} حتى متى وإلى متى نتوانى وأظن هذا كله نسيانا
والموت يطلبنا حثيثا مسرعا إن لم يزرنا بكرة مسانا
إنا لنوعظ بكرة وعشية وكأنما يعني بذاك سوانا
غلب اليقين على التشكك في الردى حتى كأني قد أراه عيانا
يا من يصير غدا إلى دار البلى ويفارق الإخوان والخلانا
إن الأماكن في المعاد عزيزة فاختر لنفسك إن عقلت مكانا
وانظر لنفسك إن أردت تعزها قبل الممات ولا تكن مـهوانا
واعلموا عباد الله أن ما من جماعة وإن كثرت إلا والموت يقللها حتى يفنيها عن آخرها وإنما أعمارها عوار والعارية لا تبقى يرجع الكل إلى الله تعالى يفصل بينـهم بالحق وهو خير الفاصلين فشقي وسعيد ومنـهم ومعذب
وأنشدوا
وما أهل الحياة لنا بأهل
ولا دار الفناء لنا بدار
وما أموالنا إلا عوار
سيأخذها المعير من المعار
84 ملاقاة الأرواح
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إذا عرج بروح المؤمن تلقته أرواح المؤمنين بالرحمة والبشرى كما يتلقى الغائب في الدنيا ثم يقبلون عليه فيسألونـه فيقولون ما فعل فلان وما حاله فيقول بخير تركته والله على طريقة حسنة

فيقولون يا ربنا أنت هديته لذلك فثبته عليه حتى تقبضه وإن سألوه عن إنسان قد مات فيقول قد هلك فيقولون إنا لله وإنا إليه راجعون عمل والله بغير عملنا فسلك بـه غير طريقنا ذهب والله بـه إلى أمة الهاوية بئست الأم وبئست المربية
85 أعمال الأحياء والأموات
قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } تعرض على الموتى أعمالكم فإن رأوا خيرا استبشروا بـه وقالوا اللهم هذه نعمتك فأتا على عبدك وإن رأوا سيئة اغتموا لها وقالوا اللهم راجع بعبدك قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } فلا تحزنوا أمواتكم بأعمالكم السيئة فإن أعمالكم تعرض عليهم فالله الله عباد الله اجتهدوا في اكتساب الحسنات واجتنبوا في ليلكم ونـهاركم السيئات فإن ذلك محزن الأهل والأقربين من الأموات
وأعملوا في صحتكم قبل السقم وقدموا في شبابكم قبل الهرم فإن الموت إذا جاء لا يرجع وسهامـه إذا فوقها لا تدفع وكأسه إذا أدارها لاتنزع حياضه مورودة وساعاته معدودة وأهواله مشـهودة والحيلة عند نزوله مفقودة غير موجودة
وأنشدوا
الموت حتم حوضه مورود
والموت يفني جمعنا ويبيد
والموت يحكم في النفوس بحتفها
وله على تنفيذ ذاك جنود
والموت يفسد مـهجة الملك الذي
قد عززته عساكر وجنود
وقلوبنا في كل ذا مشغوفة
حبا لدار زهرها معقود
وإلى متى تهوى الذي هو هلكها
وإلى متى لا تنثني وتعود
الله الله يا أعراض المنية ويا أبواب البلية ويا معادن الرزية
أفيقوا من هذا الوسن قبل أن تزودوا من أموالكم بحنوط وكفن
إذا تبرأ منكم الحبيب وأنكر معرفتكم القريب وصار كل واحد منكم كأنـه أجنبي وغريب
وأنشدوا
الموت باب وكل الناس داخله
فليت شعري بعد الباب ما الدار
الدار دار نعيم إن عملت بما
يرضى الإله وإن خالفت فالنار
86 المثابرة
يا أخي بالله عليك لو أتاك ال ولك ملك الدنيا أما كنت تختار عيش يوم بالجميع فبادر ما دمت في فسحة من العمر قبل أن يضيق عليك الأمر لو صيح بك الليلة أجب الداعي أما كنت نادما على ما قدمت وباكيا على ما فرطت وأنشدوا

} الموت بحر طامح موجه تذهب فيه حيلة السابح
يا نفس إني قائل فاسمعي مقالة من مشفق ناصح
ما يعجب الإنسان في قبره مثل التقي والعمل الصالح
فالله الله عباد الله استعدوا للموت فكأنـه قد نزل بكم فأرمل النسوان وأيتم الولدان وفرق الإخوان فوالله يا أيها الإنسان وإنما أنا وأنتم ذلك الإنسان لو لم يكن ماء ولا ظلال ولا جواب ولا سؤال ولا نعيم ولا ثواب ولا جحيم ولا عقاب لكان في الموت وسكرته والقبر وظلمته واللحد وضغطته ما يمنع العاقل اللبيب عن كسب الخطايا والذنوب فكيف ومن وراء ذلك هول مـهول وشرح يطول من الصور ونفخته والنشور وروعته والصراط ورقته ومساءلة الله تعالى للعبد وتوبيخه
فما يكون جوابك أيها المغرور إذا وقفت بين يدي العالم الغفور لذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فأظهر لك قبائحك ونشر لك فضائحك واستشـهد عليك جوارحك فإن عفا عنك فأنت من الفائزين وإن طالبك بما قدمت يداك فأنت من الخاسرين
عفا الله عنا أجمعين وغفر لنا ذنوبنا فهو خير الغافرين آمين رب العالمين
وأنشدوا
من كان يرجو أن يعيش فإنني أصبحت أرجو أن أموت فأعتقا
} في الموت ألف فضيلة لو أنـها
عرضت لكان سبيله أن يعشقا
87 قبض أرواح الصالحين

ذكر في بعض الأخبار عن بعض السلف الأخيار عن النبي المصطفى المختار أن الله عز وجل إذا أراد قبض روح عبده الكريم عليه وهو التقي لأنـه بالتقوى كرم عليه دعا بملك الموت فقال اذهب يا ملك الموت إلى عبدي فلان فأتني بروحه ليرتاح عندي فحسبي من عمله أني قد بلوته في السراء والضراء فوجدته حيث أحب فيذهب ملك الموت فيأخذ من مسك الجنة الأذفر وحريرها الأبيض فيهبط بـه ويهبط في أثره خمسمائة ملك ليس منـهم ملك إلا ومعه بشارة من الله تعالى إلى ذلك الولي وليس منـهم ملك يدري ما مع صاحبه من البشارة وليس منـهم ملك إلا ومعه صبائر في الريحان يعني حزما من الريحان من ريحان الجنة فإذا هبطوا أحدقوا بولي الله وجلس ملك الموت عند رأسه ونفث في وجهه سم الموت فصرعه ويقول له يا ولي الله ارتحل من الدنيا فليست لك دار وليست لك بوطن ولا بد لك يا ولي الله أن تذوق كما ذاق إخوانك من قبلك قال فملك الموت ألطف باستخراج نفسه من الوالدة بولدها
فإذا أذنت نفسه بالخروج وكانت عند ذقنـه أكب عليه الذين جاؤوا مع ملك الموت وهم خمسمائة ملك يخبرونـه بالبشارة التي أرسلهم الله بها إليه وليس منـهم ملك إلا وهو يضع على كل طائفة من جسده من صبائر الريحان الذي جاؤوا بـه فإذا خرجت نفسه لفها ملك الموت في ذلك الأبيض والمسك الأذفر ثم يعرج بها إلى السماء وتثبت الملائكة الذين بشروه عند جسده عند أهله
88 ملائكة الرحمة
فإذا دنا من السماء تلقاه جبريل عليه السلام في سبعين ألف موكب من الملائكة فأخذ الروح منـه جبريل عليه السلام فعرج بـه حتى يضعه بين يدي الجبار تبارك وتعالى فيقول جل جلاله وتعالى ليس كمثله شيء لجبريل عليه السلام اذهب فدع ولي الله في سدر مخضود وطلح منضود

فإذا حمل الرجل إلى سريره هبط خمسمائة ملك آخرون سوى الذين جاؤوا مع ملك الموت فيجلسوا صفين ما بين منزله إلى قبره يستقبلون جنازته بالاستغفار وإذا أدلي في قبره وحثي عليه التراب وولى القوم جاءته الصلاة فكانت عن يمينـه وجاءه الصوم فكان عن شماله
وجاءه ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن فكانا عند رأسه وجاءه مشيه إلى الجمع وإلى مجالس العلم وعيادة المرضى واتباع الجنائز والصدقة فكانوا عند رجليه وجاءه الصبر على ما يكره وعلى ما يحب فلم يجد مجلسا فيجلس في ناحية من نواحي قبره فيخرج له من قبره عنق من العذاب فيأتي عن يمينـه فتقول هله الصلاة إليك عني لا سبيل لك عليه إنما استراح ولي الله من الإقبال والإدبار هذه الساعة ثم يأتي عن شماله فيقول الصيام إليك عني لا سبيل لك إليه إنما استراح ولي الله من الإقبال والإدبار هذه الساعة ثم يأتي عند رجليه فيقول له مشيه إلى الجمع وإلى مجالس العلماء وعيادة المرضى واتباع الجنائز والصدقة إليك عنا لا سبيل لك عليه إنما استراح ولي الله من الإقبال والإدبار هذه الساعة قال فلما لم ير شيا انقمع ودخل في الموضع الذي خرج منـه فيقول الصبر لهؤلاء أما إذا كفيتموني عذاب القبر فسأكفيكموه عند الميزان إذا نصب
89 سؤال الملكين
قال ثم يخرج الله إليه منكرا ونكيرا وهما ملكا القبر أسودان أزرقان يبحثان القبور بأنيابهما ويطآن في اشفارهما
كلاهما مثل الرعد القاصف وأبصارهما مثل البرق الخاطف وأنفاسهما مثل لهب النار وألوانـهما مثل الليل المظلم

فيقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول الله ربي وديني الإسلام ونبيي محمد عليه الصلاة والسلام وأنا أشـهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فيقولان له قد علمنا أنك ستكون مؤمنا فيفتحان له بابا إلى النار فينظر إلى ما أعد الله فيها لأهل المعصية من النقمة والعذاب قال فيرفعان ذلك الباب دونـه ثم يقولان له لا تخف يا ولي الله من هذا الباب أبدا ثم يفتحان له بابا إلى الجنة فينظر إلى ما أعد الله لأهل طاعته من الخير الدائم المقيم الذي لا زوال له ولا انقطاع فيقولان له يا ولي الله هذا دارك وقرارك ومنزلك
90 نعيم القبر
قال فذلك الباب مفتوح إلى قبره إلى يوم القيامة يخرج من ذلك الباب إلى قبره ريح الجنة وروحها وبردها يوسعان له قبره مد بصره ثم يقولان له يا ولي الله نم فينام نوم العروس في حجالها حتى يبعثه الله تعالى يوم القيامة إلى أزواجه وحرمـه ألا ترى أيها الغافل عن طاعة ربه المصر على ذنبه إلى هذا الولي الذي
صار إلى قبره وخرج عليه نوع من عذاب ربه وأن أعماله الصالحة كانت جنودا حوله فلم يجد العذاب دونـها مدخلا إليه ولولا قيامـها حواليه لكان عذاب الله واصلا إليه فلو لم يكن بطاعة الله عاملا لم يجعل المولى بينـه وبين عذابه حائلا ومن لم يكن بينـه وبين النار حائل فالهلاك والخزق له حاصل والعذاب والذل إليه واصل فكل من زعم أنـه مؤمن بالله عز وجل ورسوله وكتابه ولم يجعل العمل الصالح وقاية بينـه وبين عذابه فقد تعرض لهلاكه وعقابه لأنـه لم يجعل حائلا بينـه وبين جسده وكل موضع أمر الله سبحانـه وتعالى باتقائه في كتابه فإنما هو تحذير من عذابه
وأنشدوا
الموت أهنأ للمطيع وأصلح
والموت أطيب للتقي وأنجح
والموت أقرب للجنان طريقة
والعبد يكرمـه الإله ويمنح
}
91 سليمان وملك الموت

ذكر في بعض الأخبار أن سليمان عليه الصلاة والسلم دعا الله تعالى وسأله أن يريه ملك الموت وأن يلبسه من القوة حتى يكلمـه فبينما هو قاعد ذات يوم على سريره إذ خرج رجل من جنب السرير ليس يراه أحد إلا سليمان لم ير سليمان قط أتم خلقا منـه فقال يا عبد الله ما أدخلك داري قال أدخلنيها ربها أدخلني من هو أملك لها منك ومني فعلم عند ذلك أنـه من ملائكة الله فقال له من أنت من ملائكة ربي قال أنا ملك الموت قال فسمعوا من كلامـه جلبة فصعق سليمان من خوفه ومن كان معه في البيت فقال ملك الموت يا رب إن عبدك سليمان ونبيك سألك أن تأذن لي بال عليه وقد بلغ من خوفه ومن معه ما ترى فألبسه من القوة ما يطيق النظر إلي فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت أن ضع يدك في صدر سليمان ففعل فأفاق سليمان ومن معه بإذن الله تعالى قال سليمان يا ملك الموت أترى خلق الله في السموات والارض مثلك فقال ملك الموت يا نبي الله والذي بعثك بالحق إن رجلي الساعة على منكبي ملك وذلك الملك هو الموت قد خرق قرناه السموات السبع وارتفع فوق ذلك مسيرة ألف عام ورجلاه قد جاوزا الثرى بخمسمائة عام فاتحا فاه رافعا صوته بالتهليل والتقديس والتسبيح باسطا يديه لو أذن الله له أن يقبضهما إلى صدره لضم السموات وما فيهن وما عليهن ما خلا العرش وأن فوقه ملكا قائما قد أدخل رجليه تحت منكبي هذا الملك وهذا من فوقه
مسيرة ألف عام فاتحا فاه وأن شفته العليا ملتصقة بالعرش والسفلى تحت الثرى لو أذن الله تعالى له أن يضع شفته العليا على السفلى لأطبق ما بينـهما في جوفه وأن لله ملكا عنقه فثني تحت العرش ورجلاه قد جاوزتا رجلي هذين الملكين مسيرة ألف عام يخرج الريح من أنفه

لو أذن الله أن يتنفس لأدخل جميع ما خلق الله في السموات والأرضين في أنفه سوى العرش وأن هؤلاء الملائكة الذين وصفت لك يكون خلقهم عند خلق غيرهم من الملائكة الذين فوقهم كجناح ذبابة عند الفيل وأن لله ملكا باسطا كفه اليمنى منذ خلقه الله تعالى رافعا صوته بالتهليل والتسبيح والتقديس والتحميد لو أذن الله له أن يقبض كفه لقبض جميع الخلائق ما خلا العرش
فقال سليمان {صلى الله عليه وسلم} ياملك الموت أكفف عني فلقد وصفت أمرا أتخوف أن تطير روحي ولا تثبت نفسي ولا أطيق سماعه فكف ملك الموت فعندها قال سليمان عليه السلام يا رب متى ألتقي مع الأحبة يا رب قد أحببت لقاءك والراحة من الدنيا
فهذا كان سبب موت سليمان عليه السلام
وأنشدوا
الموت مر والعيش هم
فأي هذين لزم
وقد تعجبت إذ هنا لي
عيش وعندي بالموت علم
أنقل رجلي من كل دار
خوف المنايا والأرض سم
والروح مستوفز بجسمي
له على الانتقال عزم
فكأنكم والله بالموت قد فاجأكم وأزعجكم عن لذاتكم ونغص عليكم شـهواتكم ونقلكم إلى بيوت الوحشة والضيق حيث لا ينفعكم حميم ولا صديق ولا أخ شقيق ولا والد شفيق
92 نداء الموت
روي عن سلمان الفارسي رضي الله عنـه أنـه قال ما من يوم إلا وملك الموت ينادي يا أهل الدنيا عجلوا عجلوا لأن أهل القبور محبوسون من أجلكم اتركوا ما جمعتم وخربوا ما بنيتم الويل لكم إن أدرككم الموت على هذه الحالة زينتم الدور ونسيتم القبور
اذكروا القبر ووحشته والموت وسكرته والصراط ودقته
والموت سكرة في سكرة وحيرة في حيرة وجذبة يا لها من
جذبة
فالمسكين يكابد غصص المنون داهش العقل كالمحزون
فالله الله عباد الله أفيقوا من سكراتكم
وانتبهوا من نوماتكم واستيقظوا من غفلاتكم قبل نزول المنية وحلول الرزية ووقع البلية
حيث لا مال نافع ولا حميم شافع ولا فرح واقع ولا رجاء طامع ولا حسنة تزاد ولا حياة تعاد ويزودك أحبابك بالصراخ ويكثرون عليك البكاء والنواح فلا عثرة تقال ولا رجعة تنال
وأنشدوا

ألا إن أيام الحياة مراحل
طريق الفتى منـها إلى الموت ساحل
يسر بما يمضي لما هو آمل
ويأتي الردي من دون ما هو آمل
وما يومـه إلا غريم محكم
إذا ما اقتضاه نفسه لا يماطل
عجبت لمن يبغي السلامة جاهدا
ومر الليالي كلهن غوائل
ونحن بنو الأيام نظلم نفوسنا
ونرجع وهي القاتلات الثواكل
} ومن لحظ الدنيا بعين بصيرة
رأى عينـها في نفسه وهو شائل
93 عظة من الغفلة
أيها الإنسان وكلنا ذلك الإنسان استيقظ من غفلتك وهب من رقدتك
قد آن أن يدعي إليك الطبيب بجمع الدواء فلا يرجى لك مما نزل بك الشفاء
ثم يقال فلان قد أوصى وجميع ما له قد أحصى
قد تبرأ من الدنيا وعلائقها وأقبل إلى الآخرة وحقائقها
ثم ضعف جنانك وثقل لسانك وانقطع عن كلامك فلا تكلم إخوانك وكثرت خطوبك وعظمت كروبك إذا عرضت عليك عند كشف الغطاء ذنوبك واشتدت الأحزان وعلا صراخ النسوان وحزن الصديق الودود وفرح العدو الحسود ثم يقال لك هذا ولدك الصغير وهذا الكبير وهذه بنتك الكبرى وهذه شقيقتها الصغرى فلا ترد عليهم جوابا ولا يستطيع لسانك خطابا ثم اشتد بك النزع والسياق إذا التفت الساق بالساق وانتزع ملك الموت روحك الضعيف وعرج بـه إلى مولاك الرب اللطيف يجازيك على ما قدمت في سالف الأيام ويسألك عما اكتسبت من الحلال والحرام
وأمر بك إما إلى جنة عالية ذات نعيم وخلود وإما إلى نار حامية ذات جحيم ووقود وزودت من مالك حنوطا وكفنا ونزلت في رمسك بعملك مرتهنا
وانصرف أهلك لقسمة ما خلفت من الأموال وما سعيت فيه من الحرام والحلال
وأنشدوا
أبقيت مالك ميراثا لوارثه
فليت شعري ما أبقى لك المال
القوم بعدك في حال يسرهم
فكيف بعدهم صارت بك الحال
ملوا البكاء فما يبكيك من أحد
واستحكم القيل في الميراث والقال
مالت بهم عنك دنيا أقبلت لهم
وأدبرت عنك والأيام أحوال
قال رجل من الصالحين رأيت رجلا قد مات ووراثه يختصمون في ميراثه قبل أن تخرج جنازته فقلت هذه الأبيات المتقدمة
94 نداء الملك

ذكر في بعض الأخبار أن تحت العرش ملكا ينادي كل يوم وليلة الويل ثم الويل لمن ترك عياله بخير وقدم على الله بشر
فالله الله ارحموا أنفسكم قبل أن لا ترحموا وأكرموها قبل أن لا تكرموا
واذكروا الموت وما بعده من عظيم الأهوال واستعدوا له بذخائر الأعمال وأنشدوا
أرى الدهر لا يصفى إلى من لا يعاتبه
وأعتب دنياه على من يثالبه
ونحن نرجي الخلد في غير دارنا
وأين خلود المرء إن مات صاحبه
كأنا عطاشى والمنية منـهل
نسير إليه والليالي ركائبه
كفى سالبا للمرء يوم وليلة
ومن يلبسن الأيام فهي سوالبه
فلا تأمن الدهر الخئون فإنما
هو اليوم سلم ثم حرب عواقبه
أيها الناس استعدوا لما خلقتم له فإن الله لم يخلقكم عبثا وإنما خلقكم لتعبدوه وتوحدوه وليميتكم ويبعثكم بعد الموت وما رزقكم رزقه إلا لتستعينوا بـه على طاعته
وما خلق الدنيا إلا للزوال وجعلها دار ابتلاء واختبار وسجنا لأوليائه وجنة لأعدائه
فراحة الأولياء الموت وعذاب أعدائه الموت لأن الأولياء إذا ماتوا صاروا إلى جنة النعيم والعيش المقيم والأعداء إذا ماتوا صاروا
إلى العذاب الأليم
فالله الله عباد الله لا يغرنكم بالله الغرور وأنشدوا
ومنتظر للموت في كل ساعة
يشيد ويبني دائما ويحصن
له حين تبلوه حقيقة موقن
وأفعاله أفعال من ليس يوقن
عيان كأنكار وكالجهل علمـه
بمذهبه في كل ما يتيقن
95 حكاية عن واعظ
ذكر أن شيخا من تيماء كان يجلس إليه أصحابه فإذا كان عند قيامـهم عنـه قال قوموا قيام من قد يئسوا من المعاودة حذرا من القاطف للنفس ملك الموت ثم يبكي ويبكوا حوله
وأنشدوا
} وكن مستعدا لداعي المنون فكل الذي هو آت قريب
وقبلك داوي المريض الطبيب فعاش المريض ومات الطبيب
يخاف على نفسه من يتوب فكيف ترى حال من لا يتوب
إن من الشعر لحكمـه
96 خشية عيسى من الموت

روي أن عيسى عليه السلام كان إذا ذكر عنده الموت أو ذكره تقطر جسده ماء من خوف هوله يا أخي يا غافل مثلي يا مسكين فعيسى صلوات الله عليه يخاف وهو على ما كان عليه من الطاعة لربه فكيف بك يا مسكين على ما أنت عليه من المعصية لمولاك فالله الله يا إخواني لا تغتروا بصحة الأجسام ومداومة الأيام فإن الموت يأتي في ألهى ما أنت عليه في الدنيا وألذ ما كنت فيه فلا الصحيح يدعه لصحته ولا الصغير يرحمـه لصغره ولا الكبير يهابه لكبره
وأنشدوا
وكم من صحيح بات للموت آمنا أتته المنايا بغتة بعد ما هجع
فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة فرارا ولا منـه بحيلته امتنع
وقرب من قبر فصار مقيله وفارق من قد كان بالأمس قد جمع
} فلا يترك الموت الغني لماله ولا معدما في المال ذا حاجة يدع
97 حديث في ملك الموت
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إن ملك الموت ينظر لوجه العباد في كل يوم
سبعين مرة فإذا ضحك العبد الذي بعث لقبض روحه يقول له يا عجبا لك يا فلان أمرت بقبض روحك وأنت تضحك فالعجب كل العجب بمن الموت يطلبه والمنية تعاجله وهو من ذلك على يقين وهو يضحك ويلهو
وأنشدوا
ضحك الفتى من عجبه جهالة
والموت يطلبه حثيثا مسرعا
والموت لا يدع الجهول لضحكه
إلا رماه بسهمـه فتفجعا
فتفلقت أوصاله لنزوله
وتفتت العظم الصليب توجعا
وبكى لفرقة ماله وعياله
ومضى إلى دار البلى متضرعا
فالله الله عباد الله لا يغرنكم طول الأمل وجدوا واجتهدوا وكونوا من الموت على وجل فإن للموت غاد ورائح وماس وصابح وأنت يا أخي منـه على يقين وتحقيق فلم تحد عن منـهاج الطريق
98 نداء للميت

ذكر في بعض الأخبار أن الميت ينادي إذا وضع على المغتسل أين لسانك الفصيح ما أسكتك أين صوتك الشجي ما أخرسك أين ريحك العطر ما أنتنك أين حركاتك ما أسكنك أين أموالك الكثيرة ما أفقرك الويل لك إن كنت عاصيا والبشرى لك إن كنت طائعا وتناديه الملائكة إذا وضع في القبر يا عبد الله أنت تركت الدنيا أم الدنيا تركتك أنت جمعت الدنيا أم الدنيا جمعتك أنت استعددت للمنية أم المنية عافصتك خلقت من التراب وأعدت للتراب
وأنشدوا
خلقت من التراب بغير ذنب
وعدت إلى التراب ولي ذنوب
فمالي لا أجاهد في خلاصي
بعزم للمعاصي لا أتوب
ومالي أثقلت ظهري ذنوب
ومنـها لا أمل ولا أنيب
ومالي لا أرق لسوء حالي
ومن نفسي علي غدا رقيب
ومالي مبعد مقصى طريد
وفي كل القبائح لي ضروب
وكم بالبر تسويفي ومطلي
ولا أدري متى تأتي شعوب
فيا من ليس لي رب سواه
عليم بالذي أدعو يجيب
تجاوز يا إلهي عن ضعيف
بغفران لعلي عسى أتوب
وهب لي ذلتي وعظيم جرمي
فأنت الواحد الفرد القريب
عباد الله لا تغفلوا عن ذكر الموت وتفكروا فيه قبل الفوت فوالله ما بين أحدكم وبين طول الأسف والندامة على ما قد سلف إلا أن تنزل بـه المنية غدوة أو عشية فعظ نفسك قبل حلول الرزية
وقيل في قول الله تعالى { وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب } المنافقون 10 قيل الأجل القريب عند كشف الغطاء يقول العبد عند الموت يا ملك الموت أخرني يوما أعمل فيه صالحا لنفسي فيقول ملك الموت فنيت الأيام فلا يوم فيقول أخرني ساعة فيقول فنيت الساعات فلا ساعة فيقول اتركني أتكلم فيقول فرغ كلامك فلا كلام
فتبلغ الروح الحلقوم فيؤخذ بكظمـه فتقطع الأوقات والأعمال ويبقى عدد الأنفاس ليشـهد فيها المعاينة عند كشف الغطاء فيحتد بصره فإذا كان في آخر نفس زهقت نفسه فيدركه ما سبقت له من شقاوة أو سعادة
99 سؤال الرجوع للدنيا

وقيل أول من يسأل الرجعة من لم يكن أدى زكاة ماله كقوله عز وجل { فأصدق وأكن من الصالحين } المنافقون 10 فالله الله بادروا قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل من صالح العمل وفراغ الأنفاس وورود الأرماس ولا ينفعك حبيب ولا حميم ولا ولد ولا والد رحيم قد أحاطت بك الخطوب وكثرت عليك الكروب وأخذ الوارث مالك ونكح العدو أو الصديق عيالك
وأنشدوا
أرى الأزواج تنكح إن هلكت
ويقسم وارثي ما قد تركت
ولا يبقى الوداد بقلب خل
إذا انقطع الرجا مني ومت
وينساني الصديق فما يبالي
أمر بـه ويعرض إن ذكرت
ويشمت بي رجال من سفاه
وما قد كنت قط بهم شمت
ولست بحاصل إلا على ما
من الأعمال في الدنيا عملت
فياذا العرش عفوا عن ذنوبي
وعن زللي وما كنت اجترمت
وشفع في نبيك حين أدعى
غداة العرض إن تفعل نجوت
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه عرض عليه ما يصيب أمته من بعده فما رؤي ضاحكا مستبشرا حتى قبضه الله تعالى
} 300 { 48000 قبيلة
ذكر في بعض الأخبار أن الله تعالى خلق في الأرض مما برأ وذرأ ثمانية وأربعين ألف قبيلة فجعل في البحر ثمانية آلاف قبيلة وجعل بين السموات والأرض أربعين ألف قبيلة تحملها الريح ليس منـها دابة صغرت أو كبرت في الأرض أو بين السماء والأرض إلا ومعها ملكان من قبل الله تعالى فملك يهيء لها رزقها بإذن الله ويسوقها إليك وملك آخر يقودها بإذن ربها إلى مستقرها ومنقلبها حتى الذرة والقملة والدودة والبعوضة والذبابة فإذا استوفت أثرها ورزقها وبلغت أجلها قبض ملك الموت روحها
فسبحان من له الملك والتدبير
عباد الله فالله اله لا تغفلوا عن طاعة مولاكم فإن الموت يطلبكم بالليل والنـهار والعشى والإبكار فاجتهدوا في الحسنات واجتنبوا في ليلكم ونـهاركم السيئات
قبل نزول الموت والندم فالموت لا يترك ملكا ولا أميرا ولا حاجبا ولا وزيرا
وأنشدوا
} قد صرف البواب والحاجب
وقهرمان الدار والكاتب {
} وأصبح الصاحب من بينـهم بحيث لا جار ولا صاحب {

} واعتاضت الناهد من بعده ألفا سواه وكذا الكاعب {
} وجد في تفريق ما لم يزل
يجمعه وارثه اللاعب {
} فكن من الدنيا على أهبة يا زاهدا فيها ويا راغب {
} فإنـها أم لأبنائها منـها عدو قاتل سالب
301 رحمة الله بالمسرفين
ذكر في بعض الأخبار أنـه مات رجل من أهل المدينة وكان مسرفا على نفسه فدعي لجنازته محمد بن المنكدر رحمـه الله فأبى أن يحضر جنازته ثم حضرها فعوتب في ذلك فقال لقد استحيت من الله أن أرى أن رحمته تضيق عليه ولا تسعه فصليت عليه
يا مسكين مثلي أعلم أنـه إذا نزل ملك الموت بالعبد المذنب فيرجع إلى مولاه بالذل والصغار
فنرجو إن شاء الله تعالى أن يعف عنـه ويرحمـه ويجعل الموت كفارة لذنوبه
وأنشدوا
} أفي كل يوم للمنية اقرب
وكل الذي آتيه يحصى ويكتب {
فيا سوأتا قد آن وقت ترحلي
وها أنا في الميدان ألهو وألعب
فإن لم تجد بالعفو منك عن الذي
جنته يدي إني إذا لمخيب
ذكر أنـه كان بالبصرة فتى وكان مسرفا على نفسه ما ترك ذنبا إلا ارتكبه ولا شرا إلا اكتسبه فلما مرض لم يعده أحد من جيرانـه فدعا بعضهم وقال إنـه قد نزل بي ما ترى فإذا مت فادفني في زاوية من زوايا بيتي فقد أذيت جيراني في حياتي وما أحب أن أضر بالموتى بعد وفاتي
فرؤي بعد موته في المنام في حالة حسنة فقيل له ما فعل الله بك فقال أوقفني بين يديه وقال يا عبدي هجروك جيرانك حنقا عليك وضيقوا مسالك الرحمة بين يديك فوعزتي وجلالي وجودي ومجدي وارتفاعي فوق علو مكاني ما ضاقت رحمتي عنك عبدي هذه خلع مغفرتي ومنازل جنتي وخاتم أماني وسجل إحساني وأنا الغفور الرحيم
302 حكاية عن الحسن
قال الحسن رحمـه الله قد علم الله منا قبل أن يخلقنا أننا نذنب ونعصيه ولم يمنعه ذلك منا أن جعلنا مسلمين
فالله الله يا أهل الذنوب مثلي بادروا قبل نزول السكرات ووقوع الحسرات واجتهدوا فإن الموت آت وكل آت فهو قريب
قد آن وكلما آن فقد حان
وأنشدوا
أآمل أن أخلد والمنايا
يثبن إلي من كل النواحي

ولا أدري إذا أمسيت حيا
لعلي لا أعيش إلى الصباح
عباد الله أيامكم مراحل تقطعونـها وساعاتكم مناهل تردونـها والموت يطوف عليكم بالليل والنـهار لا يؤخر من فقدت ساعاته وفرغت أيامـه وأوقاته
303 حكاية عن بعض الصالحين
يحكى عن بعض السادة الأخيار أنـه قال خرجت يوما لزيارة القبور فإذا بقوم يحملون جنازة فتقدمت إليها وصليت بهم ثم شـهدت دفنـها فنعست نعسه فأتاني آت فقال لي قد غفر الله لهذا الميت على ظلمة ذنوبه فانتبهت مرعوبا فأخبرت بذلك أم الميت فقالت الحمد لله رب العالمين والله لقد كان مسرفا على نفسه فلما نزل بـه الموت بكى وقال لي يا أماه ضعي خدي على الأرض والتراب ففعلت ذلك فقال ضعي قدمك على خدي وادعي الله واستوهبيني منـه فلعله يرحمني وإقلعي
فص خاتمي وتصدقي بثمنـه فعسى الله يرحمني
فقلت لها قد غفر الله له ورحمـه ثم أخبرتها بالذي رأيت فالله الله معشر المخلصين تضرعوا إلى ربكم قبل يوم موتكم فعساه أن يرحمكم ويتجاوز عن سيئاتكم
فذلك عليه يسير وهو على كل شيء قدير وأنشدوا
رأيت المرء تأكله الليالي
كأكل الأرض ساقطة الحديد
ولا تجد المنية حين تأتي
على نفس ابن آدم من مزيد
} فلا تغفل فديتك عن منون تدور رحاه بالهول الشديد
فكأ نكم بالأعمال قد انقضت وبالدنيا قد مضت فاستعدوا بذخائر الأعمال لما تلقوا من عظيم الأهوال وقد نودي فيكم بالتحويل وقد قرب منكم الرحيل
304 شاب عاص غفر له
حكي عن بعض الخائفين أنـه قال كان في جواري شاب وكان يتشاغل بالبطالة والجهالة ما رأيته صاحيا من السكر قط وعهدي بـه البارحة وقد رفع صوته على أمـه في ساعتي هذه
فأخبرتني أنـه أصبح ميتا من غير علة ولا مرض وسألتني في كفنـه فزجرتها وقلت الحمد لله الذي أراحنا منـه فمضت مدحورة فرق لها قلبي وقلت إن الرحمة لا تضيق على المذنبين من أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} فبعثت من ساعتي في طلبها وعزيتها وصبرتها واشتريت لها كفنا وحضرت جنازته

فعرفني بعض أصحابنا أنـه رآه في المنام وأنـه سأله ما فعل الله بـه فقال قدمت على الله تعالى وكنت قد دخلت قبل وفاتي ال فرأيت شخصا ميتا ا فتوليت غسله ونظافته وحمله إلى بيته فقال غفر الله لك ذنوبك كلها فصادفت دعوته إجابة فغفر الله تعالى لي وأنا في الجنة مع التعلق بالسنة غفر الله لنا أجمعين وأماتنا مسلمين وختم لنا بخواتيم الصالحين إنـه على ذلك قدير
وأنشدوا
لا تأسفن على الدنيا وحليها
فالموت لا شك يفنينا ويفنيها
واعمل لدار يكن رضوان خازنـها
والجار أحمد والرحمن عاليها
أرض لها ذهب والمسك طينتها
والزعفران حشيش نابت فيها
أنـهارها لبن محض ومن عسل
والخمر يجري رحيقا في مجاريها
والطير تجري على الأغصان عاكفة
تسبح الله جهرا في مغانيها
أحمد دلالها والرب بائعها
وجبريل ينادي في نواحيها {
من يشتري الدار في الفردوس يغمرها بركعة في ظلام الليل يحييها
أين الملوك الذي عن حظها غفلت حتى سقاهم بكأس الموت ساقيها
أفنى القرون وأفنى كل ذي عمر كذلك الموت يفني كل من فيها
والموت أحدق بالدنيا وزخرفها والناس في غفلة عن ترك ما فيها
لو أنـها عقلت ماذا يراد بها ما طاب عيش لها يوما ويلهيها
تلهو وتأمل آمالا تسر بها شريعة الموت تطوينا وتطويها
والله لو قنعت نفس بما رزقت من المعيشة إلا كان يكفيها
والله والله ايمانا مكررة ثلاثة من يمين بعد ثانيها
لو أن في صخرة صما ململه في البحر راسية ملس نواحيها
رزقا لعبد يراه الله لانفلقت حتى تؤدي إليه كل ما فيها
أو كان تحت طباق السبع مسلكها لسهل الله في المرقى مراقيها
حتى ينال الذي في اللوح خط له فإن أتته وإلا سوف يأتيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
تلك المنازل في الآفات خاوية أضحت خرابا وذاق الموت بانيها
305 عظة للاستعداد للموت

عباد الله قد آن وقت التحويل إلى الوقوف بين يدي الملك الجليل فأنفاسكم معدودة عليكم وملك الموت قاصد إليكم يركبكم بكلكله ولا بد لكم من منـهله
يقطع آثاركم ويخرب دياركم
فرحم الله عبدا نظر لنفسه وقدم لغده من أمسه قبل حلوله في رمسه
وعمل في العمر اليسير لليوم العبوس القمطرير وسأل المغفرة من السميع البصير الذي هو على كل شيء قدير وهو مولانا ومولاكم ونعم المولى ونعم النصير
306 الموت ينتقي الخيار
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إذا تقارب الزمان انتقى الموت خيار أمتي كما ينتقي أحدكم خيار الرطب من الطبق
فإنا لله وإنا إليه راجعون الذي ذهب عنا الأخيار وبقينا في غمار مع الأشرار فلا للموت نعمل قبل إتيانـه ولا أحد منا يقطع
عن عصيانـه
ما هذه أفعال المؤمنين ولا هذه سيرة الموقنين قد أضلنا عدونا الشيطان اللعين وخدعنا بمكره وأغوانا أجمعين
307 عمل الملكين
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال
إذا قبض الله روح عبده المؤمن صعد ملكاه إلى السماء فقالا ربنا وكلتنا بعبدك المؤن فلان نكتب عمله وقد قبضته إليك فأذن لنا أن نصعد إلى السماء فيقول الله عز وجل سمائي مملوءة بملائكتي يسبحوني فيقولان فأذن لنا أن نسكن الأرض فيقول عز وجل أرضي مملوءة من خلقي فيقولان يا ربنا أين نكون فيقول عز وجل قوما عند قبر عبدي فسبحاني وأحمداني وهللالني واكتبا ثواب ذلك لعبدي إلى يوم القيامة فالحمد لله الذي جعلنا من أمة محمد المصطفى وحسبنا بهذا فضلا وكفى بكتاب مولانا لأمواتنا الحسنات ويجعل الموت لهم كفارة لما سلف من السيئات
وأنشدوا
} على كل حال وشريكون فقد مات مثلك في مثلها
فما لك تلعب بالتراهات
وتخدع نفسك من عقلها
من الرشد في برها بالعقوق
وترضى بذلك من جهلها
وأنت تخالف فيها العذول
وتطوي لسانك عن عذلها
وسيف المنية قد سلها
وأنت تنام على قتلها
ودولة ذي العز مقطوعة
وأنت تغفل عن عذلها {

إلى متى هذا الصدود عن طاعة الملك المعبود والغفلة عن بحر الموت المورود فارحموا أنفسكم قبل التلف وأبكوا عليها قبل الأسف فإن السفر بعيد وهول المطلع فظيع شديد والزاد قليل والهم والحزن طويل وبعد ذلك اليوم العبوس الثقيل يا أخي لكل حي قوت وأنت يا مسكين قوت الموت فاعمل للموت قبل الفوت
وأنشدوا
أراني في انتقاص كل يوم
ولا يبقي على النقصان شيء
طوى العصران ما نشراه مني
فأتلف جثتني نشر وطي
فإن أك قد فنيت ومات بعضي
فإن الحرص باق في حي
وطير الموت حائمة لقتلي
مدلاة علي وفي عي
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من أكثر الفكرة في الموت هون الله عليه سكراته وجعله منـه على حذر ومن غفل عن ذكره يوشك أن يأتيه فجأة على غير أهبة ولا استعداد { فالله الله قد انصرمت عنكم أعماركم وأنتم لا تشعرون فإن اتبعتم هموم الدنيا حتى تفرغ فإنـها لا تفرغ أبدا ولو عشتم إلى أن تنقرض الدنيا
فتفرغ يا مسكين في اليسير من الأيام ودارك أمرك مع مولاك قبل نزول ال
308 المبادرة بالتوبة
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } أيها الناس بادروا بالتوبة قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الزاكية قبل أن تشغلوا وصلوا الذي بينكم وبينـه بكثرة ذكركم إياه
309 السني والزنديق
ذكر في بعض الحكايات أن رجلا من أهل السنة لقي رجلا زنديقا قد نحل جسمـه وتغير لونـه واذابه الخوف وكان السني قويا سمينا فقال له الزنديق يا هذا صف لي بعض ما تعتقده فقال أعتقد الموت وغصصه وسكراته وأهواله

فلما سمع الزنديق مقالته صاح صيحة عظيمة ثم وقع على وجهه مغشيا عليه فمكث ما شاء الله ثم أفاق فقال له زدني فقال ثم من بعد الموت القبر وظلمته واللحد وضجعته ومنكرا ونكيرا قال وما منكر ونكير فقال ملكان أسودان أزرقان يطآن في شعورهما ويحفران الأرض بأنيابهما وبيد كل ملك منـهما عمود من حديد جهنم لو ضرب بـه جبال الدنيا لقلعها من أصولها يسألان العبد في قبره قال وثم ما بعد ذلك قال هول البعث والنشور والحساب والميزان والصراط قال وما الصراط قال هو جسر منصوب على جهنم أرق من الشعرة وأحد من السيف وأحر من الجمر عليه حسك وكلاليب قد تعلق بكل كلوب عدد نجوم السماء من الزبانية لو أذن الله لواحد منـهم أن يخرج إلى الدنيا لاحرق بحارها وجبالها وإنسها وجنـها
وهوامـها ودوابها من حر نفسه قال له وما الزبانية وما جهنم قال الزبانية خلقوا من النار هم ملائكة العذاب وجهنم دار العذاب أوقد عليها النار أربعة آلاف سنة السنة أربعة آلاف شـهر الشـهر أربعة آلاف يوم اليوم أربعة آلاف ساعة الساعة أربعة آلاف نظرة النظرة الواحدة مقدار سبعمائة ألف سنة من سنين الدنيا
وهي سوداء مظلمة من دخلها طال بلاؤه وحزنـه
قال له الزنديق لقد عجبت من قلة عقلك هذا كله تعتقده وأنت سمين فوالله ما اصدق أنا بشيء من هذا الذي ذكرته إلا بالموت وحده وقد أطال حزني وذاب جسمي وإنما أنت من عداد الأنعام التي لا تعقل فالله الله إخواني اشكروا الله على ما بـه أنعم عليكم من جزيل ن إذ بعث إلى جميع خلقه محمد {صلى الله عليه وسلم} أخرجكم بـه من الضلالة وأيقظكم بـه من سكرة الجهالة ثم أتحفكم بطيبات رزقه وفضلكم على كثير من خلقه فلا تستعينوا بن على معاصيه فإن الموت لا بد منـه وقد وعظكم الله
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } كفى بالموت واعظا { فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليجعل الموت نصب عينيه فإنـه لا يدري متى يقدم عليه
وأنشدوا
} والموت سلطان عليك مسلط
إذا حم لم يصرف بنـهي ولا أمر {

} ودارك إما شقوة أو سعادة ومالك من باب إليها سوى القبر {
} كفى عظة بالموت إن ركابه على سفر يهوي إلى حيث لا يدري
310 رفق ملك الموت بالمؤمن
روي أن النبي {صلى الله عليه وسلم} كان جالسا عند مريض فرأى ملك الموت عند رأسه فقال له } يا ملك الموت ارفق بصاحبي { فقال له يا محمد أنا بكل مؤمن رفيق
فالله الله لا تغفلوا عمن ليس يغفل عنكم ولا تنسوا الموت فإنـه لا ينساكم وفقنا الله وإياكم لحسن العمل والفعال وهدانا وإياكم لصالح الأعمال إنـه الجواد الكريم المفضال

12 مجلس في ذكر القبور 311 قال الله سبحانـه وتعالى { ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر } التكاثر 1 2 السورة مكية التكاثر يعني في الدنيا
روت زينب بنت جحش عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إذا قرأ قارئ ألهاكم التكاثر يدعى في ملكوت السموات والأرض بمؤدي الشكر لله
312 حكاية في الخوف من الله
روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنـهما أنـه قال كان رجل باليمن يقال له يعلى وكان مشركا ليس له من الدنيا إلا قطيفة تواري عورته ويأوي بالنـهار إلى ظل شجرة وبالليل إلى جحر كجحر الكلب فسمع بخروج النبي {صلى الله عليه وسلم} فأقبل إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} وكان شابا ترفعه أرض وتضعه أخرى حتى قدم على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأسلم وقعد مع أهل الصفة يطعم القبضة من العجوة والكسر من خبز الشعير وكان لا يفارق مجلس النبي {صلى الله عليه وسلم} حتى تعلم أربع سور من القرآن فسمع النبي {صلى الله عليه وسلم} يقول لا فاقة بعد القرآن ولا غني بعد النار فقال يا رسول الله زوجني
قال أعندك مال قال عندي أربع سور من القرآن ومن كان عنده الوحي وكلام الله فهو غني قال النبي {صلى الله عليه وسلم} } صدقت فانطلق إلى بني سلمة حي من الأنصار واستخر الله فأول جارية تستقبلك فهي زوجتك فانطلق الشاب لا يدري إلى أين يتوجه فاستقبله جارية جميلة فقال يا جارية أي حي هذا قالت بنو سلمة قال الشاب الله أكبر أنت امرأتي تعالي قالت ما أسفهك قال لست بسفيه ولكن أمرني
إذا دخلتموها

قال الفراء هذا تكرار التغليظ ويقال { لترون الجحيم } التكاثر 6 أي لترونـها رؤية علم { ثم لترونـها عين اليقين } التكاثر 7 بالمشاهدة { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } التكاثر 8 يسألون عن شكر ما كانوا فيه من النعم والحياة والنعيم فزعم قوم أن الآية في الكفار وقال آخرون بل هي على العموم في المؤمنين
عن ابن عباس رضي الله عنـهما أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال } نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ {
روى أبو هريرة عن النبي {صلى الله عليه وسلم} } أول ما يحاسب بـه العبد يوم القيامة أن يقال له ألم أصح جسمك وأروك من الماء البارد {
وعن محمود بن لبيد قال لما نزلت { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } التكاثر 8 قال أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أي نعيم وإنما هما الأسودان التمر والماء وسيوفنا على عواتقنا
قال أما إنـه سيكون ابن مسعود وقتادة وسعيد قالوا الأمن والصحة
مجاهد قال الخبز والماء والملح
إبراهيم النخعي من سمي الله تعالى على الطعام حين يأكل ويحمد الله حين يفرغ فقد أدى شكره
الحسن قال كانوا يعدون من النعيم في الدنيا أن يتغدى الرجل ويتعشى
علي رضي الله عنـه النعيم الرطب والماء البارد
أبو أمامة قال النعيم خبز البر والماء العذب وقال النبي {صلى الله عليه وسلم} } طيب النفس من النعيم { أبو الدرداء رضي الله عنـه قال النعيم الشعير والماء العذب
محمد بن علي قال النعيم العافية
وقال أبو عسيب مولى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مر بنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ليلا فدعاني فخرجت إليه ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه ثم مر بعمر رضي الله عنـه فدعاه فخرج إليه ثم انطلق بنا

رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فقال لصحابه أطعمنا بسرا فجاء بعذق فوضعه فأكل رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه ثم دعا بماء بارد فشرب وشربوا ثم قال لتسألن عن هذا يوم القيامة فأخذ عمر العذق وضرب بـه الأرض حتى تناثر البسر وقال له يا رسول الله إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة قال نعم إلا كسرة تسد بها جوعتك وخرقة تلف بها عورتك وجحر تدخل فيه من القر والحر علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منـهم وهو قوله تعالى { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنـه مسؤولا } الإسراء 36 قال الله تعالى { ألهاكم التكاثر } التكاثر 1 قيل معناها ألهاكم التكاثر في الدنيا بجمع الحطام واكتساب الآثام والتمادي في الإجرام وأنشدوا
أرضيت دارا لا بقاء لها
تعد الشرور وتنصب الفتنا
ما يستقيم سروره صاحبها
حتى يعود سوره حزنا
عجبا لها لا بل لموطنـها المغرور
حين يعدها وطنا
فالحمد لله اللطيف بنا
ستر القبيح وأظهر الحسنا
ما تنقضي عنا له منن
حتى يجدد بعدها مننا
يا أخي اشتغلت باللذات وأفنيت عمرك بالترهات وعصيت إله الأرض والسموات ونسيت بيوت الوحشة والحيرات
فيا له من بيت ما أظلمـه ومن صندوق ما أغمـه
منزل الوحشة وبيت الغمة والوحدة
وأنشدوا
وربما عوقص ذو صحة
أصح ما كان ولم يسقم
يا واضعا للميت في قبره
خاطبك القبر ولم تفهم
{ حتى زرتم المقابر } التكاثر 2 بيوت الوحشة ومنازل الضيق والغمة في ضيق وكربات وغم وحسرات وأهوال مقطعات
من ظلمات القبور وسؤال منكر ونكير والخلود في البرزخ إلى يوم النشور فانظر لنفسك أيها المغرور فإن القبر له شأن يتلوه شؤون وأنشدوا
لا تغرنك الحياة وقدم
واحذر القبر إن للقبر شانا
إن فيه لما يحاذر ذو اللب
إذا كان ذا تقى ومعانا

بذلك رسول الل ه {صلى الله عليه وسلم} قالت الجارية إن كان أمرك بذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فسمعا وطاعة لله عز وجل ولرسوله {صلى الله عليه وسلم} ولكن حتى أسمع منـه فانطلق الشاب والجارية ليأتيا النبي {صلى الله عليه وسلم} فإذا أبوها وأخوها فقالا أين تذهبين فقالت إن الشاب تعلق بي وزعم أني امرأته فانكرت ذلك عليه فقال كذا أمرني رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأنا معه إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى أسمع منـه فقالا سمعا وطاعة لله عز وجل ولرسوله {صلى الله عليه وسلم} فانطلقوا جميعا حتى دخلوا على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فتكلم والدها فقال يا رسول الله زعم هذا الشاب الغريب إنك امرته بما صنع بابنتي فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} } نعم فزوجه ابنتك على اسم الله وبركته قال قد فعلت فزوجه الشيخ ابنته وأشـهد النبي {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} } يا معشر المسلمين أعينوا أخاكم فجمعوا له أربعة أواق فضة فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} } لك أوقيتان ولزوجتك أوقيتان فقال يا رسول الله قد جعلت أوقيتي لها أيضا فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} للشيخ والدها جهزوا هذه الجارية للشاب من يومـه هذا قال الشيخ سمعا وطاعة لله عز وجل ولرسوله فجاء الشاب إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأمره أن ينصرف إلى أهله فجاء إلى منزله فدخل إلى فراش مفروش وإلى بساط ممدود وإلى زوجة جالسة وإلى سراج يزهر وإلى طعام قد هيء له فلما نظر إلى ذلك بادر إلى مكان في مجلسه فصلى فيه ركعتين شكرا لله عز وجل لما رأى ثم قام وصلى ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء فحمد الله وأثنى عليه وشكر نعمته ثم جعل يقوم في خلال ذلك فيصلي ركعتين ثم يقوم إلى مثل حاله من الثناء فالشكر لله عز وجل لما رأى فلم يزل كذلك حتى أصبح ثم غدا إلى المسجد فصلى مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الغداة والظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة ثم رجع إلى منزله فلما عاين أهله وما هيء له بادر إلى مسجده فصلى مثل صلاته في الليلة الأولى وجعل يحمد الله عز وجل ويشكره بين كل ركعتين حتى أصبح فغدا إلى المسجد فصلى مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ففعل مثل ذلك حتى تمت له ثلاث ليال فجاء الشيخ في اليوم الرابع فدخل على ابنته فسألها عن زوجها وحالها

معه فقالت لا أدري ما زوجي ما يعرف غير الصلاة وهو يقوم الليل كله يحمد الله ويثني عليه ويصلي فجاء الشيخ إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره بذلك فقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما منعك من أهلك فقال يا رسول الله تذكرت شأني وكنت مشركا باليمن لم يكن لي مأوى إلا جحر كجحر الكلب آوي إليه الليل والنـهار أتبع ظلال الشجر
والحيطان حين أخرج من جحري فهداني الله للإسلام وعلمني أربع سور من القرآن فشرح الله صدري بها ونور بها قلبي فلما زوجتني هذه الجارية نظرت إلى فراشـها وإلى حسنـها وجمالها ولم أر فراشا قط منذ كنت ونظرت إلى سراج يزهر ولم يكن لي سراج قط ونظرت إلى هذه الحالة فتدبرت إحدى سوري الأربع فزهدني الله فيها وما عندها فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} وأي سورة هي قال { ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف } التكاثر 1 2 ثم بكى وبكى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه فلما هدؤوا قال الشاب يا رسول الله خصني منك بدعوة فقال اللهم اغفر له الكثير وأشكره على اليسير واغنـه برحمتك فلم تأت عليه جمعه حتى قيل للنبي {صلى الله عليه وسلم} أن الشاب قد مات فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} لا إله إلا الله إذا فرغتم من غسله أخبروني فأخبروه {صلى الله عليه وسلم} فقال {صلى الله عليه وسلم} هنيئا لك الجنة ثم سأل زوجته هل نال منـها شيئا قالت لا والذي بعثك بالحق نبيا ما نال مني شيئا
313 حكايات عن الصالحين في الخشية من الله
قال ميمون بن مـهران دخلت على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنـه وهو يقرأ { ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر } التكاثر 1 2 فقال إنما يزورون المقابر بالموت ولا بد لكل زائر أن يعود لوطنـه من جنة أو نار
وقال زر بن جبيش عن علي رضي الله عنـه فال كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت { ألهاكم التكاثر } التكاثر 1 يقول شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد عن ذكر الله وطاعته واللهو ما شغل
وأكثر ما يقال في البطالة { حتى زرتم المقابر } التكاثر 2 بيوتكم

ويقال إن حيين من قريش تفاخرا وتعاددا بالأموات كان منا فلان وكان منا فلان { كلا سوف تعلمون } التكاثر 3 يقول سوف تعلمون إذا متم { ثم كلا } التكاثر 4 يقول ثم كلا سوف تعلمون في قبوركم وهو وعيد مع وعيد فمعنى الأول غير معنى الثاني وليس ذلك بتكرير
قال الفراء والكلمة قد تكررها العرب على التغليظ والتخويف
فهذا من ذلك
ثم قال { كلا } أي كلا لا يؤمنون بالوعيد ثم استأنف وقال { لو تعلمون علم اليقين } التكاثر 5 يقول محض اليقين وهو الذي لا شك أعلمكم أنكم سترون الجحيم في الآخرة كقوله { وبرزت الجحيم لمن يرى } النازعات 36 فالتكرار في قوله تعالى { لترون الجحيم } التكاثر 6 في القيامة إذا برزت { ثم لترونـها عين اليقين } التكاثر 7
إنني موقن بما في كتابي
عاجلا تسوني الأكفانا
فإذا ما وضعت في ظلمة اللحد
وبدلت من مكان مكانا
وإذا لم يدركني ربي بعفو
ألق في القبر ذلة وهوانا
314 صفة القبر
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إلا وإنـه ليتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول أنا بيت الظلمة أنا بيت الوحشة أنا بيت الدود الله الله يا إخواني اعملوا لهذا الضيق وجدوا في العمل باجتهاد وتحقيق
وأنشدوا
} كأني بإخواني على حافة القبر يهيلونـه فوقي وأدمعهم تجري
عفى الله عني حين أترك ثاويا أزار فلا أدري وأجفى فلا أدري {
فانتبهوا عباد الله من نومة الغفلة واعملوا ليوم النقلة واستعدوا لظلمة القبر ما دمتم في فسحة ومـهلة ولا تقطعوا أيامكم بالمحال وجنبوا أعماركم سوء الفعال فإن الموت نازل بكم والقبر أمامكم
وأنشدوا
ني أني من حديثي
والحديث له شجون
ضيعت موضع مضجعي
وقتا ففارقني السكون
قل لي فأول ليلة
في القبر كيف ترى أكون
315 أشد ما على الميت

قيل إنـه لا يأتي على الميت في قبره أشد وأصعب من أول ليلة يبيت فيه فمن تفقد ميته في أول ليلة بشيء من الصدقة وإلا فليصل ركعتين وليهد ثوابهما لميته يرفع الله تعالى عن ميته ما يجد من الغم والوحشة ويكتب الله للمصلين عبادة ستين سنة بقيامـها وصيامـها
وأنشدوا
} بالله يا عين بوحي وابكي علي ونوحي
غدا أوسد قبري
غدا أزور ضريحي
غدا نزوح الأحبة
وتمنعي أن تروحي
ذكر أن الميت إذا وضع في قبره وقال المشيعون انصرفوا آجركم الله يقول الميت إن كان من أهل الشقاء يا ليتني مع من انصرف لعظم ما يعاين من هول المطلع
يا أحبابي فإذا كان لأحدكم بيت ولم يبسط فيه على ما يجلس جلس على التراب والأرض كذلك من لم يقدم لقبره عملا صالحا لنفسه بقي مستوحشا وحيدا فريدا في رمسه
وأنشدوا
أنا في القبر رهين
قد تبرا الأهل مني
اسلموني بذنوبي
خبت إن لم يعف عني
فارحم اليوم مشيبي
وارحم اللهم سني
وارحم اللهم ضعفي
لا يخيب اليوم ظني
316 عظة للنبي {صلى الله عليه وسلم}
روي عن ابن عباس رضي الله عنـهما أنـه قال كان النبي {صلى الله عليه وسلم} يعظنا أحيانا فيقول تجهزوا لقبوركم فإن القبر ينادي كل يوم سبع مرات فيقول يا ابن آدم الضعيف ارحم نفسك في حياتك قبل أن تلقاني فإنك إذا لقيتني وكنت عاملا بطاعة مولاك رحمتك ورأيت مني السرور وإن لم ترحم نفسك لم أرحمك أنا بيت الدود مع الندامة الطويلة وأنا بيت الوحشة مع الجوع الشديد والشدة أنا بيت العطش مع الظلمة أنا بيت الضيق مع العقارب يا ابن آدم إياك أن تغرك الحياة الدنيا فإن ممرك علي وأنا أول منازلك إلى الآخرة فإن نجوت مني نجوت من كل شدة تتخوف منـها يا ابن آدم أنا بيت الغضب لا أرحم شابا لشبابه ولا صغيرا لصغره ولا كهلا ولا شيخا لكبره ولا أرحم إلا من رحم نفسه
وأنشدوا
} عجبت لمن يتم له السرور بدار كل ما فيها غرور
وكيف يلذ ساكنـها بعيش ويعلم أن مسكنـه القبور

يا ابن آدم لقد خلقت لأمر عظيم لو كنت تعقل لظهر قنوعك ولبان خشوعك وثارت دموعك خوفا من القبر ووحشته ومن اللحد وضغطته ومن هول المطلع وروعته
فامـهد لنفسك يا مسكين بينما أنت حي وبينما يقبل منك
كل شيء قبل طي الكتاب وغلق الباب ونزول الحجاب والرحيل إلى التراب
وأنشدوا
0 لا تأتمن وإن أمسيت في حرم
إن المنايا تفاجئ كل إنسان {
واسلك طريقك واثبت غير منحرف حتى تلاقي الجزا من عند رحمن
فكل خل وإن أشفقت تتركه وكل مال وإن أكثرته فان
والخير والشر مقرونان في قرن بكل ذلك يأتيك الجديدان
ففكروا رحمكم الله في أحبابكم وجيرانكم وأصحابكم وإخوانكم وآبائكم وأمـهاتكم وأخواتكم والأباعد والأقارب وذوي المودة والأجانب
قد استوحشت من أنفسكم الديار وانقطعت بينـهم الآثار وبقوا رهنا في الأحداث بالأوزار
قد هجرهم الحبيب وسلا عنـهم القريب قد ضيقت عليهم اللحود وسالت عيونـهم على الخدود وتمزقت عنـهم الجلود ودبت في أجسادهم الهوام والدود وبقيت أرواحهم في البرزخ إلى اليوم الهائل الموعود
لم ينفعهم ما جمعوا ولا حصنـهم ما بنوا وشيدوا ولا منعهم كلما صنعوا
صارت القبور لهم قرارا وفرت الأحباب عنـهم فرارا
فانتبهوا يا معشر الإخوان واجتهدوا في طاعة الرحمن من قبل مفارقة الأحباب والأوطان
وأنشدوا
هي الأحداث تطرق أو تعاد وكل للمنية في مـهاد
وما يبقى ال إذا يوافي شديد البطش جبار القياد
فكم أسرى إلى ليث هصور وجبار من الأجناد عاد
فقل لأخي السلامة عش مليا فإن الكون داعية الفساد
وكن في العمر لقمان بن عاد وهاك لقمان بن عاد
} فإن المرء في أيدي المنايا أسير ما له منـهن فاد
317 العبرة بالقبور
يا أخي إذا أردت أن تدري كيف حالك من بعدك فأخرج إلى القبور وانظرها وقد عفت ومثل قبرك بين القبور

ثم انظر ماذا تحتاج إليه في قبرك فأكثر منـه لطول مدتك فيه وهو العمل الصالح فأما ما سوى ذلك فما لك حاجة في شيء من أمور الدنيا فإنـه يصير عليك وبالا في قبرك وحسرة وانظر حالك الذي أنت عليه
إن كان يصلح للموت والقبر فتمادى عليه وإن كان لا يصح لهذين فتب إلى الله تعالى منـها وأرجع إلى ما يصلح
وأنشدوا
كم تناسى القبور يا مغرور
حفر ما بها لعاص سرور
وتعامى عنـها وأنت تراها
ورحاها على الأنام تدور
فاتق الله حق تقواه واحذر
كل هول يخافه المقبور
ودع اللهو والبطالة واعمل
للتي عاجلا إليها تصير
تلك دار البقاء فكل تقي
في رباها مكرم محبور
ولعاص مصر إن لم تنله
رحمة الله مبعد مثبور
318 دعاء لأهل القبور
كان بعض الخائفين إذا خرج إلى القبور لا ترقأ دمعته ولا يأكل ولا يشرب ثلاثة أيام ويقول ترى يا أحبائي ما لقيتم في بيوت الحسرات آنس الله غربتكم ورحم الله وحشتكم وبرد الله مضاجعكم وهون ما قدر عليكم مولاكم إنـه سميع قريب نعم المولى ونعم النصير
ثم يأخذ في البكاء والنحيب
فالله الله أبكوا قبل أيام البكاء واندبوا قبل يوم الأسى
وأنشدوا
} لاه بدنياه والأيام تنعاه والقبر غايته واللحد مأواه
يلهو ولو كان يدري ما أعد له إذا لأحزنـه ما كان ألهاه
أو ما جنت يده لو قد تعرفه ويلاه مما جنت كفاه ويلاه
اعلموا عباد الله أن القبور على الأموات توابيت مقفولة والأعمال في أعناقهم قلائد مجعولة وأرواحهم بالغداة والعشي إلى الجنة أو النار محمولة وأنشدوا
يا أيها الرجل المزخرف قبره ولعله في جوفه مغلول
يا أيها الرجل المقيم بمنزل فيه الحوادث ما أقام نزول
ألا يغرك ملكه ونعيمـه فالملك يفنى والنعيم يزول
وإذا حملت إلى القبور جنازة فاعلم بأنك بعدها محمول
يا إخواننا مضى الإخوان ونحن على آثارهم فإنا لله وإنا إليه راجعون قد عميت أبصارنا عن حقائق الأمور وغفلنا عن ال ونسينا القبور
319 حكاية عن الأصمعي

يحكى عن الأصمعي رضي الله عنـه أنـه قال مررت بأعرابي وهو واقف على مقبرة فقلت له يا أخا العرب ما هذا الموضع الذي أنت فيه فقال
هذي منازل أقوام عهدتهم
في رغد عيش نفيس ما له خطر
صاحت بهن نائبات الدهر فانقلبوا
إلى القبور فلا عين ولا أثر
عباد الله من كان مصيره إلى القبر ما للفرح إليه سبيل والقبر يناديه كل يوم يقول له لا بد لك مني فماذا قدمت لي من عمل صالح وأنشدوا
أجار الدهر ليس له جوار
وحسن الظن بالدنيا اغترار
إذا ما رمت يوما كان يوما
ونقص البدر غايته السرار
ودع حرص الجبان على حياة
وأجمل إن عمرك مستعار
وذو الآمال منـها في غمار
وعند الموت ينكشف الغمار
ويرجو المرء أن يبقى سليما
ويأبى الليل ذلك والنـهار
وهل تخطي المنية نفس حي
وهاديها رواح وابتكار
320 حكاية عن الحسين
قيل كان الحسين رضي الله عنـه إذا رأى القبور قال ما أحسن ظواهرها وإنما الدواهي في بطونـها
فالله الله عباد الله لا تشتغلوا بالدنيا فإن القبر بيت العمل فاعملوا ولا تغفلوا وأنشدوا
} يا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
أخي لو رأيت الميت في قبره بعد ثلاثة أيام لاستوحشت من فقده بعد طول الأنس بناحيته ولو رأيت كيف تجول فيه الهوام ويجري فيه الصديد وتخرقه الديدان مع تغير الريح وبلاء الأكفان بعد حسن الهيأة وطيب الريح ونقاء الثوب
وأنشدوا
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا من أعالي عز معقلهم واسكنوا حفرا يا بئس ما سكنوا
ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا
اين الأسرة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت محجبة
من دونـها تضرب الأستار والكلل {
فافصح القبر عنـهم حين ساء لهم تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طال ما أكلوا دهرا وما نعموا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
فيا معشر الشباب تأهبوا للغدو إلى التراب فإن الشيخ يكفيه مصيبة الشيب فإنـه يمـهد للقبر
وأنشدوا
ما للشيوخ وللغد وإلى الملاهي والبكور

وهم غدا أو قبله أو بعده حشو القبور
321 نداء القبر لساكنيه
عباد الله ما من أحد لا مؤمن ولا فاجر إلا وقبره يناديه بكرة وعشية إما بالبشرى والسرور وإما بالويل والثبور فمن فكر فيه وفي وحشته وضيقه وغمته كان عليه أوسع من الدنيا وأفرج منـها وأبدله الله خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وجعل القبر خيرا من داره فأكثروا ذكره في الآناء والأوقات وأطيعوا جبار الأرضين والسموات عساه يجعله لكم روضة من رياض الجنات ويقيكم فيه الذل والحسرات
وأنشدوا
} قف بالمقابر واذكر وإن وقفت بها
لله درك ماذا تستر الحفر
ففيهم لك يا مغرور موعظة
وفيهم لك يا مغرور معتبر
كانوا ملوكا تواريهم قصورهم
دهرا فوارتهم من بعدها الحفر
الدود يأكل أقواما منعمة
نعم ومن دونـها الألواح والمدر
أعن رضاه ذاك عنـهم أم على سخط
هيهات ضلت وحارت فيهم الفكر
322 بكر بن حماد
يحكى عن بكر بن حماد رحمـه الله أنـه خرج يوما إلى القبور وجعل ينظر إلى امتداد القبور ويفكر في الأحباب والإخوان والأصحاب والجيران
ثم بكى حتى طال بكاؤه وبلت دموعه لحيته ثم جعل يقول
} زرنا منازل قوم لا يزورونا إنا لفي غفلة عما يقاسونا
لو ينطقون لقالوا الجد ويحكم
جدوا الرحيل فقد آوى المقيمونا
الموت أحدق بالدنيا وعزتها
وفعلنا فعل قوم لا يموتونا
فابكوا كثيرا فقد حق البكاء لكم
فالحاملون لعرش الله باكونا
فالله الله جدوا في العمل فإن القبر أمامكم والموت يطلبكم يفرق ما جمعتم ويخرب ما قد بنيتم بقطع الأنفاس وينقلكم إلى ضيق اللحود والأرماس فمن قدم إلى القبر عملا صالحا وجده روضة من رياض الجنان ومن لم يكن له عملا وجده حفره من حفر النيران فاستعدوا له يا معشر الأصحاب والإخوان
روي عن محمد بن السماك رحمـه الله أنـه قال مررت بالمقابر فإذا مكتوب على قبر
تمر أقاربي جنبات قبري
كأن أقاربي لم يعرفوني
وذو الميراث يقتسمون مالي
وما يألون إن جحدوا ديوني
وقد أخذوا سهامـهم وراحوا
فيا لله أسرع ما نسوني

عباد الله أفيقوا من سكرتكم من دار الغرور وطاعة الشيطان المثبور واعملوا لضيق اللحود والقبور
323 حكاية عن أحمد بن أبي الحواري
حكي عن أحمد بن أبي الحواري رحمـه الله أنـه قال خرجت يوما للقبور فذكرت الموت في نفسي والبلاء فرأيت شابا بين القبور قد استفرغه الخوف والبكاء وهو بين القبور منصرف فقلت له من أين أقبلت أيها الفتى فقال من هذا المبرز قلت وأي شيء قلت لهم قال قلت لهم متى ترحلون فقالوا حين تقدمون ثم ولى عني وهو يبكي فتبعته فقلت له أين تريد فقال ألتمس العيش فقلت له كيف تلتمس العيش بين القبور فقال وأي شيء هو العيش عندكم قلت المال والبنون وأشباه ذلك من اللذات بالنساء والصبيان فولى عني وهو يقول أف لعيش يعقب أحزانا وندامة وأشجانا
فقلت وأي شيء هو العيش عندكم قال إنما العيش عندنا هو الإقرار بتوحيد الله والوقوف بفناء الله والخضوع بين يدي الله والتلذذ بحلاوة مناجاة الله فهناك تزدحم عليك أعلام الفوائد من الله تعالى وجميل العوائد قلت له أخبرني عن الصادق لله في حبه متى يشتاق إلى لقائه قال إذا نزع
الله حب الدنيا من قلبه وتبرم ببقائه بين خلقه
فحينئذ يشتاق إلى لقائه
قال قلت له أخبرني عن غاية الزهد في الدنيا قال ترك الحلال حتى لا يقع في الحرام قال قلت أخبرني عن غاية الرضا بالله تعالى قال إذا كنت راضيا بكل ما قدر الله تعالى وقضاه وأحكمـه وأمضاه وأنـه هو المتفضل على المتقين بفضله والخاذل لمن شاء بعدله قلت له أخبرني عن غاية العبادة قال تجمع الهموم فتجعلها هما واحدا حتى يستوي عندك العمران والخراب وتكون خائفا من الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنـه يراك
قلت له كيف النجاة من مخالفة الناس قال إنما الناس رجلان عاقل وجاهل فالعاقل اشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره وقام مجتهدا بطاعة ربه فهو لا يلتفت إليك ولا إلى غيرك وأما الجاهل فلا يبالي كيف ما كان عليه

فعليك بالبراري والقفار والاستئناس بالواحد القهار قلت فمن أين القوت قال تهرب إلى الله تعالى وقد فتح لك باب التوكل عليه ويضيعك حتى تتهمـه في رزقك إنـه رؤوف رحيم لا يسلمك
ثم تصافحنا وتفرقنا ودعا لي فما رأيت أنور قلبا منـه
ووجد على قبر مكتوب
تناجيك أجداث وهن سكوت
وسكانـها تحت التراب خفوت
فيا جامع الدنيا لغير بلاغة
لمن تجمع الدنيا وأنت تموت
عباد الله ارحموا أنفسكم قبل نزول العذاب فإن القبر لا يرحم من ليس له عمل ولا يشفق على من غره طول الأمل ولا يحن على من ضيع أيام المـهل
وأنشدوا
ما حال من سكن الثرى ما حاله
أمسى وقد صرمت هناك حباله
أمسى ولا روح الحياة تصيبه
يوما ولا لطف الحبيب يناله
أضحى وقد درست محاسن وجهه
وتفرقت في قبره أوصاله
واستبدلت منـه المحاسن غبرة
وتقسمت من بعده أوصاله
} ما زالت الأيام تلعب بالفتى
والمال يذهب صفوه وحلاله
324 عيسى والمدينة الخربة
روي أن عيسى بن مريم عليه السلام دخل مدينة خربة فدخل قصرا من قصورها فنادى يا خراب الأخر بين أين أهلك فأجابه شيء من آخر القصر يا ابن
مريم بادوا
فاجتهد ولا تفرط فإن العظام قد بليت وبقيت أعمالهم في رقابهم
وأنشدوا
قف بالقبور وقل على ساحاتها
من منكم المغموم في ظلماتها
ومن المكرم منكم في قفرها
قد ذاق برد الأمن من روعاتها
أما السكون لدى العيون فواحد
لا يستبين الفضل في درجاتها
لو جاوبوك لأخبروك بألسن
تصف الحقائق بعد من حالاتها
أما المطيع فنازل في روضة
يفضي إلى ما شاء من راحاتها
والمجرم الطاغي بها متقلب
في حفرة يأوى إلى حياتها
وعقارب تسعى إليه فروحة
في شدة التعذيب من لذعاتها
عباد الله ما لكم لا تفيقون من غفلاتكم وتنتهون من نوماتكم وتصحون من سكراتكم وتملون من شـهواتكم وتدعون الكثير من لذاتكم
وتذكرون هول المقابر والمصير إلى ضيق الحفائر فإن ملك الموت لا يأتيكم إلا على ألذ ما تكونون من طيب عيشكم ولذة دنياكم فبادروا قبل مبادرته بكم
وأنشدوا

بناء الفتى في لهوه وعنائه
متبختر يختال في لذاته
قد غره الأمل الكذوب
فهمـه في كل ما يدنيه من شـهواته
إذ جاءه ملك النفوس بسكرة
تركه ملقى الجسم بين ثقاته
فتقطعت أسبابه وتخرمت
وتنكر المعروف في حالاته
} لا يستجيب لمن دعاه ولا يرى
شق الجيوب عليه حين وفاته
325 ابن عباس وابن الخطاب
ذكر في بعض الأخبار أن عبد الله بن عباس رضي الله عنـهما دخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنـه يوم قتل فقال أبشر يا أمير المؤمنين قال بماذا قال آمنت برسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين كفر بـه الناس وجاهدت مع رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين خذله الناس ومات رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو عنك راض ولم يختلف في خلافتك إثنان وقتلت شـهيدا فقال له عمر رضي الله عنـه أعد علي ما قلت فأعاد عليه فقال والذي لا إله غيره لو أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت لاقتديت بـه من هول المطلع فإذا كان هذا قول عمر رضي الله عنـه إمام السنة وحبيب الأمة
وسراج أهل الجنة في الجنة قال هذا عند الفراق والانقطاع وأشفق من هول المطلع فكيف بأهل اللهو واللعب والبهتان والكذب أمثالنا الذين قطعوا أعمارهم في الذنوب وأفنوا أيامـهم في معصية علام الغيوب وغفلوا عن القبور ولم يتفكروا في هول يوم النشور والله أعلم وأنشدوا
أراني كل يوم في انتقاص
وبعد لا يزول وطول هجر
وأيامي تمر بغير شيء
وعمر المرء في الأيام يسري
ألا خطوا على قبري كتابا
وقولوا قبر ذي ظلم وغدر
أتى الدنيا وفارقها فقيرا
وكل فتى على ذا النـهج يجري
وقولوا حين أدفن أي عبد
أتى مولاه في ذل وفقر
حكي عن داود الطائي رحمـه الله أنـه مر على امرأة تبكي على قبر وهي تقول
عدمت الحياة ولا نلتها
إذا أنت في القبر قد الحدوكا
فكيف أذوق لذيذ الكرى
وأنت بيمناك قد وسدوكا
قال داود فلما سمعت تذكرت في الأحباب والأخدان والأصحاب والأخدان لا يرى لهم آثار ولا على الأرض منـهم ديار
أمر على القبور وأرتقيها
كأني ليس لي فيها حبيب
وأكره أن أسائلها فإني
أراها حين تسأل لا تجيب
326 عظة نفيسة

عباد الله ما مضى من مضى إلى القبور الحالية من الأمم الخالية لتبقوا بعدهم إلا النذر اليسير الذي بقي من أعماركم ثم تنتبهون إلى القبور وتخرجون من سعة القصور والدور
والحمد لله يا معشر المؤمنين وجماعة إخواني المسلمين جدوا واجتهدوا وبالعمل الصالح فاستعدوا وقدموا لأنفسكم ما تجدوه في المقابر وابكوا عليها قبل حلولها في الحفائر
وأنشدوا
} لكل أناس مقبر بفنائهم فهم في انتقاص والقبور تزيد
وفي محشر الموتى أمام قبورهم فما منـهم من للحياة يعود
327 وأنشدوا
المرء رهن مصائب لا تنتهي
حتى يوارى جسمـه في رمسه
فمؤخر يلقى الردى في أهله
ومقدم يلقى الردى في نفسه
تذكر أيها المغرور أباك وإخوانك وتذكر أهلك وجيرانك وتذكر أحبابك وأخدانك أين الذين كانوا لك في الدنيا أحبابا وفي أيام حياتك أصحابا صحبتهم وصحبوك وذهبوا عنك وتركوك وأوحشوا الأهل والأحباب وفارقوا القرابة والأصحاب قد ضمت أجسادهم المقابر وغيرت أبشارهم الحفائر وبقيت أرواحهم تنتظر يوما تبلى فيه السرائر فمنـهم من يجازى بنعيم وخلود ومنـهم من يرد النار وبئس الورد المورود أين لقمان بن عاد أين ثمود وشداد أين فرعون ذي الأوتاد وأين من طغى في البلاد وأظهر فيها الفساد ذهبت والله تلك الأجناد وصاروا إلى ظلم القبور على غير مـهاد ولا وساد
تذكر أيها الغافل أين الملوك الأكابر وأين الطغاة الجبابر وأين الذين جمعوا الأموال والذخائر وقادوا الجيوش والعساكر وكانت الخطباء تذكرهم على المنابر حولتهم والله النوائب إلى الحفائر وبقوا مرتهنين بأعمالهم في ظلمات المقابر ونزلوا على ما قدموا من ذخائر الأعمال قد قطعت الديدان أوصالهم وغير البلاء أحوالهم
قد سالت العيون منـهم على الخدود وصارت لحومـهم قوتا للهوام والدود وقسمت من بعد دفنـهم في التراب أموالهم ونكحت من عدوهم عيالهم وأنشدوا
هل كان قبلك للذات مرتاحا
لو شفه ذكر ذنب قد مضى ناحا
لله عبد جنى ذنبا فأحزنـه
فظل حيران يذري الدمع سفاحا

فاسفح دموعك عن ذنب أصبت به
فرب دمع جرى للخير مفتاحا
ورب عين رآها الله باكية
خوف القبور ستلقى الروح والراحا
مستعبر قلق مستيقظ فطن
كأن في قلبه للنور مصباحا
يا صاحبي دعا التسويف ويحكما
واستبدلا بفساد الدين إصلاحا
لا تأمنن وقوع الموت إن له
لأنفسا من جميع الخلق مجتاحا
إن لم يبيتهم ناداهم سحرا
وإن تأخر عن تبكيرهم راحا
لا يترك الموت بيتا حشوه فرح
إلا أعاضهم ذلا وأتراحا
أهل القبور أبينوا عن قبوركم
هل تستطيعون لي بالرد إفصاحا
ماذا لقيتم وماذا بعد قيل لكم
لما فقدتم من الأجساد أرواحا
يعزز علي بأبدان منعمة
أمسى بها الدود جوالا وسواحا
الناس في غفلة عما يراد بهم
من كان ذا بصر فالصبح قد لاحا
328 حكاية عن ابن السماك
حكي عن ابن السماك رحمـه الله أنـه حضر يوما جنازة فلما نظر إلى القبور بكى وقال لأصحابه معشر الإخوان ألا متأهب لموت يوصف له يراه أمامـه ألا مستعد ليوم فقره ونزوله إلى حفرته وقبره ألا شاب عازم قد بارز لمنيته ألا من ليس يغيره شباب متنـه ولا شدة قوته إلا شيخ قد بادر لانقضاء مدته فشمر السير فيما بقي من رمقه ماذا ينتظر من دفن أباه وقر أمـه وأخاه ما فرح من القبر مأواه والتراب فراشـه وغطاه
وأنشدوا
} ألا إنما الدنيا بلاء وفتنة وبينا الفتى فيها مـهاب مسود
إذا انقلبت عنـه وزال نعيمـها فاصبح من ترب القبور يمـهد
فكن خائفا للموت والقبر بعده ولا تك ممن غره اليوم أو غد
حكي عن بعض الصالحين رحمـه الله أنـه قال دخلت على مريض وهو في شدة السكرات فقلت له كيف تجدك فبكى ثم قال
رحلت عن الدنيا وقامت قيامتي غداة أقل الحاملون جنازتي
وعجل أهلي حفر قبري وصيروا خروجي وتعجيلي إليه كرامتي
كأنـهم لم يعرفوا قط صورتي غداة أتى يومي علي وساعتي

إخواني ما هذا لمن مضى بل والله لمن مضى ولم بقي لا بد من القبر ووحشته ومن الموت وسكرته فانظروا لأنفسكم ما دام ينفعكم وتفكروا في وحشة القبر ما دام التفكر يباح لكم من قبل وقوع السكرة ونزول الحسرة وحيث لا تقال العثرة
فإن الأيام غرور وهي طريق إلى القبور
وأنشدوا
ما للمقابر لا تجيب إذا دعاهن اللبيب
حفر يستر فوقهن من الجنادل والكثيب
فيهن أطفال وولدان وشبان وشيب
كم من حميم لم يكن نفسي بفرقته تطيب {
غادرته في بعضهن
مجندلا وهو الحبيب
329 حكاية عن بعض الصالحين
حكي أن رجلا من الصالحين رحمـه الله حضر جنازة فلما وضعوها في قبرها وانصرف أهلها وقف على قبر صديق له فناداه يا حبيب
يا فلان الصديق فلم يجبه أحد فأنشأ يقول
} أحبيب مالك لا تجيب مناديا أنسيت بعدي جملة الأحباب
فأجابه مجيب يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو يقول
قال الحبيب وكيف لي بجوابكم وأنا رهين جنادل وتراب
أكل التراب محاسني ونسيتكم وحجبت عن أهلي وعن أحبابي
فعليكم مني السلام تقطعت مني ومنكم عقدة الأنساب
يا مسكين فهذه صفتكم وصفة إخوانكم وأحبابكم وجيرانكم وأصحابكم فاعتبروا بهم وعظوا أنفسكم وأبكوا طول حياتكم أيام وحشتكم وبعد رقدتكم وطول غربتكم وانفرادكم في قبوركم ووحدتكم فعسى الله مولاكم أن يرحمكم فيؤنسكم فيها بأنس كرامته وينورها بنور مغفرته ويجعلها لكم أول منزلة من منازل الجنة وينجيكم فيها من كل عذاب ومحنة إنـه المنان الكريم المتفضل الرحيم
330 موعظة ابن عباس
روي عن ابن عباس رضي الله عنـهما أنـه قال ارحم ما يكون المولى جل جلاله بعبده إذا دخل قبره وتفرق الناس وأهله فمن أكثر من ذكره وجده روضة من رياض الجنة

وما من يوم إلا والأرض تنادي بخمس كلمات يا ابن آدم تمشي على ظهري ومصيرك إلى بطني يا ابن آدم تضحك على ظهري وسوف تبكي في بطني يا ابن آدم تفرح على ظهري سوف تحزن في بطني يا ابن آدم تذنب على ظهري وسوف تعذب في بطني يا ابن آدم تأكل الحرام على ظهري وسوف يأكلك الدود في بطني يا ابن آدم كم من محسود في حياته يود إذا نزل في حفرته لو كان كل ما جمعه وخلفه لأعدائه وحساده فكم من تارك لعياله ما يصلحهم لمعادهم
ويكون هو في قبره أو في رمسه مثبورا
وأنشدوا
أخلق الموت جدتي
ومحا حسني البلى
صرت بين النعيم في
منزل البعد والقلى
وجفاني أحبتي
حين غيبت في الفلا
يا أخي تفكر في تلك الأكفان
وتغير الروائح وصولة الديدان ونـهش العقارب والحيات والكون تحت أطباق الثرى والظلمات
وانظروا إلى أحبابكم في بسط الأرماس كيف عدموا الأناس والحراس وانقطعت عنـهم الحركات وسكنت منـهم الأنفاس وأنشدوا
أتعمى عن الدنيا وأنت بصير
وتجهل ما فيها وأنت خبير
وتصبح تبنيها كأنك خالد
لقد كان فيما قد بلوت نذير
متى أبصرت عيناك أمر ولم يكن
يخبرنا أن البقاء يسير
فدونك فاصنع كلما أنت صانع
فإن بيوت المتقين قبور
331 حكاية عن الحسن البصري
يحكى عن الحسن البصري رضي الله عنـه أنـه نظر إلى جنازة قد وضعت في لحدها فقال يا لها من موعظة بليغة لو صادفت قلوبا حية والله لقد فضح الموت الدنيا ولم يترك فيها لذي نسب فرحا
ثم أشار إلى امتداد القبور فبكى وقال هؤلاء أهل محلة قد كفى من جلس إليهم شرهم وإن ترحم عبد عليهم وصل إليهم ما ترحم به
عباد الله اعلموا أن القبور منزلة بين الدنيا والآخرة فاعملوا لمثل هذا اليوم فإنما هم إخوانكم تقدموا وأنتم في الأثر أيها المتخلف من بعد أخيه أنت الميت من بعده غدا والباقي بعدك هو الميت في أثرك الأول فالأول حتى يتوفوا جميعا فكأنا بكم قد عمكم الموت واستويتم جميعا في سكراته وحللتم جميعا في القبور إلى يوم النشور

فالله الله تفكروا في طول البلاء في ظلمات بين أطباق الثرى
وأنشدوا
} أخي ما بال قلبك ليس ينقي كأنك لا تظن الموت حقا
أيا ابن الذين فنوا وبادوا اما والله ما بادوا وتبقى
وما أحد بزادك منك أحصى وما أحد بزادك منك أشقى
وما للنفس عندك مستقر
إذا ما استكملت أجلا ورزقا
تفكروا في الملوك العتاة والجبابرة والطغاة الذين عمروا الدنيا وملكوها وأقطارها وسكنوا المشيد من قصورها كانوا أشد منكم قوة وآثارا واقوى أجساما وأطول أعمارا خلفوا ما كسبوا للأهل والأحباب وعمر ديارهم من بعدهم الأصحاب وانصرم عنـهم الليل والنـهار ونزلوا على ما عملوا من الأوزار فلو أبصرتموهم بعد قليل في ظلمات القبور وقد تقطعت منـهم الجلود وتمزقت الخدود وضيقت على أبدانـهم اللحود واتخذ الخليل من بعدهم خليلا وصارت أبدانـهم للدود مقيلا
فتفكر يا أخي وكن إلى التوبة مسرعا عجولا ولا تطع الشيطان إنـه كان للإنسان خذولا وكو نوا أولياء الرحمن ولا تكونوا أولياء الشيطان
فعسى الله أن ينجيكم من عذاب النيران ويدخلكم برحمته الجنان
وأنشدوا
اعمل لمثواك في الضريح
واندم على فعلك القبيح
ولا تقصر وفيك روح
فسوف تبقى بغير روح
واقرح الخد من دموع
بالجد من قلبك القريح
والتمس الصفح قبل يوم
تنقل فيه إلى الصفيح
يا نفس إني غدا طريح
والترب يحثى على الطريح
نوحي فلو قد حواك قبر
لم تقدري فيه أن تنوحي
أحبابي قوموا بنا إلى الحزن والبكاء وإلى طول الأسف والأسى لعل الله يرحمنا في ظلمات القبر وعسى فإن القبر ينادي في الصباح والمسا
قيل وقف بعض الصالحين في المقابر وأنشأ يقول
أغضاب أحبابنا أم رقود
فإلى كم يكون هذا الصدود
إن تكونوا قوما نياما فهبوا
كم تناموا عنا ونحن قعود
أو تكونوا هجرتمونا بذنب
كان منا فإننا لا نعود
حكي عن بعضهم رضي الله عنـه أنـه قال مات لي صديق فاغتممت عليه لما كان فيه من الصلاح والخير وحسن الطريقة فرأيته بعد موته في المنام فسألته عن حاله فأنشأ يقول

أنا لكم إخوتي نذير
من هول ما ضمت القبور
عاينت ما لم تعاينوه
وإنما يبتلى الخبير
إن الذي حل بي جليل
جدا فقد أعذر النذير
فإنما أنت في غرور
فلا يغرنك الغرور
فإن قدامك المنايا
والقبر والبعث والنشور
إما إلى جنة وإما
إلى جحيم لها سعير
فالله الله يا معشر الإسلام انتبهوا من ثقل هذا المنام فإن أمامكم وحشة القبور بعد سكرات هول ال فمن ضيع في البطالة والجهالة أيامـه وكثرت في صحيفته أوزاره وآثامـه فمقام الحسرة غدا في القبر مقامـه
وأنشدوا
أبصر وتب يا رجل
قد أزف التنقل
إلى محل ضيق
تذهب فيه الحيل
مالك فيه مؤنس
إلا التقي والعمل
أي غلام قام في
محرابه يبتهل
يقول في سجدته
ودمعه ينـهمل
يا ظاهر يا باطن
يا مالك لا تعجل
اغفر ذنوبي كلها
فشأنك التفضل
} وتب علي توبة
فهي المنى والأمل
332 نباش القبور
روي عن سعيد بن جبير رضي الله عنـه أنـه قال بينما نحن جلوس في مجلس ابن عباس رضي الله عنـهما إذ وقف رجل بين يديه فقال يا ابن عباس ما أذل العاصين بين يدي الله تعالى وما أحسن المبادرين إلى طاعة الله تعالى يا ابن عباس ما أغفل المذنبين عن قرب الجليل وأشد تخليط من لم يوفق بالرحيل
قال ثم خرج
فقام إلى ابن عباس بعض جلسائه فقال له يا ابن عباس إن هذا الفتى نباش وإنما يتستر بهذه المقالة فإذا جن عليه الليل خرج إلى المقابر فنبش فيعري الموتى من أكفانـهم
قال ابن عباس لا أصدق مثل هذا حتى أراه بعيني وألمسه بكفي
فقال له الرجل إن شئت لأرينك ذلك
فقال قد شئت
فلما هجم الليل إذا الفتى قد
أقبل وفي يده اليمنى قنديل وفي اليسرى غل حتى توسط المقابر ثم رمى بطرفه شاخصا وقال سلام عليكم أهل مضايق اللحود ومطعم البلاء والدود ما أبعد سفركم وما أوحش طريقكم فليت شعري ما حالكم ارتهنتم بأعمالكم وقطعتم دون آمالكم بل ليت شعري أندم الحياة حل بكم أم فرح البشرى بالقدوم على ربكم

سبقتمونا فلبيتم وأجبتم قبلنا إذ دعيتم ونحن للقدوم عليكم منتظرون وللمنـهل الذي وردتموه واردون فبارك الله لنا ولكم على القدوم عليه ورحمنا إذا صرنا إلى ما صرتم إليه
ثم نزل في قبر قد احتفره لنفسه فوضع خده على شفير اللحد وجعل ينادي يا ويلتى إذا دخلت في قبري وحدي ونطقت الأرض من تحتي فتقول لي لا مرحبا ولا أهلا ولا سعة ولا سهلا بمن كنت أمقته وهو على ظهري فكيف وقد صرت اليوم في بطني لأضيقن عليك أرجائي ولأذيقنك مكروه بلائي
ويلي إذا خرجت من لحدي حاملا وزري على ظهري وقد تبرأ مني أبي وأمي
بل ويل من طول كذبي إذا أسمعني منادي ربي أين فلان بن فلانة فأبرزت من بين جيرتي وقد بدت إلى الناس سريرتي وقمت عريانا ذليلا وقاسيت كربا طويلا
ثم أساق إلى أرض القيامـه للعرض والوقوف بين يدي جبار السموات والأرض
ويلي إذا وقفت أمام ربي فقال لي عبدي استترت بمعصيتي عن المخلوقين وبارزتني بها وأنا عليك من أكبر الشاهدين أفكنت عليك من أهون الناظرين إليك ثم خر مغشيا عليه فلما أفاق رفع رأسه إلى السماء فقال يا ذخري ويا ذخيرتي ومن هو أعلم بطويتي وسريرتي يا من عليه اعتمادي في حياتي ومن إليه ألجأ بعد مماتي لا تخذلني بعد الموت ولا توحشني في قبري يا سامع كل صوت فلما سمع ابن عباس مقالته لم يتمالك أن سعى حتى وقف على شفير القبر وجعل ينادي لبيك لبيك حبيبي ما أنبشك للذنوب والخطايا هكذا تنبش الذنوب وتمزق الخطايا
ثم التفت إلى الذي سعى بـه وقال له يا عبد الله هكذا فاصنع كلما علمت بمثل هذا النباش فأرشده إلى ابن عباس فما أحبه وآثره لديه يا ليت كل النابشين مثله
وأنشأ يقول
قف بنا بالقبور نبكي طويلا
ونداوي بالدمع داء جليلا
فعسى الدمع أن يبرد منا
بعض لوعاتنا ويشفى الغليلا
وننادي الأحباب كيف وجدتم
سكرة الموت بعدنا والمقيلا
لو أطاقوا الجواب قالوا وجدنا
سكرة تترك العزيز ذليلا
بدلوا بعد القصور قبورا
ثم بعد اللباس ردما ثقيلا

عباد الله اعملوا لظلمة القبر قبل فوات العمل وبادروا بالتوبة قبل انقضاء الأجل واشعلوا في قلوبكم نيران الخوف والوجل وتزودوا للقبر بينما أنتم في فسحة ومـهل فإن الموت آت والعمر فات والطريق طويل والزاد قليل وهول القبر ثقيل
وأنشدوا
تضرع في دجى الليل
إلى مولاك يكفيكا
ولا تأمن هجوم الموت
إن الموت يأتيكا
كأني بالذي يهواك
في القبر يدليكا
وقد أفردت في لحدك
فردا بمساويكا
واسلمك الذي قد كان
في الدنيا يصافيكا
فيا سؤلي ويا ذخري
وكل الخلق راجيكا
ويا من ليس منا
أحد يحصى اياديكا
تجاوز عن مقال ثم
حقق أملي فيكا {
يا أخي قم بين يدي مولاك إذا دخل الليل البهيم واسأله لعله يكفيك في قبرك العذاب الأليم
333 حكاية عن ابن الأسود
حكي عن الحجاج بن الأسود أنـه قال رأيت في المنام كأني دخلت في المقابر فإذا أهلها نيام في قبورهم وقد تشققت الأرض عنـهم فمنـهم النائم على التراب ومنـهم النائم على القباطي ومنـهم النائم على السندس ومنـهم النائم على الإستبرق ومنـهم النائم على الحرير ومنـهم النائم على الديباج ومنـهم النائم على الياسمين والريحان ومنـهم النائم كالمبتسم في نومـه ومنـهم حائل اللون ومنـهم من قد أشرق نوره ومنـهم قد اشتد كربه ومنـهم من قد اغتم في ضيق القبر ووحشته
فبكيت في منامي مما رأيت ثم قلت يا رب لو شئت لسويت بينـهم في الكرامة فناداني مناد من بينـهم يا حجاج هذا الذي تراه من تفاضل الأحوال إنما هي منازل الأعمال ولكل امرئ منـهم ما قدم
فاستيقظت فزعا مرعوبا وأنشدوا
تحرك إن قدرت وقم طويلا
فسوف يطول نومك في التراب
وحقق ما تقول فأنت عبد
تساءل ثم تطلب بالجواب
وكفر ما عملت وكن مجدا
وتب لله تسعد بالمتاب
عباد الله ليس لكم دواء من جميع أمراض الشـهوات إلا التوبة والندم على ما سلف وحسن الأوبة لعل الله يغفر لكم ما عقدتم عليه من الضمائر وما طويتم عليه خفيات السرائر وينور لكم في ظلمات الأجداث وضيق القبور ووحشة الحفائر
وأنشدوا

نعت نفسها الدنيا إلينا فأسمعت
ونادت ألا جدوا الرحيل وودعت
وزمت مطايانا إلى برزخ البلى
وساقت بنا سوقا حثيثا فأسرعت
سلام على أهل القبور أحبتي
لقد بليت أجسامـهم وتقطعت
فما موت الأحياء إلا ليبعثوا
يقينا وتجزى كل نفس بما سعت
عباد الله فما لكم تدعون إلى الرجوع إلى الله فلا تجيبون والموت والقبر فلا تذكرون فإنا لله وإنا إليه راجعون ذهب السامعون والواعظون
وبقي الجاهلون والغافلون
فلا سامع يعي ويسمع ولا واعظ يداوي وينفع
كل قد شغل بالأماني والغرور ونسي الرحيل إلى القبور
ووجد على قبر مكتوبا
لا تثق بالحياة من بعد قبري
كل حي مصيره كمصيري
كنت في نعمة وفي خفض عيش
فمضى وانقضى كيوم قصير
} ثم افردت في القبور وحيدا
وجفاني الصديق فوق القبور
حديث في منكر ونكير
روي أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال لجبريل عليه السلام ليلة الإسراء كفى بالموت طامة فقال جبريل عليه السلام ما بعد الموت أطم منـه وأعظم
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وما ذاك يا جبريل قال الملكان الأزرقان الأسودان يطآن في شعورهما ويخرقان الأرض بأنيابهما بيد كل واحد منـهما عمود لو ضرب بـه الجبال لقلعها من أصولها أعينـهما كالبرق الخاطف واصواتهما كالرعد القاصف يبتلي بهما كل مؤمن وكافر فيأتيانـه في قبره فيروعانـه ويقعدانـه ويعرضان عليه عمله ويريانـه ه من الجنة أو النار
فقال {صلى الله عليه وسلم} أما الكافر لهما أن
يروعانـه ويفعلان بـه ذلك وأما المؤمن فكيف قال جبريل عليه السلام كذلك أمر ربك يا محمد فأما الكافر فلا يجد من عذاب الله فترة من حين يدخل قبره وأما المؤمن فتكون له تلك الروعة كفارة لما مضى من ذنوبه في الدنيا فإذا خرج من قبره خرج مغفورا له ثم لا يدري روعة بعدها أبدا
335 غرور
ذكر أن بعض الملوك بنى قصرا وشيده فأعجب بذلك وسر بـه فلما كان في بعض الليل سمع قائلا يقول
كأني بهذا القصر قد باد أهله
وأوحش منـه أهله ومنازله
وصار مشيد القصر من بعد بهجة
وملك إلى قبر عليه جنادله
ولم يبق إلا ذكره وحديثه

تنادي بليل معولات حلائله
فخذ عدة للموت إنك ميت
وإنك مسؤول فما أنت قائله
فأجابه الملك وهو يقول
أقول بأن الله حق شـهدته
فذلك قول ليس تخفى فضائله
فأجابه الهاتف وهو يقول
فوالله يا فدم إنك ميت
وقد أزف الأمر الذي أنت نازله
فأجابه الملك وهو يقول
متى ذاك حدثني هديت فإنني
سأفعل ما قد قلته وأعاجله
فأجابه الهاتف وهو يقول
تقيم ثلاثا بعد عشرين ليلة
إلى منتهى شـهر وما أنت كامله
قال فلم يتم الشـهر حتى مات
وقال بعض الشعراء في هذا المعنى
تمنت نفسه قصرا مشيدا
يلد بـه ليعمره جديدا
فلما تم عاجله
فأخرجه إلى جدث فريدا
فقل لذوي الترجح في الأماني
ولا يبغون في التقوى مزيدا
تهابوا الموت إن له مجالا
فما يبقى الكبير ولا الوليدا
ويختطف الملوك ذوي المعالي
ولا يخشى الجيوش ولا الجنودا {
336 الملك الزاهد
حكي عن عباد المـهلبي أنـه قال كان رجل من ملوك البصرة ترك الدنيا وتعبد ثم بعد ذلك مال إلى الدنيا وغرورها فبنى دارا وشيدها وأمر بفرشـها ففرشت الدار ونجدت وأمر أن يصنع طعام ودعا الناس إليه فجعلوا يدخلون ويأكلون ويشربون وينظرون إلى بنائه ويعجبون منـه ثم يدعون له ويتفرقون عنـه فمكث بذلك زمانا حتى فرغ من أمر الناس ثم أجلس نفرا من خاصة إخوانـه فقال لهم أترون سروري بداري هذه وقد حدثتني نفسي أن أتخذ لكل واحد من أولادي مثل هذه فأقيموا عندي أياما استمتع بحديثكم فأقاموا عنده أياما يأكلون ويشربون ويلهون ويلعبون وشاورهم كيف يريد أن يبني إذ سمعوا ذات ليلة هاتفا يقول بصوت جهير
يا أيها الرجل الناسي منيته
لا تأمنن فإن الموت مكتوب
على الخلائق إن سروا وإن كرهوا
فالموت حتم لذي الآمال منصوب
لا تبنين ديارا لست ساكنـها
وراجع النسك كيما يغفر الحوب

قال فخرج وخرج أصحابه وراعهم ما سمعوا ثم قال لأصحابه هل تجدون ما أجد قالوا وما تجد قال أجد مسكة على فؤادي وما أراها إلا علة الموت ثم أمر بال فأهريق وأمر بالملاهي فأخرجت ثم قال اللهم إني أشـهدك واشـهد ملائكتك ومن حضر من عبادك أني تائب إليك من جميع ذنوبي نادم على ما فرطت في أيام مـهلتي
ثم اشتد بـه الأمر فلم يزل يقول الموت حتى خرجت روحه وتفرق أحبابه عنـه وأصحابه
وأنشدوا
يا عجبا للناس لو أبصروا
وحاسبوا النفس وقد فكروا
واعتبروا الدنيا إلى غيرها
فإنما الدنيا لهم معبر
والموعد الموت وما بعده
حشر فذاك الموعد الأكبر
عجبت للإنسان في فخره
وهو غدا في وحشة يقبر
ما بال من أوله نطفة
وجيفة آخره يفخر
أصبح لا يملك تعجيل ما
يرجو ولا تأخير ما يحذر
وأصبح الأمر إلى ربه
في كل ما يقضي وما يقدر
لا فخر إلا فخر أهل التقى
غدا إذا ضمـهم المحشر
337 موعظة للبهلول
حكي عن بعض السادات أنـه قال نظر إلي بهلول وأنا أبني دارا فقال لمن هذا الدار فقلت لرجل من كبار أهل الكوفة فقال أرنيه فأريته إياه فناداه يا هذا لقد تعجلت الجناية قبل العناية إسمع إلى صفة دار كونـها العزيز أساسها المسك وبلاطها العنبر اشتراها عبد أزعج للرحيل كتب على نفسه كتابا وأشـهد على عقد ضمائره شـهودا هذا ما اشترى العبد الجافي من الرب الوافي اشترى منـه هذه الدار بالخروج من ذل الطمع إلى عز الورع فما أدرك المشتري من درك فيما اشتراه فعلى المولى خلاص ذلك

شـهد على لك العقد وهو الأمن والخواطر وذلك في إدبار الدنيا وإقبال الآخرة ولهذا الدار حدود أربع فالحد الأول ينتهي إلى مبادئ الصفا والحد الثاني إلى ترك أخلاق الجفا والحد الثالث ينتهي إلى مدارج أهل الوفا والحد الرابع ينتهي إلى السكون والتسليم والرضا في جوار من على العرش استوى ولهذا الدار شارع ينتهي إلى دار الخلد والسلام وخيام قد ملئت بالولدان والخزام ليس فيها أسقام ولا ضر ولا آلام ولا يذوق ساكن هذه الأماكن سكرات ال
يا لها من دار لا ينقضي نعيمـها ولا يبيد كريمـها دار أسست فجعل من الدر والياقوت شرف تلك الحدود وجعل بلاطها من البهاء والنور ومليء خيامـها من جوار بهن كمل السرور من العين الحور ليس لهن سوى الدين والتقوى مـهور فترك الرجل قصره وتاب إلى الله عز وجل وهام على وجهه وجعل البهلول ينادي خلفه ويقول
} يا ذا الذي طلب الجنان لنفسه لا تهربن فإنـه يعطيكا
وأنشدوا
طاب المقام وطاب فيه نعيمـه في دار عدن والجليل يراه
فالله الله يا عباد الله لا تغتروا ببناء الدور وتشييد القصور فعما قليل تخرب وتخرجون منـها إلى ضيق اللحود وظلمات القبور وأنشدوا
سلام على أهل القبور الداورس كأنـهم لم يجلسوا في المجالس
ولم يشربوا من بارد الماء شربة
ولم يأكلوا من كل رطب ويابس
فيا معشر أهل الدنيا تفقدوا أهل القبور بالدعاء الحسن وتلاوة القرآن
338 حديث في هدية أهل القبور
فإنـه روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من دخل المقابر وقرأ قل هو الله أحد عشر مرة وأهدى ثوابها للموتى غفر الله تعالى للموتى وأدخل في قبورهم النور والسرور ويكتب الله تعالى للقارئ بكل ميت مات من يوم أهبط الله آدم إلى الأرض إلى يوم القيامة عشر حسنات
339 الصدقة والدعاء للميت

وروي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } أهدوا إلى موتاكم { قيل وما نـهدي يا رسول الله إلى الموتى قال الصدقة والدعاء وما من أهل بيت يموت منـهم ميت يتصدقون عنـه بعد موته إلا أهداها له جبريل عليه السلام على طبق من نور فيقف على شفير القبر فيقول يا صاحب القبر هدية أهداها إليك أهلك اقبلها فتدخل عليه فيفرح بها ويستبشر ويحزن جيرانـه الذين لا يهدي إليهم شيء فالله الله لا تغفلوا عن موتاكم ولا تنسوهم من الصدقة والدعاء فإنكم تدخلون عليهم بذلك السرور ويغتبطون بها في القبور
340 رجاء الأموات للأحياء
وقد جاء في الحديث أن الموتى يرجون الأحياء من الأحباب إلى رأس أربعين سنة فمن أيأسهم أيأسه الله رحمته ومن فرحهم أكرمـه تعالى بتحيته
وفقنا الله وإياكم للأعمال الصالحة وأعاننا وإياكم على طلب الرغائب والخيرات آمين برحمته فإنـه مجيب الدعوات وقاضي الحاجات ومقيل العثرات وصلى الله على من أخرجنا من الظلمات إلى النور المطهر من الآفات المجتنى من أطيب الثمرات وعليه منا أطيب السلام والتحيات ما دامت الأرض والسموات آمين آمين فهو مجيب الدعوات وقاضي الحاجات وغافر الذنوب والزلات آنس الله وحشتي ووحشتكم في القبور وآنس روعتي وروعتكم يوم النشور وأحلنا وإياكم برحمته دار السرور
آمين آمين

13مجلس في فضل الصيام 341 قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } البقرة 183 أيها الغافل عن الثواب الكثير والساهي عن الملك الكبير واللاهي عن لباس السندس والحرير المتقاعد عن اليوم العبوس القمطرير النائم عما أتي بـه محمد البشير النذير الذي أنقذنا الله بـه من جهنم وحر السعير

يا غافل يا ساهي أتاك شـهر رمضان المتضمن للرحمة والغفران وأنت مصر على الذنوب والعصيان مقيم على الآثام والعداون متمادي في الجهالة والطغيان متكل م بالغيبة والبهتان متعرض لسخط الرحمن قد تمكن من قلبك الشيطان فألقي فيه الغفلة والنسيان فأنساك نعيم الخلد والجنان فظللت تعمل أعمال أهل النيران فإن كنت يا مسكين كذلك فكيف ترجو الفوز بالرضوان والحلول في دار الخلد والأمان والخلاص من دار العقوبة والهوان
وأنت مطعمك حرام ولباسك حرام ولسانك لا يفتر عن قبيح الكلام وبصرك حديد إلى ما حرم من الحرام عليك ذو الجلال والإكرام ويدك ممدودة إلى ما نـهاك عنـه الملك العلام وقدمك تسعى إلى ما هو إثم وحرام وأنت في جميع أمورك وأفعالك مخالف للقرآن والأحكام تارك لسنة محمد عليه الصلاة والسلام
فجسمك من الجوع متعوب من الفجر إلى الغروب ويلحقك النصب واللغوب وصومك عن مولاك بالطرد محجوب وأخاف أن تكون في النار على وجهك مكبوب لمخالفتك لعلام الغيوب
فخمص ويحك بطنك عن أكل الربا والحرام وأحبس لسانك عن الوقوع في جماعة الإسلام وغض طرفك عما هو عليك أعظم من أعظم الآثام وهو النظر إلى ما لا يحل لك من حرم الأنام وامتثل ما أمرك بـه أحكم الحكام وقم بين يديه في الليل البهيم إذا هجع النوام وتضرع إليه إذا أدهم
الليل بداجي الظلام
وحينئذ يصح لك القبول لشـهر رمضان وتفوز بالنعيم الأبدي في دار السلام وتنجو من الأهوال والعذاب الغرام
فليكن ويحك بصرك من النظر إلى المحارم معدولا وسمعك عن سماع القبيح من القول معزولا وبطنك من أكل الحرام محمولا وقلبك بالفكرة في الحسنات والمعاد مشغولا وذكر مولاك وسيدك في لسانك مجعولا ومالك في طاعة العزيز الجبار مبذولا { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنـه مسؤولا } الإسراء 36 وقد أعلمك مولاك أن الشيطان كان للإنسان خذولا فلم خنت عهد مولاك وأمانته وكنت لنفسك ظلوما جهولا
وأنشدوا
قل لأهل الذنوب والآثام

قابلوا بالمتاب شـهر الصيام
إنـه في الشـهور شـهر جليل
واجب حقه وكيد الزمام
واقلوا الكلام فيه نـهارا
واقطعوا ليله بطول القيام
واطلبوا العفو من إله عظيم
ليس يخفى عليه فعل الأنام
كم له فيه من إزاحة ذنب
وخطايا من الذنوب عظام
كم له فيه من أياد حسان
عند عبد يراه تحت الظلام
كم له فيه من عتيق شـهيد
آمن في القيام خزي المقام
إن دعاه مذلل بخضوع
وخشوع ودمعه ذو سجام
أين من يحذر العذاب ويخشى
أن يصلي الجحيم مأوى اللئام
أين من يشتهي التذاذا بحور
في جنان الخلود بين الخيام
التمس فيه ليلة القدر واترك
التماسا لها لذيذ المنام
واجتهد في عبادة الله واسأل
فضله عند غفلة النوام
يا لها خيبة لمن خاب فيه
عن بلوغ المنى بدار السلام
يا لها حسرة لمن كان فيه
ساترا شره بثوب الظلام
يا إله الجميع أنت بحالي
عالم فاهدني سبيل القوام
} وأمتني على اعتقاد جميل
واتباع لملة الإسلام
342 فضل رمضان
فالله الله عباد الله اغتنموا شـهر المتاب وما وعدكم فيه من جزيل الثواب ومن العفو عن الأوزار وعتق الرقاب
وهو شـهر لياليه أنور من الأيام وأيامـه
مطهرة من دنس الآثام وصيامـه أفضل الصيام وقيامـه أجل القيام
شـهر فضل الله بـه أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام شـهر جعله الله مصباح العام وواسطة النظام وأشرف قواعد الإسلام المشرف بنور الصلاة والصيام والقيام شـهر أنزل الله فيه كتابه وفتح للتائبين فيه أبوابه فلا دعاء فيه إلا مسموع ولا عمل إلا مرفوع ولا خير إلا مجموع ولا ضرر إلا مدفوع شـهر السيئات فيه مغفورة والأعمال الحسنة فيه موفورة والتوبة فيه مقبولة والرحمة من الله لملتمسها مبذولة والمساجد بذكر الله فيه معمورة وقلوب المؤمنين بالتوبة فيه مسرورة
وأنشدوا
أين أهل القيام لله دأبا
بذلوا الجهد في رضا الجبار
أنتم الآن في ليال عظام
قدرها زائد على الأقدار
فاستزيدوا من العبادة فيها
تأمنوا اليوم من عذاب النار
أين من يركب الذنوب اغترارا
لا يخافون سطوة القهار {

قد أهل الهلال من رمضان شـهر زلفى وتوبة وادكار
فاذكروا الله فيه ذكرا كثيرا واستجيروه من عذاب النار
وارجعوا عن ذنوبكم بمتاب صادق واقلعوا عن الإصرار
رب من كان مسرفا مستمرا في خطاياه مكثر الأوزار
ثم إن الإله تاب عليه فاقتضى حمده سبيل الخيار
فاعملوا أيها المسيئون وادعوا ربكم جهرة وفي الإسرار
واحذروا غفلة القنوط وداووا داءها بالرجوع للغفار
تجدوا الله في المعاد كريما ماحيا للذنوب والإصرار
إخواني هذا شـهر ليس مثله في سائر الشـهور ولا فضلت بـه أمة غير هذه الأمة في سائر الدهور الذنب فيه مغفور والسعي فيه مشكور والمؤمن فيه محبور والشيطان مبعد مثبور والوزر والإثم فيه مـهجور وقلب المؤمن بذكر الله معمور وقد أناخ بفنائكم وهو عن قليل راحل عنكم شاهد لكم وعليكم مؤذن بشقاوة أو سعادة أو نقصان أو زيادة وهو ضعيف مسئول من عند رب لا يحول ولا يزول يخبر عن المحروم منكم والمقبول
فالله الله أكرموا نـهاره بتحقيق الصيام واقطعوا ليله بطول البكاء والقيام فلعلكم أن تفوزوا بدار الخلد والسلام
مع النظر إلى وجه ذي الجلال والإكرام ومرافقة النبي عليه الصلاة والسلام وأنشدوا
ألا داع إلى الله المجيب
بقلب من معاصيه معيب
ألا باك لأيام تقضي
بلا عمل ولا قول مصيب
ألا باك على أمد بعيد
يؤديه إلى أجل قريب
فإن الموت يندبنا ويبغي
نفوسا ليس تألم للذنوب
تنادي للترحل كل يوم
ولا تصغي إلى الداعي القريب
كأن يقننا بالموت شك
ونلغي الحق بالإفك المريب
وشـهر الصوم شاهده علينا
بأعمال القبائح والذنوب
فيا رباه عفوا منك وألطف
بفضلك للمحير والكئيب
وهذا الصوم لا تجعله صوما
يصيرنا إلى نار اللهيب
سلام الله ما هبت عليه
قبول أو شمال أو جنوب
عباد الله هذا أول الصوم قد أقبل عليكم بالمغفرة والرحمة فلا تصرفوه عنكم بالسخط والنقمة

لأنـه شـهر عظيم زكي مبارك كريم من أطاع فيه الملك الجبار واتبع فيه السنة والآثار غفر الله له ما قد سلف من الذنوب والأوزار وخاصة برحمته من عذاب النار وأباحه بلطفه دار الرحمة والقرار مع مجاورة النبي محمد المختار صلى الله عليه وعلى آله السادة الأخيار ومن عصى فيه الملك القهار وخالف القرآن والآثار وعمل بأعمال الفجار ولم يوقر شـهرا عظمـه الإله الستار غضب عليه مقدر الأقدار ولعنـه كل شيء يختلج بالليل والنـهار هكذا روي عن الصادق المصدوق محمد المختار قال الله الملك الجبار
343 تقسيم الصوم
{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } البقرة 183 الصيام ينقسم على أحد عشر ضربا صيام الفرض وصيام الظهار وصيام النقل وصيام الوطء في رمضان وصيام كفارة اليمين
وصيام فدية الأذى وصيام التمتع والقرآن وصيام إفساد الحج وصيام كفارة قتل الصيد وصيام النوافل وصيام النذر
والأيام المنـهي عن صيامـها ستة يوم الفطر ويوم الأضحية وثلاثة أيام بعد أيام التشريق ويوم الشك
344 الصوم اللغوي
} يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام { البقرة 183 الصوم ضربان صوم لغوي وصوم شرعي فالصوم في اللغة هو الإمساك وكل ممسك عن شيء فهو صائم
وذم أعرابي قوما فقال يصومون عن المعروف ويفطرون على الفواحش
قال الله تعالى إخبارا عن مريم عليها السلام { فقولي إني نذرت للرحمن صوما } مريم 26 يعني صمتا
يقال صام النـهار إذا ارتفعت الشمس ويقال صامت الخيل وهو قيامـها من غير علف ولا حركة
قال الشاعر
} خيل صيام وخيل غير صائمة
تحت العجاج وخيل تعلك اللجما {
أي خيل تصهل وخيل لا تصهل
345 صيام الجوارح

وكذلك حقيقة الصيام ترجع إلى اللغة لأن ما من جارحة في بدن الإنسان إلا ويلزمـه الصوم في رمضان وفي غير رمضان فصوم اللسان ترك الكلام إلا في ذكر الله تعالى وصوم السمع ترك الإصغاء إلى الباطل وإلى ما لا يحل سماعه وصيام العينين ترك النظر والغض عن محارم الله تعالى لأن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال } من نظر إلى امرأة نظرة حراما حشا الله عينيه يوم القيامة بمسامير من نار حتى يقضي الله بين الخلق ثم يؤمر بـه إلى النار إلا أن يتوب { وعلى كل نظرة لفحة من لفحات جهنم
346 عقاب نظرة في الحرام
ذكر عن بعض الصالحين أنـه نظر على وجهه لمعة سوداء فسئل عنـها فقال نظرت يوما إلى امرأة فتابعت النظرة بأخرى فرأيت في المنام كأن القيامة قد قامت وقد نشر الخلائق في صعيد واحد وجيء بجهنم ونصب الصراط على متنـها وقال الله تعالى لي جز يا عبدي فاقتحمت الصراط فخرج لسان من نار جهنم فأحرق وجهي فأثر فيه هذه اللمعة فقال الله تعالى يا عبدي نظرة بنظرة ولو زدت لزدناك
هذا في المنام من نظرة فكيف بمن تابع النظر ولم يغض البصر وصيام اليدين أن تقبضهما عما ليس لك بحق ولا ملك وأن لا تبسطهما إلا بما هو لله عز وجل
رضى
وصيام البطن أن تخمصه عن أكل الربا والحرام وعن أكل أموال اليتامى ظلما
وصيام القدمين أن لا تسعى بهما في غير طاعة الله عز وجل لأنـه قد قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } من مشى في إفشاء عيب أو كشف عورة لمسلم كان أول خطوة يخطوها يضعها الله في النار وكشف الله عورته يوم القيامة على رؤوس الإشـهاد ثم يؤمر بـه إلى النار {
وصيام الفرج القعود عن الفواحش لأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال
347 عقوبة الزنا

} من زنى بأمرأة يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو مسلمة أو كائنة من كانت من النساء فتح الله في قبره ثلاثمائة باب من جهنم يخرج عليه منـها حيات وعقارب من نار جهنم وشـهب من نار فهي تحرقه وهو معذب مما يلقى من حيات جهنم وعقاربها ويبعث يوم القيامة وهو يتأذى بـه الناس من ريح فرجه ثم يؤمر بـه إلى النار وهو يؤذي أهل النار مع ما هم فيه من شدة العذاب { وقال {صلى الله عليه وسلم} } من زنى بحليلة جاره المسلم لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام { وقال {صلى الله عليه وسلم} } عفوا تعف نساؤكم { من فسد بـه وما من رجل زنى بامرأة إلا جلد بين يدي الله تعالى يوم القيامة ثمانين سوطا من نار من بين يديه ومن خلفه ثم هو في مشيئة الله عز وجل
348 آفات الزنا
وقال {صلى الله عليه وسلم} } الزنا يورث صاحبه ست خصال ثلاث معجلات يعني في الدنيا وثلاث مؤخرات يعني في الآخرة فأما التي في الدنيا فإنـها تذهب بالبهاء وتورث الفقر وتقصر العمر وأما التي في الآخرة فإنـها توجب سخط الله وسوء الحساب وال في النار {
وقال {صلى الله عليه وسلم} } مررت ليلة أسري بي على أناس أمامـهم موائد حسان وعليها لحم مشوي كأحسن ما يكون من الشواء وحولهم جيف أنتن ما يكون من الجيف وهم يأكلون في الجيف ويتركون الشواء فقلت حبيبي جبريل من هؤلاء قال الزناة من أمتك يا محمد تركوا ما أحل الله لهم واقبلوا على ما حرم عليهم فاليوم يطعمون بما يكرهون ويحرمون ما يشتهون ألا وإنـه لا أحد أغير من الله ومن غيرته حرم الفواحش وحد الحدود وكذلك من عمل عمل قوم لوط حشره الله يوم
القيامة أنتن من الجيف يتأذى بـه أهل الجمع ثم يؤمر بـه إلى النار فإذا دخل النار أمر بـه فأدخل تابوت من نار فيسمر عليه مسامير فوق صفائح التابوت حتى يشد في تلك المسامير فلو وضع ما على عرق من عروقه من الآلام والأوجاع على أربعمائة ألف أمة لماتوا جميعا وهو أشد من في النار عذابا
ومن تاب ورجع في حياته فإن الله يغفر له ولا يسأله عن ذلك بعد وفاته

فهذا صيام الجوارح وهو فرض على كل مسلم أبد الدهر في رمضان وفي غيره
فالله الله عباد الله صوموا جوارحكم عن المنكرات واستعملوها في الطاعات تفوزوا بنعيم الأبد في قرار الجنات والتمتع بالنظر إلى جبار الأرض والسموات
349 الصوم الشرعي
والصوم الشرعي هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع بنية من قبل الفجر ويجوز صوم رمضان بنية في أوله
فهذا حد الصيام في اللغة والشريعة
قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم } البقرة 183 فيه أقوال كثيرة وأصحها إن المعنى فرض عليكم الصيام كما فرض على الأمم الماضية التي سلفت من قبلكم قال مجاهد هم أهل الكتاب
روي عن سعيد بن جبير رضي الله عنـه أنـه قال في قوله تعالى { كما كتب على الذين من قبلكم } البقرة 183 أنـه كان كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل الأكل ولم يطعم شيئا إلى الليلة المقبلة وحرم عليهم أن يقربوا النساء تلك الليلة ورخص الله تعالى في ذلك لهذه الأمة
وقيل إشارة الله تعالى بقوله { كما كتب على الذين من قبلكم } البقرة 183 إلى الأمم الخالية وهذه الآية مدح لأمة محمد {صلى الله عليه وسلم} لأن ما من أمة ولا نبي إلا وقد فرض الله تعالى عليه وعلى أمته صيام شـهر رمضان فآمنت بـه هذه الأمة وكفرت بـه سائر الأمم
وقيل إشارة الله تعالى بهذا إلى النصارى وكانوا قد فرض عليهم إذا نام أحدهم من بعد غروب الشمس حرم عليه الطعام وال وكان وطء النساء عليهم حرام حتى بعث الله محمدا {صلى الله عليه وسلم} رحمة لهذه الأمة وفرض عليهم شـهر رمضان فبقي الأمر على تحريم الطعام وال بعد النوم وكذلك تحريم وطء النساء حتى وقع
أربعون رجلا في الأمر منـهم عمر بن خطاب رضي الله عنـه جامعوا نساءهم بعد النوم
350 حكاية الأنصاري

وجاء رجل من الأنصار يكنى أبا قيس واسمـه صرمة بن قيس من بني النجار فصلي مع رسول الله صلاة المغرب والعشاء ثم أتي منزله فقالت امرأته علي رسلك حتى أسخن طعاما صنعته فذهبت ثم عادت إليه وقد نام من تعبه فقالت له الخيبة الخيبة حرم عليك الله الطعام وال فبات طاويا واصبح صائما وعمل في أرضه فأصابه من التعب ما غشي عليه فرآه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يهادي بين رجلين فقال له مالي أراك أبا قيس طليحا والطليح هو الضعيف وفي لغة أخري هو التمايل فأخبره بخبره فرق له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حتى دمعت عيناه وكانت قصة الأنصاري أولا وكانت قصة عمر والأربعين رجلا رضوان الله عليهم آخرا فأنزل الله تعالى في قصة عمر وبدأ بها لأن الجناح في الوطء هو أكثر منـه في الأكل
351 قصة عمر بن الخطاب وغيره
فأنزل الله في قصة عمر رضي الله عنـه وفي الأربعين رجلا الذين وقعوا في الوط هذه الآية { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } البقرة 187 إلى قوله { وابتغوا ما كتب الله لكم } البقرة 187 وقال الله تعالى في قصة صرمة بن قيس { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل } البقرة 187 وهذه رحمة من الله تعالى لأمة محمد {صلى الله عليه وسلم}
وقيل إن الأنصاري فرض عليهم صيام شـهر رمضان في الإنجيل فكانوا يصومون شـهرا فمرض ملك من ملوكهم فجعل عليهم إن أفاق أن يزيدوا فيه عشرة أيام فبرأ فزادوا فيه عشرة أيام فكانوا يصومون أربعين يوما فهلك ذلك الملك وجاء ملك آخر فأكل لحما فأوجع فاه فاشتكى فجعل عليه إن برئ يزيد في سبعة أيام فبرأ فزادوا فيه ثم إنـه هلك وجاء بعده ملك آخر فقالوا اجعلوه في حين لا حر ولا قر فحجبهم الله تعالى عن فضل الشـهر العظيم للإله الكريم الحكيم وجعلهم من أصحاب الجحيم وجعل ثوابهم لأمة النبي الرؤوف الرحيم
352 الأعرابي المجتهد

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه جاءه رجل من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } خمس صلوات في اليوم والليلة { فقال هل علي غير هذا فقال لا إلا أن تطوع قال رسول الله وصيام شـهر رمضان قال هل علي غيره قال لا إلا أن تطوع وذكر له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} الزكاة فقال له هل علي غيرها قال لا إلا أن تطوع فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منـه
فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} } أفلح وإن صدق
353 ثواب الصيام
وروي عنـه {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه { فارغبوا رحمكم الله في هذا الثواب العظيم والملك الجسيم وصوموا واحتسبوا ثوابه عند الرب الرحيم فإنـه شـهر أنزل فيه القرآن من عند الملك الرحمن على النبي محمد عليه الصلاة والسلام
فارغبوا في فضله وسارعوا إلى القيام بحقه يا أولي العقول والألباب ولا تعملوا أعمال من خالف السنة والكتاب فما تدرون أترون غيره أم لا
354 فضل الصلاة على النبي
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أخبرني جبريل عليه السلام قال يا محمد من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فلم يغفر الله له فدخل النار أبعده الله
فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} آمين ثم قال جبريل عليه السلام من أدرك والديه أو أحدهما فلم يغفر له فيه فدخل النار أبعده الله فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} آمين ثم قال جبريل يا محمد من أدرك شـهر رمضان فمات فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قلت آمين
فالله إياكم والموت أن يفاجأكم وقد حيل بينكم وبين صيام غيره وقد فاز العاملون وخسر المبطلون
355 صيام الدهر
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله { وفقنا الله وإياكم لأعمال البر برحمته

قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } البقرة 183 سماهم باسمـه ورسمـهم برسمـه وشرفهم حين عرفهم فقال { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } سهل عليكم بذلك وارد الخطاب
فلما أراد الله جل جلاله أن يكفلهم الصيام الشاق عليهم بدأ الله بأخص أسماء المؤمنين وأجل صفات العارفين وأعلا مقام المحبين فقال { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } ثم زاد بيانا فقال { أياما } ثم زاد بيانا فقال { معدودات } ثم زاد بيانا فقال { شـهر } ثم بين أي شـهر فقال { شـهر رمضان } ثم بين ورقق ويسر فقال { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } البقرة 187 ثم بين تمامـه فقال { ثم أتموا الصيام إلى الليل } فكأنـه سبحانـه قال كتب عليكم الصيام أياما في السنة ووعدتكم عليها المقام في الجنة كتب عليكم الصيام شـهرا ووعدتكم الثواب دهرا
كتب الله الصيام على عبيده وكتب الرحمة على نفسه كتب الصيام أياما معدودات وكتب لكم على نفسه الحصول في الدرجات كتب عليكم أن تصوموا شـهرا وكتب لكم بالحسنة عشرا
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من صام رمضان في إنصات وسكوت وكف سمعه وبصره ولسانـه ويده وجوارحه عن الحرام والكذب والغيبة والأذى اقترب من الله تعالى يوم القيامة حتى تمس ركبته ركبة إبراهيم الخليل ولم يكن بينـه وبين العرش إلا فرسخ أو ميل { شك عطاء بن يسار في هذا الحديث
وروي عنـه {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } لو أذن الله عز وجل للسماوات والأرض أن تتكلما لشـهدتا لمن صام رمضان بالجنة { الإشارة في قوله تعالى { أياما معدودات } البقرة 184 كأنـه سبحانـه يقول فريضتي عليكم معدودة وعطيتي لكم غير محدودة عبادتكم لي بارة ونعمتي عليكم بارة طاعتكم من الحين إلى الحين وثابت لكم أبد الآبدين صيامكم لي من العام إلى العام وإباحتي لكم من الجنة أحسن المقام

اعلموا عباد الله أن مولاكم جل جلاله حياكم بشـهر الصيام وشرفكم بملة الإسلام وجعلكم من خير أمة أخرجت للأنام بمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام
فلا تدنسوا شـهركم بالإفك والزور وأطيعوا مولاكم الكريم الغفور تفوزوا في الجنان بالولدان والحور
الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون { البقرة 183 سماهم باسمـه ورسمـهم برسمـه وشرفهم حين عرفهم فقال { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } سهل عليكم بذلك وارد الخطاب
فلما أراد الله جل جلاله أن يكفلهم الصيام الشاق عليهم بدأ الله بأخص أسماء المؤمنين وأجل صفات العارفين وأعلا مقام المحبين فقال { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } ثم زاد بيانا فقال { أياما } ثم زاد بيانا فقال { معدودات } ثم زاد بيانا فقال { شـهر } ثم بين أي شـهر فقال { شـهر رمضان } ثم بين ورقق ويسر فقال { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } البقرة 187 ثم بين تمامـه فقال { ثم أتموا الصيام إلى الليل } فكأنـه سبحانـه قال كتب عليكم الصيام أياما في السنة ووعدتكم عليها المقام في الجنة كتب عليكم الصيام شـهرا ووعدتكم الثواب دهرا
كتب الله الصيام على عبيده وكتب الرحمة على نفسه كتب الصيام أياما معدودات وكتب لكم على نفسه الحصول في الدرجات كتب عليكم أن تصوموا شـهرا وكتب لكم بالحسنة عشرا
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من صام رمضان في إنصات وسكوت وكف سمعه وبصره ولسانـه ويده وجوارحه عن الحرام والكذب والغيبة والأذى اقترب من الله تعالى يوم القيامة حتى تمس ركبته ركبة إبراهيم الخليل ولم يكن بينـه وبين العرش إلا فرسخ أو ميل { شك عطاء بن يسار في هذا الحديث

وروي عنـه {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } لو أذن الله عز وجل للسماوات والأرض أن تتكلما لشـهدتا لمن صام رمضان بالجنة { الإشارة في قوله تعالى { أياما معدودات } البقرة 184 كأنـه سبحانـه يقول فريضتي عليكم معدودة وعطيتي لكم غير محدودة عبادتكم لي بارة ونعمتي عليكم بارة طاعتكم من الحين إلى الحين وثابت لكم أبد الآبدين صيامكم لي من العام إلى العام وإباحتي لكم من الجنة أحسن المقام
اعلموا عباد الله أن مولاكم جل جلاله حياكم بشـهر الصيام وشرفكم بملة الإسلام وجعلكم من خير أمة أخرجت للأنام بمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام
فلا تدنسوا شـهركم بالإفك والزور وأطيعوا مولاكم الكريم الغفور تفوزوا في الجنان بالولدان والحور
356 التوبة في رمضان
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } للجنة ثمانية أبواب كلها تفتح وتغلق إلا باب التوبة فإن الله تعالى قد وكل بـه ملائكة لا يغلقونـه ما دام الصائمون يصومون
357 أحاديث عدة في فضل رمضان
وروي عنـه {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } للجنة باب يقال له باب الريان يدخل منـه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منـه أحد غيرهم يقال أين الصائمون فيقومون فإذا دخلوا غلق فلم يدخل منـه أحد {
وروي عن أبي هريرة أنـه قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } إذا دخل شـهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ونادى مناد يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر {
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إن لله ملكا رأسه تحت العرش عرش رب العالمين ورجلاه في تخوم الأرضين له جناحان أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب أحدهما من ياقوتة حمراء والآخر من زبرجدة خضراء ينادي كل ليلة من شـهر رمضان هل من تائب فيتاب عليه هل من مستغفر فيغفر له هل من طالب حاجة فيسعف بحاجته
يا طالب الخير أبشر ويا طالب الشر أقصر وأبصر {

فأين أنتم يا إخواننا من هذا النعيم المقيم وهذا الثواب العظيم من عند الإله الكريم ثم اجتهدوا في هذا الشـهر تسعدوا في باقي الدهر واجتهدوا في هذه الأيام القليلة تفوزوا بالنعم الجزيلة والراحة الدائمة الطويلة
اجتهدوا في شـهر رمضان تفوزوا بجنات الرضوان مع الحور الحسان
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } أتاكم شـهر رمضان شـهر خير وبركة يغشيكم الله فيه بالرحمة ويغفر فيه الخطايا ويستجيب فيه الدعاء وينظر فيه إلى تنافسكم
ويناهى بكم الملائكة فأدوا فيه أنفسكم خيرا فإن الشقي كل الشقي من حرم فيه رحمة الله تعالى { فالله الله عباد الله إياكم والحرمان وابلتمادي في العصيان ولا ترضوا في أديانكم بالنقصان في الشـهر الفاضل شـهر رمضان
358 عظيم فضل رمضان

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } لو يعلم الناس مالهم في شـهر رمضان لتمنوا أن تكون السنة كلها رمضان فقالوا يا رسول الله حدثنا بـه فقال } إن الجنة لتزين من الحول إلى الحول ل شـهر رمضان فإذا كانت أول ليلة من رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها المثيرة فتصفق ورق الجنان وخلق المصارح فيسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منـه فتتزين الحور العين ثم يقفن بين شرف الجنة فينادين هل من خاطب لنا إلى الله فيزوجه ثم يقلن يا رضوان ما هذه الليلة فيجيبهن بالتلبية يا خيرات حسان هذه أول ليلة من شـهر رمضان فتفتحت أبواب الجنان للصائمين والقائمين من أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} ويقول الله تعالى يا رضوان افتح أبواب الجنان للصائمين والقائمين من أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} ولا تغلقها حتى ينقضي شـهرهم هذا فإذا كان اليوم الثاني أوحى الله تعالى إلى مالك خازن النار يا مالك أغلق أبواب النيران عن الصائمين والقائمين من أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ولا تفتحها حتى ينقضي شـهرهم هذا فإذا كان في اليوم الثالث أمر الله جبريل عليه السلام أن أهبط إلى الأرض فصفد مردة الشياطين وعتاة الجن وغلهم في الأغلال ثم اقذف بهم في لجج البحار كي لا يفسدو على أمة محمد حبيبي صيامـهم فإذا غلقت في شـهركم أبواب النيران وفتحت أبواب الجنان وصفد فيه الملعون الشيطان فأولى أن لا يسكنكم مولاكم دار العقوبة والهوان وأن يمنحكم بمنـه وفضله دار الخلود والرضوان كما فضلنا بشـهر التجاوز والغفران وهو الكريم المتفضل المنان
359 الصيام والقرآن شفيعان
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام رب عبدك منعته الطعام وال والشـهوات بالنـهار شفعني فيه ويقول القرآن رب عبدك منعته النوم بالليل وتلاني وحرم النوم من أجلي فشفعني فيه فيشفعان {
ويا أخي إذا كان شـهر رمضان في القيامة شفيعا فكن لمولاك فيه عبدا سامعا مطيعا وليكن قلبك عن معصيته رفيعا
360 الصيام باب العبادة

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } لكل شيء باب وباب العبادة الصيام { وإذا كان الصيام لعبادة الرحمن بابا فأولى أن يكون بينكم وبين النار حجابا
أين من يدل على طريق السعادة عسى أصل بعد النقصان إلى الزيادة وألزم نفسي الاجتهاد في العبادة
وأنشدوا
} ألا خيرا لمقترح النواح
أطير إليه منشور الجناح
} فأسأله وألطفه عساه سيسلي ما بقلبي من جراح {
} ويجلو ما دجا من ليل جهلي بنور هدى كمنسلخ الصباح {
} سأصرف همتي بالكل عما
نـهاني الله من أمر المزاح {
} إلى شـهر الخضوع مع الخشوع إلى شـهر العفاف مع الصلاح {
} يجازي الصائمون إذا استقاموا بدار الخلد والحور الملاح {
} وبالغفران من رب عظيم
وبالملك الكبير بلا براح {
} فيا أحبابنا اجتهدوا وجدوا لهذا الشـهر من قبل الرواح {
} عسى الرحمن أن يمحو ذنوبي ويغفر زلتي قبل افتضاحي
361 فضل السحور
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } تسحروا فإن الله يحب المتسحرين والملائكة تصلي على المتسحرين وتستغفر لهم {
وروي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور {
ذكر في بعض الأخبار أن العبد المؤمن إذا قام في رمضان إلى السحور فتوضأ وصلى ركعتين جعل الله تعالى خلفه سبع صفوف من الملائكة فإذا فرغ ودعا آمنوا على دعائه ويكتب الله تعالى له بعددهم حسنات ويرفع له في الجنة بعددهم درجات ويمحو عنـه بعددهم سيئات ثم لا يزالون يدعون ويستغفرون له إلى يوم القيامة
فالله الله اغتنموا في هذا الشـهر المكرم هذا الثواب المعظم ولا تقطعوا
نـهاره بالغيبة وقبح الكلام وتغفلوا في ليله عن طول القيام وتفطروا فيه على السحت والحرام
وتصوموا بجارحة واحدة وتهملوا سائر جوارحكم في المعاصي والآثام فاتقوا الله إن الله عزيز ذو انتقام
وأنشدوا
أتعصي بعد شيب الراس جهلا
كما قد كنت تعصيه غلاما
أراك من التهاون لا تبالي
ولا ترعي الصلاة ولا الصياما
وتفرح بالفطور ولا تبالي
حلالا كان كسبك أم حراما

عباد الله اغتنموا بركة هذا الشـهر العظيم المخصوص بالتفضيل والتكريم الذي بلغنا الله إليه في صحة من الأجسام وسلامة من عوارض الأسقام فالواجب على من عرف قدر هذه النعمة التي سوغها وفضل هذه الأيام التي بلغها أن يحفظها من التخليط والالتباس وأن يكف أذاه عن جميع الناس وأن يحذر لغو الكلام ولا يبطل فضل الصيام عند الملك العلام
362 شدة العقوبة في رمضان
وفي الحديث عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من سرق في رمضان أو زنا أو غصب أو انتهك حراما أو شرب خمرا أو تعدى ظلما لم يتقبل الله منـه صرفا ولا عدلا ولعنـه هو وملائكته إلى مثله من الحول
فكل من يؤذي في رمضان ويظلم على مثل ما يقدم ويندم حيث لا ينفعه الندم
فكم من صائم عن الطعام مفطر بالكلام دائب على القيام مؤذ للأنام فهو من لسانـه وفعله موزور وعلى صيامـه وقيامـه غير مأجور
أين من زاغ عن الهدى ودال على سبيل الردى بل أين من رانت الذنوب على قلبه ولم يبادر بالتوبة من ذنبه ولم يخف من عذاب ربه ويحك يا مسكين اغتنم شـهر رمضان المتضمن بالرحمة والغفران وانظر لنفسك يا مسكين قبل أن تصل إلى حلقك السكين وانتبه من نومك يا مغرور فإن ربك كريم غفور
إلى أي وقت تعانق حوبتك
ولأي يوم تؤخر توبتك إلى حول حائل أو إلى عام قابل كلا والله ما إليك الأقدار ولا بيدك المقدار لعلك إذا انقضى عنك شـهر الصوم لم يبق من عمرك إلا يوم يا هذا إذا أنت صمت فلتصم جوارحك كلها بطنك من الحرام ولسانك من قبح الكلام وبصرك ويدك وسمعك من الإجرام واكتساب الآثام
363 كف الجوارح عن الشرور

عباد الله ينبغي لمن أصبح صائما أن يقول للسانـه إنك اليوم صائم من الكذب والنميمة وقول الزور والباطل والغيبة ولعينيه إنكما اليوم صائمتان عن النظر إلى ما لا يحل لكما وللأذنين إنكما اليوم صائمتان من الاستماع إلى ما يكره ربكما ولليدين إنكما اليوم صائمتان من البطش فيما حرم عليكما من الغش في البيع والشراء والأخذ والعطاء وللبطن إنك اليوم صائمة عن المطعم فانظري على ماذا تفطري وتجنبي المطعم الخبيث الذي تدعين إليه فإن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب وللقدمين إنكما اليوم صائمتان من السعي إلى ما يكتب عليكما وزره ويبقى قبلكما تباعته وإثمـه
ومن وقف لهذا وصبر عليه فقد أوفى بعهد نبيه {صلى الله عليه وسلم}
ومخاطبة ابن آدم لجوارحه بما تقدم وصفه يجب على العبد استعماله أيام صومـه وغيرها ما دام حيا وهكذا كلما أصبح صباح أو أقبل مساء وفقنا الله وإياكم لاستعمال ذلك وأمثاله بتوبة صادقة مخلصة عاجلة بكرمـه
فالله الله عباد الله امتثلوا في هذا الشـهر المكرم وفي غيره لأوامر الله تعالى وانتهوا عن نواهيه
364 أصل رمضان في اللغة
قال الله تعالى { شـهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } البقرة 185 فما جعله هدى فلا يكون ضلالة وما جعله بيانا فلا يكون جهالة وما ضعف فيه الأجر فلا تجعلوه بطالة
شـهر رمضان قيل سمي شـهر رمضان لشدة الحر فيه وقيل أخذ من حرارة الحجارة لما يأخذ القلوب من حرارة الموعظة والفكرة والاعتبار بأمر الآخرة
قال الخليل الرمضاء الحجارة الحارة ورمض الإنسان إذا مشى على الرمضاء فسمي رمضان بذلك لأنـه يرمض الذنوب أي يحرقها وقيل سمي بذلك لأنـه شـهر يغسل الأبدان غسلا ويطهر القلوب تطهيرا
وهو مأخوذ من الرمض وهو مطر يأتي قبل الخريف
وقيل رمض ورفض بمعنى واحد وهو من الحروف المتعاقبة يرفض قوما إلى محل القربة والزلفى ويرفض آخرين إلى محل البعد والسخطة
وقيل سمي شـهرا لشـهرته

وهو شـهر الإيقان وشـهر القرآن وشـهر الإحسان وشـهر الرضوان وشـهر الغفران وشـهر إغاثة اللهفان وشـهر التوسعة على الضيفان
وشـهر تفتح فيه أبواب الجنان ويصفد فيه كل شيطان وهو شـهر الأمان والضمان
شـهر يخفف فيه عن المملوك
تزهر فيه القناديل وينزل فيه بالرحمة جبريل ويتلى فيه التنزيل ويسمح فيه للمسافر والعليل شـهر رمضان للعباد مثل الحرم في أم البلاد الحرم يمنع منـه الدجال اللعين ورمضان يصفد فيه مردة الشياطين
شـهر رمضان في الدنيا مثل الجنان في العقبى سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود ومكله خلود متصل ليس يبيد وفي رمضان بذل المجهود ورضى طلب المعبود وحفظ الحدود وإظهار الكرم والجود
أقبل الصوم يا مسكين وكلنا مساكين وأنت عاكف على ما يسخط الجبار مصر على الآثام والأوزار عامل بأعمال أهل النار متشبه بالنساك والأخيار وأنت في جملة الفساق والفجار وقد أطلع على سرك وضميرك عالم الضمائر والأسرار
وشـهر الصوم شاهد عليك والملائكة تلعنك والله لا ينظر إليك وهو جل جلاله بإعراضك عن الطاعة معرض عنك غاضب عليك فلا تجعل أيها الصائم شـهرك هذا كسائر الشـهور
والله سبحانـه ينظر من عبده إذا لم ير أثرا لشـهر رمضان من ملكه لجوارحه يقول جل جلاله هذا عبدي لا يعرف لشـهري هذا فضلا وأنا لا أعلم الآن له عندي فضلا
365 عظة بليغة
افق يا ذا الغي والمحال واستيقظ يا ذا السهو والإغفال وانتبه من السكرات الطوال

أترضى يا مسكين أن يرد صومك في وجهك من غير قبول من الله أتستحسن أن تكون جائعا عطشان وليس لك جاه عند الله أين النية المجردة أين التوبة المجددة أين الندامة المؤكدة أين الحلال من الطعام أين اجتناب الطعمة الحرام أين حجر الأوزار والآثام أين الرحمة لذوي الفقر والضعفاء والأيتام أين الإخلاص للملك العلام أين التزام شريعة الإسلام أين الأسوة بالنبي عليه الصلاة والسلام انظر يا مسكين إذا قطعت نـهارك بالعطش والجوع وأحييت ليلك بطول السجود الركوع إنك فيما تظن صائم وأنت في جهالتك جازم وفي صلاتك دائم وفي بحار سكراتك هائم
أين أنت من التواضع والخشوع أين أنت من الذلة لمولاك والخضوع أتحسب أنك عند الله من أهل الصيام والأمان الفائزين في شـهر رمضان كلا والله حتى تخلص النية وتجردها وتطهر الطوية وتجودها
وتجتنب الأعمال الدنية ولا تردها وتكثر البكاء والحسرة وتسيل الدموع والعبرة وتلزم الفكرة والعبرة وتسأل مولاك إقالة العثرة فحينئذ يكون صيامك لك من الذنوب شفاء ومن العيوب سترة وجلبابا
أين الصائمون أين القائمون أين الطائعون أين العاملون أين السابقون أين الخاشعون أين الذاكرون أين القانتون أين الصادقون أين الصابرون أين المتصدقون أين الآمرون بالمعروف أين المغيثون الملهوف أين التهاون عن المنكر أين المستشعرون للفكر أين السامعون للعبر بادوا والله مع الصالحين وانقلبوا مع المؤمنين ونزلوا مع النبيين وسكنوا مع الصديقين وبقينا والله مع الجاهلين وسكنا مع الفاسقين وتأسينا بالغافلين واصطلحنا على معصية رب بالعالمين
فصيامك يا مسكين في وجهك مردود وأنت عن رشدك مغيب مفقود وعن صلاحك ونجاحك غير موجود وأنت عن باب مولاك مبعد مطرود وأعمالك بالفسق موصولة وجوارك للعصيان مبذولة وألفاظك في الغيبة مجعولة وعزيمتك للطاعة محلولة وعبادتك في هذا الشـهر غير مقبولة وفرائض مولاك بالمعاصي مـهمولة
وأنشدوا
الصوم جنة أقوام من النار

والصوم حصن لمن يخشى من النار
والصوم ستر لأهل الخير كلهم
الخائفين من الأوزار والعار
والشـهر شـهر آله العرش من به
رب رحيم لثقل الوزر ستار
فصام فيه رجال يربحون به
ثوابهم من عظيم الشأن غفار
فأصبحوا في جنان الخلد قد نزلوا
من بين حور وأشجار وأنـهار
فهنيئا لمن أطاع الملك الرحمن في شـهر الرحمة شـهر رمضان لقد فاز بالحور والولدان في دار السلام والرضوان
صبروا الأيام القليلة فأعقبهم الراحة الطويلة والنعمة الجزيلة كلما تعودت من الخير وما تعمل في هذا الشـهر جوزيت إلى آخر العمر فإن الخير عادة والشر لجاجة
أين أنت يا صائم يا قائم اقبل على الخير تفوز بسرور دائم
تاجر مولاك فإنك تربح وعامله فإنك تفلح واعتذر إليه فإنـه يقبل عذرك واستغفره فإنـه يغفر ذنبك وارغب إليه فإنـه يكشف كربك واسأله من فضله فإنـه يوسع رزقك وتب إليه فإنـه يعظم حظك يا أخي هذا شـهر تستر فيه القبائح والعيوب وتلين فيه النفوس والقلوب وتغفر فيه الأوزار
والذنوب وينفس الله عن الحزين المكروب يقول المولى جل جلاله لملائكته يا ملائكتي انظروا إلى الألسن اليابسة كيف تبتل بذكري انظروا إلى الأحداق الصلبة كيف تدمع من خوفي انظروا إلى الأقدام المنعمة تنصب في المحاريب ابتغاء وجهي يا أخي متى أطعمت في هذا الشـهر لله رب الأرض والسموات رفعت إلى الدرجات العالية في قرار الجنات وحصلت مع مولاك مكسيا من الحسنات عريانا من السيئات
366 تقسيم الصوم والصائمين
والصوم ثلاثة صوم الروح وهو قصر الأمل وصوم العقل وهو مخالفة الهوى
وصوم الجوارح وهو الإمساك عن الطعام وال والجماع

يا أخي من صام عن الطعام وال فصومـه عادة ومن صام عن الربا والحرام وأفطر على الحلال من الطعام فصومـه عدة وعبادة ومن صام عن الذنوب والعصيان وأفطر على طاعة الرحمن فهو صائم رضي ومن صام عن القبائح وأفطر على التوبة لعلام الغيوب فهو صائم تقي ومن صام عن الغيبة والبهتان وأفطر على تلاوة القرآن فهو صائم رشيد ومن صام عن المنكر والإغيار وأفطر على الفكرة والاعتبار فهو صائم سعيد ومن صام عن الرياء والانتقاص وأفطر على التواضع والإخلاص فهو صائم سالم ومن صام على خلاف النفس والهوى وأفطر على الشكر والرضا فهو صائم غانم ومن صام عن قبيح أفعاله وأفطر على تقصير آماله فهو صائم مشاهد ومن صام عن طول أمله وأفطر على تقريب أجله فهو صائم زاهد
قال الله تعالى { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } البقرة 184 يا أخي هذه رحمة مولاك رضي أن ينقص من حقه لئلا ينقص من نفسك وهذه غاية اللطف من مولاك
رخص لك أن تفطر الأيام الطوال بالعذر ورخص لك أن تفطر متتابعا وتقضي إن شئت متفرقا ليسهل عليك وتصوم الأيام القصار عوضا عن الأيام الطوال وهذا الرفق
367 تمثيل الشـهور كأخوة يوسف
قبل الشـهور الإثني عشر كمثل أولاد يعقوب عليه وعليهم السلام
وشـهر رمضان بين الشـهور كيوسف بين إخوته فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب كذلك رمضان أحب الشـهور إلى علام الغيوب
368 نكت في ذلك
نكتة حسنة لأمة محمد {صلى الله عليه وسلم} إن كان في يوسف من الحلم والعفو ما غمر جفاهم حين قال { لا تثريب عليكم اليوم } يوسف 92 فذلك شـهر رمضان فيه من الرأفة والبركات والنعمة والخيرات والعتق من النار والغفران من الملك القهار ما يغلب جميع الشـهور وما اكتسبنا فيه من الآثام والأوزار
نكتة حسنة الإشارة فيه جاء إخوة يوسف معتمدين عليه في سد الخلل وإزاحة العلل بعد أن كانوا أصحاب الخطايا وزلل

فأحسن لهم الإنزال وأصلح لهم الأحوال وبلغهم غاية الآمال وأطم في الجوع وأذن لهم في الرجوع وقال لفتيانـه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونـها فسد الواحد خلل أحد عشر
كذلك شـهر رمضان واحد والشـهور أحد عشر وفي أعمالنا خلل وأي خلل وتقصير وأي تقصير وتفريط في طاعة العليم الخبير
ونحن نرجو أن نتلافى في شـهر رمضان ما فرطنا فيه في سائر الشـهور ونصلح فيه فاسد الأمور ويختمـه علينا بالفرح والسرور ونعتصم فيه بحبل الملك الغفور
إن شاء الله تعالى بمنـه وإحسانـه وعفوه وغفرانـه إنـه سميع بصير وهو نعم أولى ونعم النصير
369 أولاد يعقوب ورمضان
وإشارة أخرى كان ليعقوب أحد عشرا ولدا ذكورا وبين يديه حاضرين ينظر إليهم ويراهم ويطلع على أحوالهم وما يبدوا من أفعالهم ولم يرتد بصره بشيء من ثيابهم وارتد بقميص يوسف بصيرا وصار بصره منيرا وصار قويا بعد الضعف بصيرا بعد العمى فكذلك المذنب العاصي إذا شم روائح رمضان وجلس فيه مع المذكرين وقرأ القرآن وصحبهم بشرط الإسلام والإيمان وترك الغيبة وقول البهتان يصير إن شاء الله مغفورا له بعد ما كان عاصيا وقريبا بعد ما كان قاصيا ينظر بقلبه بعد العمى ويسعد بقربه بعد الشقا ويقابل بالرحمة بعد السخط ويرزق بلا مؤونة ولا تعب ويوفق طول حياته ويرفق بقبض روحه عند الوفاة ويفضل بالمغفرة عند اللقاء ويحظى في الجنان بدرجات الالتقاء
فالله الله اغتنموا هذه الفضيلة في هذه الأيام القليلة تعقبكم النعمة الجزيلة والدرجة الجليلة والراحة الطويلة إن شاء الله
هذه والله الراحة الوافرة
والمنزلة السائرة والحالة الرضية والجنة السرية والنعمة الهنية والعيشة الرضية لا تنال إلا بالوقار لهذا الشـهر الذي عظمـه الجبار وفضل بـه محمد المختار ومن لا يوقره كان مصيره إلى النار
370 رمضان في القيامة

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال بمنى } إذا كان يوم القيامة بينما أنا واقف عند الميزان فيؤتى بشاب من أمتي والملائكة يضربونـه وجها ودبرا فيتعلق بي ويقول يا محمد المستغاث المستغاث بك فأقول يا ملائكة ربي ما ذنبه فيقولون أدرك شـهر رمضان فعصى الله فيه ولم يتب فأخذه الله فجأة فأقول هل قرأت القرآن فيقول تعلمته ونسيته فأقول بئس الشاب أنت فلا هو يتركني ولا الملائكة يتركونـه ثم أشفع له من الله تعالى فأقول إلهي شاب من أمتي فيقول الله تعالى إن له خصما قويا يا أحمد فأقول ومن خصمـه يا رب حتى أرضيه فيقول الله تعالى خصمـه شـهر رمضان فأقول أنا بريء ممن خصمـه شـهر رمضان
ومن يشفع لمن لم يعرف حرمة رمضان فيقول الله تعالى وأنا بريء ممن أنت بريء منـه فينطلق بـه إلى النار فالله الله عباد الله لا تهونوا شـهرا أعظم الله حرمته وأوجب حقه وقد فضلكم بـه عن سائر الأمم وهو هدية من الله تعالى إليكم وكرامة تفضل بها عليكم ليغفر لكم ذنوبكم ويستر عن النار عيوبكم ويغشيكم منـه الرحمة ويرفع عنكم فيه النقمة
ويفضلكم بجزيل النعمة ويشرح صدوركم بنور الحكمة
371 خسران العاصي في رمضان
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال 0 سمعت جبريل يقول سمعت الله عز وجل يقول يؤتى بشاب يوم القيامة باكيا حزينا والملائكة تسوقه بمقامع من حديد ومن نار وهو يقول الأمان الأمان ألف سنة ولا أمان له ثم يساق فيوقف بين يدي الله تعالى فيأمر الله ملائكة العذاب أن تسحبه على وجهه إلى النار قلت يا جبريل من هو قال شاب من أمتك قلت وما ذنبه قال أدرك شـهر رمضان فعصى الله فيه ولم يستغفر الله ولم يتب إليه كي يغفر الله فأخذه الله بغتة فالله الله عباد الله اسمعوا بآذانكم وتدبروا بقلوبكم فلعل الله يبلغكم مرغوبكم ويغفر العظيم من ذنوبكم
هذا شـهر كريم وثوابه كريم والموقر له عند الله كريم يكرمـه الله بجنات النعيم والمستخف بحقه عند الله لئيم مأواه في قرار الجحيم مع الشيطان الرجيم

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } يؤتى يوم القيامة بشـهر رمضان والناس في الموقف فيقولون من هذا نبي أم رسول أم ملك ما رأينا مثل هذا ولا مثل جماله وحسنـه فيقوم بين يدي الجبار جل جلاله فيقول من كان له قبلي حق فليقم فيقولون من أنت فيقول أنا رمضان قال النبي {صلى الله عليه وسلم} فتقوم أمتي إليه وبيده قضبان من نور تضيء ما بين المشرق والمغرب فمنـهم من يعطي قضيبا يضيء له مسيرة شـهر وآخر يضيء له مسيرة جمعة وآخر مسيرة يوم وآخر مسيرة ساعة وآخر موضع قدميه فمن شاء فليوقره ومن لا يوقره فيسام عذابا يصيبه عند الأنوار من الحسرة والندامة فيا معشر أهل رمضان وقروا شـهرا تنعموا فيه دهرا ووقروا الخطر اليسير تجاوزا بالملك الكبير ووقروا الأيام القلائل تصيروا إلى الكرامة والفضائل وقروا اليسير من الأيام تنظرون إلى وجه ذي الجلال والإكرام
372 موعظة للحسن البصري
روي أن الحسن البصري مر بقوم يضحكون فوقف عليهم وقال إن الله تعالى قد جعل شـهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته فسبق أقوام ففازوا وتخلف أقوام فخابوا فالعجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه الباطلون أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانـه والمسيء بإساءته
فالله الله عباد الله اجتهدوا أن تكونوا من السابقين ولا تكونوا من الخائبين في شـهر شرفه رب العالمين
فالله الله اصرفوا ضيفكم رمضان بالكرامة واحرصوا فيه على طلب طريق الاستقامة إلى أن يقضي بكم إلى دار الكرامة والخلد والمقامة وسرمد العز والكرامة وينجيكم من هول يوم الطامة
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } أحب الصلاة إلى الله عز وجل صلاة داود عليه
الصلاة والسلام وأحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود عليه السلام كان ينام من الليل نصفه ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما
373 الصيام باب العبادة
روي عن كعب الأحبار رضي الله عنـه أنـه قال ليس في العبادات أفضل من الصيام لأنـه باب العبادة

وقد جعل الله تبارك وتعالى هذا الشـهر العظيم كفارة للذنب وليس في الذنوب إلا عظيم لأننا إنما نعصي بها الرب العظيم
وقد قالوا لا تنظر إلى صغير ذنبك ولكن انظر من عصيت تاب الله علينا حتى لا نعصيه
فالله الله عباد الله غضوا أبصاركم في هذا الشـهر العظيم وفي غيره عن النظر إلى المحظورات واحبسوا ألسنتكم عن أخذ أعراض المسلمين والمسلمات وأكثروا فيه من الصدقة على أهل المسكنة من ذوي الحاجات وقوموا في لياليكم فيه بكثرة الصلوات واسكبوا من أعينكم واكف العبرات وتضرعوا إلى الله في إقالة العثرات
عساه يبدل سيئاتكم بالحسنات
فإن قيل ما الحكمة في فرض شـهر رمضان ففيه أقوال أحدها أن الله تعالى أمرنا أن نصوم فيه ونجوع لأن الجوع ملاك السلامة في باب الأديان والأبدان عند الأطباء والحكماء
وقيل ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنـه والحكمة ملك لا يسكن إلا في بيت خال
374 فضل الجوع
روي عن يحيى بن معاذ رضي الله عنـه أنـه قال من شبع من الطعام عجز عن القيام ومن عجز عن القيام افتضح بين الخدام وإذا امتلأت المعدة رقدت الأعضاء عن الطاعات وقعدت الجوارح عن العبادات
وأنشدوا
تجوع فإن الجوع يورث أهله
عواقب خير ا الدهر دائم
ولا تك ذا بطن رغيب وشـهوة
فتصبح في الدنيا وقلبك هائم
وروي عن ذي النون المصري رحمـه الله تعالى عليه أنـه قال تجوع بالنـهار وقم بالأسحار تر عجبا من الملك الجبار
وروي عن يحيى بن معاذ رضي الله عنـه أنـه قال لو كان الجوع يباع في
السوق لكان المريد محقوقا إذا دخل السوق أن لا يشتري شيئا غيره والله تعالى قد فضلكم بدين الإسلام ومن عليكم بشـهر الصيام والله أعلم
وأنشدوا
وربك لو أبصرت يوما تتابعت
عزائمـهم حتى لقد بلغوا الجهدا
لأبصرتم قد حاربوا النوم وارتدوا
بأردية السهاد واستعملوا الكدا
وصاموا نـهارا دائما ثم أفطروا
على بلغ الأقوات واستقربوا البعدا
أولئك قوم حسن الله فعلهم
وأورثهم من حسن فعلهم الخلدا

قيل أمرهم المولى جل جلاله بالصيام لأنـه ليس على أهل النار شيء أشد من الجوع وذلك أن الله تعالى يلقي عليهم حتى ينسوا كل العذاب من شدة الجوع
فيستطعمون مالك خازن النار فيأتيهم بطعام الغصة كما قال الله تعالى { إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما } المزمل 12 فيعبر في حلوقهم فيقولون إنا كنا نبتلع الغصص في الدنيا بالماء فيستسقون المـهل كما قال تعالى { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمـهل } الكهف 29 الآية
فأمر الله تعالى أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} بصيام هذا الشـهر ليصرف عنـهم ذلك الجوع وكذلك أمر الله تعالى بصيامـه سائر الأمم فآمنت بـه هذه الأمة وكفرت بـه سائر الأمم وهذا من لطف الله تعالى على أمة محمد {صلى الله عليه وسلم}
وأنشدوا
إذا المرء لم يترك طعاما يحبه
ولم يعص قلبا غاويا حيث يمما
قضى وطرا منـه يسيرا وأصبحت
إذا ذكرت أمثاله تملأ الفما
وقيل فرض عليهم صيام شـهر رمضان لأن الزهد زهدان زهد في الحلال وزهد في الحرام وأشرفها الزهد في الحلال فأمرهم الله تعالى بصوم هذا الشـهر حتى يعطيهم ثواب زهد الحلال والحرام
وقيل أراد الله تعالى بذلك انتباه الأغنياء ليعلموا حال الفقراء فيصوموا معهم وقيل حتى يذكروا بشدة الصوم شدة القيامة لأنـه ليس على أهل القيامة أشد من الجوع وليعلموا أنـه إذا كانت في طاعة الله تعالى شدة فإن الجوع في النار أعظم شدة
فالله الله عباد الله اجتهدوا في حفظ هذا الشـهر العظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين يوم يفوز فيه الصائم ويحشر فيه المتأني المتهاون الظالم إذا عرضت عليه الأوزار والجرائم وانتهاك المحذورات والمحارم
375 سبب فريضة الصيام
فإن قيل لم فرض رمضان ثلاثين يوما فالجواب أنـه قيل إن الوقوف على الصراط ثلاثين سنة فإذا صمت ثلاثين يوما أعانك الله في الموقف بالعافية والسلامة والسعادة والكرامة ثلاثين سنة
فالله الله جدوا واجتهدوا في هذا الشـهر بلا إفراط وخذوا لأنفسكم بالاحتياط واحذروا من المكث الطويل على الصراط

376 رمضان رسول من الله
قيل مثل هذا الشـهر كمثل رسول أرسله سلطان إلى قوم فإن أكرموا شأنـه وعظموا مكانـه وشرفوا منزلته وعرفوا فضيلته رجع الرسول إلى السلطات شاكرا لأفعالهم مادحا لأحوالهم راضيا لأعمالهم فيحبهم السلطان على ذلك فيحسن إليهم كل الإحسان
وإن استخفوا برعايته وهونوا لعنايته ولم ينزلوه منزلته من الإكرام وفعلوا بـه فعل اللئام فيرجع الرسول إلى السلطان وقد غضب عليهم من قبيح أفعالهم وسيء أعمالهم فيغضب السلطان لغضبه
كذلك يغضب الله سبحانـه وتعالى على من استخف بحرمة شـهر رمضان
فيا أيها الإنسان هذا شـهر رمضان شـهر التوبة والغفران وهو رسول من عند الملك الديان فمن أكرمـه منكم حقيقة الإكرام وحفظ فيه لسانـه من قبيح الكلام وبطنـه من أكل الربا والحرام وأموال الأرامل والأيتام غفر له الملك العلام وأدخله الجنة مع محمد عليه الصلاة والسلام
377 أحاديث في فضل الصيام
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } ما من مؤمن يصبح صائما إلا فتحت له الجنة واستغفر له أهل السماء الدنيا حتى يتوارى بالحجاب فإن صلى ركعتين تطوعا أضاءت له السموات نورا وإن سبح وهلل تلقاه سبعون ألف ملك يكتبون تسبيحه إلى أن يتوارى بالحجاب {
فالله الله عباد الله يا أهل الذنوب يا أهل المعاصي والعيوب يا من عصى مولاه علام الغيوب اعملوا في بقية شـهركم ليوم وفاتكم وفقركم إذا وقفتم بين يدي ربكم
روى أن النبي {صلى الله عليه وسلم} كان يقول إذا دخل شـهر رمضان } إن الله فرض عليكم
شـهر رمضان وسننت لكم قيامـه فمن صامـه وأقامـه إيمانا واحتسابا خرج من الذنوب كيوم ولدته أمـه { وقال في حديث آخر ومن صامـه وأقامـه إيمانا واحتسابا وجبت له الجنة فالله الله ارغبوا فيما رغبكم فيه نبيكم وما عرفكم بـه من ثواب ربكم ورحمته عسى أن يغفر لكم ربكم ويتقبل منكم سعيكم

وروي أن النبي {صلى الله عليه وسلم} كان يقول إذا دخل رمضان مرحبا بالمطهر قالوا يا رسول الله وما المطهر قال مطهر من الذنوب والخطايا اللهم اكتب لنا فيه براء من النار وشريعة من الإيمان
فالله الله تطهروا من ذنوبكم للحلول في جوار ربكم واحفظوا العهود في صيام شـهركم فأدوا زكاة فطركم
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال من صام رمضان ولم يؤد زكاة الفطر كان صيامـه معلقا بين السماء والأرض حتى يؤديها فالله الله عباد الله اتبعوا ما أمركم بـه النبي الرسول وأطيعوا ربا لا يحول ولا يزول ولا تغيره الأيام ولا الدهور لا إله إلا الله هو العزيز الغفور

14 مجلس في تحريم الخمر وما جاء فيها 378 قال عبد الملك بن حبيب رحمـه الله ذكر الله سبحانـه وتعالى الخمر في كتابه في ثلاث آيات فذمـها في الإثنتين وحرمـها في الثالثة
فالإثنتان الأولتان منسوختان والثالثة الناسخة وذلك أنـها كانت تشرب في أول الإسلام حتى نزل تحريمـها بالمدينة وبعد الهجرة فالناسخة قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } المائدة 90 فهذا تحريم وكذلك نـهى الله في كتابه كله تحريم في كل ما نـهى عنـه كما كل ما أمر بـه فرض مفترض ألا ترى أنـه قرن تحريم الخمر بالأنصاب وهي الأصنام التي كانت تعبد من دون الله وقد قال تعالى في آية أخرى { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } الحج 30 فقد قرن في نـهيه بين الخمر والأصنام التي كانت تعبد من دون الله تعالى فلما نزل تحريمـها بعث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مناد ينادي في المدينة ألا إن الله قد أنزل تحريم الخمر إن الله ورسوله يحرمان الخمر
فقال بعضهم وهم يشربونـها صه صه حين سمعوا المنادي
يقول اسكتوا حتى تسمعوا ما يقول هذا المنادي فلما تبينوا منـه قوله قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير

فكفوا عنـها وأهريقوا ما بقي عندهم منـها ثم ندموا على ما شربوا منـها وتخوفوا أن يكون الله عز وجل قد سخط عليهم فأنزل الله سبحانـه { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات } المائدة 93
379 تحريم الخمر
اعلموا أن أول ما عاب الله تبارك وتعالى الخمر في سورة النحل في قوله سبحانـه { ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منـه سكرا ورزقا حسنا }
النحل 67 قال الشيخ وهذا ظاهره تعداد النعمة وباطنـه تعيير وتقريع وتوبيخ يقول الله تعالى رزقتكم ثمرات النخيل والأعناب فاتخذتم منـه السكر وعدلتم عن الرزق الحسن
فالمفهوم من هذا القول أن الله تبارك اسمـه عرفكم بمنـه ون عليكم ووبخكم بتغييركم لن فكأنـه تبارك وتعالى قال { ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منـه سكرا ورزقا حسنا } النحل 67 فالمعنى تتخذون من الرزق الحسن سكرا وبدلتم الطيب بالخبيث وهذه غاية الكفر بنعم الله تعالى أن تستعمل في معاصي الله تعالى فلما نزلت هذه الآية وقد أعاب الله تعالى في الخمر ثم امتنع ناس من شربها وبقي على شربها الأكثرون حتى هاجر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى المدينة
380 حمزة عم النبي والخمر
فخرج حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنـه وقد شرب الخمر حتى سكر منـها فلقيه رجل من الأنصار وبيده ناضح له والأنصاري يتمثل ببيتين من شعر لكعب بن مالك في مدح قومـه وذكر مفاخرهم وهما
جمعنا مع الإيواء نصرا وهجرة
فلم يرج حي مثلنا في المعاشر
} فأحياؤنا من خير أحياء من مضى
وأمواتنا من خير أهل المقابر
381 حمزة والأنصاري
فقال حمزة رضي الله عنـه أولئك المـهاجرون فقال الأنصاري بل نحن الأنصار فتنازعا فجرد حمزة سيفه وعدا على الأنصاري فلم يمكن الأنصاري أن يقوم بـه فانـهزم وترك ناضحه فقصد حمزة إلى الناضح فضربه بالسيف فقطعه ومضى الأنصاري مستعديا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأخبره بخبر حمزة وفعاله بالناضح فأعطى النبي {صلى الله عليه وسلم} الأنصاري ناضحا

382 عمر بن الخطاب والخمر
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنـه أما ترى ما نلقى من أمر الخمر يا رسول الله إنـها مذهبة للعقل متلفة للمال فأنزل الله تعالى بالمدينة { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير } البقرة 219 وقرئ كثير والمعنيان متقاربنا { ومنافع للناس } البقرة 219 وعلى هذا معارضة لقائل أن يقول أين
المنفعة وقد قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها { فالجواب عن ذلك أنـهم كانوا يتبايعونـها من الشام بالثمن اليسير ويبيعونـها بالحجاز بالثمن الكثير وكانت المنافع التي فيها من الأرباح
وكذلك قال الله سبحانـه وتعالى { قل فيهما إثم كبير } البقرة 219 فانتهى عن شربها قوم وبقي قوم على شربها حتى دعا محمد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قوما فأطم وسقاهم الخمر حتى سكروا فلما حضر وقت الصلاة قدموا رجلا منـهم يصلي بهم
383 ابن أبي جعونة والخمر
وكان أكثرهم قرآنا رجل يقال له أبو بكر بن أبي جعونة وكان حليف الأنصار فقرأ فتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون فمن أجل سكره خلط فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون وخلط أول السورة بخاتمتها حتى ختم السورة على ذلك فبلغ ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فشق عليه ذلك
فأنزل الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } النساء 43 فكانوا يشربونـها بعد صلاة العشاء الآخرة ثم ينامون ثم يقومون عند صلاة الفجر فيصحون منـها ثم يشربونـها بعد صلاة الصبح فيصحون منـها عند صلاة الظهر ثم لا يشربون بعد ذلك حتى يصلون العشاء الآخرة
384 سعد بن أبي وقاص والخمر

حتى دعا سعد بن أبي وقاص الزهري رجلا لوليمة عملها على رأس جزور فدعا أناسا من المـهاجرين فأكلوا وشربوا الخمر حتى سكروا منـها فافتخروا فعمد رجل من الأنصار إلى أحد لحيى الجزور فضرب بـه أنف سعد ففزه فجاء مستعديا إلى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } المائدة 90 الآية فاختلف العلماء من أهل التفسير في موضع التحريم هل وقع في قوله تعالى { فهل أنتم منتهون } المائدة 91 أو في غير هذا الموضع
وقال قوم من المفسرين إن التحريم وقع في قوله تعالى { فاجتنبوه } المائدة 90 وقال الأكثرون منـهم بل وقع في قوله تعالى { فهل أنتم منتهون } المائدة 91 واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في سورة الفرقان في قوله تعالى } أتصبرون { الفرقان 2 والمعنى اصبروا وكذلك في الشعراء { قوم فرعون ألا يتقون }
الشعراء 11 والمعنى اتقوا
وكذلك في سورة يوسف {صلى الله عليه وسلم} وعلى نبينا محمد وسلم قوله { تزرعون سبع سنين دأبا } يوسف 47 والمعنى ازرعوا
وفي سورة الواقعة قوله { فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونـها } الواقعة 89 يعني الروح والمعنى ارجعوها وكذلك قوله في الخمر { فهل أنتم منتهون } المائدة 91 والمعنى انتهوا فقالوا عند ذلك انتهينا انتهينا يا رسول الله وهذه من الأخبار التي معناها الأمر
وقال بعض أهل العلم إن تحريم الخمر في الآية التي في الأعراف قوله تعالى { إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منـها وما بطن والإثم } الأعراف 33 والإثم هي الخمر قال الشاعر
شربت الإثم حتى ضل عقلي
كذاك الإثم يذهب بالعقول
وقال آخر
نشرب الإثم بالكؤوس جهارا
نترك الهتك بيننا مستعارا
والهتك الأترج

فهذه جمل تحريم الخمر وانتقاله في مواطنـه وأما تحريمـها في الأنعام في قوله تعالى { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يط إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير } الأنعام 145 فإنـه رجس والدم رجس والميتة رجس والخمر بل الخمر أكثر رجسا بل الميتة أحلت للمضطر ولم تحل الخمر لأحد والخمر ما خامر العقل فغطاه وإذا غاب العقل حضر الجهل وإذا حضر الجهل كفر العبد ولا يبالي
وأما قول الله تعالى { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نـهاكم عنـه فانتهوا } الحشر 7
385 أحاديث في تحريم الخمر
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال كل مسكر حرام وما أسكر كثيره من جميع الأشربة فقليله حرام
وفي حديث آخر قال {صلى الله عليه وسلم} كل أسكر فهو حرام واعلموا أن أمكن ما يكون الشيطان من العبد إذا شرب المسكر فإذا تمكن الشيطان من العبد أمره بالكفر وصده عن الإيمان وعن طاعة الرحمن وأغلق في وجهه أبواب الخير كله
وأنشدوا
الخمر داعية إلى العصيان
والخمر قائدة إلى النيران
والخمر شاربها يصد عن الهدى
ويبدل الطاعات بالعصيان
والخمر شاربها حليف ضلالة
ويبدل الإيمان بالكفران
شرب المدامة للإله عداوة
ومحبة للمارد الشيطان
فبادروا التوبة يا أهل الزنا
وتقربوا للواحد الديان
وتباعدوا عن شرب مفتاح الردى
ومغالف الخيرات في الإيمان
فهي المحرمة التي تحريمـها
في محكم الآيات والقرآن
روي عن رسول الله أنـه قال } الخمر جماع الإثم { وهذا الحديث يخرج منـه قول النبي {صلى الله عليه وسلم} ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة { وشارب الخمر لا يقبل منـه صلاة فإذا لم يقبل الله منـه حسنة واحدة واجتمعت عليه الآثام فهي جامعة للآثام قائدة إلى الحرام قاطعة عن طاعة الملك العلام
386 الخمر شر كله
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } الخمر مفتاح كل شر وأن خطيئتها تعلو كل الخطايا كما أن شجرتها تعلو كل الشجر { فهنا قد قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } الخمر مفتاح كل شر { وما كان مفتاحا للشر كله كان مغلاقا للخير كله

فإذا شربتم القهوات وعصيتم رب الأرضين والسموات وانغلقت عنكم أبواب الخيرات وانفتحت لكم أبواب المنكرات وحلت بكم عظائم المصيبات وغضب عليكم رب الأرباب وسيد السادات عاقبكم بأشد العقوبات في دار المصائب والحسرات ومحل العذاب والبليات
وأنشدوا
} أهل الخمور من الرحمن قد بعدوا
وفي العذاب على الخسران قد وردوا {
} بشربهم من إله العرش قد بعدوا وفي الصدور مع الشيطان قد قعدوا {
} دع المدامة لا تسلك طريقتها فأهلها لنعيم الرب قد جحدوا {
} وقد تواعدهم رب السماء على
شرب الخمور بنار جمرها يقد {
} غدا ترى أهل شرب الخمر كلهم بدار ويل على النيران قد وردوا
387 قول ابن عباس في السكران
روي عن ابن عباس رضي الله عنـه أنـه قال من بات سكرانا بات للشيطان عروسا وللعروس حبيبا فإذا كنت بيب الشيطان فأنت عدو الرحمن وإذا كنت
عدو الرحمن فأنت من أهل الهوان وفي سموم النيران
عباد الله مولاكم قد أمركم بأمره ونـهاكم بنـهيه ومن عليكم برفقه ووسع عليكم من سعة رزقه
وجعلكم من خير الأمم وأسبل عليكم جزيل النعم فلا تستعينوا بن على معاصيه فإنـه ذو انتقام وعذاب ورحمة وثواب فأطيعوا مولاكم في جميع الأمور ولا تهتكوا أستاركم بشرب الخمور ولا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور
وأنشدوا
يا شارب الخمر ترجو أن تنال به
عفو الإله وأنت اليوم مطرود
وأنت تشرب طول الدهر منـهمكا
وأنت عن طاعة الرحمن مفقود
شربتم الخمور وعصيتم الرب الغفور وهتكتم الستور وركبتم الفواحش والفجور وتهاونتم بصعاب الأمور ولم تفكروا في العرض والنشور والوقوف بين يدي من يعلم ما تخفي الصدور
388 ثمن الخمر خسارة

ذكر في بعض الأخبار ما من عبد أنفق درهما في الخمر إلا محق الله تبارك وتعالى من رزقه سبعين درهما وجعل الله كل درهم ينفقه في الخمر سلسلة في عنقه من نار جهنم وجعله تعبانا يأكله في قبره إلى يوم القيامة فإذا خرج من قبره خرج معه الثعبان فلا يفارقه حتى يلقيه في نار جهنم وأعظم من هذا أن شارب الخمر لا يكتب له صاحب اليمين حسنة واحدة ولا ينظر الله إليه وإنما يكتب له صاحب الشمال لأن رأس العبادات هي الصلاة ولا يقبل من أحد حسنة حتى تقبل صلاته وصاحب الخمر لا تقبل صلاته فإذا تاب تاب الله عليه ومحا الله من صحيفته كل ذنب عمله في حال شربه وكتب له بكل حسنة عملها ولم تقبل منـه يثبتها الله تعالى وإذا مات من ساعته مات ولا ذنب عليه ويكون أفضل ممن لم يشربها في الدنيا وأنشدوا
لا تشرب الخمر يا مغرور إن لها
وزرا عظيما لدى الرحمن في الحشر
الخمر تبعد عن حق الإله وعن
شرع االرسول الذي في محكم الذكر
إن الذي قطع الأيام يشربها
له عذاب شديد كاشف الستر
روي أن النبي {صلى الله عليه وسلم} أعار عليا بعيرين ليأتي عليهما بأذخر يستعين بـه على زفاف
فاطمة رضي الله عنـها فجاز بهما علي رضي الله عنـه فأناخهما عند باب حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنـه واستأجر يهوديا ليخرج معه ويأتي بالأذخر وكان حمزة يشرب وغنت المغنية غناء تذكر في أكباد الإبل فخرج حمزة فوجد البعيرين على بابه فنحرهما ودخل بأكبادهما فجاء علي رضي االله عنـه فوجد البعيرين نحيرين فمضى إلى النبي {صلى الله عليه وسلم} فشكا إليه فجاء معه صلوات الله عليه فلما رأى حمزة النبي {صلى الله عليه وسلم}
389 كيف سكر حمزة

وكان حمزة رضي الله عنـه قد أخذت فيه الخمر قال ألستم عبيدي فتأخر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقال لست بعبد لأبيك فقال عمر رضي الله عنـه اللهم إن الخمر مفسدة للعقل مذهبة للمال فأنزل اللهم لنا في الخمر بيانا فأنزل الله سبحانـه { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } البقرة 219 إثم أي في تناولها ومنافع للناس في ترك تناولها فإذا تركها عبد من عباد الله غفر الله له ما قد سلف
390 قراءة السكران
فقال قوم نشربها لما فيها من المنفعة فحانت وقت الصلاة فقدم رجل سكران فصلى بأصحابه فقرأ يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون وختم السورة على هذا فبلغ ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فشق عليه فقال عمر رضي الله عنـه اللهم أنزل علينا بيانا في الخمر فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } النساء 43 فكانوا يشربونـها في غير وقت الصلاة حتى كان من أمر سعد بن أبي وقاص ما كان مع الأنصاري وقد تقدم ذكره فقال عمر رضي الله عنـه اللهم أنزل علينا في الخمر بيانا فأنزل الله عزل وجل { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } المائدة 90 إلى آخر الآيتين إلى قوله { فهل أنتم منتهون } المائدة 91 فقالوا بأجمعهم انتهينا يا رسول الله انتهينا فعند ذلك بعث النبي {صلى الله عليه وسلم} مناديا ينادي في المدينة ألا إن الخمر قد حرمت
قال أنس بن مالك فسمعت النداء وأنا أسقي طلحة في رهط من الأنصار الفضيخ والبسر والرطب فوالله ما انتظروا حتى قالوا يا
أنس أخرجها عنا فأهريقت في الحين فانتهوا
فإذا فعل هذا أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبادروا إلى التوبة وأطاعوا مولاهم ونبيهم {صلى الله عليه وسلم} فمالكم لا تتأسوا بأفعالهم وتقتدوا بأعمالهم وتقفوا آثارهم وتسمعوا أخبارهم وتتركوا الخمر لوجه الله الكريم فعساه يجعل الجنة مأواكم ويكرم الآخرة مثواكم فراقبوه فإنـه يراكم ويعلم سركم ونجواكم والله أعلم
وأنشدوا

لا يشرب الخمر إلا فاجر بطر
قد خالف الله والقرآن والرسلا
بئس ال وبئس الشاربون لها
لا يسلكونـه إلى دنياهم سبلا
هي الدليل إلى دار الجحيم غدا
بئس الدليل ولا يرجى لهم حولا 9
} إلا يتوب عسى الرحمن يقبله فتب من الذنب لا تيأس وإن ثقلا
391 من مات يدمن الخمر
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من مات وهو يشرب الخمر لم يشربها في الآخرة
وهي والله من ألذ نعيم الجنة كما قال تبارك وتعالى { وأنـهار من خمر لذة للشاربين } محمد 15 يا عدو نفسه يا مسكين حرمت نفسك اللذات وفي قرار الجنات وعصيت رب الأرضين والسماوات بشربك القهوات المحرمات في محكم الآيات ولم تستح من عالم السرائر والخفيات وأنشدوا
أكثرت الخمر من عيوبي وزاد حزني مع الكروب
جل مصابي وضاق ذرعي واسود قلبي من الذنوب
يا ليتني تبت باجتهاد لعالم الجهر والغيوب
} الخمر مفتاح كل شر لكل عاص لها شروب
392 عذاب شارب الخمر
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } بعثني الله تعالى رحمة وهدى للعالمين وأقسم ربنا بعزته وجلاله لا يشرب عبد من عبيده جرعة خمر إلا سقيته مكانـها من حميم جهنم معذبا أو مغفورا له ولا يدعها عبد من مخافتي إلا سقيته إياها من حظيرة
الفردوس فيا معشر الإسلام أطيعوا مولاكم الملك العلام ولا تخالفوا القرآن والأحكام واقبلوا نصيحة نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام يدخلكم ربكم برحمته دار السلام وأنشدوا
إلى الله أشكو ضيق صدري من الضر
وعظم خطايا كالجبال وكالقطر
لعل إلهي أن يجود بعفوه
وينقذ عبدا عام في غمرة السكر
ظلموا غشوما لا يفارق محرما
لا يستفيق الدهر من فتنة الخمر
فيا طول حزني ثم يا طول حسرتي
لئن لم يجد لي عالم السر والجهر
393 شارب الخمر في القيامة

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } والذي بعثني بالحق إن شارب الخمر يأتي يوم القيامة فيقول الله سبحانـه وتعالى لملائكته خذوه فيبتدرون له سبعون ألف ملك فيسحبونـه على وجهه فتستقبله الملائكة معها السلاسل فيضربون وجهه فيفتح فاه فيلقى فيه طعام مثل رؤوس الشياطين ولا يكاد يسيغه فيخرج الدود منـه فيتلعق بلسانـه ثم يقع في بطنـه فهي تجري فيه مثل الوحوش في البرية أيها المصرون على الجراع والآثام المسرفون في المسكر الحرام أفنيتم أعماركم في الكذب والزور وضيعتم أيامكم في الجهل والغرور وقطعتم أوقاتكم في الفسق والفجور واستعننتم على معصية الله بشرب الخمور أما علمتم أن الخمر متلفة للمال مذهبة للبهاء والجمال عاقبتها إلى وبال ويؤول شاربها إلى شر مآل الخمر أولها لهو ومزاح وآخرها بكاء ونياح امرأة شارب الخمر في كل وقت مطلقة وثيابه في كل حين ممزقة
شارب الخمر خليل الشيطان شارب الخمر عدو الرحمن شارب الخمر بعيد من الإيمان شارب الخمر قريب من الضلال والخسران شارب الخمر في بحار السخط عائم شارب الخمر على عذاب النار حائم شارب الخمر مخالف للتنزيل شارب الخمر مخالف لسنة الرسول عدو للملك الجليل شارب الخمر ملعون على لسان سيد المرسلين شارب الخمر مخالف لسنة خاتم النبيين
أما علمت يا من بعد من الإحسان وتقرب من الفسوق والعصيان وحل في سخط المـهيمن الديان أن الخمر موقعة للعداوة والشقاق قاطعة للخير والأرزاق قائدة إلى أليم العذاب يوم التلاق
أما علمت أنـها تحول بين شاربها وبين الرشاد وتلقيه في الضلال والفساد وتوقع العداوة والبغضاء بين
العباد وتقود إلى العذاب الشديد يوم التناد
وأنشدوا
الخمر ولادة للشر أجمعه
ومن ولادتها العصيان والكفر
تعصي الإله إذا ما عشت تشربها
وتبعد الخير والإحسان والشكر
العبد يشربها واللعن تابعه
والخزي شامله والويل والعسر
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال

لعن الخمر وشاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها وبايعها ومبتاعها وحاملها والمحمول إليه وآكل ثمنـها والدال عليه يا أخي قد لعن الله كل من نسب إلى الخمر واللعنة هوانا للعبد وإذا أبعد الله العبد من جواره أصلاه عذابه وحر ناره فبادر يا شاربها إلى المتاب فإن الله قد حرمـها في الكتاب وتواعد عليها أشد النكال والعذاب
وأنشدوا
} يا من يبيت على شرب الخمور ولا يخشى الإله ولا يخشى من النار
تعصي الإله ولا تقضي فرائضه
عار عليك وما في التوب من عار
فتب من الخمر للرحمن خالقنا
وكل ذنب قديم العهد أوتار
394 الخمر جريمة عظيمة
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من شرب شربة من مسكر لم يقبل الله له صلاة أربعين يوما فإن تاب تاب الله عليه والذي بعثني بالحق من شرب من الخمر ثلاث شربات لا يقبل الله تعالى صلاته مائة وعشرين يوما وكان حقا على الله تعالى أن يسقيه من الخبال قال عبد الله بن عمر رضي الله عنـه هو صديد أهل النار وقيحهم
وفي بعض الأخبار لو أن قطرة من الخبال ألقيت من السماء السابعة لمات أهل السماوات والأرض من النتن فإن لله وإنا إليه راجعون على من شرب الخمور وهتك الستور وعصى الملك الغفور وبذل مـهجته لعذاب الويل والثبور وغره بالله عدوه الغرور
وأنشدوا
تعصي الإله وتأتى الخمر تشربها
وترتجي من إله العرش غفرانا
وأنت تحوي فعال الخير أجمعها
وقد جمعت من العصيان ألوانا
فتب ولا تتمادى في الضلال عسى
تلقى إلها كثير العفو رحمانا
عباد الله أما تستحون ممن أخرجكم من بطون الأمـهات وأسبغ عليكم جزيل النعم والخيرات وهداكم بفضله إلى الصوم والصلوات ووعد من أطاعه
بالخيرات في الجنات العاليات وتواعد من عصاه بالخيبات وشدائد العقوبات
أما علمتم أن الخمر أم الجرائم والسيئات ومفتاح الكبائر والخطيات وباب المصائب والرزيات وموجبة لغضب رب الأرضين والسموات ومخربة الديار بوقوع الشتات

فلا تدنسوا أعمالكم بشرب الخمر الحرام فإنـها أم الكبائر ولآثام ومن شربها فقد خالف القرآن والأحكام وحل في سخط الملك العلام أما تستحي يا مطرود من باب الله يا مخالفا لحدود الله يا مؤالفا لأعداء الله من رب من عليك بنعمة الإسلام وجعلك من خير أمة أخرجت للأنام وفضلك بمحمد عليه افضل الصلاة والسلام فعصيت يا مغرور مولاك واتبعت غيك وهواك ونسيت النعم التي أولاك ولم تنته عما عنـه نـهاك
أهذا جزاء من أحسن إليك وسترك وأنعم عليك بئس ما صنعت يا من ظل في المعاصي سرا وجهرا يا من بدل ن الله كفرا يا من هتك بعصيانـه حجابا وسترا يا من حرم بذنيه توفيقا ويسرا يا من أورثه العصيان شرا وعسرا
أما تستحي يا مطرود يا من هو عن باب مولاه مردود يا من خالف الأحكام والحدود من رب أخرج لك من العدم إلى الوجود عنبا حلالا أخرجه من العود تعصر منـه خمرا تعصي بـه الملك المعبود ما أجهلك بطريق المتقين ما أبعدك عن سيرة خير المرسلين يا قليل الدين يا ضعيف الإيمان واليقين يا خليل الشيطان اللعين ستعلم غدا إذا وقفت بين يدي أسرع الحاسبين وأمر بك إلى العذاب المـهين فحينئذ تقول بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين اللهم تب علينا حتى لا نعصيك برحمتك يا أرحم الراحمين

15 مجلس في فضل يوم عاشوراء وما جاء فيه 395 وفي صيامـه من الفضل العظيم
اعلموا عباد الله أن الله سبحانـه وله الحمد والمنة قد فضل هذه الأمة بفضائل خص بها أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} من سائر الأمم
الحكمة في ذلك أن الله تعالى لما جعل أمة محمد أقصر الأمم أعمارا جعل لهم هذه الفضائل وهذه الدرجات ورفع لهم بذلك الدرجات والمنازل في الجنة وهي كالأيام البيض من كل شـهر وكيوم عرفة ورجب وشعبان والستة أيام بعد الفطر ومثلها كثير

فهذه أمة قد رفق الله بها وجعل لها من اليسير كثيرا ووعد لها على ذلك في الآخرة أجرا كبيرا فيوم عاشوراء يوم تغفر فيه الذنوب والخطيات ويتقرب فيه بالصدقات وأفعال الخيرات إلى عالم الخفيات وصومـه سنة مستحبة لما روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال
396 ثواب صيامـه
من صام يوم عاشوراء أعطاه الله تعالى ثواب عشرة آلاف ملك وثواب عشرة آلاف شـهيد وثواب كل حاج ومعتمر في ذلك العام وثواب تسبيح ملائكة السبع سموات ومن فيهن {
وروي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من صام يوم عاشوراء كتب الله له عبادة ستين سنة صيام أيامـها وقيام لياليها وكأنما حج واعتمر سبعين مرة {
فالله الله عباد الله تقربوا إلى الله في يوم عاشوراء أيما استطعتم من نوافل الخير وسبل البر فإن يوم عاشوراء يوم يوصل فيه الرحم ويضاعف الأجر للمؤمن السخي الكريم ومجزي الله جل جلاله معطي الزكاة جنات النعيم ويبذل فيه السخط على الشقي اللئيم
الذي يمنع الزكاة المفروضة في القرآن الحكيم
فالله الله معشر المؤمنين وجماعة الموحدين ارغبوا في هذه الفضيلة الجزيلة تفوزوا بالنعمة الدائمة الطويلة التي ليس لها زوال ولا انقطاع ولا لصاحبها عنـها صد ولا امتناع

روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من أفطر عنده مؤمن في يوم عاشوراء فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} وأشبع بطونـهم ومن مسح على رأس يتيم في يوم عاشوراء رفع الله له بكل شعرة على رأسه درجة في الجنة ومن كسا فيه مسكينا فكأنما كسا مساكين أمة محمد {صلى الله عليه وسلم} وكساه الله سبعين حلة من حلل الجنة { فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنـه يا رسول الله صلى الله عليك لقد فضلنا الله عز وجل بيوم عاشوراء فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } نعم يا عمر خلق الله السموات والأرض في يوم عاشوراء وخلق الشمس والقمر في يوم عاشوراء والنجوم كمثله وخلق العرش والكرسي في يوم عاشوراء وخلق القلم في يوم عاشوراء واللوح كمثله وخلق جبريل في يوم عاشوراء وملائكته كمثله وخلق آدم في يوم عاشوراء وحواء كمثله وخلق الجنة في يوم عاشوراء وأسكن آدم الجنة في يوم عاشوراء وولد إبراهيم عليه السلام في يوم عاشوراء ونجاه الله من النار في يوم عاشوراء وهداه الله في يوم عاشوراء وأغرق الله فرعون في يوم عاشوراء ورفع عيسى في يوم عاشوراء ورفع الله إدريس في يوم عاشوراء وولد عيسى بن مريم في يوم عاشوراء وتاب الله على آدم في يوم عاشوراء وغفر ذنبه في يوم عاشوراء واستوت سفينة نوح على الجودي في يوم عاشوراء وأخرج يوسف من السجن في يوم عاشوراء وتاب الله على قوم يونس في يوم عاشوراء وأعطى سليمان الملك يوم عاشوراء ويوم القيامة يوم عاشوراء
ويروى أن أول مطر ينزل من السماء يوم عاشوراء
397 الغسل يوم عاشوراء
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض إلا مرض الموت ومن اكتحل بالاثمد يوم عاشوراء لم ترمد عيناه في تلك السنة كلها ومن عاد مريضا يوم عاشوراء فكأنما عاد جميع ولد آدم عليه السلام وعلى جميع الأنبياء الكرام ومن سقى مؤمنا شربة من ماء يوم عاشوراء فكأنما سقى جميع ذرية آدم وكانوا عطاشا ومن صلى يوم عاشوراء أربع ركعات ويقرأ في كل ركعة بفاتحة

الكتاب وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة غفر الله له خمسين عاما ماضيا وخمسين عاما مقبلا وبنى له الله ألف منبر من نور الله عباد الله ارغبوا في فضل هذا اليوم المرغوب فعسى الله أن يغفر لكم ما أسلفتم من الأوزار والذنوب ويستر عليم ما أتيتم من القبائح والعيوب
روي أن موسى عليه السلام قال مكتوب في التوراة من صام يوم عاشوراء فكأنما صام الدهر كله ومن تصدق يوم عاشوراء فكأنما لم يترك سائلا إلا أعطاه ومن كسا فيه عريانا فكأنما كسا جميع خلق الله ومن مسح على رأس يتيم فكأنما مسح رؤوس اليتامى وغرس الله له بكل شعرة على رأسه سبعمائة شجرة تحمل من الحلي والحلل عدد نجوم السماء ومن أرشد فيه ضالا دفع الله عنـه ظلمة القبر وملأ قلبه نورا ومن كظم غيظا كتب من الراضين بقسم الله تبارك وتعالى ومن شـهد جنازة يوم عاشوراء فله بكل شيء خلقه الله وهو خالقه درجات في الجنة ومن ترك فيه شـهوة وأطا أخاه المسلم لم يقبض روحه ملك الموت حتى يط من طعام الجنة ويسقيه من ها ومن اغتسل في يوم عاشوراء كان عند الله طاهرا ومن قرأ آية في كتاب الله في ليلة عاشوراء أو في يومـها أعطي من الثواب مثل ما أعطي لإدريس عليه السلام ومن أحيا ليلة عاشوراء فكأنما عبد الله بعبادة الملائكة المقربين ومن بكى يوم عاشوراء أو ليلة عاشوراء أو فاضت عيناه من خشية الله تعالى كتب الله له نصيبا في عبادة الخائفين ومن أتى عالما في يوم عاشوراء ليسمعه أو يتعلم منـه مسألة في دينـه وما ينفعه لآخرته أعطي مثل ثواب المـهاجرين والأنصار وأوجب الله له الجنة ويكتب له الملكان الحسنات إلى يوم عاشوراء من العام الذي يأتي ومن صام يوم عاشوراء محتسبا عالما بفضله سخر الله له بكل ساعة من ليله ونـهاره من ذلك اليوم الذي صامـه مائة ألف ملك يدعون له إلى يوم القيامة ومن أراد صيام يوم عاشوراء وأصبح فيه آكلا وهو لا يعلم فليمسك عن الأكل في بقيته وله فضله كاملا إن شاء الله تعالى

398 النفقة على العيال
وتستحب النفقة في ليلة عاشوراء ويوم عاشوراء رجاء فضل الله وطلبا لمرضاته ولوجوب البركة فيه فإنـه روي أن من أنفق فيه درهما أخلف الله له
سبعمائة
وكل درهم ينفقه فيه في طاعة الله فهو عند الله تعالى أثقل من السموات والأرضين السبع
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنـه يقول أكثروا خير بيوتكم في ليلة عاشوراء ويومـه ووسعوا فيه على أهاليكم فيما يحل ويجمل فمن لم يجد فليسوع خلقه أظنـه مع قرابته وليعف عمن ظلمـه
399 بنو إسرائيل وعاشوراء
وكان يوم عاشوراء يصومـه بنو إسرائيل ويعظمونـه وكانت قريش تصومـه في الجاهلية فلما قدم رسول الله {صلى الله عليه وسلم} المدينة صامـه وأمر بصيامـه إلى أن فرض شـهر رمضان فجعل الله تعالى هذا الخير كله لأمة محمد {صلى الله عليه وسلم}
فيوم عاشوراء يوم يتقبل الله فيه الحسنات وترفع فغيه الدرجات المرتفعات وتخلف فيه النفقات وتكثر فيه البركات
ويفرح فيه أهل الفاقة والحاجات
يوم عاشوراء يوم تظهر فيه الأعمال ويوسع فيه على العيال وتزكوا فيه الأفعال والأقوال ويرحم فيه عبيده ذو الإكرام والجلال
يوم عاشوراء يوم توصل فيه الأرحام وتربح فيه الكرام وتخسر فيه اللئام لمخالفتهم القرآن والأحكام وعصيانـهم الملك العلام
يوم عاشوراء تفرح فيه الأرامل والأيتام ويرحم فيه ذو الجود والأنعام ويغفر فيه السيئات والإجرام ويوجب لمن أطاعه دار الخلد والسلام فالله الله عباد الله إياكم أن يضرب الشيطان على قلوبكم الأقفال ويصدكم عن سبيل الكريم المتعال ويفتح في قلوبكم أبواب الفقر لتمنعوا الزكاة من أموالكم ويؤول بكم إن أطعتموه شر مآل يا أخي البخيل صاحب الشيطان الذليل يمنع الزكاة ويقل النفقات ويفوت نفسه جميع الخيرات

فعيشـه في الدنيا عيش الفقراء وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء فيا معشر المؤمنين كونوا كراما ولا تكونوا لئاما فإن الكرام في جنة الخلد والنعيم واللئام في عذاب الجحيم فتقربوا إلى الله في هذا اليوم بأداء الزكاة وتطوعوا فيه بالنوافل من الصلوات
فعسى الله أن يغفر لكم ما أسلفتم من الأوزار والسيئات
400 صيامـهم له
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إن الله تعالى افترض على بني إسرائيل صوم يوم في السنة وهو يوم عاشوراء العاشر من المحرم فصوموه ووسعوا فيه على عيالكم وأهليكم فمن وسع على أهله من ماله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته فمن صام هذا اليوم كان له كفارة أربعين سنة وما من أحد أحيا ليلة عاشوراء أو اصبح صائما إلا مات ولم يذق طعم الموت يا أخي إن العجوز لتغزل يوم عاشوراء لتبقي بركة غزلها إلى العام القابل فاعمل أنت في هذا اليوم من الطاعات لتبقي بركتها عليك إلى ليوم القيامة وما من عبد مؤمن أنفق في يوم عاشوراء درهما أو مثقالا إلا أخلف الله تعالى عليه في دنياه سبعين ضعفا مثل ما أنفق وجعل نفقته زاده إلى الجنة فالله الله يا عباد الله اصنعوا في هذا اليوم المعروف وأعينوا الضعيف وأغيثوا الملهوف يغيثكم الرب الرحيم الرؤوف
401 كل معروف صدقة
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } كل معروف صدقة والمعروف يقي سبعين نوعا من البلاء ويقي ميتة السوء { والمعروف والمنكر منصوبان للناس في المحشر يوم القيامة فالمعروف لازم لأهله يقودهم ويسوقهم إلى الجنة والمنكر لازم لأهله يقودهم ويسوقهم إلى النار
أعاذنا الله وإياكم من النار
فالله الله احرصوا أن تكونوا من أهل الجنان ولا تكونوا من أهل النيران واجتهدوا في الخير والزيادة ولا ترضوا بالنقصان
402 أهل المعروف

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إن الله تبارك وتعالى جعل للمعروف وجوها من خلقه حبب إليهم المعروف وحبب إليهم فعاله ووجه طلاب المعروف إليهم ويسر عليهم إعطاءه كما يسر الغيث إلى الأرض المجدبة ليحييها ويحيي أهلها وإن الله
تبارك وتعالى جعل للمعروف أعداء من خلقه بغض إليهم المعروف وبعض إليهم فعاله وحظر على طلاب المعروف الطلب إليهم وحظر عليهم إعطاءه كما حظر الغيث عن الأرض المجدبة ليهلكها ويهلك أهلها وما يغفر الله عز وجل أكثر فالله الله يا أولياء الله يا أهل المعروف
فكونوا من أهل المعروف وأعينوا الفقير وأغيثوا الملهوف فعسى الله أن يغيثكم يوم البعث إنـه رحيم رؤوف
403 إخراج الزكاة
وهذا اليوم المبارك الشريف يوم عاشوراء لما جعل الله فيه من الخلف والخيرات واعلموا أنـه لما عظم الله تعالى يوم عاشوراء وجعل فيه الخلف والخيرات استحب للمؤمنين فيه إخراج الزكاة وما من أحد من المؤمنين والمؤمنات لم تجب عليه زكاة ماله فأعطى في يوم عاشوراء أو تصدق من اليسير الذي معه رغبة في فضل يوم عاشوراء إلا كتب من أهل الزكاة ولم يخرج من الدنيا حتى يعطي مالا حلالا يزكي عليه
فإياكم يا معشر المؤمنين والمؤمنات أن يخدعكم الشيطان اللعين لأنـه قد جاء في الخبر أن العبد إذا هم بإخراج درهم لوجه الله تعالى فتح الشيطان في قلبه سبعين بابا من الفقر حتى يحول بينـه وبين إخراجه فإن من الله تعالى على العبد وأعانـه حتى يغلب عدوه وشيطانـه كان كمن هزم عسكرا من المشركين وقتلهم

ويدل على صحة هذا القول أن عليا بن أبي طالب رضي الله عنـه كان إذا آن أوان الزكاة وعزم على إخراجها لبس درعه وتقلد بسيفه وأخذ رمحه وركب فرسه فتقول الصحابة رضي الله عنـهم مالك يا أبا الحسن لبست آلة حربك فيقول أنا خارج إلى محاربة الشيطان أخاف أن يمنعني إخراج الزكاة فجهاد الشيطان هو الجهاد الأكبر والشيطان لعنـه الله يريد أن يردك إلى فقر نفسك ويصدك عما وعدك ربك جل جلاله حين قال عز وجل { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منـه وفضلا والله واسع عليم } البقرة 268 والله واسع العطاء لأنـه جل وتعالى لا ينقص من ملكه ما يخلف على العبد المؤمن الذي يؤدي الزكاة ويتصدق من فضل ماله
وقوله تعالى { عليم } أي عليم بما يفعله العباد من الخير والشر فمن أنفق من مال الله ووسع منـه على عياله وعباد الله كان له الخلف من الله تعالى يقول المولى جل جلاله { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين } سبأ 39 فالله الله عباد الله ثقوا بمولاكم
جل جلاله في الخلف ولا تطيعوا الشيطان الذي يعدكم الفقر والتلف
404 اللعنة على مانع الزكاة

روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } ينزل من السماء في كل يوم اثنان وسبعون لعنة على مانعي الزكاة من هذه الأمة وقد سماهم الجليل جل جلاله كفارا في قوله تعالى { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون } فصلت 6 وقد ذكر بعض العلماء أن الله تعالى لما أخرج الذرية من ظهر آدم عليه الصلاة والسلام عزل منـهم الأغنياء من أهل البدو الحضر وعزل أموالهم ثم قال جل جلاله هذه أموال أعطيتها لكم وجعلتكم عليها أمناء فلا تشتغلوا بها عن أداء فرائضي وحقوقي ثم قال عز وجل للفقراء من أهل البدو والحضر وحرر أرزاقهم على قدر آجالهم وأخرها وجعلها وديعة في أموال الأغنياء وقال لهم عز وجل هذه أرزاق الفقراء من عبادي وديعة في أموالكم إياكم أن تقتروا وتمسكوا عنـهم أموالهم وأرزاقهم فيحل عليكم غضبي وسخطي فإني قد ائتمنتكم عليها
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } ما من يوم إلا وملكان يناديان تحت العرش المال مال الله والعباد عباد الله فإن جاع الفقراء عذب الله الأغنياء {
فالله الله عباد الله أوفوا لديه بالعهود وارغبوا في دار النعيم والخلود ومجاورة الملك المعبود
405 من شبع وجاع جاره
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانا وجاره جائعا { وقد جاء في الحديث إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة ويقول يا رب سل هذا الغني لم منعني معروفه وسد بابه دوني وفي حديث آخر يقول يا رب سل هذا لم بات طاعما وبت إلى جنبه طاويا
ومما يصدق هذا أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال لأسامة بن زيد في وصيته يا أسامة
إياك وكل كبد جائعة تخاصمك عند الله فإنـه يقول ما آمن بي من بات شبعانا وجاره طاويا إلى جنبه

وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } أيما رجل كان له جار مسلم بات جائعا وهو يعلم بجوعه وعنده فضل ولم يشبعه فقد برئ من ذمة الله تعالى وذمة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فيا لها من خسارة لم نتدبرها بعقولنا فكم بين أظهرنا من مسكين وضعيف وزمن لا يمتلكون قيمة رغيف فالله الله لا تغتروا بالعز والمال وتضيعوا للفقراء وأهل الإقلال فإن غاية كل شيء الانقلاب والانتقال والنفاد والزوال
وقد ذكر في تفسير هذه الآية { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } البقرة 61 قيل يحرص العبد على جمع الحطام والسحت والحرام وكل من أدى زكاة ماله فهو كريم قد برئ من وعد الشيطان الرجيم ووثق بوعد العزيز الرحيم ونجا من العذاب الأليم
406 حديث في ذم الشح
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } اتقوا الشح فإنـه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمـهم { وأنشدوا
} صافي الكريم فخير من صافيته
من كان ذا كرم وكان عفيفا {
} إن الكريم وإن تضعضع حاله فالفعل منـه لا يزال شريفا {
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه كان يطوف بالبيت فإذا هو برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول بحرمة هذا البيت إلا غفرت لي
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما ذنبك صفه لي فقال الرجل هو أعظم من أن أصفه لك يا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } ذنبك أعظم أم الأرضون قال بل ذنبي يا رسول الله قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذنبك أعظم أم الجبال قال بل ذنبي يا رسول الله قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذنبك أعظم أم السموات قال بل ذنبي يا رسول الله قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذنبك أعظم أم الله قال بل الله أعظم وأجل فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } ويحك فصف لي ذنبك قال يا رسول الله إني ذو ثروة من المال وإن السائل ليأتيني يسألني شيئا فكأنما يستقبلني
بشعلة من نار قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم}

إليك عني لا تحرقني بنارك والذي بعثني بالهدى والكرامة لو أقمت بين الركن والمقام ثم صليت ألف عام وألف عام حتى تجري من دموعك الأنـهار وتسقي بها الأشجار ثم مت وأنت لئيم لأكبك الله في النار ويحك أما علمت أن البخل كفر والكفر في النار وويحك أما علمت أن الله تعالى قال { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } الحشر 9
وأنشدوا
} إن البخيل إذا ما مات يتبعه سوى الثناء ويحوي الوارث الإبلا
} يرى البخيل سبيل المال واحدة
إن الجواد يرى في ماله سبلا
407 عظة في الحض على الزكاة
فالله الله يا معشر المؤمنين كونوا من الأسخياء الصالحين ولا تكونوا من البخلاء الفاسقين فالبخيل هو شريك الشيطان اللعين قال الله تعالى { وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } الإسراء 64 فكل مال لا تؤدي زكاته فصاحبه خازن الشيطان وكل مال أخرجت زكاته فصاحبه عدو الشيطان حبيب الرحمن وعمل بالسنة والقرآن وناج من عذاب النيران وداخل في نعيم الجنان
فكل من مات وترك مالا قد أدى زكاته فإن صاحبه لا تزال الملائكة تكتب له الحسنات إلى يوم القيامة وكل من مات وترك مالا لم يؤد زكاته فلا يزال وزره يجري عليه إلى يوم القيامة وإن وصله وقع المال عند من يزكيه وما من عبد أدى زكاة ماله بطيب من نفسه إلا جعل الله ذلك المال يوم القيامة طوقا من نور الجنة يضيء لأهل الجمع من المؤمنين حتى يجوزوا الصراط ويدخل بـه الجنة وما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا طوقه الله يوم القيامة بطوق من نار جهنم لو أن ذلك الطوق وضع في الدنيا لاحترقت الدنيا كلها وتقطعت جبالها وجفت بحارها
فوالله لو لم يكن فخر الكريم السخي إلا ذكر الله تعالى له في كتابه لكفي في قوله تعالى { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } الحشر 9 فاغتنموا هذا اليوم الفاضل فهو يوم تعرف فيه الكرام وتفضح في اللئام

وهذا يوم عاشوراء يوم تواترت فيه الأخبار عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو يوم النفقة في الله فيه مخلوفة
والنفقة فيه في غير الله متلوفة
فإذا كان هذا اليوم تخلف فيه النفقات فأولى أن تغفر فيه الخطيئات وتتضاعف فيه الحسنات وينجي الله فيه المؤمنين من العذاب والعقوبات يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وتظهر فيه السرائر والخفيات
وأنشدوا
يا جامع المال يرجو أن يدوم له
كل ما استطعت وقدم للموازين
ولا تكن كالذي قد قال إذ حضرت
وفاته ثلث مالي للمساكين
روي أن النبي {صلى الله عليه وسلم} سئل أي الصدقة أفضل فقال } أن تتصدق وأنت صحيح حريص شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تمـهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا
408 من خلف ثروة لبيت المال
ذكر أن رجلا مات بالمدينة من أهل اليمن وخلف مالا كثيرا فأخبر بخبره رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال هل من وارث فقالوا لا يا رسول الله فقال {صلى الله عليه وسلم} } من لا وارث له فماله لبيت مال المسلمين { فأمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن يحضر المال فيجيء بالمال إلى المسجد فوضع حتى غاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} من الجانب وغاب الناس من الجانب الآخر من حلي وذهب وورق وثياب
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } ارفعوا المال إلى بيت مال المسلمين { فرفع كما أمر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فالتفت عبد الله بن عمر رضي الله عنـه في المسجد فوجد فرصة من ذهب فيها قيراط فقال يا رسول الله هذه من ذلك المال فأخذها رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ووضعها في كفه وجعل يقلبها في يده ثم قال {صلى الله عليه وسلم} } لو تصدق بها في حياته حين كان صحيحا شحيحا يأمل العيش ويخشى الفقر كانت أحب إليه من هذا المال كله يعطي من بعده في سبيل الله فالله الله عباد الله اسمعوا صواب المقال وبادروا إلى حسن الفعال ولا تغتروا بالعز والمال

فإن المال يذهب والدنيا تخرب ونفسك تموت والمرد غدا إلى الحي الدائم الباقي الذي لا يموت واعلم يا أخي أنك مرتهن بالذنوب وأنت محاسب مطلوب مسئول بين يدي علام الغيوب فاستعد للسؤال وتهيأ للجدال في يوم تشيب فيه الرؤوس وتضيق من فظاعة هولة النفوس ذلك يوم هائل عبوس
يوم تضع فيه الحوامل أحمالها وتزلزل الأرض زلزالها وتخرج
بأمر الله بعد ذلك أثقالها
يا مغرور يا مسكين ظلمت الفقراء والمساكين وتركت مالك للوارثين ولم تخف من عقوبة رب العالمين يوم يقتص للمظلومين من الظالمين
وأنشدوا
ولا تكن كالذي قد قال إذ حضرت
وفاته ثلث مالي للمساكين
روي أن النبي {صلى الله عليه وسلم} سئل أي الصدقة أفضل فقال } أن تتصدق وأنت صحيح حريص شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تمـهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا {
} يا جامع المال لأولاده
يخشى عليهم شمت حساده {
} ولا يبالي كيف كان الغني يغتر بالله وإيعاده {
} اسمع مقالا سوف تحظى بـه إن أنت لم تعمل بأضداده {
} بنوك إن لاذوا بمولاهم
وتابعوا منـهاج إرشاده {
} فالله يكفيهم ويحميهم والله لا خلف لميعاده {
} وإن يحيدوا عن سبيل الهدى وقابلوا الدين بإفساده {
} فقد يكن مالك عونا لهم
في طاعة اللهو وأجناده {
قيل وقف رجل في حلقة منصور بن عمار في يوم عاشوراء فقال أيها الناس رحم الله من تصدق من فضل وأنفق من كفاف وآثر في فاقة
فقال لهم منصور معشر الناس ما ترك منكم أحدا
فلم يكن أحد في المجلس إلا واساه قال منصور بن عمار اللهم عجل لهم بالخلف في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة قال منصور فلقد افتقدت أهل مجلسي كلهم واحدا بعد واحد بعد ذلك بعام فما منـهم إلا من قال أخلف الله علي سبعين ضعفا مما أعطيت

قال منصور فأخذتني عيناي فنمت فرأيت قائلا يقول أبشر يا منصور قد غفر الله لجميع من كان في ذلك المجلس فأخبرهم بذلك وقد غفرت لك فأنت الذي دللتهم على الخير فالله الله يا عباد الله تفضلوا على أنفسكم بأموالكم فليس أحد منكم أحق بها من نفسه
409 تحذير من البخل
ذكر في بعض الأخبار أن ملكا ينادي كل يوم تحت العرش الويل ثم الويل لمن ترك عياله بخير وقدم على الله بشر
وأنشدوا
لا تؤثرن بما جمعت سواكا
الموت لا تدري متى يغشاكا
إن البنين مع البنات رأيتهم
يتطلعون ويشتهون فناكا
من كان يعلم أن مالك ماله
بعد الممات فلا يحب بقاكا
فالله الله عباد الله اجتهدوا وارغبوا في ثواب يوم فضله الرحمن ووعد من أدى زكاة ماله جنة الرضوان وأناب مؤدي الزكاة إخلاص الإيمان وذم مانع الزكاة وجعله من أهل الكفر والخذلان وبين ذلك في القرآن
وأنشدوا
يا جامع المال في الدنيا لوارثه
هل أنت بالمال بعد الموت تنتفع
} قدم لنفسك قبل الموت في مـهل
فإن حظك بعد الموت ينقطع
410 من أقرض الله فضاعفه له

ذكر أن رجلا دخل بعض الأسواق في يوم عاشوراء فسمع سائلا يقول { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم } الحديد 11 قال فقام إليه رجل من التجار فأعطاه عشرة دنانير فلما كان العام القابل إذا بالرجل السائل قد جاء وحوله فقراء يتبعونـه وهو يفرق عليهم الصدقة فقال الرجل الذي رآه حين أعطاه الرجل العشرة دنانير يا أخي أقسمت عليك أما أنت الذي أعطاك فلان التاجر العشرة دنانير عام أول في يوم عاشوراء قال نعم قال قلت ألم تك فقيرا ذلك اليوم قال بلى قال قلت له فما أغناك قال لما علم الله صدق نيتي وأني ما أخذت الصدقة إلا وأنا محتاج وعلم الله تعالى طيب نفس المتصدق بإعطائها بارك لي في تلك العشرة دنانير وأنماها لي حتى وجبت علي اليوم عشرة دنانير زكاة في مالي قال فلما سمعت منـه ذلك مضيت إلى الرجل الذي كان تصدق عليه بالعشرة دنانير فقلت صف لي قصتك في العام الماضي في يوم عاشوراء إذ جاء الرجل الذي قال { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم } الحديد 11 فقال الرجل المتصدق إنـه لما قرأ هذه الآية وقع في نفسي أن الله سبحانـه سيخلف علي في الدنيا ويوفيني في الآخرة الأجر الكريم فبت على هذه النية فرأيت ربي جل جلاله في منامي وهو يقول يا عبدي قد أنجزت الأمرين وقد أوجبت لك الجنة
411 يوم عاشوراء وقتل الحسين
فالعجب كل العجب من بعض جهلة الناس الذي يذمون يوم عاشوراء ويسمونـه يوم النحس لقتل الحسين رضي الله عنـه فيه وهذه غاية السخافة في الجهالة وفي معاندة الأخبار عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومبالغة في الرد على صاحب الشريعة في قوله بفضائل يوم عاشوراء ولولا البغي والعداوة لعدوا ذلك من فضائل الحسين رضي الله عنـه إذا استشـهد في مثل هذا اليوم الشريف كما أن الواحد منا يموت له قريب في ليلة الجمعة أو ليلة القدر أو يستشـهد يوم الجمعة أو يوم عرفة فيكون من فضائله أو يعد من مناقبه فكذا الحسين

هذا ورسول الله {صلى الله عليه وسلم} أخبره جبريل عليه السلام بقتله
412 الحسين وجده
قالت أم سلمة رضي الله عنـها كان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} مع الحسين في منزلي إذ دخل عليهما فطالعتهما من الباب فإذا الحسين على صدر رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يلعب وفي يد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قطعة من طين ودموعه تجري على خديه فلما خرج الحسين دخلت إليه وقلت له بأبي أنت وأمي يا رسول الله اطلعت عليك وفي يدك طينة والصبي على صدرك وأنت تبكي فقال لها النبي {صلى الله عليه وسلم} إني لما فرحت بـه وهو على صدري يلعب إذ أتاني جبريل عليه السلام وناولني الطينة التي يقتل عليها الحسين فلذلك بكيت
413 رؤيا ابن عباس لمقتل الحسين
وقيل رأى ابن عباس رضي الله عنـه في منامـه يوم قتل الحسين رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وبيده قارورة وهو يلتقط شيئا من الأرض قال فقلت له ما هذا يا رسول الله قال قتل ولدي الحسين ولم أزل منذ ذلك اليوم ألتقط دمـه من الأرض وأجمعه في القارورة وأرفعه إلى الله تعالى
فكان كما رأى رضي الله عنـه
وقيل لما خرج الحسين إلى العراق خوفه أهله وجزعوا فلما رأى جزعهم أنشأ يقول
سأمضي فما في الموت عار على الفتى
إذا ما نوى حقا وحارب مجرما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه
وخالف مثبورا ووافق مسلما
وجاهد في الرحمن حق جهاده
كفى بك ذلا أن تعيش فتغرما
فلما قدم الكوفة استقبله الفرزدق فقال له الحسين ما وراءك يا أبا فراس قال أصدقك أم لا قال الصدق أريد قال أما القلوب فمعك وأما السيوف فمع بني أمية عليك
قال له الحسين ما أراك إلا صدقت إن الناس عبيد للمال فالدين نفق على ألسنتهم يحوطونـه ما ردت بـه معائشـهم فإذا تحولوا للإبتلاء قل الديانون
ثم التفتت إلى أصحابه وقال على الخبير سقطنا
414 آيات ظهرت لمقتل الحسين
وقال الحسن لم نر هذه الحمرة في السماء إلا حين قتل الحسين ووجد على حائط قسطنطين
أترجو أمة قتلت حسينا
شفاعة جده يوم الحساب
ويقال ناحت الجن على قتل الحسن سبعة أيام حتى سمعت من تحت السبع أرضين وأبكت الملائكة أجمعين
415 حكاية غريبة

وقال الحذاء بن رباح القاضي رأيت رجلا مكفوفا قد شـهد قتل الحسين وكان الناس يأتونـه ويسألونـه عن ذهاب بصره قال فكان يقول شـهدت قتل الحسين ولكني لم اضرب بسيف ولم أرم بسهم فلما قتل الحسين رجعت إلى المنزل وصليت العشاء الأخيرة ونمت فأتاني آت في منامي فقال لي أجب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقلت ما لي وله فأخذني وجذبني جذبة شديدة وانطلق بي إليه فإذا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} جالسا في المحراب مغتما حاسرا عن ذراعيه آخذا بخده وبين يديه نطع وملك قائم بين يديه وبين يدي الملك سيف من نار وكان لي تسعة من الأصحاب فقتل أصحابي التسعة كلما ضرب الملك أحدا التهبت نفسه نارا فكلما قام الملك صاروا أحياء فقتلهم مرة بعد أخرى حتى قتلهم سبع مرات فدنوت من النبي {صلى الله عليه وسلم} وحبوت إليه فقلت السلام عليك يا رسول الله والله ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم فقال لي صدقت ولكن كثرت السواد أدن مني فدنوت منـه فإذا طشت مملوء دما من دماء الحسين فكحلني من ذلك الدم فانتبهت أعمى لا أبصر شيئا
416 حكاية عن قتلة الحسين
وقال الفضل بن الزبير كنت قاعدا عند السدي فجاءه رجل فجلس إليه فإذا منـه ريح قطران فقال له السدي أتبيع قطرانا فقال لا
قال له ما هذه الرائحة قال شـهدت عسكر عمر بن سعد فكنت أبيع منـهم الأوتاد الحديد فلما قتل الحسين يوم عاشوراء بت في العسكر فرايت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في النوم والحسين وعلي معهم وهو يسقي الماء من قتل من أصحاب الحسين فاستسقيته فأبى أن يسقيني قال فقال لي ألست ممن أعان علينا فقلت بل كنت أبيعهم أوتاد الحديد قال فقال لعلي أسقه قطرانا قال فناولني قدحا فشربت منـه فكنت ثلاثة أيام أبول القطران ثم ذهب ذلك عني وبقيت هذه الرائحة علي
قال فقال له السدي كل خبز البر وكل من كل النبات واشرب من ماء الفرات فما أراك تعاين الجنة ولا محمدا أبدا
417 من استخف بالحسين

حكي أن رجلا ممن شـهد قتل الحسين يوم عاشوراء قال وعلى وجهه الاستخفاف ما أكثر ما يكذب أهل العراق ويقولون إنـه لم يشـهد قتل الحسين أحد إلا أصيب ببلاء وإني حضرت يوم قتله ولم يصبني بلاء ولا شيء قال وكان ضيفا عند قوم فقام ليصلح السراج فتعلقت بـه شرارة من المصباح فاشتعل نارا ومات على المكان
418 بر سليمان بن عبد الملك للحسين
وحكي عن الحسن البصري أنـه قال رأى سليمان بن عبد الملك في النوم أنـه يبره ويلاطفه فسأل الحسن عن ذلك فقال لعلك فعلت إلى أهل بيته معروفا قال نعم إني وجدت راس الحسين في خزانة يزيد بن معاوية فكسوته خمسا من الديباج وصليت عليه في جماعة من أصحابي وقبرته
فقال الحسن إن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد رضي عنك بسبب ذلك فأحسن إلى الحسن البصري وأمر له بالجوائز
فعليكم بحفظ مقام الأشراف ولو كانوا في غاية الإسراف
419 في قتل الحسين
ورأيت في كتاب التعازي والعزاء من وضع أبي محمد عبد الله بن محمد البللوري أن الحسين رضوان الله عليه استسقى ماء حين قتل فمنع منـه وقتل وهو
عطشان وأتى الله حتى سقاه من الجنة وذبح ذبحا وسبيت حرمـه وحملن مكشفات الرؤوس على الأكف بغير وطاء حتى دخلن دمشق ورأس الحسين بينـهن على رمح إذا بكت إحداهن عند رؤيته ضربها حارس بسوطه ووقف أهل الذمة لهن في سوق دمشق يبصقون في وجوههن حتى وقفن بباب يزيد فأمر براس الحسين فنصب على الباب وجميع حرمـه حوله ووكل بـه الحرس وقال إذا بكت منـهن باكية فالطموها
فظللن ورأس الحسين بينـهن مصلوب تسع ساعات من النـهار وإن أم كلثوم رفعت رأسها فرأت رأس الحسين فبكت وقالت يا جداه تريد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هذا رأس حبيبك الحسين مصلوب وبكت فرفع يده بعض الحرس ولطمـها لطمة حصر وجهها وشلت يده مكانـه وفي هذا يقول الأزدي
لقد ضل قوم أصبحوا في تلدد
سباياهم في الحرب آل محمد
كما ضل سعي الناكبين بعجلهم
فأعقبهم لعنا بدين التهود
وموسى وعيسى بشرا بمحمد
عليه سلام الله من متهجد

أيا أمة الإسلام يا أمة الذي
هدى الله منا بالنبي كل مـهتد
وثوب لأبناء النبي فلو ترى
بنو اللعن إذ عنوا لهم بالتهدد
بسوق دمشق يبصقون وجوههم
فداء لها نفسي وما ملكت يدي
} فما جرى دمعي يا حبيبي بناضب
ولا زند ودي للحسين بمصلد
420 عمرو بن الليث
وقيل إن عمرو بن الليث عرض عليه جنوده يوما فرأى كثرة عسكره وكان يحمل بين يديه إثنا عشر ألف عمود من ذهب تحت كل عمود قائد من حشمـه تحت يده ألف فارس فلما رأى ذلك اغرورقت عيناه بالبكاء وقال في نفسه يا ليتني وقت قتل الحسين بن علي مع هؤلاء فكنت أفديه بنفسي ومالي وحشمي فرأى بعض الصالحين في منامـه رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال له قل لعمرو بن الليث أطلعنا على ما خطر بقلبك وقبلنا منك وأعطاك الله تعالى على نيتك وقولك الثواب الجزيل فجاءه فأخبره فبكى بكاء شديدا
421 من فضائل عاشوراء
ومن فضائل يوم عاشوراء ما ذكره وهب بن منبه قال وهب بن منبه أنزل
الله سبحانـه وتعالى خاتم سليمان عليه الصلاة والسلام في يوم عاشوراء وذلك أن الله تعالى أسكن آدم الجنة وختمـه بخاتم العز وقال يا آدم هذا خاتم عهدي فإذا نسيت عهدي يا آدم اخلعه منك ثم ألبسه من أنبيائي من لا ينسى عهدي وأورثه خلافتك ففزع آدم وقال يا ربي من هذا الذي تورثه خلافتي قال الله تعالى ولدك سليمان أسلمـه من الكبر وأجعله مثلا للمردة من ولدك الذين يفسدون في أطراف الأرض ويسمون أنفسهم ملوكا في أكنافها

فأخذه آدم عليه السلام فتختم بـه فكان يضيء لنوره أشجار الجنة وتضحك حور الجنان وتميل الخزنة لرؤيته عجبا منـه ومن حسنـه وجماله فسبحان من أكرمـه واصطفاه {صلى الله عليه وسلم} حتى عصى ربه ونسي عهده طار الخاتم من أصبعه طيرانا فزعا مذعورا حتى استجار بركن من أركان العرش وأنطق الله الخاتم فقال إلهي وسيدي هذا آدم قد رفضني وأنت قد طهرتني بـه وجعلتني لأهل الطهارة فقال الله جل جلاله استقر فلك الأمان وسنجعلك لمن نسلمـه من الكبر ونعزه بك على أن لا يملكك أحد بعده أبدا فلما اصطفى الله سبحانـه سليمان عليه السلام بالخلافة والولاية وأحب أن يرى عباده قدرته جعل عن سليمان عليه الصلاة والسلام في ذلك الخاتم وأنزله الله سبحانـه إليه يوم عاشوراء صبيحة يوم الجمعة وسليمان قائم في محرابه وخلفه إثني عشر سبطا في كل سبط إثني عشر ألفا من العلماء والحكماء والقضاة من أهل التوراة والزبور ودراسة الكتب إلا أصحاب البرانيس والعكاكيز فقد أظلهم الطير من فوقهم فبينما سليمان عليه السلام في قراءة الزبور إذا ناداه جبريل عليه السلام
422 خاتم سليمان
وقال له السلام عليك يا سليمان هذه هدية الله إليك خذ هذا الخاتم فتختم بـه فسجد سليمان لله رب العالمين شكرا وسجد من خلفه من أول النـهار إلى آخره تعظيما لله عز وجل وتحميدا له حتى إذا رفع رأسه صعد كرسيه واستقبل الناس بوجهه ورفع إليهم الخاتم فلمع في يده كالبرق الخاطف فقال لهم هذا خاتم جمع الله لي فيه سلطاني وعزتي وفضلني بـه على العالمين وهو خاتم الطاعة لا يمسه إلا عزيز تقي نقي قالوا له قد أدينا لك طاعتنا وأنت العزيز التقي النقي الأمين وكان على تربيع الخاتم مكتوب على الجانب الأول أنا الله لم أزل وعلى الثاني أنا الله الحي القيوم وعلى الثالث أنا الله العزيز لا عزيز غيري وعزيز من
ألبسته إياه وعلى الرابع آية الكرسي محيط بـه لا إله إلا الله محمد رسول الله خاتم الأنبياء
فهذه صفة خاتم سليمان عليه السلام
423 كيف نجا أسير

وحكى أن أسيرا كان بأيدي الكفار وكانوا يعذبونـه فلما كان في يوم عاشوراء قال اللهم بحرمة هذا اليوم عليك إلا ما فرجت عني قال فلطف الله بـه وعطف عليه قلوب الكفار حتى خلصوه وأفرجوا عنـه وقيل خرج أسير في يوم عاشوراء من بلد الكفار فطلبوه فلما رأى الفرسان خلفه وأيقن أنـه مأخوذ مدرك رفع رأسه إلى السماء وقال إلهي وسيدي ومولاي بحرمة هذا اليوم أسألك أن تنجيني وتحفظني منـهم فأعمى الله أبصارهم عنـه فنجا وصام ذلك اليوم فلم يجد شيئا يفطر عليه عند الليل فنام وأطعم وسقى في النوم لفضل يوم عاشوراء
فعاش بعد ذلك عشرين سنة لم يكن له حاجة إلى الطعام وال
وهذا رحمكم الله من فضل يوم عاشوراء فاعرفوا حقه وارغبوا في فضله لا حرمنا الله فضله وغفر لنا فيه ما أسلفنا من الأوزار والذنوب وستر علينا ما أتينا من القبائح والعيوب
424 دعوات صالحة
اللهم كما تبت على آدم في عاشوراء فتب علينا وكما نجيت عيسى من الأعداء فنجنا وكما رفعت إدريس مكانا عاليا فارفعنا وكما لعنت فيه إبليس فأعذنا من سخطك وجنبنا معاصيك برحمتك يا أرحم الراحمين
اللهم ارزقنا الشـهادة والسعادة كما فعلت بهابيل واجعلنا يا رب من أحبابك كما فعلت بالخليل
اللهم برد علينا نار الآخرة كما بردت النار على خليلك إبراهيم وأهلك أعداءنا كما أهلكت أعداء موسى في اليم
اللهم نجنا من طوفان الشـهوات والهوى وانزل علينا السكينة والوقار في دار الدنيا
اللهم اكشف الضر عنا والبلوى ورد علينا أبصار القلوب بعد التحير والعمى
اللهم وإذا أخرجتنا من سجن الدنيا فأكرمنا بملك البقاء ورد علينا ما فات منا من طيبات التقى
اللهم اغفر لنا ما تقدم من ذنوبنا وما تأخر وما أعلنا وما أسررنا وما أنت أعلم بـه منا برحمتك يا أرحم الراحمين

اللهم يا عماد من لا عماد له ويا ذخر من لا ذخر له ويا حرز من لا حرز له ويا ناصر من لا ناصر له يا مؤيد قلوب العارفين ويا مستراح مذاهب المتوكلين ويا شاهد مجالس الخائفين ويا مقيل عثرة العاثرين ويا أرحم الراحمين أجب دعاءنا ولا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا
اللهم اجعلنا ممن شملته رحمتك وناله عفوك وعد على ما تعلم من ذنوبنا برحمتك وعلى ما سلف من تقصيرنا عن طاعتك ما وعدتنا من الإحسان من نفسك يا ذا الجلال والإكرام
اللهم يا سيدنا كرمت أفعالك بنا فعصيناك ووجدناك كريما فدعوناك ولقيناك رحيما فسألناك
اللهم فكما مننت علينا بالستر والعافية في حال الذنب والمعصية لا تحرمنا المغفرة والرحمة في حال التضرع والاستكانة سيدنا ومولانا ارحم في هذه الدنيا غربتنا وارحم عند الموت صرعتنا وآنس في اللحود وحشتنا وارحم بين يديك ذل موقفنا واغفر لنا ما خفي على الناس من أعمالنا
اللهم انظر إلينا النظرة الرضا وأعذنا من نظرة الخزي والعلل
اللهم لا تجعلنا ممن صرفت عنـه وجهك ومحوت عنـه عفوك وأغلقت عنـه باب التوبة وقطعت من يديه أسباب العصمة وطبعت على قلبه وأعميته لذنبه ووكلته إلى نفسه إنك على كل شيء قدير
اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
اللهم يا ربنا وسيدنا ومولانا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين واحفظنا واحفظ علينا ما رزقتنا وبارك لنا فيما أعطيتنا ولا تجعل لأحد من خلقك علينا سلطانا ولا سبيلا يا ارحم الراحمين
اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا للعسرى
اللهم إنا نسألك من فضلك وعطياك رزقا طيبا مباركا فيه
اللهم إهدنا للهدى وقنا بالتقوى واغفر لنا مغفرة واقية في الدنيا والأخرى
اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته ولا دينا إلا قضيته ولا هما إلا فرجته ولا مريضا إلا شفيته ولا غائبا إلا أدنيته ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة مما يصلحنا ويرضيك إلا قضيتها

اللهم أد دين المدينين وفرج عن المـهمومين والمكروبين واكتب سلامة المسافرين في البر والبحر أجمعين وجاز اللهم خير المحسنين
اللهم إن نواصينا بيدك وقلونا في قبضتك تعلم منقلبنا ومثوانا وسرنا ونجوانا إليك مردنا ومصيرنا أنت فوق العباد بعزتك أنت الخالق ونحن المخلوقون وأنت المالك ونحن المملوكون أنت الرب ونحن العبيد أنت الغني ونحن الفقراء إسمع دعاءنا ولا تقطع منا في كل ما سألناك ورغبنا إليك رجاءنا فإن ذلك عليك يسير وأنت نعم المولى ونعم النصير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأزواجه الطاهرات أمـهات المؤمنين وهو حسبنا ونعم الوكيل وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب

16 مجلس في قوله تعالى { الله نور السماوات والأرض } 425 مثل ضربه الله المولى البصير السميع لقلب العبد المؤمن المطيع وما أودعه من الإيمان والمعرفة في القرآن من نور الملك الرحمن
فقال خالق الطول والعرض الذي عبد بالنوافل والفرض { الله نور السماوات والأرض } النور 35 أي بنوره جل جلاله يهتدي من في السماوات والأرض

ثم قال تبارك وتعالى { مثل نوره } النور 35 يعني النور الذي جعل في قلب المؤمن وهذا قول جمـهور المفسرين { كمشكاة } النور 35 يعني قلب المؤمن والمشكاة هي الكوة غير نافذة وذلك أن الكوة إن كانت غير نافذة وكان فيها قنديل الزجاج ولا يقال للزجاجة قنديل حتى يكون فيها مصباح وهو السراج فإذا كان المصباح في زجاجة صافية في كوة غير نافذة انضم النور واجتمع ولم يجد له منفذا فتكون الكوة أكثر نورا مما لو كانت نافذة وهذه مبالغة من الله في وصف قلب المؤمن ثم إن الله تعالى خلق الخلق ضروبا مختلفة فإذا كانت أنوار المعرفة والإيمان في قلب العبد استدل ونظر بنور الله تعالى وأخذته الفكرة في خلق السماوات والأرض وفي عظمة الله تبارك وتعالى فإذا كان العبد كذلك تمكن من قلبه الخوف فعند ذلك يتبع القرآن والأحكام ويتجنب الفواحش والآثام من كثرة النور الذي جعله في قلبه الملك العلام
فهذا الصنف الذي أثنى عليه الله في كتابه العزيز
فقال الله تعالى { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنـهار لآيات لأولي الألباب } آل عمران 190 ثم نعتهم المولى بالتذكير والتفكير فقال تعالى { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض } آل عمران 191 إلى قوله { عذاب النار } فلما جعل الله تبارك وتعالى نور الإيمان في قلوبهم أيقنوا أن الله عز وجل خلق السماوات والأرض والليل والنـهار والشمس
والقمر وعلموا بنور الهدى إنما خلق الله ذلك ليطاع ولا يعصى وعلموا أن الجنة جزاء لمن أطاعه والنار جزاء لمن عصاه
فاستعملوا قلوبهم بالفكرة وجالت أبصارهم في مصنوعات الله بالعبرة فلا يقدر واحد منـهم أن يباشر شيئا من المنكرات ولا يضيع شيئا من الطاعات
426 النور هو الهدى

قال بعض أهل العلم أراد الله تبارك وتعالى بهذا النور الهدى وليس المراد بـه نور شعاع ولا ضياء لأن الله تبارك وتعالى لا يوصف بلون من الألوان ولا يشبه بملك ولا إنسان { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } الشورى 11 وقال بعض العلماء هذا مثل ضربه الله بارك وتعالى في وصف نور محمد {صلى الله عليه وسلم} الذي هدى بـه المؤمنين واستنقذهم بـه من موارد الهالكين لأن الله تعالى رحم بمحمد {صلى الله عليه وسلم} العباد وأنقذهم بـه من جهنم وبئس المـهاد
وأوجب لهم الاقتداء بنور الجنة وأعظم عليهم بـه المنة
ثم قال تعالى { فيها مصباح } النور 35 أي ولو لم يسرج بـه من شدة صفائه تم الكلام ثم ابتدأ تعالى فقال { نور على نور } النور 35 يعني سراجا { المصباح في زجاجة الزجاجة كأنـها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية } النور 35 الآية
فشبه الله تعالى القنديل في شدة بياضه وتلألؤه بكوكب دري يوقد ذلك المصباح بزيت من شجرة لا شرقية ولا غربية أي لا بارزة للشمس كل النـهار فتحرقها الشمس بحرها ولا غربية أي ولا مستترة بالظل فيؤذيها الظل ببرده كل النـهار ولكنـها شرقية غربية تصيبها الشمس بعض النـهار وإذا كانت الشجرة كذلك فهو أنضر لها وأجد لحملها وأنور لزيتها
ثم قال تعالى { يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } النور 35 يعني نور المصباح على نور الزجاجة وصفاء الزيت
وهذا مثل ضربه الملك الجبار لقلوب المؤمنين الأبرار قال سبحانـه وتعالى { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } الزمر 22 فنور الهدى إذا دخل القلب انفسح وانشرح وزالت عنـه الأسباب المانعة عنـه الضلالة والمعصية فعند ذلك ذكر الجوارح بالأعمال الموجبة لدار

القرار والمنجية من سخط الملك الجبار ومدار ذلك كله على القلب والقلب هو سلطان البدن فإذا صلح صلح جميع الجسد وإذا فسد فسد جميع الجسد وصلاحه إنما هو بنور الإيمان وبنظر الملك الرحمن وفساده إنما هو بظلمة العصيان ووسواس العدو الشيطان ولذلك ورد الخبر عن سيد البشر إن في ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد وإذا فسدت فسد سائر الجسد ألا وهي القلب
427 شجرة الزيتون
وقال الله تعالى { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } المائدة 15 وقال عز وجل { وأنزلنا إليكم نورا مبينا } النساء 174 وقال سبحانـه { ولكن جعلناه نورا نـهدي بـه من نشاء من عبادنا } الشورى 52 وقوله تعالى { زيتونة لا شرقية ولا غربية } النور 35 لا شرقية تطلع عليها الشمس كل النـهار فتحرقها ولا غربية يصيبها الظل كل النـهار فيظلها وهي أفضل ما يكون من الشجر
وهذا مثل ضربه الله تعالى في وصف نبيه محمد {صلى الله عليه وسلم} والنور الذي أنزل عليه هو القرآن
فالله تعالى قد وصف الشجرة بأنـه سبحانـه وتعالى حفظها من الشمس والظل فكذلك حفظ لنا القرآن فلم يقع فيه تحريف ولا بهتان ولا زيادة ولا نقصان ولو جعل الله حفظه إلينا وقع فيه التحريف والتبديل كما وقع في الكتب المتقدمة قال الله تعالى { بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شـهداء } المائدة 44 ثم أخبرنا عنـهم عز وجل أنـهم حرفوا وبدلوا فقال تعالى { يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا بـه } المائدة 13 وقال سبحانـه { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله } البقرة 79 فاخبرنا الملك الرحمن في محكم القرآن أنـهم أوقعوا في كتبهم الزيادة والنقصان والتحريف والبهتان
وخبرنا مولانا عن القرآن أنـه الحافظ له بقوله { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } الحجر 9 وما حفظ الملك الديان فلا يقع فيه زيادة ولا نقصان ولا تحريف ولا بهتان

فكتابنا قد حفظه الملك الجليل فسلم من التحريف والتبديل وكذلك حفظ نبيه محمدا {صلى الله عليه وسلم} وعصمـه وهداه فقال تعالى في عصمته لنبيه حبيبه وصفيه { والله يعصمك من الناس } المائدة 67 وقال تبارك وتعالى في هدايته لنبيه { ويهديك صراطا مستقيما } الفتح 2 فأخبرنا مولانا العزيز الحكيم عن
محمد النبي الرؤوف الرحيم أنـه قد هداه إلى الصراط المستقيم وأعاذه من الشيطان الرجيم وحفظه الملك الرحمن من الشرك والكفران والعوج والبهتان فقال له الديان في محكم القرآن { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } الأنعام 161 فهداه الله تبارك وتعالى إلى الحق المعلوم وعلمـه ما لم يكن يعلم من دقائق العلوم فأدى رسالة ربه غير مقصر ولا مذموم ولا مفرط ولا ملوم فأخبرنا الحي القيوم عن النبي الصادق المرحوم أنـه قد بلغ كتاب ربه المعلوم وقال له { فتول عنـهم فما أنت بملوم } الذاريات 54 وقد أخبرنا الملك الجبار أنـه أمر نبيه المختار بتبليغ الرسالة ليستنقذ المؤمنين من النار فقال تعالى { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } المائدة 67 فأمره تعالى بالتبليغ وأخبر عنـه أنـه قد بلغ
وما حفظ الملك القهار لقلوب المؤمنين الأبرار فقوله تعالى { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } الحجر 42 فصار المؤمن في عصمة الله تبارك وتعالى وحفظه لما دخل نور الهدى في قلبه
فهذا مثل ضربه الله العزيز الحكيم المنان المتفضل الكريم لنبيه الصادق الأمين ولكتابه النور المبين
ثم قال تعالى { ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم } النور 35 فهو تعالى عالم بما كان وما يكون وما لم يكن ولا يكون أن لو كان كيف كان يكون

ثم إن الله تبارك وتعالى أثنى على المؤمنين المحافظين على أداء الصلوات الذاكرين لله في المساجد في جميع الآناء والأوقات الخائفين من عقوبة رب الأرضين والسموات فقال رب الأرباب وسيد السادات في محكم الكتاب { بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمـه يسبح له فيها } النور 36 الآية
أي يذكر فيها جميع ما أنزل المولى من أسمائه الحسنى وصفاته العلى لا يذكر فيها زور ولا بهتان ولا غيبة ولا عصيان ولا نميمة على اللسان وإنما جعلها الله تعالى للسنة والقرآن وعبادة الملك الديان لا يذكر فيها لغو ولا تأثيم لأنـها إنما جعلت لأداء فرض العزيز الحكيم
428 المساجد لذكر الله
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إذا سمعتم الأصوات قد علت في المساجد في غير ذكر الله فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة {
وروي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إذا علت الأصوات في المساجد في ذكر
الدنيا تقف عليهم الملائكة فيقولون لهم اسكتوا يا أولياء الله اسكتوا يا أعداء الله اسكتوا عليكم لعنة الله وقوله { ويذكر فيها اسمـه } النور 36 يذكر فيها جميع ما أنزل العليم الخبير في كتابه المبين وجميع ما أمر بـه الصادق البشير النذير
قال الله مولانا الذي بيده ضلالنا وهدانا { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نـهاكم عنـه فانتهوا } الحشر 7 وقد نـهانا محمد {صلى الله عليه وسلم} عن فضول الكلام في كل مكان
فإذا كان فضول الكلام وبالا على العباد في غير المساجد فأولى أن يتحفظ العبد عن الكلام في غير ذكر الله في المساجد
429 كلمة السوء
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إن العبد ليتكلم بالكلمة فينزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب {
فهذا ثناء من أسرع الحاسبين على عمار المساجد المؤمنين
وقد أثنى عليهم الملك الرحمن في محكم القرآن حيث أوجب لهم الإيمان { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله } التوبة 18

وجاء في الخبر عن سيد البشر {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إذا كان يوم القيامة يقول الجبار تبارك وتعالى أين جيراني فتقول الملائكة مولانا ومن ينبغي أن يكون جارك فيقول الله تبارك وتعالى يا ملائكتي أين عمار المساجد في الدنيا {
وأنشد يحيى بن معاذ بعرفات
} إليك جئنا وانت جئت بنا
وليس شيء سواك يغنينا {
} فناك رحب وأنت ذو كرم تدعو إلى بابك المساكينا {
قال الله تعالى { يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار } النور 37 يريد أن القلوب يوم القيامة تعرف أمره يقينا فتتقلب وما كانت عليه من الكفر والشك في الحساب والبعث والثواب والعقاب والنعيم والعذاب فترى الأبصار يومئذ ما كان عنـها مغطى بقوله تعالى { لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد } ق 22 وقيل تتقلب الأبصار من الكحولة إلى الزرقة ومن البصر إلى العمى ومن بياض الوجه إلى السواد والقلوب تتقلب من الشك إلى اليقين ومن الأمن إلى الخوف ثم لم يوقنوا بالبعث حتى عاينوه ولم
يصدقوا بالعذاب حتى شاهدوه
ثم ضرب الله تبارك وتعالى مثلا للكافرين فقال تعالى { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء } النور 39 يراه من البعد { حتى إذا جاءه لم يجده شيئا } النور 39 كذلك الكافر بحسب ما قدم من عمله في الدنيا ينفعه بل وجده بلاء وحسرة عليه لأن الله تبارك وتعالى محقه وأبطله بالنفاق والكفر لأنـه عمل لم يعمله لوجه الله تبارك وتعالى ولا ينفع من الأعمال كلها إلا ما كان لوجه الله خالصا والكافر والمنافق لم يرد بعمله وجه الله تعالى فنعوذ بالله من النفاق والكفر بعد الإيمان ومن زوال النعمة بعد الإحسان ومن القطيعة والحرمان ومن ترك الزيادة ولزوم النقصان ومن ترك العز واتباع الهوان وترك المولى الكريم وصحبة الشيطان

ثم وصف الجبار جل جلاله وتقدست أسماؤه الرجال الذين يسبحون له بالمساجد فقال تبارك وتعالى { يسبح له فيها } النور 36 يعني المساجد { بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } النور 36 فسبحان من لو سجدنا له على جمر الغضا وحرارة الرمضاء ما بلغنا جزءا واحدا من فناء الأعداء من حق الملك الجواد الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام وفضلنا بمحمد عليه الصلاة والسلام خير نبي وأكرم إمام شاهدا علينا في جميع الأحكام وجعل هذه الأمة شـهداء يوم القيامة على الناس يوم تشقق فيه السماء بالغمام
فمن كانت هذه النعمة من بعض ن عليهم كيف تلهيهم تجارة أو بيع عن ذكر الله وتجارتهم مع الله رابحة ومحاسنـهم لذوي الألباب لائحة
ثناؤهم عطر الأنام فهو بين لناس كالأعلام بهم يستمطرون الغيث إذا حجب وفي جملتهم يحشر السعيد والنجيب ومن فاخرهم يخب ومن حاربهم نكب ومن أقلع إليهم بغير ريح عطب بدعائهم يستمطر الغمام فهو دواء الآلام وشفاء الأسقام وبهم يستنقذ المغلوب وبهم يفرج الله عن المكروب كروبهم كشف العمى عن القلوب وبهم تغفر الخطايا والذنوب ومن اقتدى بهم تجنب الآثام والذنوب وأقلع عن القبائح والعيوب وبلغ من رحمة مولاه المنى والمرغوب وبهم يتوصل إلى غاية المحبوب
وأنشدوا
وربك لو أبصرت يوما تتابعت
عزائمـهم حتى لقد بلغوا الجهدا
لأبصرت قوما جانبوا النوم وارتدوا
بأردية التسهاد واستقربوا البعدا
وصاموا نـهارا دائما ثم أفطروا
على بلغ الأقوات واستعملوا الكدا
أولئك قوم حسن الله فعلهم
وأورثهم من حسن فعلهم الخلدا
رجال جالت قلوبهم في الملكوت رجال تفكروا في العظمة والجبروت رجال استقاموا على عبادة الحي الذي لا يموت رجال خطرت على قلوبهم الأشجان وأتعبوا النفوس والأبدان وتسربلوا الخوف والأحزان وأقبلوا على مولاهم كورود الظمآن

شربوا بكأس الزلال مع اليمين وتأسوا بسيد المرسلين وعملوا أعمال الصالحين وأتبعوا سيرة المؤمنين واستقاموا على طريق الهدى والدين
رجال شربوا بكأس الوداد والحب فكشف لهم حجب الغيب وغفر لهم ما عملوا من ذنب فأشعلوا في قلوبهم نيران خوف الملك الرب
رجال أقلقهم خوف الوعيد وأنحل أجسامـهم التفكر الشديد رجال تجنبوا الفواحش والآثام ولذيذ ال والطعام رجال ليلهم قيام ونـهارهم صيام يطلبون رضا ذي الجلال والإكرام
وأنشدوا
سقوا كأس المحبة فاطمأنت
قلوبهم وهيجها اليقين
إلى ملك تحن إليه شوقا
وليس لها إلى أحد حنين
يميل بهم هبوب القرب ميلا
كما مالت مع الريح الغصون
رجال كحلوا أعينـهم بالسهر وغضوها عما لا يحل من النظر وشغلوا خواطرهم بالفكر وأشغلوا قلوبهم بالعبر رجال أزعجوا أنفسهم عن الأوطان ولزموا مساجد الملك الرحمن وجالت قلوبهم في علوم القرآن وما واعدهم وتواعدهم بـه الماجد الديان
وأنشدوا
اختصم الطرف مع فؤادي
في وصارا إلى عناد {
فقال طرفي أن ابتليت بطول ليلي وبالسهاد
وقال قلبي أنا المقلا بالكرب الصعبة الشداد
} فقال جسمي قتلتماني أنا الذي ذبت في الجهاد
430 الزهاد
رجال قد نحلت منـهم الأبدان وتغيرت منـهم المحاسن والألوان وخوف العذاب والنيران وشوقا إلى نعيم الجنان
رجال صحبوا القرآن بحسن العمل ولم
يغتروا بطول الأمل ونصبوا لأعينـهم تقريب الأجل وسمت هم إلى الرفيع من المحل واشتاقت نفوسهم إلى الملك الأعلى الأجل فلو رأيتهم لرأيت قوما يتلون كتاب الله بشفاه ذابلة ودموع وابلة وزفرات قاتلة وأجسام ناحلة وعقول زائلة وخواطر في عظمته جل جلاله جائلة
وأنشدوا
لله قوم شروا لله أنفسهم
فأتعبوها بزجر الله أزمانا
أما النـهار فقد وافوا صيامـهم
وفي الظلام تراهم فيه رهبانا
أبدانـهم أتعبت في الله أنفسهم
وأنفس أتعبت في الله أبدانا
ذابت لحومـهم خوف العذاب غدا
وقطعوا الليل تسبيحا وقرآنا

رجال إذا نظروا اعتبروا وإذا سكتوا تفكروا وإذا ابتلوا استرجعوا وإذا جهل عليهم حلموا وإذا علموا تواضعوا وإذا عملوا رفقوا وإذا سئلوا بذلوا عونا للوارد وتفضيلا للقاصد حلفاء صدق وكهوف ودق قد عملوا بالسنة والكتاب ونطقوا بالحكمة والصواب وحاسبوا أنفسهم قبل يوم الحساب وخافوا من عقوبة رب الأرباب
رجال لزموا البكاء والعويل ورضوا من الدنيا بالقليل فأزمعوا إلى الآخرة التحويل ورغبوا في ثواب الملك الجليل وحنوا إلى النعيم الدائم الجزيل وتمسكوا بالسنة والتنزيل ومنعوا أنفسهم التسويف والتعليل وأشفقوا من هول اليوم العبوس الثقيل الهائل المنظر الطويل
وأنشدوا
لله قوم لدار الخلد أخلصهم
وخصهم بجزيل الملك مولانا
فلو تراهم غدا في دار ملكهم
قد توجوا من حلي الكون تيجانا
وقد دعاهم إلى الفردوس سيدهم
إلى الزيارة والتسليم ركبانا
على نجائب دركى تطير بهم
والخيل من جوهر والسرج مرجانا
حتى إذا جاوزوا دار السلام وقد
أبدى لهم وجهه الرحمن سبحانا
خروا سجودا فناداهم بعزته
إني رضيت بكم قربا وجيرانا
إني خلقت لكم دار النعيم فلا
ترون بؤسا ولا تخشون أحزانا
هذا النعيم الذي لا ينقضي أبدا
ولا تغيره الأزمان ألوانا
وهو الجزاء لكم مني على عمل
أخلصتموه وكنتم في إخوانا
رجال ركبوا فلك السلامة وجروا بريح الاستقامة فقطعوا بحار العطب
277 والندامة ونجوا من الأهوال يوم القيامة فحظوا في دار المقامة وأرسوا في سرمد الكرامة
431 خيار الأمة
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } خيار أمتي الملأ الأعلى في الدرجات العلى { قوم ضحكوا جهرا من سعة رحمة الله وبكوا سرا من خوف عذاب الله
هم بالغداة والعشي في بيوت الطيبة يدعون بألسنتهم رغبا ورهبا ويسألونـه بأيديهم خفضا ورفعا ويشتاقون إليه بقلوبهم غدوا وعشيا
مؤنتهم على الناس قليلة وعلى أنفسهم ثقيلة يدبون على الأرض حفاة أقدامـهم دبيب النمل بغير مرح ولا ميل ولا ترح

يمشون بالسكينة والوقار ويتقربون بالوسيلة إلى الملك الجبار
يلبسون الخلقان ويعبدون الرحمن ويتلون القرآن ويشفقون من عذاب النيران ويخافون يوما يكثر فيه الويل والأحزان قد تجنبوا كل ريبة وبهتان ولم يأمنوا مكر الملك الديان رجال تعوقوا ريب المنون وجزعوا من السابقة في الغيب المكنون فحال بينـهم وبين ما يشتهون ينتظرون الخاتمة كيف تكون أولئك أولياء الله الصالحون { أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } المجادلة 22 رجال المساجد مأواهم والله جل جلاله معبودهم ومولاهم تركوا المعاصي خوفا من الحساب والسؤال وبادروا إلى الطاعة وحسن الأعمال وتنزهوا عن الغي واللهو والمحال وحادوا عن طريق كل مطرود بطال وأشفقوا من عقوبة ذي المجد والجلال وعملوا ليوم لا بيع فيه ولا خلال
وأنشدوا
} لله قوم أخلصوا في حبه
اختصهم ورضى بهم خداما {
} قوم إذا هجم الظلام عليهم قاموا فكانوا سجدا وقياما {
} يتلذذون بذكره في ليلهم ونـهارهم لا يفترون صياما {
} خمص البطون من الحرام أعفة
لا يعفرون سوى الحلال طعاما {
} فسيفرحون بورد حوض محمد وسيسكتون من الجنان خياما {
رجال تحولوا عن الدنيا تحويلا وبدلوها تبديلا ولم يشتروا بعهد الله ثمنا قليلا وعلموا أن وراءهم يوما عبوسا هائلا ثقيلا وأن أمامـهم من الموت خطبا جليلا وبدلت عيونـهم وقلوبهم بكاء ونوحا وعويلا حين سمعوا مولاهم يقول { كان وعده مفعولا } المزمل 18 رجل قطعوا الأيام والليالي بالتفكير وخافوا

من هول يوم عبوس قمطرير وجالت قلوبهم خوف العلي الكبير فعما قليل ينجون من الفزع الهائل الخطير ويجاورون السيد النذير البشير في جنة ليس فيها شمس ولا زمـهرير رجال اطمأنت قلوبهم بذكر الرحمن ولزموا الطاعة وتجنبوا العصيان وحفظوا ألسنتهم من العيب والبهتان واتبعوا السنة وأحكام القرآن ولم يقبلوا من خدع العدو الشيطان وطلبوا الزيادة ولم يرضوا بالنقصان فأثابهم الجبار بجنة الرضوان ومتعهم بالحور الغنجات الحسان كأنـهن الياقوت والمرجان فأخبرنا الجليل جل جلاله في محكم القرآن عما أتاهم بـه من الجود والامتنان فقال تعالى { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } الرحمن 60 فالإحسان من العبد في الدنيا قول لا إله إلا الله والإحسان من الله في الآخرة الجنة
فمن أحسن الرضا عن الله جل ثناؤه جازاه الله بالرضا عنـه فقابل الرضا بالرضا وهذا غاية الجزاء ونـهاية العطاء
432 صفة المؤمنين
روي أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال لطائفة من المؤمنين ما أنتم قالوا نحن المؤمنون فقال ما علامة إيمانكم قالوا نصبر عند البلاء ونشكر عند الرجاء ونرضى بمواقع القضاء
فقال مؤمنون ورب الكعبة وقيل أحسن الأشياء أن يكون العبد رقيبا على باطنـه وظاهره لأن الله تعالى رقيب عليه وهو قوله تعالى { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } الرعد 33 فتكون أنت أيها العبد تراقبه في سرائرك وعلانيتك وظاهرك وباطنك وحركاتك وسكناتك وتعلم أنـه رقيب عليك وتستحي ممن هو معك ولا تستحي ممن هو أقرب إليك من حبل الوريد
وقيل المحمود من الدنيا المساجد والمحاريب وذلك أن شركاءك فيها الملائكة والنبيون والصديقون وحسن أولئك رفيقا
والمذموم من الدنيا البطن والفرج والكنيف والمزابل وشركاؤنا فيها اليهود والنصارى والمجوس والمشركون والزنادقة وغيرهم
فيدعوك الرب جل جلاله وهو قوله تعالى { والله يدعو إلى دار السلام } يونس 25 الآية

وتأبى أنت عليه فيقول الله سبحانـه يا عبدي لا تذنب في الدنيا رأفة منـه لعبده فيقول العبد لا بد لي من الذنوب فيقول الرب جل جلاله عبدي فتب إلي أقبلك على ما كان منك فيقول العبد لا أفعل لأنني مبتلي بالأهل والبطن والفرج فيقول الرب جل جلاله عبدي فكن مكانك حتى أوتيك
فيقول العبد ربي أي شيء تؤتين فيقول الله عز وجل الجوع والفقر والعرى والمرض فيقول العبد لا حاجة لي في هذا
ثم يدعو ويتضرع ويصرخ إذا نزل بـه ذلك
قال فتقول الملائكة عند ذلك يا رب أما اتستجيب لعبدك هذا أما ترحمـه فيقول الله عز وجل سوف يحمدني عبدي إذا أدخلته الجنة
قال فإذا قبض روح العبد على ذلك أدخله الجنة
فيقول العبد { الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنـهتدي لولا أن هدانا الله } الأعراف 43 { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } فاطر 34 الآية
فيقول الرب جل جلاله الآن يحمدني عبدي وكان في دار الدنيا يلومني ويشكو إلي نظري إليه وكان أصلح له مما كان يريده لنفسه
فالآن قد أبحت له الجنة وأدنيته مني ووصلته جنتي فادن مني يا عبدي بلا نـهاية وعلى المزيد بمشاهدتي له والنظر إلى وجهي
لا أحرمنا الله النظر إلى وجهه الكريم وأدخلنا برحمته جنات النعيم

17 مجلس في قوله تعالى { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما }

433 اعلموا عباد الله وأحباب الله رحمكم الله أن الله تبارك وتعالى لطف بعباده المؤمنين وأمرهم بالصلاة على سيد المرسلين ليستنقذهم بها من العذاب الدائم المـهين فصلى عليه ربنا ومولانا تشريفا وتكريما وصلت عليه ملائكته تفضيلا وتعظيما وأمر عباده أن يصلوا عليه ليبيح لهم من الجنة مقاما كريما فقال من لم يزل سميعا عليما عليا عظيما { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } الأحزاب 56 فاجتهدوا بنا يا معاشر الإسلام في الصلاة والسلام على محمد خير الأنام فعسى أن يشفعه فينا يوم تشقق السماء بالغمام
ذكر في بعض الأخبار أن ما من ملك ولا نبي ولا ولي ولا صفي ولا صديق ولا شـهيد ولا تقي ولا سعيد إلا وهو يقول يوم القيامة بحرمة محمد أن تنجيني من عذابك وما من عبد سأل {صلى الله عليه وسلم} وسأل الله مولاه حاجة له فيها رضي الله عنـه إلا قضى الله حاجته وصرف عنـه عند صلاته على محمد {صلى الله عليه وسلم} سبعين نوعا من البلاء في بدنـه وفي دينـه وفي ماله وفي أهله
ورفع له سبعين درجة
اللهم صل على النبي محمد المختار وسيد الأنبياء والأبرار وزين المرسلين الأخيار وأكرم من أظلم عليه الليل وأشرق النـهار أبي القاسم الأواب المختار
أنشدوا
صلى الإله وكل عبد صالح
والطيبون على السراج الواضح
المصطفى خير الأنام محمد
الطاهر العلم الضياء اللائح
زين الأنام المرتضى علم الهدى
الصادق البر الوفي الناصح
صلى عليه الله ما هبت صبا
وتجاوبت ورق ال النائح
وذكر في بعض الأخبار أن ما من بقعة يكثر فيها الصلاة على محمد {صلى الله عليه وسلم} إلا تصير روضة من رياض الجنة وحصنا وحجابا بين المصلين وبين حجاب النار
فاجتهدوا في الصلاة على محمد يا معشر المؤمنين والمؤمنات وتحصنوا بها من العذاب الشديد
434 الصلاة على النبي وشفاعته
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال
أكثروا من الصلاة علي فإني أشفع لكم على قدر ذلك
وأنشدوا
} صلى الإله على قدر الحبيب ومن وسط المدينة يعلو فوقه النور

رفعت قريش هنالك نعش سيدها
فثم ثكل التقى والبر مقبور
وثم خير عباد الله كلهم
وثم أكرم خلق الله محبور
عباد الله تحصنوا من العذاب والوبل بإكثار الصلاة على نبينا محمد في النـهار والليل
ذكر في بعض الأخبار أن على ساق العرش مكتوبا من اشتاق إلى رحمتي رحمته ومن سألني أعطيته ومن لم يسألني لم أنسه ومن تقرب إلي بقدر محمد {صلى الله عليه وسلم} غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر
فالله الله يا أمة محمد ويا أحباب محمد من أصابته نائبة أو وقع في شدة فليتضرع إلى مولاه ويسأله بقدر محمد وبحرمة محمد {صلى الله عليه وسلم} فإنـه قدره عند الله عظيم
فأكثروا عباد الله الكريم يا معشر من آمن بالله العظيم الصلاة على محمد الكريم والنبي السيد الرؤوف الرحيم ينجيكم الله بها من العذاب الأليم ويدخلكم جنات الخلد والنعيم إنـه هو الحكيم العليم
435 الصلاة عليه في يوم الجمعة
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من صلى علي في يوم الجمعة مائة مرة غفر الله له خطيئة ثمانين سنة {
فالله الله يا معشر المؤمنين والمؤمنات أكثروا من الصلاة على حبيبكم محمد في جميع الأيام والأوقات والأحايين والساعات عسى الله أن يخلصكم من الأهوال والآفات والعذاب والعقوبات ويدخلكم الجنات العاليات يوم تبدل الأرض والسموات
وأنشدوا
صلوا على المصطفى زلفى تقربكم
إن الصلاة عليه خير ما اكتسبا
أعلا الأنام على في جلالته
واشرف الخلق منسوبا إذا انتسبا
وأسرع الناس يوم العرض مغفرة
إذا العقاب بدا للخلق وانتصبا
حكي عن الشبلي رحمـه الله تعالى أنـه قال مات رجل من جيراني فرايته في المنام فسألته عن حاله

فقال يا شبلي مرت بي أهوال عظام وذلك أنـه لما سئلت تلجلج لساني عند السؤال منـه جاءني الملكان وأراد أحدهما أن يبادرني بالعذاب إذا أنا بشخص جميل ما رأيت أجمل منـه وجها فحال بيني وبينـهما فقلت له من أنت من بعد ما لقنني حجتي فقال أنا ملك خلقني الله من ثواب الصلاة على محمد وأنت كنت تكثر الصلاة على محمد {صلى الله عليه وسلم} لأخلصنك بإذن الله من جميع الأحزان ومن عذاب النيران ولا ابارحك حتى أدخلك الجنة برحمة الله
فالله الله عباد الله لا تملوا من الصلاة على محمد {صلى الله عليه وسلم} زين العباد الذي خلصنا بـه من حر جهنم وبئس المـهاد
وأنشدوا
من كان يكثر بالصلاة
مؤملا فضل النبي
أعطاه رب محمد
عونا من اللطف الخفي
أوحى الله تبارك وتعالى إلى موسى {صلى الله عليه وسلم} يا موسى إن أردت أن أكون إليك أقرب من لسانك إلى كلامك ومن نور بصرك إلى عينك ومن سمعك إلى أذنك فأكثر من الصلاة على حبيبي محمد {صلى الله عليه وسلم}
وأنشدوا
صلى الإله على النبي محمد
خير الأنام وجاءه التنزيل
وبفضله نطق الكتاب وبينت
بصفاته التوراة والإنجيل
ذاك النبي الهاشمي المصطفى
قد جاءه الترفيع والتفضيل
} أسرى بـه المولى إلى أفق السما
فوق البراق وعنده جبريل
436 عجيبة
روي عن محمد بن النعمان رضي الله عنـه أنـه قال كنا عند النبي {صلى الله عليه وسلم} فجاءه فتى من الأنصار في حاجة فوسع له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بينـه وبين أبي بكر الصديق رضي الله عنـه وقال له رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا أبا بكر لعلك يشق عليك أن أجلست
هذا الفتى بيني وبينك فقال أبو بكر رضي الله عنـه أي والله يا رسول الله إنـه ليشق علي أن يكون بيني وبينك أحد
437 فضل المصلي وأبو بكر

فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا أبا بكر إن هذا الفتى يصلي علي صلاة ما يصليها علي أحد من أمتي فقال أبو بكر رضي الله عنـه كيف يقول يا رسول الله فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يقول اللهم صل على محمد عدد من صلى عليه وصل على محمد عدد من لم يصل عليه وصل على محمد كما أمرت بالصلاة عليه وصل على محمد كما تحب أن يصلى عليه وصل على محمد كما ينبغي أن يصلي عليه واعلم يا أخي علما يقينا لا شك فيه أنـه ليس أحد أحظى عند نبينا محمد {صلى الله عليه وسلم} ولا عند ربنا سبحانـه بعد النبيين من أبي بكر الصديق رضي الله عنـه ثم عمر بعده كذلك عثمان ثم علي رضي الله عنـهم أجمعين وصلوات الله ورحمته عليهم وعلى العشرة وجميع الصحابة لكن خص النبي {صلى الله عليه وسلم} الفتي بإقعاده بينـه وبين أبي بكر لما ألهمـه الله من تلك الصلاة فأكرمـه النبي كذلك صلوات الله وسلامـه عليه ما حن مشتاق إليه
438 حكاية الشافعي عن مؤمني الجن
فما يقوي ما ذكرناه من فضل الأركان الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين ما روي عن محمد بن إدريس قال رأيت بمكة أسقفا وهو يطوف بالكعبة فقلت له ما الذي رغب بك عن دين آبائك فقال تبدلت خيرا منـه فقلت كيف ذلك قال ركبت البحر فلما توسطنا انكسر بنا المركب فعلوت لوحا فلم تزل الأمواج تدفعني حتى رمتني في جزيرة من جزائر البحر فيها أشجار كثيرة ولها ثمر أحلا من الشـهد وألين من الزبد وفيها نـهر جار عذب فحمدت الله على ذلك وقلت آكل من هذا الثمر وأشرب من هذا النـهر حتى يأتيني الله بالفرج فلما ذهب النـهار خفت على نفسي من الدواب فعلوت شجرة من تلك الأشجار فنمت على غصن منـها فلما كان في جوف الليل فإذا بدابة على وجه الماء تسبح الله وتقول لا إله إلا الله العزيز الجبار محمد رسول الله النبي المختار أبو بكر الصديق صاحبه في الغار عمر الفاروق مفتاح الأمصار عثمان القتيل في الدار علي سيف الله على الكفار فعلى

مبغضيهم لعنة الجبار ومأواهم جهنم وبئس القرار

فلم تزل تكرر هذه الكلمات حتى إذا طلع الفجر قالت لا إله إلا الله الصادق الوعد والوعيد محمد الهادي الرشيد أبو بكر الصديق الموفق السديد عمر بن الخطاب سور من حديد عثمان القتيل الشـهيد علي ذو البأس الشديد فعلى مبغضيهم لعنة الرب المجيد فلما وصلت البر فإذا رأسها رأس نعامة ووجهها وجه إنسان وقوائمـها قوائم بعير وذنبها ذنب سمكة فخشيت على نفسي هالكة فهربت بنفسي أمامـها فوقفت فقالت ما دينك قلت النصرانية فقالت ويلك ارجع إلى الحنيفية فقد حللت بفناء قوم من مؤمني الجن لا ينجو منـهم إلا من كان مسلما قلت وكيف الإسلام قالت تشـهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فقلتها فقالت أتم إسلامك بالترحم على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين
قلت ومن أتاكم بذلك فقالت قومنا حضروا عند رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فسمعوه يقول
إذا كان يوم القيامة تأتي الجنة فتنادي بلسان طلق يا إلهي قد وعدت أن تشد أركاني فيقول الجليل جل جلاله قد شددت أركانك بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وزينتك بالحسن والحسين ثم قالت الدابة المقام تريد أم الرجوع إلى أهلك قلت لها الرجوع فقال اصبر حتى تجتاز مركب وإذا مركب تجري فأشرت إليهم فدفعوا إلي زورقا فلما علوت معهم فإذا في المركب إثني عشر رجلا كلهم نصارى فأخبرتهم خبري فأسلموا عن آخرهم
فالله الله عباد الله اشكروا الله على نعمة الإسلام وعلى هدايتكم لسنة محمد {صلى الله عليه وسلم} عليه أفضل الصلاة والسلام ومحبتكم لأصحابه البررة الكرام فقد فضلكم على جميع الأنام قال الله ذو الجلال والإكرام والطول والإنعام { إن الدين عند الله الإسلام } آل عمران 19 ونرجع إلى ما كنا فيه من الصلاة على خير الأنام محمد رسول الملك العلام
وأنشدوا
} لهجت بذكرك مـهجتي ولساني وحللت من قلبي بكل مكان
فأنا بذكرك في البرية كلها
علم وحبك آخذ بعناني
سلطان حبك في الهوى عين الهوى
وبه تعزز في الهوى سلطاني
أنت النبي الهاشمي محمد
صلى الإله عليك في القرآن

أنت الحبيب لأهل دينك كلهم
يوم المعاد وموقف الخسران
أنت الشفيع لمن عصى رب العلا
أنت الدليل لجنة الرضوان
فلأذكرنك ما بقيت معمرا
حتى الممات ولا يمل لساني
فصلاة ربي ماجد ومـهيمن
ترى عليك تعاقب الملوان
439 أوتاد المجالس
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إن المجالس أوتادا جلساؤهم الملائكة إذا جلسوا لذكر الله حفت بهم الملائكة من لدن أقدامـهم إلى عنان السماء بأيديهم قراطيس الفضة وأقلام الذهب يكتبون الصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم} يقولون أكثروا رحمكم الله فإذا استفتحوا في الذكر فتحت لهم أبواب الجنة واستجيب لهم الدعاء وتطلع عليهم الحور العين وأقبل الله تعالى عليهم بوجهه الكريم ما لم يخوضوا في حديث غيره ويتفرقوا وأنشدوا
} إذا طيب الناس المجالس بينـهم مداما وريحانا فذكرك طيبنا
ولو كانت الدنيا نصيبا لأهلها فحبك من كل الأماني نصيبنا
وإن كان حب الخلق بعضا لبعضهم فأنت من الخلق الجميع حبيبنا
إخواننا طوبى لمن رزق لسانا بذكر الله والصلاة على محمد رسول الله طوبى لمن رزقه مولانا لسانا مشغولا بذكر الإله الكريم
وبالصلاة على الرؤوف الرحيم
440 صيغة الصلاة
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال لرجل من أصحابه ما قلت البارحة من قول الخير قال الرجل يا رسول الله صلى الله عليك قلت اللهم ثل على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من الصلوات شيء ويبارك على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من البركات شيء وارحم محمدا وآل محمد حتى لا يبقى من الرحمات شيء
فقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } لذلك رأيت البارحة الملائكة يحفون بأزقة المدينة { فأكثروا من الصلاة على سيد الأنبياء وأفضل الأحباء وأكرم الأصفياء وأجل من ولدت النساء صلى الله عليه صلاة دائمة بلا انقضاء في الليل إذا يغشى وفي النـهار إذا تجلى وفي الآخرة والأولى
وأنشدوا
} صلى الإله على خير الأنام ومن نرجو النجاة بـه في موضع العطب {
فهو الشفيع لمن يرجو شفاعته
عند الحساب وعند اللهو والكرب

روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إن أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة { فأكثروا من الصلاة عليه يا معشر الإسلام وتحصنوا بها من العذاب الغرام واطلبوا بها رضا الملك العلام وأنشدوا
} يا خير مولود تعاظم فخره
وأتى بأشرف ملة وكتاب {
} صلى الإله عليك يا خير الورى ما أنـهل في الآفاق قطر سحاب {
} يا خير مبعوث إلى خير أمة وأكرم من يدعو لسبل صواب
441 ثلاثة تحت ظل العرش
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } ثلاثة يوم القيامة تحت عرش الله يوم لا ظل إلا ظله قيل من هم يا رسول الله قال من فرج عن مكروب أمتي ومن أحيا سنتي ومن أكثر الصلاة علي { فاجتهدوا رحمكم الله في التفريج لهموم المكروبين وفي إحياء سنة خاتم النبيين وفي الصلاة على سيد المرسلين وأكرم الخلق على رب العالمين
وأنشدوا
} صلوا على خير الأنام كرامة وجلالة يا معشر الإسلام {
} فهو النبي المصطفى علم الهدى
وأدل من يدعو لسبل قوام {
} نطق الكتاب بفضله وجلاله وبفضله ننجو من الأسقام {
} صلوا على خير البرية كلها ما لاح بدر تحت جنح ظلام {
} فهو السبيل لدار كل كرامة
وهو الدليل لجنة وسلام {
} وهو الشفيع لمن يدين بدينـه ولمن يلوذ بملة الإسلام
442 للصلاة رائحة طيبة
روي عن بعض الصحابة رضي الله عنـهم أجمعين أنـهم قالوا ما من مجلس يصلي فيه على النبي {صلى الله عليه وسلم} إلا نمت له رائحة طيبة حتى تبلغ عنان السماء فتقول الملائكة هذه رائحة مجلس صلي فيه على النبي محمد {صلى الله عليه وسلم}
اللهم صل عليه كما تحب أن يصلى عليه {صلى الله عليه وسلم}
وأنشدوا
} تتعطر الأنفاس ما ذكرت أخباره في المجلس العطر {
سبحان باريه وخالقه
نورا تصور أجمل الصور
المسك منحدر ببردته
والوجه منـه طلعة القمر
يا صادقا فيما يخبرنا
بشـهادة الأسماع والنظر
سبحان من أنشاك من بشر
يا سيدا للخلق والبشر
القول تتبعه شواهده
والخير مقرون مع الخبر
أنت النبي بلا معة
والمصطفى من خيرة البدر
443 الإمام الشافعي

روي عن أبي جعفر الطحاوي أنـه قال قال عبد الله بن عبد الحكم رأيت الشافعي رضي الله عنـه في المنام فقلت ما فعل الله بك فقال رحمني وغفر لي وزففت إلى الجنة كما تزف العروس إلى زوجها فقلت له ما الذي بلغك هذه المنزلة قال لي بما في آخر كتاب الرسالة من الصلاة على محمد {صلى الله عليه وسلم} فقلت له وكيف ذلك فقال لي وصلى الله على سيدنا محمد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون
قال فلما أصبحت طلبت كتاب الرسالة فوجدت الأمر كما ذكر
وأنشدوا
} صلوا على خير الأنام ومن بـه تنجو العباد بموقف الأهوال
إن الصلاة على النبي حبيبنا من أفضل الأفعال والأعمال
فهو النبي المصطفى علم الهدى الطيب الأقوال والأفعال
معشر المسلمين تحصنوا من عذاب النار وخففوا عن ظهوركم ثقل الأوزار بكثرة الصلاة على النبي المختار
444 أبخل الناس
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } حسب المؤمن من البخل إذا ذكرت عنده فلم يصل علي { أعوذ بالله من اللئيم البخيل
الذي يبخل بالصلاة على رسول الملك الجليل الذي خصه الله بالكرامة والتفضيل وائتمنـه على الإيضاح عن بيان التأويل في جميع التنزيل
وأنشدوا
صلوا على القمر المنير إذا بدا
في موكب من حسنـه وجماله
لم يخلق الرحمن خلقا مثله
في فضله وبهائه وكماله
ختم النبوة طيبه فختامـه
مسك تكون من نسيم جلاله
صلوا على العلم الذي من أمـه
نال المنى وجرى السرور بباله
صلوا على بدر التمام محبة
وكرامة وجلالة لجلاله
إن الصلاة على النبي سلامة
وتفضل وتوسل بجماله
وتودد وتحنن وتشوق
وتوسل وتقرب لنواله
عباد الله صلوا على رسول الله صلوا على سيدنا وحبيبنا محبة وكرامة فهو الشفيع لنا يوم القيامة
445 أنجاكم أكثركم صلاة
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال
أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومن مواطنـها أكثركم علي صلاة عباد الله الملك الديان يا أهل الإسلام والإيمان صلوا بنا على سيدنا محمد رسول الملك الرحمن لعله يخلصنا من عذاب النيران
وأنشدوا

} صلوا على ماجد جلت مآثره وأكثر الخلق إفضالا وإحسانا
أتى العباد وقد ضلت مسالكهم
فأوضح الحق تبيانا وبرهانا
وبين الدين بالتذكير مجتهدا
وأظهر الشرع أحكاما وقرآنا
وأنقذ الخلق من نار السموم لظى
وأورد الناس جنات ورضوانا
لا تبغ طيبا إذا ما كنت ذاكره
ولا ترد بعده روحا وريحانا
فيه الجنان وفيه الحسن مجتمع
والنبل والظرف أشكالا وألوانا
} فالحمد لله إذ كنا له تبعا
لقد تفضل بالخيرات مولانا
446 ثمرة الصلاة
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من صلى علي صلاة تعظيما لحقي خلق الله تعالى من ذلك القول ملكا جناحه بالمشرق والآخر بالمغرب ورجلاه مغروزتان في الأرض السابعة السفلى وعنقه ملوي تحت العرش يقول الله تعالى له صل على عبدي كما صلى على نبيي محمد فهو يصلي عليه إلى يوم القيامة أحبابي تحصنوا
من أليم العذاب وارغبوا في جزيل الثواب بالصلاة على النبي الصادق الأواب
اعلموا عباد الله أن الله تبارك وتعالى لما اتخذ محمدا {صلى الله عليه وسلم} حبيبا أقسم بحياته فقال تعالى { لعمرك إنـهم لفي سكرتهم يون } الحجر 72 فهذه غاية المحبة
ولما أحب الله تعالى أن يصلي العباد على محمد النبي الحبيب بدأ بالصلاة عليه الملك القريب ثم ثنى بملائكته البعيد منـهم والقريب ثم عرف عباده المؤمنين أنـه يصلي على محمد هو وملائكته ثم أمر بالصلاة عليه أهل الإيمان لينجيهم بها من عذاب النيران فقال الملك الرحمن في محكم القرآن { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } الأحزاب 56 فكأنـه قال جل وتعالى عبدي قد أعلمتك أني أصلي على محمد حبيبي وملائكتي تصلي عليه فمن أكثر الصلاة على محمد الحبيب جعلت له من الجنة أوفر نصيب وكان رفيقا وجارا لأبي القاسم الحبيب
وأنشدوا
صلى الإله بعظمـه وجلاله
ثم الملائكة الكرام على النبي
فهو الحبيب لربنا رب العلا
وهو الدليل لجنة لا تختبي
447 الملائكة تستغفر للمصلي

ذكر في بعض الأخبار أن العبد المؤمن أو الأمة المؤمنة إذا ابتدأ بالصلاة على محمد {صلى الله عليه وسلم} فتحت له أبواب السموات السبع والسرادقات حتى العرش فلا يبقى ملك في السموات أإلا صلى على محمد {صلى الله عليه وسلم} ويستغفرون لذلك العبد أو الأمة ما دام العبد أو الأمة يصلي على النبي {صلى الله عليه وسلم} وأنشدوا
} صلوا بنا يا معشر الإسلام على النبي الواضح الأحكام
} نطق الكتاب بفضله وجلاله وبفضله ننجوا من الإجرام
448 مقام الشبلي
حكي عن بعضهم أنـه قال كنت عند أبي بكر بن مجاهد جالسا إذ أقبل الشبلي فقام أبو بكر إليه فعانقه وقبل بين عينيه فقلت يا سيدي تفعل هذا بالشبلي وأهل بغداد يقولون عنـه إنـه مجنون فقال قد فعلت بـه كما رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يفعل بـه وذلك أني رأيت رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في المنام وقد أقبل الشبلي فقام النبي {صلى الله عليه وسلم} فعانقه وقبله بين عينيه فقلت له يا رسول الله تفعل هذا بالشبلي فقال {صلى الله عليه وسلم} نعم
لأنـه يقرأ في آخر كل صلاة { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } التوبة 128 الآية
ثم يتبعها بالصلاة علي
وأنشدوا
صلاة رب كريم ماجد صمد
على النبي الذي قد نال تفضيلا
صلى عليه إله العرش خالقنا
جاء الكتاب بذا وحيا وتنزيلا
فهو الدليل لأهل الخير كلهم
لمن أراد إلى الفردوس تحويلا
ومن أراد فرارا عن تمرده
ومن أراد له الرحمن توصيلا
هذا بيان لأهل الفضل كلهم
يعجلون لدار الخلد تعجيلا
عباد الله ارغبوا في هذا الملك الجليل والنعيم الدائم الطويل بإكثار الصلاة على محمد الأصيل النبي السيد النبيل الذي جاء بالوحي والتنزيل وأوضح بيان التأويل وجاءه الأمين جبريل بالتكريم والتفضيل وأسرى بـه الجليل في الليل البهيم الطويل كشف له عن أعلا الملكوت وأراه أسنى الجبروت ونظر إلى قدرة الحي الذي لا يموت
فلقد رأى في ليلة الإسراء من آيات ربه الكبرى وانتهى إلى سدرة المنتهى
وأنشدوا
صلوا على خير الأنام محمد
فهو الدليل إلى السبيل المرشد
} صلى عليه الرب ما دام الدجى
ومضى النـهار وفي الظلام الأسود
449 إبلاغ الصلاة إلى الله

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إن الله تبارك وتعالى أعطى ملكا من الملائكة أسماء الخلائق فهو قائم على قبري إلى يوم القيامة فليس أحد من أمتي يصلي علي إلا قال ذلك الملك يا محمد فلان بن فلان يصلي عليك صلى الله عليك وضمن لي الرب عز وجل أن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا وإن زاد زاده الله فأين أنت يا من أراد النجاة من سموم الحميم والفوز والخلد في جنات النعيم فأكثروا من الصلاة على النبي الكريم والرسول الرؤوف الرحيم
450 صلاة الملائكة
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من صلى علي صلت عليه الملائكة ومن
صلت عليه الملائكة صلى عليه ربه فليقل العبد أو ليكثر واعلموا أن الفاجر الشقي الذي يسمع هذه الفضائل على الصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم} وقد حبس لسانـه عنـها فيجب أن يتعوذ بالله منـه
نعوذ بالله من لسان جامد عن الصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم} رسول الملك الماجد العزيز الفرد الصمد الواحد
وأنشدوا
صلوا على النور البهي محمد
إن الصلاة عليه تنجي من لظى
فهو الدليل إذا اهتديت بنوره
وهو الرسول فذاك مصباح الهدى
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال
إن الله تعالى وهب ذنوبكم عند الاستغفار فمن استغفر الله تعالى بنية صادقة غفر له ومن قال لا إله إلا الله رجح ميزانـه ومن صلى علي كنت شفيعه يوم القيامة عباد الله ارغبوا في الشفاعة وتمسكوا بالصلاة على شفيع المذنبين يوم قيام الساعة وارغبوا إلى مولاكم أن يوفقنا إلى أعمال أهل السنة والجماعة
وأنشدوا
} من كان يعلم أن الله خالقه ومحمدا قد جاء بالقرآن
فليكثر التسليم بعد صلاته
للطيب المبعوث بالتبيان
الهاشمي الأبطحي محمد
خير الأنام وزين كل مكان
451 من كتب الصلاة في كتاب
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب فيا معشر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات أطيعوا رب الأرضين والسموات بالصلاة على سيد السادات
وأنشدوا

} جد بالصلاة على خير الوري كرما ذاك النبي الذي قد جاء بالنور
فهو الإمام لأهل الحق كلهم وهو الدليل على الولدان والحور
452 الصلاة تبلغه عن العباد
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } تباهوا بالصلاة علي فإنـها تبلغني
فبلغوا
صلاتكم على سيدكم ونبيكم وصفيكم وارغبوا إلى مولاكم أن يتوفاكم على سنته وأن يجعلكم من أمته وأن يجعله شفيعكم من النار وقائدكم إلى دار الراحة والقرار إلى جنات عدن تجري من تحتها الأنـهار
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال
إن الله تعالى وكل بي ملكين فلا اذكر عند عبد مسلم فيصلي علي إلا قال الملكان مجيبين آمين فيقول الله تعالى جوابا للملكين آمين ولا أذكر عند أحد فلا يصلي علي إلا قال الملكان لا غفر الله لك فيقول الله تعالى وملائكته جوابا لقول الملكين آمين فما خلق الله تعالى أعجز ولا أذل ولا أبخل ممن يسمع ذكر محمد النبي الفاضل الزكي ولا يصلي عليه {صلى الله عليه وسلم} وملائكته وبلغ سلامنا إليه
وأنشدوا
} صلوا بنا في الليل والنـهار على النبي الصادق المختار
أسرى بـه الرحمن في جنح الدجى
قد جاء في القرآن والآثار
الهاشمي المصطفي خير الورى
الطائع الأواب للجبار
صلوا على المبعوث يا أهل النـهي
من جاء بالتنزيل والأخبار
453 حسنات الحرم
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من صلى علي من أمتي كتبت له عشر حسنات من حسنات الحرم قيل يا رسول الله وما حسنات الحرم قال الحسنة بسبعمائة حسنة يا أخي هذا والله قول يسير وثواب كثير
454 الصلاة صلة تعارف
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } ليردن علي أقوام يوم القيامة عند حوضي ما أعرفهم إلا بكثرة الصلاة علي عباد الله أنتم ترون نبيكم وحبيبكم وصفيكم فأكثروا من الصلاة عليه فعسى يعرفكم بكثرة الصلاة عليه لأن الصلاة عليه نور لصاحبه يوم القيامة فعلى قدر الصلاة على الهاشمي القرشي التهامي الأمي الأبطحي يكون النور المضيء الذي يعرف بـه المؤمن التقي ومن لا يكثر الصلاة على هذا النبي فهو مبعد مطرود شقي

يا إخواني في الله صلوا على شجرة غرسها الملك الجليل وجعل أصلها الخليل وجعل خلالها التفضيل وزينـها بالتنزيل وجعل رقيقها جبريل وخضع لها كل كثير وكل عزيز وذليل
أصولها عربية وأغصانـها
مضرية وأوراقها قرشية وثمرتها تهامية غرسها الملك الديان وأخضع لها جميع الإنس والجان فصلوا عليه يا معشر الإخوان وأنشدوا
الله فضل خير الخلق بالكرم
وأفضل الناس من عرب ومن عجم
هو النبي الذي فاقت فضائله
وخصه الله بالتنزيل والحكم
اختصه بكتاب بين علم
هدي العباد بـه من غمة الظلم
الله فضله الله أكرمـه
الله أرسله من جملة الأمم
صلوا عليه عباد الله كلكموا
إن الصلاة له تنجي من النقم
عباد الله طيبوا بنا مجالسنا بالصلاة على سيدنا محمد {صلى الله عليه وسلم}
455 طيب مجلس صلي فيه عليه
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } ما جلس قوم مجلسا فتفرقوا عن غير صلاة علي إلا تفرقوا عن أنتن من جيفة حمار { فإذا كان المجلس الذي لا يصلى فيه على النبي {صلى الله عليه وسلم} تفرق أهله عن أنتن من جيفة حمار فلا غرو أن يتفرق المصلون عليه من مجلسهم عن أطيب من خزانة العطار
وذلك أن النبي {صلى الله عليه وسلم} كان أطيب الطيبين وأطهر الطاهرين وكان إذا تكلم امتلأ المجلس بريح المسك فكذلك مجلس يذكر فيه النبي {صلى الله عليه وسلم} نمت فيه رائحة تخترق السموات السبع حتى تنتهي إلى العرش ويجد كل من خلق الله ريحها في الأرض غير الإنس والجن فإنـهم لو وجدوا تلك الرائحة اشتغل كل منـهم بلذته عن معيشته ولا يجد تلك الرائحة ملك أو خلق من خلق الله تعالى إلا استغفر لأهل المجلس ويكتب لهم بعدد هذا الخلق كلهم حسنات ويرفع لهم درجات سواء كان في المجلس واحد أو مائة أو ألف كل واحد يأخذ من الأجر مثل هذا العدد وما عند الله تعالى أكثر
فيا أحباب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} صلوا على حبيب غذي بماء الوصال وكسي ثوب الجمال والكمال وزين بكتاب الكريم المتعال
456 حكاية نساخ أكثر من الصلاة

ذكر عن بعض الصالحين أنـه قال كان لي جار نساخ فمات فرايته في المنام في حالة حسنـه فقلت له ما فعل الله بك فقال غفر لي على ما كان مني فقلت له بم كان ذلك فقال كنت إذا كتبت اسم النبي {صلى الله عليه وسلم} صليت عليه {صلى الله عليه وسلم} فغفر لي بذلك وأعطاني ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فأكثروا من الصلاة عليه {صلى الله عليه وسلم} تسليما كثيرا
وأنشدوا
نور النبي علا على الأنوار
فهو الدليل لسبل دار قرار
صلوا عليه لعلكم تنجوا به
يوم الحساب وكشفة الأسرار
صلوا على القمر المنير إذا بدا
فهو الحبيب لربنا الجبار
صلوا على نور تكون بالهدى
فهو الشفيع لصاحب الأوزار
عباد الله ارغبوا يما رغبكم فيما الملك القهار من فضل الصلاة على نبيه محمد المختار ولا تغفلوا عن الصلاة عليه بالليل والنـهار فإن الله ينجيكم بها من عذاب النار ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنـهار
الصلاة على النبي فضيلة جزيلة والصلاة على أصحابه سنة وفضيلة والصلاة على الملائكة قربة ووسيلة صلوا رحمكم الله على النبي الرفيع والنور البديع والحبيب الشفيع
أكرم من ولد وأعز من فقد
وأنشدوا
صلاة رب ماجد وهاب
على النبي الصادق الأواب
صلوا على المختار أنوار الهدى
صلوا عليه معشر الأحباب
} صلوا على النور البهي محمد
صلوا عليه جماعة الأصحاب
457 عدد الصلاة عليه
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا ومن صلى علي عشرا صلى الله عليه مائة مرة ومن صلى علي مائة صلى الله عليه بها ألفا ومن صلى علي الفا حرمـه الله على النار وأدخله الجنة وثبته بالقول الثابت في القبر عند المسألة وجاءت صلاته علي نورا يضيء له الصراط مسيرة خمسمائة
عام وبنى الله له بكل صلاة صلاها علي قصرا في الجنة قل ذلك أو أكثر وأنشدوا
صلوا على المختار من آل هاشم
وخير نبي خصه بالمكارم
ومن بين الرحمن في الذكر فضله
وأوضح نور العدل بعد التظالم
وأرسله الجبار للناس كافة
مبين محض الحل بعد المحارم
فذاك لدين الله حصن وملجأ

وذاك على الأعداء ليث بصارم
عباد الله خففوا عن ظهوركم الذنوب الثقال وفكوا رقابكم من السلاسل والأغلال وارغبوا في نعيم دار الخلد والجلال بصلاتكم على محمد رسول الكبير المتعال
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من صلى علي ألف مرة لم يخرج من الدنيا حتى يبشر بالجنة { فارغبوا عباد الله أن تكونوا من أهل الجنان بإدمان الصلاة على محمد رسول الملك الرحمن فعسى الله أن يكفر عنكم ما سلف من الذنوب والعصيان
نعوذ بالله من لسان يابس من الصلاة على محمد وإذا أراد الله بعبد خيرا بل لسانـه بذكره وبالصلاة على محمد حبيبه ونبيه ووليه وصفيه صلى الله عليه
صلواتنا على محمد المبعوث من تهامة الآمر بالمعروف والاستقامة الشفيع لأهل الذنوب في عرصات القيامة
اللهم صل على محمد الزاهد رسول الملك الصمد الواحد صلى الله عليه صلاة دائمة منتهى الآباد طيبة باقية بلا انقطاع ولا نفاد صلاة تنجينا بها من جهنم وبئس المـهاد
وأنشدوا
} صلوا على هذا النبي الأوضح
الهاشمي الأبطحي الأفصح {
} إن الصلاة على الشفيع محمد تبدي الفلاح مع النجاح الأنجح {
} فتكثروا من ذكره أهل النـهى لا تبتغوا بدلا بذكر الأرجح {
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من عسرت عليه حاجة من أمر دينـه أو دنياه فليكثر من الصلاة علي فإن الله يستحي أن يرد عبده في حاجة إذا كان دعاءه بين صلاتين علي صلاة قبل السؤال وصلاة بعد السؤال وهذا والله غاية الجاه والحب لنبينا محمد {صلى الله عليه وسلم}
اللهم صل على محمد صلاة تزلف بها مثواه وتشرف بها عقباه وتبلغه بها يوم القيامة من الشفاعة رضاه ومناه
458 صفة الرسول والثناء عليه
قال بعض السادة في قوله تعالى { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } التوبة 128 كأنـه يقول من خيركم نفسا وأطهركم قلبا وأصدقكم قولا وأزكاكم فعلا وأثبتكم أصلا وأوفاكم عهدا وأمكنكم مجدا من أكرمكم طبعا وأحسنكم صنعا وأطيبكم فرعا وأكثركم طاعة وسمعا
من أعلاكم مقاما وأحلاكم كلاما وأوفاكم زماما وأزكاكم سلاما

من أجلكم قدرا وأعظمكم فخرا وأكثركم شكرا وأرفعكم ذكرا وأعلاكم أمرا وأجملكم صبرا وأحسنكم خبرا وأقربكم بشرا من أبعدكم مكانا وأعظمكم شأنا وأرجحكم ميزانا وأولكم إيمانا وأوضحكم بيانا وأفضلكم لسانا وأظهركم سلطانا وأبينكم برهانا
من أرسخكم قدما وأبينكم علما وأوصلكم رحما وأبركم قسما وأبعدكم كرما وأرعاكم ذمما
من أسطعكم نورا وأنوركم سرورا وأجملكم حبورا وأفضلكم حيا ومقبورا
459 صيغة للصلاة
اللهم صل على من انتخبته من أشرف قبيلة وجعلته إليك أكبر وسيلة وجعلت الصلاة عليه أكرم فضيلة وأعليته إلى المرتبة الجليلة وجعلته بينك وبين عبادك وسيلة
اللهم صل عليه صلاة تجعلها بيننا وبين عذابك حجابا وتجعلها لنا إلى كرامتك مثابا وتفتح لنا بها إلى الجنة العالية بابا
اللهم صل على محمد عدد قطر الأمطار وعدد رمال الأودية والقفار وعدد ورق الأشجار وعدد زبد البحار وعدد مياه الأنـهار وعدد مثاقيل الجبال والأحجار وعدد أهل الجنة وأهل النار وعدد الأبرار والفجار وعدد ما يختلج في الليل والنـهار واجعل اللهم صلاتنا عليه حجابا من عذاب دار البوار وسببا لإباحة دار القرار
اللهم صل على محمد النبي المختار وسيد الأبرار وزين المرسلين الأخيار
وأكرم من أظلم عليه الليل وأشرق عليه النـهار أبي القاسم النبي الصادق المختار
اللهم صل عليه عدد من صلى عليه وعدد من لم يصل عليه كما أمرت بالصلاة عليه وصل عليه كما تحب أن يصلي عليه وصل عليه كما ينبغي أن يصلى عليه
اللهم صل على النبي الصادق الأواب وعلى ذريته وعلى جميع القرابة والأصحاب وتوفنا اللهم على سنته واجعلنا من أهل ولايته وانفعنا بهدايته وعنايته وأدخلنا الجنة مع صحابته الأبرار الطيبين الأخيار آمين آمين يا أرحم الراحمين

18مجلس ثاني في قوله تعالى { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما }

460 إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم خليلا وموسى كليما ومحمد {صلى الله عليه وسلم} وليا وحبيبا ونبيا وصفيا وذلك أن الله تعالى بدأ بالصلاة عليه وهو الملك العلام وصلت ملائكته عليه وهم الأصفياء الكرام فصلوا بنا معشر الأنام على محمد عليه السلام رسول ذي الجلال والإكرام ينجيكم الله من العذاب الدائم الغرام
واعلموا أنـه ما من عبد مسلم أكثر الصلاة على محمد عليه الصلاة والسلام إلا نور الله قلبه وغفر ذنبه وشرح صدره ويسر أمره فأكثروا من الصلاة لعل الله يجعلكم من أهل ملته ويستعملكم بسنته ويجعله رفيقنا جميعا في جنته فهو المتفضل علينا برحمته
461 في الصلاة عشر كرامات
واعلموا رحمكم الله أن في الصلاة على سيدنا محمد {صلى الله عليه وسلم} عشر كرامات إحداهن صلاة الملك الجبار والثانية شفاعة النبي المختار والثالثة الاقتداء بالملائكة الأبرار والرابعة مخالفة المنافقين والكفار والخامسة محو الخطايا والأوزار والسادسة قضاء الحوائج والأوطار والسابعة تنوير الظواهر والأسرار والثامنة النجاة من عذاب دار البوار والتاسعة دار الراحة والقرار والعاشرة سلام الملك الغفار
أما ولم يقسم الله بحياة أحد إلا بحياة محمد {صلى الله عليه وسلم} وقوله تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس } آل عمران 110 تقدير الآية أنتم خير أمة أخرجت
462 أحاديث في فضل الصلاة
وقال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} } وافيتم سبعين أمة أنتم أكرمـها وأفضلها عند الله { فأخبر الله تعالى أنـه قال { وقولوا للناس حسنا } البقرة 83 يعني محمدا {صلى الله عليه وسلم} فمن صلى على محمد فقد خالف المنافقين والكفار ووافق أمر الجبار وأما محو الخطايا والأوزار
فما روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال { من صلى علي في يوم جمعة مائة مرة غفرت له ذنوب ثمانين سنة }
وقال {صلى الله عليه وسلم} } من صلى علي مرة واحدة أمر الله حافظيه أن لا يكتبا عليه ذنبا ثلاثة أيام
وأما قضاء الحوائج والأوطار
فما روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال { الدعاء بين الصلاتين لا يرد }

وروي أن رجلا قال يا رسول الله أي الدعاء أفضل قال الصلاة علي قال أجعل ثلث عبادتي الصلاة عليك فقال {صلى الله عليه وسلم} إذا هديت قال أجعل ثلثي عبادتي الصلاة عليك فقال {صلى الله عليه وسلم} إذا كفيت قال أجعل جميع عبادتي الصلاة عليك قال من جعل جميع عبادته الصلاة علي قضى الله له جميع حوائج الدنيا والآخرة وهذا كله مع أداء الفرائض
وأما تنوير الظواهر والأسرار
463 الصلاة تنور القلب
فقد روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من أكثر الصلاة علي نور الله قلبه { وذلك أن الذنوب تسود القلوب لأن العبد إذا عمل ذنبا صار نكتة سوداء في قلبه فإذا تمادى على الذنوب نمت تلك النكتة حتى يسود بها القلب كله وإذا رطب الله لسان العبد بالصلاة على محمد {صلى الله عليه وسلم} غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل وزن الجبال فإذا غفرت ذنوبه زال السواد عن قلبه وبدا فيه النور لأن الإسلام لا يتم إلا بالصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم} وذلك أنـه لو قال عبد لا أرى الصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم} واجبة
لكان كفارا ورادا على الله وخرج عن دين الإسلام وزال نور الهدى عن قلبه قال الله تعالى { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } الزمر 22 فهذا بيان واضح من الله
وأنشدوا
} نور القلوب يزيد عند صلاتنا
للهاشمي فنوره لا ينجلي
فضياؤنا من ضوء نور محمد
صلوا على ذاك النبي الأفضل
464 حكاية في كثرة الصلاة على النبي

روي عن عبد الواحد بن زيد أنـه قال خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام فصحبني رجل في الطريق كان لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب ولا يأكل ولا يشرب ولا يتطهر ولا ينام ولا يتصرف في شيء إلا أكثر من الصلاة على محمد {صلى الله عليه وسلم} فسألته عن ذلك فقال أحدثك بعجب عجيب خرجت مرة إلى مكة معي والدي فنزلنا منزلا في موضع من منازل الطريق فنمت فإذا أنا بهاتف يهتف بي وهو يقول يا فلان قم فقد أمات الله والدك وقد سود وجهه فانتبهت فزعا مرعوبا مما سمعت فإذا هو راقد وقد غطي وجهه فكشفت الثوب عن وجهه فإذا هو ميت ووجهه أسود فاشتد حزني لذلك وتحيرت في أمره فغلب علي النوم فإذا أنا بأربعة سودان عند رأسه وأربعة عند رجليه بأيديهم أعمدة من حديد من نار وهم يريدون عذابه فبينما أنا أنظر فيما يكون من أمر والدي مع السودان إذا برجل قد جاء فأشرق من نور وجهه الموضع كله الذي كنا فيه وأقبل على السودان فانتهرهم وقال تنحوا عنـه فتنحى السودان عنـه من ساعتهم وغابوا عني فلم أرهم ثم أقبل على والدي فمسح بيده على وجهه فإذا هو أشد بياضا من الثلج والنور قد علا وجهه ثم أقبل علي فقال لي بيض الله وجه أبيك وزال عنـه السواد فقلت له من أنت فجزاك الله عنـه خيرا قال أنا محمد رسول الله فقلت له يا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ما كان السبب في مجيئك إليه فقال {صلى الله عليه وسلم} أما والدك فكان مسرفا على نفسه غير أنـه كان يكثر من الصلاة علي فلما نزل بـه ما نزل استغاث بي وأنا غياث لمن أكثر الصلاة علي فقمت من نومي فكشفت الثوب عن وجهه فإذا هو قد ابيض فأخذت في أمره وشرعت في دفنـه فما تركت الصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم} بعد ذلك
فإذا كانت الصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم} تورث تنوير الوجه بعد الممات فأولى ان تورث تنوير القلوب في الحياة وذلك أن الله تعالى جعل شخصه {صلى الله عليه وسلم} نورا

وقد سماه في كتابه سراجا منيرا ووصف من اتبع أمره وسنته وأحبه بنور القلب قال الله تعالى { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } الزمر 22 ووصف من خالف دينـه ومن لم يؤمن بـه بظلمة القلب قال تعالى { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } النور 40 فمالكم عباد الله غافلون عن هذه الفضيلة والنعمة الدائمة الجزيلة وأنشدوا
صلوا على نور تزايد فخره
يعلو على الأنوار والألباب
محمد زين الخلق شرقا ومغربا
وخير شفيع ناطق بصواب
وخير حبيب للإله نبينا
وخير رسول عامل بكتاب
أتى الخلق والأصنام تعبد جهرة
وبوأهم إبليس شر مآب
فأنقذ بالنور البهي عباده
وبوأهم بالد ين حسن مآب
فصلوا على خير الخلائق كلهم
لتستوجبوا يا قوم خير ثواب
عباد الله تعاهدوا الصلاة على حبيبنا محمد {صلى الله عليه وسلم} لأن الله تعالى إذا أراد بعبده خيرا يسر لسانـه للصلاة على محمد {صلى الله عليه وسلم} وإذا أراد بعبده شرا حبس لسانـه عن الصلاة على محمد {صلى الله عليه وسلم} فيكون ذلك سببا لسواد وجهه كما أن الصلاة لتنوير القلب
وأما قضاء الحوائج والأوطار
465 الصلاة تحل العقد
فما روي أن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قال } من عسرت عليه حاجة فليكثر من الصلاة علي فإنـها تحل العقد وتكشف الهم والحزن وتكثر الأرزاق { وأنشدوا
} كم بالصلاة عليه فاز من رجل
وكم رأيت بها في الشدة الفرجا {
وأما النجاة من عذاب دار البوار
466 الصراط والصلاة
فما روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } الصلاة علي نور على الصراط { ومن كان على الصراط من أهل نور الإيمان وكثرة الصلاة على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} رسول الملك الرحمن فلا يكون من أهل الهوان في سموم النيران بل يكون من أهل الأمان في نعيم الجنان وأما دار الراحة والقرار
فما روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من ترك الصلاة علي فقد أخطأ طريق الجنة { فالله الله عباد الله يا إخواني تثبتوا واجتهدوا في الصلاة على خير العباد وفخر البلاد وزين الحشر والمعاد فعسى الله أن يجيرنا من العذاب الذي ليس له انقطاع ولا يرجى له نفاذ

ولا تغفلوا عن الثواب الجزيل والملك الدائم الجليل بالصلاة على النبي الأصيل الذي نعته في التوراة والإنجيل واحمدوا الله الذي فضلكم بالنبي الرؤوف الرحيم الذي جاء بالقرآن الواضح الحكيم المـهيمن القديم من عند الملك العزيز الكريم فلعل مولانا أن يتفضل علينا بجنات النعيم وينجينا من العذاب الأليم في سواء الجحيم مأوى كل كفار أثيم ومنزل كل شيطان رجيم وعدو فاسق فاجر لئيم
467 جهنم والصلاة على النبي
ذكر في بعض الأخبار أنـه إذا كان في يوم القيامة أمر الجبار جل جلاله أن يؤتى بجهنم فإذا جيء بها وكنات من الموقف مسيرة خمسمائة عام ونظرة إلى أهل المعاصي اشتد غضبها وتقلب بعضها على بعض وغلا بعضها على بعض وأخنى بعضها على بعض زفرت زفرة فلا يبقى غل ولا قيد ولا سلسلة ولا حية ولا عقرب إلا ألقت الكل على ظهرها وأكبت الزبانية على وجوههم وانـهزم مالك عليه السلام من بين يديها فعند ذلك لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي ولا صفي إلا جثا على ركبتيه وفر الناس كلهم هاربين ونبينا {صلى الله عليه وسلم} قائم عليه حلة خلقها الله تعالى من قبل قبل أن يخلق الخلق بمائة ألف عام وهو {صلى الله عليه وسلم} يلوح إليها بكمـه ويقول
} كفي عن أمتي كفي عن أمتي فعند ذلك يتعلق العبد المذنب بـه {صلى الله عليه وسلم} وهو يقول يا نبي الله أنقذني من عذاب الله فيقول له {صلى الله عليه وسلم} } ألم أبلغك رسالة ربي فلم عصيت فيقول يا رسول الله غلبت علي شقوتي فيقول {صلى الله عليه وسلم} } لا شقوة على أحد ممن أكثر الصلاة علي فيشفع له عند الله تعالى فإذا رأت جهنم نور وجه المصطفى محمد {صلى الله عليه وسلم} خمدت وكفت
فإذا كانت جهنم أخمدها الجبار من نور وجه النبي المختار فكيف لا تطفئ الصلاة عليه عن صاحبها جميع الخطايا والأوزار وإذا كان نور المصطفى أخمد عظيم النيران فكيف لا توجب الصلاة عليه لصاحبها جزيل الغفران وإذا كان نور وجه محمد النبي {صلى الله عليه وسلم} أخمد سموم الجحيم فكيف لا
تورد الصلاة عليه المقام الكريم والنظر إلى وجه الحكيم العليم وأنشدوا
يا من تمرد في الأيام منـهمكا

صلوا على المصطفى يا أكرم الأمم
صلوا عليه لعل الله يرحمكم
يوم الحساب ويوم الكرب والزحم
إن الصلاة على المختار قارئة
لقلب صاحبها جزءا من الحكم
فهو الشـهيد لأهل الجمع كلهم
وهو الدليل إلى الفردوس والنعم
468 الصلاة بشارة بالجنة
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من صلى علي ألف مرة لم يمت حتى يبشر بالجنة وابخل الناس رجل ذكر عنده محمد {صلى الله عليه وسلم} أو سمع بذكره فلا يصلي عليه
وأكسل الناس من سمع المؤذن فلم يقل مثل ما يقول وأعجز الناس من لم يدع لنفسه دبر كل صلاة
فإذا كان العبد عاجزا لنفسه فهو لغيره أعجز
وأما سلام الرحيم القهار فهو أن كل من كان مصليا على النبي {صلى الله عليه وسلم} فهو من أهل الجنة
سلم عليه ربنا مولانا وهو قوله تعالى { سلام قولا من رب رحيم } يس 58 وقوله تعالى { وتحيتهم فيها سلام } يونس 10 وقوله { ويلقون فيها تحية وسلاما } الفرقان 75 { تحيتهم يوم يلقونـه سلام } الأحزاب 44
469 ما للمصلي عند الله
وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنـه قال قال الله تعالى لرسوله محمد {صلى الله عليه وسلم} من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه قال فيسجد لله شكرا
فالعبد يجزي بالسلام على النبي المختار سلام الملك الجبار
وأنشدوا
يا راكبا نحو المدينة قاصدا
بلغ صلاتي للنبي محمد
وقل السلام عليك يا علم الهدى
فهو الدليل إلى الشفيع الأجود
} إن الذي ورث النبوة والهدى فهو الدليل لكل عبد مرشد
صلى عليه الله ما هبت صبا وترنمت ورقا بصوت تغرد
470 نكت في فوائد الصلاة عليه
واعلموا رحمكم الله أن في الصلاة على نبي الهدى محمد {صلى الله عليه وسلم} إشارات جميلة ونكتا كثيرة وذلك أن الله تعالى أجرى الصلاة على النبي الرشيد السيد السديد مجرى شـهادة التوحيد قال تعالى { شـهد الله أنـه لا إله إلا هو والملائكة } آل عمران 18
وهكذا قال رب القريب والبعيد في الصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم} الصادق الرشيد { إن الله وملائكته يصلون على النبي } الأحزاب 56 إشارة حسنة ونكتة مليحة

قال الله تعالى { فاذكروني أذكركم } البقرة 152 ولم يقل أذكركم عشر مرات وقال تعالى وجل علا { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نـهاكم عنـه فانتهوا } الحشر 7 وقد قال {صلى الله عليه وسلم} } من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا { فكأن الله سبحانـه وتعالى يقول عبدي إذا أثنيت علي مرة أثنيت عليك مرة وإذا أثنيت على حبيبي مرة أثنيت عليك عشرا لأنـه أكرم الخلق علي وأجلهم عندي
ثانية قال الله تبارك وتعالى { إن الله وملائكته يصلون على النبي } الأحزاب 56 وقال في المؤمنين { هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور } الأحزاب 43 بصلاتكم على النبي المحبوب
وأنشدوا
} فأكثروا التسليم بعد صلاتكم
للسيد المختار ذاك الأمجد {
} ومن يك ذا بخل شديد بذكره فذاك عن الحق المنير مبعد
471 كاشفة الكرب
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } من عسر عليه شيء فليكثر من الصلاة علي فإنـها تحل العقد وتكشف الكرب { في دار الامتحان فأولى أن تنجي في الآخرة من النيران في الدار الباقية
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال < من صلى علي مائة مرة تزحزحت النار عنـه مسيرة خمسمائة عام > فأكثروا من الصلاة عليه يا أهل ملته
{صلى الله عليه وسلم} صلاة مقرونة بالكمال والحسن والجمال والخير والإفضال
روي عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } أكثركم علي صلاة أكثركم أزواجا في الجنة { فالله الله يا معشر المؤمنين أكثروا من الصلاة على سيد المرسلين
وخاتم النبيين وارعوا في المقام الأمين والتمتع بالحور العين والنظر إلى وجه مولانا رب العالمين
472 من أكثر الصلاة عليه

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } أكثركم علي صلاة أقربكم مني مجلسا { وفي هذا الحديث إشارة حسنة وهي أن من قرب في الآخرة من النبي نظر إلى وجه العزيز الجبار ومن نظر إلى وجه العزيز الجبار وقرب من النبي المختار زحزح جسمـه عن النار وأسكن دار الراحة والقرار في جنات عدن تجري من تحتها الأنـهار لا يذوقون فيها طعم ال ولا يجدون ضر الأسقام ولا تلحقهم فتور الآلام قد أمنوا من الزوال والانتقال ورضي عنـهم الكبير المتعال سبحانـه وتعالى جل ذلك الجلال
وأنشدوا
} صلى الإله ومن يحف بعرشـه
والطيبون على المبارك أحمد {
} فما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوقى ذمة من محمد {
} ولا طلعت شمس النـهار على امرئ تقي نقي كالنبي محمد {
} ولا لاحت الجوزاء شرقا ومغربا
بأطيب من طيب النبي محمد {
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } أكثروا من الصلاة علي فإنـها تطفئ غضب الجبار { فأولى أن تطفئ عن المصلي عليه {صلى الله عليه وسلم} في الدنيا كيد الشيطان الفرار
عباد الله الزموا هذه الفضائل وارغبوا في هذه المنازل وتقربوا إلى الله بهذه الوسائل بالصلاة على النبي المختار من أشرف القبائل الذي أوضح الله بـه الدلائل وجعله إليه أكبر الوسائل وأنشدوا
} حب النبي على الأنام فريضة ولا تنس ذكر الهاشمي الأكرم {
} إن الصلاة على النبي وسيلة فيها النجاة لكل عبد مسلم {
} صلوا على القمر المنير فإنـه
نور تبدى في الغمام المظلم {
} رحم العباد بـه عزيز قادر فالشكر لله العلي المنعم {
473 الصلاة والدعاء
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } إن العبد يسأل الحاجة فلا يصلي علي عقيب سؤاله فترجع الحاجة على سحابة فإذا صلي علي قضيت حاجته واستجيبت دعوته وتفتحت له أبواب السماء { فإذا كانت الصلاة عليه {صلى الله عليه وسلم} تقضي في الدنيا الحاجات فالأولى أن تنجي صاحبها في الآخرة من العذاب والعقوبات وتدخل الجنات العاليات

روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } كل دعاء محجوب دون السماء فإذا جاءت الصلاة علي صعد الدعاء { يا أحبائي والله إذا صعد الدعاء ارتفع البلاء ورضي الإله الأرض والسماء
474 كيف تدعو
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } لا تجعلوني كقدح الراكب فإن الراكب إذا أراد أن ينطلق علق معاليقه وملأ قدحه فإن كانت له حاجة في أن يتوضأ أو يشرب شرب وإلا أهراقه فاجعلوني في وسط الدعاء وفي أوله وفي آخره وإنما معنى الحديث أن يكون الإنسان أبدا لا يفتر عن الصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم} فإذا أصابته شدة وصلى على محمد عرف صوته ودعاءه فاستجيب له وكشف عنـه الهم والكرب
فيجب على من هو أهل ملة محمد {صلى الله عليه وسلم} أن لا يغفل عن الصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم}
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه قال } أكثروا من الصلاة علي فإنـها تهن كيد الشيطان { فأولى أن تدفع عن المصلي عليه آفات الزمان وتحول بينـه وبين عذاب النيران وتوجب له دار الخلد والأمان وجنة النعيم والرضوان وأنشدوا
} امدح نبي الهدى يا أيها الرجل
واذكر فضائله والدمع منـهمل {
} وصل دهرا على المختار مجتهدا تحت الظلام وداجي الليل منسبل {
}
} عساك تحظى بدار لا نفاذ لها نعيمـها دائم والظل والأكل
475 فائدة الصلاة على النبي
توسلوا بالصلاة على النبي الرفيع والحبيب الشفيق يغفر لكم مولاكم ما عملتم من الآثام ويدخلكم برحمته دار الخلد والسلام
توسلوا بالصلاة على النبي
المختار يكن شفيعكم من عذاب دار البوار وينجيكم مولاكم من سموم النار ويدخلكم برحمته جنات تجري من تحتها الأنـهار
توسلوا بالصلاة على النبي الصادق الأواب ينجيكم مولاكم من أليم العذاب ويدخلكم الجنة وحسن المآب توسلوا بالصلاة على النبي الرشيد ينجيكم مولاكم من العذاب الشديد ويدخلكم برحمته النعيم الذي لا يبيد
توسلوا بالصلاة على النبي البر الرؤوف الرحيم يدخلكم مولاكم جنات النعيم وينجيكم برحمته من سموم الجحيم

روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنـه أنـه قال الصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم} أمحق للذنوب من الماء البارد للنار
والصلاة علي النبي {صلى الله عليه وسلم} أفضل من عتق الرقاب فاسمعوا وعوا يا أولي العقول والألباب
وأنشدوا
تواترت الخيرات شرقا ومغربا
بذكر رسول الله في السر والجهر
فذكرك للمختار فخر ورفعة
وذكرك للمختار من أفضل الذكر
ذكر في بعض الأخبار أنـه إذا كان يوم القيامة وضعت حسنات بعض المؤمنين وسيئاتهم في الميزان فترجح سيئاتهم على حسناتهم فيشفق المؤمنون لذلك فتنزل صحائف بيض من عند الله تبارك وتعالى على حسناتهم فترجح حسناتهم على سيئاتهم فيقول الرب جل جلاله هذه صلاتكم على النبي محمد {صلى الله عليه وسلم} ثقلت بها موازينكم وجعلتها لكم ذخيرة وقربة
فهذا يا إخواني فضل الله العظيم بالصلاة على الرسول الرؤوف الرحيم
476 ثبوت الشفاعة
ومن رحمة النبي {صلى الله عليه وسلم} بأمته ما روي عنـه {صلى الله عليه وسلم} أنـه كان في بعض الأيام جالسا فقرأ هذه الآية { إن تعذبهم فإنـهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } المائدة 118 فبكى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال له يا محمد مم بكاؤك فقال {صلى الله عليه وسلم} } فكرت في أمتي { فقال جبريل يا محمد الله يقرئك السلام ويقول لك أنا أسترضيك في أمتك
يا أحبابي نبيكم عند مولاكم مكين ومولاكم ذو القوة المتين وإنك يا أخي عبد مـهين فهل رأيتم مـهينا يعذب بين مكين ومتين مولاكم عظيم ونبيكم كريم فهل يضيع من يخاف العذاب الأليم بين عظيم وكريم فصلوا عليه كما أمركم مولاكم في القرآن الحكيم
يا أمة
محمد {صلى الله عليه وسلم} مولاكم لطيف ونبيكم سيد شريف وأنت يا مؤمن عبد ضعيف فهل رأيتم ضعيفا يضيع بين لطيف وشريف وأنشدوا
يا إلهي عسى تكون مجيري
بصلاتي على البشير النذير
إنني خائف كئيب حزين
أن أصلي بحر نار السعير
أيها الناس بادروا ثم جدوا
بصلاة على السراج المنير
ذاك خير الأنام جاء بصدق
وكتاب من السميع البصير
فيه أمر وفيه نـهي وفيه
ما يؤدي إلى النعيم الكبير
لا تملوا من الصلاة عليه

سوف تنجوا من حر نار الزفير
} ثم تحظوا بها بدار نعيم
ليس تبلى من عند رب قدير
477 المداومة على الصلاة عليه
واعلموا عباد الله أن الواجب على كل مسلم ومسلمة أن لا يدع الصلاة على النبي {صلى الله عليه وسلم} حينا ولا وقتا ولا يذكرها في الشدائد ويدعها في الرخاء فيكون كمن يعمل للدنيا دون الآخرة إنما يجب عليك أن تصلي عليه في صلاتك وعند قيامك وقعودك ولباسك وأكلك وك وسائر تصرفاتك فتعود عليك بركتها وتقبل عليك خيراتها وتقضي بذلك حق نفسك وحق نبيك محمد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولا تقدر أن تبلغ حق نبيك أبدا ولو كان لك ألف لسان تصلي بها كلها عليه لأن الله تبارك وتعالى جعله سببا لخلاصك من النار ولمعرفتك بمولاك العزيز الجبار
478 مـهر حواء أم البشر
ذكر في بعض الأخبار أن آدم عليه الصلاة والسلام رفع رأسه فنظر على ساق العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله فقال آدم يا رب من هذا الذي كتبت اسمـه مع اسمك فقال الله تعالى يا آدم هو نبيي وصفيي وهو حبيبي ولولاه ما خلقتك ولا خلقت جنة ولا نارا فلما خلق الله سبحانـه حواء نظر آدم إليها فقال يا رب زوجني منـها فقال الله تعالى وما مـهرها يا آدم فقال يا رب ما أعلم قال الله تبارك وتعالى يا آدم صل على محمد عشر مرات فصلى آدم عليه كما أمره الجبار جل جلاله فزوجه الله سبحانـه منـها وكان صداقها الصلاة على محمد المختار مـهرا لأمة الملك الجبار فكيف لا تكون صلاتنا عليه مـهرا للحور العين في دار القرار ومن
دخل دار القرار نجا من عذاب النار لأنـه قال {صلى الله عليه وسلم} } أكثركم علي صلاة أكثركم أزواجا في الجنة
479 إشارات وبشارات
غشارة حسنة
وذلك أن الصلاة من الملك الجبار رحمة ونجاة من عذاب النار لأن الله تعالى إذا صلى على المؤمنين فقد رحمـهم
أخرى

قال الله تعالى { مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط بـه نبات الأرض } يونس 24 وقوله { كأن لم تغن بالأمس } يونس 24 فإذا جاءت الساعة بعذابها وأهوالها ذهب نبات الأرض وتلاشى في جنب العذاب حتى تبقى الأرض كأن لم يكن فيها نبات قط وإذا كان هذا فعل العذاب فرحمة الله أولى وأكثر إذا جاءت تلاشت ذنوب المؤمنين في جنبها كأن لم تكن قط
هذا في رحمة الله الكريم مرة واحدة فكيف في عشر مرات لأن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال { من صلى علي مرة واحدة صلى الله بها عليه عشر مرات { فهذه بشارة حسنة للمؤمنين والمؤمنات بكثرة صلاتهم على سيد السادات وخير البريات
روي عن أبي هريرة رضي الله عنـه أنـه قال ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله تعالى ولم يذكروا النبي {صلى الله عليه وسلم} إلا كان ذلك المجلس عليهم وبالا وحسرة يوم القيامة فتزينوا يا أمته وزينوا مجالسكم بالصلاة على نبيكم {صلى الله عليه وسلم}
480 مكفرات الذنوب
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنـه صعد ذات يوم المنبر فوضع قديمـه في مرقاة من المنبر فقال آمين وقال آمين في الدرج الثاني وقال آمين في الدرج الثالث ثم قال {صلى الله عليه وسلم} جاءني جبريل عليه السلام فقال يا محمد من أدرك أحد والديه أو كلاهما ومات ولم يغفر له فدخل النار فأبعده الله فقلت آمين ثم قال يا محمد من أدرك شـهر رمضان فمات فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قلت آمين ثم قال يا محمد من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله فقلت آمين
روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} المختار } من صلى علي لم يلج النار {
اللهم صل على محمد ما اتصلت عين بنظر وتزخرفت أرض بمطر وحج حاج واعتمر ولبى ونحر وحلق وقصر وطاف بالبيت وقبل الحجر
اللهم صل عليه وعلى آله صلاة لا نفاذ لها ولا انقطاع صلى الله عليه عدد من يصلي عليه وعدد من لم يصل عليه إلى يوم القيامة وصل عليه عدد الذاكرين وغفلة الغافلين واحشرنا وجميع المسلمين في زمرته يوم الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

. حلما نعمتي . حلما نعمتي : حلما نعمتي ، حلما نعمتي




[الكتاب : بستان الواعظين ورياض السامعين حلما نعمتي]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Wed, 25 Jul 2018 08:25:00 +0000



ارباب وبرده

كتاب : التبيان في أقسام القرآن

في أقسام القرآن
وهو سبحانـه يقسم بأمور على أمور وإنما يقسم بنفسه الموصوفة بصفاته وآياته المستلزمة لذاته وصفاته وإقسامـه ببعض المخلوقات دليل على أنـه من عظيم آياته
فالقسم إما على جملة خبرية - وهو الغالب - كقوله تعالى { فورب السماء والأرض إنـه لحق } وإما على جملة طلبية كقوله تعالى { فوربك لنسألنـهم أجمعين * عما كانوا يعملون } مع أن هذا قد يراد بـه تحقيق المقسم عليه فيكون من باب الخبر وقد يراد تحقيق القسم
والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه فلابد أن يكون بما يحسن فيه ذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها فأما الأمور الظاهرة المشـهورة كالشمس والقمر والليل والنـهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولايقسم عليها
وما أقسم عليه الرب فهو من آياته فيجوز أن يكون مقسما بـه ولا ينعكس
وهو سبحانـه يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب وتارة يحذفه كما يحذف جواب لو كثيرا كقوله تعالى { كلا لو تعلمون علم اليقين } وقوله { ولو أن قرآنا سيرت بـه الجبال أو قطعت بـه الأرض } { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة } { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت } { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام لأن المراد أنك لو رأيت ذلك لرأيت هولا عظيما فليس في ذكر الجواب زيادة على مادل عليه الشرط وهذه عادة الناس في كلامـهم إذا رأوا أمورا عجيبة وأرادو أن يخبروا بها الغائب عنـها يقول أحدهم : ارباب وبرده لو رأيت ماجرى يوم كذا بموضع كذا ؟ ومنـه قوله تعالى { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب } فالمعنى في أظهر الوجهين : لو يرى الذي ظلموا في الدنيا إذ يرون العذاب في الآخرة والجواب محذوف ثم قال : { أن القوة لله جميعا } كما قال تعالى { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت } { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة } أي لو ترى ذلك الوقت ومافيه
وأما القسم فإن الحالف قد يحلف على الشيء ثم يكرر القسم فلا يعيد المقسم عليه لأنـه قد عرف مايحلف عليه فيقول : والله إن لي عليه ألف درهم ثم يقول : ورب السموات والأرض والذي نفسي بيده وحق القرآن العظيم ولايعيد القسم عليه لأنـه قد عرف المراد
والقسم لما كان يكثر في الكلام اختصر فصار فعل القسم يحذف ويكتفى بالباء ثم عوض من الباء الواو في الأسماء الظاهرة والتاء في أسماء الله كقوله { وتالله لأكيدن أصنامكم } وقد نقل : ترب الكعبة وأما الواو فكثيرة

إذا عرف هذا فهو سبحانـه يقسم على أصول الإيمان التي يجب على الخلق معرفتها تارة يقسم على التوحيد وتارة يقسم على أن القرآن حق وتارة على أن الرسول حق وتارة على الجزاء والوعد والوعيد وتارة على حال الإنسان
فالأول كقوله { والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا * إن إلهكم لواحد } والثاني كقوله { فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنـه لقسم لو تعلمون عظيم * إنـه لقرآن كريم } وقوله { حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة } { حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا } إذا جعل ذلك جواب القسم كما هو الظاهر وإن قيل : بل الجواب محذوف كان كقوله : { ص والقرآن ذي الذكر } فإنـه هنا حذف الجواب ومن قال : إن الجواب هو قوله { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } فقد أبعد النجعة
والقسم على الرسول كقوله { والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين * على صراط مستقيم } إذا قيل هو الجواب وإن قيل الجواب محذوف كان كما ذكر ومنـه { ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون } ومنـه { والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى } إلى آخر القصة ومنـه قوله { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون * إنـه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون } وقوله { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس * إنـه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين }
وأما القسم على الجزاء والوعد والوعيد ففي مثل قوله { والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات أمرا * إنما توعدون لصادق * وإن الدين لواقع } ثم ذكر تفصيل الجزاء وذكر الجنة والنار وذكر أن في السماء رزقهم وما يوعدون ثم قال { فورب السماء والأرض إنـه لحق مثل ما أنكم تنطقون } ومثل قوله { والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا * والناشرات نشرا * فالفارقات فرقا * فالملقيات ذكرا * عذرا أو نذرا * إنما توعدون لواقع } ومثل { والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور * إن عذاب ربك لواقع * ما له من ع }
وقد أمر نبيه أن يقسم على الجزاء والمعاد في ثلاث آيات فقال تعالى { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن } وقال تعالى { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم } وقال تعالى { ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنـه لحق وما أنتم بمعجزين }
وهذا لأن المعاد إنما يعلمـه عامة الناس بأخبار الأنبياء وإن كان من الناس من قد يعلمـه بالنظر وقد تنازع النظار في ذلك فقالت طائفة أنـه لا يمكن علمـه إلا بأسمع وهو الخبر وهو قول من لا يرى تعليل الأفعال ويقولون لا ندري ما يفعل الله إلا بعادة أو خبر كما يقوله جهم بن صفوان ومن تبعه و الأشعري وأتباعه وكثير من أهل الكلام في الفقه والحديث من أتباع الأئمة الأربعة بخلاف العلم بالصانع فإن الناس متفقون على أنـه لا يعلم إلا بالفعل وإن كان ذلك مما نبهت الرسول عليه وصفاته قد تعلم بالعقل وتعلم بالسمع أيضا كما قد بسط في موضوع آخر
وأما القسم على أحوال الإنسان فكقوله { والليل إذا يغشى * والنـهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى } الآية ولفظ السعي هو العمل لكن يراد بـه العمل الذي يهتم بـه صاحبه ويجتهد فيه بحسب الإمكان فإن كان يفتقر إلى عدو بدنـه عدا وإن كان يفتقر إلى جمع أعوانـه جمع وإن كان يفتقر إلى تفريغ له وترك غيره فعل ذلك فلفظ السعي في القرآن جاء بهذا الإعتبار ليس هو مرادفا للفظ العمل كما ظنـه طائفة بل هو عمل مخصوص يهتم بـه صاحبه ويجتهد فيه لهذا قال في الجمعة { فاسعوا إلى ذكر الله } وهذه أحسن من قراءة من قرأ { فاسعوا إلى ذكر الله } وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنـه قال [ إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم

فصل وا وما فاتكم فأتموا ] فلم ينـه عن السعي إلى الصلاة فإن الله أمر بالسعي إليها بل نـهاهم أن يأتوا إليها يسعون فنـهاهم عن الإتيان المتصف بسعي صاحبه والإتيان فعل البدن وسعيه عدو البدن وهو منـهي عنـه وأما السعي المأمور بـه في الآية فهو الذهاب إليها على وجه الإهتمام بها والتفرغ لها عن الأعمال الشاغلة من بيع وغيره والإقبال بالقلب على السعي إليها وكذلك قوله في قصة فرعون لما قال له موسى { هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى * فأراه الآية الكبرى * فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى } فهذا اهتمام واجتهاد في حشر رعيته ومناداته فيهم وكذلك قوله : { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها } هو عمل بهمة واجتهاد ومنـه سمى الساعى على الصدقة والساعي على الأرملة واليتيم ومنـه قوله { إن سعيكم لشتى } وهو العمل الذي يقصده صاحبه ويعتني بـه ليترتب عليه ثواب أو عقاب بخلاف المباحاة المعتادة فإنـها لم تدخل في هذا السعي قال تعالى { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى } ومنـه قوله تعالى { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن } وقوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا }

وأقسم على صفة الإنسان بقوله { والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن بـه نقعا * فوسطن بـه جمعا * إن الإنسان لربه لكنود } وأقسم على عاقبته وهو قسم على الجزاء في قوله { والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } وفي قوله { والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين * لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات }
وحذف جواب القسم لأنـه قد علم بأنـه يقسم على هذه الأمور وهي متلازمة فمتى ثبت أن الرسول حق ثبت القرآن والمعاد ومتى ثبت أن القرآن حق ثبت صدق الرسول الذي جاء بـه ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدق الرسول الذي جاء بـه ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدقه وصدق الكتاب الذي جاء به
والجواب يحذف تارة ولا يراد ذكره بل يراد تعظيم المقسم بـه وأنـه مما يحلف بـه كقوله النبي صلى الله عليه و سلم [ من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ] ولكن هذا يذكر معه الفعل دون مجرد حرف القسم كقولك : فلان يحلف بالله وحده وأنا أحلف بالحالق لا بالمخلوق ونحو ذلك والنصراني يحلف بالصليب والمسيح وفلان أكذب مايكون إذا حلف بالله
وقد يكون هذا النوح بحرف القسم مجردا كما في الحديث : كان أكثر يمين رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لا ومقلب القلوب ] وكان بعض السلف إذا اجتهد في يمينـه قال : والله الذي لا إله إلاهو وتارة يحذف الجواب وهو مراد إما لكونـه قد ظهر وعرف إما بدلاله الحال كمن قيل له كل فقال لا والله الذي لا إله إلا هو أو بدلالة السياق وأكثر ما يكون هذا إذا كان في نفس المقسم بـه مايدل على المقسم عليه وهي طريقة القرآن فإن المقصود يحصل بذكر المقسم بـه فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز كمن أراد أن يقسم على أن الرسول حق فقال : والذي أرسل محمدا بالهدى ودين الحق وأيده بالآيات البينات وأظهر دعوته وأعلى كلمته ونحو ذلك فلا يحتاج إلى ذكر الجواب استغناء عنـه بما في القسم من الدلالة عليه كمن أراد أن يقسم على التوحيد وصفات الرب ونعوت جلاله فقال : والله الذي لا إله إلاهو عالم الغيب والشـهادة الرحمن الرحيم الأول الآخر الظاهر الباطن وكمن أراد أن يقسم على علوه فوق عرشـه فقال : والذي استوى على عرشـه فوق سمواته يصعد إليه الكلم الطيب وترفع إليه الأيدي وتعرج الملائكة والروح إليه ونحو ذلك
وكذلك من حلف لشخص أنـه يحبه ويعظمـه فقال : والذي ملأ قلبي من محبتك وإجلالك ومـهابتك ونظائر ذلك - لم يحتج إلى جواب القسم وكان في المقسم بـه مايدل على المقسم عليه فمن هذا قوله تعالى { ص والقرآن ذي الذكر } فإن في المقسم بـه من تعظيم القرآن ووصفه بأنـه ذي الذكر المتضمن لتذكير العباد مايحتاجون إليه وللشرف والقدر مايدل على المقسم عليه وكونـه حقا من عند الله غير مفترى كمايقوله الكافرون وهذا معنى قول كثير من المفسرين - متقدميهم ومتأخريهم : إن الجواب محذوف تقديره : إن القرآن لحق وهذا مطرد في كل ماشأنـه ذلك وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } فاعترض بين القسم وجوابه بقوله { بل الذين كفروا في عزة وشقاق } فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول : والله كم أنفقت مالا وبالله كم أعتقت عبدا وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا وأبعد من هذا قول من قال : الجواب في قوله { إن كل إلا كذب الرسل } وأبعد منـه قول من قال : الجواب { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } وأبعد منـه قول من قال : الجواب قوله { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } وأقرب ماقيل في الجواب لفظا وإن كان بعيدا معنى عن قتاده وغيره : إنـه في قوله { بل الذين كفروا } كما قال { ق والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جاءهم منذر منـهم } وشرح صاحب النظم هذا القول فقال : معنى بل توكيد الخبر الذي بعده فصار كإن الشديدة في تثبيت مابعدها وقيل ههنا بمنزلة إن لأنـه يؤكد ما بعده من الخبر وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم فكأنـه عز و جل قال : { ص والقرآن ذي الذكر * بل الذين كفروا في عزة وشقاق } كما تقول : والله إن زيدا لقائم قال : واحتج صاحب هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعربية فيه أصل ولا لها رسم فيحتمل أن يكون نظما أحدثه الله عزوجل لما بينا من احتمال ( أن يكون ) بل بمعنى أن 1هـ
وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون : إن بل تقع في جواب القسم كما تقع إن لأن المراد بها توكيد الخبر وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن الكوفيين وقرره بعضهم بأن قال : أصل الكلام بل الذين كفروا في عزة وشقاق والقرآن ذي الذكر فلما قدم القسم ترك على حاله قال الأخفش : وهذا يقوله الكوفيون وليس بجيد في العربية لو قلت : والله قام وأنت تريد قام والله لم يحسن وقال النحاس : هذا خطأ على مذهب النحويين لأنـه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدا عليه لم يكن بد من الجواب وأجمعوا أنـه لايجوز : والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله لأن الكلام يعتمد على القسم وذكر الأخفش وجها آخر في جواب القسم فقال : يجوز أن يكون لصاد معنى يقع عليه القسم لاندري نحن ماهو كأنـه يقول : الحق والله قال أبو الحسن الواحدي : وهذا الذي قال الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ( ص ) الصادق الله أو صدق محمد وذكر الفراء هذا الوجه أيضا فقال ( ص ) جواب القسم وقال هو كقولك وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله { والقرآن } وذكر النحاس وغيره وجها آخر في الجواب وهو أنـه محذوف تقديره : والقرآن ذي الذكر فالأمر كمايقوله هؤلاء الكفار ودل على المحذوف قوله تعالى { بل الذين كفروا } وهذا اختيار ابن جرير وهو مخرج من قوله قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل رافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده فقد ظهر مابعده وظهر ماقبله ومابعده دليل على ماقبله فالظاهر يدل على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله { بل الذين كفروا في عزة وشقاق } مخالفا لهذا المضمر فكأنـه قيل : والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنـهم على الحق أو كل مافي هذا المعنى فهذهة ستة أوجه سوى مابدأنا بـه في جواب القسم والله أعلم
ونظير هذا قوله تعالى { ق والقرآن المجيد * بل عجبوا } قيل جواب القسم ( قد علمنا ) وقال الفراء : محذوف دل عليه قوله { أإذا متنا } أي لتبعثن وقيل قوله { بل عجبوا } كما تقدم بيانـه

ومن ذلك قوله { لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة } فقد تضمن الأقسام ثبوت الجزاء ومستحق الجزاء وذلك يتضمن إثبات الرسالة والقرآن والمعاد وهو سبحانـه يقسم على هذه الأمور الثلاثة ويقررها أبلغ التقرير لحاجة النفوس إلى معرفتها والإيمان بها وأمر رسوله أن يقسم عليه كما قال تعالى { ويستنبئونك : أحق هو ؟ قل : إي وربي إنـه لحق } وقال تعالى { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم } وقال تعالى { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير } فهذه ثلاثة مواضع لارابع لها يأمر نبيه صلى الله عليه و سلم أن يقسم على ما أقسم عليه هو سبحانـه من النبوة والقرآن والمعاد
فأقسم سبحانـه لعباده وأمر أصدق خلقه أن يقسم لهم وأقام البراهيم القطعية على ثبوت ما أقسم عليه فأبى الظالمون إلا جحودا وتكذبيا
واختلف في النفس المقسم بها ههنا هل هي خاصة أوعامة ؟ على قولين بناء على الأقوال الثلاثة في اللوامة فقال ابن عباس : كل نفس تلوم نفسها يوم القيام يلوم المحسن نفسه أن لايكون ازداد إحسانا ويلوم المسيء نفسه أن لايكون رجع عن إساءته واختار الفراء قال : ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرا قالت : هلا ازددت خيرا ؟ وإن كانت عملت سوءا قالتك يا ليتني لم أفعل
والقول الثاني : أنـهاخاصة ؟ قال الحسنك هي النفس المؤمنة وأن المؤمن - والله - لاتراه إلا يلوم نفسه على كل حالة لأنـه يستقصر في كل ماتفعل فيندم ويلوم نفسه وإن الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه
والقول الثالث : أنـها النفس الكافرة وحدها قاله قتاده ومقاتل وهي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على مافرطت في أمر الله
قال شيخنا : والأظهر أن المراد نفس الإنسان مطلقا فإن نفس كل إنسان لوامة كما أقسم بجنس النفس في قوله { ونفس وما سواها * فألهمـها فجورها وتقواها } فإنـه لابد لكل إنسان أن يلوم نفسه أوغيره على أمره ثم هذا اللوم قد يكون محمودا وقد يكون مذموما كماقال تعالى { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون * قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين } وقال تعالى { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } فهذا اللوم غير محمود وفي الصحيحين في قصة احتجاج آدم وموسى [ أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق ؟ ] فحج آدم موسى فهو سبحانـه يقسم على صفة النفس اللوامة كقوله { إن الإنسان لربه لكنود } وعلى جزائها كقوله { فوربك لنسألنـهم أجمعين } وعلىتباين عملها كقوله { إن سعيكم لشتى } وكل نفس لوامة فالنفس السعيدة تلوم على فعل الشر وترك الخير فتبادر إلى التوبة والنفس الشقية بالضد من ذلك
وجمع سبحانـه في القسم بين محل الجزاء وهو يوم القيامة ومحل الكسب وهو النفس اللوامة ونبه سبحانـه بكونـها لوامة على شدة حاجتها وفاقتها وضرورتها إلى من يعرفها الخير والشر ويدلها عليه ويرشدها إليه ويلهمـها إياه فيجعلها مريدة للخير مرشدة له كارهة للشر مجانبة له لتخلص من اللوم ومن شر ما تلوم عليه ولأنـها متلومة مترددة لا تثبت على حال واحدة فهي محتاجة إلى من يعرفا ماهو أنفع لها في معاشـها ومعادها فتؤثرة وتلوم نفسها عليه إذا فاتها فتتوب منـه إن كانت سعيدة ولتقوم عليها حجة عدله فيكون لومـها في القيامة لنفسا عليه لوما بحق قد أعذر الله خالقها وفاطرها إليها فيه ففي صفة اللوم تنبيه على ضرورتها إلى التصديق بالرسالة والقرآن وأنـها لاغنى لها عن ذلك ولا صلاح ولا فلاح بدونـه البتة ولما كان يوم معادها هو محل ظهور هذا اللوم وترتب أثره عليه قرن بينـهما في الذكر

ومن ذلك قوله تعالى { والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنـهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها * فألهمـها فجورها وتقواها } قال الزجاج وغيره : جواب القسم { قد أفلح من زكاها } ولما طال الكلام حسن حذف اللام من الجواب
وقد تضمن هذا القسم الأقسام بالخالق والمخلوق فأقسم بالسماء وبانيها والأرض وطاحيها والنفس ومسويها
وقد قيل إن مصدرية فيكون الأقسام بنفس فعله تعالى فيكون قد أقسم بالمصنوع الدال عليه وبصنعته الدالة على كمال علمـه وقدرته وحكمته وتوحيده ولما كانت حركة الشمس والقمر والليل والنـهار أمرا يشـهد الناس حدوثه شيئا فشيئا ويعلمون أن الحادث لابد له من محدث كان العلم بذلك منزلا منزلة ذكر المحدث له لفظا فلم يذكر الفاعل في الأقسام الأربعة
ولهذا سلك طائفة من النظار طريق الإستدلال بالزمان على الصانع وهو استدلال صحيح قد نبه عليه القرآن في غير موضع كقوله { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنـهار لآيات لأولي الألباب }
ولما كانت السماء والأرض ثابتتين حتى ظن من ظن أنـهما قد يمتان ذكر مع الأقسام بهما بانيهما ومبدعهما وكذلك النفس فإن حدوثها غير مشـهود حتى ظن بعضهم قدمـها فذكر مع الأقسام بها مسويها وفاطرها مع ما في ذكر بناء السماء وطحو الأرض وتسوية النفس من الدلالة على الرحمة والحكمة والعناية بالخلق فإن بناء السماء يدل على أنـها كالقبة العالية على الأرض وجعلها سقفا لهذا العالم والطحو هو مد الأرض وبسطها وتوسيعها ليستقر عليها الأنام والحيوان ويمكن فيها البناء والغراس والزرع وهو متضمن لنضوب الماء عنـها وهو مما حير عقول الطبائعيين حيث كان مقتضى الطبيعة أن يغمرها كثرة الماء فبروز جانب منـها على خلاف مقتضى الطبيعة وكونـه هذا الجانب المعين دون غيره مع استاء الجوانب في الشكل الكروي يقتضي تخصيصا فلم يحدوا بدا أن يقولوا : عناية الصانع اقتضت ذلك قلنا فنعم إذا ولكن عناية من لا مشيئة له ولا إرادة ولا اختيار ولا علم بمعين أصلا كما تقولونـه فيه محال فعنايته تقتضي ثبوت صفات كماله ونعوت جلاله وأنـه الفاعل يفعل باختيار ما يريد
وكذلك النفس أقسم بها وبمن سواها وألهمـها فجورها وتقواها فإن من الناس من يقول قديمة لا مبدع لها ومنـهم من يقول بل هي التي تبدع فجورها وتقواها فذكر سبحانـه أنـه هو الذي سواها وأبدعها وأنـه هو الذي ألهمـها الفجور والتقوى فأعلمنا أنـه خالق نفوسا وأعمالها وذكر لفظ التسوية كما ذكره في قوله { ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك } وفي قوله { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } إيذانا ب البدن في لفظ النفس كقوله { خلقكم من نفس واحدة } وقوله { فسلموا على أنفسكم } { ولا تقتلوا أنفسكم } { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا } ونظائره وباجتماع الروح مع البدن تصبر النفس فاجرة أو تقية وإلا فالروح بدون البدن لا فجور لها
وقوله { قد أفلح من زكاها } الضمير مرفوع في { زكاها } عائد على ( من ) وكذلك هو في { دساها } المعنى قد أفلح من زكى نفسه وقد خاب من دساها هذا القول هو الصحيح وهو نظير قوله { قد أفلح من تزكى } وهو سبحانـه إذا ذكر الفلاح علقه بفعل المفلح كقوله { قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون } إلى آخر الآيات وقوله { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } وقوله { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينـهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون } ونظائره قال الحسن : قد أفلح من زكى نفسه وحملها على طاعة الله وقد خاب من أهلكها وحملها على معصية الله وقاله قتادة وقال ابن قتيبة : يريد أفلح من زكى نفسه أي نماها وأعلاها بالطاعة والبر والصدقة واصطناع المعروف وقد خاب من دساها أي نقصها وأخفاها بترك عمل البر وركوب المعاصي والفاجر أبدا خفي المكان زمن المروءة غامض الشخص ناكس الرأس فكأن المتصف بارتكاب الفواحش دس نفسه وقمعها ومصطنع المعروف شـهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل الربى و بقاع الأرض لتشـهر أنفسها للمعتفين وتوقد النيران في الليل للطارقين وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام لتخفى أماكنـها على الطالبين فأولئك أعلوا أنفسهم وزكوها وأولئك أخفوا أنفسهم ودسوها وأنشد :
( وبوأت بيتك في معلم رحيب المباحات والمسرح )
( كفيت العفاة طلاب القرى ونبح الكلاب لمستنبح )
وقال أبو العباس : سألت ابن الأعرابي عن قوله ( وقد خاب من دساها ) : فقال دسى معناه دس نفسه مع الصالحين وليس منـهم وعلى هذا فالمعنى أخفى نفسه في الصالحين يرى الناس أنـه منـهم و هو منطو على غير ما ينطوي عليه الصالحون وقال طائفة أخرى : الضمير يرجع إلى الله سبحانـه قال ابن عباس في رواية عطاء : قد أفلحت نفس زكاها الله وأصلحها وهذا قول مجاهد وعكرمة والكلبي وسعيد بن جبير ومقاتل قالوا : سعدت نفس وأفلحت نفس أصلحها الله وطهرها ووفقها للطاعة حتى عملت بها وخابت وخسرت نفس أضلها الله وأغواها وأبطلها وأهلكها
قال أرباب هذا القول : قد أقسم الله بهذه الأشياء التي ذكرها لأنـها تدل على وحدانيته وعلى فلاح من طهره وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنـه هو الذي يتولى تطهير نفسه وإهلاكها بالمعصية من غير قدر سابق وقضاء متقدم قالوا : وهذا أبلغ في التوحيد الذي سيقت له هذه السورة قالوا : ويدل عليه قوله { فألهمـها فجورها وتقواها } قالوا : ويشـهد له حديث نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنـها أنـها قالت : إنتبهت نفسي ليلة فوجدت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يقول [ رب أعط نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ] قالوا فهذا الدعاء هو تأويل الآية بدليل الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا قرأ { قد أفلح من زكاها } وقف ثم قال [ اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها وزكها أنت خير من زكاها ] قالوا : وفي هذا ما يبين أن الأمر كله له سبحانـه فإنـه هو خالق النفس وملهمـها الفجور والتقوى وهو مزكيها ومدسيها فليس للعبد في الأمر شيء ولا هو مالك من أمر نفسه شيئا
قال أرباب القول الأول : هذا القول وإن كان جائزا في العربية حاملا للضمير المنصوب على معنى من وإن كان لفظها مذكرا كما في قوله { ومنـهم من يستمعون إليك } جمع الضمير وإن كان لفظ من مفردا حملا على نظمـها فهذا إنما يحسن حيث لا يقع لبس في مفسر الضمائر وههنا قد تقدم لفظ من والضمير المرفوع في ( زكاها ) يستحقه لفظا ومعنى فهو أولى بـه ثم يعود الضمير المنصوب على النفس التي هي أولى بـه لفظا ومعنى فهذا هو النظم الطبيعي الذي يقتضيه سياق الكلام ووضعه وأما عود الضمير الذي يلي من على الموصول السابق وهو قوله { وما سواها } وإخلاء جاره الملاصق له وهو ( من ) ثم عود الضمير المنصوب وهو مؤنث على من ولفظه مذكر دون النفس المؤنثة فهذا يجوز لو لم يكن للكلام محمل غيره أحسن منـه فأما إذا كان سياق الكلام ونظمـه يقتضي خلافه ولم تدع الضرورة إليه فالحمل عليه ممتنع
قالوا : والقول الذي ذكرناه أرجح من جهة المعنى لوجوده :
( أحدها ) أن فيه إشارة إلى ما تقدم من تعليق الفلاح على فعل العبد واخيتاره كما هي طريقة القرآن ( الثاني ) أن فيه زيادة وهي إثبات فعل العبد وكسبه وما يثاب وما يعاقب عليه وفي قوله { فألهمـها فجورها وتقواها } إثبات القضاء والقدر السابق فتضمنت الآيتان هذين الأصلين العظيمين وهما كثيرا ما يقترنان في القرآن كقوله { إنـه تذكرة * فمن شاء ذكره * وما يذكرون إلا أن يشاء الله } وقوله { لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } فتضمنت الآيتان الرد على القدرية والجبرية فإنما يزكيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته وإنما يدسيها بعد تدسية الله لها بخذلانـه والتخلية بينـه وبين نفسه بخلاف ما إذا كان المعنى على القدر السابق المحض لم يبق للكسب وفعل العبد ههنا ذكر البتة

وذكر في هذه السورة ثمود دون غيرهم من الأمم المكذبة فقال شيخنا : هذا - والله أعلم - من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فإنـه لم يكن في الأمم المكذبة أخف ذنبا وعذابا منـهم إذ لم يذكر عنـهم من الذنوب ماذكر من عاد ومدين وقوم لوط وغيرهم ولهذا لماذكرهم وعادا قال { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منـهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون * فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون } وكذلك إذا ذكرهم مع الأمم المكذبة لم يذكر عنـهم ماذكر عن أولئك من التجبر والتكبر والأعمال السيئة كاللواط وبخس المكيال والميزان والفساد في الأرض كمافي سورة هود والشعراء وغيرهما فكان في قوم لوط - مع الشرك - إتيان الفاحشة التي لم يسبقوا إليها وفي قوم عاد - مع الشرك - التجبر والتكبر والتوسع في الدنيا وشدة البطش وقولهم { من أشد منا قوة } وفي أصحاب مدين - مع الشكر - الظلم في الأموال وفي قوم فرعون - مع الشرك - الفساد في الأرض والعلو وكان عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم وجرائمـهم فعذب قوم عاد بالريح الشديدة العاتية التي لايقوم لهاشيء وعذب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم فجمع لهم بين الهلاك والرجم بالحجارة من السماء وطمس الأبصار وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها والخسف بهم إلىأسفل سافلين وعذب قوم شعيب بالنار التي أحرقتهم وأحرقت تلك الأموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان وأما ثمود فأهلكوا بالصيحة فماتوا في الحال فإذا كان عذاب هؤلاء - وذنبهم مع الشرك عقر الناقة التي جعلها الله آية لهم - فمن انتهك محارم الله واستخف بأوامره ونواهيه وعقر عباده وسفك دماءهم كان أشد عذابا ومن اعتبر أحوال العالم قديما وحديثا ومايعاقب بـه من سعي في الأرض بالفساد وسفك الدماء بغير حق وأقام الفتن واستهان بحرمات الله علم أن النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكان يتقون

ومن ذلك قوله تعالى { والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * والليل إذا يسر * هل في ذلك قسم لذي حجر } قيل جوابه { إن ربك لبالمرصاد } وهذا ضعيف لوجهين ( أحدهما ) طول الكلام والفصل بين القسم وجوابه بجمل كثيرة ( والثاني ) قوله { إن ربك لبالمرصاد } ذكر لتقرير عقوبة الله الأمم المذكورة وهي عاد وثمود وفرعون فذكر عقوبتهم ثم قال مقررا ومحذرا { إن ربك لبالمرصاد } فلا نرى تعلقه بذلك دون القسم وأحسن من هذا أن يقال : إن الفجر في الليالي العشر زمن يتضمن أفعالا معظمة من المناسك وأمكنة معظمة وهي محلها وذلك من شعائر الله المتضمنة خضوع العبد لربه فإن الحج والنسك عبودية محضة لله وذلك وخضوع لعظمته وذلك ضد ما وصف بـه عادا وثمود وفرعون من العتو والتكبر والتجبر فإن النسك يتضمن غاية الخضوع لله وهؤلاء الأمم عتوا وتكبروا عن أمر بهم وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضى الله عنـهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ مامن أيام العمل الصالح فيمن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر ] قيل يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال [ ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله لم يرجع من ذلك بشيء ] فالزمان المتضمن لمثل هذه الأعمال أهل أن يقسم الرب عزوجل به
{ والفجر } إن أريد بـه جنس الفجر كماهو ظالم اللفظ فإنـه يتضمن وقت صلاة الصبح التي هي أول الصلوات فافتتح القسم بمايتضمن أول الصلوات وختمـه بقوله { والليل إذا يسر } المتضمن لآخر الصلوات وإن أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النحر وليلته التي هي ليلة عرفة فتلك الليلة من أفضل ليالي العام وما رؤى الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منـه فيها وذلك الفجر فجر يوم النحر الذي هو أفضل الأيام عند الله كماثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنـه قال [ أفضل الأيام عند الله يوم النحر ] رواه أبو داود بإسناد صحيح وهو آخر أيام العشر وهو يوم الحج الأكبر كماثبت في صحيح البخاري وغيره وهو اليوم الذي أذن فيه مؤذن رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن الله بريء من المشركين ورسوله وأن لايحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ] ولا خلاف أن المؤذن أذن بذلك في يوم النحر لايوم عرفة وذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم امتثالا وتأويلا للقرآن
وعلى هذا فقد تضمن القسم المناسك والصلوات وهما المختصان بعبادة الله والخضوع له والتواضع لعظمته ولهذا قال الخليل عليه السلام { إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين } وقيل لخاتم الرسل صلى الله عليه و سلم { فصل لربك وانحر } بخلاف حال المشركين المتكبرين الذين لايعبدون الله وحده بل يشركون بـه ويستكبرون عن عبادته كحال من ذكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون
وذكر سبحانـه من جملة هذه الأقسام ( الشفع والوتر ) إذ هذه الشعائر المعظمة منـها شفع ومنـها وتر في الأمكنة والأزمنة والأعمال فالصفا والمروة شفع والبت وتر والجمرات وتر ومنى ومزدلفة شفع وعرفة وتر وأما الأعمال فالطواف وتر وركعتاه شفع والطواف بين الصفا والمروة وتر ورمي الجمار وتر كل ذلك سبع سبع وهو الأصل فإن الله وتر يحب الوتر والصلاة منـها شفع ومنـها وتر والوتر يوتر الشفع فتكون كلها وترا كما قال النبي صلى الله عليه و سلم [ صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ماقد صليت ] وأما الزمان فإن يوم عرفة وتر ويوم النحر شفع وهذا قول أكثر المفسرين وروى مجاهد عن إبن عباس : الوتر آدم وشفع بزوجته حواء وقال في رواية أخرى : الشفع آدم وحواء والوتر الله وحده وعنـه رواية ثالثة الشفع يوم النحر والوتر اليوم الثالث وقال عمران بن حصين وقتادة : الشفع والوتر هي الصلاة وروى فيه حديثا مرفوعا وقال عطية العوفي الشفع الخلق قال الله تعالى { وخلقناكم أزواجا } الوتر هو الله وهذا قول الحكم قال : كل شيء شفع والله وتر وقال أبو صالح : خلق الله من كل شيء زوجين إثنين والله وتر واحد وهذا قول مجاهد ومسروق وقال الحسن : الشفع والوتر العدد كله من شفع ووتر وقال ابن زيد : الشفع والوتر الخلق كله من شفع ووتر وقال مقاتل : الشفع الأيام والليالي : والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة ؟
وذكرت أقوال أخر هذه أصولها ومدارها كلها على قولين ( أحدهما ) أن الشفع والوتر نوعان للمخلوفات والمأمورات ( والثاني ) أن الوتر الخالق والمخلوق فهو نظير ماتقدم في قوله { والشمس وضحاها } ونظير ماذكر في قوله { وشاهد ومشـهود } وماذكر في قوله { والليل إذا يغشى * والنـهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى } وقال ههنا { والليل إذا يسر } وفي سورة المدثر أقسم بالليل إذا أدبر وفي سورة التكوير أقسم بالليل إذا عسعس وقد فسر بأقبل وفسر بأدبر فإن كان المراد إقباله وحالة امتداده وسريانـه وحالة إدباره وهي من آياته الدالة عليه سبحانـه
وعرف الفجر باللام إذ كل أحد يعرفه ونكر الليالي العشر لأنـها إنما تعرف بالعلم وأيضا فإن التنكير تعظيم لها فإن التنكير يكون للتعظيم
وفي تعريف الفجر مايدل على شـهرته وأنـه الفجر الذي يعرفه كل أحد ولا يجهله
فلما تضمن هذا القسم ماجاء بـه إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم كان في ذلك مادل على المقسم عليه ولهذا اعتبر القسم بقوله تعالى { هل في ذلك قسم لذي حجر ؟ } فإن عظمة هذا المقسم بـه يعرف بالنبوة وذلك يحتاج إلى حجر بحجر صاحبه عن الغفلة واتباع الهوى ويحمله على اتباع الرسل لئلا يصيبه ما أصباب من كذب الرسل كعاد وفرعون وثمود
ولما تضمن ذلك مدح الخاضعين والمتواضعين ذكر حال المستكبرين المتجبرين الطاغين ثم أخبر أنـه صب عليهم سوط عذاب ونكره إما للتعظيم وإما لأن يسيرا من عذابه استأصلهم وأهلكهم ولم يكن معه بقاء ولاثبات
ثم ذكر حال الموسع عليهم في الدنيا والمقتر عليهم وأخبر أن توسعته على من وسع عليه - وإن كان إكراما له في الدنيا - فليس ذلك إكراما على الحقيقة ولا يدل على أنـه كريم عنده من أهل كرامته ومحبته وأن تقتيره علىمن قتر عليه لا يدل على إهانته له وسقوط منزلته عنده بل يوسع ابتلاء وامتحانا ويقتر ابتلاء وامتحانا فيبتلى بالنعم كما يبتلى بالمصائب وسبحانـه هو يبتلى عبده بنعمة تجلب له نقمة وبنعمة تجلب له نعمة أخرى وبنقمة تجلب له نقمة أخرى وبنقمة تجلب له نعمة فهذا شأن نعه ونقمـه سبحانـه
وتضمنت هذه السورة ذم من اغتر بقوته وسلطانـه وماله وهم هؤلاء الأمم الثلاثة : قوم عاد اغتروا بقوتهم وثمود اغتروا بجنانـهم وعيونـهم وزروعهم وبساتينـهم وقوم فرعون اغتروا بالمال والياسة فصارت عاقبتهم إلى ماقص الله علينا وهذا شأنـه دائما مع كل من اغتر بشيء من ذلك لابد أن يفسده عليه ويسلبه إياه ثم ذكر سبحانـه حال الإنسان في معاملته لمن هو أضعف منـه كاليتيم والمسكين فلا يكرم هذا ولا يحض علىطعام هذا ثم ذكر حرصه علىجمع المال وأكله وحبه له وذلك هو الذي أوجب له عدم رحمته لليتيم والمسكين
ثم ختم السورة بمدح النفس المطمئنة وهي الخاشعة المتواضعة لربها وماتؤول إليه من كرامته ورحمته كما ذكر قبلها حال النفس الأمارة وما تؤول إليه من شدة عذابه ووثاقة

وأما سورة { لا أقسم بهذا البلد } فذكر فيها جواب القسم وهو قوله { لقد خلقنا الإنسان في كبد } وفسر الكبد بالاستواء وانتصاب القامة قال ابن عباس في رواية مقسم : منتصبا على قدميه وهذا قول أبي صالح والضحاك وإبراهيم وعكرمة وعبد الله بد شداد قال المنذر : سمعت أبا طالب يقول : الكبد الاستواء والاستقامة وفسر بالنصب هذا قول مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ورواية عن علي وعن ابن عباس قال الحسن : لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم وقال سعيد بن أبي الحسن : يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة وقال قتادة : يكابد أمر الدنيا والآخرة فلا تلقاه إلا في مشقة وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال : يعني حمله وولادته ورضاعه وفصاله ونبت أسنانـه وحياته ومعاشـه ومماته كل ذلك شدة قال مجاهد : حملته أمـه كرها ووضعته كرها ومعيشته في شدة فهو يكابد ذلك وعلى هذا فالكبد من مكابدة الأمر وهي معاناة شدته ومشقته والرجل يكابد الليل إذا قاسى هوله وصعوبته والكبد شدة الأمر ومنـه تكبد اللبن إذا غلظ واشتد ومنـه الكبد لأنـها دم يغلظ ويشتد وانتصاب القامة والاستواء من ذلك لأنـه إنما يكون عن قوة وشدة فإن الإنسان مخلوق في شدة بكونـه في الرحم ثم في القماط والرباط ثم هو على خطر عظيم عند بلوغه حال التكليف ومكابدة المعيشة والأمر والنـهي ثم مكابدة الموت وما بعده في البرزخ وموقف القيامة ثم مكابدة العذاب في النار ولا راحة له إلا في الجنة
وفسر الكبد بشدة الخلق وإحكامـه وقوته ومنـه قول لبيد :
( يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد ؟ )
أي في شدة وعناء وهذا يشبه قوله تعالى { نحن خلقناهم وشددنا أسرهم } قال ابن عباس : أي خلقهم وقال أبو عبيدة : الأسر شدة الخلق يقال : فرس شديد الأسر قال وكل شيء شددته : من قتب أو غيره فهو مأسور وقال المبرد : الأسر القوى كلها وقال الليث : الأسر قوة المفاضل والأوصال وشد الله أسر فلان أي قوى خلقه وكل شيء جمع طرفاه فشد أحدهما بالآخر فقد أسر وقال الحسن : شددنا أوصالهم بعضهم إلىبعض بالعروق والعصب وقال مجاهد : هو الشرج يعني موضع البول والغائط إذا خرج الأذى تقبضا
والمقصور أنـه سبحانـه أقسم في سورة البلد على حال الإنسان وأقسم سبحانـه بالبلد الأمين وهو مكة أم القرى
ثم أقسم بالوالد وما ولد وهو آدم وذريته في قول جمـهور المفسرين وعلى هذا فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل السكان فمرجع البلاد إلى مكة ومرجع العباد إلى آدم
وقوله { وأنت حل بهذا البلد } فيه قولان ( أحدهما ) أنـه من الاحلال وهو ضد الإحرام ( والثاني ) أنـه من الحلول وهو ضد الظعن فإن أريد بـه المعنى الأول فهو حلال ساكن البلد بخلاف المحرم الذي يحج ويعتمر ويرجع ولأن أمنـه إنما تظهر بـه النعمة عند الحل من الإحرام وإلا ففي حال الإحرام هو في أمان والحرمة هناك للفعل لا للمكان والمقصود هو ذكر حرمة المكان وهي إنما تظهر بحال الحلال الذي لم يتلبس بما يقتضي أمنـه ولكن على هذا ففيه تنبيه فإنـه إذا أقسم بـه وفيه الحلال فإذا كان فيه الحرام فهو أولى بالتعظيم والأمن وكذلك إذا أريد المعنى الثاني المشتمل على رسوله وعبده فهو خير البقاع وقد اشتمل على خير العباد فجعل بيته هدى للناس ونبيه إماما وهاديا لهم وذلك من أعظم ن وإحسانـه إلى خلقه كما هو من أعظم آياته ودلائل وحدانيته وربوبيته فمن اعتبر حال بيته وحال نبيه وجد ذلك من أظهر أدلة التوحيد والربوبية
وفي الآية قول ثالث وهو أن المعنى : وأنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد الأمين الذي يأمن فيه الطير والوحش والجاني وقد استحل قومك خير حرمتك وهم لا يعضدون بـه شجرة ولا ينفرون بـه صيدا وهذا مروي عن شرحبيل بن سعد وعلى كل حال فهي جملة اعتراض في أثناء القسم موقعها من أحسن موقع وألطفه
فهذا القسم متضمن لتعظيم بيته ورسوله
ثم أنكر سبحانـه على الإنسان ظنـه وحسبانـه أن لن يقدر عليه من خلقه في هذا الكبد والشدة والقوة التي يكابد بها الأمور فإن الذي خلقه كذلك أولى بالقدرة منـه وأحق فكيف يقدر على غيره من لم يكن قادرا على نفسه فهذا برهان مستقل بنفسه مع أنـه متضمن للجزاء الذي مناطه القدرة والعلم فنبه على ذلك بقوله { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } وبقوله { أيحسب أن لم يره أحد ؟ } فيحصى عليه ما عمل من خير وشر ولا يقدر عليه فيجازيه بما يستحقه ؟
ثم أنكر سبحانـه على الإنسان قوله { أهلكت مالا لبدا } وهو الكثير الذي يلبد بعضه فوق بعض فافتخر هذا الإنسان بإهلاكه وإنفاقه في غير وجهه إذ لو أنفقه في وجوهه التي أمر بإنفاقه فيها ووضعه مواضعه لم يكن ذلك إهلاكا له بل تقربا بـه إلى الله وتوصلا بـه إلى رضاه وثوابه وذلك ليس بإهلاكه له فأنكر سبحانـه افتخارا وتبجحه بإنفاق المال في شـهواته وأغراضه التي إنفاقه فيها إهلاك له
ثم وبخه بقوله { أيحسب أن لم يره أحد ؟ } وأتى ههنا بلم الدالة على المضي في مقابلة قوله { أهلكت مالا لبدا } فإن ذلك في الماضي أفيحسب أن لم يره أحد فيما أنفقه وفيما أهلكه ؟
ثم ذكر برهانا مقدرا أنـه سبحانـه أحق بالرؤية وأولى من هذا العبد الذي له عينان يبصر بهما فكيف يعطيه البصر من لم يره ؟ وكيف يعطيه آلة البيان من الشفتين واللسان فينطق ويبين عما في نفسه ويأمر وينـهى من لا يتكلم ولايكلم ولا يخاطب ولا يأمر ولاينـهى ؟ وهل كمال المخلوق مستفاد إلا من كمال خالقه ؟ ومن جعل غيره عالما بنجدى الخير والشر - وهما طريقاهما - أليس هو أولى وأحق بالعلم منـه ومن هذه إلى هذين الطريقين كيف يليق بـه أن يتركه سدى لا يعرفه ما يضره وما ينفعه في معاشـه ومعاده ؟ وهل النبوة والرسالة إلا لتكميل هداية النجدين ؟ فدل هذا كله على إثبات الخالق وصفات كماله وصدق رسله ووعده
وهذه أصول الإيمان التي اتفقت عليها جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم إذا تأمل الإنسان حاله وخلقه وجده من أعظم الأدلة على صحتها وثبوتها فتكفي الإنسان فكرته في نفسه وخلقه والرسل بعثوا مذكرين بما في القطر والعقول مكملين له لتقوم على العبد حجة الله بفطرته ورسالته ومع هذا فقامت عليه حجته ولم يقتحم العقبة التي بينـه وبين ربه التي لا يصل إليها حتى يقتحمـها بالإحسان إلى خلقه بفك الرقبة وهو تخليصها من الرق ليخلصه الله من رق نفسه ورق عدوه وإطعام اليتيم والمسكين في يوم المجاعة وبالإخلاص له سبحانـه بالإيمان الذي هو خالص حقه عليه وهو تصديق خبره وطاعة أمره وابتغاء وجهه وبنصيحة غيره أن يوصيه بالبر والرحمة ويقبل وصية من أوصاه بها فيكون صابرا رحيما في نفسه معينا لغيره على الصبر والرحمة فمن لم يقتحم هذه العقبة وهلك دونـها هلك منقطعا عن بـه غير واصل إليه بل محجوبا عنـه
والناس قسمان : ناج وهو من قطع العقبة وصار وراءها وهالك وهو من دون العقبة وهم أكثر الخلق ولا يقتحم هذه العقبة إلا المضمرون فإنـها عقبة كؤود شاقة لا يقطعها إلا خفيف الظهر وهم أصحاب الميمنة والهالكون دون العقبة الذين لم يصدقوا الخبر ولم يطيعوا الأمر فهم { أصحاب المشأمة * عليهم نار مؤصدة }
قد أطبقت عليهم فلا يستطيعون الخروج منـها كما أطبقت عليهم أعمال الغى والاعتقادات الباطلة المنافية لما أخبرت بـه رسله فلم تخرج قلوبهم منـها كذلك أطبقت عليهم هذه النار فلم تستطع أجسامـهم الخروج منـها
فتأمل هذه السورة على اختصارها وما اشتملت عليه من مطالب العلم والإيمان وبالله التوفيق
وأيضا فإن طريقة القرآن بذكر العلم والقدرة تهديدا وتخويفا لترتب الجزاء عليهما كما قال تعالى { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } وقوله تعالى { أرأيت الذي ينـهى * عبدا إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * أرأيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى } وقوله تعالى { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } وقال { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون } وهذا كثير جدا في القرآن وليس المراد بـه مجرد الأخبار بالقدرة والعلم لكن الأخبار مع ذلك بما يترتب عليهما من الجزاء بالعدل فإنـه إن كان قادرا أمكن مجازاته وإذا كان عالما أمكن ذلك بالقسط والعدل ومن لم يكن قادرا لم يمكن مجازاته وإذا كان قادرا لكنـه غير عالم بتفاصيل الأعمال ومقادير جزائها لم يجاز بالعدل والرب تعالى موصوف بكمال القدرة وكمال العلم فالجزاء منـه موقوف على مجرد مشيئته وإرادته فحينئذ يجب على العاقل أن يطلب النجاة منـه بالإخلاص والاحسان فهو اقتحام العقبة المتضمن للتوبة إلى الله تعالى و الإحسان إلى خلقه
وقال { فلا اقتحم العقبة } وهو فعل ماض ولم يكرر معه لا إما استعمالا لأداة لا كاستعمال ما وإما إجراء لهذا الفعل مجرى الدعاء نحو فلا سلم ولا عاش ونحو ذلك وإما لأن العقبة قد فسرت بمجموع أمور فاقتحامـها فعل كل واحد منـها فأغنى ذلك من تكريرها فكأنـه قال : فلا فكل رقبة ولا أطعم ولا كان من الذين آمنوا
وقراءة من قرأ { فك رقبة } بالفعل كأنـها أرجح من قراءة من قرأها بالمصدر لأن قوله { وما أدراك ما العقبة ؟ } على حد قوله { وما أدراك ما الحاقة } { وما أدراك ما يوم الدين } { وما أدراك ما هيه * نار حامية } ونظائره تعظيما لشأن العقبة وتفخيما لأمرها وهي جملة اعتراض بين المفسر والمفسر فإن قوله { فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة * ثم كان من الذين آمنوا } تفسير لاقتحام العقبة مكان شاق كؤود يقتحمـه الناس حتى يصلوا إلى الجنة واقتحامـه بفعل هذه الأمور فمن فعلها فقد اقتحم العقبة ويدل على ذلك قوله تعالى { ثم كان من الذين آمنوا } وهذا عطف على قوله { فك رقبة } والأحسن تناسب هذه الجمل المعطوفة التي هي تفسير لما ذكر أولا
وأيضا فإن من قرأها بالمصدر المضاف فلابد له من تقدير وهو : ما أدراك ما اقتحام العقبة ؟ واقتحامـها فك رقبة وأيضا فمن قرأها بالفعل فقد طابق بين المفسر وما فسره ومن قرأها بالمصدر فقد طابق بين المفسر وبعض ما فسره فإن التفسيران كان لقوله ( اقتحم ) طابقه بقوله { ثم كان من الذين آمنوا } وما بعده دون { فك رقبة } وما يليه وإن كان لقوله ( العقبة ) طابقة { فك رقبة * أو إطعام } دون قوله { ثم كان من الذين آمنوا } وما بعده وإن كانت المطابقة حاصلة معنى فحصولها لفظا ومعنى أتم وأحسن
واختلف في هذه العقبة هل هي في الدنيا أو في الآخرة ؟ فقالت طائفة : العقبة ههنا مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة الناس والشيطان في أعمال البر وحكوا ذلك عن الحسن ومقاتل قال الحسن : عقبة والله شديدة : مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه والشيطان وقال مقاتل : هذا مثل ضربه الله يريد أن المعتق رقبة والمطعم اليتيم والمسكين يقاحم نفسه وشيطانـه مثل أن يتكلف صعود العقبة فشبه المعتق رقبة في شدته عليه بالمكلف صعود العقبة وهذا قول أبي عبيدة وقالت طائفة : بل هي عقبة حققة يصعدها الناس قال عطاء : هي عقبة جهنم وقال الكلبي : هي عقبة بين الجنة والنار وهذا قول مقاتل إنـها عقبة جهنم وهذا قول مقاتل إنـها عقبة جهنم وقال مجاهد والضحاك : هي الصراط يضرب على جهنم وهذا لعله قول الكلبي وقول هؤلاء أصح نظرا وأثرا ولغة قال قتادة : فإنـها عقبة شديدة فاقتحموها بطاعة الله وفي أثر معروف إن بين أيديكم عقبة كؤودا لا يقتحمـها إلا المخفون أو نحو هذا وأن الله سمى الإيمان بـه وفعل ما أمر وترك ما نـهى عقبة فكثيرا ما يقع في كلام السلف الوصية بالتضمر لاقتحام العقبة وقال بعض الصحابة : وقد حضره الموت فجعل يبكي ويقول : مالي لا أبكي وبين يدي عقبة كؤود أهبط منـها إما إلى جنة وإما إلى نار فهذا القول أقرب إلى الحقيقة والآثار السلفية والمألوف من عادة القرآن في استعماله ( وما أدراك ) في الأمور الغائبة العظيمة كما تقدم والله أعلم

ومن ذلك أقسامـه { والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين } فأقسم سبحانـه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة فالتين والزيتون المراد بـه نفس الشجرتين المعروفتين ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس فإنـها أكثر البقاع زيتونا وتينا وقد قال جماعة من المفسرين : أنـه سبحانـه أقسم بهذين النوعين من الثمار لمكان العزة فيهما فإن التين فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص لاعجم له وهو على مقدار اللقمة وهوفاكهة وقوت وغذاء وأدم ويدخل في الأدوية ومزاجه من أعدل الأمزجة وطبعه طبع الحياة الحرارة والرطوبة وشكله من أحسن الأشكال ويدخل أكله والنظر إليه في باب المفرحات وله لذة يمتاز بها عن سائر الفواكه ويزيد في القوة ويوافق الباءة وينفع من البواسير والنقرس ويؤكل رطبا ويابسا وأما الزيتون ففيه من الآيات ماهو ظاهر لمن اعتبر فإن عوده يخرج ثمرا يعصر منـه هذا الدهن الذي هو مادة الور وصبغ للآكلين وطيب ودواء وفيه من مصالح الخلق مالا يخفى وشجره باق على مر السنين المتطاولة وورقه لايسقط وهذا الذي قالوله حق ولاينفي أن يكون منبته مرادا فإن منبت هاتين الشجرتين حقيق بأن يكون من جملة البقاع الفاضلة الشريفة فيكون الأقسام قد تناول الشجرتين ومنبتهما وهو مظهر عبدالله ورسوله وكلمته وروحه عيسى بن مريم كما أن طور سينين مظهر عبده ورسوله وكليمـه موسى فإنـه الجبل الذي كلمـه عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومـه
ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل فبدأ بموضع مظهر المسيح ثم نثى بموضع مظهر الكليم ثم ختمـه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه ونظير هذا بعينـه في التورارة التي أنزلها الله على كليمـه موسى جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من فاران فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن عمران وبدأ بـه على حكم الترتيب الواقع ثم ثنى بنبوة المسيح ثم ختمـه بنبوة محمد صلى الله عليه و سلم وجعل نبوة موسى بمنزلة مجيء الصبح ونبوة المسيح بعده بمنزلة طلوع الشمس وإشراقها ونبوة صلى الله عليه و سلم وعليهما بمنزلة استعلائها وظهورها للعالم ولما كان الغالب على بني إسرائيل الحسن ذكر ذلك مطابقا للواقع ولما كان الغالب على الأمة الكاملة حكم العقل ذكرها على الترتيب العقلي وأقسم بها بداية الإنسان ونـهايته فقال { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } أي في أحسن صورة وشكل واعتدال معتدل القامة مستوى الخلقة كامل الصورة أحسن من كل حيوان سواه والتقويم تصيير الشيء على ماينبغي أن يكون في التأليف والتعديل وذلك صنعته تبارك وتعالى في قبضة من تراب وخلقه بالمشاهدة من نطفة من ماء وذلك من أعظم الآيات الدالة على وجوده وقدرته وحكمته وعلمـه وصفات كماله ولهذا يكررها كثيرا في القرآن لمكان العبرة بها والاستدلال بأقرب الطرق على وحدانيته وعلى المبدأ والمعاد
وتضمن إقسامـه بتلك الأمكنة الثلاثة الدالة عليه وعلى علمـه وحكمته - عنايته بخلقه بأن أرسل منـها رسلا أنزل عليهم كتبه يعرفون العباد بربهم وحقوقه عليهم وينذرونـهم بالله ونقمته ويدعونـهم إلى كرامته وثوابه
ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منـهم من أجاب ومنـهم من أبى ذكر حال الفريقين فذكر حال الأكثرين وهم المردودون إلى أسفل سافلين والصحيح أنـه النار قاله مجاهد والحسن وأبو العالية قال علي بن أبي طالب رضي الله عنـه : هي النار بعضها أسفل من بعض وقالت طائفة منم قتادة وعكرمة وعطاء والكلبي وإبراهيم : أنـه أرذل العمر وهو مروى عن ابن عباس والصواب القول الأول لوجوه ( أحدها ) أن أرذل العمر لايسمى أسفل سافلين لا في لغة ولاعرف وإنما أسفل سافلين هو سجين الذي هو مكان الفجار كماأن عليين مكان الأبرار ( الثاني ) أن المردودين إلى أسفل العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليل جدا فأكثرهم يموت ولا يرد إلى أرذل العمر ( الثالث ) أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في رد من طال عمره منـهم إلى أرذل العمر فليس ذلك مختصا بالكفار حتى يستثنى منـهم المؤمنين ( الرابع ) أن الله سبحانـه لما أراد ذلك لم يخصه بالكفار بل جعله لجنس بني آدم فقال { ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } فجعلهم قسمين : قسما متوفى قبل الكبر وقسما مردودا إلى أرذل العمر ولم يسمـه أسفل سافلين ( الخامس ) أنـه لاتحسن المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء المؤمنين وهو سبحانـه قابل بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان فجعل جزاء الكفار أسفل سافلين وجزاء المؤمنين أجرا غير ممنون ( السادس ) أن قول من فسره بأرذل العمر يستلزم خلو الآية عن جزاء الكفار وعاقبة أمرهم ويستلزم تفسيرها بأمبر محسوس فيكون قد ترك الأخبار عن المقصود الأهم وأخبر عن امر يعرف بالحس والمشاهدة وفي ذلك هضم لمعنى الآية وتقصيره بها عن المعنى اللائق بها ( السابع ) أنـه سبحانـه ذكر حال الإنسان في مبدأه ومعاده فمبدؤه خلقه في أحسن تقويم ومعاده رده إلى أسفل سافلين أو إلى أجر غير ممنون وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته في ذكر مبدأ العبد ومعاده فما لأرذلك العمر وهذا المعنى المطلوب المقصود إثباته والاستدلال عليه ؟ ( الثامن ) أن أرباب القول الأول مضطرون إلى مخالفة الحس وإخراج الكلام عن ظاهره والتكلف البعيد له فإنـهم إن قالوا : إن الذي يرد إلى أرذل العمر هم الكفار احتاجوا إلى التكلف لصحة الاستثنناء ؟ فمنـهم من قدر ذلك بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لاتبطل أعمالهم إذا ردوا إلى أ رذل العمر بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونـها في الصحة فهذا - وإن كان حقا - فإن الاستثناء إنما وقع من الرد لامن الأجر والعمل ولما علم أرباب هذا القول مافيه من التكلف خص بعضهم الذي آمنوا وعملوا الصالحات بقراءة القرآن خاصة فقالوا من قرأ القرآن لايرد إلى أرذل العمر وهذا ضعيف من وجهين ( أحدهما ) أن الاستثناء عام في المؤمنين قارئهم وأميهم وأنـه لادليل على ماادعوه وهذا لايعلم بالحس ولاخبر يجب التسليم له يقتضيه والله أعلم
( التاسع ) أنـه سبحانـه ذكر نعمته على الإنسان بخلقه في أحسن تقويم وهذه النعمة توجب عليه أن يشكرها بالإيمان وعبادته وحده لاشريك له فينقله حينئذ من هذه الدار إلى أعلى عليين فإذا لم يؤمن بـه وأشرك بـه وعصى رسله نقله منـها إلى أسفل سافلين وبدله بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورة من أقبح الصور في أسفل سافلين فتلك نعمته عليه وهذا عدله فيه وعقوبته على كفران نعمته ( العاشر ) أن نظير هذه الآية قوله تعالى { فبشرهم بعذاب أليم * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } فالعذاب الأليم هو أسفل سافلين والمستثنون هنا هم المستثنون هناك والأجر غير الممنون هناك هو المذكور هنا والله أعلم
وقوله { غير ممنون } أي غير مقطوع ولامنقوص ولامكدر عليهم وهذا هو الصواب وقالت طائفة : غير ممنون بـه عليهم بل هو جزاء أعمالهم ويذكر هذا عن عكرمة ومقاتل وهو قول كثير من القدرية قال هؤلاء : إن المنة تكدر النعمة فتمام النعمة أن يكون غير ممنون بها على المنعم عليه وهذا القول خطأ قطعا أتى أربابه من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق وهذا من أبطل الباطل فإن المنة التي تكدر النعمة هي منـه المخلوق على المخلوق وأما منـه الخالق على المخلوق فبها تمام النعمة ولذتها وطيبها فإنـها منة حقيقية قال تعالى { يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين } وقال تعالى { ولقد مننا على موسى وهارون * ونجيناهما وقومـهما من الكرب العظيم } فتكون منة عليهما بنعمة الدنيا دون نعمة الآخرة وقال لموسى { ولقد مننا عليك مرة أخرى } وقال أهل الجنة { فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم } وقال تعالى { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } الآية وقال { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } الآية وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قال للأنصار [ ألم اجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؟ ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي ؟ ] فجعلوا يقولون له : الله ورسوله أمن فهذا جواب العارفين بالله ورسوله وهل المنة كل المنة إلا لله المان بفضله الذي جميع الخلق في منته وإنما قبحت منـه المخلوق لأنـها منة بماليس منـه وهي منة يتأذى بها الممنون عليه وأما منة المنان بفضله التي ماطاب العيش إلا بمنته وكل نعمة منـه في الدنيا والآخرة فهي منة يمن بها على من أنعم عليه فتلك لايجوز نفيها وكيف يجوز أن يقال إنـه لامنة لله على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة ؟ وهل هذاإلا من أبطل الباطل ؟
فإن قيل : هذا القدر لايخفى على من قال هذا القول من العلماء وليس مرادهم ماذكر وإنما مرادهم أنـه لايمن عليهم بـه بل يقال : هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا وهذا أجركم فأنتم تستوفون أجور أعمالكم لانمن عليكم بما أعطيناكم قيل : وهذا أيضا هو الباطل بعينـه فإن ذلك الأجر ليست الأعمال ثمنا له ولامعاوضة عنـه وقد قال أعلم الخلق بالله صلى الله عليه و سلم [ لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ] قالوا : ولا أنت يارسول الله ؟ قال [ ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منـه وفضل ] فأخبر أن الجنة برحمة الله وفضله وذلك محض منته عليه وعلى سائر عباده وكما أنـه سبحانـه المان بإرسال رسله وبالتوفيق لطاعته وبالإعانة عليها فهو المان بإعطاء الجزاء وذلك كله محض منته وفضله وجوده لاحق لأحد عليه بحيث إذا وفاه إياهم لم يكن له عليه منة فإن كان في الدنيا باطل فهذا ليس منـه في شيء
فإن قيل : كيف تقولون هذا وقد أخبر رسوله عنـه بأن حق العباد عليه إذا وحدوه أن لايعذبهم وقد أخبر عن نفسه أن حقا عليه نصر المؤمنين ؟ قيل : لعمر الله هذا من أعظم منته على عباده أن جعل على نفسه حقا بحكم وعده الصادق : أن يثيبهم ولايعذبهم إذا عبدوه ووحدوه ؟ فهذا من تمام منته فإنـه لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولكن منته اقتضت أن أحق على نفسه ثواب عابديه وإجابة سائليه
( ما للعباد عليه حق واجب كلا ولاسعي لديه ضائع )
( إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله فهو الكريم الواسع )
وقوله سبحانـه { فما يكذبك بعد بالدين } أصح القولين أن هذا خطاب للإنسان أي فما يكذبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان ؟ فتقول إنك لا تبعث ولا تحاسب ولو تفكرت في مبدأ خلقك وصورتك لعلمت أن الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خلقا جديدا وأن ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خلقك الأول وأيضا فإن الذي كمل خلقك في أحسن تقويم بعد أن كنت نطفة من ماء مـهين كيف يليق بـه أن يتركك سدى لايكمل ذلك بالأمر والنـهي وبيان ما ينفعك ويضرك ولاتنقل لدار هي أكمل من هذه ويجعل هذا الدار طريقا لك إليها فحكمة أحكم الحاكمين تأبى ذلك وتقضي خلافه قال منصور : قلت لمحاهد { فما يكذبك بعد بالدين } عنى بـه محمدا ؟ فقال : معاذ الله إنما عنى بـه الإنسان وقال قتادة : الضمير للنبي صلى الله عليه و سلم واختاره الفراء وهذا موضع يحتاج إلى شرح وبيان
يقال : كذب الرجل إذا قال الكذب وكذبته أنا إذا نسبته إلى الكذب ولو اعتقدت صدقه وكذبته إذا اعتقدت كذبه وإن كان صادقا قال تعالى { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك } وقال { فإنـهم لا يكذبونك } فالأول بمعنى وأن ينسبوك إلى الكذب والثاني بمعنى لايعتقدون أنك كاذب ولكنـهم يعاندون ويدفعون الحق بعد معرفته جحودا وعنادا هذا أصل هذه اللفظة ويتعدى الفعل إلى الخبر بنفسه وإلى خبره بالباء وبقي فيقال : كذبته بكذا وكذبته فيه والأول أكثر استعمالا ومنـه قوله { بل كذبوا بالحق لما جاءهم } وقوله { وكذبوا بآياتنا }
إذا عرف هذا فقوله { فما يكذبك } إختلف في ما هل هي بمعنى أي شيء يكذبك أو بمعنى من الذي يكذبك ؟ فمن جعلها بمعنى أي شيء تعين على قوله أني كون الخطاب للإنسان أي فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مكذبا بالدين وقد وضحت لك دلائل الصدق والتصديق ؟ ومن جعلها بمعنى فمن الذي يكذبك جعل الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم قال الفراء : كأنـه يقول من يقدر على تكذبيك بالثواب والعقاب بعدما تبين له من خلق الإنسان ما وصفناه ؟ وقال قتادة : فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا بالدين ؟
وعلى قول قتادة والفراء إشكال من وجهين : ( أحدهما ) إقامة مامقام من وأمره سهل ( والثاني ) أن الجار والمجرور يستدعى متعلقا وهو يكذبك أي فمن يكذبك بالدين ؟ فلا يخلو إما أن يكون المعنى فمن يجعلك كاذبا بالدين أو مكذبا بـه ولايصح واحد منـهما أما الثاني والثالث فظاهر فإن كذبته ليس معناه جعلته مكذبا أو مكذبا وإنما معناه نسبته إلى الكذب فالمعنى على هذا فمن يجعلك بعد كاذبا بالدين وهذا إنما يتعدى إليه بالباء الفعل المضاعف لا الثلاثي فلا يقال : كذب كذا وإنما يقال كذب به
وجواب هذا الإشكال أن قوله : كذب بكذا معناه كذب المخبر بـه ثم حذف المفعول بـه لظهور العلم بـه حتى كأنـه نسي وعدوا الفعل إلى المخبر بـه فإذا قيل من يكذبك بكذا ؟ فهو بمعنى كذبوك بكذا سواء أي نسبوك إلى الكذب في الأخبار بـه بل الأشكال في قول مجاهد والجمـهور فإن الخطاب إذا كان للإنسان وهو المكذب أي فاعل التكذيب فكيف يقال له : مايكذبك ؟ أي يجعلك مكذبا والمعروف كذبه إذا جعله كاذبا لامكذبا ومثل فسقه إذا جعله فاسقا لامفسقا لغيره
وجواب هذا الأشكال : أن صدق وكذب - بالتشديد - يراد بـه معنيان : ( أحدهما ) النسب وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم ( والثاني ) الداعي والحامل على ذلك وهو يكون للفاعل قال الكسائي : يقال : ماصدقك بكذا أو ماكذبك بكذا أي ماحملك على التصديق والتكذيب
قلت وهو نظير ماأجرأك علىهذا أي ماحملك على الاجتراء عليه وما قدمك وما أخرك أي ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير وهذا استعمال سائغ موافق للعربية وبالله التوفيق
ثم ختم السورة بقوله { أليس الله بأحكم الحاكمين } وهذا تقرير لمضمون السورة من إثبات النبوة والتوحيد والمعاد وحكمـه بتضمن نصره لرسوله على من كذبه وجحد ماجاء بـه بالحجة والقدرة والظهور عليه وحكمـه بين عباده في الدنيا بشرعه وأمره وحكمـه بينـهم في الآخرة بثوابه وعقابه وإن أحكم الحاكمين لايليق بـه تعطيل هذه الأحكام بعدما ظهرت حكمته في خلق الإنسان في أحسن تقويم ونقله في أطوار التخليق حالا بعد حال إلىأكمل الأحوال
فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لايجازي المحسن بإحسانـه والمسيء بإساءته ؟ وهل ذلك إلا قدح في حكمـه وحكمته ؟ فلله ما أخصر لفظ هذه السورة وأعظم شأنـها وأتم معناها والله أعلم

ومن ذلك قسمـه سبحانـه وتعالى بـ { والليل إذا يغشى * والنـهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى } وقد تقدم ذكر القسم عليه وأنـه سعى الإنسان في الدنيا وجزاؤه في العقبى فهو سبحانـه يقسم بالليل في جميع أحواله اذ هو من آياته الدالة عليه فأقسم بـه وقت غشيانـه وأتى بصيغة المضارع لأنـه يغشى شيئا بعد شيء وأما النـهار فإنـه إذا طلعت الشمس ظهر وتجلى وهلة واحدة ولهذا قال في سورة الشمس وضحاها { والنـهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها } وأقسم بـه وقت سريانـه كما تقدم وأقسم بـه وقت إدباره وأقسم بـه إذا عسعس فقيل معناه أدبر فيكون مطابقا لقوله { والليل إذ أدبر * والصبح إذا أسفر } وقيل : معناه أقبل فيكون كقوله { والليل إذا يغشى * والنـهار إذا تجلى } فيكون قد أقسم بإقبال الليل والنـهار وعلى الأول يكون القسم واقعا على انصرام الليل ومجيء النـهار عقبيه وكلاهما من آيات ربوبيته
ثم أقسم بخلق الذكر والأنثى وذلك يتضمن الأقسام بالحيوان كله على اختلاف أصنافه ذكره وأنثاه وقابل بين الذكر والأنثى كما قابل بين الليل والنـهار وكل ذلك من آيات ربوبيته فإن إخراج الليل والنـهار بواسطة الأجرام العلوية كإخراج الذكر والأنثى بواسطة الأجرام السفلية فأخرج من الأرض ذكور الحيوان وإناثه على اختلاف أنواعها كما أخرج من السماء الليل والنـهار بواسطة الشمس فيها وأقسم سبحانـه بزمان السعي وهو الليل والنـهار وبالساعي وهو الذكر والأنثى على اختلاف السعي كما اختلف الليل والنـهار والذكر والأنثى وسعيه وزمانـه مختلف وذلك دليل على اختلاف جزائه وثوابه وأنـه سبحانـه لا يسوي بين من اختلف سعيه في الجزاء كما لم يسو بين الليل والنـهار والذكر والأنثى
ثم أخبر عن تفريقه بين عاقبة سعي المحسن وعاقبة سعي المسيء فقال { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى } فتضمنت الآيتان ذكر شرعه وذكر الأعمال وجزائها وحكمة القدر في تيسير هذا لليسرى وهذا للعسرى وأن العبد ميسر بأعماله لغاياتها ولا يظلم ربك أحدا وذكر للتيسير لليسرى ثلاثة أسباب ( أحدها ) إعطاء العبد وحذف مفعول الفعل إرادة للإطلاق والتعميم أي أعطى ما أمر بـه وسمحت بـه طبيعته وطاوعته نفسه وذلك يتناول إعطاءه من نفسه الإيمان والطاعة والإخلاص والتوبة والشكر وإعطاءه الإحسان والنفع بماله ولسانـه وبدنـه ونيته وقصده فتكون نفسه نفسا مطيعة باذلة لا لئيمة مانعة فالنفس المطيعة هي النافعة المحسنة التي طبعها الإحسان وإعطاء الخير اللازم والمتعدي فتعطي خيرها لنفسها ولغيرها فهي بمنزلة العين التي ينتفع الناس بشربهم منـها وسقي دوابهم وأنعامـهم وزرعهم فهم ينتفعون بها كيف شاءوا فهي ميسرة لذلك وهكذا الرجل المبارك ميسر للنفع حيث حل فجزاء هذا أن ييسره الله لليسرى كما كانت نفسه ميسرة للعطاء
( السبب الثاني ) التقوى وهي اجتناب ما نـهى الله عنـه وهذا من أعظم أسباب التيسير وضده من أسباب التعسير فالمتقي ميسرة عليه أمور دنياه وآخرته وتارك التقوى وإن يسرت عليه بعض أمور دنياه تعسر عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه من التقوى وأما تيسير ما تيسر عليه من أمور الدنيا فلو اتقى الله لكان تيسيرها عليه أتم ولو قدر أنـها لم تتيسر له فقد يسر الله له من الدنيا ما هو أنفع له مما ناله بغير التقى فإن طيب العيش ونعيم القلب ولذة الروح وفرحها وابتهاجها من أعظم نعيم الدنيا وهو أجل من نعيم أرباب الدنيا بالشـهوات واللذات وقال تعالى { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا } فأخبر أنـه ييسر على المتقي مالا ييسر على غيره وقال تعالى { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب } وهذا أيضا ييسر عليه بتقواه وقال تعالى { ومن يتق الله يكفر عنـه سيئاته ويعظم له أجرا } وهذا يتيسر عليه بإزالة ما يخشاه وإعطائه ما يحبه و يرضاه وقال { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم } وهذا يتيسر بالفرقان المتضمن النجاة والنصر والعلم والنور الفارق بين الحق والباطل وتكفير السيئات ومغفرة الذنوب وذلك غاية التيسير وقال تعالى { واتقوا الله لعلكم تفلحون } والفلاح غاية اليسر كما أن الشقاء غاية العسر وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون بـه ويغفر لكم } فضمن لهم سبحانـه بالتوقى ثلاثة أمور : ( أحدها ) أعطاهم نصيبين من رحمته نصيبا في الدنيا ونصيبا في الآخرة وقد يضاعف لهم نصيب الآخرة فيصير نصيبين ( الثاني ) أعطاهم نورا يمشون بـه في الظلمات ( الثالث ) مغفرة ذنوبهم وهذا غاية التيسير فقد جعل سبحانـه التقوى سببا لكل يسر وترك التقوى سببا لكل عسر
( السبب الثالث ) التصديق بالحسنى وفسرت بلا إله إلا الله وفسرت بالجنة وفسرت بالخلف وهي أقوال السلف واليسرى صفة لموصوف محذوف أي الحالة والخلة اليسرى وهي فعلى من اليسرى والأقوال الثلاثة ترجع إلى أفضل الأعمال وأفضل الجزاء فمن فسرها بلا إله إلا الله فقد فسرها بمفرد يأتي بكل جمع فإن التصديق الحقيقي بلا إله إلا الله يستلزم التصديق بشعبها وفرعها كلها وجميع أصول الدين وفروعه من شعب هذه الكلمة فلا يكون العبد مصدقا بها حقيقة التصديق حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ولا يكون مؤمنا بالله إله العالمين حتى يؤمن بصفات جلاله ونعوت كماله ولا يكون مؤمنا بأن الله لا إله إلا هو حتى يسلب خصائص الإلهية عن كل موجود سواه ويسلبها عن اعتقاده وإرادته كما هي منفية في الحقيقة والخارج ولا يكون مصدقا بها من نفى الصفات العليا ولامن نفى كلامـه وتكليمـه ولامن نفى استوائه على عرشـه وأنـه يرفع إليه الكلم الطيب والعمل الصالح وأنـه رفع المسيح إليه وأسرى برسوله صلى الله عليه و سلم إليه وأنـه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه إلى سائر ما وصف بـه نفسه ووصفه بـه رسوله صلى الله عليه و سلم ولا يكون مؤمنا بهذه الكلمة مصدقا بها على الحقيقة من نفى عموم خلقه لكل شيء وقدرته على كل شيء وعلمـه بكل شيء وبعثة الأجساد من القبور ليوم النشور ولا يكون مصدقا بها من زعم أنـه يترك خلقه سدى لم يأمرهم ولم ينـههم على ألسنة رسله وكذلك التصديق بها يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة بالتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه هو تفصيل لا إله إلا الله فالمصدق بها على الحقيقة الذي يأتي بذلك كله وكذلك لم تحصل عصمة المال والدم على الإطلاق إلا بها وبالقيام بحقها وكذلك لاتحصل النجاة من العذاب على الإطلاق إلا بها وبحقها فالعقوبة في الدنيا والآخرة على تركها أو ترك حقها
ومن فسر الحسنى بالجنة فسرها بأعلى أنواع الجزاء وكماله ومن فسرها بالخلف ذكر نوعا من الجزاء فهذا جزاء دنيوي والجنة الجزاء في الآخرة فرجع التصديق بالحسنى إلى التصديق بالإيمان وجزائه والتحقيق أنـها تتناول الأمرين
وتأمل ما اشتملت عليه هذه الكلمات الثلاث - وهي الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى - من العلم والعمل وتضمنته من الهدى ودين الحق فإن النفس لها ثلاث قوى : قول البذل والإعطاء وقوة الكف والإمتناع ودقة الإدراك والفهم ففيها قوة العلم والشعور ويتبعها قوة الحب والإرادة وقوة البعض والنفرة فهذه القوى الثلاثة عليها مدار صلاحها وسعادتها وبفسادها يكون فسادها وشقاوتها ففساد قوة العلم والشعور يوجب له التكذيب بالحسنى وفساد قوة الحب والإرادة يوجب له ترك الاعطاء وفساد قوة البعض والنفرة يوجب له ترك الاتقاء فإذا كملت قوة حبه وإرادته بإعطائه ما أمر بـه وقوة بغضه ونفرته باتقائه من نـهى عنـه وقوة علمـه وشعوره بتصديقه بكلمة الإسلام وحقوقها وجزائها فقد زكى نفسه وأعدها لكل حالة يسرى فصارت النفس بذلك ميسرة لليسرى
ولما كان الدين يدور على ثلاث قواعد فعل المأمور وترك المحظور وتصديق الخبر وإن شنت قلت الدين طلب وخبر والطلب نوعان : طلب فعل وطلب ترك فقد تضمنت هذه الكلمات الثلاث مراتب الدين أجمعها فانتظم ذلك الدين كله أكمل الناس من كملت له هذه التقوى الثلاث و النقص بحسب نقصانـها أو بعضها فمن الناس من يكون قوة إعطائه وبذلك أتم من قوة انكفافه وتركه فقوة الترك فيه أضعف من قوة الإعطاء ومن الناس من يكون قوة التصديق أتم من قوة الاعطاء والمنع ومن الناس من يكون فيه قوة التصديق أتم من قوة الاعطاء والمنع فقوته العلمية والشعورية أتم من قوته الإرادية وبالعكس فيدخل النقص بحسب ما نقص من قوة هذه القوى الثلاث ويفوته من التيسير لليسرى بحسب ما فاته منـها ومن كملت له هذه القوى يسر لكل يسرى قال ابن عباس { فسنيسره لليسرى } أي نـهيئه لعمل الخير تيسر عليه أعمال الخير وقال مقاتل والكلبي والفراء : نيسره للعود إلى العمل الصالح
وحقيقة اليسرى أنـها الخلة والحالة السهلة النافعة الواقعة له وهي ضد العسرى وذلك يتضمن تيسيره للخير وأسبابه فيجري الخير وييسر على قلبه ويديه ولسانـه وجوارحه فتصير خصال الخير ميسرة عليه مذللة ما منقادة لا تستعصي عليه ولا تستصعب لأنـه مـهيأ لها ميسر لفعلها يسلك سبلها ذللا وتقاد له علما وعملا فإذا خاللته قلت هو الذي قيل فيه :
( مبارك الطلعة ميمونـها يصلح للدنيا وللدين )
{ وأما من بخل } فعطل قوة الإرادة والاعطاء عن فعل ما امر بـه ( استغنى ) بترك التقوى عن ربه فعطل قوة الإنكفاف والترك عن فعل ما نـهى عنـه ( وكذب بالحسنى ) فعطل قوة العلم والشعور عن التصديق بالإيمان وجزائه { فسنيسره للعسرى } قال عطاء : سوف أحول بين قلبه وبين الإيمان بي وبرسولي وقال مقاتل : يعسر عليه أن يعطى خيرا وقال عكرمة عن ابن عباس : نيسره للشر قال الواحدي : وهذا هو القول لأن الشر يؤدي إلى العذاب فهو الخلة العسرى والخير يؤدي إلى اليسر والراحة في الجنة فهو الخلة اليسرى يقول : سنـهيؤه للشر بأن يجريه على يديه قال الفراء : العرب تقول قد يسرت غنم فلان إذا تهيأت للولادة وكذلك إذا ولدت وغزرت ألبانـها أي يسرت ذلك على أصحابها إنتهى
والتيسير للعسرى يكون بأمرين ( أحدهما ) أن يحول بينـه وبين أسباب الخير فيجري الشر على قلبه ونيته ولسانـه وجوارحه ( والثاني ) أن يحول بينـه وبين الجزاء الأيسر كما حال بينـه وبين أسبابه فإن قيل : كيف قابل اتقى باستغنى ؟ وهل يمكن العبد أن يستغني عن ربه طرفة عين ؟
قيل : هذا من أحسن المقابلة فإن المتقي لما استشعر فقره وفاقته وشدة حاجته إلى ربه اتقاه ولم يتعرض لسخطه وغضبه ومقته بارتكاب ما نـهاه عنـه فإن من كان شديد الحاجة والضرورة إلى شخص فإنـه يتقي غضبه وسخطه عليه غاية الإتقاء ويجانب ما يكرهه غاية المجانية ويعتمد فعل ما يحبه ويؤثره فقابل التقوى بالإستغناء تبشيعا لحال تارك التقوى ومبالغة في ذمـه بأن فعل فعل المستغني عن ربه لافعل الفقير المضطر إليه الذي لاملجأ له إلا إليه ولاغنى له عن فضله وجوده وبره طرفة عين فلله ما أحلى هذه المقابلة وما أجمع هاتين الآيتين للخيرات كلها وأسبابها والشرور كلها وأسبابها فسبحان من تعرف إلى خصائص عباده بكلامـه وتجلى لهم فيه فهم لا يطلبون أثرا بعد عين ولا يستبدلون الحق بالباطل والصدق بالمين
وقد تضمنت هاتان الآيتان فصل الخطاب في مسألة القدر وإزالة كل لبس وإشكال فيها وذلك بين بحمد الله لن وفق لفهمـه ولهذا أجاب بها النبي صلى الله عليه و سلم من أورد عليه السؤال الذي لا يزال الناس يلهجون بـه في القدر فأجاب بفصل الخطاب وأزال الأشكال ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنـه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنـه قال : [ ما منكم من أحد إلا وقد علم ه من الجنة والنار ] قيل : يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب ؟ قال [ اعملوا فكل ميسر لما خلق له ] ثم قرأ [ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ] فقد تضمن هذا الحديث الرد على القدرية والجبرية وإثبات القدر والشرع وإثبات الكتاب الأول المتضمن لعلم الله سبحانـه الأشياء قبل كونـها وإثبات خلق الفعل الجزائي وهو يبطل أصول القدرية الذين يمنعون خلق الفعل مطلقا ومن أقر منـهم بخلق فعل الجزاء دون الإبتداء هدم أصله ونقض قاعدته والنبي صلى الله عليه و سلم أخبر بمثل ما أخبر بـه الرب تعالى أن العبد ميسر لما خلق له لا مجبور فالجبر لفظ بدعى والتيسير لفظ القرآن والسنة وفي الحديث دلالة على أن الصحابة كانوا أعلم الناس بأصول الدين فإنـهم تلقوها عن أعلم الخلق بالله على الإطلاق وكانوا إذا استشكوا شيئا سألوه عنـه وكان يجيبهم بما يزيل الأشكال ويبين الصواب فهم العارفون بأصول الدين حقا لا أهل البدع والأهواء من المتكلمين ومن سلك سبيلهم
وفي الحديث استدلال النبي صلى الله عليه و سلم على مسائل أصول الدين بالقرآن وإرشاده الصحابة لاستنباطها منـه خلافا لمن زعم أن كلام الله ورسوله لا يفيد العلم بشيء من أصول الدين ولا يجوز أن تستفاد معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله منـه وعبر عن ذلك بقوله : الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين
وفي الحديث بيان أن من الناس من خلق للسعادة ومنـهم من خلق للشقاوة خلافا لمن زعم أنـهم كلهم خلقوا للسعادة ولكن اختاروا الشقاوة ولم يخلقوا لها وفيه إثبات الأسباب وأن العبد ميسر للأسباب الموصلة له إلى ما خلق له وفيه دليل على اشتقاق السنة من الكتاب ومطابقتها له فتأمل قوله صلى الله عليه و سلم [ إعملوا فكل ميسر لما خلق له ] ومطابقته لقوله تعالى { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى } كيف انتظم الشرع والقدر والسبب والمسبب ؟
وهذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه و سلم هو الذي فطر الله عليه عباده بل الحيوان البهيم بل مصالح الدنيا وعمارتها بذلك فلو قال كل أحد : إن قدر لي كذا وكذا فلابد أن أناله وإن لم يقدر فلا سبيل إلى نيله فلا أسعى ولا أتحرك لعد من السفهاء الجهال و لم يمكنـه طرد ذلك أبدا وإن أتى بـه في أمر معين فهل يمكنـه أن يطرد ذلك في مصالحه جميعها من طعامـه وه ولباسه ومسكنـه وهروبه مما يضاد بقاءه وينافي مصالحه أم يجد نفسه غير منفكة ألبتة عن قول النبي صلى الله عليه و سلم [ إعملوا فكل ميسر لما خلق له ] ؟ فإذا كان هذا في مصالح الدنيا وأسباب منافعها فما الموجب لتعطيله في مصالح الآخرة وأسباب السعادة والفلاح فيها ورب الدنيا والآخرة واحد فكيف يعطل ذلك في شرع الرب وأمره ونـهيه ويستعمل في إرادة العبد وأغراضه وشـهواته ؟ وهل هذا إلا محض الظلم والجهل والإنسان ظلوم جهول ظلوم لنفسه جهول بربه فهذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه و سلم وتلا عنده هاتين الآيتين موافقا لما جعله الله في عقول العقلاء وركب عليه فطر الخلائق حتى الحيوان البهيم وأرسل بـه جميع رسله وأنزل بـه جميع كتبه
ولو اتكل العبد على القدر ولم يعمل لتعطلت الشرائع وتعطلت مصالح العالم وفسد أمر الدنيا والدين وإنما يستروح إلى ذلك معطلوا الشرائع ومن خلع ربقه الأوامر والنواهي من عنقه وذلك ميراث من إخوانـهم المشركين الذين دفعوا أمر الله ونـهيه وعارضوا شرعه بقضائه وقدره كما حكى الله سبحانـه ذلك عنـهم في غير موضع من كتابه كقوله تعالى { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون * قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } وقال تعالى { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونـه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونـه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } وقال تعالى { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون } وقال تعالى { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أط إن أنتم إلا في ضلال مبين } ؟
فإن قيل : فالإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى هي من اليسرى بل هي أصل اليسرى من يسرها للعبد أولا ؟ وكذلك أضدادها ؟
قيل : الله سبحانـه هو الذي يسر لعبد أسباب الخير والشر وخلق خلقه قسمين : أهل سعادة فيسرهم لليسرى وأهل شقاوة فيسرهم للعسرى واستعمل هؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وهؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وحكمته الباهرة تأبى أن يضع عقوبته في موضع لا تصلح له كما يأبى أن يضع كرامته وثوابه في محل لا يصلح لهما ولا يليق بهما بل حكمة آحاد خلقه تأبى ذلك ومن جعل محل المسك والرجيع واحدا فهو من أسفه السفهاء
فإن قيل : فلم جعل هذا لا يليق بـه إلا الكرامة وهذا لا يليق بـه إلا الإهانة ؟ قيل : هذا سؤال جاهل لا يستحق الجواب كأنـه يقول : لم خلق الله كذا وكذا ؟
فإن قيل : وعلى هذا فهل لهذا الجاهل من جواب لعله يشفى من جهله ؟ قيل : نعم شأن الربوبية خلق الأشياء وأضدادها وخلق الملزومات ولوازمـها وذلك هو محض الكمال فالعلو لازم وملزوم للسفل والليل لازم وملزوم للنـهار وكمال هذا الوجود بالحر والبرد والصحو والغيم ومن لوازم الطبيعة الحيوانية الصحة والمرض واختلاف الإرادات والمرادات و وجود اللازم بدون ملزومـه ممتنع ولولا خلق المتضادات لما عرف كمال القدرة والمشيئة والحكمة ولما ظهرت أحكام الأسماء والصفات وظهور أحكامـها وآثارها لابد منـه إذ هو مقتضى الكمال المقدس والملك التام وإذا أعطيت اسم الملك حقه - ولن تستطيع - علمت أن الخلق والأمر والثواب والعقاب والعطاء والحرمان أمر لازم لصفة الملك وأن صفة الملك تقتضي ذلك ولابد وأن تعطيل هذه الصفة أمر ممتنع فالملك الحق يقتضي إرسال الرسل وإنزال الكتب وأمر العباد ونـهيهم وثوابهم وعقابهم وإكرام من يستحق الإكرام وإهانة من يستحق الإهانة كما تستلزم حياة الملك وعلمـه وإرادته وقدرته وسمعه وبصره وكلامـه ورحمته ورضاه وغضبه واستواءه على سرير ملكه يدبر أمر عباده وهذه الإشارة تكفي اللبيب في مثل هذا الموضع ويطلع منـها على أرض مونقة وكنوز من المعرفة وبالله التوفيق

ثم قال تعالى { إن علينا للهدى * وإن لنا للآخرة والأولى } قيل : معناه إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال قال قتادة : على الله البيان بيان حلاله وحرامـه وطاعته ومعصيته إختاره أبو إسحاق وهو قول مقاتل وجماعة وهذا المعنى حق ولكن مراد الآية شيء آخر وقيل : المعنى إن علينا للهدى والإضلال قال ابن عباس رضي الله عنـهما في رواية عطاء : يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي وأحول بين أعدائي وبين أن يعملوا بطاعتي قال الفراء : فترك ذكر الإضلال كما قال { سرابيل تقيكم الحر } أي والبرد وهذا أضعف من القول الأول وإن كان معناه صحيحا فليس هو معنى الآية وقيل المعنى : من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله { وعلى الله قصد السبيل } وهذا قول مجاهد وهو أصح الأقوال في الآية قال الواحدي : علينا للهدى أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته وهذا المعنى في القرآن في ثلاث مواضع : ههنا وفي النحل في قوله { وعلى الله قصد السبيل } وفي الحجر في قوله { هذا صراط علي مستقيم } وهو معنى شريف جليل يدل على أن سالك طريق الهدى يوصله طريقه إلى الله ولابد والهدى هو الصراط المستقيم فمن سلكه أوصله إلى الله فذكر الطريق والغاية فالطريق الهدى والغاية الوصول إلى الله فهذه أشرف الوسائل وغايتها أعلى الغايات ولما كان مطلوب السالك إلى الله تحصيل مصالح دنياه وآخرته لم يتم له هذا المطلوب إلا بتوحيد طلبه والمطلوب منـه فأعلمـه سبحانـه أن سواه لا يملك من الدنيا والآخرة شيئا وأن الدنيا والآخرة جميعا له وحده فإذا تيقن العبد ذلك اجتمع طلبه و مطلوبه على من يملك الدنيا والآخرة وحده فتضمنت الآيتان أربعة أمور هي المطالب العالية : ذكر أعلى الغايات وهو الوصول إلى الله سبحانـه وأقرب الطرق والوسائل إليه وهي طريقة الهدى وتوحيد الطريق فلا يعدل عنـها إلى غيرها وتوحيد المطلوب وهو الحق فلا يعدل عنـه إلى غيره فاقتبس هذه الأمور من مشكاة هذه الكلمات فإن هذه غاية العلم والفهم وبالله التوفيق
والهدى التام يتضمن توحيد المطلوب وتوحيد الطلب وتوحيد الطرق الموصلة والإنقطاع و تخلف الوصول يقع من الشركة في هذه الأمور أوفي بعضها فالشركة في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص والشركة في الطلب تنافي الصدق والعزيمة والشركة في الطريق تنافي اتباع الأمر فالأول يوقع في الشرك والرياء والثاني يوقع في المعصية والبطالة والثالث يوقع في البدعة ومفارقة السنة فتأمله
فتوحيد المطلوب يعصم من الشرك وتوحيد الطلب يعصم من المعصية وتوحيد الطريق يعصم من البدعة والشيطان إنما ينصب فخه بهذه الطرق الثلاثة
ولما أقام سبحانـه الدليل وأنار السبيل وأوضح الحجة وبين المحجة أنذر عباده عذابه الذي أعده لمن كذب خبره وتولى عن طاعته وجعل هذا الصنف من الناس هم أشقاهم كما جعل أسعدهم أهل التقوى والإحسان والإخلاص فهذا الصنف هو الذي يجنب عذابه كما قال { وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي ماله يتزكى } فهذا المتقي المحسن لا يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه فهو مخلص في تقواه وإحسانـه
وفي الآية الإرشاد إلى أن صاحب التقوى لا ينبغي له أن يتحمل من الخلق ونم وإن حمل منـهم شيئا بادر إلى جزائهم عليه لئلا يتبقى لأحد من الخلق عليه نعمة تجزى فيكون بعد ذلك عمله كله لله وحده ليس للمخلوق جزاء على نعمته
ونبه يقول { تجزى } على أن نعمة الإسلام التي لرسول الله صلى الله عليه و سلم على هذا الأتقى لا تجزى فإن كل ذي نعمة يمكن جزاء نعمته إلا نعمة الإسلام فإنـها لا يمكن المنعم بها عليه أن يجزى بها وهذا يدل على أن الصديق رضي الله عنـه أول وأولى من ذكر في هذه الآية وأنـه أحق الأمة بها فإن عليا رضي الله عنـه تربى في بيت النبي صلى الله عليه و سلم فلرسول الله صلى الله عليه و سلم عنده نعمة غير نعمة الإسلام يمكن أن تجزى

ومن ذلك إقسامـه سبحانـه بـ { والضحى * والليل إذا سجى } على إنعامـه على رسوله صلى الله عليه و سلم وإكرامـه له وإعطائه ما يرضيه وذلك متضمن لتصديقه له فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته وحكمته ورحمته وهما الليل والنـهار
فتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافى بعد ظلام الليل للمقسم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنـه حتى قال أعداؤه : ودع محمدا ربه فأقسم بضوء النـهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه وأيضا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النـهار هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة فهذان للحس وهذان للعقل ؟ وأيضا فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدا بل هداهم بضوء النـهار إلى مصالحهم ومعايشـهم لا يليق بـه أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم
فتأمل حسن ارتباط المقسم بـه بالمقسم عليه وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها
ونفى سبحانـه أن يكون ودع نبيه أو قلاه فالتوديع الترك والقلى البغض فما تركه منذ اعتنى بـه وأكرمـه ولا أبغضه منذ أحبه وأطلق سبحانـه أن الآخرة خير له من الأولى وهذا يعم كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها كما أن الدار الآخرة خير له مما قبلها ثم وعده بما تقر بـه عينـه وتفرح بـه نفسه وينشرح بـه صدره وهو أن يعطيه فيرضى وهذا يعم ما يعطيه من القرآن والهدى والنصر وكثرة الأتباع ورفع ذكراه و إعلاه كلمته وما يعطيه بعد مماته وما يعطيه في موقف القيامة وما يعطيه في الجنة وأما ما يغتر بـه الجهال من أنـه لا يرضى وواحد من أمته في النار أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار فهذا من غرور الشيطان لهم ولعبة بهم فإنـه صلوات الله وسلامة عليه يرضى بما يرضى بـه ربه تبارك وتعالى وهو سبحانـه يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة ثم يحد لرسوله حدا يشفع فيهم ورسوله أعرف بـه وبحقه من أن يقول : لا أرضى أن يدخل أحدا من أمتي النار على أن يدعه فيها بل ربه تبارك وتعالى يأذن له فيشفع فيمن شاء الله أن يشفع فيه ولا يشفع في غير من أذن له فيه ورضيه
ثم ذكر سبحانـه ن عليه من إيوائه بعد تيمـه وهدايته بعد الضلالة وإغنائه بعد الفقر فكان محتاجا إلى من يؤويه ويهديه ويغنيه فآواه ربه وهداه وأغناه فأمره سبحانـه أن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق بها من الشكر فنـهاه أن يقهر اليتيم وأن ينـهر السائل وأن يكتم النعمة بل يحدث بها فأوصاه سبحانـه باليتامى والفقراء والمتعلمين قال مجاهد ومقاتل : لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما وقال الفراء : لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وكذلك كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمـهم فغلظ الخطاب في أمر اليتيم وكذلك من لاناصر له يغلظ في أمره وهو نـهى لجميع المكلفين
{ وأما السائل فلا تنـهر } قال أكثر المفسرين : هو سائل المعروف والصدقة لا تنـهره إذا سألك فقد كنت فقيرا فأما أن تط وإما أن ترده ردا لينا قال الحسن : أما إنـه ليس بالسائل الذي يأتيك ولكن طالب العلم وهذا قول يحيى بن آدم قال : إذا جاءك طالب العلم فلا تنـهره والتحقيق أن الآية تتناول النوعين

ومن ذلك إقسامـه سبحانـه بـ { والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا } وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك فقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنـهما : هي إبل الحاج تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى وهذا اختيار محمد بن كعب وأبي صالح وجماعة من المفسرين وقال عبدالله بن عباس : هي خيل الغزاة وهذا قول أصحاب ابن عباس والحسن وجماعة واختاره الفراء والزجاج قال أصحاب الإبل : السورة مكية ولم يكن ثم جهاد ولاخيل تجاهد وإنما أقسم بما يعرفونـه ويألفونـه وهي إبل الحاج إذا عدت من عرفة إلى مزدلفة فهي عاديات والضبح والضبع مد الناقة ضبعها في السير يقال ضبحت وضبعت بمعنى واحد وأنشد أبو عبيدة وقد اختار هذا القول :
( فكان لكم أجري جميعا وأضبحت بي البازل الوجناء في الآل تضبح )
قالوا فهي تعدو ضبحا فتورى بأخفافها النار من حك الأحجار بعضها ببعض فتثير النقع - وهو الغبار - بعدوها فيتوسط جمعا وهي المزدلفة
قال أصحاب الخيل المعروف في اللغة أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدون والمعنى والعاديات ضابحة فيكون ضبحا مصدرا على الأول وحالا على الثاني قالوا والخيل هي التي تضبح في عدوها ضبحا وهو صوت يسمع من أجوافها ليس بالصهيل ولا الحمحمة ولكن صوت أنفاسها في أجوافها من شدة العدو وقال الجرجاني كلا القولين قد جاء في التفسير إلا أن السياق يدل على أنـها الخيل وهو قوله تعالى { فالموريات قدحا } والايراء لا يكون إلا للحافر لصلابته وأما الخف ففيه لين واسترخاء إنتهى
قالوا : والضبح في الخيل أظهرمنـه في الإبل والايراء لسنابك الخيل أبين منـه لاخفاف الإبل قالوا : والنقع هو الغبار وإثارة الخيل بعدوها له أظهر من إثارة أخفاف الإبل والضمير في بـه عائد على المكان الذي تعدو فيه قالوا وأعظم مايثير الغبار عند الإغارة إذا توسطت الخيل جمع العدو لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان وأما حمل الآية في إثارة الغبار في وادي محسر عند الإغارة فليس بالبين ولا يثور هناك غبار في الغالب لصلابة المكان قالوا : وأما قولكم إنـه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهاد ولا خيل تجاهد فهذا لا يلزم لأنـه سبحانـه أقسم بما يعرفونـه من شأن الخيل إذا كانت في غزو فأغارت فأثارت النقع وتوسطت جمع العدو وهذا أمر معروف وذكر خيل المجاهدين أحق ما دخل في هذا الوصف فذكره على وجه التمثيل لا الإختصاص فإن هذا شأن خيل المقاتلة وأشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين والقسم إنما وقع بما تضمنـه شأن هذه العاديات من الآيات البينات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم البهيم وأشرفه وهو الذي يحصل بـه العز والظفر والنصر على الأعداء فتعدوا طالبة للعدو وهاربة منـه فيثير عدوها الغبار لشدته وتورى حوافرها وسنابكها النار من الأحجار لشدة عدوها فتدرك الغارة التي طلبتها حتى تتوسط جمع الأعداء فهذا من أعظم آيات الرب تعالى وأدلة قدرته وحكمته فذكرهم بنعمة عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون بـه على أعدائهم ويدركون بـه ثأرهم كما ذكرهم سبحانـه بن عليهم في خلق الإبل التي تحمل أثقالهم من بلد إلى بلد فالإبل أخص بحمل الأثقال والخيل أخص بنصرة الرجال فذكرهم بن بهذا وهذا وخص الإغارة بالضبح لأن العدو لم ينتشروا إذ ذاك ولم يفارقوا محلهم وأصحاب الإغارة حامون مستريحون يبصرون مواقع الغارة والعدو لم يأخذوا أهبتهم بل هم في غرتهم وغفلتهم ولهذا كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا أراد الغارة صبر حتى يطلع الفجر فإن سمع مؤذنا أمسك وإلا أغار
ولما علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورى النار تأولوا الآية على وجوه بعيدة فقال محمد بن كعب : هم الحاج إذا أوقدوا نيرانـهم ليلة المزدلفة وعلى هذا فيكون التقدير : فالجماعات الموريات وهذا خلاف الظاهر وإنما الموريات هي العاديات وهي المغيرات روى سعيد بن جبير عن ابن عباس : هم الذين يغيرون فيورون بالليل نيرانـهم لطعامـهم وحاجتهم كأنـهم أخذوه من قوله تعالى { أفرأيتم النار التي تورون } وهذا إن أريد بـه التمثيل وأن الآية تدل عليه فصحيح وإن أريد بـه اختصاص الموريات فليس كذلك لأن الموريات هي العاديات بعينـها ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب فإنـها عدت فأورت وقال قتادة : الموريات هي الخيل تورى نار العداوة بين المقتتلين وهذا ليس بشيء وهو بعيد من معنى الآية وسياقها وأضعف منـه قول عكرمة : هي الألسنة تورى نار العداوة بعظيم ما نتكلم بـه وأضعف منـه ما ذكر عنـه مجاها : هي أفكار الرجال تورى نار المكر والخديعة في الحرب
وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها وأنـها هي المراد فغلط وإن أريد أنـها أخذت من طريق الإشارة والقياس فأمرها قريب
وتفسير الناس يحاور على ثلاثة أصول : تفسير على اللفظ وهو الذي ينجو إليه المتأخرون وتفسيره على المعنى وهو الذي يذكره السلف وتفسير على الإشارة والقياس وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم وهذا لابأس بـه بأربعة شرائط : أن لا يناقض معنى الآية وأن يكون معنى صحيحا في نفسه وأن يكون في اللفظ إشعار بـه وأن يكون نبيه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطا حسنا
وأضعف من ذلك كله قول ابن جريج : قدحا يعني : فالمنجحات أمرا يريد البالغين بنجحهم فيما طلبوه وعطف قوله ( فأثرن فوسطن ) وهما فعلان على العاديات والموريات لما فيه من معنى الفعل

فهذا شأن القسم وأما شأن المقسم عليه فهو حال الإنسان وهو كون الإنسان كنودا بشـهادته على نفسه أو شـهادة ربه عليه وكونـه بخيلا لحبه المال والكنود للنعمة وفعله كند يكند كنودا مثل كفر يكفر كفورا والأرض الكنود التي لا تنبت شيئا وامرأة كندى أي كفور للمعاشرة وأصل اللفظ منع الحق والخير ورجل كنود إذا كان مانعا لما عليه من الحق وعبارات المفسرين تدور على هذا المعنى قال ابن عباس رضي الله عنـهما وأصحابه رحمـهم الله تعالى : هو الكفور وقيل هو البخيل الذي يمنع رفده ويجيع عبده ولا يعطى في النائبة وقال الحسن : هو اللوام لربه يعد المصائب وينسى النعم
وأما قوله { وإنـه على ذلك لشـهيد } فقال ابن عباس : يريد أن ربه على ذلك لشـهيد وقيل إن الإنسان لشـهيد على ذلك إن أنكر بلسانـه أشـهد ربه عليه حاله ويؤيد هذا القول سياق الضمائر فإن قوله { وإنـه لحب الخير لشديد } للإنسان فافتتح الخبر عن الإنسان بكونـه كنودا ثم ثناه بكونـه شـهيدا على ذلك ث م ختمـه بكونـه بخيلا بماله لحبه إياه ويؤيد قول ابن عباس رضي الله عنـهما أنـه أتى بعلي فقال { وإنـه على ذلك لشـهيد } أي مطلع عالم بـه كقوله { ثم الله شـهيد على ما يفعلون } ولو أريد شـهادة الإنسان لأتى بالباء فقيل وإنـه بذلك لشـهيد كماقال تعالى { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر } فلو أراد شـهادة الإنسان لقال : وإنـه على نفسه لشـهيد فإن كنوده المشـهود بـه ونفسه هي المشـهود عليها
ثم قال تعالى { وإنـه لحب الخير لشديد } والخير هنا المال باتفاق المفسرين والشديد البخيل من أجل حب المال فحب المال هو الذي حمله على البخل هذا قول الأكثرين وقال ابن قتيبة : بل المعنى : إنـه لشديد الحب للخير فتكون اللامز في قوله { لحب الخير } متعلقة بقوله { لشديد } على حد تعلق قولك : إنـه لزيد لضارب ومنعت طائفة من النحاة أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها وهذه الآيات حجة على الجواز فإن قوله { لربه } معمول ( لكنود ) وقوله ( على ذلك ) معمول ( لشـهيد ) ولاوجه للتكلف البارد في تقدير عامل مقدم محذوف يفسره هذا المذكور فالحق جواز إن لزيد لضارب فوصف سبحانـه الإنسان بكفران نعم ربه وبخله بما آتاه من الخير فلاهو شكور للنعم ولامحسن إلى خلقه بل بخيل بشكره بخيل بماله وهذا ضد المؤمن الكريم فإن مخلص لربه محسن إلىخلقه فالمؤمن له الإخلاص والإحسان والفاجر له الكفر والبخل وقد ذم الله سبحانـه هذين الخلقين المـهلكين في غير موضع من كتابه كقوله { فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراؤون * ويمنعون الماعون } فالرياء ضد الإخلاص ومنع الماعون ضد الإحسان وكذلك قوله تعالى { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا * الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله } فاختياله وفخره من كفره وكنوده وهذا ضد قوله { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } وقوله { واعبدوا الله ولا تشركوا بـه شيئا وبالوالدين إحسانا } وكذلك ذكر الخلقين الذميمين في قوله { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } ونظيره { وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله } ونظيره ماتقدم في سورة الليل من ذم المستغني البخيل ومدح المعطى المصدق بالحسنى ونظيره قوله { ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع مالا وعدده } فإن الهمزة واللمزة من الفجر والكبر وجمع المال وتعديده من ا لبخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما
ثم خوف سبحانـه الإنسان الذي هذا وصفه حين يبعثر مافي القبور ويحصل مافي الصدور أي ميز وجمع وبين وأظهر ونحو ذلك وجمع سبحانـه بين القبور والصدور كما جمع بينـهما النبي صلى الله عليه و سلم في قوله [ ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا ] فإن الإنسان يواري صدره مافيه من الخير والشر ويواري قبره جسمع فيخرج الرب جسمـه من قبره وسره من صدره فيصير جسمـه بارزا على الأرض وسره باديا على وجهه كماقال تعالى { يعرف المجرمون بسيماهم } وقال { سنسمـه على الخرطوم }

ومفعول العلم إن علمت فيه وكسرت لمكان اللام وقيد سبحانـه كونـه خبيرا بهم ذلك اليوم - وهو خبير بهم في كل وقت - إيذانا بالجزاء وأنـه يجاريهم في ذلك اليوم بما يعلمـه منـهم فذكر العلم والمراد لازمـه والله سبحانـه وتعالى أعلم

ومن ذلك اقسامـه ( بالعصر ) على حال الإنسان في الآخرة هذه السورة على غاية اختصارها لها شأن عظيم حتى قال الشافعي رحمـه الله : لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم
والعصر المقسم بـه قيل : هو أول الوقت الذي يلي المغرب من النـهار وقيل : هو آخر ساعة من ساعاته وقيل : المراد صلاة العصر وأكثر المفسرين على أنـه الدهر وهذا هو الراجح وتسمية الدهر عصرا أمر معروف في لغتهم قال :
( ولن يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما )
ويوم وليلة بدل من العصران فأقسم سبحانـه بالعصر لمكان العبرة والآية فيه فإن مرور الليل والنـهار على تقدير قدرة العزيز العليم منتظم لمصالح العالم على اكمل ترتيب ونظام وتعاقبهما واعتدالهما تارة وأخذ أحدهما من صاحبه تارة واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد وانتشار الحيوان وسكونـه وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشـهر والأيام والساعات وما دونـها - آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته
فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الانسان ومحلها على عاقبة تلك الأفعال وجزائها ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم على المعاد وأن قدرته كما لم تقصر على المبدأ لم تقصر عن المعاد وأن حكمته التي اقتضت خلق الزمان وخلق الفاعلين وأفعالهم وجعلها قسمين خيرا وشرا تأبى أن يسوى بينـهم وأن لايجازى المحسن بإحسانـه والمسيء بإساءته وأن يجعل النوعين رابحين أو خاسرين بل الانسان من حيث هو إنسان خاسر إلا من رحم الله فهداه ووفقه للإيمان والعمل الصالح في نفسه وأمر غيره بـه وهذا نظير رده الانسان إلى أسفل سافلين واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء المردودين
وتأمل حكمة القرآن لما قال { إن الإنسان لفي خسر } فإنـه ضيق الاستثناء وخصصه فقاله { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } ولما قال { ثم رددناه أسفل سافلين } وسع الاستثناء وع فقال { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ولم يقل { وتواصوا } فإن التواصي هو امر الغير بالإيمان والعمل الصالح وهو قدر زائد على مجرد فعله فمن لم يكن كذلك قد خسر هذا الربح فصار في خسر ولا يلزم أن يكون في أسفل سافين فإن الإنسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره فإن الأمر بالمعروف والنـهي عن المنكر مرتبة زائدة وقد تكون فرضا على الأعيان وقد تكون فرضا على الكفاية وقد تكون مستحبة
والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب والحق الذي يستحب والصبر يدخل فيه الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم يأمروا غيرهم بـه وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فمطلق الخسار شيء والخسار المطلق شيء وهو سبحانـه إنما قال { إن الإنسان لفي خسر } ومن ربح في سلعة وخسر في غيرها قد يطلق عليه أنـه في خسر وأنـه ذو خسر كما قال عبدالله بن عمرو رضي الله عنـهما : لقد قرطنا في قراريط كثيرة فهذا نوع تقريط وهو نوع خسر بالنسبة إلى من حصل ربح ذلك
ولما قال في سورة والتين { ثم رددناه أسفل سافلين } قال { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فقسم الناس إلى هذين القسمين فقط ولما كان الإنسان له قوتان قوة العلم وقوة العمل وله حالتان حالة يأتمر فيها بأمر غيره وحالة يأمر فيها غيره استثنى سبحانـه من كمل قوته العلمية بالإيمان وقوته العملية بالعمل الصالح وإنقاد لأمر غيره له بذلك وأمر غيره بـه من الانسان الذي هو في خسر فإن العبد له حالتان حالة كمال في نفسه وحالة تكميل لغيره وكماله وتكميله موقوف على أمرين : علم بالحق وصبر عليه فتضمنت الآية جميع مراتب الكمال الانساني من العلم النافع والعمل الصالح والاحسان إلى نفسه بذلك وإلى أخيه بـه وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك

ومن ذلك أقسامـه سبحانـه : { والسماء ذات البروج } التي تنزلها الشمس والقمر وفسرت بالنجوم أو نوع منـها وفسرت بالقصور العظام وكل ذلك من آيات قدرته وشواهد وحدانيته فإن السماء كرة متشابهة الأجزاء والشكل الكروي لايتميز منـه جانب عن جانب بطول ولاقصر ولاوضع بل هو متساوي الجوانب فجعل هذه البروج في هذه الكرة على اختلاف صورها وأشكالها ومقاديرها يستحيل أن توجد بغير فاعل ويستحيل أن يكون فاعلها غير قادر ولاعالم ولامريد ولاحي ولاحكيم ولامباين للمفعول وهذا ونحوه مماهدم قواعد الطبائعية والملاحدة والفلاسفة الذين لا يثبتون للعالم ربا بائنا قادرا فاعلا بالاختيار عالما بتفاصيله حكيما مدبرا له
فبروج السماء هي منازلها أو منازل السيارة التي فيها من أعظم آياته سبحانـه فلهذا أقسم بها مع السماء ثم أقسم باليوم الموعود وهو يوم القيامة وهو المقسم بـه وعليه كما أن القرآن يقسم بـه وعليه ودل على وقوع اليوم الموعود باتفاق جميع الرسل عليه وبما عرفه عباده من حكمته وعزته التي تأبى أن يتركهم سدى ويخلقهم عبثا وبغير ذلك من الآيات والبراهين التي يستدل بها سبحانـه على إمكانة تارة وعلى وقوعه تارة وعلى تنزيهه عما يقول أعداؤه من أنـه لا يأتي بـه تارة فالأقسام بـه عند من آمن بالله كالأقسام بالسماء وغيرها من الموجودات المشاهدة بالعيان
ثم أقسم سبحانـه بالشاهد والمشـهود مطلقين غير معينين وأعم المعاني فيه أنـه المدرك والمدرك والعالم والمعلوم والرائي والمرئي وهذا أليق المعاني بـه وماعداه من الأقوال ذكرت على وجه التمثيل لاعلى وجه التخصيص
فإن قيل : فما وجه الارتباط بين هذه الأمور الثلاثة المقسم بها ؟ قيل : هي بحمد الله في غاية الارتباط والأقسام بها متناول لكل موجود في الدنيا والآخرة وكل منـها آية مستقلة دالة على ربوبيته وإلهيته فأقسم بالعالم العلوي وهي السماء ومافيها من البروج التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها ثم أقسم بأعظم الأيام وأجلها قدرا الذي هو مظهر ملكه وأمره ونـهيه وثوابه وعقابه ومجمع أوليائه وأعدائه والحكم بينـهم بعلمـه وعدله ثم أقسم بما هو أعم من ذلك كله وهو الشاهد والمشـهود وناسب هذا القسم ذكر أصحاب الأخدود الذين عذبوا أولياءه وهم شـهود على ما يفعلون بهم والملائكة شـهود عليهم بذلك والأنبياء وجوارحهم تشـهد بـه عليهم وأيضا فالشاهد هو المطلع والرقيب والمخبر والمشـهود وهو المطلع عليه المخبر بـه المشاهد
فمن نوع الخليقة إلى شاهد ومشـهود وهو أقدر القادرين كما نوعها إلى مرئي لنا وغير مرئي كما قال { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون } كما نوعها إلى أرض وسماء وليل ونـهار وذكر وأنثى وهذا التنويع والاختلاف من آياته سبحانـه - كذلك نوعها إلى شاهد ومشـهود
وفيه سر آخر وهو أن من المخلوقات ماهو مشـهود عليه ولايتم نظام العالم إلا بذلك فكيف يكون المخلوق شاهدا رقيبا حفيظا على غيره ولايكون الخالق تبارك وتعالى شاهدا على عباده مطلعا عليهم رقيبا ؟
وأيضا فإن ذلك يتضمن القسم بملائكته وأنبيائه وسله فإنـهم شاهدون على العباد فسيكون من باب اتحاد المقسم بـه والمقسم عليه كما أقسم باليوم الموعود وهو المقسم بـه وعليه وأيضا فيوم القيامة مشـهود كماقال تعالى { ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشـهود } يشـهده الله وملائكته والانس والجن والوحش من آياته والمشـهود من آياته
وأيضا فكلامـه مشـهود كما قال تعالى { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشـهودا } تشـهده ملائكة الليل وملائكة النـهار فالمشـهود من أعظم آياته وكذلك الشاهد فكل ما وقع عليه اسم شاهد ومشـهود فهو داخل في هذا القسم فلا وجه لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان إلا على سبيل التمثيل
وأيضا فكتاب الأبرار في عليين يشـهده المقربون فالكتاب مشـهود والمقربون شاهدون
والأحسن أن يكون هذا القسم مستغنيا عن الجواب لأن القصة التنبيه على المقسم بـه وأنـه من آيات الرب العظيمة ويبعد أن يكون الجواب ( قتل أصحاب الأخدود ) الذين فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار ذات الوقود
ثم وصف حالهم القبيحة بأنـهم قعود على جانب الأخدود شاهدين ما يجري على عباد الله تعالى وأوليائه عيانا ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة ولا يعيبون عليهم دينا سوى إيمانـهم بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض وهذا الوصف يقتضي إكرامـهم وتعظيمـهم ومحبتهم فعاملوهم بضد ما يقتضي أن يعاملوا بـه وهذا شأن أعداء الله دائما ينقمون على أوليائه ما ينبغي أن يحبوا ويكرموا لأجله كما قال تعالى { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون } وكذلك اللوطية نقموا من عباد الله تننزيههم عن مثل فعلهم فقالوا { أخرجوهم من قريتكم إنـهم أناس يتطهرون } وكذلك أهل الأشراك ينقمون من الموحدين تجريدهم التوحيد وإخلاص الدعوة والعبودية لله وحده وكذلك أهل البدع ينقمون من أهل السنة تجريد متابعتها وترك ما خالفها وكذلك المعطلة ينقمون على أهل السنة محبتهم للصحابة جميعهم وترضيهم عنـهم وولايتهم إياهم وتقديم من قدمـه رسول الله صلى الله عليه و سلم منـه وتنزيلهم منازلهم التي أنزلهم الله ورسوله بها وكذلك أهل الرأي المحدث ينقمون على أهل الحديث وحزب الرسول أخذهم بحديثه وتركهم ماخالفه وكل هؤلاء لهم نصب وفيهم شبه من أصحاب الأخدود وبينـهم وبينـه نسب قريب أو بعيد
ثم أخبر سبحانـه أنـه أعد لهم عذاب جهنم وعذاب الحريق حيث لم يتوبوا وأنـهم لو تابوا بعد أن فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار لغفر لهم ولم يعذبهم وهذا غاية الكرم والجود قال الحسن : أنظروا إلى هذا الكرم والجود يقتلون أولياءه ويفتنونـهم وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة أنظروا إلى كرم الرب تعالى يدعوهم إلى التوبة وقد فتنوا أولياءه فحرقوهم بالنار فلا ييأس العبد من مغفرته وعفوه ولو كان منـه ماكان فلا عداوة أعظم من هذه العداوة ولا اكفر ممن حرق بالنار من آمن بالله وحده وعبده وحده ومع هذا فلو تابوا لم يعذبهم وألحقهم بأوليائه
ثم ذكر سبحانـه جزاء أوليائه المؤمنين ثم ذكر شدة بطشـه وأنـه لايعجزه شيء فإنـه هو المبدئ المعيد ومن كان كذلك فلا أشد من بطشـه وهو مع ذلك الغفور الودود يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه فهو سبحانـه الموصوف بشدة البطش ومع ذلك هو الغفور الودود المتودد إلى عباده بن الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه وهو الودود أيضا أي المحبوب قال البخاري في صحيحه : الودود الحبيب والتحقيق أن اللفظ يدل على المرين على كونـه ودا لأوليائه ومودودا لهم فأحدهما بالوضع والآخر باللزوم فهو الحبيب المحب لأوليائه يحبهم ويحبونـه وقال شعيب عليه السلام { إن ربي رحيم ودود }
وما ألطف اقتران اسم الودود بالرحيم وبالغفور فإن الرحل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه وكذلك قد يرحم من لايحب والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه ويرحمـه ويحبه مع ذلك فإنـه يحب التوابين وإذا تاب إليه عبده أحبه ولوكان منـه ماكان
ثم قال ( ذو العرش ) فأضاف العرش إلى نفسه كما تضاف إليه الأشياء العظيمة الشريفة وهذا يدل على عظمة العرش وقربه منـه سبحانـه واختصاصه بـه بل يدل على غاية القرب والاختصاص كمايضيف إلى نفسه بذو صفاته القائمة بـه كقوله { ذو القوة } { ذو الجلال والإكرام } ويقال : ذو العزة وذو الملك وذو الرحمة ونظائر ذلك فلو كان حظ العرض منـه حظ الأرض السابعة لكان لافرق أن يقال : ذو العرش وذو الأرض
ثم وصف نفسه بالمجيد وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها وعدم إحصاء الخلق لها وسعة أفعاله وكثرة خيره ودوامـه وأما من ليس له صفات كمال ولا أفعال حميدة فليس له من المجد شيء والمخلوق إنما يصير مجيدا بأوصافه وأفعاله فكيف يكون الرب تبارك وتعالى مجيدا وهو معطل عن الأوصاف والأفعال ؟ تعالى الله عما يقول المعطلون علوا كبيرا بل هو المجيد الفعال لما يريد والمجد في لغة العرب كثرة أوصاف الكمال وكثرة أفعال الخير وأحسن ما قرن اسم المجيد إلى الحميد كما قالت الملائكة لبيت الخليل عليه السلام { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنـه حميد مجيد } وكما شرع لنا في آخر الصلاة أن نثني على الرب تعالى بأنـه حميد مجيد وشرع في آخر الركعة عند الاعتدال أن نقول ربنا ولك الحمد أهل الثناء والمجد فالحمد والمجد على الاطلاق لله الحميد المجيد فالحميد الحبيب المستحق لجميع صفات الكمال والمجيد العظيم الواسع القادر الغني ذو الجلال والإكرام
ومن قرأ ( المجيد ) بالكسر فهو صفة لعرشـه سبحانـه وإذا كان عرشـه مجيدا فهو سبحانـه أحق بالمجد وقد استشكل هذه القراءة بعض الناس وقال : لم يسمع في صفات الخلق مجيد ثم خرجها على أحد الوجهين إما الجوار وإما أن يكون صفة لربك وهذا من قلة بضاعة هذا القائل فإن الله سبحانـه مطابق وصف عرشـه بالكرم وهو نظير المجد ووصفه بالعظمة فوصفه سبحانـه بالمجد مطابق لوصفه بالعظمة والكرم بل هو أحق المخلوقات أن يوصف بذلك لسعته وحسنـه وبهاء منظره فإنـه أوسع كل شيء في المخلوقات وأجمله وأجمعه لصفات الحسن وبهاء المنظر وعلو القدر والرتبة والذات ولايقدر قدر عظمته وحسنـه وبهاء منظره إلا الله ومجده مستفاد من مجد خالقه ومبدعه والسموات السبع والأرضون السبعون في الكرسي - الذي بين يديه - كحلقة ملقاة في أرض فلاة والكرسي فيه كتلك الحلقة في الفلاة قال ابن عباس : السموات السبع في العرش كسبعة دراهم جعلن في ترس فكيف لا يكون مجيدا وهذا شأنـه فهو عظيم كريم مجيد وأما تكلف هذا المتكلف جره إلى الجوار أو أنـه صفة لربك فتكلف شديد وخروج عن المألوف في اللغة من غير حاجة إلى ذلك
وقوله { فعال لما يريد } دليل على أمور ( أحدها ) انـه سبحانـه يفعل بإرادته ومشيئته ( الثاني ) انـه لم يزل كذلك لأنـه لم يزل كذلك لأنـه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه وأن ذلك من كماله سبحانـه فلا يجوز أن يكون عادما لهذا الكمال في وقت من الأوقات وقد قال تعالى { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } وما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثا بعد أن لم يكن ( الثالث ) أنـه إذا أراد شيئا فعله فإن ما موصولة عامة أي يفعل كل ما يريد أن يفعله وهذا في إرادته المتعلقة بفعله وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شأن آخر فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينـه ويجعله فاعلا لم يوجد الفعل فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينـه ويجعله فاعلا لم يوجد الفعل وإن أراده حتى يريده من نفسه أن يجعله فاعلا وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية وخبطوا في مسألة القدر لغفلتهم عنـها فإن هنا إرادتين : إرادة أن يفعل العبد وإرادة أن يجعله الرب فاعلا وليستا متلازمتين وإن لزم من الثانية الأولى من غير عكس فمتى أراد من نفسه أن يعين عبده وأن يخلق له أسباب الفعل فقد أراد فعله وقد يريد فعله ولا يريد من نفسه أن يخلق له أسباب الفعل فلا يوجد الفعل
فإن اعتاص عليك فهم هذا الموضع وأشكل عليك فانظر إلى قول النبي صلى الله عليه و سلم حاكيا عن ربه قوله للعبد يوم القيامة [ قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب أبيك : أن لاشرك بي شيئا ] ولم يقع هذا المراد لأنـه لم يرد من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له
( الرابع ) أن فعله سبحانـه وإرادته متلازمان فما أراد أن يفعله فعله وما فعله فقد أراده بخلاف المخلوق فإنـه يريد مالايفعل وقد يفعل مالا يريد فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده
( الخامس ) إثبات إرادة متعددة بحسب الأفعال وأن كل فعل له إرادة تخصه وهذا هو المعقول في الفطر وهو الذي يفعله الناس من الإرادة فشأنـه تعالى أن يريد على الدوام ويفعل ما يريد
( السادس ) أن كل ما صلح أن تتعلق بـه إرادته جاز فعله فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء وأن يرى نفسه لعباده وأن يتجلى لهم كيف شاء وأن يخاطبهم ويضحك إليهم وغير ذلك مما يريد سبحانـه لم يمتنع عليه فعله فإنـه فعال لما يريد وإنما تتوقف صحة ذلك على إخبار الصادق بـه فإذا أخبر بـه وجب التصديق بـه وكان رده ردا لكماله الذي اخبر بـه عن نفسه وهذا عين الباطل وكذلك إذا أمكن إرادته سبحانـه محو ما شاء وإثبات ما شاء أمكن فعله وكانت الإرادة والفعل من مقتضيات كماله المقدس
وقد اشتملت هذه السورة على اختصارها من التوحيد على وصفه سبحانـه بالعزة المتضمنة للقدرة والقوة وعدم النظير والحمد المتضمن لصفات الكمال والتنزيه عن اضدادها مع محبته وإلهيته وملكه السموات والأرض المتضمن لكمال غناه وبواطنـها وإحاطة بصره بمرئياتها وسمعه بمسموعاتها وعلمـه بمعلوماتها ووصفه بشدة البطش المتضمن لكمال القوة والعزة والقدرة وتفرد بالإبداء والإعادة المتضمن لتوحيد ربوبيته وتصرفه في المخلوقات بالإبداء والإعادة وانقيادها لقدرته فلا يستعصى عليه منـها شيء ووصفه بالمغفرة المتضمن لكمال جوده وإحسانـه وغناه ورحمته ووصفه بالودود المتضمن لكونـه حبيبا إلى عباده محبا لهم ووصفه بأنـه ذو العرش الذي لا يقدر قدره سواه وأن عرشـه المختص بـه لا يليق بغيره أن يستوى عليه ووصفه بالمجد المتضمن لسعة العلم والقدرة والملك والغنى والجود والإحسان والكرم وكونـه فعالا لما يريد المتضمن لحياته وعلمـه وقدرته ومشيئته وحكمته وغير ذلك من أوصاف كماله
فهذه السورة كتاب مستقل في أصول الدين تكفي من فهمـها
فالحمد لله الذي انزل على عبده الكتاب وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده
ثم ختمـها بذكر فعله وعقوبته بمن أشرك بـه وكذب رسله تحذيرا لعباده من سلوك سبيلهم وأن من فعل فعلهم فعل بـه كما فعل بهم ثم اخبر عن أعدائه بأنـهم مكذبون بتوحيده ورسالاته مع كونـهم في قبضته وهو محيط بهم ولا أسوأ حالا ممن عادى من هو في قبضته ومن هو قادر عليه من كل وجه وبكل اعتبار فقال { بل الذين كفروا في تكذيب * والله من ورائهم محيط } فهذا أعجب عجب ممن كفر بمن هو محيط بـه وآخذ بناصيته قادر عليه ثم وصف كلامـه بأنـه مجيد وهو أحق بالمجد من كل كلام كما ان المتكلم بـه له المجد كله فهو المجيد وكلامـه مجيد وعرشـه مجيد قال ابن عباس رضي الله عنـهما : قرآن مجيد كريم لأن كلام الرب ليس كما يقول الكافرون : شعر وكهانة وسحر وقد تقدم أن المجد السعة وكثرة الخير وكثرة خير القرآن لا يعلمـها إلا من تكلم به
وقوله { في لوح محفوظ } اكثر القراء على الجر صفة للوح وفيه إشارة إلى أن الشياطين لا يمكنـهم التنزل بـه لأن محله محفوظ أن يصلوا إليه وهو في نفسه محفوظ أن يقدر الشيطان على الزيادة فيه والنقصان فوصفه سبحانـه بأنـه محفوظ في قوله { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ووصف محله بالحفظ في هذه السورة فالله سبحانـه حفظ محله وحفظه من الزيادة والنقصان والتبديل وحفظ معانيه من التحريف كماحفظ ألفاظه من التبديل وأقام له من يحفظ حروفه من الزيادة والنقصان ومعانيه من التحريف والتغيير

ومن ذلك أقسامـه سبحانـه بـ { والسماء والطارق } وقد فسره بأنـه { النجم الثاقب } الذي يثقب ضوؤه والمراد بـه الجنس لا نجم معين ومن عينـه بأنـه الثريا أوزحل فإن أراد التمثيل فصحيح وإن أراد التخصيص فلا دليل عليه
والمقصود أنـه سبحانـه أقسم بالسماء ونجومـها المضيئة وكل منـها آية من آياته الدالة على وحدانيته وسمى النجم طارقا لأنـه يظهر بالليل بعد اختفائه بضوء الشمس فشبه بالطارق الذي يطرق الناس أو أهلا ليلا قال الفراء : ما أتاك ليلا فهو طارق وقال الزجاج والمبرد : لا يكون الطارق نـهارا ولهذا تستعمل العرب الطروق في صفة الخيال كثيرا كما قال ذو الرمة :
( ألا طرقت مي هيوما بذكرها وأيدي الثريا جنح بالمغارب )
وقال جرير :
( طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة فارجعي بسلام )
ولهذا قيل : أول من رد الطيف جرير فلم يزل الناس على قبوله وإكرامـه كالضيف فالطيف والضيف كلاهما لايرد وقال الآخر :
( ألا طرقت من آخر الليل زينب عليك سلام هل لما فات مطلب ؟ )

والمقسم عليه ههنا حال النفس الإنسانية والاعتناء بها وإقامة الحفظة عليها وأنـها لم تترك سدى بل قد أرصد عليها من يحفظ عليها أعمالها ويحصيها فأقسم سبحانـه أنـه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها ويحصي ما تكتسب من خير أو شر
واختلف القراء في لما فشددنا بعضهم وخففها بعضهم فمن قرأها بالتشديد جعلها بمعنى إلا وهي تكون بمعنى إلا في موضعين ( أحدهما ) بعد إن المخففة مثل هذا الموضع أو المثقلة مثل قوله { وإن كلا لما ليوفينـهم ربك أعمالهم } ( والثاني ) في باب القسم نحو سألتك بالله لما فعلت قال أبو علي الفارسي : من خفف كانت عنده هي المخففة من الثقيلة واللام في خبرها هي الفارقة بين إن النافية والخفيفة وما زائدة وإن هي التي يتلقى بها القسم كما يتلقى بالمثقلة
ومن قرأها مشددة كانت إن عنده نافية بمعنى ما ولما في معنى إلا قال سيبويه عن الخليل - في قولهم : نشدتك بالله لما فعلت - قال المعنى : إلا فعلت
ثم نبه سبحانـه الانسان على دليل المعاد بما يشاهده من حال مبدئه على طريقة القرآن في الاستدلال على المعاد بالمبدأ فقال { فلينظر الإنسان مم خلق } أي فلينظر نظر الفكر والاستدلال ليعلم أن الذي ابتدأ أول خلقه من نطفة قادر على إعادته
ثم أخبر سبحانـه أنـه خلقه من ماء ق والدفق صب الماء يقال دفقت الماء فهو مدفوق وق ومندفق فالمدفوق الذي وقع عليه فعلك كالكسور والمضروب والمندفق المطاوع لفعل الفاعل تقول دفقته فاندفق كماتقول كسرته فانكسر والق قيل إنـه فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم وعيشة راضية وقيل : هو على النسب لا على الفعل أي ذي دفق أو ذات ولم يرد الجريان على الفعل وقيل - وهو الصواب - إنـه اسم فاعل على بابه ولا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعل الدفق فإن اسم الفاعل هو من قام بـه الفعل سواء فعله هو أو غيره كما يقال : ماء جار ورجل ميت وإن لم يفعل الموت بل لما قام بـه من الموت نسب إليه على جهة الفعل وهذا غير منكر في لغة أمة من الأمم فضلا عن أوسع اللغات وأفصحها وأما العيشة الراضية فالوصف بها أحسن من الوصف بالمرضية فإنـها اللائقة بهم فشبه ذلك برضاها بهم كما رضوابها كأنـها رضيت بهم ورضوا بها وهذا أبلغ من مجرد كونـها مرضية فقط فتأمله وإذا كانوا يقولون : الوقت الحاضر والساعة الراهنة - وإن لم يفعلا ذلك فكيف يمتنع أن يقولوا ماء ق وعيشة راضية ؟
ونبه سبحانـه بكونـه قا على أنـه ضعيف غير متماسك ثم ذكر محله الذي يخرج منـه وهو بين الصلب والترائب قال ابن عباس : صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع القلادة من صدرها والولد يخلق من المائين جميعا وقيل : صلب الرجل وترائبه وهي صدره فيخرج من صلبه وصدره وهذه الآية الدالة على قدرة الخالق سبحانـه نظير إخراجه اللبن الخالص من بين الفرث والدم
ثم ذكر الأمر المستدل عليه والمعاد بقوله { إنـه على رجعه لقادر } أي على رجعه إليه يوم القيامة كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنـه هذا هو الصحيح في معنى الآية وفيها قولان ضعيفان ( أحدهما ) قول مجاهد : على رد الماء في الاحليل لقادر ( والثاني ) قول عكرمة والضحاك على رد الماء في الصلب وفيه قول ثالث قال مقاتل : إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا إلى النطفة
والقول الصواب هو الأول لوجوه ( أحدهما ) أنـه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد ( الثاني ) أن ذلك أدل على المطلوب من القدرة على رد الماء في الاحليل ( الثالث ) أنـه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانـه الدليل عليه ( الرابع ) أنـه قيد الفعل بالظرف وهو قوله { يوم تبلى السرائر } وهو يوم القيامة أي ان الله قادر على رجعه إليه حيا في ذلك اليوم ( الخامس ) أن الضمير في ( رجعه ) هو الضمير في قوله { فما له من قوة ولا ناصر } وهذا للانسان قطعا لا للماء ( السادس ) أنـه لاذكر للاحليل حتى يتعين كون المرجع إليه فلو قال قائل : على رجعه إلى الفرج الذي صب فيه لم يكن فرق بينـه وبين هذا القول ولم يكن أولى منـه ( السابع ) أن رد الماء إلى الاحليل أو الصلب بعد خروجه منـه غير معروف ولا هو أمر معتاد جرت بـه القدرة وإن كان مقدورا للرب تعالى ولكن هو لم يجره ولم تجر بـه العادة ولا هو مما تكلم الناس فيه نفيا أو إثباتا ومثل هذا لا يقرره الرب ولا يستدل عليه وينبه على منكريه وهو سبحانـه إنما يستدل على امر واقع ولابد إما قد وقع ووجد أو سيقع
فإن قيل : فقد قال تعالى { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامـه * بلى قادرين على أن نسوي بنانـه } أي نجعله كخف البعير قيل : هذه أيضا فيها قولان ( أحدهما ) ( والثاني ) - وهو الأرجح - أن تسوية بنانـه إعادتها كماكانت بعد مافرقها البلى في التراب
( الثامن ) أنـه سبحانـه دعا الانسان إلى النظر فيما خلق منـه ليرده نظره عن تكذيبه بما أخبر بـه وهو لم يخبره بقدرة خالقه على رد الماء في إحليله بعد مفارقته له حتى يدعوه إلى النظر فيما خلق منـه ليستقبح منـه صحة إمكان رد الماء ( التاسع ) أنـه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه ورد الماء في الاحليل بعد خروجه ولاتلازم بينـهما حتى يجعل أحدهما دليلا على إمكان الآخر بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد والخلق الأول والخلق الثاني والنشأة الأولى والنشأة الثانية فإنـه ارتباط من وجوه عديدة ويلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر ومن وقوعه صحة وقوع الآخر فحسن الاستدلال بأحدهما على الآخر
( العاشر ) أنـه سبحانـه نبه بقوله { إن كل نفس لما عليها حافظ } على أنـه قد وكل عليه من يحفظ عليه عمله ويحصيه فلا يضيع منـه شيء ثم نبه بقوله : { إنـه على رجعه لقادر } على بعثه لجزائه على العمل الذي حفظ وأحصى عليه فذكر شأن مبدأ عمله ونـهايته فمبدؤه محفوظ عليه ونـهايته الجزاء عليه ونبه على هذا بقوله { يوم تبلى السرائر } أي تختبر وقال مقاتل : تظهر وتبدو وبلوت الشيء إذا اختبرته ليظهر لك باطنـه وما خفى منـه والسرائر جمع سريرة وهي سرائر الله التي بينـه وبين عبده في ظاهره وباطنـه لله فالايمان من السرائر وشرائعه من السرائر فتختبر ذلك اليوم حتى يظهر خيرها من شرها ومؤديها من مضيعها وما كان لله مما لم يكن له قال عبدالله بن عمر رضي الله عنـهما : يبدي الله يوم القيامة كل سر فيكون زينا في الوجوه وشينا فيها والمعنى تختبر السرائر بإظهارها وإظهار مقتضياتها من الثواب والعقاب والحمد والذم
وفي التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة وهو أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحا فتبدو سريرته على وجهه نورا وإشراقا وحياء ومن كانت سريرته فاسدة كان علمـه تابعا لسريرته لا اعتبار بصورته فتبدو سريرته على وجهه سوادا وظلمة وشيئا وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته فيوم القيامة تبدو عليه سريرته ويكون الحكم والظهور لها قال الشاعر :
( فان لها في مضمر القلب والحشا سريرة حب يوم تبلى السرائر )
ثم أخبر سبحانـه عن حال الانسان في يوم القيامة أنـه غير ممتنع من عذاب الله لا بقوة منـه ولا بقوة من خارج وهو الناصر فإن العبد إذا وقع في شدة فإما أن يدفعها بقوته أوقوة من ينصره وكلاهما معدوم في حقه ونظيره قوله سبحانـه { لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون }
ثم أقسم سبحانـه بـ { والسماء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع } فأقسم بالسماء ورجعها بالمطر والأرض وصدعها بالنبات قال الفراء : تبدى بالمطر ثم ترجع بـه في كل عام وقال أبو إسحق : الرجع المطر لأنـه يجيء ويرجع ويتكرر وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنـهما : تبدى بالمطر ثم ترجع بـه في كل عام والتحقيق أن هذا على وجه التمثيل ورجع السماء هو إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعا أي تعطيه مرة بعد مرة والخير كله من قبل السماء يجيء ولما كان أظهر الخير المشـهود بالعيان المطر فسر الرجع بـه وحسن تفسيره بـه ومقابلته بصدع الأرض عن النبات وفسر الصدع بالنبات لأنـه يصدع الأرض أي يشقها فأقسم سبحانـه بالسماء ذات المطر والأرض ذات النبات وكل من ذلك آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته
وأقسم على كون القرآن حقا وصدقا فقال { إنـه لقول فصل * وما هو بالهزل } كما أقسم في أول السورة على حال الانسان في مبدئه ومعاده والقول الفصل هو الذي يفصل بين الحق والباطل فميز هذا من هذا ويفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ومصيب الفصل الذي ينفصل عنده المراد ويتميز من غيره كما قال : أصاب الفصل وأصاب المرء إذا أصاب بكلامـه نفس المعنى المراد ومنـه فصل الخطاب وأيضا فالقول الفصل ببيان المعنى ضد الاجمال فكون القرآن فصلا يتضمن هذه المعاني كلها ويتضمن كونـه حقا ليس بالباطل وجدا ليس بالهزل ولما كان الهزل هو الذي لا حقيقة له - وهو الباطل واللعب - قابل بين الفصل والهزل وإنما يكيد المكذبون ويحيلون ويخادعون لرده ولا يردونـه بحجة والله يكيدهم كما يكيدون دينـه ورسوله وعباده وكيده سبحانـه استدراجهم من حيث لا يعلمون والاملاء لهم حتى يأخذهم على غرة كما قال تعالى { وأملي لهم إن كيدي متين } فالانسان إذا أراد أن يكيد غيره يظهر له إكرامـه وإحسانـه إليه حتى يطمئن إليه فيأخذه كما يفعل الملوك فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ودينـه كان كيد الله لهم حسنا لاقبح فيه فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة
ثم قال { فمـهل الكافرين أمـهلهم رويدا } أي أنظرهم قليلا ولا تستعجل لهم والرب تعالى هو الذي يمـهلهم وإنما خرج الخطاب للرسول على جهة التهديد والوعيد لهم أو على معنى انتظر بهم قليلا ورويدا في كلامـهم يكون اسم فعل فينصب بها الاسم نحو رويدا زيدا أي خله وأمـهله وارفق بـه : الثاني أن يكون مصدرا مضافا إلى المفعول نحو رويد زيد أي إمـهال زيد نحو ضرب الرقاب الثالث أن يكون نعتا منصوبا نحو قولك : ساروا رويدا تقول العرب : ضعه رويدا أي وضعا رويدا وفي حديث عائشة في خروج النبي صلى الله عليه و سلم بالليل من عندها إلى البقيع [ فخرج رويدا وأجاف الباب رويدا ] ويجوز في هذا الوجه وجهان : أحدهما أن يكون حالا والثاني أن يكون نعتا لمصدر محذوف فإن اظهرت المنعوت تعين الوجه الثاني ورويدا في هذه الآية هو من هذا النوع الثالث والله أعلم

ومن ذلك أقسامـه بـ { الشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق } فأقسم بثلاثة أشياء متعلقة بالليل ( أحدها ) الشفق وهو في اللغة الحمرة بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة وكذلك هو في الشرع قال الفراء والليث والزجاج وغيرهم : الشفق الحمرة في السماء أصل موضوع الحرف لرقة الشيء ومنـه شيء لا تماسك له لرقته ومنـه الشفقة وهو الرقة وأشفق عليه إذا رقه له وأهل اللغة يقولون : الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها ولهذا كان الصحيح أن الشفق الذي يدخل وقت العشاء الآخرة بغيبوبته هو الحمرة فإن الحمرة لما كانت بقية ضوء الشمس جعل بقاؤها حدا لوقت المغرب فإذا ذهبت الحمرة بعدت الشمس عن الأفق فدخل وقت العشاء وأما البياض فإنـه يمتد وقته بطول لبثه ويكون حاصلا مع بعد الشمس عن الأفق ولهذا صح عن ابن عمر رضي الله عنـهما أنـه قال : الشفق الحمرة والعرب تقول : ثوب مصبوغ كأنـه الشفق إذا كان أحمر حكاه الفراء وكذلك قال الكلبي : الشفق الحمرة التي تكون في المغرب وكذلك قال مقاتل : هو الذي يكون بعد غروب الشمس في الأفق قبل الظلمة وقال عكرمة : هو بقية النـهار وهذا يحتمل أن يريد بـه أن تلك الحمرة بقية ضوء الشمس التي هي آية النـهار وقال مجاهد : هو النـهار كله وهذا ضعيف جدا وكأنـه لما رآه قابله بالليل وما وسق ظن أنـه النـهار وهذا ليس بلازم
( الثاني ) قسمـه بالليل وما وسق أي وما ضم وحوى وجمع والليل وما ضمـه وحواه آية أخرى والقمر آية واتساقه آية أخرى والشفق يتضمن إدبار النـهار وهو آية وإقبال الليل وهو آية أخرى فإن هذا إذا أدبر خلفه الآخر يتعاقبان لمصالح الخلق فإدبار النـهار آية وإقبال الليل آية وتعقب أحدهما الى آخر آية والشفق الذي هو متضمن الأمرين آية والليل - آية وما حواه آية والهلال آية وتزايده كل ليلة آية واتساقه - وهو امتلاؤه نورا - آية ثم أخذه في النقص آية وهذه وأمثالها آيات دالة على ربوبيته مستلزمة للعلم بصفات كماله ولهذا شرع - عند إقبال الليل وإدبار النـهار - ذكر الرب تعالى بصلاة المغرب وفي الحديث [ اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نـهارك وأصوات دعائك وحضور صلواتك اغفر لي ] كما شرع ذكر الله بصلاة الفجر عند إدبار الليل وإقبال النـهار ولهذا يقسم سبحانـه بهذين الوقتين كقوله { والليل إذ أدبر * والصبح إذا أسفر } وهو يقابل إقسامـه بالشفق : ونظيره إقسامـه بـ { والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس }
ولما كان الرب تبارك وتعالى يحدث عن كل واحد من طرفي إقبال الليل والنـهار وإدبارهما ما يحدثه ويبث من خلقه ما شاء فينشر الأرواح الشيطانية عند إقبال الليل وينشر الأرواح الإنسانية عند إقبال النـهار فيحدث هذا الانتشار في العالم أثره - شرع سبحانـه في هذين الوقتين هاتين الصلاتين العظيمتين مع ما في ذلك من ذكره عند هاتين الآيتين المتعاقبتين وعند انصرام إحداهما واتصال الأخرى بها مع ما بينـهما من التضاد والاختلاف وانتقال الحيوان عند ذلك من حال إلى حال ومن حكم إلى حكم وذلك مبدأ ومعاد يومي مشـهود للخليقة كل يوم وليلة فالحيوان والنبات في مبدأ ومعاد وزمان العالم في مبدأ ومعاد { أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير }

وقوله { لتركبن طبقا عن طبق } الظاهر أنـه جواب القسم ويجوز أن يكون من القسم المحذوف جوابه ولتركبن وما بعده مستأنف
وقرئ ( لتركبن ) بضم الباء للجمع وبفتحها فمن فتحها فالخطاب عنده للإنسان أي لتركبن أيها الإنسان وقيل هو النبي صلى الله عليه و سلم خاصة وقيل : ليست التاء للخطاب ولكنـها للغيبة أي لتركبن السماء طبقا عن طبق ومن ضمـها فالخطاب للجماعة ليس إلا فمن جعل الكناية للسماء قال : المعنى لتركبن السماء حالا بعد حال من حالاتها التي وصفها الله تعالى من الانشقاق والانفطار والطي وكونـها كالمـهل مرة وكالدهان مرة ومورانـها وتفتحها وغير ذلك من حالاتها وهذا قول عبدالله بن مسعود رضي الله عنـه ودل على السماء ذكر الشفق والقمر وعلى هذا فيكون قسما على المعاد وتغيير العالم
ومن قال الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم فله ثلاث معان : لتركبن سماء بعد سماء حتى تنتهي إلى حيث يصعدك الله هذا قول ابن عباس في رواية مجاهد وقول مسروق والشعبي قالوا : والسماء طبق ولهذا يقال للسماوات السبع الطباق والمعنى الثاني لتصعدن درجة بعد درجة ومنزلة بعد منزلة ورتبة بعد رتبة حتى تنتهي إلى محل القرب والزلفى من الله والمعنى الثالث لتركبن حالا بعد حال من الأحوال المختلفة التي نقل فيها رسوله صلى الله عليه و سلم من الهجرة والجهاد ونصره على عدوه وإدالة العدو عليه تارة وغناه وفقره وغير ذلك من حالاته التي تنقل فيها إلى أن بلغ ما بلغه إياه
ومن قال : الخطاب للإنسان أو لجملة الناس فالمعنى واحد وهو تنقل الإنسان حالا بعد حال من حيث كونـه نطفة إلى مستقره من الجنة أو النار فكم بين هذين من الأطباق والأحوال للإنسان
وأقول المفسرين كلها تدور على هذا قال ابن عباس رضي الله عنـهما : لتصيرن الأمور حالا بعد حال وقيل لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى كونـه حيا إلى خروجه إلى هذه الدار ثم ركوبه طبق التمييز بين ما ينفعه ويضره ثم ركوبه بعد ذلك طبقا آخر وهو طبق البلوغ ثم ركوبه طبق الأشد ثم طبق الشيخوخة ثم طبق الهرم ثم ركوبه طبق ما بعد الموت في البرزخ وركوبه في أثناء هذه الأحوال أطباقا عديدة لا يزال ينتقل فيها حالا بعد حال إلى دار القرابة فذلك آخر أطباقه التي يعلمـها العباد ثم يفعل الله سبحانـه بعد ذلك ما يشاء
واختار أبو عبيدة قراءة الضم وقال : المعنى بالناس أشبه منـه بالنبي صلى الله عليه و سلم فإنـه ذكر قبل الآية من يؤتى كتابه بيمينـه ومن يؤتى كتابه بشماله ثم ذكر بعدها قوله { فما لهم لا يؤمنون ؟ } فذكر كونـهم طبقا بعد طبق قال الواحدي : وهذا قول أكثر المفسرين قالوا : لتركبن حالا بعد حال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أمر قال سعيد بن جبير وابن زيد : لتكونن في الآخرة بعد الأولى ولتصيرن أغنياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى وقال عطاء : شدة بعد شدة وقال أبو عبيدة لتركبن سنة من كان قبلكم في التكذيب والاختلاف على الرسل
وأنت إذا تأملت هذا المقسم بـه والمقسم عليه وجدته من أعظم الآيات الدالة على الربوبية وتغيير الله سبحانـه للعالم وتصريفه له كيف أراد ونقله إياه من حال إلى حال وهذا محال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون فاعله غير قادر ولاحي ولا مريد ولاحكيم ولا عليم وكلاهما في الامتناع سواء
فالمقسم بـه وعليه من أعظم الأدلة على ربوبيته وتوحيده وصفات كماله وصدقه وصدق رسله وعلى المعاد ولهذا عقب ذلك بقوله { فما لهم لا يؤمنون } إنكارا على من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزمة لمدلولها أتم استلزام وأنكر عليهم عدم خضوعهم وسجودهم للقرآن المشتمل على ذلك بأفصح عبارة وأبينـها وأجزلها و أوجزها فالمعنى أشرف معنى والعبارة أشرف عبارة : غاية الحق بغاية البيان والفصاحة
{ بل الذين كفروا يكذبون } ولا يصدقون بالحق جحودا وعنادا { والله أعلم بما يوعون } بما يضمرون في صدروهم ويكتمونـه وما يسرونـه من أعمالهم وما يجمعونـه فيجازيهم عليه بعلمـه وعدله { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون }
( 22 ) فصل
ومن ذلك قوله سبحانـه { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس } أقسم سبحانـه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانـها وغروبها هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب

ومن ذلك قوله سبحانـه { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس } أقسم سبحانـه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانـها وغروبها هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب
والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنـه سمي الشيطان خناسا لانقباضه وانكماشـه حين يذكر العبد ربه ومنـه قول أبي هريرة فانخنست والكنس جمع كانس وهو الداخل في كناسه أي في بيته ومنـه تكنست المرأة إذا دخلت في هودجها ومنـه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها
والجواري جمع جارية كغاشية و غواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنـه : النجوم تخنس بالنـهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم قالوا : الكواكب تخنس بالنـهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس - على هذا القول - تتأخر عن البصر وتتوارى عنـه بإخفاء النـهار لها وفيه قول آخر وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها راجعة وعلى هذا فهو قسم أن خنوسها و كنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها وهذا قول الزجاج
ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانـه بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الاختفاء بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيا : أنـه قد خنس فذكر سبحانـه جريانـها وغروبها صريحا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانـها الذي مبدؤه الطلوع فالطلوع أول جريانـها
فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانـها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ربوبيته
وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه ( أحدها ) أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة ( الثاني ) اشتراك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان ( الثالث ) أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات ( الرابع ) إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء قال الواحدي هو من الخنس في الأنف وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء والظبي أخنس ومنـه سميت الخنساء لخنس أنفها ومعلوم أن هذا امر خفي يحتاج إلى تامل وأكثر الناس لا يعرفونـه وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها الخلائق وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر ( الخامس ) أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوى فيه ولا اظهر منـه حتى يتعين للقسم ( السادس ) أنـه لو كان جمعا للظبي لقال الخنس - بالتسكين - لأنـه جمع أخنس فهو كأحمر وحمر ولو أريد بـه جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضا كخمراء وحمر فلما جاء جمعه على فعل - بالتشديد - استحال أن يكون جمعا لواحد من الظباء والبقر وتعين أن يكون جمعا لخانس كشاهد وشـهد وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها ( السابع ) أنـه ليس بالبين أقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف القرآن ولاعادته وإنما يقسم سبحانـه من كل جنس بأعلاه كما أنـه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الإنسانية ولما أقسم بكلامـه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومـها ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفها وهو الليالي العشر وإذا أراد سبحانـه أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم كقوله { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون } وقوله { الذكر والأنثى } في قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحو ذلك ( الثامن ) أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنـها النجوم وإلا فليس باللائق اقتران البقر والغزلان والليل والصبح في قسم واحد ؟ وبهذا احتج أبو إسحاق على أنـهار النجوم فقال : هذا أليق بذكر النجوم منـه بذكر الوحش ( التاسع ) أنـه لو أراد ذلك سبحانـه لبينـه وذكر ما يدل عليه كما أنـه لما أراد بالجواري السفن قال { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام } وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على أنـها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنـها النجوم من الوجوه التي ذكرناها وغيرها ( العاشر ) أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين و رجوم للشياطين وبين المقسم عليه - وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين وزينة للقلوب وداحض لشبهات الشيطان - أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن والله أعلم

واختلف في عسعسة الليل هل هي إقباله أم إدباره ؟ فالأكثر ون على أن عسعس بمعنى ولى وذهب وأدبر هذا قول علي وابن عباس وأصحابه قال الحسن : أقبل بظلامـه وهو إحدى الروايتين عن مجاهد
فمن رجح الإقبال قال : أقسم الله سبحانـه وتعالى بإقبال الليل وإقبال النـهار فقوله { والصبح إذا تنفس } مقابل لليل إذا عسعس قالوا : ولهذا أقسم الله بـ { والليل إذا يغشى * والنـهار إذا تجلى } وبالضحى قالوا فغشيان الليل نظير عسعسته وتجلى النـهار نظير تنفس الصبح إذ هو مبدؤه وأوله
ومن رجح أنـه إدباره احتج بقوله تعالى { كلا والقمر * والليل إذ أدبر * والصبح إذا أسفر } فأقسم بإدبار الليل وإسفار الصبح وذلك نظير عسعسة الليل وتنفس الصبح قالوا : والأحسن أن يكون القسم بانصرام الليل وإقبال النـهار فإنـه عقيبه من غير فصل فهذا أعظم في الدلالة والعبرة بخلاف إقبال الليل وإقبال النـهار فإنـه لم يعرف القسم في القرآن بهما ولأن بينـهما زمنا طويلا فالآية في انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فصل أبلغ فذكر سبحانـه حالة ضعف هذا و إدباره و حالة قوة هذا وتنفسه وإقباله يطرد ظلمة الليل بتنفسه فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه وهذا هو القول والله أعلم

ثم ذكر سبحانـه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنـه قول رسول كريم وهو ههنا جبريل قطعا لأنـه ذكر صفته بعد ذلك بما يعنيه بـه وأما الرسول الكريم في الحاقة فهو محمد صلى الله عليه و سلم لأنـه نفى بعده أن يكون قول من زعم من أعدائه أنـه قوله فقال { وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون } فأضافه إلى الرسول الملكي تارة وإلى البشرى تارة وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده وإلا تناقصت النسبتان ولفظ الرسول يدل على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله وهذا صريح في أنـه كلام من أرسل جبريل ومحمدا صلى الله عليه و سلم وأن كلا منـهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغا وقول الله الذي تكلم بـه حقا فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلما بالقرآن وهو كلامـه حقا في هاتين الآيتين بل هما من أظهر الأدلة على كونـه كلام الرب تعالى وأنـه ليس للرسولين الكريمين منـه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد صلى الله عليه و سلم سمعه من جبريل
ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنـه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع في السموات أمين فهذه خمس صفات تتضمن تذكية سند القرآن وأنـه سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين فناهيك بهذا السند علوا وجلالة : قول الله سبحانـه بنفسه تزكيته
الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء بـه إلى محمد صلى الله عليه و سلم كريما ليس كما يقول أعداؤه : إن الذي جاء بـه شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح المنظر عديم الخير باطنـه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنـه وليس فيه ولا عنده خير فهو أبعد شيء عن الكرم والرسول الذي أ لقى القرآن إلى محمد صلى الله عليه و سلم كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه على يده وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي
الوصف الثاني أنـه ذو قوة كما قال في موضع آخر { علمـه شديد القوى } وفي ذلك تنبيه على أمور :
( أحدها ) أنـه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منـه وأن ينالوا منـه شيئا وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منـه بل إذا رآه الشيطان هرب منـه ولم يقربه
( الثاني ) أنـه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما قال تعالى { وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير } ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانـه ومعلمـه فهو المـهدي المنصور والله هاديه وناصره
( الثالث ) أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك
( الرابع ) أنـه قادر على تنفيذ ما أمر بـه لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما أمر بـه لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها الوي عليه الأمين على فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قويا أمينا معظما ذا مكانة عنده مطاعا في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل على عظمة شان المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين فإن الملوك لا ترسل في مـهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية
وقوله { عند ذي العرش مكين } أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب الملائكة إليه وفي قوله { عند ذي العرش } إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان قريبا من ذي العرش سبحانـه
وفي قوله ( مطاع ثم ) إشارة إلى أن جنوده وأعوانـه يطيعونـه إذا ندبه لنصر صاحبه وخليله محمد صلى الله عليه و سلم وفيه إشارة أيضا إلى أن هذا الذي تكذبونـه وتعادونـه سيصير مطاعا في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء وأن كلا من الرسولين مطاع في محله وقومـه وفيه تعظيم له بأنـه بمنزلة الملوك المطاعين في قومـهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع
وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه على وجهه
ثم نزه رسوله البشرى وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال { وما صاحبكم بمجنون } وهذا أمر يعلمونـه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنـهم كانوا كاذبين
ثم أخبر عن رؤيته صلى الله عليه و سلم لجبريل وهذا يتضمن أنـه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدركه البصر لاكما يقول المتفلسفة ومن قلدهم : أنـه العقل الفعال وأنـه ليس مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنـه خيال موجود في الأذهان لا في الأعيان وهذا مما خالفوا بـه جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا بـه عن جميع الملل ولهذا كان تقرير رؤية النبي صلى الله عليه و سلم لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعا وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح جماعة من الصحابة بأنـه لم يره وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونـه فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة
ثم نزه رسوليه كليهما - أحدهما بطريق النطق والثاني بطريق اللزوم - عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب النـهمة فقال { وما هو على الغيب بضنين } فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين : أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما - وهي قراءة الضاد - تنزيهه عن البخل فإن الضنين هو البخيل يقال ضننت بـه أضن بوزن بخلت بـه أبخل ومعناه ومنـه قول جميل بن معمر :
( أجود بمضنون التلاد وإنني بسرك عمن سالني لضنين )
قال ابن عباس رضي الله عنـهما : ليس بخيلا بما أنزل الله وقال مجاهد : لا يضن عليهم بما يعلم
وأجمع المفسرون على أن الغيب ههنا القرآن والوحي وقال الفراء يقول تعالى : يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن بـه عليكم وهذا معنى حسن جدا فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولاسيما عمن لا يعرف قدره ويذمـه ويذم من هو عنده ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله وقال أبو علي الفارسي : المعنى يأتيه الغيب فيبينـه ويخبر بـه ويظهره ولا يكتمـه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا وفيه منى آخر وهو أنـه على ثقة من الغيب الذي يخبر بـه فلا يخاف أن ينتقض ويظهر الأمر بخلاف ما أخبر ب كما يقع للكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن كذبهم أضعاف صدقهم وإذا أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منـه بل هو خائف من ظهور كذبه فإقدام هذا الرسول على الأخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب واثقا بـه مقيما عليه مبديا له في كل مجمع ومعيدا مناديا بـه على صدقه مجلبا بـه على أعدائه من أعظم الأدلة على صدقه
أما قراءة من قرأ ( بظنين ) بالظاء فمعناه المتهم يقال : ظننت زيدا بمعنى اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين ومنـه ما أنشده أبو عبيدة :
( أما وكتاب الله لا عن شناءة هجرت ولكن المحب ظنين )
والمعنى : وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد فيه ولا ينقص وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد صلى الله عليه و سلم لأنـه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال { وما صاحبكم بمجنون } ثم قال ( وما هو ) أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل
واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين : أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل الثاني أنـه قال ( على الغيب ) ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنـه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا
قلت : ويرجحه أنـه وصفه بما وصف بـه رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنـه التهمة كما وصف جبريل بأنـه أمين ويرجحه أيضا أنـه سبحانـه نفى أقسام ا لكذب كلها عما جاء بـه من الغيب فإن ذلك لو كان كذبا فإما أن يكون منـه أو ممن علمـه وإن كان منـه فإما أن يكون تعمده أولم يتعمده فإن كان من معلمـه فليس هو بشيطان رجيم وإن كان منـه مع التعمد فهو المـهم ضد الأمين وإن كان عن غير تعمد فهو المجنون فنفى سبحانـه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية فلهذا قال سبحانـه { وما هو بقول شيطان رجيم } ليس تعليم الشيطان ولا يقدر عليه ولا يحسن منـه كما قال تعالى { وما تنزلت بـه الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون } فنفى فعله وابتغاءه منـهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى خبرة بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علما لا يمارى فيه ولايشك بل علما ضروريا كسائر الضروريات - منافاة أحدهما للآخر ومضادته له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين للعقل أبين من ظهور المنافاة بين النور والظملة للبصر ولهذا وبخ سبحانـه من كفر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال { أين تذهبون } ؟ قال أبو إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم ؟
قلت : هذا من أحسن اللازم وأبينـه أن تبين للسامع الحق ثم تقول له : إيش تقول خلاف هذا ؟ وأين تذهب خلاف هذا ؟ قال تعالى { فبأي حديث بعده يؤمنون } وقال { فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ؟ } فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال فإذا عدلتم عن الهدى والحق فأين العدول وأين المذهب
ونظير هذا قوله { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا الفساد في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى { بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج } لما تركوا الحق وعدلوا عنـه مرج عليهم أمرهم والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئا إلا كان باطلا ولا يفعلون شيئا إلا كان ضائعا غير نافع لهم وهذا شأن كل من خرج عن الطريق الموصل إلى المقصود ونظيره قوله تعالى { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } وقد كشف هذا المعنى كل الكشف بقوله عز و جل { فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون }

ثم أخبر تعالى عن القرآن بأنـه ذكر للعالمين وفي موضع آخر تذكرة للمتقين وفي موضع آخر لرسوله صلى الله عليه و سلم ولقومـه وفي موضع آخر ذكر مطلق وفي موضع آخر ذكر مبارك وفي موضع آخر وصفه بأنـه ذو الذكر
ويجمع هذه المواضع تبين المراد من كونـه ذكرا عاما وخاصا وكونـه ذا ذكر فإنـه يكر العباد بمصالحهم في معاشـهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل بـه ويذكرهم بعدوهم وما يريد منـهم وبماذا يحترزون من كيده ومن أي الأبواب والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه وأنـهم مضطرون إليه لا يستغنون عنـه نفسا واحدا ويذكرهم بن عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منـها ويذكرهم بأسه وشده بطشـه وانتقامـه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم بثوابه وعقابه
ولهذا يأمر سبحانـه عباده أ يذكروا ما في كتابه كما قال : { خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون } وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرا له من أنزل عليه ثم لقومـه ثم لجميع العالمين وحيث خص بـه المتقين فلأنـهم الذين انتفعوا بذكره
وأما وصفه بأنـه ذو الذكر فلانـه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنـه الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنـه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمـه وفيه الرحمة
وقوله سبحانـه { لمن شاء منكم أن يستقيم } بدل من العالمين وهو بدل بعض من كل وهذا من أحسن ما يستدل بـه على أن البدل في قوة ذكر عاملين مقصودين فإن جهة كونـه ذكرا للعالمين كلهم غير جهة كونـه ذكرا لأهل الإستقامة فإنـه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما أن البدل أخص من المبدل منـه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في المبدل منـه ولابد من هذا فتأمله
وقوله { لمن شاء منكم } رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط بينـها وبينـه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببا فيه
وقوله { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله } رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله
فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين فإن قال الجبري : هو سبحانـه لم يقل إن الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن قائلون بذلك وقال القدري قوله { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله } مختلفة فمشيئة العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو أمره بذلك ونحن لا ننكر ذلك
فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانـه بكونـه وشكله وسائر أغراضه التي لا تأثير لها في الفعل فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل في عدم التأثير نسبة إرادية عندك و الإتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة ؟ سوى الله سبحانـه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والإرادة إلى الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة ؟ والاقتران العادي حاصل مع الجميع
وأما القدي فتحريفه أشد لأنـه حمل المشيئة على الأمر وقال : المعنى وما تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعا فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله { ولو شاء ربك ما فعلوه } وقوله { ولو شاء الله ما اقتتلوا } وقوله { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } وقوله { أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا } ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر البتة
والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة العبادة من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانـه وتعالى فما لم يشأ لم يكن البتة كما أن ما شاء كان ولابد
ولكن ههنا أمرا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانـه تارة تتعلق بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنـه سبحانـه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنـه لم يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له
وقد دل على هذا قوله تعالى { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } وقوله { وما يذكرون إلا أن يشاء الله }
وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منـهما عبودية مختص بها : فعبودية الآية الأولى والاجتهاد و استفراغ الوسع والاختيار و السعي وعبودية الثانية الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجوء إليه واستنزال التوفيق والعون منـه والعلم بأن العبد لا يمكنـه أن يشاء ولا يفعل حتى يجعله الله كذلك
وقوله ( رب العالمين ) ينتظم ذلك كله ويتضمنـه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد كمال الربوبية وعطلها وبالله التوفيق

ومن ذلك قوله تعالى { والنازعات غرقا * والناشطات نشطا * والسابحات سبحا * فالسابقات سبقا * فالمدبرات أمرا } فهذه خمسة أمور وهي صفات الملائكة
فأقسم سبحانـه بالملائكة الفاعلة لهذه الأفعال إن ذلك من أعظم آياته وحذف مفعول النزع والنشط لأنـه لو ذكر ما تنزع وتنشط لأوهم التقييد بـه وأن القسم على نفس الأفعال الصادرة من هؤلاء الفاعلين فلم يتعلق الغرض بذكر المفعول كقوله { فأما من أعطى واتقى } ونظائره فكان نفس النزع هو المقصود لا عين المنزوع
وأكثر المفسرين على أنـها الملائكة التي تنزع أرواح بني آدم من أجسامـهم وهم جماعة كقوله { توفته رسلنا } وقوله { إن الذين توفاهم الملائكة } وأما قوله { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } فأما أن يكون واحدا وله أعوان وإما أن يكون المراد الجنس لا الوحدة كقوله { وصدقت بكلمات ربها وكتبه } وقوله { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }
والنزع هو اجتذاب الشيء بقوة والإغراق في النزع هو أن يجتذبه إلى آخره ومنـه إغراق النزع في جذب القوة بأن يبلغ بها غاية المد فيقال : أغرق في النزع ثم صار مثلا لكل من بالغ في فعل حتى وصل إلى آخره
والغرف اسم مصدر أقيم مقامـه كالعطاء والكلام أقيم مقامـه الاعطاء والتكلم
واختلف الناس هل النازعات متعد أو لازم ؟ فعلى القول الذي حكيناه يكون متعديا وهذا قول علي ومسروق ومقاتل وأبي صالح وعطيه عن ابن عباس وقال ابن مسعود : هي أنفس الكفار وهو قول قتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس وعلى هذا فهو فعل لازم وغرقا على هذا معناه نزعا شديدا أبلغ ما يكون وأشده
وفي هذا القول ضعف من وجوه ( أحدها ) أن عطف ما بعده عليه يدل على أنـها الملائكة فهي السابحات والمدبرات والنازعات ( الثاني ) أن الأقسام بنفوس الكفار خاصة ليس بالبين ولا في اللفظ ما يدل عليه ( الثالث ) أن النزع مشترك بين نفوس بني آدم والإغراق لا يختص بالكافر وقال الحسن : النازعات هي النجوم تنزع من الشرق إلى الغرب وغرقا هي غروبها قال : تنزع من ههنا وتغرق ههنا واختاره الأخفش وأبو عبيد وقال مجاهد : هي شدائد الموت وأهواله التي تنزع الأرواح نزعا شديدا وقال عطاء وعكرمة : هي القسى والنازعات على هذا القول بمعنى النسب أو ذوات النزع التي ينزع بها الرامي فهو النازع
قلت : النازعات اسم فاعل من نزع ويقال : نزع كذا إذا اجتذبه بقوة ونزع عنـه إذا خلاه وتركه بعد ملابسته له ونزع إليه ذهب إليه وما إليه وهذا إنما توصف بـه النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنـه وأحق ما صدق عليه الوصف الملائكة لأن هذه القوة فيها أكمل وموضع الآية فيها أعظم فهي التي تغرق في النزع إذا طلبت ما تنزعه أو تنزع إليه والنفس الإنسانية أيضا لها هذه القوة والنجوم أيضا تنزع من أفق إلى أفق فالنزع حركة شديدة سواء كانت من ملك أو نفس إنسانية أونجم والنفوس تنزع إلى أوطانـها وإلى مألفها وعند الموت تنزع بها إلى المنايا تنزع النفوس والقسى تنزع بالسهام والملائكة تنزع من مكان إلى مكان وتنزع ما وكلت بنزعه والخيل تنزع في أعنتها نزعا تغرف فيه الأعنة لطول أعناقها
فالصفة واقعة على كل من له هذه الحركة التي هي آية من آيات الرب تعالى فإنـه هو الذي خلقها وخلق محلها وخلق القوة والنفس التي بها تتحرك ومن ذكر صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل وإن كانت الملائكة أحق من تناوله هذا الوصف
فأقسم بطوائف الملائكة وأصنافهم : فهم النازعات التي تنزع الأرواح من الأجساد والناشطات التي تنشطها أي تخرجها بسرعة وخفة من قولهم : نشط الدلو من البئر إذا أخرجها وأنا أنشط بكذا أي أخف له وأسرع ( والسابحات ) التي تسبح في الهواء في طريق ممرها إلى ما أمرت بـه كما تسبح الطير في الهواء ( فالسابقات ) التي تسبق وتسرع إلى ما أمرت بـه لا تبطئ عنـه ولا تتأخر ( فالمدبرات ) أمور العباد التي أمرها ربها بتدبيرها وهذا أولى الأقوال
وقد روي عن ابن عباس : أن ( النازعات ) الملائكة تنزع نفوس الكفار بشدة وعنف ( والناشطات ) الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين بيسر وسهولة واختار الفراء هذا القول فقال : هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها وتنزع نفس الكافر قال الواحدي : إنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين فالنزع الجذب بشدة والنشط الجذب برفق ولين ( والناشطات ) هي النفوس التي تنشط لما أمرت بـه والملائكة أحق الخلق بذلك ونفوس المؤمنين ناشطة لما أمرت به
وقيل ( السابحات ) هي النجوم تسبح في الفلك كما قال تعالى { كل في فلك يسبحون } وقيل : هي السفن تسبح في الماء وقيل : هي نفوس المؤمنين تسبح بعد المفارقة صاعدة إلى ربها
قلت : والصحيح أنـها الملائكة والسياق يدل عليه وأما السفن والنجوم فإنما تسمى جارية وجواري كما قال تعالى { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام } وقال { حملناكم في الجارية } وقال { الجوار الكنس } ولم يسمـها سابحات وإن أطلق عليها فعل السباحة كقوله { كل في فلك يسبحون } ويدل عليه ذكره السابقات بعدها والمدبرات بالفاء وذكره الثلاثة الأول بالواو لأن السبق والتدبير مسبب عن المذكور قبله فإنـها نزعت ونشطت وسبحت فسبقت إلى ما أمرت بـه فدبرته ولو كانت هي السفن أو النجوم أو النفوس الآدمية لما عطف عليها فعل السبق والتدبير بالفاء فتأمله
قال مسروق ومقاتل والكلبي : ( فالسابقات سبقا ) هي الملائكة قال مجاهد وأبو روق : سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح والإيمان والتصديق قال مقاتل : تسبق بأرواح المؤمنين الجنة وقال الفراء والزجاج : هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء إذا كانت الشياطين تسترق السمع وهذا القول خطأ لا يخفى فساده إذ يقتضي الاشتراك بين الملائكة والشياطين في إلقائهم الوحي وأن الملائكة تسبقهم بـه إلى الأنبياء وهذا ليس بصحيح فإن الوحي الذي تأتى بـه الملائكة إلى الأنبياء لا تسترقه الشياطين وهم معزولون عن سماعه وإن استرقوا بعض ما يسمعونـه من ملائكة السماء الدنيا من أمور الحوادث فالله سبحانـه صان وحيه إلى الأنبياء أن تسترق الشياطين شيئا منـه وعزلهم عن سمعه ولو أن قائل هذا القول فسر السابقات بالملائكة التي تسبق الشياطين بالرجم بالشـهب قبل إلقاء الكلمة التي استرقها لكان له وجه فإن الشيطان يبدو مسرعا بإلقائه إلى وليه فتسبقه الملائكة في نزوله بالشـهب الثاقب فتهلكه وربما ألقى الكلمة قبل إدراك الشـهاب له
وفسرت ( السابقات سبقا ) بالأنفس السابقات إلى طاعة الله ومرضاته
وأما ( المدبرات أمرا ) فأجمعوا على أنـها الملائكة قال مقاتل : هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت : يدبرون أمر الله تعالى في الأرض وهم ( المقسمات أمرا ) قال عبد الرحمن بن ساباط : جبريل موكل بالرياح والجنود وميكائيل موكل بالفطر والنبات وملك الموت موكل بقبض الأنفس وإسرافيل ينزل بأمر الله عليهم وقال ابن عباس : هم الملائكة وكلهم الله بأمور عرفهم العمل بها والوقوف عليها بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف والمسخ والرياح والسحاب إنتهى
وقد أخبر أن الله وكل بالرجم ملكا وللرؤيا ملك موكل بها وللجنة ملائكة موكلون بعمارتها وعمل آلاتها وأوانيها وغراسها وفرشـها ونمارقها وأرائكها وللنار ملائكة موكلة بعمل ما فيها وإيقادها وغير ذلك
فالدنيا وما فيها والجنة والنار والموت وأحكام البرزخ - وكل الله بذلك كله ملائكة يدبرون ما شاء الله من ذلك ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم الإيمان إلا به
وأما من قال أنـها النجوم فليس هذا من قول أهل الإسلام ولم يجعل الله النجوم تدبر شيئا من الخلق بل هي مدبرة ومسخرة كما قال تعالى { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } فالله سبحانـه هو المدبر بملائكته لأمر العالم العلوي والسفلي
قال الجرجاني : وذكر السابقات والمدبرات بالفاء وما قبلها بالواو لأن ما قبلها أقسام مستأنفة وهذان القسمان منشآن عن الذي قبلهما كأنـه قال : فاللاتي سبحن فسبقن كما نقول قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سببا للذهاب ولو قلت : قام وذهب لم تجعل القيام سببا للذهاب
واعترض عليه الواحدي فقال : هذا غير مطرد في هذه الآية لأنـه يبعد أن يجعل السبق سببا للتدبير مع أن السابقات ليست الملائكة في قول المفسرين
قلت : الملائكة داخلون في السابقات قطعا وأما اختصاص السابقات بالملائكة فهذا محتمل وأما قوله : يبعد أن يكون السبق سببا للتدبير فليس كما زعم بل السبق المبادرة إلى تنفيذ ما يؤمر بـه الملك فهو سبب للفعل الذي أمر بـه وهو التدبير مع أن الفاء دالة على التعقيب وأن التدبير يتعقب السبق بلا تراخ بخلاف الأقسام الثلاثة والله أعلم
وجواب القسم محذوف يدل عليه السياق - وهو البعث المستلزم لصدق الرسول وثبوت القرآن أو أنـه من القسم الذي أريد بـه التنبيه على الدلالة والعبرة بالمقسم بـه دون أن يراد بـه مقسما عليه بعينـه وهذا القسم يتضمن الجواب المقسم عليه وإن لم يذكر لفظا ولعل هذا مراد من قال أنـه محذوف العلم بـه لكن هذا الوجه ألطف مسلكا فإن المقسم بـه إذا كان دالا على المقسم عليه مستلزما استغنى عن ذكره بذكره وهذا غير كونـه محذوفا لدلالة ما بعده عليه فتأمله ولعل هذا قول من قال أنـه إنما أقسم برب هذه الأشياء وحذف المضاف فإن معناه صحيح لكن على غير الوجه الذي قدروه فإن إقسامـه سبحانـه بهذه الأشياء لظهور دلالتها على ربوبيته ووحدانيته وعلمـه وقدرته وحكمته فالاقسام بها في الحقيقة إقسام بربوبيته وصفات كماله فتأمله
ثم قرر سبحانـه بعد هذا القسم أمر المعاد ونبوة موسى المستلزمة لنبوة محمد صلى الله عليه و سلم إذ من المحال أن يكون موسى نبيا ومحمد ليس نبيا مع أن ما يثبت نبوة موسى فلمحمد نظيره أو أعظم منـه وقرر سبحانـه تكليمـه لموسى بندائه لو بنفسه فقال { إذ ناداه ربه } فأثبت المستلزم للكلام والتكليم وفي موضع آخر أثبت النجاء والنداء والنجاء نوع من التكليم ومحال ثبوت النوع بدون الجنس
ثم أمره أن يخاطبه بألين خطاب فيقول له : { هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى } ففي هذا من لطف الخطاب ولينـه وجوهك
( أحدهما ) : إخراج الكلام مخرج العرض ولم يخرج مخرج الأمر والإلزام وهو ألطف ونظيره قول إبراهيم لضيفه المكرمين { ألا تأكلون } ولم يقل كلوا ( الثاني ) قوله { إلى أن تزكى } والتزكي والنماء والطهارة والبركة والزيادة فعرض عليه أمرا يقبله كل عاقل ولا يرده إلا كل أحمق جاهل ( الثالث ) قوله ( تزكى ) ولم يقل أزكيك فأضاف التزكية إلى نفسه وعلى هذا يخاطب الملوك ( الرابع ) قوله ( وأهديك ) أي أكون دليلا لك وهاديا بين يديك فنسب الهداية إليه والتزكي إلى المخاطب أي أكون دليلا لك وهاديا فتزكى أنت كما تقول للرجل : هل لك أن أدلك على كنز تأخذ منـه ما شئت ؟ وهذا أحسن من قوله أعطيك ( الخامس ) قوله ( إلى ربك ) فإن في هذا ما يوجب قبول ما دل عليه وهو أنـه يدعوه ويوصله إلى ربه فاطره وخالقه الذي أوجده ورباه بن : جنينا وصغيرا وكبيرا وآتاه الملك وهو نوع من خطاب الاستعطاف والإلزام كما تقول لمن خرج عن طاعة سيده : ألا تطيع سيدك ومولاك و مالكك ؟ وتقول للوالد ألا تطيع أباك الذي رباك ( السادس ) قوله ( فتخشى ) أي إذا اهتديت إليه وعرفته خشيته لأن من عرف الله خافه ومن لم يعرفه لم يخفه فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته وعلى قدر المعرفة تكون الخشية ( السابع ) أن في قوله { هل لك } فائدة لطيفة وهي أن المعنى هل لك في ذلك حاجة أو أرب ؟ ومعلوم أن كل عاقل يبادر إلى قبول ذلك لأن الداعي إنما يدعو إلى حاجته ومصلحته لا إلى حاجة الداعي فكأنـه يقول : الحاجة لك وأنت المتزكي وأنا الدليل لك والمرشد لك إلى أعظم مصالحك فقابل هذا بغاية الكفر والعناد وادعى أنـه رب العالمين هذا وهو يعلم أنـه ليس بالذي خلق فوسى ولا درون فهدى فكذب الخبر وعصى الأمر ثم أدبر يسعى بالخديعة والمكر فحشر جنوده فأجابوه ثم نادى فيهم بأنـه ربهم الأعلى و استخفهم فأطاعوه فبطش بـه جبار السموات والأرض بطشة عزيز مقتدر وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر فاعتبر بذلك من خشى ربه من المؤمنين وحق القول على الكافرين
ثم أقام سبحانـه حجته على العالمين بخلق ما هو أشد منـهم وأكبر وأعظم وأعلى وأرفع وهو خلق السماء وبناؤها ورفع سمكها وتسويتها وإظلام ليلها وإخراج ضحاها وخلق الأرض ومدها وبشطها وتهيئتها لما يراد منـها وأخرج منـها الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض لئلا تميد بأهلها وأودعها من المنافع ما يتم بـه مصالح الحيوان الناطق والبهيم فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتهم خلقا جديدا ؟
فتأمل دلالة المقسم بـه المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجا إلى جواب والله أعلم

ومن ذلك قوله تعالى { والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا * والناشرات نشرا * فالفارقات فرقا * فالملقيات ذكرا * عذرا أو نذرا * إنما توعدون لواقع } فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريره وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الرواينين عن ابن عباس وقول قتاده وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس
قلت : الله سبحانـه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء فإرساله واقع على ذلك كله وهو نوعان : إرسال دين يحبه ويرضاه كإرسال رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان : نوع يحبه ويرضاه كإرسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لايحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار
فالإرسال المقسم بـه ههنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال : والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضا فاقتران اللفظة بما بعدها من الأقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضا فإن الرسل مقسم عليهم في القرآن لا مقسم بهم كقولهم { تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } وقوله { إنك لمن المرسلين } وقوله { يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين } وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجيه إليه - جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الإرسال عرفا عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونـها الرياح عطف العاصفات عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنـها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال : هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح و الأكثرون على أنـها الرياح وفيها قول ثالث أنـها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشي :
( تعصف بالدارع والحاسر )
حكاه أبو اسحق وهو قول متكلف فإن المقسم بـه لا بد أن يكون آية ظاهره تدل على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها يقسم عليه وإنما يقسم سبحانـه بملائكته وكتابه لظهور شأنـهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهره الدالة على ثبوتهما
وأما { الناشرات نشرا } فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى بـه بالواو وما قبله معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة : هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قولهم قوله تعالى { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } يعني أنـها تنشر السحاب نشرا وهو ضد الطي وقال مقاتل : هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء بن ابن عباس وقالت طائفة : هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها وقيل : تنشر أوامر الله في الأرض والسماء وقيل : تنشر النفوس فتحييها بالإيمان وقال أبو صالح : هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها
قلت : ويجوز أن تكون الناشرات لازما لا مفعول له ولا يكون المراد أنـهن نشرن كذا فإنـه يقال : نشر الميت : حيى وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس التي حييت بالعرف الذي أرسلت بـه المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات والوحي سبب لنشور الأرواح وحياتها لكن هنا أمرا ينبغي التفطن له وهو أنـه سبحانـه جعل الأقسام في هذه السورة نوعين وفصل أحدهما من الآخر وجعل العاصفات معطوفا على المرسلات بفاء التعقيب فصارا كأنـهما نوع واحد ثم جعل الناشرات كأنـه قسم مبتدأ فأتى فيه بالواو ثم عطف عليه الفارقات والملقيات بالفاء فأوهم هذا أن الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات وقد اختلف في الفارقات والأكثرون على أنـها الملائكة ويدل عليه عطف الملقيات ذكرا عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق
وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارا وإنذارا
ومن جعل الناشرات الرياح جعل الفارقات صفة لها وقال : هي تفرق السحاب ههنا وههنا ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها ومن قال : الفارقات أي القرآن يفرق بين الحق والباطل فقوله يلتئم مع كون الناشرات الملائكة أكثر من التئامـه إذا قيل : إنـها الرياح ومن قال : هي جماعات الرسل فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول
ويظهر - والله أعلم بما أراد من كلامـه - أن القسم في هذه الآية وقع على النوعين : الرياح والملائكة ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح فإنـها من روح الله وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة القلوب والأرواح بالملائكة فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة ولهذا - والله أعلم - فصل أحد النوعين من الآخر بالواو وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء
وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله { ألم نخلقكم من ماء مـهين } فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الأقسم بما يحصل من نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة فكان في القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة ولهذا كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منـه الكفر والتكذيب
فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منـه موقعا فإنـه تكرر عشر مرات ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيب ما يوجب التصديق وما يوجب التصديق بـه فتأمله

ومن ذلك قوله تعالى { لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة } وقد تقدم ذكر هذين القسمين ومناسبة الجمع بينـهما في الذكر وكون الجواب غير مذكور وأنـه يجوز أن يكون مما حذف لدلالة السياق عليه والعلم بـه ويجوز أن يكون من القسم المقصود بـه التنبيه على دلالة المقسم بـه وكونـه آية ولم يقصد بـه مقسما عليه معينا فكأنـه يقول : اذكر يوم القيامة والنفس اللوامة مقسما بها لكونـها من آياتنا وأدلة ربوبيتنا
ثم أنكر على الإنسان بعد هذه الآية حسبانـه وظنـه أن الله لا يجمع عظامـه بعدما فرقها البلى ثم أخبر سبحانـه عن قدرته على جمع غيرها من عظامـه وعلى هذا فيكون سبحانـه قد احتج على فعله لما أنكره أعداؤه بقدرته عليه وأخبر عن فعله بأنـه لا يلزمـهم من القدرة ووقوع المقدور والمعنى : بل نجمعها قادرين على تسوية بنانـه ودل على هذا المعنى المحذوف قوله ( بلى ) فإنـها حرف إيجاب لما تقدم من النفي فلهذا يستغنى عن ذكر الفعل بذكر الحرف الدال عليه فدلت الآية على الفعل وذكرت القدرة لإبطال قول المكذبين
وفي ذكر البنان لطيفة أخرى وهي أنـها أطرافه وآخر ما يتم بـه خلقه فمن قدر على جمع أطرافه وآخر ما يتم بـه خلقه مع دقتها وصغرها ولطافتها فهو على مادون ذلك أقدر فالقوم لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء و الإرمام قيل إنا نجمع ونسوى أكثرها تفرقا وأدقها أجزاء وآخر أطراف البدن وهي عظام الأنامل ومفاصلها
وقالت طائفة : المعنى نحن قادرون على أن نسوى أصابع يديه ورجليه ونجعلها مستوية شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار لا نفرق بينـهما ول أيمكنـه أن يعمل بها شيئا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من فنون الأعمال والبسط والقبض والتأتي لما يريد من الحوائج وهذا قول ابن عباس وكثير من المفسرين والمعنى على هذا القول : إنا في الدنيا قادرون على أن نجعل عظام بنانـه مجموعة دون تفرق فكيف لا نقدر على جمعها بعد تفريقها
فهذا وجه من الاستدلال غير الأول وهو الاستدلال بقدرته سبحانـه على جمع العظام التي فرقها ولم يجمعها والأول استدلال بقدرته سبحانـه على جمع عظامـه بعد تفريقها وهما وجهان حسنان وكل منـهما له ترجيح من وجه فيرجح الأول أنـه هو المقصود وهو الذي انكره الكفار وهو إجراء على نسق الكلام وأطراده و لأن الكلام لم يسق لجمع العظام وتفريقها في الدنيا وإنما سبق لجمعها في الآخرة بعد تفرقها بالموت ويرجح القول الثاني - ولعله قول جمـهور المفسرين حتى أن فيهم من لم يذكر غيره - وأنـه استدلال بآية ظاهرة مشـهورة وهي تفريق البنان مع انتظامـها في كف واحد وارتباط بعضها ببعض فهي متفرقة في عضو واحد يقبض منـها واحدة ويبسط أخرى ويحرك واحدة والأخرى ساكنة ويعمل بواحدة والأخرى معطلة وكلها في كف واحد قد جمعها ساعد واحد فلو شاء سبحانـه لسواها فجعلها صفة واحدة كباطن الكف ففاته هذه المنافع والمصالح التي حصلت بتفريقها ففي هذا أعظم الأدلة على قدرته سبحانـه على جمع عظامـه بعد الموت
ثم أخبر سبحانـه عن سوء حال الإنسان وإصراره على المعصية والفجور وأنـه لا يرعوي ولا يخاف يوما يجمع الله فيه عظامـه و يبعثه حيا بل هو مريد للفجور ما عاش فيفجر في الحال ويريد الفجور في غد وما بعده وهذا ضد الذي يخاف الله والدار الآخرة فهذا لا يندم على ما مضى منـه ولا يقلع في الحال ولا يعزم في المستقبل على الترك بل هو عازم على الاستمرار وهذا ضد التائب المنيب
ثم نبه سبحانـه على الحامل له على ذلك وهو استبعاده ليوم القيامة وليس هذا استبعادا لزمنـه مع إقراره بوقوعه بل هو استبعاد لوقوعه كما حكى عنـه في موضع آخر قوله { ذلك رجع بعيد } أي بعيد وقوعه وليس المراد أنـه واقع بعيد زمنـه هذا قول جماعة من المفسرين منـهم ابن عباس وأصحابه قال ابن عباس : يقدم الذنب ويؤخر التوبة وقال قتادة : وعكرمة : قدما في معاصي الله لا ينزع عن فجوره
وفي الآية قول آخر وهو أن المعنى بل يريد الإنسان ليكذب بما أمامـه عن البعث ويوم القيامة وهذا قول ابن زيد واختيار ابن قتيبة وابن اسحق قال هؤلاء : ودليل ذلك قوله { يسأل أيان يوم القيامة } ويرجع هذا القول لفظه ( بل ) فإنـها تعطى أن الإنسان لم يؤمن بيوم القيامة مع هذا البيان والحجة بل هو مريد للتكذيب بـه ويرجحه أيضا أن السياق كله في ذم المكذب بيوم القيامة لا في ذم العاصي والفاجر وأيضا فإن ما قبل الآية وما بعدها يدل على المراد فإنـه قال { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامـه * بلى قادرين على أن نسوي بنانـه } فأنكر سبحانـه عليه حسبانـه أن الله لا يجمع عظامـه ثم قرر قدرته على ذلك ثم أنكر عليه إرادة التكذيب بيوم القيامة فالأول حسبان منـه أن لا يحييه بعد موته والثاني تكذيب منـه بيوم البعث وأنـه يريد أن يكذب بما وضح وبان دليل وقوعه وثبوته فهو مريد للتكذيب بـه ثم أخبر عن تصريحه بالتكذيب فقال { يسأل أيان يوم القيامة } فالأول إرادة التكذيب والثاني نطق بالتكذيب وتكلم بـه وهذا قول قوي كما ترى لكن ينبغي إفراغ هذه الألفاظ في قوالب هذا المعنى فإن لفظة ( يفجر ) إنما تدل على عمل الفجور لا على التكذيب وحذف الموصول مع ما جره وإبقاء الصلة خلاف الأصل فإن أصاب هذا القول قالوا تقديره ليكفر بما أمامـه وهذا المعنى صحيح لكن دلالة هذا اللفظ عليه ليست بالبينة
فالجواب أن الأمر كذلك لكن الفعل إذا ضمن معنى فعل آخر لم يلزم إعطاءه حكمـه من جميع الوجوه بل من جلالة هذه اللغة العظيمة الشأن وجزالتها أن يذكر المتكلم فعلا وما يضمنـه معنى فعل آخر ويجري على المضمن أحكامـه لفظا وأحكام الفعل الآخر معنى فيكون في قوة ذكر الفعلين مع غاية الاختصار ومن تدبر هذا وجده كثيرا في كلام الله تعالى
فلفظ ( يفجر ) اقتضت ( أمامـه ) بلا واسطة حرف ولا اسم موصول فأعطيت ما اقتضته لفظا واقتضى ما تضمنـه الفعل من ذكر الحرف والموصول فأعطيته معنى فهذا وجه هذا القول لفظا ومعنى والله أعلم
ثم أخبر سبحانـه عن حال هذا الإنسان إذا شاهد اليوم الذي كذب بـه فقال { فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين المفر } فبرق بصره أي يشخص بما يشاهده من العجائب التي كان يكذب بها وخسف القمر ذهب ضوءه وانمحى وجمع الشمس والقمر ولم يجتمعا قبل ذلك بل يجمعهما الذي يجمع عظام الإنسان بعدما فرقها البلى ومزقها ويجمع للإنسان يومئذ جميع عمله الذي قدمـه وأخره من خير أو شر ويجمع ذلك من جمع القرآن في صدر رسوله ويجمع المؤمنين في دار الكرامة فيكرم وجوههم بالنظر إليه ويجمع المكذبين في دار الهوان وهو قادر على ذلك كله كما جمع خلق الإنسان من نطفة من منى يمنى ثم جعله علقة مجتمعة الأجزاء بعدما كانت نطفة متفرقة في جميع بدن الإنسان وكما يجمع بين الإنسان وملك الموت ويجمع بين الساق والساق إما ساق الميت أو ساق من يجهز بدنـه من البشر ومن يجهز روحه من الملائكة أو يجمع عليه شدائد الدنيا والآخرة فكيف ( أنكر ) هذا الإنسان أن يجمع بينـه وبين عمله وجزائه وأن يجمع مع بني ليوم الجمع وأن يجمع عليه بين أمر الله ونـهيه وعبوديته فلا يترك سدى مـهملا معطلا لا يؤمر ولا ينـهى ولا يثاب ولا يعاقب فلا يجمع عليه ذلك
فما أجمع هذه السورة لمعان الجمع والضم وقد افتتحت بالقسم بيوم القيامة الذي يجمع الله فيه بين الأولين والآخرين وبالنفس اللوامة التي اجتمع فيها همومـها وغمومـها وإرادتها واعتقاداتها وتضمنت ذكر المبدأ والمعاد والقيامة الصغرى والكبرى وأحوال الناس في المعاد وانقسام وجوههم إلى ناظرة منعمة و باسرة معذبة وتضمنت وصف الرياح بأنـها جسم ينتقل من مكان إلى مكان فتجمع من تفاريق البدن حتى تبلغ التراق ويقول الحاضرون ( من راق ؟ ) أي من يرقى من هذه العلة التي أعيت على الحاضرين أي التمسوا له من يرقيه والرقية آخر الطب وقيل : من يرقى بها ويصعد أملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ؟ فعلى الأول تكون من رقى يرقى كرمى يرمى وعلى الثاني من رقى يرقى كشقى يشقى ومصدره الرقاء ومصدر الأول الرقية والقول الأول أظهر لوجوه ( أحدها ) أنـه ليس كل ميت يقول حاضروه من يرقى بروحه وهذا إنما يقوله من يؤمن برقي الملائكة بروح الميت وأنـهم ملائكة رحمة وملائكة عذاب بخلاف التماس الرقية وهي الدعاء فإنـه قل ما يخلو منـه المحتضر ( الثاني ) أن الروح إنما يرقى بها الملك بعد مفارقتها وحينئذ يقال من يرقى بها وأما قبل المفارقة فطلب الرقية للمريض من الحاضرين أنسب من طلب علم من يرقى بها إلى الله ( الثالث ) أن فاعل الرقية يمكن العلم بـه فيحسن السؤال عنـه ويفيد السامع وأما الراقي إلى الله فلا يمكن العلم بتعيينـه حتى يسأل عنـه و ( من ) إنما يسأل بها عن تعيين ما يمكن السائل أن يصل إلى العلم بتعيينـه ( الرابع ) أن مثل هذا السؤال إنما يراد بـه تحضيض وإثارة اهتمام إلى فعل يقع بعد من نحو قوله { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنـه } وفعل الراقي إلى الله لا يحسن فيه واحد من الأمرين هنا بخلاف فاعل الرقية فإنـه يحسن فيه الأول ( الخامس ) أن هذا خرج على عادة العرب وغيرهم في طلب الرقية لمن وصل إلى مثل تلك الحال فحكى الله سبحانـه ما جرت عادتهم بقوله وحذف فاعل القول لأنـه ليس الغرض متعلقا بالقائل بل بالقول ولم تجر عادة المخاطبين بأن يقولوا من يرقى بروحه فكان حمل الكلام على ما ألف وجرت العادة بقوله أولى إذ هو تذكير لهم بما يشاهدونـه ويسمعونـه ( السادس ) أنـه لو أريد هذا المعنى لكان وجه الكلام أن يقال من هو الراقي ومن الراقي ولا وجه للكلام غير ذلك كما يقال من هو القائل منكما كذا وكذا وفي الحديث [ من القائل كلمة كذا ] ( السابع ) إن كلمة من إنما يسأل بها عن التعيين كما يقول : من الذي فعل كذا ومن ذا الذي قاله فيعلم أن فاعلا وقائلا فعل وقال ولا يعلم تعيينـه فيسأل عن تعيينـه بمن تارة وبأي تارة وهم لم يسألوا عن تعيين الملك الراقي بالروح إلى الله
فإن قيل : بل علموا أن ملك الرحمة والعذاب صاعد بروحه ولم يعلموا تعيينـه فيسأل عن تعيين أحدهما قيل : هم يعلمون أن تعيينـه غير ممكن فكيف يسألون عن تعيين ما لا سبيل للسامع إلى تعيينـه ولا إلى العلم بـه ( الثامن ) أن الآية إنما سيقت لبيان يأسه من نفسه ويأس الحاضرين معه وتحقق أسباب الموت وأنـه قد حضر ولم يبق شيء ينجع فيه ولا مخلص منـه بل هو قد ظن أنـه مفارق لا محالة فالحاضرون قد علموا أنـه لم يبق لأسباب الحياة المعتادة تأثير في بقائه فطلبوا أسبابا خارجة عن المقدور تستجلب بالرقى والدعوات فقالوا من راق ؟ أي من يرقى هذا العليل من أسباب الهلاك والرقية عندهم كانت مستعملة حيث لا يجدي الدواء ( التاسع ) أن مثل هذا إنما يراد بـه النفي والاستبعاد : وهو أحد التقديرين فهو استبعاد لنفي الرقية لا طلب لوجود الراقي كقوله { قال من يحيي العظام وهي رميم } أي لا أحد يحييها وقد صارت إلى هذه الحال فإن أريد بها هذا المعنى استحال أن يكون من الرقي وإن أريد بها الطلب استحال أيضا أن يكون منـه وقد بينا أنـها في مثل هذا إنما تستعمل للطلب أو للإنكار وحينئذ أن يراد بـه طلب الفعل أو طلب التعيين ولا سبيل إلى حمل واحد من هذه المعاني على الرقي لما بيناه والله أعلم

ومن أسرار هذه السورة أنـه سبحانـه جمع فيها لأوليائه بين جمال الظاهر والباطن : فزين وجوههم بالنضرة و بواطنـهم بالنظر إليه فلا أجمل لبواطنـهم ولا أنعم ولا أحلى - من النظر إليه ولا أجمل لظواهرهم من نضرة الوجه وهي إشراقه وتحسينـه وبهجته وهذا كما قال في موضع آخر { ولقاهم نضرة وسرورا } ونظيره قوله { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا } فهذا جمال الظاهر وزينته ثم قال { وحفظا من كل شيطان مارد } فهذا جمال باطنـها ونظيره قوله عن امرأة العزيز بعد أن قالت ليوسف { اخرج عليهن فلما رأينـه أكبرنـه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } فذكرها لهذا هو من تمام وصفها لمحاسنـه وأنـه في غاية المحاسن ظاهرا وباطنا وينظر إلى هذا المعنى ويناسبه قوله { إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } فقابل بين الجوع والعرى لأن الجوع ذل الباطن والعرى ذل الظاهر وقابل بين الظمأ وبين حر الباطن والضحى وهو حر الظاهر بالبروز للشمس وقريب من هذا قوله { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } في ذكر الزاد الظاهر الحسي والزاد الباطن المعنوي فهذا زاد سفر الدنيا وهذا زاد سفر الآخرة ويلم بـه قول هود { يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم } فالأول القوة الظاهرة المنفصلة عنـهم والثاني الباطنة المتصلة بهم ويشبهه قوله { فما له من قوة ولا ناصر } فنفى عنـهم العين : الع من أنفسهم والع من خارج وهو الناصر

ومن أسرارها أنـها تضمنت إثبات قدرة الرب على ما علم أنـه لا يكون ولا يفعله وهذا على أحد القولين في قوله { بلى قادرين على أن نسوي بنانـه } فأخبر أنـه قادر عليه ولم يفعله ولم يرده وأصرح من هذا قوله تعالى { وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب بـه لقادرون } وهذا أيضا على أحد القولين أي تغور العيون في الأرض فلا يقدر على الماء قال ابن عباس : يريد أن سيغيض فيذهب فلا يكون من هذا الباب بل يكون من باب القدرة على ما سيفعله وأصرح من هذين الموضعين قوله تعالى { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنـه قال عند نزول هذه الآية أعوذ بوجهك ولكن قد ثبت عنـه صلى الله عليه و سلم أنـه لابد أنـه لابد أن يقع في أمته خسف ولكن لا يكون عاما وهذا عذاب من تحت الأرجل وروى أنـه كان في الأمة قذف أيضا وهذا عذاب من فوق فيكون هذا من باب الإخبار بقدرته على ما سيفعله وإن أريد بـه القدرة على عذاب الاستئصال فهو من القدرة على مالا يريده وقد صرح سبحانـه بأنـه لو شاء لفعل ما لم يفعله في غير موضع من كتابه كقوله { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا } وقوله { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } ونظائره وهذا مما لا خفاء فيه بين أهل السنة وبه تبين فساد قول من قال : إن القدرة لا تكون إلا مع الفعل لا قبل وأن الصواب التفصيل بين القدرة الموجبة والمصححة فنفي القدرة عن الفاعل قبل الملابسة مطلقا خطأ والله أعلم

ومن أسرارها أنـها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامـه بل من آداب الرب التي أدب بها نبيه صلى الله عليه و سلم أمره بترك الاستعجال على تلقي الوحي بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل من قراءته ثم يقرأه بعد فراغه عليه فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلمـه حتى يقضي كلامـه ثم يعيده عليه أو يسأل عما أشكل عليه منـه ولا يبادره قبل فراغه
وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في ثلاثة مواضع من كتابه هذا أحدها والثاني قوله { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا * فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما } والثالث قوله { سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله } فضمن لرسوله أن لا ينسى ما أقرأه إياه وهذا يتناول القراءة وما بعدها
وقد ذم الله سبحانـه في هذه السورة من يؤثر العاجلة على الآجلة وهذا لاستعجاله بالتمتع بما يفنى وإيثاره ما يبقى و رتب كل ذم ووعيد في هذه السورة على هذا الاستعجال ومحبة العاجلة فإرادته أن يفجر أمامـه هو من استعجاله وحب العاجلة وتكذيبه بيوم القيامة من فرط حب العاجلة وإيثاره لها واستعجاله بنصيبه وتمتعه بـه قبل أوانـه ولولا حب العاجلة وطلب الاستعجال لتمتع بـه في الآجلة أكمل ما يكون وكذلك تكذيبه وتوليه وترك الصلاة هو من استعجاله ومحبته العاجلة والرب سبحانـه وصف نفسه بضد ذلك فلم يعجل على عبده بل أمـهله إلى أن بلغت الروح التراقي وأيقن بالموت وهو إلى هذه الحال مستمر على التكذيب والتولي والرب تعالى لا يعاجله بل يمـهله ويحدث له الذكر شيئا بعد شيء ويصرف له الآيات ويضرب له الأمثال وينبهه على مبدئه : من كونـه نطفة من منى يمني ثم علقة ثم خلقا سويا فلم يعجل عليه بالخلق وهلة واحدة ولا بالعقوبة إذ كذب خبره وعصى أمره بل كان خلقه وأمره وجزاؤه بعد تمـهيل وتدريج وأناة ولهذا ذم الإنسان بالعجلة بقوله : { وكان الإنسان عجولا } وقال { خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون }

ومن أسرارها أن إثبات النبوة والمعاد يعلم بالعقل وهذا أحد القولين لأصحابنا وغيرهم فإن الله سبحانـه أنكر على من حسب أنـه يترك سدى فلا يؤمر ولا ينـهى ولا يثاب ولا يعاقب ولم ينف سبحانـه ذلك بطريق الخير المجرد بل نفاه نفي مالا يليق نسبته إليه ونفي منكر على من حكم بـه وظنـه ثم استدل سبحانـه على فساد ذلك وبين أن خلقه الإنسان في هذه الأطوار وتنقله فيها طورا بعد طور حتى بلغ نـهايته - يأبى أن يتركه سدى فإنـه ينزه عن ذلك كما ينزه عن العبث والعيب والنقص
وهذه طريقة القرآن في غير موضع كماقال تعالى { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم } فجعل كماله ملكه وكونـه سبحانـه الحق وكونـه لا إله إلا هو وكونـه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل مادونـه - مبطلا لذلك الظن الباطل والحكم الكاذب وإنكار هذا الحسبان عليهم مثل إنكاره عليهم حسبانـهم أنـه لا يسمع سرهم ونجواهم وحسبان أنـه لايراهم ولايقدر عليهم وحسبان أن يسوي بين أوليائه وبين أعدائه في محياهم ومماتهم وغير ذلك مما هو منزه عنـه تنزيهه عن سائر العيوب والنقائص وأن نسبة ذلك كنسبة ما يتعالى عنـه مما لا يليق : من اتخاذ الولد والشريك ونحو ذلك مماي نكره سبحانـه على من حسبه أشد الإنكار فدل على أن ذلك قبيح ممتنع نسبته إليه كما يمتنع أن ينسب إليه سائر ما ينافي كماله المقدس
ولو كن نفي تركه سدى إنما يعلم بالسمع المجرد لم يقل بع ذلك { ألم يك نطفة } إلى آخره ومما يدل أن تعطيل أسمائه وصفاته ممتنع وكذلك تعطيل موجبها ومقتضاها فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونـهيه وثوابه وعقابه وكذلك يستلزم إرسال رسله وإنزال كتبه وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانـه والمسيء بإساءته فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه ولم يثبت له الملك الحق ولذلك كان منكر ذلك كافرا بربه وإن زعم أنـه يقر بصانع العالم فلم يؤمن بالملك الحق ولذلك كان منكر ذلك كافرا بربه وإن زعم أنـه يقر بصانع العالم فلم يؤمن بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال والمستحق لنعوت الكمال كما أن المعطل لكلامـه وعلوه على خلقه لم يؤمن بـه سبحانـه فإنـه آمن برب لا يتكلم ولا يأمر ولا ينـهى و لا يصعد إليه قول ولا عمل ولا ينزل من عنده ملك ولا أمر ولانـهي ولاترفع إليه الأيدي ومعلوم أن هذا النفي آمن بـه رب مقدر في ذهنـه ليس هو رب العالمين وإله المرسلين
وكذلك إذا اعتبرت اسمـه الحي وجدته مقتضيا لصفات كماله من علمـه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته ورحمته وفعله ما يشاء واسمـه القيوم مقتض لتدبير أمر العالم العلوي والسفلي وقيامـه بمصالحه وحفظ له فمن أنكر صفات كماله لم يؤمن بأنـه الحي القيوم وإن أقر بذلك ألحد في أسمائه وعطل حقائقها حيث لم يمكنـه تعطيل ألفاظها وبالله التوفيق

ومن ذلك قوله تعالى { كلا والقمر * والليل إذ أدبر * والصبح إذا أسفر * إنـها لإحدى الكبر * نذيرا للبشر * لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر } أقسم سبحانـه بالقمر الذي هو آية الليل وفيه من الآيات الباهرة الدالة على ربوبية خالقه وبارئه وحكمته وعلمـه وعنايته بخلقه - ما هو معلوم بالمشاهدة
وهو سبحانـه أقسم بالسماء وما فيها ممالا نراه من الملائكة وما فيها مما نراه من الشمس والقمر والنجوم وما يحدث بسبب حركات الشمس والقمر : من الليل والنـهار وكل ذلك آية من آياته ودلالة من دلائل ربوبيته
ومن تدبر أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما وجرمـهما ونورهما وحركتهما على نـهج واحد لا ينيان ولا يفتران دائبين ولا يقع في حركتهما اختلاف بالبطء والسرعة والرجوع والاستقامة والانخفاض والارتفاع ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل عليه في سلطانـه ولا تدرك الشمس القمر ولايجيء الليل قبل انقضاء النـهار بل لكل حركة مقدرة ونـهج معين لا يشركه فيه الآخر كما أن له تأثيرا ومنفعة لا يشركه فيها الآخر وذلك مما يدل من له أدنى عقل على أنـه بتسخير مسخر وأمر آمر تدبير مدبر بهرت حكمته العقول وأحاط علمـه بكل دقيق وجليل وفرق ما علمـه الناس من الحكم التي في خلقهما مالا تصل إليه عقولهم ولا تنتهي إلى مباديها أوهامـهم فغايتنا الاعتراف بجلال خالقهما وكمال حكمته ولطف تدبيره وأن نقول ما قاله أولوا الألباب قبلنا { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } ولو أن العبد وصف له جرم أسود مستدير عظيم الخلق يبدو فيه النور كخيط متسخن ثم يتزايد كل ليلة حتى يتكامل نوره فيصير أضوأ شيء وأحسنـه وأجمله ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حاله الأول فيحصل بسبب ذلك معرفة الأشـهر والسنين وحساب آجال العالم : من مواقيت حجهم وصلاتهم ومواقيت أجائرهم ومدايناتهم ومعاملتهم التي لا تقوم مصالحهم إلابها فمصالح الدنيا والدين متعلقة بالأهلة
وقد ذكر سبحانـه ذلك في ثلاثة آيات من كتابه : أحدها قوله { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } والثانية قوله { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون } والثالثة قوله { وجعلنا الليل والنـهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النـهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا } فلولا ما يحدثه الله سبحانـه في آيات الليل من زيادة ضوئها ونقصانـه لم يعلم ميقات الحج والصوم والعدد ومدة الرضاع ومدة الحمل ومدة الإجارة ومدة آجال الحاملات
فإن قيل : كان يمكن هذا بحركة الشمس والأيام التي تحفظ بطلوع الشمس وغروبها كما يعرف أهل الكتابين مواقيت صيامـهم وأعيادهم بحساب الشمس قيل : هذا وإن كان ممكنا إلا أنـه يعسر ضبطه ولا يقف عليه إلا الآحاد من الناس ولا ريب أن معرفة أوائل الشـهور وأوساطها وأواخرها بالقمر أمر يشترك فيه الناس وهو أسهل من معرفة ذلك بحساب الشمس وأقل اضطرابا واختلافا ولا يحتاج إلى تكلف حساب وتقليد من لا يعرفه من الناس لمن يعرفه فالحكمة البالغة التي في تقدير السنين والشـهور بسير القمر أظهر وأنفع وأصلح واقل اختلافا من تقديرها بسير الشمس فالرب جل جلاله دبر الأهلة بهذا التدبير العجيب لمنافع خلقه في مصالح دينـهم ودنياهم مع ما يتصل بـه من الاستدلال بـه على وحدانية الرب وكمال حكمته وعلمـه وتدبيره فشـهادة الحق بتغير الأجرام الفلكية وقيام أدلة الحدوث والخلق عليها فهي آيات ناطقة بلسان الحال على تكذيب الدهرية وزنادقة الفلاسفة والملاحدة القائلين : بأنـها أزلية أبدية لا يتطرق إليها التغيير ولا يمكن عدمـها
فإذا تأمل البصير القمر مثلا وافتقاره إلى محل يقوم بـه وسيره دائبا لا يفتر مسير مسخر مدبر وهبوطه تارة وارتفاعه تارة وأفوله تارة وظهوره تارة وذهاب نوره شيئا فشيئا ثم عوده إليه كذلك وسبب ضوئه جملة واحدة حتى يعود قطعة مظلمة بالكسوف - علم قطعا أنـه مخلوق مربوب مسخر تحت أمر خالق قاهر مسخر له كما يشاء وعلى أن الرب سبحانـه لم يخلق هذا باطلا وأن هذه الحركة فيه لابد أن تنتهي إلى الانقطاع والسكون وأن هذا الضوء والنور لابد أن ينتهي إلى ضده وأن هذا السلطان لابد أن ينتهي إلى العزل وسيجمع بينـهما جامع المتفرقات بعد أن لم يكونا مجتمعين ويذهب بهما حيث شاء ويرى المشركين من عبدتهما حال آلهتم التي عبدوها من دونـه كما يرى عباد الكواكب انتثارها وعباد السماء انفطارها وعباد الشمس تكويرها وعباد الأصنام إهانتها وإلقاءها في النار أحقر شيء في النار أحقر شيء وأذله وأصغره كما أرى عباد العجل في الدنيا حاله ومبارد عباده تسحقه وتمحقه والريح تمزقه وتذروه وتنسفه في اليم وكما أرى الأصنام في الدنيا صورها مكسرة مخردلة ملقاة بالأمكنة القذرة ومعاول الموحدين قد هشمت منـها تلك الوجوه وكسرت تلك الرؤوس وقطعت تلك الأيدي والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه سنة الله والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه سنة الله التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أنـه يرى عابد غيره حال معبوده في الدنيا والآخرة وإن كان المعبود غير راض بعبادة غيره ويريه تبريه منـه ومعاداته له أحوج ما يكون إليه { ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة } ويعلم الذين كفروا أنـهم كانوا كاذبين :
( تأمل سطور الكائنات فإنـها من الملك الأعلى إليك رسائل )
( وقد خط فيها - لو تأملت خطها - ألا كل شيء ما خلا الله باطل )
ولو شاء تعالى لأبقى القمر على حالة واحدة لا يتغير وجعل التغيير في الشمس ولو شاء لغيرهما معا ولو شاء لأبقاهما على حالة واحدة ولكن يرى عباده آياته في أنواع تصاريفها ليدلهم على أنـه الله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين الفعال لما يريد { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } وأما تأثير القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وفي المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال وغير ذلك من المنافع فأمر ظاهر

وما أقسامـه سبحانـه بـ { والليل إذ أدبر } فلما في أدباره وإقبال النـهار من أبين الدلالات الظاهرة على المبدأ والمعاد فإنـه مبدأ ومعاد يومي مشـهود بالعيان بينما الحيوان في سكون الليل قد هدأت حركاتهم وسكنت أصواتهم ونامت عيونـهم وصاروا إخوان الأموات إذا أقبل من النـهار داعيه وأسمع الخلائق مناديه فانتشرت منـهم الحركات وارتفعت منـهم الأصوات حتى كأنـهم قاموا أحياء من القبور يقول قائلهم [ الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور ] فهو معاد جديد بدأه وأعاده الذي يبدئ ويعيد فمن ذهب بالليل وجاء بالنـهار سوى الواحد القهار ؟
فمن تأمل حال الليل إذا عسعس وأدبر والصبح إذا تنفس وأسفر فهزم جيوش الظلام بنفسه وأضاء أفق العالم بقبسه و فل كتائب الكواكب بعساكره وأضحك نواحي الأرض بتباشيره وبشائره فيالهما آيتان شاهدتان بوحدانية منشئهما وكمال ربوبيته وعظم قدرته وحكمته فتبارك الذي جعل طلوع الشمس وغروبها مقيما لسلطان الليل والنـهار فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس يسعون في معاشـهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم ؟ وكيف كانت تهنيهم الحياة مع فقد لذة النور وروحه وأي ثمار ونبات وحيوان كان يوجد ؟ وكيف كانت تتم مصالح أبدان الحيوان والنبات ؟ ولولا غروبها لم يكن للناس هدر ولا قرار مع علم حاجتهم إلى الهدوء لراحة أبدانـهم وجموم حواسهم فلولا جثوم هذا الليل عليهم بظلمته ما هدأوا ولا قروا ولا سكنوا بل جعله أحكم الحاكمين سكنا ولباسا كما جعل النـهار ضياء ومعاشا ولولا الليل وبرده لاحترقت أبدان النبات والحيوان من دوام شروق الشمس عليها وكان يحرق ما عليها من نبات وحيوان فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجا يطلع على العالم في وقت حاجتهم إليه ويغيب في وقت استغنائهم عنـه فطلوعه لمصلحتهم وغيبته لمصلحتهم وصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متضافرين على مصلحة هذا العالم وقوامـه فلو جعل الله سبحانـه النـهار سرمدا إلى يوم القيامة والليل سرمدا إلى يوم القيامة لفاتت مصالح العالم واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته بضده
وتأمل حكمته سبحانـه في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من مصالح الخلق ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منـها مواد الثمار ويكثف الهواء فينشأ منـه السحاب وينعقد فيحدث المطر وحركات الطبائع وفي الصيف يخرم الهواء فينضج الثمار وتشتد الحبوب ويحفف وجه الأرض فيتهيأ العمل وفي الخريف يصفو الهواء وتبرد الحرارة ويمتد الليل وتستريح الأرض والشجر للحمل والنبات مرة ثانية بمنزلة راحة الحامل بين الحملين ففي هذه الأزمنة مبدأ ومعاد مشـهود وشاهد بالمبدأ والمعاد الغيبي
والمقصود أن بحركة هذين النيرين تتم مصالح العالم وبذلك يظهر الزمان فإن الزمان مقدار الحركة فالسنة الشمسية مقدار سير الشمس من نقطة الحمل إلى مثلها والسنة القمرية مقدرة بسير القمر وهو أقرب إلى الضبط واشترك الناس في العلم بـه وقدر أحكم الحاكمين تنقلهما في منازلهما لما في ذلك من تمام الحكمة ولطف التدبير فإن الشمس لو كانت تطلع وتغرب في موضع واحد لا تتعداه لما وصل ضوءها وشعاعها إلى كثير من الجهات فكان نفعها يفقد هناك فجعل الله سبحانـه طلوعها دولا بين الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه من نفعها واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنـهار على أربعة وعشرين ساعة ويأخذ كل منـهما من صاحبه ومنتهى كل منـهما إذا امتد خمسة عشر ساعة فلو زاد مقدار النـهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلا أو أكثر لاختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضا وتعطلت المصالح ولو استويا دائما لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما يشـهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا يذكر سبحانـه هذا التقدير ويضيفه إلى عزته وعلمـه كما قال تعالى { وآية لهم الليل نسلخ منـه النـهار فإذا هم مظلمون * والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم } وقال تعالى : { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم } وقال تعالى { فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم } فهذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن تقدير حركات الشمس والقمر والأجرام العلوية وما ينشأ عنـها كان من مقتضى عزته وعلمـه وأنـه قدره بهاتين الصفتين وفي هذا تكذيب لأعداء الله الملاحدة الذين ينفون قدرته واختياره وعلمـه بالمغنيات

وأقسم سبحانـه بهذه الأشياء الثلاثة - وهي القمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر - على المعاد لما في القسم من الدلالة على ثبوت المقسم عليه فإنـه يتضمن كمال قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وإبداء الخلق وإعادته كما هو مشـهود في إبداء النـهار والليل وإعادتهما وفي إبداء النور وإعادته في القمر وفي إبداء الزمان وإعادته الذي هو حاصل بسير الشمس والقمر وإبداء الحيوان والنبات وإعادتهما وإبداء فصول السنة وإعادتها وإبداء ما يحدث في تلك الفصول وإعادته فكل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي أخبرت بـه الرسل كلهم عنـه فصرف سبحانـه الآيات الدالة على صدق رسله ونوعها وجعلها للفطر تارة وللسمع تارة وللمشاهدة تارة فجعلها آفاقية ونفسية ومنقولة ومعقولة ومشـهودة بالعيان ومذكورة بالحنان فأبى الظالمون إلا كفورا { واتخذوا من دونـه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا }
ولما أقام الحجة وبين المحجة إرتهن كل نفس يكسبها وآخذها بذنبها واستثنى من أولئك من قبل هداه واتبع رضاه وهم أصحاب اليمين الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وسلكوا غير سبيل المجرمين الذين ليسوا من المصلين ولا من مطمعي المسكين وهم من أهل الخوض مع الخائضين المكذبين بيوم الدين فهذه أربع صفات أخرجتهم من زمرة المفلحين وأدخلتهم في جملة الهالكين : ( الأولى ) ترك الصلاة وهي عمود الإخلاص للمعبود ( الثانية ) ترك إطعام المسكين الذي هو من مراتب الإحسان للعبيد فلا إخلاص للخالق ولا إحسان للمخلوق كما قال تعالى { الذين هم يراؤون * ويمنعون الماعون } وقال { لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون } وهذا ضد ما وصف بـه أصحاب اليمين بقوله { الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } وقال { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون } وقرن سبحانـه بين هذين الأصلين في غير موضع في كتابه : أمر بهما تارة وأثنى على فاعليهما تارة وتوعد بالويل والعقاب تاركهما تارة فإن مدار النجاة عليهما ولا فلاح لمن أخل بهما
الصفة الثالثة والرابعة الخوض بالباطل والتكذيب بالحق فاجتمع لهم عدم الإخلاص والإحسان والخوض بالباطل والتكذيب بالحق واجتمع لأصحاب ( اليمين ) الإخلاص والإحسان والتصديق بالحق والتكلم بـه فاستقام إخلاصهم وإحسانـهم ويقينـهم وكلامـهم واستبدل أصحاب الشمال بالإخلاص شركا وبالإحسان اساءة وباليقين شكا وتكذيبا وبالكلام النافع خوضا في الباطل فلذلك لم تنفعهم شفاعة الشافعين أي لم يكن لهم من شفيع فيهم لأن الشفاعة تقع فيهم ولا تنفع وهذا لما أعرضوا عن التذكرة ولم يرفعوا بها رأسا وجفلوا عن سماعها كما تجفل حمر الوحش من الأسد أو من الرماة
ثم ختم السورة بأنـه جمع فيها بين شرعه وقدره وإقامة الحجة عليهم بإثبات المشيئة لهم وبيان مقتضى التوحيد والربوببية وأن ذلك إليه لا إليهم فالأول عدله والثاني فضله فالأول يوجب السعي والطلب والحرص على ما ينجيهم كما يفعلون ذلك في مصالح دنياهم بل أشد والثاني يوجب الإستعانة والتوكل والتفويض والرغبة إلى من ذلك بيده ليسهل لهم ويوفقهم والله المستعان وعليه التكلان

ومن ذلك قوله { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون * إنـه لقول رسول كريم } إلى آخرها قال مقاتل : بما تبصرون من الحلق وما لا تبصرون منـه وقال قتادة : أقسم بالأشياء كلها بما يبصر منـها وما لا يبصر وقال الكلبي تبصرون من شيء وما لا تبصرون من شيء وهذا أعم قسم وقع في القرآن فإنـه يعم العلويات والسفليات والدنيا والآخرة وما يرى وما لا يرى ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والأنس والعرش والكرسي وكل مخلوق وكل ذلك من آيات قدرته وربوبيته وهو سبحانـه يصرف الأقسام كما يصرف الآيات ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى وما يرى آية ودليل على صدق رسوله وأن ما جاء بـه هو من عند الله وهو كلامـه لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن
ومن تأمل المخلوقات ما يراه منـها وما لا يراه واعتبر ما جاء بـه الرسول بها ونقل فكرته في مجاري الخلق والأمر ظهر له أن هذا القرآن من عند الله وأنـه كلامـه وهو أصدق الكلام وأنـه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منـها ومالا يرى حق كما قال تعالى { فورب السماء والأرض إنـه لحق مثل ما أنكم تنطقون } أي إن كان نطقكم حقيقة وهو أمر موجود لا تمارون فيه ولا تشكون فهذا ما أخبرتكم بـه من التوحيد والمعاد والنبوة حق كما في الحديث [ إنـه لحق مثل ما أنك ههنا ] فكأنـه سبحانـه يقول : إن القرآن حق كما أن ما شاهدوه من الخلق وما لا يشاهدونـه حق موجود بل لو فكرتم فيما تبصرون وما لا تبصرون لدلكم وما لا يشاهدونـه حق موجود بل لو فكرتم فيما تبصرون ومالا تبصرون لدلكم ذلك على أن القرآن حق ويكفي الإنسان من جميع ما يبصره ومالا يبصره بعينـه ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرا وباطنا ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر بـه رسوله وما لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه
ثم ذكر سبحانـه المقسم عليه فقال { إنـه لقول رسول كريم } وهذا رسول البشرى محمد صلى الله عليه و سلم وفي إضافته إليه باسم الرسالة أبين دليل أنـه كلام المرسل فمن أنكر أن يكون الله قد تكلم بالقرآن فقد أنكر حقيقة الرسالة لو كانت إضافته إليه إنشاء وابتداء لم يكن رسولا ولناقض ذلك إضافته إلى رسوله الملكي في سورة التكوير
ثم بين سبحانـه كذب أعدائه وبهتهم في نسبة كلامـه تعالى إلى غيره وأنـه لم يتكلم بـه بل قاله من تلقاء نفسه كما بين كذب من قال { إن هذا إلا قول البشر } فمن زعم أنـه قول البشر فقد كفر وسيصليه الله سقر
ثم أخبر سبحانـه أنـه تنزيل من رب العالمين وذلك يتضمن أمورا : ( أحدها ) أنـه تعالى فوق خلقه كلهم وأن القرآن نزل من عنده ( والثاني ) أنـه تكلم بـه حقيقة لقوله { من رب العالمين } ولو كان غيره هو المتكلم بـه لكان من ذلك الغير ونظير هذا قوله { ولكن حق القول مني } ونظيره قوله { قل نزله روح القدس من ربك بالحق } وقوله { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } وقوله { تنزيل من حكيم حميد } وما كان من الله فليس بمخلوق ولا ينتقض هذا بأن الزرق والمطر وما في السموات والأرض جميعا منـه وهو مخلوق لأن ذلك كله أعيان قائمة بنفسها وصفات وأفعال لتلك الأعيان فإضافتها إلى الله سبحانـه وانـها منـه إضافة خلق كإضافة بيته وعبده وناقته وروحه وبابه - إليه بخلاف كلامـه فإنـه لابد أن يقوم بمتكله إذ كلام من غير متكلم كسمع من غير سامع وبصره من غير مبصر وذلك عين المحال فإذا أضيف إلى الرب كان بمنزلة إضافة سمعه وبصره وحياته وقدرته وعلمـه ومشيئته إليه ومن زعم أن هذه إضافة مخلوق إلى خالق فقد زعم أن الله لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا مشيئة تقوم بـه وهذا هو التعطيل الذي هو شر من الاشراك وإن زعم أن إضافة السمع والبصر والعلم والحياة القدرة إضافة صفة إلى موصوف فإضافة الكلام إليه إضافة مخلوق إلى خالق فقد تناقض وخرج عن موجب العقل والفطرة والشرع ولغات الأمم وفرق بين مماثلين حقيقة وعقلا وشرعا وفطرة ولغة
وتأمل كيف إضافه سبحانـه إلى الرسول بلفظ القول وأضافه إلى نفسه بلفظ الكلام في قوه { حتى يسمع كلام الله } فإن الرسول يقول للمرسل إليه ما أمر بقوله فيقول : قلت كذا وكذا وقلت له : ما أمرتني أن أقوله كما قال المسيح { ما قلت لهم إلا ما أمرتني بـه } والمرسل يقول للرسول : قل لهم كذا وكذا كما قال تعالى { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } ونظائره فإذا بلغ الرسول ذلك صح أن يقال : قال الرسول كذا وهذا قول الرسول - أي قاله مبلغا - وهذا قوله مبلغا عن مرسله ولا يجيء في شيء من ذلك تكلم لهم بكذا وكذا ولا تكلم الرسول بكذا وكذا ولا أنـه بكلام رسول كريم ولا في موضع واحد بل قيل للصديق - وقد تلى آية - هذا كلامك وكلام صاحبك فقال : ليس بكلامي ولا كلام صاحبي هذا كلام الله

الأمر الثالث ما تضمنـه قوله { تنزيل من رب العالمين } إنـه ربوبيته الكاملة لخلقة تأبى أن يتركهم سدى : لا يأمرهم ولا ينـهاهم ولا يرشدهم إلى ما ينفعهم ويحذرهم ما يضرهم بل يتركهم هملا بمنزلة الأنعام السائمة فمن زعم ذلك لم يقدر رب العالمين قدره ونسبه إلا ما لا يليق بـه تعال { فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم }
ثم أقام سبحانـه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنـه لم يتقول عليه فيما قاله وأنـه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمـه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عله وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمـهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلقـ فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك ؟ بل كيف يليق بـه أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق : يسفك دماءعم ويسبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلا : إن الله أمرني بذلك وأباحه لي ؟ بل كيف يليق بـه أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها
فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامـه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامـه فيشـهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجى ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله
وأذمر في عذل مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له - بعد أن أقضى في نبوة النبي صلى الله عليه و سلم - إلى أن قلت له : إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح النقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال : كيف تقول مثل هذا الكلام ؟ فقلت له : بيانـه علي فاسمع الآن : أنتم تزعمون أنـه لم يكن رسولا وإنما كان ملكا قاهرا قهر الناس بسيفه صلى الله عليه و سلم ( حتى دانوا له ومكث ثلاثا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول : أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونـهاني ولم ينـهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمـه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبا مفتريا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده : يسفك دماءهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته وهو في ذلك كله يقول : الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالما بذلك مطلعا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم بـه قد حتم في الرب تعالى ونسبتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمـه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمـه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرا على أن يغير ذلك ويأخذ على يديه ويحول بينـه وبينـه أم لا ؟ فإن قلتم ليس قادرا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منـه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرا ولكن مكنـه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينـه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته ومـهلك من خالفه وكذبه ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منـها لما أمكنـهم ولعجزوا عن ذلك وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرا خارجا عن العادة فظهر أن من أنكر كونـه رسولا نبيا فقد سبب الله وقدح منـه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه
قلت له : ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنـهم الله في الأرض وقتا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانـه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادتين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينـهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسبنة الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينـه
فلما سمع ذلك قال : معاذ الله لا نقول أنـه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا ؟
قلت له : بطل كل ما تموهون بـه بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنـه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر بـه وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنـه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن بـه فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن بـه من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منـه وجورا لم يكن نبيا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر بـه وطاعته فيما أمر
وقد أرشد سبحانـه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال { ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منـه باليمين * ثم لقطعنا منـه الوتين * فما منكم من أحد عنـه حاجزين } يقول سبحانـه : لو تقول علينا قولا واحدا من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوجه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمينـه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنـه قلت : وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين
قال : ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم : خذ بيده واسفع بيده فكأن قال : لو كذب علينا في شيء ( مما بلغ ) إليكم عنا لأخذنا بيمينـه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن
فقد أخبر سبحانـه أنـه لو تقول عليه شيئا من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذبا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق بـه أن يقر الكاذب عليه فضلا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه
ويقوله : { ثم لقطعنا منـه الوتين } والوتين : نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة وقال ابن قتيبة : ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينـه ولكن أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينـه قال : ومثله قوله : ( [ مازالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري ] والأبهر : عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنـه قال : فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره
ثم قال تعالى { فما منكم من أحد عنـه حاجزين } أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني
الموضع الثاني قوله تعالى { أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنـه عليم بذات الصدور } وفي معنى الآية للناس قولان : أحدهما قول مجاهد ومقاتل : إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة : إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه
( أحدهما ) أن هذا خرج جوابا لهم وتكذيبا لقولهم : أن محمدا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قاد لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون م على قلبه فلا يمكنـه أن يأتي بشيء منـه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى مافيه فيعود المعنى إلى أنـه لو افترى علي لم أمكنـه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمـه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والأخبار بالغيوب ما لم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي بـه ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانـه - لما أمكنـه أن يأتيكم بشيء منـه فأين هذا المعنى إلى المعنى الذي ذكره الآخرون ؟ وكيف يلتئم مع حكاية قولهم ؟ وكيف يتضمن الرد عليهم ؟
( الوجه الثاني ) أن مجر الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينـهما ولا يكون فيه رد لقولهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر
( الثالث ) أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال ام على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله { ختم الله على قلوبهم } وقوله { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة } ونظائره وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض } وقوله { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي بـه لولا أن ربطنا على قلبها } والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول : اللهم إربط على قلبي ولا يحسن أن يقول : اللهم اختم على قلبي
( الرابع ) أنـه سبحانـه حيث يحكى أقوالهم ( أنـه افتراه ) لا يجيبهم عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنـه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئا بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله { أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا } وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء منـه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنـه الحق وأنـهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر
( الخامس ) أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنـه لو شاء لما أقره ولا مكنـه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير
( السادس ) أنـه لا دلالة في سياق الآية على الصبر يوجه ما : لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنـه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونـه يحول بينـه وبينـه ولا يمكنـه من الإفتراء عليه فقد ذكره في مواضع ( السابع ) أنـه سبحانـه أخبر أنـه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم بـه وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنـه وعلمـه كما قال تعالى { قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم بـه } وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدروا لي لكان مقدروا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منـهم ولكن الله بعثني بـه ولو شاء سبحانـه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وإن أعلمكم بـه البتة لا على لساني ولا على لسان غيري ولكنـه أوحاه إلي وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم بـه بعد أن لم تكونوا دارين بـه فلو كان كذبا وافتراء كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون بـه من جهته لأن الكذب لا يعجز عنـه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري
ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنـه تعلمـه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله } تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منـه ألبته ولا كان لي بـه علم ولا ببعضه ثم أتيتكم بـه وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منـه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنـه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكنني من تلاوته ولا أمكمكم من العلم بـه بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم بـه فلم تكونوا عالمين بـه ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليا له ولا لبعضه
فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته
ومن هذا قوله سبحانـه { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك بـه علينا وكيلا } وهذا هو المناسب لقوله { أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك } ولقوله { ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منـه باليمين } وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم ؟
( الثامن ) أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } وقوله { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين } وقوله { إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره } وقوله { إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء } ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيا
( التاسع ) أن ام على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنـه يستلزم الصبر كما قال تعالى { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم بـه ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم } ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر بط قلبه كأنـه حبس قلبه عن الإضطراب ومنـه يقال : هو رابط الجأش وقد ظن الواحدي أن على زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنـه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء و قيل : ربط عليه كأنـه أحاط عليه بالربط فلهذا قيل : ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف ام
( العاشر ) أن ام هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي صلى الله عليه و سلم كان يعلم قول أعدائه : أنـه افترى القرآن ويشعر بـه فلم يجعل الله على قلبه مانعا من الأذى بقولهم قيل : هذا أولى أن يسمى ختما وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنـهم كما قال تعالى { قد نعلم إنـه ليحزنك الذي يقولون } وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنـه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم
ثم أخبر سبحانـه أن القرآن تذكره للمتقين يتذكر بـه المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر بـه أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر بـه ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونـهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر بـه علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين
ثم قال سبحانـه { وإنا لنعلم أن منكم مكذبين } أي لا يخفون عليناـ فسنجازيهم بتكذيبهم
ثم أخبر سبحانـه أن رسوله وكلامـه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر بـه كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنـه إذا انكشف له حقيقة ما كذب بـه وصدق بـه كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة
ثم أخبر سبحانـه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل : هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق :
ذكر الله سبحانـه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة : حق اليقين وعلم اليقين وعين اليقين كما قال تعالى { كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونـها عين اليقين } فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها عليه وهو التصديق التام بـه بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيفنـهم أنـها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينـهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنـهم صدق المخبر
( المرتبة الثانية ) عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى { لترونـها عين اليقين } وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة : فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعا ( ليس الخبر كالمعاين ) وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الحبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي صلى الله عليه و سلم لفظ الشك حيث قال ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ) ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشـهود بعد خبر ومعاينة بعد سماع
( المرتبة الثالثة ) مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس بـه كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منـهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمـها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال { إنـه لحق اليقين } فإن القلب يباشر الإيمان بـه ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين
وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثلا فقال : إذ قال لك من تجزم بصدقه : عندي عسل أريد أن أطعمك منـه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونـها يقينا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك : دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنـها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم
ثم ختم السورة بقولة { فسبح باسم ربك العظيم } وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الأخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظمة ملكه وجريان حكمـه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأن تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سمواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذبا متقولا عليه مفترى عليه يبدل دينـه وينسخ شرائعه ويقتل عباده ويخبر عنـه بما لا حقيقة له وهو سبحانـه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانـه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا

ومن ذلك قوله عز و جل { فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا منـهم وما نحن بمسبوقين } أقسم سبحانـه برب المشارق والمغارب وهي إما مشارق النجوم ومغاربها أومشارق الشمس ومغاربها وأن كل موضع من الجهة مشرق ومغرب فكذلك جمع في موضع وأفرد في موضع وثنى في موضع آخر فقال { رب المشرقين ورب المغربين } فقيل : هما مشرقا الصيف والشتاء وجاء في كل موضع ما يناسبه فجاء : في سورة الرحمن { رب المشرقين ورب المغربين } لأنـها سورة ذكرت فيها المزدوجات فذكر فيها الخلق والتعليم والشمس والقمر والنجوم والشجر والسماء والأرض والحب والثمر والجن والإنس ومادة أبي البشر وأبي الجن والبحرين والجنة والنار وقسم الجنة إلى جنتين عاليتين وجنتين دونـهما وأخبر أن في كل جنة عينين فناسب كل المناسبة أن يذكر المشرقين والمغربين
وأما سورة ( سأل سائل ) فإنـه أقسم سبحانـه على عموم قدرته وكمالها وصحة تعلقها بإعادتهم بعد العدم فذكر المشارق والمغارب بلفظ الجمع إذ هو أدل على المقسم عليه سواء أريد مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها أو كل جزء من جهتي المشرق والمغرب فكل ذلك آية ودلالة على قدرته تعالى على أن يبدل أمثال هؤلاء المكذبين وينشئهم فيما لا يعلمون فيأتي بهم في نشأة أخرى كما يأتي بالشمس كل يوم من مطلع ويذهب ( بها ) في مغرب
وأما في سورة ( المزمل ) فذكر المشرق والمغرب بلفظ الإفراد لما كان المقصود ذكر ربوبيته ووحدانيته وكما أنـه تفرد بربوبية المشرق والمغرب وحده فكذلك يجب أن يتفرد بالربوبية والتوكل عليه وحده فليس للمشرق والمغرب رب سواه فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إله ولا وكيل سواه وكذلك قال موسى لفرعون حين سأله { وما رب العالمين } فقال { رب المشرق والمغرب وما بينـهما إن كنتم تعقلون } وفي ربوبيته سبحانـه للمشارق والمغارب تنبيه على ربوبيته للسموات وما حوته من الشمس والقمر والنجوم وربوبيته ما بين الجهتين وربوبيته الليل والنـهار وما تضمناه ثم قال { إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا منـهم وما نحن بمسبوقين } أي لقادرون على أن يذهب بهم ونأتي بأطوع لنا منـهم وخيرا منـهم كما قال تعالى { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا } وقوله { وما نحن بمسبوقين } أي لا يفوتني ذلك إذا أردته ولا يمتنع مني وعبر عن هذا المعنى بقولة { وما نحن بمسبوقين } لأن المغلوب يسبقه الغالب إلى ما يريده فيفوت عليه ولهذا عدى بعلى دون إلى كما في قوله { وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم } فإنـه لما ضمنـه معنى مغلوبين ومقهورين عداه بعلى بخلاف سبقه إليه فإنـه فرق بين سبقته إله وسبقته عليه فالأول بمعنى غلبته وقهرته عليه والثاني بمعنى وصلت إليه قبله

وقد وقع الأخبار عن قدرته عليه سبحانـه على تبديلهم بخير منـهم وفي بعضها تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قوما غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينـها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منـهم فهو إخبار عن قدرته على أن يذهب بهم ويأتي بأطوع واتقى له منـهم في الدنيا وذلك قوه { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } يعني بل يكونوا خيرا منكم قال مجاهد : يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعلهم خيرا من هؤلاء فلم يتولوا بحمد الله فلم يستبدل بهم وأما ذكره تبديل أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان فقال في الواقعة { نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون } وقال في سورة الإنسان { نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا } قال كثير من المفسرين : المعنى أنا إذا أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك وفي قوله { وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا } إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منـهم قال المـهدوي : قوما موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في العمل ولم يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } فيكون استدلالا بقدرته على إذهابهم والإتيان بأمثالهم على إتيانـه بهم أنفسهم إذا ماتوا
ثم استدل سبحانـه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال { ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } فنبههم بما علموه وعاينوه على صدق ما أخبرتهم بـه رسله من النشأة الثانية
والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها وقد وفق الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال : وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر يعني النشأة الأخرى ثم قالوا : وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بأن لا بإذا كقوله { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم } قلت : وإتيانـه بإذا التي لا تكون إلا للمحق الوقوع يدل على تحقق وقوع هذا التبديل وأنـه واقع لا محالة وذلك هو النشأة الأخرى التي استدل على إمكانـها بقوله { ولقد علمتم النشأة الأولى } واستدل بالمثل على المثل وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه وكونـهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقا جديدا بعينـه فهم هم بأعيانـهم وهم أمثالهم وكونـهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقا جديدا بعينـه فهم هم بأعيانـهم وهم أمثالهم فهم أنفسهم يعادون فإذا قلت : المعاد هذا هو الأول بعينـه صدقت وإن قلت : هو مثله صدقت فهو هو معاد أو هو مثل الأول وقد أوضح هذا سبحانـه بقوله { بل هم في لبس من خلق جديد } فهذه الخلق الجديد هو المتضمن لكونـهم أمثالهم وقد سماه الله سبحانـه وتعالى إعادة والمعاد مثل المبدأ وسماه نشأة أخرى وهي مثل الأولى وسماه خلقا جديدا وهو مثل الخلق الأول كما قال { فعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } وسماه أمثالا وهم هم فتطابقت ألفاظ القرآن وصدق بعضها بعضا وبين بعضها بعضا ولهذا تزول إشكالات أوردها من لم يفهم المعاد الذي أخبرت بـه الرسل عن الله ولا يفهم من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنـهم غيرهم من كل وجه فهذا خطأ قطعا - معاذ الله من اعتقاده - بل هم أمثالهم وهم أعيانـهم فإذا فهمت الحقائق فلا يناقش في العبارة إلا ضيق العطن صغير العقل ضعيف العلم
وتأمل قوله تعالى في الواقعة { أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونـه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت } كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلا بها على النشأة الثانية بقولة { وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون } فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمـهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك ؟ وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت بـه الرسل والإيمان
وقال في سورة الإنسان { نحن خلقناهم وشددنا أسرهم } فهذه النشأة الأولى ثم قال { وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا } فهذه النشأة الأخرى ونظير هذا { وأنـه خلق الزوجين الذكر والأنثى * من نطفة إذا تمنى * وأن عليه النشأة الأخرى } وهذا في القرآن كثير جدا يقرن بين النشأتين مذكرا للفطر والعقول بإحداهما على الأخرى وبالله التوفيق

فلما أقام عليهم الحجة وقطع المعذرة قال { فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومـهم الذي يوعدون } وهذا تهديد شديد يتضمن ترك هؤلاء الذين قامت عليهم حجتي فلم يقبلوها ولم يخافوا بأسي ولا صدقوا رسالاتي في خوضهم بالباطل ولعبهم فالخوض في الباطل ضد التكلم بالحق واللعب ضد السعي فلا يعود نفعه على ساعيه فالأول ضد العلم الناقع والثاني ضد العمل الصالح فلا تكلم بالحق ولا عمل بالصواب وهذا شأن كل من أعرض عما جاء بـه الرسول لا بد له من هذين الأمرين
ثم ذكر سبحانـه حالهم عند خروجهم من القبور فقال { يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنـهم إلى نصب يوفضون } أي يسرعون والنصب العلم والغاية التي تنصب فيؤمونـها وهذا من ألطف التشبيه وأبينـه وأحسنـه فإن الناس يقومون من قبورهم مـهطعين إلى الداعي يؤمون الصوت لا يعرجون عنـه يمنة ولا يسرة كما قال { يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له } أي يقبلون من كل أوب إلى صوته وناحيته لا يعرجون عنـه قال الفراء : وهذا كما تقول : دعوتك دعوة لا عوج لك عنـها وقال الزجاج : المعنى لا عوج لهم من دعائه أي لا يقدرون إلا على اتباعه وقصده
فإن قلت : إذا كان المعنى لا عوج لهم عن دعوتي فكيف قال ( لا عوج له ) قيل : قالت طائفة : اللام بمعنى عن أي لا عوج عنـه وقالت طائفة : المعنى لا عوج لهم عن دعائي كما قال الزجاج وفي القولين تكلف ظاهر ولما كانت الدعوة تسمع الجميع لا تعوج عنـهم وكلهم يؤم صوت الداعي ويتبعه لا يعوج عنـه كان مجيء اللام منتظما للمعنيين ودالا عليهما والمعنى لا عوج لدعائه لا في إسماعهم إياه ولا في إجابتهم له
ثم قال تعالى { خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة } فوصفهم بذل الظاهر وهو خشوع الأبصار وذل الباطن وهو ما يرهقهم من الذل خشعت عنـه أبصارهم وقريب من هذا قوله { ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة } ونظيره قوله { وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما } وضد هذا قوله تعالى { إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى } فنفى عنـه الجوع الذي هو ذلك الباطن والعري الذي هو ذلك الظاهر وضده أيضا قوله : { ولقاهم نضرة وسرورا } فالنضرة عز الظاهر وجماله والسرور عز الباطن وجماله ومثله أيضا قوله { عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم ا طهورا } فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن ومثله قوله { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير } فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن ومثله قوله { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد } فرين ظاهرها بالنجوم وباطنـها بالحفظ من كل شيطان رجيم ومثله قوله أيضا { وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات } وقريب منـه قوله تعالى { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } ومنـه قوله { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون } فجمع لهؤلاء بين جمال الظاهر والباطن ولأولئك بين تسويد الظاهر والباطن ومنـه قول امرأة العزيز { فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } فوصفت ظاهره بالجمال وباطنـه بالعفة فوصفته بجمال الظاهر والباطن فكأنـها قالت : هذا ظاهره وباطنـه أحسن من ظاهره وهذا كله يدلك على ارتباط الظاهر بالباطن قدرا وشرعا والله أعلم بالصواب

ومن ذلك قوله تعالى { ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون } الصحيح أن ن وق وص من حروف الهجاء التي يفتتح بها الرب سبحانـه بعض السور وهي أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة وهي أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة ولم تذكر قط في أول سورة إلا وعقبها بذكر القرآن إما مقسما بـه وإما مخبرا عنـه ما خلا سورتين سورة كهيعص ون كقوله { الم * ذلك الكتاب } { الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب } { المص * كتاب أنزل إليك } { المر تلك آيات الكتاب } وهكذا إلى آخره ففي هذا تنبيه على شرف هذه الحروف وعظم قدرها وجلالتها إذ هي مباني كلامـه وكتبه التي تكلم سبحانـه بها وأنزلها على رسله وهدى بها عباده وعرفهم بواسطتها نفسه وأسماءه وصفاته وأفعاله وأمره ونـهيه ووعيده ووعده وعرفهم بها الخير والشر والحسن والقبيح وأقدرهم على التكلم بها بحيث يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم بأسهل طريق وقلة كلفة ومشقة وأوصله إلى المقصود وأدل عليه وهذا من أعظم ن عليهم كما هو من أعظم آياته ولهذا عاب سبحانـه على من عبد إلها لا يتكلم وامتن على عباده بأن أقدرهم على البيان بها بالتكلم فكان في ذكر هذه الحروف التنبيه على كمال ربوبيته وكمال إحسانـه وإنعامـه فهي أولى أن يقسم بها من الليل والنـهار والشمس والقمر والسماء والنجوم وغيرها من المخلوقات فهي دالة أظهر دلالة على وحدانيته وقدرته وحكمته وكماله وكلامـه وصدق رسله
وقد جمع سبحانـه بين الأمرين - أعني القرآن ونطق اللسان - وجعل تعليمـها من تمام نعمته وامتنانـه كما قال { الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمـه البيان } فبهذه الحروف علم القرآن وبها علم البيان وبها فضل الإنسان على سائر أنواع الحيوان وبها أنزل كتبه وبها أرسل رسله وبها جمعت العلوم وحفظتـ وبها انتظمت مصالح العباد في المعاش والمعاد وبها يتميز الحق من الباطل والصحيح من الفاسد وبها جمعت أشتات العلوم وبها أمكن تنقلها في الأذهان وكم جلب بها من نعمة ودفع بها من نقمة ؟ وأقيلت بها من عثرة وأقيمت بها من حرمة وهدى بها من ضلالة وأقيم بها من حق وهدم بها من باطل ؟ فآياته سبحانـه في تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان ولولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب فسبحان من هذا صنعه في هواء يخرج من قصبة الرئة فينضم في الحلقوم وينفرش في أقصى الحلق ووسطه وآخره وأعلاه وأسفله وعلى وسط اللسان وأطرافه وبين الثنايا وفي الشفتين والخيشوم فيسمع له عند كل مقطع من تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له فإذا هو حرف
فألهم سبحانـه الإنسان بضم بعضها إلى بعض فإذا هي كلمات قائمة بأنفسها ثم ألهمـهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض وإذا هي كلام دال على أنواع المعاني أمرا ونـهيا وخبرا واستخبارا ونفيا وإثباتا وإقرارا وإنكارا وتصديقا وتكذيبا وإيجابا واستحبابا وسؤالا و جوابا إلى غير ذلك من أنواع الخطاب نظمـه ونثره و وجيزه و مطوله على اختلاف لغات الخلائق كل ذلك صنعته تبارك وتعالى في هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره في مجار قد هيئت وأعدت لتقطيعه وتفصيله ثم تأليفه وتوصيله فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فهذا شأن الحرف المخلوق
وأما الحرف الذي بـه تكون المخلوقات فشأنـه أعلى وأجل وإذا كان هذا شأن الحروف فحقيق أن تفتتح بها السور كما افتتحت بالأقسام لما فيها من آيات الربوبية وأدلة الوحدانية فهي دالة على كمال قدرته سبحانـه وكمال علمـه وكمال حكمته وكمال رحمته وعنايته بخلقه ولطفه وإحسانـه وإذا أعطيت الاستدلال بها حقه استدللت بها على المبدأ والمعاد والخلق والأمر والتوحيد والرسالة فهي من أظهر أدلة شـهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن القرآن كلام الله تكلم بـه حقا وأنزله على رسوله وحيا وبلغه كما أوحي إليه صدقا ولا تهمل الفكرة في كل سورة افتتحت بهذه الحروف واشتمالها على آيات هذه المطالب وتقريرها وبالله التوفيق

ثم أقسم سبحانـه بـ { ن والقلم وما يسطرون } فأقسم بالكتاب وآلته وهو القلم الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى بـه قدره وشرعه وكتب بـه الوحي وقيد بـه الدين وأثبتت بـه الشريعة وحفظت بـه العلوم وقامت بـه مصالح العباد في المعاش والمعاد فوطدت بـه الممالك وأمنت بـه السبل والمسالك وأقام في الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه وواعظا تشفى مواعظه القلوب من السقم وطبيبا يبرئ بإذنـه من أنواع الألم : يكسر العساك العظيمة على أنـه الضعيف الوحيد ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد وبالأقلام تدبر الأقاليم وتساس الممالك والعلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن الأسماع فينسج حلل المعاني في الطرفين فتعود أحسن من الوشي المرقوم ويودعها حكمـه فتصير بوادر الفهوم والأقلام نظام للأفهام وكم أن اللسان يريد القلب فالقلم يريد اللسان ويولد الحروف المسموعة عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة عن القلم والقلم بريد القلب ورسوله وترجمانـه ولسانـه الصامت

والأقلام متفاوتة في الرتب فأعلاها وأجلها قدرا قلم القدر السابق الذي كتب الله بـه مقادير الخلائق كما في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : [ إن أول ما خلق الله القلم فقال له : اكتب قال : يا رب وما أكتب ؟ قال : أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ] واختلف العلماء هل القلم أو المخلوقات أو العرش ؟ على قولين ذكرهما الحافظ أبو يعلى الهمداني أصحهما أن العرش قبل القلم لما ثبت في الصحيح من حديث عبدالله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام عرشـه على الماء ] فهذا صريح أن التقدير وقع قبل خلق العرش والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة هذا
ولا يخلو قوله [ إن أول ما خلق الله القلم ] إلى آخره إما أن يكون جملة أو جملتين فإن كل جملة - وهو الصحيح - كان معناه أنـه عند أول خلقه قال له : أكتب كما في لفظ [ أول ما خلق الله القلم قال له أكتب ] بنصب أول والقلم فإن كانا جملتين وهو مروى برفع أول والقلم فيتعين حمله على أنـه أول المخلوفات من هذا العالم ليتفق الحديثان إذ حديث عبدالله بن عمر صريح في أن العرش سابق على التقدير والتقدير مقارن لخلق القلم وفي اللفظ الآخر [ لما خلق الله القلم قال له اكتب ]
فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها وقد قال غير واحد من أهل التفسير أنـه القلم الذي أقسم الله به

القلم الثاني

قلم الوحي وهو الذي يكتب بـه وحي الله إلى أنبيائه ورسله وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم والعالم خدم لهم وإليهم الحل والعقد والأقلام كلها خدم لأقلامـهم وقد رفع النبي صلى الله عليه و سلم ليلة الإسراء إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام : فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى من الأمور التي يدبر بها أمر العالم العلوي والسفلي

والقلم الثالث

قلم التوقيع عن الله ورسوله وهو قلم الفقهاء والمفتين وهذا القلم أيضا حاكم غير محكوم عليه فإليه التحاكم في الدماء والأموال والفروج والحقوق وأصحابه مخبرون عن الله بحكمـه الذي حكم بـه بين عباده وأصحابه حكام وملوك على أرباب الأقلام وأقلام العالم خدم لهذا القلم

القلم الرابع

قلم طب الأبدان التي تحفظ بها صحتها الموجودة وترد إليها صحتها المفقودة وتدفع بـه عنـها آفاتها وعوارضها المضادة لصحتها وهذا القلم أنفع الأقلام بعد قلم طب الأديان وحاجة الناس إلى أهله تلتحق بالضرورة

القلم الخامس التوقيع عن الملوك ونوابهم وسياس الملك ولهذا كان أصحابه أعز أصحاب الأقلام والمشاركون للملوك في تدبير الدول فإن صلحت أقلامـهم صلحت المملكة وإن فسدت أقلامـهم فسدت المملكة وهم وسائط بين الملوك ورعاياهم

القلم السادس

قلم الحساب وهو القلم الذي تضبط بـه الأموال مستخرجها ومصروفها ومقاديرها وهو قلم الأرزاق وهو قلم الكم المتصل والمنفصل الذي تضبط بـه المقادير وما بينـها من التفاوت والتناسب ومبناه على الصدق والعدل فإذا كذب هذا القلم وظلم فسد أمر المملكة

القلم السابع

قلم الحكم الذي تثبت بـه الحقوق وتنفذ بـه القضايا وتراق بـه الدماء وتؤخذ بـه الأموال والحقوق من اليد العادية فترد إلى اليد المحقة ويثبت بـه الإنسان وتنقطع بـه الخصومات وبين هذا القلم وقلم التوقيع عن الله عموم وخصوص فهذا له الفنوذ واللزوم وذاك له العموم والشمول وهو قلم قائم بالصدق فيما يثبته وبالعدل فيما يمضيه وينفذه

القلم الثامن

قلم الشـهادة وهو القلم الذي تحفظ بـه الحقوق وتصان عن الإضاعة وتحول بين الفاجر وإنكاره ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويشـهد للمحق بحقه وعلى المبطل بباطله وهو الأمين على الدماء والفروج والأموال والأنساب والحقوق ومتى خان هذا القلم فسد العالم أعظم فساد وباستقامته يستقيم أمر العالم ومبناه على العلم وعدم الكتمان

القلم التاسع

قلم التعبير وهو كاتب وحي المنام وتفسيره وتعبيره وما أريد منـه وهو قلم شريف جليل مترجم للوحي المنامي كاشف له وهو من الأقلام التي تصلح للدنيا والدين وهو يعتمد طهارة صاحبه ونزاهته وأمانته وتحريه للصدق والطرائق الحميدة والمناهج السديدة مع علم راسخ وصفاء باطن وحسن مؤيد بالنور الإلهي ومعرفة بأحوال الخلق وهيآتهم وسيرهم وهو من ألطف الأقلام وأا جولانا وأوسعها تصرفا وأشدها تشبثا بسائر الموجودات : علويها وسفليها وبالماضي والحال والمستقبل فتصرف هذا القلم في المنام هو محل ولايته وكرسي مملكته وسلطانـه

القلم العاشر

قلم تواريخ العالم ووقائعه وهو القلم الذي تضبط بـه الحوادث وتنقل من أمة إلى أمة ومن قرن إلى قرن فيحصر ما مضى من العالم وحوادثه في الخيال وينقشـه في النفس حتى كأن السامع يرى ذلك ويشـهده فهو قلم المعاد الروحاني وهذا القلم قلم العجائب فإنـه يعيد لك العالم في صورة الخيال فتراه بقلبك وتشاهد ببصيرتك

القلم الحادي عشر

قلم اللغة وتفاصيلها من شرح المعاني ألفاظها ونحوها وتصريفها وأسرار تراكيبها وما يتبع ذلك من أحوالها ووجوهها وأنواع دلالتها على المعاني وكيفية الدلالة وهو قلم التعبير عن المعاني باختيار أحسن الألفاظ وأعذبها وأسهلها وأوضحها وهذا القلم واسع التصرف جدا بحسب سعة الألفاظ وكثرة مجاريها وتنوعها

القلم الثاني عشر

القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين ورفع سنة المحقين وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها وبيان تناقضهم وتهافتهم وخروجهم عن الحق وهم في الباطل وهذا القلم في الأفلاك نظير الملوك في الأنام وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت بـه الرسل المحاربون لأعدائهم وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال وأصحاب هذا القلم حرب لكل مبطل وعدو لكل مخالف للرسل فهم في شأن وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأن
فهذه الأقلام التي فيها انتظام مصالح العالم ويكفي في جلالة القلم أنـه لم تكتب كتب الله إلا بـه وأن الله سبحانـه أقسم بـه في كتابه وتعرف إلى غيره بأن علم بالقلم وإنما وصل إلينا ما بعث بـه نبينا صلى الله عليه و سلم بواسطة القلم ولقد أبدع أبو تمام إذ يقول في وصفه :
( لك القلم الأعلى الذي بشباته
يصاب من الأمر الكلى والمفاصل )
( له ريقة طل ولكن وقعها
بآثاره في الغرب والشرق وابل )
( لعاب الأفاعي القاتلات لعابه
وأرى الجنا اشتارته أيد عواسل )
( له الخلوات اللاء لولا نجيها
لما احتلفت للملك تلك المحافل )
( فصيح إذا استنطقته وهو راكب
وأعجم إن خاطبته وهو راجل )
( إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت
عليه شعاب الفكر وهي حوافل )
( أطاعته أطراف القنا وتقوضت
لنجواه - تقويض الخيام - الجحافل )
( إذا استغزر الذهن الذي وأقبلت
أعاليه في القرطاس وهي أسافل )
( وقد رفدته الخنصران وسددت
ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل )
( رايت جليلا شأنـه وهو مرهف
ضنا وسمينا خطبه وهو ناحل )

والمقسم عليه بالقلم والكتابة في هذه السورة تنزيه نبيه ورسوله عما يقول فيه أعداؤه وهو قوله تعالى { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } وأنت إذا طابقت بين هذا القسم والمقسم بـه وجدته دالا عليه أظهر دلالة وأبينـها فإن ما سطر الكاتب بالقلم من أنواع العلوم التي يتلقاها البشر بعضهم عن بعض لا تصدر من مجنون ولا تصدر إلا من عقل وافر فكيف يصدر ما جاء بـه الرسول من هذا الكتاب الذي هو في أعلى درجات العلوم ؟ بل العلوم التي تضمنـها ليس في قوى البشر الإتيان بها ولاسيما من أمي لا يقرأ كتابا ولا يخط بيمينـه مع كونـه في أعلى أنواع الفصاحة سليما من الاختلاف بريا من التناقض يستحيل من العقلاء كلهم لو اجتمعوا في صعيد واحد أن يأتوا بمثله ولو كانوا في عقل رجل واحد منـهم فكيف يتأتى ذلك من مجنون لا عقل له يميز بـه ما عسى كثير من الحيوان أن يميزه وهل هذا إلا من أقبح البهتان وأظهر الإفك
فتأمل شـهادة هذا المقسم بـه للمقسم عليه ودلالته عليه أتم دلالة ولو أن رجلا أنشأ رسالة واحدة بديعة منتظمة الأول والآخر متساوية الأجزاء يصدق بعضها بعضا أو قال قصيدة كذلك أو صنف كتابا كذلك لشـهد له العقلاء بالعقل ولما استجاز أحد رميه بالجنون مع إمكان - بل وقوع - معارضتها ومشاكلتها والإتيان بمثلها أو أحسن منـها فكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء كلهم قاطبة عن معارضته ومماثلته وعرفهم من الحق ما لا تهتدي عقولهم إليه بحيث أذعنت له عقول العقلاء وخضعت له ألباب الأولياء وتلاشت في جنب ما جاء بـه بحيث لم يسعها إلا التسليم له والانقياد والإذعان طائعة مختارة وهي ترى عقولها أشد فقرا وحاجة إلى ما جاء بـه ولا كمال لها إلا بما جاء بـه ؟ فهو الذي كمل عقولها كما يكمل الطفل برضاع الثدي ولهذا فإن أتباعه أعقل الخلق على الإطلاق وهذه مؤلفاتهم وكتبهم في الفنون إذا وازنت بينـها وبين مؤلفات مخالفيه ظهر لك التفاوت بينـها ويكفي في عقولهم أنـهم عمورا الدنيا بالعلم والعدل والقلوب بالإيمان والتقوى فكيف يكون متبوعهم مجنونا وهذا حال كتابه وهديه وسيرته وحال أتباعه ؟ وهذا إنما حصل له ولأتباعه بنعمة الله عليه وعليهم فنفى عنـه الجنون بنعمته عليه
وقد اختلف في تقدير الآية فقالت فرقة : الباء في ( بنعمة ربك ) باء القسم فهو قسم آخر اعتراض بين المحكوم بـه والمحكوم عليه كما يقول ما أنت بالله بكاذب وهذا التقدير ضعيف جدا لأنـه قد تقدم القسم الأول فكيف يقع القسم الثاني في جوابه ؟ ولا يحسن أن تقول : والله ما أنت بالله بقائم وليس هذا من فصيح الكلام ولا عهد في كلامـهم وقالت فرقة : العامل في ( بنعمة ربك ) أداة معنى النفي أو معنى أنفى عنك الجنون بنعمة ربك ورد أبو عمر ابن الحاجب وغيره وهذا القول بأن الحروف لا تعمل معانيها وإنما تعمل ألفاظها وقال الزمخشري يتعلق ( بنعمة ربك بمجنون ) منفيا كما يتعلق بعاقل مثبتا في قولك : أنت بنعمة الله عاقل يستويان في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك ضرب زيد عمرا وما ضرب زيد عمرا يعمل الفعل مثبتا ومنفيا إعمالا واحدا ومحله النصب على الحال أي ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنـها زائدة لتأكيد النفي
واعترض عليه بأن العامل إذا تسلط على محكوم بـه وله معمول فإنـه يجوز فيه وجهان : أحدهما نقى ذلك المعمول فقط نحو قولك : ما زيد بذاهب مسرعا فإنـه ينتفى الإسراع دون القيام ولا يمتنع أن يثبت له ذهاب في غير إسراع والثاني ينفي المحكوم بـه فينتفي معموله بانتفائه فينتفي الذهاب في هذه الحال فينتفي الإسراع بانتفائه فإذا جعل { بنعمة ربك } معمولا لمجنون لزم أحد الأمرين وكلاهما منتف جزما
وهذا الإعتراض هنا فاسد لأن المعنى إذا حصل ما أنت بمجنون منعما عليك لزم من صدق هذا الخب نفيها قطعا ولا يصح نفي المعمول وثبوت العامل في هذا الكلام ولا يفهم منـه من آلة الفهم وإنما يفهم الآدمي من هذا الكلام أن الجنون انتقى عنك بنعمة الله عليك وانتفى عنا فهمـه هذا المعترض بنعمة الله علينا ثم اخبر سبحانـه عن كماله حالتي نبيه صلى الله عليه و سلم في دنياه وأخراه فقال { وإن لك لأجرا غير ممنون } أي غير مقطوع بل هو دائم مستمر ونكر الأجر تنكير تعظيم كما قال { إن في ذلك لعبرة } و { إن في ذلك لآية } و { إن في ذلك لذكرى } و { إن للمتقين مفازا } و { وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } وهو كثير وإنما كان التنكير للتعظيم لأنـه صور للسامع بمنزلة أمر عظيم لا يدركه الوصف ولا يناله التعبير ثم قال { وإنك لعلى خلق عظيم } وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته لمن منحه الله فهما ولقد سئلت أم المؤمنين عن خلقه صلى الله عليه و سلم فأجابت بما شفى وكفى فقالت : كان خلقه القرآن فهم سائلها أن يقوم لا يسألها شيئا بعد ذلك ومن هذا قال ابن عباس وغيره : أي على دين عظيم وسمى الدين خلقا لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات زاكية وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل والحكمة والمصلحة وأقوال مطابقة للحق تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات فتكتسب النفس بها أخلاقا هي أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها فهذه كانت أخلاق رسول الله صلى الله عليه و سلم المقتبسة من مشكاة القرآن فكان كلامـه مطابقا للقرآن تفصيلا له وبيينا وعلومـه علوم القرآن وإرادته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن وإعراضه وتركه لما منع منـه القرآن ورغبته فيما رغب فيه وزهده فيما زهد فيه وكراهته لما كرهه ومحبته لما أحبه وسعيه في تنفيذ أوامره وتبليغه والجهاد في إقامته فترجمت أم المؤمنين لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول صلى الله عليه و سلم وحسن تعبيرها عن هذا كله بقولها : كان خلقه القرآن وفهم هذا السائل لها عن هذا المعنى فاكتفى بـه واشتفى
فإذا كانت أخلاق العباد وعلومـهم وإراداتهم وأعمالهم مستفادة من القلم وما يسطرون وكان في خلق القلم والكتابة إنعام عليهم وإحسان إليهم إذ وصلوا بـه إلى ذلك فكيف ينكرون إنعامـه وإحسانـه على عبده ورسوله الذي أعطاه أعلى الأخلاق وأفضل العلوم والأعمال والإرادات التي لاتهتدي للقول على تفاصيلها من غير قلم ولا كتابة ؟ فهل هذا إلا من أعظم آيات نبوته وشواهد صدق رسالاته ؟ وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون هو أم هم ؟ وقد علموا هم والعقلاء ذلك في الدنيا ويزداد علمـهم في البرزخ وينكشف ويظهر كل الظهور في الآخرة بحيث تتساوى أقدام الخلائق في العلم به
وقد اختلف تقدير قوله { بأيكم المفتون } فقال أبو عثمان المازني : هو كلام مستأنف والمفتون عنده مصدر أي : بأيكم الفتنة والاستفهام عن أمر دائر بين إثنين قد علم انتفاؤه عن أحدهما قطعا فتعين حصوله للآخر والجمـهور على خلاف هذا التقدير وهو عندهم متصل بما قبله ثم لهم فيه أربعة أوجه :
( أحدها ) أن الباء زائدة والمعنى : أيكم المفتون وزيدت في المبتدأ كما زيدت في قولك : بحسبك أن تفعل قاله أبو عبيد
( الثاني ) أن المفتون بمعنى الفتنة أي ستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة والباء على هذا ليست بزائدة قال الأخفش
( الثالث ) أن المفتون مفعول على بابه ولكن هنا مضاف محذوف تقديره بأيكم فتون المفتون وليست الباء زائدة قاله الأخفش أيضا
( الرابع ) أن الباء بمعنى في والتقدير في أي فريق منكم النوع المفتون والباء على هذا ظرفية وهذه الأقوال كلها تكلف ظاهر لا حاجة إلى شيء منـه و ( ستبصر ) مضمن معنى تشعر وتعلم فعدى بالباء كما تقول : ستشعر بكذا وتعلم بـه قال تعالى { ألم يعلم بأن الله يرى } وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب فلا تجب من دعاك إليه من مكان بعيد

ومن ذلك قوله تعالى { فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنـه لقسم لو تعلمون عظيم * إنـه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون * تنزيل من رب العالمين } ذكر سبحانـه هذا القسم عقيب ذكر القيامة الكبرى وأقسام الخلق فيها ثم ذكر الأدلة القاطعة على قدرته وعلى المعاد بالنشأة الأولى وإخراج النبات من الأرض وإنزال الماء من السماء وخلق النار ثم ذكر بعد ذلك أحوال الناس في القيامة الصغرى عند مفارقة الروح للبدن وأقسم بمواقع النجوم على ثبوت القرآن وأنـه تنزيله
وقد اختلف في النجوم التي أقسم بمواقعها فقيل : هي آيات القرآن ومواقعها نزولها شيئا بعد شيء وهذا قول ابن عباس رضي الله عنـهما في روياة عطاء وقول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل وقتادة وقيل : النجوم هي الكواكب ومواقعها مساقطها عند غروبها هذا قول أبي عبيدة وغيره وقيل : مواقعها اتنشارها و انكدارها واندثارها يوم القيامة وهذا قول الحسن ومن حجة هذا القول أن لفظ مواقع تقتضيه فإنـه مفاعل من الوقوع وهو السقوط فلكل نجم موقع وجمعها مواقع ومن حجة قول من قال هي مساقطها عند الغروب أن الرب تعالى يقسم بالنجوم وطلوعها وجريانـها وغروبها إذ فيها وفي أحوالها الثلاث آية وعبرة ودلالة كما تقدم في قوله تعالى { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس } وقال { والنجم إذا هوى } وقال { فلا أقسم برب المشارق والمغارب } ويرجح هذا القول أيضا أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منـها الكواكب كقوله تعالى { وإدبار النجوم } وقوله { والشمس والقمر والنجوم }
وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النجوم في القسم وبين المقسم عليه وهو القرآن من وجوه : ( أحدها ) أن النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والغي فتلك هداية في الظلمات الحسية وآيات القرآن في الظلمات المعنوية فجمع بين الهدايتين مع ما في النجوم من الرجوم للشياطين وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس والجن والنجوم آيات المشـهودة المعاينة والقرآن آياته المتلوة السمعية مع ما فيها مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول
ومن قرأ { بمواقع النجوم } على الأفراد فلدلالة الواحد المضاف إلى الجميع على التعدد والمواقع اسم جنس والمصادر إذا اختلفت جمعت وإذا كان النوع واحدا أفردت قال تعالى { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } فجمع الأصوات لتعدد النوع وأفرد صوت الحمير لوحدته فإفراد موقع النجوم لوحدة المضاف إليه وتعدد المواقع لتعدده إذ لكل نجم موقع

والمقسم عليه ههنا قوله { إنـه لقرآن كريم } ووقع الاعتراض بين القسم وجوابه بقوله : { وإنـه لقسم لو تعلمون عظيم } ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله تعالى { لو تعلمون عظيم } فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض ألطف شيء وأحسنـه موقعا وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمن تأكيدا أو تنبيها أو احترازا كقوله تعالى { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } فاعترض بين المبدأ والخبر بقوله : { لا نكلف نفسا إلا وسعها } لما تضمنـه ذلك من الاحتراز الع لتوهم متوهم : أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات فرفع ذلك بقوله { لا نكلف نفسا إلا وسعها } وهذا أحسن من قول من قال : أنـه خبر عن الذين آمنوا ثم أخبر عنـهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا بل هو حكم شامل لجميع الخلق مع ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط وتقدير صفة محذوفة أي نفسا منـهم وتعطيل هذه الفائدة الجليلة
ومن ألفط الاعتراض وأحسنـه قوله تعالى { ويجعلون لله البنات سبحانـه ولهم ما يشتهون } فاعترض بقوله سبحانـه بين الجعلين وفوائد الاعتراض تختلف بحسب قصد المتكلم وسياق الكلام من قصد الاعتناء والتقرير والتوكيد وتعظيم المقسم بـه والمخبر عنـه ورفع توهم خلاف المراد والجواب عن سؤال مقدر وغير ذلك :
فمن الاعتراض الذي يقصد بـه التقرير والتوكيد قول الشاعر :
( لو أن الباخلين - وأنت منـهم - ... ارباب وبرده رأوك تعلموا منك المطالا )
ومما يقصد بـه الجواب عن سؤال مقدر قول الآخر :
( فلا هجره يبدو - وفي اليأس راحة - ... ارباب وبرده ولا وصله يصفو لنا فنكارمـه )
فقوله : وفي اليأس راحة جواب لتقدير سؤال سائل وما يغني عنك هجره ؟ فقال : وفي اليأس راحة أي المطلوب أحد أمرين : إما يأس مريح أو وصال صاف
ومن اعتراض الاحتراز قول الجعدي :
( ألا زعمت بنو جعد بأني ... - وقد كذبوا - كبير السن فاين )
ومنـه قول نصيب :
( فكدت - ولم اخلق من الطير - إن بدا ... سنا بارق نحو الحجاز أطير )
فقوله : ولما أخلق من الطير لرفع استفهام يتوجه عليه على سبيل الإنكار لو قال فكدت أطير فيقال له : وهل خلقت من الطير فاحترز بهذا الاعتراض وعندي أن هذا الاعتراض يفيد غير هذا وهو قوة شوقه ونزوعه إلى أرض الحجاز فأخبر انـه كاد يطير على أنـه أبعد شيء من الطيران فإنـه لم يخلق من الطير ولا عجب طيران من خلق من الطير وإنما العجب طيران من لم يخلق من الطير لشدة نزوعه وشوقه إلى جهة محبوبة فتأمله
ومن مواقع الاعتراض بالدعاء كقول الشاعر :
( قد كنت أبكي وأنت راضية حذار هذا الصدود والغضب )
( إن تم ذا الهجر يا ظلوم - ولا ... تم - فما لي في العيش من أرب )
وقول الآخر :
( إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها )
وقول الآخر :
( إن الثمانين - وبلغتها - ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان )
ومنـه الاعتراض بالقسم كقوله :
( ذاك الذي - وأبيك - يعرف مالكا ... والحق يدفع ترهات الباطل )
ومن اعتراض الاستعطاف قوله :
( فمن لي بعين التي كنت مرة ... إلي بها - نفس فداؤك - تنظر )
فاعترض بقوله : نفس فداؤك استعطافا
فتأمل حسن الاعتراض وجزالته في قول الرب تعالى { وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر } فقوله { والله أعلم بما ينزل } اعتراض بين الشرط وجوابه أفاد امورا : منـها الجواب عن سؤال سائل : ما حكمة هذا التبديل وما فائدته ومنـها أن الذي بدل وأتى بغيره منزل محكم نزوله قبل الإخبار ومنـها أن مصدر الأمرين عن علمـه تبارك وتعالى وأن كلا منـهما منزل فيجب التسليم والإيمان بالأول والثاني
ومن الاعتراض الذي هو في أعلى درجات الحسن قوله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمـه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك } فاعترض بذكر شأن حمله ووضعه بين الوصية والموصى بـه توكيدا لأمر الوصية بالوالدة التي هذا شأنـها وتذكيرا لولدها بحقها وما قاسته من حمله ووضعه مما لم يتكلفه الأب ومنـه قوله تعالى { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون * فقلنا اضربوه ببعضها } فاعترض بقوله : { والله مخرج ما كنتم تكتمون } بين الجمل المعطوف بعضها على بعض إعلاما بأن تدارؤهم وتعهم في شأن القتيل ليس نافعا لهم في كتمانـه فالله يظهره ولابد ولا تستطل هذا الفصل وأمثاله فإن يعطيك ميزانا وينـهج لك طريقا يعينك على فهم الكتاب والله المستعان

ثم قال : { إنـه لقرآن كريم } فوصفه بما يقتضي حسنـه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم النفع وهو من كل شيء أحسنـه وأفضله والله سبحانـه وصف نفسه بالكرم ووصف بـه كلامـه ووصف بـه عرشـه ووصف بـه ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره ولذلك فسر السلف الكريم بالحسن قال الكلبي : إنـه لقرآن كريم أي حسن كريم على الله وقال مقاتل : كرمـه الله وأعزه لأنـه كلامـه وقال الأزهري : الكريم اسم جامع لما يحمد والله كريم جميل الفعال وإنـه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة وبالجملة فالكريم الذي من شأنـه أن يعطي الخير الكثير بسهولة ويسر وضده اللئيم الذي لا يخرج خيره النزر إلا بعسر وصعوبة وكذلك الكريم في الناس واللئيم

ثم قال تعالى : { في كتاب مكنون } اختلف المفسرون في هذا : فقيل هو اللوح المحفوظ والصحيح أنـه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله : { في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة } ويدل على أنـه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله : { لا يمسه إلا المطهرون } فهذا يدل على أنـه بأيديهم يمسونـه وهذا هو الصحيح في معنى الآية ومن المفسرين من قال : إن المراد بـه أن المصحف لا يمسه إلا طاهر
والأول أرجح لوجوه :
( أحدها ) أن الآية سيقت تنزيها للقرآن أن تنزل بـه الشياطين وأن محله لا يصل إليه فيمسه إلا المطهرون فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسوه كما قال تعالى { وما تنزلت بـه الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون } فنفي الفعل وتأتيه منـهم وقدرتهم عليه فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم ولا يقدرون عليه فإن الفعل قد ينتفى عمن يحسن منـه وقد يليق بمن لا يليق عليه فنفى عنـهم الأمور الثلاثة وكذلك قوله في سورة عبس { في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة } فوصف محله بهذه الصفات بيانا أن الشيطان لا يمكنـه أن يتنزل بـه وتقرير هذا المعنى أهم وأجل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر
( الوجه الثاني ) أن السورة مكية والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية
( الثالث ) إن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية ولا في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر وهذا وإن جاز أن يكون باعتبار ما يأتي فالظاهر أنـه إخبار بالواقع حال الأخبار يوضحه
( الوجه الرابع ) وهو قوله : { في كتاب مكنون } والمكنون المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر كما قال تعالى ك { كأنـهن بيض مكنون } وهكذا قال السلف قال الكلبي : مكنون من الشياطين وقال مقاتل : مستور وقال مجاهد : لايصيبه تراب ولا غبار وقال أبو اسحق : مصون في السماء يوضحه
( الوجه الخامس ) أن وصفه بكونـه مكنونا نظير وصفه بكونـه محفوظا فقوله { لقرآن كريم * في كتاب مكنون } كقوله { بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ } يوضحه
( الوجه السادس ) أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين وابلغ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسه محدث
( الوجه السابع ) قوله { لا يمسه إلا المطهرون } بالرفع فهذا خبر لفظا ومعنى ولو كان نـهيا لكان مفتوحا ومن حمل الآية على النـهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النـهي والأصل في الخبر والنـهي حمل كل منـهما على حقيقته وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النـهي
( الوجه الثامن ) أنـه قال : { إلا المطهرون } ولم يقل إلا المطهرون ولو أراد بـه منع المحدث من مسه لقال إلا المتطهرون كما قال تعالى { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } وفي الحديث [ اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ] فالمتطهر فاعل التطهير والمطهر الذي طهره غيره فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون
( الوجه التاسع ) أنـه لو أريد بـه المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاختبار عن كونـه مكنونا كبير فائدة إذ مجرد كون الكلام مكنونا في كتاب لا يستلزم ثبوته فكيف يمدح القرآن بكونـه مكنونا في كتاب وهذا أمر مشترك والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص بـه من الخصائص التي تدل على أنـه منزل من عند الله وأنـه محفوظ مصون لا يصل إليه شيطان بوجه ما ولا يمس محله إلا المطهرون وهم السفرة الكرام البررة
( الوجه العاشر ) ما رواه سعيد بن منصور في سننـه حدثنا أبو الأحوص حدثنا عاصم الأحول عن أنس بن مالك في قوله { لا يمسه إلا المطهرون } قال المطهرون الملائكة وهذا عند طائفة من أهل الحديث في حكم المرفوع وقال الحاكم : تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع ومن لم يجعله مرفوعا فلا ريب أنـه عنده أصح من تفسير من بعد الصحابة والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ويجب الرجوع إلى تفسيرهم وقال حرب في مسائله : سمعت اسحق في قوله { لا يمسه إلا المطهرون } قال : النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة :
وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية وقوله [ لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر ] رواه أهل السنن من حديث الزهري عن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده : أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه و سلم إلى أهل اليمن في السنن والقرائض والديات [ أن لا يمس القرآن إلا طاهر ] قال أحمد : أرجو أن يكون صحيحا وقال أيضا : لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتبه وقال أبو عمر بن عبدالبر : هو كتاب مشـهور عن اهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشـهرتها عن الإسناد لأنـه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ثم قال : وهو كتاب معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا وقد رواه ابن حبان في صحيحه ومالك في موطنـه وفي المسألة آثار أخر مذكورة في غير هذا الموضع

ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنـه لا يدرك معانيه ولا يفهمـه إلا القلوب الطاهرة وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمـه كما ينبغي قالت البخاري في صحيحه في هذه الآية : لا يجد ط إلا من آمن بـه وهذا أيضا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنـه لا يلتذ بـه وبقراءته وفهمـه وتدبره إلا من شـهد أنـه كلام الله تكلم بها حقا و أنزله على رسوله وحيا ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منـه بوجه من الوجوه فمن لم يؤمن بأنـه حق من عند الله ففي قلبه منـه حرج ومن لم يؤمن بأن الله سبحانـه تكلم بـه وحيا وليس مخلوقا من جملة مخلوقاته ففي قلبه من حرج ومن قال : إن له باطنا يخالف ظاهره وإن له تأويلا بخالف ما يفهم منـه ففي قلبه منـه حرج ومن قال : إن له تأويلا لا نفهمـه ولا نعلمـه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منـه حرج ومن سلط عليه آل الآرائيين وهذيان المتكلمين وسفسطة المسفسطين وخيالات المتصوفين ففي قلبه منـه حرج ومن جعله تابعا ومذهبه وقول من قلده دينـه ينزله على أقواله ويتكلف حمله عليها ففي قلبه منـه حرج ومن لم يحكمـه ظاهرا وباطنا في أصول الدين وفروعه ويسلم وينقاد لحكمـه أين كان ففي قلبه منـه حرج ومن لم يأتمر بأوامره وينزجر عن زواجره ويصدق جميع أخباره ويحكم أمره ونـهيه وخبره ويرد له كل أمر ونـهي وخبر خالفه ففي قلبه منـه حرج وكل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه ولا يفهمونـه كما ينبغي أن يفهم ولا يجدون من لذة حلاوته وط ما وجده الصحابة ومن تبعهم
وأنت إذا تأملت قوله { لا يمسه إلا المطهرون } وأعطيت الآية حقها من دلالة اللفظ وإيمائه وإشارته وتنبيهه وقياس الشيء على نظيره واعتباره بمشاكله وتأملت المشابهة التي عقدها الله سبحانـه وربطها بين الظاهر والباطن - فهمت هذه المعاني كلها من الاية وبالله التوفيق

ثم أكد ذلك وقرره وأوطده بقوله : { تنزيل من رب العالمين } وكما أنـه لازم لكونـه قرآنا كريما في كتاب مكنون فهو ملزوم له فهو دليل عليه مدلول له
وأفاد كونـه تنزيلا من رب العالمين مطلوبين عظيمين من أجل مطالب الدين :
( أحدهما ) أنـه المتكلم وأنـه منـه نزل ومنـه بدأ وهو الذي تكلم بـه ومن هنا قال السلف : منـه بدأ ونظيره { ولكن حق القول مني } وقوله : { قل نزله روح القدس من ربك }
( والثاني ) علو الله سبحانـه فوق خلقه فإن النزول والتنزيل الذي تعقله العقول وتعرفه الفطر - هو وصول الشيء من أعلا إلى أسفل والرب تعالى إنما يخاطب عباده بما تعرفه فطرهم وتشـهد بـه عقولهم وذكر التنزيل مضافا إلى ربوبيته للعالمين المستلزمة تملكه لهم وتصرفه فيهم وحكمـه عليهم وإحسانـه وإنعامـه عليهم وأن من هذا شأنـه مع الخلق كيف يليق بـه مع ربوبيته التامة أن يتركهم سدى ويدعهم هملا ويخلقهم عبثا لا يأمرهم ولاينـهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم فمن أقر بأنـه رب العالمين أقر بأن القرآن تنزيله على رسوله واستدل بكونـه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء بـه وهذا الإستدلال اقوى وأشرف من الإستدلال بالمعجزات والخوارق وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم الناس وتلك إنما تكون لخواص العقلاء
وقد أشار سبحانـه إلى الطريقين في غير موضع من كتابه كقوله { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنـه الحق } فهذا استدلال بالآيات المعاينة المخلوقة ثم قال : { أولم يكف بربك أنـه على كل شيء شـهيد } فهذا استدلال بكمال ربوبيته وكمال أوصافه على صدق رسوله فيما جاء بـه وهذه الطريق أخص وأقوى وأكمل وأعلى والأول أعم واشمل وقد تقدم بيانـها عنده قوله تعالى : { ولو تقول علينا بعض الأقاويل } وأين الإستدلال بأوصاف الرب تعالى وكماله المقدس على ثبوت النبي وبعثه من الإستدلال عليه ببعض مخلوقاته ؟
وتأمل فرق ما بين استدلال سيدة نساء العالمين خديجة الله عنـها بصفات الرب تعالى وصفات محمد صلى الله عليه و سلم واستنتاجها من بين هذين الأمرين صحة نبوته وأنـه رسول الله حقا وأن من كانت هذه صفات ربه وخالقه تأبى أن يخزيه وأنـه يؤيده ويعليه ويتم نعمته عليه
وأنت إذا تأملت هذه الطريقة وهذا الإستدلال وجدت بينـها وبين طريقة المتكلمين من الفرق مالا يخفى وإذا حصل للعبد الفقه في الأسماء والصفات إنتفع بـه في باب معرفة الحق والباطل من الأقوال والطرائق والمذاهب والعقائد - أعظم انتفاع وأتمـه وقد بينا في كتابنا المعالم بطلان التحيل وغيره من الحيل الربوبية من أسماء الرب وصفاته وأنـه يستحيل على الحكيم أن يحرم الشيء ويتوعد على فعله بأعظم أنواع العقوبات ثم يبيح التوصل إليه بنفسه بأنواع التحيلات فأين ذلك الوعد الشديد وجواز التوصل إليه بالطريق البعيد إذ ليست حكمة الرب تعالى وكمال علمـه وأسمائه وصفاته تنتقض بإحالة ذلك وامتناعه عليه فهذا استدلال بالفقه الأكبر في الأسماء والصفات على الفقه العملي في باب الأمر والنـهي وهذا باب حرام على الجهمي المعطل أن يلجه إلى الجنة حرام عليه ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين ألف سنة والله العزيز الوهاب لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع وبه التوفيق

ثم وبخهم سبحانـه على وصفهم الادهان في غير موضعه وأنـهم يداهنون بما حقه أن يصدع بـه ويفرق بـه ويعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر وتعقد عليه القلوب والأفئدة ويحارب ويسالم لأجله ولا يلتوي عنـه لا يمنة ولا يسرة ولا يكون للقب التفات إلى غيره ولا محاكمة إلا إليه ولا مخاصمة إلا بـه ولابه اهتداء في طرق المطالب العالية إلا بنوره ولا شفاء إلا بـه فهو روح الوجود وحياة العالم ومدار السعادة وقائد الفلاح وطريق النجاة وسبيل الرشاد ونور البصائر فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنـه ولم ينزل للمداهنة ؟ وإنما أنزل بالحق وللحق والمداهنة إنما تكون في باطل قوي لا يمكن إزالته أو في حق ضعيف لا يمكن إقامته فيحتاج المداهن إلى أن يترك بعض الحق ويلتزم بعض الباطل فأما الحق الذي قام بـه كل حق فكيف يدهن بـه ؟
ثم قال سبحانـه { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } لما كان قوام كل واحد من البدن والقلب إنما هو بالرزق فرزق البدن الطعام وال ورزق القلب الإيمان والمعرفة بربه وفاطره ومحبته والشوق إليه والأنس بقربه والإبتهاج بذكره وكان لا حياة له إلا بذلك كما أن البدن لا حياة له إلا بالطعام وال - أنعم سبحانـه على عبادة بهذين النوعين من الرزق وجعل قيام أبدانـهم وقلوبهم بهما ثم فاوت سبحانـه بينـهم في قسمة هذين الرزقين بحسب ما اقتضاه علمـه وحكمته : فمنعم من وفر حظه من الرزقين ووسع عليه فيهما ومنـهم من قتر عليه في الرزقين ومنـهم من وسع عليه رزق البدن وقتر عليه رزق القلب وبالعكس وهذا الرزق إنما يتم ويكمل بالشكر والشكر مادة زيادته وسبب حفظه وبقائه وترك الشكر سبب زواله وانقطاعه عن العبد فإن الله تعالى تأذن أنـه لابد ان يزيد الشكور من ن ولابد أن يسلبها من لم يشكرها فلما وضعوا الكفر والتكذيب موضع الشكر والإيمان جعلوا رزقهم نفسه تكذيبا فإن التصديق والشكر لما كانا سبب زيادة الرزق وهما رزق القلب حقيقة فهؤلاء جعلوا مكان هذا الرزق التكذيب والكفر فجعلوا رزقهم التكذيب وهذا المعنى هو الذي حام حوله من قال : التقدير وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون وقال آخرون : التقدير وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون فحذف مضافين معا وهؤلاء أطالوا اللفظ وقصروا بالمعنى ومن بعض معنى الآية قوله : مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا لا يصح أن تدل عليه الآية ويراد بها وإلا فمعناها أوسع منـه وأعم وأعلى والله أعلم

ثم ختم السورة ب

أحوالهم عند القيامة الصغرى كما ذكر في أولها أحوالهم في القيامة الكبرى وقسمـهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمـهم هناك إلى ثلاثة وذكر بين يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته بأنـهم مربوبون مدبرون مملوكون فوقهم رب قاهر مالك يتصرف فيهم بحسب مشيئته وإرادته وقررهم على ذلك بما لا سبيل لهم إلى دفعه ولا إنكاره فقال { فلولا إذا بلغت الحلقوم } أي وصلت الروح إلى هذا الموضع بحيث فارقت ولم تفارق فهي برزخ بين الموت والحياة كما أنـها إذا فارقت صارت في برزخ بين الدنيا والآخرة ملائكة الرب تعالى أقرب إلى المحتضر من حاضريه من الأنس ولكنـهم لا يبصرون بهم فلولا تردونـها إلى مكانـها إلى البدن أيها الحاضرون إن كان الأمر كما تزعمون أنكم غير مجزيين ولا مدينين ولا مستوعبين ليوم الحساب
فإن قيل : أي ارتباط بين هذين الأمرين حتى يلازم بينـهما ؟
قيل : هذا من أحسن الاستدلال وأبلغه فإنـهم إما أن يقروا بأنـهم مربوبون مملوكون عبيد لمالك قادر متصرف فيهم قاهر آمر ناه أو لا يقرون بذلك : فإن أقروا بـه لزمـهم القيام بحقه عليهم وشكره وتعظيمـه وإجلاله وأن لا يجعلوا له ندا ولا شريكا وهذا هو الذي جاءهم بـه رسوله ونزله عليه بـه كتابه وإن أنكروا ذلك وقالوا إنـهم ليسوا بعبيد ولا مملوكين ولا مربوبين وإن الأمر إليهم يردون الأرواح إلى مقارها إذا بلغت الحلقوم فإن المتصرف في نفسه الحاكم على روحه لا يمتنع منـه ذلك بخلاف المحكوم عليه المنصرف فيه غير المدبر له سواء الذي هو عبد مملوك من جميع الجهات وهذا الاستدلال لا محيد عنـه ولا مدفع له ومن أعطاه حقه من التقرير والبيان إنتفع بـه غاية النفع وانقاد لأجله للعبودية وأذعن ولم يسعه غير التسليم للربوبية والإلهية والإقرار بالعبودية ولله ما احسن جزالة هذه الألفاظ وفصاحتها وبلوغها أقصى مراتب البلاغة والفصاحة والاختصار التام وندائها إلى معناها من أقرب مكان واشتمالها على التوبيخ والتقرير والإلزام ودلائل الربوبية والتوحيد والبعث وفصل النزاع في معرفة الروح وأنـها تصعد وتنزل وتنتقل من مكان إلى مكان وما أحسن إعادة لولا ثانيا قبل ذكر الفعل الذي يقتضيه الأول وجعل الحرفين يقتضيانـه اقتضاء واحدا وذكر الشرطين بين لولا الأولى والثانية وما تقتضيه من الفعل ثم الموالاة بين الشرط الأول والثاني مع الفصل بينـهما بكلمة واحدة هي الرابط بين لولا الأولى والثانية والشرط والأول والثاني وهذا تركيب يستحد العقل والسمع لمعناه ولفظه
فتضمنت الآيتان تقريرا وتوبيخا واستدلالا على أصول الإيمان : من وجود الخالق سبحانـه وكمال قدرته ونفوذ مشيئته وربوبيته و تصرفه في أرواح عباده حيث لا يقدرون على التصرف فيها بشيء وأن أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ويردها إليهم إذا شاء ويخلي أبدانـهم منـها تارة ويجمع بينـها وبينـهما تارة وإثبات المعاد وصدق رسوله فيما اخبر بـه عنـه وإثبات ملائكته وتقرير عبودية الخلق وأتى بهذا في صورة تحضيضين وتوبيخين وتقريرين وجوابين وشرطين وجزاءين - منتظمة أحسن الإنتظام ومتداخلة أحسن التداخل متعلقا بعضها ببعض وهذا كلام لا يقدر البشر على مثل نظمـه ومعناه قال الفراء : وأجيبت { فلولا إذا بلغت } و { فلولا إن كنتم غير مدينين } بجواب واحد وهو { ترجعونـها إن كنتم صادقين } قال : ومثله قوله تعالى : { فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } أجيبا بجواب واحد وهما شرطان قال الجرجاني : قوله { ترجعونـها } جواب قوله { فلولا } المتقدمة والمتأخرة علىتأويل : فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم تردونـها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون ؟ يقول تعالى : إن كان الأمر كما تزعمون أنـه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله ولا رب يقوم بذلك فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم ؟ فإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فهل دلكم ذلك على أن الأمر إلى مليك قادر قاهر متصرف فيكم وهو الله الذي لا إله إلا هو ؟ وقال أبو اسحق : معناه فلا ترجعون الروح إن كنتم غير مملوكين مدبرين ؟ فهلا إن كان الأمر كما تزعمون كما يقول قائلكم { لو أطاعونا ما قتلوا } و { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم ؟ وهلا تردون عن أنفسكم الموت
قلت : وكان هذا يلتفت إلى قوله تعالى : { قل كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر في صدوركم } أي إن كنتم كما تزعمون لا تبعثون بعد الموت خلقا جديدا فكونوا خلقا لا يغنى ولا يبلى إما من حجارة أو من حديد أو أكبر من ذلك ووجه الملازمة ما تقدم ذكره وهو إما أن تقروا بأن لكم ربا متصرفا فيكم ومالكا لكم تنفذ فيكم مشيئته وقدرته يميتكم إذا شاء ويحييكم إذا شاء فكيف تنكرون قدرته على إعادتكم خلقا جديدا بعدما أماتكم وإما أن تنكروا أن يكون لكم رب قادر قاهر مالك نافذ المشيئة فيكم والقدرة فيكم فكونوا خلقا لا يقبل الفناء والموت فإذا لم تستطيعوا إن تكونوا كذلك فما تنكرون من قدرة من جعلكم خلقا يموت ويحيا أن يحييكم بعدما أماتكم ؟ فهذا استدلال يعجزهم عن كونـهم خلقا لا يموت والذي في الواقعة استدلال يعجزهم عن رد الروح إلى مكانـها إذا قاربت الموت وليس بعد هذا الاستدلال إلا الإذعان والانقياد أو الكفر والعناد

فلما قام الدليل ووضح السبيل وتم البرهان على انـهم مملوكون مربوبون مجزيون محاسبون - ذكر طبقاتهم عند الحشر الأول والقيامة الصغرى وهي ثلاث طبقات : طبقة المقربين وطبقة أصحاب اليمين وطبقة المكذبين فجعل تحية المقربين عند الوفاة الروح والريحان والجنة وهذه الكرامات الثلاثة التي يعطونـها بعد الموت نظير الثلاث التي يعطونـها يوم القيامة : فالروح الفرح والسرور والإبتهاج ولذة الروح فهي كلمة جامعة لنعيم الروح ولذتها وذلك قوتها وغذاؤها والريحان الرزق وهو الأكل والشرب والجنة المسكن الجامع لذلك كله فيعطون هذه الثلاث في البرزج وفي المعاد الثاني
ثم ذكر الطبقة الثانية وهي طبقة أصحاب اليمين ولما كانوا دون المقربين في المرتبة جعل تحيتهم عند القدوم عليه السلامة من الآفات والشرور التي تحصل للمكذبين الضالين فقال : { وأما إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين } والسلام مصدر من سلم أي فلك السلامة والخطاب له نفسه أي : يقال لك السلامة كما يقال للقادم : لك الهناء ولك السلامة ولك البشرى ونحو ذلك من الألفاظ كما يقولون : خير مقدم ونحو ذلك فهذه تحية عند اللقاء قال مقاتل : يسلم الله لهم أمرهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويتقبل حسناتهم وقال الكلبي : يسلم عليه أهل الجنة ويقولون : السلامة لك وعلى هذا فقوله { من أصحاب اليمين } أي : هذه التحية حاصلة لك من إخوانك أصحاب اليمين فإنـه إذا قدم عليهم حيوه بهذه التحية وقالوا السلامة لك وفي الآية أقوال أخر فيها تكلف وتعسف فلا حاجة إلى ذكرها
ثم ذكر الطبقة الثالثة وهي طبقة الضال في نفسه المكذب لأهل الحق وإن له عند الموافاة نزل الحميم وسكنى الجحيم ثم أكد هذا الجزاء مما جعله كأنـه رأى العين لمن آمن بالله ورسوله فقال { إن هذا لهو حق اليقين } فرفع شأنـه عن درجة الظن والعلم إلى اليقين وعن درجة اليقين إلى حقه
ثم أمره أن ينزه اسمـه تبارك وتعالى عما لا يليق بـه وتنزيه الاسم متضمن لتنزيه المسمى عما يقوله الكاذبون والجاحدون

ومن ذلك قوله تعالى : { والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى } أقسم سبحانـه بالنجم عند هويه على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغي
واختلف الناس في المراد بالنجم : فقال الكلبي عن ابن عباس : أقسم بالقرآن إذا نزل منجما على رسوله : أربع آيات وثلاثا والسورة وكان بين أوله وآخره عشرون سنة وكذلك روى عطاء عنـه وهو قول مقاتل والضحاك ومجاهد واختاره الفراء وعلى هذا فسمي القرآن نجما لتفرقه في النزول والعرب تسمي التفرق تنجما والمفرق نجما ونجوم الكتاب أقساطها ويقول : جعلت مالي على فلان نجوما منجمة كل نجم كذا وكذا وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر و مساقطها مواقيت لحلول ديونـها وآجالها فيقولون : إذا طلع النجم - يريدون الثريا - حل عليك الدين ومنـه قوله زهير في دية جعلت نجوما على العاقل :
( ينجمـها قوم لقوم غرامة ولم يهرقوا ما بينـهم ملء مجحم )
ثم جعل كل تنجم تفريقا وإن لم يكن موقتا بطلوع نجم
وقوله ( هوى ) على هذا القول أي : نزل من عل إلى سفل قال أبوزيد : هوت العقاب تهوي هويا - بفتح الهاء - إذا انقضت على صيد أو غيره وكذلك قال ابن الأعرابي وفرق بين الهوى لقوله :
( والدلو في اصعادها عجل الهوى )
وقال الليث : العامة تقول الهوى - بالضم - في مصدر هوى يهوى وكذلك قال الأصمعي : هوى يهوى هو بفتح الهاء إذا سقط إلى أسفل قال وكذلك الهوى في السهر إذا مضى
وههنا أمر يجب التنبيه عليه غلط فيه أبو محمد بن حزم أقبح غلط فذكر في السماء الرب تعالى الهوى بفتح الهاء واحتج بمافي الصحيح من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول في سجود ( سبحان ربي الأعلى ) فظن أبو محمد : أن الهوى صفة للرب وهذا من غلط رحمـه الله وإنما الهوى على وزن فعيل اسم لقطعة من الليل يقال : مضى هوى من الليل على وزن فعيل ومضى هزيع منـه أي : طرف وجانب وكان يقول ( سبحان ربي الأعلى ) في قطعة من الليل وجانب منـه وقد صرحت بذلك في اللفظ الآخر فقالت : كان يقول ( سبحان ربي الأعلى ) الهوى من الليل
عدنا إلى قوله { والنجم إذا هوى } وقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وعطية : يعني الثريا إذا سقطت وغابت وهو الرواية الأخرى عن مجاهد والعرب إذا أطلقت النجم تعني بـه الثريا قال : فباتت تعد النجم وقال أبو حمزة اليماني : يعني النجوم إذا انتشرت يوم القيامة وقال ابن عباس في رواية عكرمة : يعني النجوم التي ترمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع وهذا قول الحسن وهو أظهر الأقوال ويكون سبحانـه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها الله سبحانـه آية وحفظا للوحي من استراق الشياطين له على أن ما أتى بـه رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه بل قد أحرس بالنجم إذا هوى رصدا بين يدي الوحي وحرسا له وعلى هذا فالارتباط بين المقسم بـه والمقسم عليه في غاية الظهور وفي المقسم بـه دليل على المقسم عليه
وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى ولا تسمية نزوله هويا ولا عهد في القرآن ذلك فيحمل هذا اللفظ عليه وليس بالبين تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت وليس بالبين أيضا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة بل هذا مما يقسم الرب عليه ويدل عليه بآياته فلا يجعله نفسه دليلا لعدم ظهوره للمخاطبين لاسيما منكرو البعث فإنـه سبحانـه إنما استدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه فأظهر الأقوال قول الحسن والله أعلم
وبين المقسم بـه والمقسم عليه من التناسب ما لا يخفى فإن النجوم التي ترمى الشياطين آيات من آيات الله يحفظ بها دينـه ووحيه وآياته المنزلة على رسوله بها ظهر دينـه وشرعه وأسماؤه وصفاته وجعلت هذه النجوم المشاهدة خدما وحرسا لهذه النجوم الهاوية ونفى سبحانـه عن رسوله الضلال المنافي للهدى والغي المنافي للرشاد ففي ضمن هذا النفي الشـهادة له بأنـه على الهدى والرشاد فالهدى في علمـه والرشاد في علمـه وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد وبهما سعادته وفلاحه وبهما وصل النبي صلى الله عليه و سلم خلفاءه فقال [ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المـهدين من بعدي ] فالراشد ضد الغاوي والمـهدي ضد الضال وهو الذي زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو صاحب الهدى ودين الحق ولا يشتبه الراشد المـهدي بالضال الغاوي إلا على أجهل خلق الله و أعمالهم قلبا وأبعدهم من حقيقة الإنسانية ولله درون القائل :
( وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظلم )
فالناس أربعة أقسام : ضال في علمـه غاو في قصده وعمله وهؤلاء شرار الخلق وهم مخالفو الرسل
( الثاني ) مـهتد في علمـه غاو في قصده وعمله وهؤلاء هم الأمة الغضبية ومن تشبه بهم وهو حال كل من عرف الحق ولم يعمل به
( الثالث ) مـهتد في علمـه راشد في قصده وهؤلاء ورثة الأنبياء وهم وإن كانوا الأقلين عددا فهم الأكثرون عند الله قدرا وهم صفوة الله من عباده وحزبه من خلقه
وتأمل كيف قال سبحانـه { ما ضل صاحبكم } ولم يقل ما ضل محمد تأكيدا لإقامة الحجة عليهم بأنـه صاحبهم وهم أعم الخلق بـه وبحاله وأقواله وأعماله وأنـهم لا يعرفونـه بكذب ولاغي ولا ضلال ولا ينقمون عليه أمرا واحدا قط وقد نبه على هذا المعنى بقوله { أم لم يعرفوا رسولهم } وبقوله { وما صاحبكم بمجنون }

ثم قال سبحانـه { وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى } ينزه نطق رسوله أن يصدر عن هوى وبهذا الكمال هداه ورشده وقال { وما ينطق عن الهوى } ولم يقل وما ينطق بالهوى لأن نطقه عن الهوى أبلغ فإنـه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق بـه فتضمن نفي الأمرين نفي الهوى عن مصدر النطق ونفيه عن نفسه : فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد لا الغي والضلال
ثم قال { إن هو إلا وحي يوحى } فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل أي ما نطقه إلا وحي يوحى وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائدا إلى القرآن فإنـه يعم نطقه بالقرآن والسنة وإن كليهما وحي يوحى وقد احتج الشافعي لذلك فقال : لعل من حجة من قال بهذا قوله { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } قال ولعل من حجته أن يقول : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم [ والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله : الغنم والخادم رد عليك - الحديث ] وفي الصحيحين أن يعلى بن أمية كان يقول لعمر : ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه و سلم حين ينزل عليه الوحي فلما كان بالجعرانة سأله رجل فقال : كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبته بعدما تضمخ بالخلوق فنظر إليه النبي صلى الله عليه و سلم ساعة ثم سكت فجاء الوحي فأشار عمر بيده إلى يعلى فجاء فأدخل رأسه فإذا النبي صلى الله عليه و سلم محرم يعظ ثم سرى عنـه فقال [ أين السائل آنفا ] فجيء بـه فقال [ إنزع عنك الجبة وغسل أثر الطيب واصنع في عمرتك ما نصع في حجتك ] قال الشافعي : أخبرنا مسلم بن ابن جريج عن أبي طاووس عن أبيه أن عنده كتابا نزل بـه الوحي وما فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم من صدقة وعقول فإنما نزل بـه الوحي وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية قال : كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمـه إياه وذكر الأوزاعي أيضا عن أبي عبيد صاحب سليمان أخبرني القاسم بن مخمرة حدثني ابن فضيلة قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم : سعر لنا قال [ لا تسألني عن سن أحدثها فيكم لم يأمرني بها ولكن سلوا الله من فضله ] وابن فضيلة هذا يسمى طلحة وهذا صح عنـه أنـه قال [ ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ] وهذا هو السنة بلا شك و قد قال تعالى { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } وهما القرآن والسنة وبالله التوفيق

ثم أخبر تعالى عن وصف من علمـه الوحي والقرآن مما يعلم أنـه مضاد لا وصاف الشيطان معلم الضلال والغواية فقال ( علمـه شديد القوى ) وهذا نظير قوله ( ذي قوة عند ذي العرش ) وذكرنا هناك السر في وصفه بالقوة
وقوله ( ذو مرة ) أي جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة ليس شيطانا أقبح خلق الله وأشوههم صورة بل هو من أجمل الخلق وأقواعم وأعظمـهم أمانة ومكانة عند الله وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة وتزكية له كما تقدم نظيره في سورة التكوير فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته وهذه كانت أوصاف الرسول البشري والملكي فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم أشجع الناس وأعلمـهم وأجملهم وأجلهم والشياطين وتلامذتهم بضد من ذلك فهم أقبح الخلق صورة ومعنى وأجهل الخلق وأضعفهم همما ونفوسا
ثم ذكر استواء هذا المعلم بالأفق الأعلى ودنوه وتدليه وقربه من رسول الله صلى الله عليه و سلم وإيحاء الله ما أوحى فصور سبحانـه لأهل الإيمان صورة الحال من نزول جبريل من عنده إلى أن استوى بالأفق ثم دنى وتدلى وقرب من رسوله فأوحى إليه ما أمره الله بإيحائه حتى كأنـهم يشاهدون صورة الحال ويعاينونـها هابطا من السماء إلى أن صار بالأفق الأعلى مستويا عليه ثم نزل وقرب من محمد صلى الله عليه و سلم وخاطبه بما أمرع الله بـه قائلا : ربك يقول لك كذا وكذا وأخبر سبحانـه عن مسافة هذا القرب بأن قدر قوسين أو أدنى من ذلك وليس هذا على وجه الشك بل تحقيق لقدر المسافة وأنـها لا تزيد عن قوسين ألبتة كما قال تعالى { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } تحقيق لهذا العدد وأنـهم لا ينقصون عن مائة ألف رجل واحدا ونظيره قوله { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة } أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونـها وهذا المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جعل أو في هذه المواضع بمعنى بل ومن قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرأي وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمله انتهى

ثم أخبر تعالى عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه وأن القلب صدق العين وليس كمن رأى شيئا على خلاف ما هو بـه فكذب فؤاده وبصره بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد وعلم أنـه كذلك وفيها قراءتان : إحداهما بتخفيف كذب والثانية بتشديدها يقال كذبته عينـه وكذبه قلبه وكذبه جسده إذا أخلف ما ظنـه وحدسه قال الشاعر :
( كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا )
أي أرتك مالا حقيقة له فنفى هذا عن رسوله وأخبره أن فؤاده لم يكذب ما رآه و ( ما ) إما أن تكون مصدرية فيكون المعنى : ما كذب فؤاده رؤيته وإما أن تكون موصولة فيكون المعنى : ما كذب الفؤاد الذي رآه بعينـه وعلى التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر وتوافقهما وتصديق كل منـهما لصاحبه وهذا ظاهر جدا في قراءة التشديد وقد استشكلها طائفة منـهم المبرد وقال : في هذه القراءة بعد قال : لأنـه إذا رأى بقلبه فقد علمـه أيضا بقلبه وإذا وقع العلم فلا كذب معه فإنـه إذا كان الشيء في القلب معلوما فكيف يكون معه تكذيب ؟
قلت : وجواب هذا من وجهين ( أحدهما ) أن الرجل قد يتخيل الشيء على خلاف ما هو بـه فيكذبه قلبه إذ يريه صورة المعلوم على خلاف ما هي عليه كما تكذبه عينـه فيقال : كذبه قلبه وكذبه ظنـه وكذبته عينـه فنفى سبحانـه ذلك عن رسوله وأخبر أن ما رآه الفؤاد فهو كما رآه كمن رأى الشيء على حقيقة ما هو بـه فإنـه يصح أن يقال : لم تكذبه عينـه
( الثاني ) أن يكون الضمير في ( رأى ) عائدا إلى الرأي لا إلى الفؤاد ويكون المعنى : ما كذب الفؤاد ما رآه البصر وهذا بحمد الله لا إشكال فيه والمعنى ما كذب الفؤاد ما رآه البصر بل صدقه وعلى القراءتين فالمعنى : ما أوهمـه الفؤاد أنـه رأى ولم ير ولا اتهم بصره
ثم أنكر سبحانـه عليهم مكابرتهم و جحدهم له على ما رآه كما ينكر على الجاهل مكابرته للعالم ومماراته له على ما علمـه وفيها قراءتان أفمارونـه وأفتمرونـه وهذه المماراة أصلها من الجحد والدفع يقول مريت الرجل حقه إذا جحدته كما قال الشاعر :
( لئن هجرت أخا صدق ومكرمة لقد مريت أخا ما كان يمريكا )
ومنـه المماراة وهي المجادلة والمكابرة ولهذا عدى هذا الفعل بعلى وهي على بابها وليست بمعنى عن كما قاله المبرد بل الفعل متضمن معنى المكابرة وهذا في قراءة الألف أظهر ورجح أبو عبيدة : قراءة من قرأ ( أفتمرونـه ) قال : وذلك أن المشركين إنما شأنـهم الجحود لما كان يأتيهم من الوحي وهذا كان أكثر من المماراة منـهم يعني أن من قرأ ( أفتمارونـه ) فمعناه أفتجادلونـه ؟ ومن قرأ ( أفتمرونـه ) معناه أفتجحدونـه ؟ وجحودهم لما جاء بـه كان هو شأنـهم وكان أكثر من مجادلتهم له وخالفه أبو علي وغيره واختاروا قراءة ( أفتمارونـه ) قال أبو علي : من قرأ أفتمارونـه فمعناه أفتجادلونـه جدالا ترومون بـه دفعه عما علمـه وشاهده ؟ ويقوي هذا الوجه قوله تعالى { يجادلونك في الحق بعد ما تبين } ومن قرأ ( أفتمرونـه ) كان المعنى أفتجحدونـه ؟ قال : والمجادلة كأنـها أشبه في هذا لأن الجحود كان منـهم في هذا وغيره وقد جادله المشركون في الإسراء
قلت : القوم جمعوا بين الجدال والدفع والإنكار فكان جدالهم جدال جحود ودفع لا جدال استرشاد وتبين الحق : وإثبات الألف يدل على المجادلة والإتيان بعلى يدل على المكابرة فكانت قراءة الألف منتظمة للمعنيين جميعا فهي أولى وبالله التوفيق

ثم أخبر سبحانـه عن رؤيته لجبريل مرة أخرى عند سدرة المنتهى : فالمرة الأولى كانت دون السماء بالأفق الأعلى والثانية كانت فوق السماء عند سدرة المنتهى وقد صح عنـه صلى الله عليه و سلم أنـه جبريل عليه الصلاة و السلام رآه على صورته التي خلق عليها مرتين كما في الصحيحين عن زر بن حبيش أنـه سئل عن قوله تعالى { فكان قاب قوسين أو أدنى } قال : أخبرني ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى جبريل له ستمائة جناح وفي الصحيحين أيضا عن عبدالله بن مسعود { ما كذب الفؤاد ما رأى } قال : [ رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح ] وقال البخاري عنـه : [ رأى رفرفا أخضر يسد الأفق ] وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة [ ولقد رآه نزلة أخرى ] قال : رأى جبريل عليه السلام وفي صحيحه أيضا عن مسروق قال : كنت متكئا عند عائشة فقالت : ثلاث من تكلم بواحدة منـهن فقد أعظم على الله الفرية قلت : ما هن ؟ قالت : من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال : وكنت متكئا فجلست فقلت : يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز و جل { ولقد رآه بالأفق المبين } { ولقد رآه نزلة أخرى } ؟ فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : [ إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منـهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ] فقالت : أولم تسمع أن الله عز و جل يقول { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } أو لم تسمع أن الله عز و جل يقول { وما كان لبشر أن يكلمـه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنـه ما يشاء إنـه علي حكيم } قالت : ومن زعم أن محمدا كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله عز و جل يقول { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } قال : ومن زعم أنـه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله عز و جل يقول { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } ولو كان محمد كاتما شيئا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } وفي الصحيحين عن مسروق أيضا قال : سألت عائشة رضي الله عنـها هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : سبحان الله ! لقد وقف شعري مما قلت وفيهما أيضا قال قلت لعائشة : فأين قوله عز و جل { ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى } قالت : إنما ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال وإنـه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق وفي صحيح مسلم بأن أبا ذر سأله صلى الله عليه و سلم : هل رأيت ربك فقال [ نور أنى أراه ] وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أبي موسى الأشعري قام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم بخمس كلمات فقال : [ إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النـهار وعمل النـهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ] وهذا الحديث ساقه مسلم بعد حديث أبي ذر المقدم وهو كالتفسير له ولا ينافي هذا قوله في حديث الصحيح حديث الرؤية يوم القيامة [ فيكشف الحجاب فينظرون إليه ] فإن النور الذي هو حجاب الرب تعالى يراد بـه الحجاب الأدنى إليه وهو لو كشف لم يقم له شيء كما قال ابن عباس في قوله عز و جل { لا تدركه الأبصار } قال : ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بـه لم يقم له شيء وهذا الذي ذكره ابن عباس يقتضي أن قوله ( لا تدركه الأبصار ) على عمومـه وإطلاقه في الدنيا والآخرة ولا يلزم من ذلك أن لايرى بل يرى في الآخرة بالأبصار من غير إدراك وإذا كانت أبصارنا لا تقوم لأدراك الشمس على ماهي عليه وإن رأتها مع القرب الذي بين المخلوق والمخلوق فالتفاوت الذي بين أبصار الخلائق وذات الرب جل جلاله أعظم وأعظم ولهذا لما حصل للجبل أدنى شيء من تجلي الرب تسافى الجبل واندك لسبحات ذلك القدر من التجلي وفي الحديث الصحيح المرفوع [ جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ] فهذا يدل أن رداء الكبرياء على وجهه تبارك وتعالى هو المانع من رؤية الذات ولا يمنع من أصل الرؤية فإن الكبرياء والعظمة أمر لازم لذاته تعالى فإذا تجلى سبحانـه لعباده يوم القيامة وكشف الحجاب بينـهم وبينـه فهو الحجاب المخلوق وأما أنوار الذات الذي يحجب عن إدراكها فذاك صفة للذات لا تفارق ذات الرب جل جلاله ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه وتكفي هذه الإشارة في هذا المقام للمصدق الموقن وأما المعطل الجهمي فكل هذا عنده باطل ومحال
والمقصود أن المخبر عنـه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل
وأما قول ابن عباس : رأى محمد ربه بفؤاده مرتين فالظاهر أن مستنده هذه الآية وقد تبين أن المرئي فيها جبريل فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس وقد حكى عثمان بن سعيد الدرامي الإجماع على ما قالته عائشة فقال - في نقضه على بشر المريسي في الكلام على حديث ثوبان ومعاذ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ رأيت ربي البارحة في أحسن صورة ] فحكى تأويل المريسي الباطل - ثم قال : ويلك إن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبت إليه أما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال في حديث أبي ذر [ إن لم ير بـه ] وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لن تروا ربكم حتى تموتوا ] وقالت عائشة رضي الله عنـها : من زعم أن محمدا رأى بـه فقد أعظم على الله الفرية وأجمع المسلمون على ذلك مع قوال الله { لا تدركه الأبصار } يعنون أبصار أهل الدنيا وإنما هذه الرؤية كانت في المنام يمكن رؤية الله على كل حال كذلك وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه و سلم أنـه قال [ صليت ما شاء الله من الليل ثم وضعت جنبي فأتاني ربي في أحسن صورة ] فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم وقد ظن القاضي أبو يعلى أن الرواية اختلفت عن الإمام أحمد : هل رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ربه ليلة الإسراء أم لا على ثلاث روايات :
( إحداها ) أنـه رآه قال الروزي : قلت لأبي عبدالله يقولون إن عائشة قالت : من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فبأي شيء يدفع قول عائشة ؟ فقال : بقول النبي صلى الله عليه و سلم رأيت ربي وقول النبي صلى الله عليه و سلم أكبر من قولها قال : وذكر المروزي في موضع آخر أنـه قال لأبي عبدالله ههنا رجل يقول : إن الله يرى في الآخرة ولا أقول إن محمدا رأى بـه في الدنيا فغضب وقال هذا أهل أن يخفى يسلم الخبر كما جاء قال : فظاهر هذا أنـه أثبت رؤية عين ونقل حنبل قال قلت لأبي عبدالله : النبي صلى الله عليه و سلم رأى ربه رؤيا حلم بقلبه ؟ قال فظاهر هذا نفي الرؤية وكذلك نقل الأثرم وقد سأله عن حديث عبدالرحمن بن عابس عن النبي صلى الله عليه و سلم [ رأيت ربي في أحسن صورة ] فقال معمر مضطرب لأن معمرا رواه عن أيوب عن معبد عن عبدالرحمن بن عابس عن النبي صلى الله عليه و سلم ورواه حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ورواه يوسف بن عطية عن قتادة عن أنس ورواه عبدالرحمن بن يزيد عن جابر عن خالد بن الجلاج عن عبدالرحمن بن عابس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وأصل الحديث واحد قال الأثرم : فقلت لأبي عبدالله : فإلى أي شيء تذهب ؟ فقال قال الأعمش بن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس قال : رأى محمد ربه بقلبه ونقل الأثرم أن رجلا قال لأحمد عن الحسين الأشيب أنـه قال لم ير النبي صلى الله عليه و سلم ربه تعالى فأنكره عليه إنسان وقال لم تقول رآه ولا تقول بعينـه ولا بقلبه ؟ كما جاء الحديث فاستسحن ذلك الأشيب فقال أبو عبدالله حسن قال وظاهر هذا إثبات رؤية لا يعقل معناها هل كانت بعينـه أم بقلبه ؟ فهذه نصوص أحمد وقد جعلها القاضي مختلفة وجعل المسألة على ثلاث روايات ثم احتج للرواية الأولى بحديث أن الطفيل وحديث عبدالرحمن ابن عابس الحضرمي ولا دلالة فيهما لأنـها رؤية منام فقط واحتج لها بما لا يرضي أحمد أن يحتج بـه وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا [ لما كانت ليلة أسرى بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ معاذ بن جبل احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه و سلم في صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس ثم خرج فصلى بنا ثم قال رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ ] وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والإسراء كان بمكة وليس عن الإمام أحمد ولا عن النبي صلى الله عليه و سلم نص أنـه رآه بعينـه يقظة وإنما حمل القاضي كلام أحمد ما لا يحتمله واحتج لما فهم منـه بما لا يدل عليه وكلام أحمد يصدق بعضه بعضا والمسألة رواية واحدة عنـه فإنـه لم يقل بعينـه وإنما قال رآه واتبع في ذلك قول ابن عباس رأى محمد ربه ولفظ الحديث رأيت ربي وهو مطلق وجاء بيانـه في الحديث الآخر
ولكن في رد أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي صلى الله عليه و سلم إشعار بأنـه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة وهي لم تنكر رؤية المنام ولم تقل من زعم أن محمدا رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية وهذا يدل على أحد أمرين إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية إذ هو مخالفته للحديث وإما أن يكون رواية عنـه بإثبات الرؤية وقد صرح بأنـه رآه رؤيا حلم بقلبه وهذا تقييد منـه للرؤية وأطلق أنـه رآه وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينـه ولا بقلبه وهذه النصوص عنـه متفقة لا مختلفة وكيف يقول أحمد رآه بعيني رأسه يقظة ولم يجىء ذلك في حديث قط فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت وإنكاره من قال لم يره أصلا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينـه والله أعلم

وقوله تعالى { ما زاغ البصر وما طغى } قال ابن عباس ما زاغ البصر يمينا ولا شمالا ولا جاوز ما أمر بـه وعلى هذا المفسرون فنفى عن نبيه ما يعرض للرائي الذي لا أدب له بين يدي الملوك والعظماء من التفاتة يمينا وشمالا ومجاوزة بصره لما بين يديه وأخبر عنـه بكمال الأدب في ذلك المقام وفي تلك الحضرة إذ لم يلتفت جانبا ولم يمد بصره إلى غير ما أرى من الآيات وما هناك من العجائب بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبه إطراقه وإقباله على ما رأى دون التفاته إلى غيره ودون تطلعه إلى ما لم يره مع ما في ذلك من ثبات الجأش وسكون القلب وطمأنينته وهذا غاية الكمال وزيغ البصر التفاته جانبا وطغيانـه مده أمامـه إلى حيث ينتهي فنزه في هذه السورة علمـه من الضلال وقصده وعمله عن الغي ونطقه عن الهوى وفؤاده عن تكذيب بصره وبصره عن الزيغ والطغيان وهكذا يكون المدح
( تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد )

ولما ذكر رؤيته لجبريل عند سدرة المنتهى استطرد منـها وذكر أن جنة المأوى عندها وأنـه يغشاها من أمره وخلقه ما يغشى وهذا من أحسن الاستطراد وهو أسلوب لطيف جدا في القرآن وهو نوعان :
( أحدهما ) أن يستطرد من الشيء إلى لازمـه مثل هذا ومثل قوله { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم } ثم استطرد من جوابهم إلى قوله { الذي جعل لكم الأرض مـهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون * والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا بـه بلدة ميتا كذلك تخرجون * والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره } وهذا ليس من جوابهم ولكن تقرير له وإقامة الحجة عليهم ومثله قوله تعالى { فمن ربكما يا موسى * قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى * قال فما بال القرون الأولى * قال علمـها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } فهذا جواب موسى ثم استطر سبحانـه منـه إلى قوله : { الذي جعل لكم الأرض مـهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا بـه أزواجا من نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النـهى * منـها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنـها نخرجكم تارة أخرى } ثم عاد إلى الكلام الذي استطرد منـه
( والنوع الثاني ) أن يستطرد من الشخص إلى النوع كقوله { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين } إلى آخره فالأول آدم والثاني بنوه ومثله قوله { هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منـها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت بـه فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين * فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما } إلى آخر الآيات فاستطرد من ذكر الأبوين إلى ذكر المشركين من أولادهما والله أعلم

ومن ذلك قوله تعالى : { والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور * إن عذاب ربك لواقع * ما له من ع } تضمن هذا القسم خمسة أشياء وهي مظاهر آياته وقدرته وحكمته الدالة على ربوبيته ووحدانيته فالطور هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه وكليمـه موسى بن عمران عند جمـهور المفسرين من السلف والخلف وعرفه ههنا باللام وعرفه في موضع آخر بالإضافة فقال { وطور سينين } وهذا الجبل مظهر بركة الدنيا والآخرة وهو الجبل الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه قال عبدالله ابن أحمد في كتاب الزهد لأبيه / حدثني محمد بن عبيد بن حبان قال حدثنا جعفر ابن سليمان قال حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالى قال : أوحى الله عز و جل إلى الجبال : إني نازل على جب منكم قال فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنـه تواضع وقال أرضي بما قسم الله لي فكان الأمر عليه وجبل هذا شأنـه حقيق أن يقسم الله بـه وإنـه لسيد الجبال
( الثاني ) الكتاب المسطور في الرق المنشور واختلف في هذا الكتاب فقيل في اللوح المحفوظ وهذا غلط فإنـه ليس برق وقيل هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني آدم وقال مقاتل تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور وهذا وإن كان أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنـهم من لم يزك غيره فالظاهر أن المراد بـه الكتاب المنزل من عند الله وأقسم الله بـه لعظمته وجلالته وما تضمنـه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه
ثم قيل هو التوراة التي أنزل الله على موسى وكأن صاحب هذا القول رأى اقتران الكتاب بالطور فقال هو التوراة ولكن التوراة إنما أنزلت في ألواح لا في رق إلا أن يقال هي في رق السماء وأنزلت في ألواح وقيل هو القرآن ولعل هذا أرجح الأقوال لأنـه سبحانـه وصف القرآن بأنـه في صحف مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة فالصحف هي الرق وكونـه بأيدي سفرة هو كونـه منشورا وعلى هذا فيكون قد أقسم بسيد الجبال وسيد الكتب ويكون ذلك متضمنا للنبوتين المعظمتين نبوة موسى ونبوة محمد وكثيرا ما يقرن بينـهما وبين محلهما كما في سورة التين والزيتون
ثم أقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور وفي وصفه الكتاب بأنـه مسطور تحقيق لكونـه مكتوبا مفروغا منـه وفي وصفه بأنـه منشور إيذان بالإعتناء بـه وأنـه بأيدي الملائكة منشور غير مـهجور
وأما البيت المعمور فالمشـهور أنـه الضراح الذي في السماء الذي رفع للنبي صلى الله عليه و سلم ليلة الإسراء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم وهو بحيال البيت المعمور في الأرض وقيل هو البيت الحرام ولا ريب أن كلا منـهما معمور : فهذا معمور بالملائكة وعبادتهم وهذا معمور بالطائفين والقائمين والركع والسجود وعلى كلا القولين فكل منـهما سيد البيوت
ثم أقسم سبحانـه بمخلوقين عظيمين من بعض مخلوقاته وهما مظهر آياته وعجائب صنعته وهما : السقف المرفوع وهو السماء فإنـها من أعظم آياته قدرا وارتفاعا وسعة وسمكا ولنا وإشراقا وهي محل ملائكته وهي سقف العالم وبها انتظامـه ومحل النيرين اللذين بهما قوام الليل والنـهار والسنين والشـهور والأيام والصيف والشتاء والربيع والخريف ومنـها تنزل البركات وإليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة
( والثاني ) البحر المسجور وهو آية عظيمة من آياته وعجائبه لا يحصيها إلا الله واختلف في هذا البحر هل هو الذي فوق السموات أو البحر الذي نشاهده ؟ على قولين فقالت طائفة : هو البحر الذي عليه العرش وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عام كما في الحديث الذي رواه أبو داود من حديث سماك عن عبدالله بن مخيمرة عن الأحنف بن قيس قال كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فمرت بهم سجابة فنظر إليها فقال : ما تسمون هذه ؟ قالوا : السحاب قال والمزن قالوا والمزن قال والعنان قالوا والعنان قال هل تدرون ما بين السماء والأرض ؟ قالوا : لا ندري قال إن بعد ما بينـهما إما واحدة أو إثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سموات ثم فوق السابعة بحرا بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم اله فوق ذلك وهذا لا يناقض ما في جامع الترمذي [ إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام ] إذ المسافات تختلف مقاديرها باختلاف المقدر بـه فالخمسمائة مقدرة بسير الإبل والسبعون بسير البريد وهو يقطع بقدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف وهذا القول في البحر الذي تحت العرش محكى من علي بن أبي طالب
والثاني أنـه بحر الأرض واتلف في المسحور فقيل المملوء هذا قول جميع أهل اللغة قال الفراء المسجور في كلام العرب المملوء يقال : سجرت الاناء إذا ملأته قال لبيد
( فتوسطا عرض السرى وصدعا مسجورة متجاور أقلامـها )
وقال المبرد : المسجور المملوء عند العرب وأنشد للنمر بن تولب :
إذا شاء طالع مسجورة
يريد عينا مملوءة ماء وكذا قال ابن عباس : المسجورة الممتلىء وقال مجاهد : المسجور الموقد قال الليث : السجر إيقادك في التنور تسجره سجرا والسجر اسم الحطب وهذا قول الضحاك وكعب وغيرهما قال : البحر يسجر فيزداد في جهنم وحكى هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنـه قال مسجور : قال الفراء : وهذا يرجع إلى القول الأول لأنك تقول : سجرت التنور إذا ملأته حطبا وروى ذو الرمة الشاعر عن أبي عباس أن المسجور اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب وليس لذي الرمة رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف وهذا القول اختيار أبي العالية قال أبو زيد : المسجور المملوء و المسجور الذي ليس فيه شيء جعله من الأضداد وقد روى عن ابن عباس أن المسجور المحبوس ومنـه ساجور الكلب وهو القلادة من عود أو حديد تمسكه والمعنى على هذا أنـه محبوس بقدرة الله أن يفيض على الأرض فيغرقها فإن ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرا للأرض فوقها كما أن الهواء فوق الماءـ ولكن أمسكه الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا وفي هذا حديث ذكره أحمد مرفوعا [ ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم ]
وهذا الموضع مما هدم أصول الملاحدة والدهرية فإنـه ليس في الطبيعة ما يقتضي حبس الماء عن بعض جوانب الأرض مع كون كرة الماء عالية على كرة الأرض بالذات ولو فرض أن في الطبيعة ما يقتضي بروز جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره وما ذكره الطبائعيون والمتفلسفة أن العناية الإلهية اقتضت ذلك لمصلمى العالم فنعم هو كما ذكروا ولكن عناية من يفعل بقدرته ومشيئته وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم الحاكمين - غير معقولة فإن العناية الإلهية تقضي حياته وقدرته ومشيئته وعلمـه وحكمته ورحمته وإحسانـه إلى خلقه وقيام الأفعال بـه فإثبات العناية الألهية مع نفي هذه الأمور ممتنع وبالله التوفيق
وأقوى الأقوال في المسجور أنـه الموقد وهذا هو المعروف في اللغة من المسجور ويدل عليه قوله تعالى { وإذا البحار سجرت } قال علي وابن عباس : أوقدت فصارت نارا ومن قال يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونـها نارا موقدة وكذا من قال ملئت فإنـها تملأ نارا
وإذا اعتبرت أسلوب القرآن ونظمـه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله فإن البحر محبوس بقدرة الله ومملوء ماء ويذهب ماؤه يوم القيامة ويصير نارا : فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه المعاني والله أعلم

وأقسم سبحانـه بهذه الأمور على المعاذ والجزاء فقال { إن عذاب ربك لواقع * ما له من ع } ولما كان الذي يقع قد يمكن دفعه أخبر سبحانـه أنـه لا ع له وهذا يتناول أمرين : أحدهما أنـه لا ع لوقوعه والثاني أنـه لا ع له إذا وقع
ثم ذكر سبحانـه وقت وقوعه فقال { يوم تمور السماء مورا * وتسير الجبال سيرا } والمور قد فسر بالحركة وفسر بالدوران وفسر بالتموج والاضطراب والتحقيق أنـه حركة في تموج وتكفؤ وذهاب ومجيء ولهذا فرق بين حركة السماء وحركة الجبال فقال { وتسير الجبال سيرا } وقال { وإذا الجبال سيرت } من مكان إلى مكان وأما السماء فإنـها تتكفأ وتموج وتذهب تجيء قال الجوهري : مار الشيء يمور مورا ترهيأ أي : تحرك جاء وذهب كما تكفأ النخلة العيدانة أي الطويلة ومنـه قوله { يوم تمور السماء مورا } قال الضحاك : تموج موجا وقال أبو عبيدة والأخفض : تكفأ وأنشد للأعشى :
( كأن مشيتها من بيت جارتها مور السحابة لا ريث ولا عجل )
ثم ذكر وعيد المكذبين بالمعاد والنبوة وذكر أعمالهم وعلومـهم التي كانوا عليها وهي الخوض الذي هو كلام باطل واللعب الذي هو سعى ضائع فلا علم نافع ولا عمل صالح بل علومـهم خوض بالباطل وأعمالهم لعب ولما كانت هذه العلوم والأعمال مستلزمة لدفع الحق بعنف وقهر أدخلوا جهنم وهم يدعون إليها دعا أي يدفع في أقفيتهم وأكتافهم دفعا بعد دفع فإذا وقفوا عليها وعاينوها وقفوا وقيل لهم { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } وتقولون لا حقيقة لها ولا من أخبر بها صادق ثم يقال { أفسحر هذا ؟ } الآن كما كنتم تقولون للحق لما جاءتكم بـه الرسل : أن سحر وأنـهم سحرة فهذا الآن سحر لا حقيقة له كما قلتم أم على أبصاركم غشاوة فلا تبصرونـها كما كان عليها غشاوة في الدنيا فلا تبصرون الحق ؟ أفعميت أبصاركم اليوم عن رؤية هذا الحق كما عميت في الدنيا فلا تبصرون الحق ؟ ثم سلب عنـهم نفع البصر الذي كانوا في الدنيا إذا دهمتهم الشدائد وأحاطت بهم لجأوا إليه وتعللوا بانقضاء البلية لانقضاء أمدها فقيل لهم يومئذ : ( اصبروا أو لا تصبروا ) كلاهما سواء عليكم لا يجدي عنكم الصبر ولا الجزع فلا الصبر يخفف عنكم حمل هذا العذاب ولا الجزع يعطف عليكم قلوب الحزنة ولا يستنزل لكم الرحمة ثم أعلموا بأن الرب تعالى لم يظلمـهم بذلك وإنما هو نفس أعمالهم صارت عذابا فلم يجدوا من اقترانـهم بـه بدا بل صارت عذابا لازما لهم كما كانت إرادتهم وعقائدهم الباطلة وأعمالهم القبيحة لازمة لهم ولزوم العذاب لأهله في النار بحسب لزوم تلك الإرادة الفاسدة والعقائد الباطلة وما يترتب عليها من الأعمال لهم في الدنيا فإذا زال ذلك اللزوم في وقت ما بضده وبالتوبة النصوح زوالا كليا لم يعذبوا عليه في الآخرة لأن أثره قد زال من قاوبهم وألسنتهم وجوارحهم ولم يبق له أثر يترتب عليه فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له والمادة الفاسدة إذا زالت من البدن بالكلية لم يبق هناك ألم ينشأ عنـها وإن لم تزل تلك الإرادة والأعمال ولكن عارضها معارض أقوى منـها كان التأثير للمعارض وغلب الأقوى الأضعف وإن تساوى الأمران تعا وقاوم كل منـهما الآخر وكان محل صاحبه جبال الأعراف بين الجنة والنار فهذا حكم الله وحكمته في خلقه وأمره ونـهيه وعقابه ولا يظلم ربك أحدا

ثم ذكر سبحانـه أرباب العلوم النافعة والعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة وهم المتقون فذكر مساكنـهم وهم في الجنان وحالهم في المساكن وهو النعيم وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونـهم { فاكهين بما آتاهم ربهم } والفاكهه : المعجب بالشيء المسرور المغبتط بـه وفعله فكه - بالكسر - يفكه فهو فكه وفاكه إذا كان طيب النفس والفاكهه البال ومنـه الفاكهة وهي المرح الذي ينشأ عن طيب النفس وتفكهت بالشي إذا تمتعت بـه ومنـه الفاكهة التي يتمتع بها ومنـه قوله { فظلتم تفكهون } قيل : معناه تندمون وهذا تفسير بلازم المعنى وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكه وإذا زال التفكه خلفه ضده يقال : تحنث إذا زال الحنث عنـه وتحرج وتحوب وتأثم ومنـه تفكه وهذا البناء يقال للداخل في الشيء : كتعلم وتحلم وللخارج منـه : كتحرج وتأثم
والمقصود أنـه سبحان جمع لهم بين النعيمين : نعيم القلب بالتفكه ونعيم البدن بالأكل والشرب والنكاح ووقاهم عذاب الجحيم فوقاهم مما يكرهون وأعطاهم ما يحبون جزاء وفاقا لأنـهم تركوا ما يكره وأتوا بما يحب : فكان جزاءهم مطابقا لأعمالهم
ثم أخبر عن دوام ذلك لهم بما أفهمـه قوله ( هنيئا ) فإنـهم لو علموا زواله وانقطاعه لنغص عليهم ذلك نعيمـهم ولم يكن هناء لهم
ثم ذكر مجالسهم وهيئاتهم فيها فقال { متكئين على سرر مصفوفة } وفي ذكر اصطفافها تنبيه على كمال النعمة عليهم بقرب بعضهم من بعض ومقابلة بعضهم بعضا كما قال تعالى { متكئين عليها متقابلين } فإن من تمام اللذة والنعيم أن يكون مع الإنسان في بستانـه ومنزله من يحب معاشرته ويؤثر قربه ولا يكون بعيدا منـه قد حيل بينـه وبينـه بل سريره إلى جانب سرير من يحبه
وذكر أزواجهم وأنـهم الحور العين وقد تكرر وصفهم في القرآن بهاتين الصفتين قال أبو عبيدة : جعلناهم أزواجا كما يزوج البعل بالبعل جعلناهم اثنين اثنين وقال يونس قرناهم بهن وليس من عقد التزويج واحتج على هذا بأن العرب لا تقول تزوجت بها وإنما تقول تزوجتها قال تعالى { فلما قضى زيد منـها وطرا زوجناكها } وفي الحديث [ زوجتكها بما معك من القرآن ] وقال غيره : العرب تقول تزوجت بامرأة وقال الأزهري : العرب تقول : زوجة امرأة وتزوجت امرأة وليس في كلامـهم تزوجت بامرأة ومنـه قوله تعالى { وزوجناهم بحور عين } أي قرناهم وعلى هذا فزوجناهم عند هؤلاء من الاقتران والشفع أي شفعناهم وقرناهم بهن وقالت طائفة منـهم مجاهد : زوجناهم بهن أي أنحكناهم إياهن
قلت : وعلى هذا فتلويح فعل التزويج قد دل على النكاح وتعديته بالباء المتضمنة معنى الاقتران والضم فالقولان واحد والله أعلم
وأما الحور العين فقال مجاهد : التي يحار فيها الطرف باديا مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون وقال قتادة بحور أي بيض وكذا قال ابن عباس وقال مقاتل : الحور البيض الوجوه العين : الحسان الأعين وعين حوراء : شديدة السواد نقية البياض طويلة الأهداب مع سوادها كاملة الحسن ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون مع حور عينـها بياض لون الجسد فوصفهن بالبياض والحسن والملاحة كما قال { خيرات حسان } فالبياض في ألوانـهن والحسن في وجوههن والملاحة في عيونـهم وقد وصف الله سبحانـه نساء أهل الجنة بأحسن الصفات ودل بما وصف بما سكت عنـه
فإن شئت التفصيل فالذي يحمد ويستحب من وجه المرأة وبدنـها وأخلاقها البياض في أربعة أشياء : اللون وبياض العين والفرق والثغر والسواد في أربعة سواد العين وسواد شعر الرأس والجفن وسواد الحاجبين والحمرة في أربعة اللسان والشفتين والوجنتين وحمرة تشوب البياض فتحسنـه وتزينـه ومن التدوير أربعة أشياء الوجه والرأس والكعب وال ومن الطور أربعة : القامة والعنق والشعر والحاجب والسعة في أربعة : الجبهة والعين والوجه والصدر ومن الصغر في أربعة : الثدي والفم والكف والقدم ومن الطيب في أربعة : الفم والأنف والفرق والفرج ومن الضيق في موضع واحد ومن الأخلاق كما قال تعالى { عربا أترابا } إذ العرب جمع عروب وهي المرأة المتحببة إلى زوجها بأخلاقها ولطافتها وشمائلها قال ابن الأعرابي العروب من النساء المطيعة لزوجها المتحببة إليه وقال أبو عبيدة : هي الحسنة التبعل قال المبرد : هي العاشقة لزوجها وقال البخاري في صحيحه : هي الغنجة ويقال الشكلة فهذا وصف أخلاقهن وذلك وصف خلقهن وأنت إذا تأملت الصفات التي وصفهن الله بها رأيتها مستلزمة لهذه الصفات ولما وراءها والله المستعان

ثم أخبر سبحانـه عن تكميل نعيمـهم بإلحاق ذرياتهم بهم في الدرجة وإن لم يعملوا أعمالهم لتقر أعينـهم بهم ويتم سرورهم وفرحهم وأخبر سبحانـه أنـه لم ينقص الآباء من عملهم من شيء بهذا الإلحاق فينزلهم من الدرجة العليا إلى الدرجة السفلى بل ألحق الأبناء بالآباء ووفر على الآباء أجورهم ودرجاتهم
ثم أخبر سبحانـه أن هذا إنما هو فعله في أهل الفضل وأما أهل العلد فلا يفعل بهم ذلك بل { كل امرئ بما كسب رهين } ففي هذا دفع لتوهم التسوية بين الفريقين بهذا الإلحاق كما في قوله : { وما ألتناهم من عملهم من شيء } دفع لتوهم حط الآباء إلى درجة الأبناء وقسمة أجور الآباء بينـهم وبين الأبناء فينقص أجر أعمالهم فرفع هذا التوهم بقوله { وما ألتناهم من عملهم من شيء } أي ما نقصناهم ثم ذكر إمدادهم باللحم والفاكهة والشرب وأنـهم يتعاطون كؤوس ال بينـهم يشرب أحدهم ويناول صاحبه ليتم بذلك فرحهم وسرورهم
ثم نزه ذلك ال عن الآفات من اللغو من أهله عليه ولحوق الإثم لهم فقال { لا لغو فيها ولا تأثيم } فنفى باللغو السباب والتخاصم والهجر والفحش في المقال والعربدة ونفى بالتأثيم جميع الصفات المذمومة التي أثمت شارب الخمر وقال سبحانـه { ولا تأثيم } ولم يقل ولا إثم أي : ليس فيها ما يحملهم على الإثم ولا يؤثم بعضهم بعضا بشربها ولا يؤثمـهم الله بذلك ولا الملائكة فلا يلغون ولا يأثمون قال ابن قتيبة : لا يذهب بعقولهم فيلغوا ولم يقع منـهم ما يؤثمـهم
ثم وصف خدمـهم الطائفين عليهم بأنـهم كاللؤلؤ في بياضهم والمكنون : المصون الذي لا تدنسه الأيدي فلم تذهب الخدمة تلك المحاسن وذلك اللون والصفاء والبهجة بل مع انتصابهم لخدمتهم كأنـهم لؤلؤ مكنون ووصفهم في موضع آخر { إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا } ففي ذكره المنثور إشارة إلى تفرقهم في حوائج ساداتهم وخدمتهم وذهابهم ومجيئهم وسعة المكان بحيث لا يحتاجون أن ينضم بعضهم إلى بعض فيه لضيقه
ثم ذكر سبحانـه ما يتحدثون بـه هناك وأنـهم يقولون { إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } أي : كنا خائفين في محل الأمن بين الأهل والأقارب والعشائر فأوصلنا ذلك الخوف والإشفاق إلى أن من الله علينا فأمنا مما تخاف { ووقانا عذاب السموم } وهذا ضد حال الشقى الذي كان في أهله مسرورا فهذا كان مسرورا مع إساءته وهؤلاء كانوا مشفقين مع إحسانـهم فبدل الله سبحانـه إشفاقهم بأعظم الأمن وبدل أمن أولئك بأعظم المخاوف فبالله سبحانـه المستعان
ثم أخبر عن حالهم في الدنيا وأنـهم كانوا يعبدون الله فيها فأوصلتهم عبادته وحده إلى قربه وجواره ومحل كرامته والذي جمع لهم ذلك كله بره ورحمته فإنـه هو البر الرحيم فهذا هو المقسم عليه بتلك الأقسام الخمسة في أول السورة والله أعلم

ومن ذلك قوله { والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات أمرا } أقسم بالذاريات وهي الرياح تذرو المطر وتذرو التراب وتذرو النبات إذا تهشم كما قال تعالى { فأصبح هشيما تذروه الرياح } أي تفرقه وتنشره ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقرا أي ثقلا من الماء وهي روايا الأرض يسوقها الله سبحانـه على متون السحاب الرياح كما في جامع الترمذي من حديث الحسن بن أبي هريرة قال : [ بينما نبي الله صلى الله عليه و سلم جالس في أصحابه إذا أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه و سلم هل تدرون ما هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونـه ولا يدعونـه ]
ثم أقسم سبحانـه بما فوق ذلك وهي { الجاريات يسرا } وهي النجوم التي من فوق الغمام و { يسرا } أي : مسخرة مذللة منقادة وقال جماعة من المفسرين : أنـها السفن تجري ميسرة في الماء جريا سهلا ومنـهم من لم يذكر غيره واختار شيخنا رحمـه الله القول الأول وقال هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي فإنـه بدأ بالرياح وفوقها السحاب وفوقه النجوم وفوقها الملائكة المقسمات أمر الله الذي أمرت بـه بين خلقه والصحيح أن { المقسمات أمرا } لا تختص بأربعة وقيل : هم جبريل يقسم الوحي والعذاب وأنواع العقوبة على من خالف الرسل وميكائيل على القطر والبرد والثلج والنبات يقسمـها بأمر الله وملك الموت يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانـها عند النفخ في الصور وهم المدبرات أمرا وليس في اللفظ ما يدل على الاختصاص بهم والله أعلم
وأقسم سبحانـه بهذه الأمور الأربعة لمكان العبرة والآية والدلالة الباهرة على ربوبيته ووحدانيته وعظم قدرته ففي الرياح من العبر هبوبها وسكونـها ولينـها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومـهابها وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها فللمطر خمسة رياح : ريح ينشر سحابه وريح يؤلف بينـه وريح تلقحه وريح تسوقه حيث يريد الله وريح تذور أمامـه وتفرقه وللنبات ريح وللسفن ريح وللرحمة ريح وللعذاب ريح إلى غير ذلك من أنواع الرياح وذلك تقضى بوجود خالق مصرف لها مدبر لها يصرفها كيف شاء ويجعلها رخاء تارة ورحمة تارة وعذابا تارة فتارة يحيي بها الزرع والثمار وتارة بغطيها بها وتارة ينحى بها السفن وتارة يهلكها بها وتارة ترطب الأبدان وتارة تذيبها وتارة عقيما وتارة لاقحة وتارة جنوبا وتارة دبورا وتارة صبا وتارة شمالا وتارة حارة وتارة باردة وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة المسارق بين السماء والأرض إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك يحسبها الله سبحانـه إذا شاء ويرسلها إذا شاء تحمل الأصوات إلى الأذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجرز وهي من روح الله تأتي بالرحمة ومن عقوبته تأتي بالعذاب وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا يارب هل من خلقك شيء أشد من الحديد ؟ قال نعم النار قالوا : يارب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد ؟ قال نعم النار قالوا : يارب فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟ قاع نعم الماء قالوا : يارب فهل من خلقك أشد من الماء ؟ قال نعم الريح قالوا : يارب فهل من خلقك أشد من الريح ؟ قال نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينـه يخفيها عن شماله ] ورواه الإمام أحمد في مسنده وفي الترمذي في حديث قصة عاد أنـه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر حلقة الخاتم فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقد وصفها الله بأنـها عاتية قال البخاري في صحيحه : عتت على الخزنة فلم يستطيعوا أن يردوها
والمقصود أن الرياح أعظم من آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته

ثم أقسم بالسحاب وهو من أعظم آيات الله في الجو في غاية الخفة ثم يحمل الماء والبرد فيصير أثقل شيء فيأمر الرياح فتحمله على متونـهما وتسير بـه حيث أمرت فهو مسخر بين السماء والأرض حامل لأرزاق العباد والحيوان فإذا أفرغه حيث أمر بـه اضمحل وتلاشى بقدرة الله فإنـه لو بقي لأضر النبات والحيوان فأنشأه سبحانـه في زمن يصلح إنشاؤه فيه وحمله من الماء ما يحمله وساقه إلى بلد شديد الحاجة إليه
فسل السحاب من أنشأه بعد عدمـه ؟ وحمله الماء والثلج والبرد ؟ ومن حمله على ظهور الرياح ؟ ومن أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد ؟ ومن أغاث بقطره العباد وأحيا بـه البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد وأخرج ذلك القطر بقدر معلوم وأنزله منـه وأفناه بعد الاستغناء عنـه ولو شاء لأدامـه عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلا ولو شاء لأمسكه عنـهم فلا يجدون إليه وصولا فإن لم يحبك جوابا حباك اعتبار مرسل الرياح من أنشأها بقدرته ؟ وصرفها بحكمته وسخرها بمشيئته وأرسلها بشرا بين يدي رحمته جعلها سببا لتمام نعمته وسلطانا على من شاء بعقوبته ؟ ومن جعلها رخاء وذراية ولاقحة ومثيرة ومؤلفة ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات وجعلها قاصفا وعاصفا ومـهلكة وعاتية ؟ إلى غير ذلك من صفاتها فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم تدبير مدبر شـهدت الموجودات بربوبيته وأقرت المصنوعات بوحدانيته بيده النفع والضر وله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ؟
وسل الجاريات يسرا من السفن : من أمسكها على وجه الماء وسخر لها البحر ؟ ومن أرسل لها الرياح التي تسوقها على الماء سوق السحاب على متون الرياح ؟ ومن حفظها في مجراها ومرساها من طغيان الماء وطغيان الريح ؟ فمن الذي جعل الريح لها بقدر لو زاد عليها لأغرقها ولو نقص عنـه لعاقها ؟ ومن الذي أجرى لها ريحا واحدة تسير بها ولم يسلط على تلك الريح ما يصادمـها ويقاومـها فتتموج في البحر يمينا وشمالا تتلاعب بها الريح ؟ ومن الذي علم الخلق الضعيف صنعة هذا البيت العظيم الذي يمشي على الماء فيقطع المسافة البعيدة ويعود إلى بلده يشق الماء ويمخره مقبلا ومدبرا بريح واحدة تجري في موج كالجبال { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام * إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور * أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير } ومن الذي حمل في هذا البيت نبيه وألياءه خاصة وأغرق جميع أهل الأرض سواهم ؟
وسل الجاريات يسرا من الكواكب والشمس والقمر : من الذي خلقها وأحسن خلقها ورفع مكانـها وزين بها قبة العالم وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانـها وحركاتها وأماكنـها من السماء فمنـها الكبير ومنـها الصغير والمتوسط والأبيض والأحمر والزجاجي اللون والدري اللون والمتوسط في قبة الفلك والمتطرف في جوانبها وبين ذلك ؟ ومنـها ما يقطع الفلك في شـهر ومنـها ما يقطعه في عام ومنـها ما يقطعه في ثلايين عاما ومنـها ما يقطعه في أضعاف ذلك ومنـها ما لا يزال ظاهرا لا يغيب بحال فهو أبدي ومنـها أبدي الخفاء ومنـها ما له حالتان ظهور واختفاء ومنـها ما له حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب وحركة ذاتية من المغرب إلى المشرق فحالما يأخذ الكوكب في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته وكوكب آخر قد طلع وهو آخذه في الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنـه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته
وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كما له دل على صدق رسله فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانـه وقدرته وعلمـه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا تقتصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا

وأما دلالة ( المقسمات أمرا ) وهم الملائكة فلأن ما يشاهد من تدبير العالم العلوي والسفلي ومالا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منـهم فوكل بالشمس والقمر والنجوم والأفلاك طائفة منـهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات طائفة ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم طائفة وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة وبكل شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن وما فيهم من القوة والشدة ولطاقة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد لأمره والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في أقطار العالم
ثم أقسم سبحانـه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب فقال : { إنما توعدون لصادق } أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لحق كائن وهو وعد صدق لا كذب ( وإن الدين لواقع ) أي إن الجزاء لكائن لا محالة ويجوز أن تكون ( ما ) موصولة والعائد محذوف والمعنى أن الذي توعدونـه لصادق أي كائن وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق
ووصف الوعد بكونـه صادقا أبلغ من وصفه بكونـه صدقا ولا حاجة إلى تكلف جعله بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنـه صادق في كلامـه فوصف كلامـه بأنـه صادق وهذا مثل قولهم : سر كاتم وليل قائم ونـهار صائم وماء ق ومنـه { عيشة راضية } وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب
وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم بـه والمقسم عليه وجدته دالا عليه مرشدا إليه
ثم أقسم سبحانـه ( بالسماد ذات الحبك ) أصل الحبك في اللغة إجادة النسج يقال : حبك الثوب إذا أجاج نسجه وحبل محبوك إذا كان شديد الفتل وفرس محبوك الكفل أي : مدمجه وقال شمر : المحبوك في اللغة ما أجيد عمله ودابة محبوكة : إذا كانت مدمجة الخلق وقال أبو عبيدة والمبرد الحبك : الطريق واحدها حباك وحباك ال : طرائق على جناحيه وحبك الماء طريقه وقال الفراء : الحبك تكسير كل شيء كالرمل إذا مرت بـه الريح والماء الدائم إذا مرت بـه الريح وتجعد الشعر حبك أيضا واحدها حبيكة مثل طرق وطريقة وحباك مثل مثال ومثل والمقصود بهذا كله ما أفصح بـه ابن عباس فقال : يريد الخلق الحسن
وروى سعيد بن جبير عنـه قال : الحبك حسنـها واستواؤها وقال قتادة : ذات الخلق الشديد وقال مجاهد : متقنة البنيان وقال أيضا : ذات الطرائق ولكنـها بعيدة من العباد فلا يرونـها كحبك الماء إذا ضربته الريح وكحبك الرمل وكحبك الشعر وقال عكرمة : بنيانـها كالبرد المسلسل
قلت وفي الحديث في صفة الدجال [ ورأسه حبط ] أي جعد الشعر ومن أحسن ما قيل في تفسير الحبك ما ذكره الترمذي في تفسير الجامع من حديث الحسن [ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : هل تدرون ما فوقكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال فإنـها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ] وذكر الحديث

ثم ذكر المقسم عليه فقال : ( إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنـه من أفك ) فالقول المختلف أقوالهم في القرآن وفي النبي صلى الله عليه و سلم وهو خرص كله فإنـهم لما كذبوا بالحق اختلفت مذاهبهم وآراؤهم وطرائقهم وأقوالهم فإن الحق شيء واحد وطريق مستقيم فمن خالفه اختلفت بـه الطرق والمذاهب كما قال تعالى { بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج } أي : مختلط ملتبس وفي ضمن هذا الجواب : أنكم في أقوال باطلة متناقضة يكذب بعضها بعضا بسبب تكذيبهم بالحق
ثم أخبر سبحانـه أنـه يصرف بسبب ذلك القول المختلف من صرف فعن ههنا فيها طرف من معنى التسبيب كقوله { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك }
وقوله { من أفك } أي من سبق في علم الله أنـه يضل ويؤفك كقوله { فإنكم وما تعبدون * ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم }
وقالت طائفة : الضمير يرجع إلى القرآن وقيل إلى الإيمان وقيل إلى الرسول والمعنى يصرف عنـه من صرف حتى يكذب به
ولما كان هذا القول المختلف خرصا وباطلا ( قتل الخراصون ) أي المكذبون ( الذين هم في غمرة ساهون ) وجهالة قد عمرت قلوبهم أي غطتها وغشتها كغمرة الماء وغمرة الموت فالغمرات ما غطاها من جهل أو هوى أو سكر أو غفلة أو حب أو بغض أو خوف أو غم ونحو ذلك قال تعالى { بل قلوبهم في غمرة من هذا } أي غفلة وقيل جهالة
ثم وصفهم بأنـهم ساهون في غمرتهم والسهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنـه والفرق بينـه وبين النسيان أن النسيان الغفلة بعد الذكر والمعرفة والسهو لا يستلزم ذلك
ثم قال { يسألون أيان يوم الدين ؟ } استبعادا للوقوع وجحدا فأخبر تعالى أن ذلك { يوم هم على النار يفتنون } والمشـهور في تفسير هذا الحرف أنـه بمعنى يحرقون ولكن لفظة على تعطي معنى زائدا على ما ذكروه ولو كان المراد نفس الحرق لقيل يومـهم في النار يفتنون ولهذا لما علم هؤلاء ذلك قال كثير منـهم : على بمعنى في كما تكون في بمعنى على والظاهر أن فتنتهم على النار قبل فتنـهم فيها لهم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنة وعند هم والتعذيب بها فتنة أشد منـها ومن جعل الفتنة ههنا من الحريق أخذه من قوله تعالى { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا } واستشـهد على ذلك أيضا بهذه اللفظة التي في الذاريات وحقيقة الأمر أن الفتنة تطلق على العذاب وسببه ولهذا سمى الله الكفر فتنة فهم لما أتوا بالفتنة التي هي أسباب العذاب في الدنيا سمى جزاءهم فتنة ولهذا قال { ذوقوا فتنتكم } وكان وقوفهم على النار وعرضهم عليها من أعظم فتنتهم وآخر هذه الفتنة النار والتعذيب بها ففتنوا أولا بأسباب الدنيا وزينتها ثم فتنوا بإرسال الرسل إليهم ثم فتنوا بمخالفتهم وتكذيبهم ثم فتنوا بعذاب الدنيا ثم فتنوا بعذاب الموت ثم يفتنون في موقف القيامة ثم إذا حشروا إلى النار ووقفوا عليها وعرضوا عليها وذلك من أعظم فتنتهم ثم الفتنة الكبرى التي أنستهم جميع الفتن قبلها

ثم ذكر سبحانـه جزاء من خلص من هذه الفتن بالتقوى وهو الجنات والعيون وأنـهم { آخذين ما آتاهم ربهم } من الخير والكرامة
وفي ذلك دليل على أمور : منـها قبولهم له ومنـها رضاهم بـه ومنـها وصولهم إليه بلا مانع ولا عائق ومنـها أن جزاءهم من جنس أعمالهم فكما أخذوا ما أمرهم بـه في الدنيا وقابلوه بالرضا والتسليم وانشراح الصدر أخذوا ما آتاهم من الجزاء كذلك ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك وهو إحسانـهم المتضمن لعبادته وحده لا شريك له والقيام بحقوقه وحقوق عباده ثم ذكر ليلهم وأنـهم قليل هجوعهم منـه
وقد قيل إ ن ( ما ) نافية والمعنى ما يهجعون قليلا من الليل فكيف بالكثير ؟ وهذا ضعيف لوجوه ( أحدها ) أن هذا ليس بلازم لوصف المتقين الذين يستحقوق هذا الجزاء ( الثاني ) أن قيام من نام من الليل نصفه أحب إلى الله من قيام من قامـه كله ( الثالث ) أنـه لو كان المراد بذلك إحياء الليل جميعه لكان أولى الناس بهذا رسول الله صلى الله عليه و سلم وما قام ليلة حتى الصباح ( الرابع ) أن الله سبحانـه إنما أمر رسوله أن يتهجد بالقرآن من الليل لا من الليل كله فقال { ومن الليل فتهجد بـه } ( الخامس ) أنـه سبحانـه لما أمره بقيام الليل في سورة المزمل إنما أمره بقيام النصف أو النقصان منـه أو الزيادة عليه فذكر له هذه المراتب الثلاثة ولم يذكر قيامـه كله ( السادس ) أنـه صلى الله عليه و سلم لما بلغه عن عثمان بن مظعون أنـه لا ينام من الليل بعث إليه فجاء فقال [ يا عثمان أرغبت عن سنتي ؟ قال : لا والله يا رسول و لكن سنتك أطلب قال : فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله ياعثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا فصم وأفطر وصل ونم ] ولما بلغه عن زينب بنت جحش أنـها تصلي الليل كله حتى جعلت حبلا بين ساريتين إذا فترت تعلقت بـه أنكر ذلك وأمر بحله ( السابع ) أن الله أثنى عليهم بأنـهم كانت { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } وتقلق عنـها حتى يقوموا إلى الصلاة ولهذا جازاهم عن هذا التجافي - الذي سببه قلق القلب واضطرابه حتى يقوم إلى الصلاة - بقرة الأعين - ( الثامن ) أن الصحابة الذين هم أول وأولى من دخل في هذه الآية - لم يفهموا منـها عدم نومـهم بالليل أصلا فروى بجبر بن سعد عن سعيد عن قتادة عن أنس في قوله { كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } قال : كانوا يصلون مابين المغرب والعشاء ( التاسع ) أن في هذا التقرير تفكيكا للكلام وتقديما لمعمول العامل المنفى عليه لأنك تجعل قليلا مفعول يهجعون وهو منفى والبصريون لايجيزون ذلك وإن أجازه الكوفيون وفصل بعضهم فأجازه في الظرف ولم يجزه في غيره

وقيل : ما زائدة وخبر كان ( يهجعون ) و ( قليلا ) منصوب إما على المصدرية أي هجوعا قليلا وإما على الظرف أي زمنا قليلا
واستشكل هذا بأن نوم نصف الليل وقيام ثلثه ثم نومـه سدسه أحب القيام إلى الله فيكون وقت الهجوع أكثر من وقت القيام فكيف يثني عليهم بما الأفضل خلافه ؟
وأجيب عن ذلك بأن من قام هذا القيام فزمن هجوعه أقل من زمن يقظته قطعا فإنـه مستيقظ من المغرب إلى العشاء ومن الفجر إلى طلوع الشمس فيبقى ما بين العشاء إلى طلوع الفجر فيقومون نصف ذلك الوقت فيكون زمن الهجوع أقل من زمن الاستيقاظ
وقيل : ما مصدرية وهي في موضع رفع بقليل أي كانوا قليلا هجوعهم وهو قول الحسن وقيل : إنـها موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي قليلا من الليل الوقت الذي يهجعون وفيه تكلف وقيل : ما يهجعون بدل اشتمال من اسم كان والتقدير كان هجوعهم من الليل قليلا ويراد عليه أن من الليل متعلق يهجعون و معمول المصدر لا يتقدم عليه وأجيب عنـه أنـه منصوب على التفسير ومعناه أن يقدر له فعل محذوف ينصبه مفسره هذا المذكور وقليلا خبر كان وتم الكلام بذلك والمعنى كانوا صنفا أو جنسا قليلا ثم قال { من الليل ما يهجعون } وأصحاب هذا القول يجعلون ما نافية فيعود الكلام إلى نفي هجوعهم شيئا من الليل وقد تقدم ما فيه
ثم أخبر عنـهم بأنـهم مع صلاتهم بالليل كانوا يستغفرون الله عند السحر فختموا صلاتهم بالاستغفار والتوبة فباتوا لربهم سجدا وقياما ثم تابوا إليه واستغفروه عقيب ذلك وكان النبي صلى الله عليه و سلم إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثا وأمره الله سبحانـه أن يختم عمره بالاستغفار وأمر عباده أن يختموا إفاضتهم من عرفات بالاستغفار وشرع صلى الله عليه و سلم للمتوضئ أني ختم وضوءه بالتوبة فأحسن ما ختمت بـه الأعمال التوبة والاستغفار
ثم أ خبر سبحانـه عن إحسانـهم إلى الخلق مع إخلاصهم لربهم فجمع لهم بين الإخلاص والإحسان ضد { الذين هم يراؤون * ويمنعون الماعون } وأكد إخلاصهم في هذا الإحسان بأن مصرفه للسائل والمحروم الذي لا يقصد بإعطائه الجزاء منـه ولا الشكور والمحروم المتعفف الذي لا يسأل
وتأمل حكمة الرب تعالى في كونـه حرمـه بقضائه وشرع لأصحاب الجدة إعطاءه وهو أغنى الأغنياء وأجود الأجودين فلم يجمع عليه بين الحرمان بالقدر وبالشرع شرع عطاءه بأمره وحرمـه بقدره فلم يجمع عليه حرمانين

ثم ذكرهم سبحانـه بآياته الأفقية والنفسية فقال { وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون } فآيات الأرض أنواع كثيرة منـها خلقها وحدوثها بعد عدمـها وشواهد الحدوث والافتقار إلى الصانع عليها لا تجحد فإنـها شواهد قائمة بها ومنـها بروز هذا الجانب فيها عن الماء مع كون مقتضى الطبيعة أن يكون مغمورا بـه ومنـها سعتها وكبر خلقها ومنـها تسطيحها كما قال تعالى { وإلى الأرض كيف سطحت } ولا ينافى ذلك كونـها كرية فهي كرة في الحقيقة لها سطح يستقر عليه الحيوان ومنـها أنـه جعلها فراشا لتكون مقر الحيوان ومساكنـه وجعله قرارا وجعلها مـهادا ذلولا توطأ بالأقدام وتضرب بالمعاول والفئوس وتحمل على ظهرها الأبينة الثقال فهي ذلول مسخرة لما يريد العبد منـها وجعلها بساطا وجعلها كفاتا للأحياء تضمـهم على ظهرها وللأموات تضمنـهم في بطنـها وطحاها فمدها وبسطها ووسعها ودحاها فهيأها لما يراد منـها بأن أخرج منـها ماءها ومرعاها وشق فيها الأنـهار وجعل فيها السبل والفجاج ونبه بجعلها مـهادا وفراشا على حكمته في جعلها ساكنة وذلك آية أخرى إذ لا دعامة تحتها تمسكها ولا علاقة فوقها ولكنـها لما كانت على وجه الماء كانت تكفأ فيه كما تكفأ السفينة فاقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها رواسي يثبتها بها لئلا تميد وليستقر عليها الأنام وجعلها ذلولا على الحكمة في أن لم تكن في غاية الصلابة والشدة كالحديد فيمتنع حفرها وشقها والبناء فيها والغرس والزرع وبعث النوم عليها والمشي فيها ونبه بكونـها قرارا على الحكمة في أنـها لم تخلق في غاية اللين والرخاوة والدماثة فلا تمسك بناء ولا يستقر عليها الحيوان ولا الأجسام الثقيلة : بل جعلها بين الصلابة والدماثة وأشرف الجواهر عند الإنسان الذهب والفضة والياقوت والزمرد فلو كانت الأرض من هذه الجواهر لفاتت مصالح العباد والحيوان منـها وتعطلت المنافع المقصودة منـها وبهذا يعلم أن جواهر التراب أشرف من هذه الجواهر وأنفع وأبرك وإن كانت تلك أعلى وأعز فغلاؤها وعزتها لقاتها وإلا فالتراب أنفع منـها وأبرك وأنفس وكذلك لم يجعلها شفافة فإن الجسم الشفاف لا يستقر عليه النور وما كان كذلك لم يقبل السخونة فيبقى في غاية البرد فلا يستقر عليه الحيوان ولا يتأتى فيه النبات وكذلك لم يجعلها صقيلة براقة لئلا يحترق ما عليها بسبب انعكاس أشعة الشمس كما يشاهد من احتراق القطن ونحوه عند انعكاس شعاع الجسم الصقيل الشفاف فاقتضت حكمته سبحانـه أن جعلها كثيفة غبراء فصلحت أن تكون مستقرا للحيوان والأنام والنبات
ولما كان الحيوان الهوائي لا يمكنـه أن يعيش في الماء كالحيوان المائي أبرز له جانبها كما تقدم وجعله على أوفق الهيئات لمصالحه وأنشأ منـها طعامـه وقوته وكذلك خلق منـها النوع الإنساني وأعاده إليها ويخرجه منـها

ومن آياتها أن جعلها مختلفة الأجناس والصفات والمنافع مع أنـها قطع متجاورات متلاصقة فهذه سهلة وهذه حزنة تجاورها وتلاصقها وهذه طيبة تنبت وتلاصقها أرض لا تنبت وهذه تربة وتلاصقها رمال وهذه صلبة ويلاصقها ويليها رخوة وهذه سوداء ويليها أرض بيضاء وهذه حصى كلها ويجاورها أرض لا يوجد فيها حجر وهذه تصلح لنبات كذا وكذا وهذه لا تصلح له بل تصلح لغيره وهذه سبخة مالحة وهذه بضدها وهذه ليس فيها جبل ولا معلم وهذه مسجرة بالجبال وهذه لا تصلح إلا على المطر وهذه لا ينفعها المطر بل لا تصلح إلا على سقي الأنـهار فيمطر الله سبحانـه الماء على الأرض البعيدة ويسوق الماء إليها على وجه الأرض
فلو سألتها من نوعها هذا التنوع ؟ ومن فرق أجزاءها هذا التفريق ؟ ومن خصص كل قطعة منـها بما خصها بـه ؟ ومن ألقى عليها رواسيها وفتح فيها السبل وأخرج منـها الماء والمرعى ؟ ومن أمسكها عن الزوال ؟ ومن بارك فيها وقدر فيها أقواتها وأنشأ منـها حيوانـها ونباتها ؟ ومن وضع فيها معادتها وجواهرها ومنافعها ؟ ومن هيأها مسكنا ومستقرا للأنام ؟ ومن يبدأ الخلق منـها ثم يعيده إليها ثم يخرجه منـها ؟ ومن جعلها ذلولا غير مستصعبة ولا ممتنعة ؟ ومن وطأ مناكبها وذلك مسالكها ووسع مخارجها وشق أنـهارها وأنبت أشجارها وأخرج ثمارها ؟ ومن صدعها عن النبات وأودع فيها جميع الأقوات ؟ ومن بسطها ؟ وفرشـها ومـهدها وذللها وطحاها ودحاها وجعل ما عليها زينة لها ؟ ومن الذي يمسكها أن تتحرك فتتنزلزل فيسقط ما عليها من بناء ومعلم أو يخسفها بمن عليها فإذا هي تمور ؟ ومن الذي أنشأ منـها النوع الإنساني الذي هو أبدع المخلوقات وأحسن المصنوعات بل أنشأ منـها آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلى الله عليه و سلم وعليهم أجمعين وأنشأ منـها أولياءه وأحباءه وعباده الصالحين ؟ ومن جعلها حافظة لما استودع فيها من المياه والأرزاق والمعادن والحيوان ؟ ومن جعل بينـها وبين الشمس والقمر هذا القدر من المسافة فلو زادت على ذلك لضعف تأثرها بحرارة الشمس ونور القمر فتعطلت المنفعة الواصلة إلى الحيوان والنبات بسبب ذلك ولو زادت في القرب لاشتدت الحرارة والسخونة - كما نشاهده في الصيف - فاحترقت أبدان الحيوان والنبات وبالجملة فكانت تفوت هذه الحكمة التي بها انتظام العالم ؟ ومن الذي جعل فيها الجنات والحدائق والعيون ؟ ومن الذي جعل باطنـها بيوتا للأموات وظاهرها بيوتا للأحياء ؟ ومن الذي يحييها بعد موتها فينزل عليها الماء من السماء ثم يرسل عليها الريح ويطلع عليها الشمس فتأخذ في الجبل فإذا كان وقت الولادة مخضت للوضع واهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج
فسبحان من جعل السماء كالأب والأرض كالأم والقطر كالماء الذي ينعقد منـه الولد فإذا حصل الحب في الأرض ووقع عليه الماء أثرت نداوة الطين فيه وأعانتها السخونة المختفية في باطن الأرض فوصلت النداوة والحرارة إلى باطن الحبة فاتسعت الحبة وربت وانتفخت وانفلقت عن ساقين : ساق من فوقها وهو الشجرة وساق من تحتها وهو العرق ثم عظم ذلك الولد حتى لم يبق لأبيه نسبة إليه ثم وضع من الأولاد بعد أبيه آلافا مؤلفة كل ذلك صنع الرب الحكيم في حبة واحدة لعلها تبلغ في الصغر إلى الغاية وذلك من البركة التي وضعها الله سبحانـه في هذه الأمر
فيالها من آية تكفي وحدها في الدلالة على وجود الخالق وصفات كماله وأفعاله وعلى صدق رسله فيما أخبروا بـه عنـه بإخراج من في القبور ليوم البعث والنشور
فتأمل اجتماع هذه العناصر الأربعة وتجاورها وامتزاجها وحاجة بعضها إلى بعض وانفعال بعضها عن بعض وتأثيره فيه وتأثره بـه بحيث لا يمكنـه إلا الاتباع من التأثر والانفعال ولا يستقل الآخر بالتأثير ولا يستغني عن صاحبه وفي ذلك أظهر دلالة على أنـها مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة حادثة بعد عدمـها فقيرة إلى موجد غني عنـها مؤثر غير متأثر قديم غير حديث تنقاد المخلوقات كلها لقدرته وتجيب داعي مشيئته وتلبي داعي وحدانيته وربوبيته وتشـهد بعلمـه وحكمته وتدعو عباده إلى ذكره وشكره وطاعته وطاعته وعبوديته ومحبته وتحذرهم من بأسه ونقمته وتحثهم على المبادرة إلى رضوانـه وجنته
فانظر إلى الماء والأرض كيف لما أراد الرب تعالى امتزاجهما وازدواجهما أنشأ الرياح فحركت الماء وساقته إلى أن قذفته في عمق الأرض ثم أنشأ لها حرارة لطيفة سماوية وحصل بها الإنبات ثم أنشأ لها حرارة أخرى أقوى منـها حصل بها الانفتاح وكانت حالته الأولى تضعف عن الحرارة الثانية فادخرت إلى وقت قوته وصلابته فحرارة الربيع للإخراج وحرارة الصيف للإنضاج هذا وإن الأم واحدة والأب واحد واللقاح واحد والأولاد في غاية التباين والتنوع كما قال تعالى { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }
فهذا بعض آيات الأرض ومن الآيات التي فيها وقائعه سبحانـه التي أوقعها بالأمم المكذبين لرسلهم المخالفين لأمره وأبقى آثارهم دالة عليهم كما قال تعالى { وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنـهم } وقال في قوم لوط { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون } وقال { فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل * إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنـها لبسبيل مقيم } أي بطريق ثابت لا يزول عن حاله وقال { وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين * فانتقمنا منـهم وإنـهما لبإمام مبين } أي ديار هاتي الأمتين لبطريق واضح يمر بـه السالكون وقال تعالى { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم } وقال عن قوم عاد { فأصبحوا لا يرى إلا مساكنـهم } وقال { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنـهم } فأي دلالة أعظم من رجل يخرج وحده لا عدة له ولا عدد ولا مال فيدعو الأمة العظيمة إلى توحيد الله والإيمان بـه وطاعته ويحذرهم من بأسه ونقمته فتتفق كلمتهم أو أكثرهم على تكذيبه ومعاداته فيذكرهم أنواع العقوبات الخارجة عن قدرة البشر فيغرق المكذبين كلهم تارة ويخسف بغيرهم الأرض تارة ويهلك آخرين بالريح وآخرين بالصيحة وآخرين بالمسخ وآخرين بالصواعق وآخرين بأنواع العقوبات وينجو داعيهم ومن معه والهالكون أضعاف أضعاف أضعافهم عددا وقوة ومنعة وأموالا
( فيالك من آيات حق لو اهتدى بهن مريد الحق كن هواديا )
( ولكن على تلك القلوب أكنة فليست وإن أصغت تجيب المناديا )
فهلا امتنعوا - إن كانوا على الحق وهم أكثرهم عددا وأقوى شوكة - بقوتهم وعددهم من بأسه وسلطانـه وهلا اعتصموا من عقوبته كما اعتصم من هو أضعف منـهم من أتباع الرسل ؟
ومن الآيات التي في الأرض مما يحدثه الله فيها كل وقت ما يصدق بـه رسله فيما أخبرت بـه فلا تزال آيات الرسل وأعلام صدقهم وأدلة نبوتهم يحدثها الله سبحانـه وتعالى في الأرض إقامة للحجة على من لم يشاهد تلك الآيات التي قاربت عصر الرسل حتى كأن أهل كل قرن يشاهدون ما يشاهده الأولون أو نظيره كما قال { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنـه الحق } وهذه الإرادة لا تختص بقرن دون قرن بل لابد أن يري الله سبحانـه أهل كل قرن من الآيات ما يبين لهم أن الله الذي لا إله إلا هو وأن رسله صادقون وآيات الأرض أعظم مما ذكر وأكثر فنبه باليسير منـها على الكثير

ثم قال { وفي أنفسكم أفلا تبصرون ؟ } لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه فإذا تفكر الانسان في نفسه استنارت له آيات الربوبية وسطعت له أنوار اليقين واضمحلت عنـه غمرات الشك والريب وانقشعت عنـه ظلمات الجهل فإنـه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات وأدلة التوحيد على ربه ناطقات شاهدة لمدبره دالة عليه مرشدة إليه إذا يجده مكونا من قطره ماء : لحوما منضدة وعظما مركبة وأوصالا متعددة مأسورة مشددة بحباله العروق والأعصاب قد قمطت وشدت وجمعت بجلد متين مشتمل على ثلاثمائة وستين مفصلا ما بين كبير وصغير وثخين ودقيق ومستطيل ومستدير ومستقيم ومنحن وشدت هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عرقا للإتصال والإنفصال والقبض والبسط والمد والضم والصنايع والكتابة
وجعل فيه تسعة أبواب : فبابان للسمع وبابان للبصر وبابان للشم وبابان للكلام والطعام وال والتنفس وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها
وجعل داخل بابي السمع مرا قاتلا لئلا تلج فيها تخلص إلى الدماغ فتؤذيه وجعل داخل بابي البصر مالحا لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم وجعل داخل باب الطعام وال حلوا ليسيغ بـه ما يأكله ويشربه فلا يتنغص بـه لو كان مرا أو مالحا
وجعل له مصباحين من نور كالسراج المضيء مركبين في أعلى مكان منـه وفي أشرف عضو من أعضائه طليعة له وركب هذا النور في جزء صغير جدا يبصر بـه السماء والأرض وما بينـهما وغشاه بسبع طبقات وثلاث رطوبات بعضها فوق بعض حماية له وصيانة وحراسة وجعل على محله غلقا بمصراعين أعلا وأسفل وركب في ذيل المصراعين أهدابا من الشعر وقاية للعين وزينة وجمالا وجعل فوق ذلك كله حاجبين من الشعر يحجبان العين من العرق النازل ويتلقيان عنـها ما ينصب من هناك وجعل سبحانـه لكل طبقة من طبقات العين شغلا مخصوصا ولكل واحد من الرطوبات مقدارا مخصوصا لو زاد على ذلك أو نقص منـه لاختلت المنافع والمصالح المطلوبة وجعل هذا النور الباصر في قدر عدسة ثم أظهر في تلك العدسة صورة السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والعالم العلوي والسفلي مع اتساع أطرافه وتباعد أقطاره واقتضت حكمته سبحانـه أن جعل فيها بياضا وسوادا وجعل القوة الباصرة في السواد وجعل البياض مستقرا لها ومسكنا وزين كلا منـهما بالآخر وجعل الحدقة مصونة بالأجفان والحواجب كما تقدم والحواجب الأهداب وجعلها سوداء إذ لو كانت بيضاء لتفرق النور الباصر فضعف الإدراك فإن السواد يجمع البصر ويمنع من تفرق النور الباصر وخلق سبحانـه لتحريك الحدقة وتقليبها اربعا وعشرين عضلة لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر العين
ولما كانت العين كالمرآة التي إنما تنطبع فيها الصور إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء جعل سبحانـه هذه الأجفان متحركة جدا بالطبع إلى الانطباق من غير تكلف لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات ولهذا لما لم يخلق لعين الذبابة أجفانا فإنـها لا تزال تراها تنظف عينـها بيدها من آثار الغبار و الكدورات

وكما جعل سبحانـه العينين مؤديتين للقلب ما يريانـه فيوصلانـه إليه كما ترياه جعلهما مرآتين للقلب يظهر فيهما ما هو مودع فيه من الحب والبغض والخير والشر والبلادة والفطنة والزيغ والاستقامة فيستدل بأحوال العين على أحوال القلب وهو أحد أنواع الفراسة الثلاثة : وهي فراسة العين وفراسة الأذن وفراسة القلب فالعين مرآة للقلب وطليعة ورسول ومن عجيب أمرها أنـها من ألطف الأعضاء وأبعدها تأثرا بالحر والبرد على أن الأذن على صلابتها وغلظها لتتأثر بهما أكثر من تأثر العين على لطافتها وليس ذلك بسبب الغطاء الذي عليها من الأجفان فإنـها لو كانت متفتحة لم تتأثر بذلك تأثر الأعضاء اللطيفة

ومن ذلك : الأذنان شقهما تبارك وتعالى في جانبي الوجه وأودعهما من الرطوبة ما يكون معينا على إدراك السمع وأودعهما القوة السمعية وجعل سبحانـه في هذه الصدقة انحرافات واعوجاجات لتطول المسافة قليلا فلا يصل الهواء إلا بعد انكسار حدته فلا يصدمـها وهلة واحدة فيؤذيها وأيضا لئلا يفجأها الداخل إليها من الدبيب والحشرات بل إذا دخل إلى عوجة من تلك الإنعطافات وقف هناك فسهل إخراجه
وكانت العينان في وسط الوجه والأذنان في جانبيه لأن العينين محل الملاحة والزينة والجمال وهما بمنزلة النور الذي يمشي بين يدي الإنسان وأما الأذنان فكان جعلهما في الجانبين لكون إدراكهما لما خلف الإنسان وأمامـه وعن يمينـه وعن شماله سواء فتأتي المسموعات إليهما على نسبة واحدة وخلف العينان بغطاء والأذنان بغير غطاء وهذا في غاية الحكمة إذ لو كان للأذنين غطاء لمنع الغطاء إدراك الصوت فلا يحصل إلا بعد ارتفاع الغطاء والصوت عرض لا ثبات له فكان يزول قبل كشف الغطاء بخلاف ماتراه العين فإنـه أجسام وأعراض لاتزول فيما بين كشف الغطاء وفتح العين وجعل سبحانـه الأذن عضوا غضروفيا ليس بلحم مسترخ ولا عظم صلب بل هي بين الصلابة واللين فتقبل بلينـها وتحفظ بصلابتها ولا تنصدع انصداع العظام ولا تتأثر بالحر والبرد والشمس والسموم تأثر اللحم إذ المصلحة في بروزها لتتلقى ما يرد عليها من الأصوات والأخبار

ومن ذلك الأنف نصبه سبحانـه في وسط الوجه قائما معتدلا في أحسن شكل وأوفقه للمنفعة وأودعه حاسة الشم التي يدرك بها الروائح وأنواعها وكيفياتها ومنافعها ومضارها ويستدل بها على مضار الأغذية والأدوية ومنافعها وأيضا فإنـه يستنشق بالمنخرين الهواء البارد الرطب فيؤديه إلى القلب فيتروح بـه فيستغني بذلك عن فتح الفم أبدا وجعل تجويفه بقدر الحاجة فلم يوسعه عن ذلك فيدخله هواء كثير ولم يضيقه فلا يدخله من الهواء ما يكفيه وجعل ذلك التجويف مستطيلا لينحصر فيه الهواء وينكسر وحدته قبل أن يصل إلى الدماغ فلولا ذلك لصدمـه بحدته وقوته
والهواء الذي يستنشقه الأنف ينقسم شطرين : شطرا يصعد إلى الدماغ وشطرا ينزل إلى الرئة وهو من آلات النطق فإن له إعانة على تقطيع الحروف وكما أن تجويفه جعل لاستنشاق الهواء فإنـه جعل مصبا لفضلات الدماغ تنحدر فيه في تلك القصبة فيخرج فيستريح الدماغ ولذلك جعل عليها سترا ولم يجعلها بارزة فتستقبحها العيون وجعل فيها تجويفا فإنـه قد ينسد أحدهما أو يعرض له آفة تمنعه من الإدراك والاستنشاق فيبقى التجويف الثاني نائبا عنـه يعمل عمله كما اقتضت الحكمة مثل ذلك في العينين
ثم تأمل الهواء الذي يستنشقه الأنف كيف يدخله أولا من المنخرين وينكسر هناك ثم يصل إلى الحلق فيعتدل مزاجه هناك ثم يصل إلى الرئة ألطف ما يكون ثم تبعثه الرئة إلى القلب فيروح عن الحرارة الغريزية التي فيه ثم ينفذ من القلب إلى العروق المتحركة ويبلغ إلى أقاصي أطراف البدن ثم إذا سخن في الباطن وخرج عن حد الانتفاع خرج عن تلك الأقاصي إلى البدن ثم إلى الرئة ثم إلى الحلقوم ثم إلى المنخرين خارجا فيخرج منـهما ويعود عوضه هواء بارد نافع والنفس الواحد من أنفاس العبد إنما يتم بمجموع هذه الأمور والقوى والأفعال وهو له في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس لله في كل نفس عدة نعم قد وقفت على القليل منـها فما ظنك بما وراء النفس من الأعضاء والقوى ومنافعها وتمام النعمة بها ؟

وأما الفم فمحل العجائب وباب الطعام وال والنفس والكلام ومكن اللسان الناطق الذي هوآلة العلوم وترجمان القلب ورسوله المؤدي عنـه
ولما كان القلب ملك البدن ومعدنا للحرارة الغريرية فإذا دخل الهواء البارد وصل إليه فاعتدلت حرارته وبقي هناك ساعة فسخن واحترق فاحتاج القلب إلى دفعه وإخراجه فجعل أحكم الحاكمين إخراجه سببا لحدوث الصوت في الحنجرة والحنك واللسان والشفتين والأسنان مقاطع ومخارج مختلفة وبسبب اختلافها تميزت الحروف بعضها عن بعض ثم ألهم العبد تركيب تلك الحروف ليؤدي بها عن القلب ما يأمر به
فتأمل الحكمة الباهرة حيث لم يضع سبحانـه ذلك النفس المستغنى عنـه المحتاج إلى دفعه وإخراجه بل جعل فيه إذا استغنى عنـه منفعة ومصلحة هي من أكمل المنافع والمصالح فإن المقصود الأصلي من النفس هو اتصال الريح البارد إلى القلب فأما إخراج النفس هو جار مجرى دفع الفضلة الفاسدة فصرف ذلك سبحانـه إلى رعاية مصلحة ومنفعة أخرى وجعله سببا للأصوات والحروف والكلام
ثم أنـه سبحانـه جعل الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة لتختلف الأصوات باختلافها فلا يتشابه صوتان كما لا تتشابه صورتان وهذا من أظهر الأدلة فإن هذا الاختلاف - الذي بين الصور والأصوات على كثرتها وتعددها فقلما يشتبه صوتان أو صورتان - ليس في الطبيعة ما يقتضيه وإنما هو صنع الله الذي أتقن كل شيء وأحسن كل شيء خلقه فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فميز سبحانـه بين الأشخاص بما يدركه السمع والبصر

وأودع اللسان من المنافع منفعة الكلام - وهي أعظمـها - ومنفعة الذوق والإدراك وجعله دليلا على اعتدال مزاج القلب وانحرافه كما جعله دليلا على استقامته واعوجاجه فترى الطبيب يستدل بما يبدو للبصر على اللسان من الخشونة والملاسة والبياض والحمرة والتشقق وغيره على حال القلب والمزاج وهو دليل قوي على أحوال المعدة والأمعاء كما يستدل السامع بما يبدو عليه من الكلام على ما في القلب فيبدو عليه صحة القلب وفساده معنى وصورة

وجعل سبحانـه اللسان عضوا لحميا لا عظم فيه ولا عصب لتسهل حركته ولهذا لا تجد في الأعضاء من لا يكترث بكثرة الحركة سواه فإن أي عضو من الأعضاء إذا حركته كما تحرك اللسان لم يطق ذلك ولم يلبث أن يكل ويخلد إلى السكون إلا اللسان وأيضا فإن من أعدل الأعضاء وألطفها وهو في الأعضاء بمنزلة رسول الملك ونائبه فمزاجه من أعدل أمزجة البدن ويحتاج إلى قبض وبسط وحركة في أقاصي الفم وجوانبه فلو كان فيه عظام لم يتهيأ منـه ذلك ولمي تهيأ منـه الكلام التام ولا الذوق التام فكونـه الله كما اقتضاه السبب الفاعي والغائي والله أعلم

وجعل سبحانـه على اللسان غلقين : أحدهما الأسنان والثاني الفم وجعل حركته اختياريه وجعل على العين غطاء واحدا ولم يجعل على الأذن غطاء وذلك لخطر اللسان وشرفه وخطر حركاته وكونـه في الفم بمنزلة القلب في الصدر وذلك من اللطائف فإن آفة الكلام اكثر من آفة النظر وآفة النظر أكثر من آفة السمع فجعل للأكثر آفات طبقين وللمتوسط طبقا وجعل الأقل آفة بلا طبق

وجعل سبحانـه الفم اكثر الأعضاء رطوبة والريق يتحلل إليه دائما لا يفارقه وجعله حلوا لا مالحا كماء العين ولا مرا كالذي في الأذن ولا عفنا كالذي في الأنف بل هو أعذب مياه البدن وأحلاها حكمة بالغة فإن الطعام وال يخالطه بل هو الذي يحيل الطعام ويمتزج بـه امتزاج العجين بالماء فلولا أنـه حلو لما التذ الإنسان بل ولا الحيوان بطعام ولا ولا ساغه إلا على كره وتنغيص ولما كان كثير من الطعام لا يمكن تحوله إلى بعد طبخه جعل الرب تعالى له آلة للتقطيع والتفصيل وآلة للطحن فجعل آلة القطع - وهي الثنايا وما يليها - حادة الرؤوس ليسهل بها القطع وجعل النواجذ وما يليها من الأضراس مسطحة الرؤوس عريضة ليتأتى بها الطحن ونظمـها احسن نظام كاللؤلؤ المنظم في سلك وجعلها من الجانب الأعلى والأسفل ليتأتى بها القطع والطحن وجعلها من الجانب الأيمن والأيسر إذ ربما كلت إحدى الآلتين أو تعطلت أو عرض لها عارض فينتقل إلى الآلة الأخرى وأيضا لو كان العمل على جانب واحد دائما أوشك أن يتعطل ويضعف
وتأمل كيف أنبتها سبحانـه من نفس اللحم وتخرج من خلاله نابتة كما ينبت الزرع في الأرض ولم يكسها سبحانـه لحما كسائر العظام سواها إذ لو كساها اللحم لتعطلت المنفعة المقصودة ولما كانت العظام محتاجة إلى لحم يكسوها ويحفظها ويتلقى عنـها الحرارة والبرد ويحفظ عليها رطوبتها لم تكمل مصلحة الحيوان إلا بهذه الكسوة ولما كانت عظام الإنسان محتاجة إلى ذلك من وجه مستغنية عنـه من وجه جعلت كسوتها منفصلة عنـها وجعلت هي المكتيسة العارية لتمام المنفعة بذلك ولما كانت آلة القطع والكسر والطحن لم تنشأ مع الطفل من أول نشأته - كسائر عظامـه لعدم الحاجة إليها - عطل عنـها وقت استغنائه عنـها بالرضاع وأعطيها وقت حاجته إليها وفيه حكمة أخرى وهي أنـه لو نشأت معه من حين يولد لأضرت بحلمة الثدي إذ لا عقل له يحرزه عن عضها فكانت الأم تمتنع من إرضاعه
ومن عجيب أمرها الإتفاق والموالاة التي بينـهما وبين المعدة فإنـه يسلم إليها الشيء اليابس والصلب فتطحنـه ثم تسلمـه إلى اللسان فيعجنـه ثم اللسان يسلمـه إلى الحلق فيوصله إلى المعدة فتنضجه وتطبخه ثم يرسل إليها منـه معلومـها المقدر لها فإذا عجزت عن قطع شيء وطحنـه عجزت المعدة عن إنضاجه وطبخه وإذا كلت الأسنان كلت المعدة وإذا ضعفت ضعفت
وهي تصحب الإنسان وتخدمـه ما لم يرها فإذا وقعت عينـه عليها فارقته الأبد وهي سلاح ومنشار وسكين وروح وزينة وفيها منافع ومصالح غير هذه

ثم تأمل حال الشعر ومنبته وسببه فإن البدن لما كان حارا رطبا والحرارة إذا عملت في الرطوبة فلابد أن تثير بخارا وتلك الأبخرة تتصاعد من عمق البدن إلى سطحه وتريد الانفصال من هناك فلابد أن تحدث مساما و منافذه في ظاهر الجلد وتلك الأبخرة إما أن تكون رطبة لطيفة فحينئذ تنفصل من المسام ولا تحدث شيئا وإما أن تكون دخانية يابسة غليظة فالجلد حينئذ إما أن يكون في نـهاية النعومة والنضارة كجلد الصبيان أو في غاية اليبس والقشف أو يكون معتدلا فإذ ذاك لا يتولد فيه الشعر لأن البخار إذا شق سطح الجلد وانفصل عاد الجلد إلى الحال إلى اتصاله الأول بسبب كثرة رطوبته ونعومته مثاله السمك إذا رفع رأسه من الماء إنشق له الماء فإذا عاد إلى الماء عاد إلى اتصاله الأول وكذلك نشاهد الأشياء الرطبة كالنشاء مثلا إذا أغلي فخرج البخار من موضع الغليان عادت الرطوبة إلى الموضع الذي خرج منـه ذلك البخار فسدته فإن كان الجلد في غاية اليبس لم يتولد الشعر لأن الجلد اليابس إذا انثقب بقيت تلك الثقب مفتوحة ليبس الجلد فيفرق أجزاءه البخار ولا يجتمع بعضه إلى بعض فإن الجلد متوسط بين النعومة والكثافة فإنـه ينفتح فيه المسام بسبب تلك الأبخرة ولايعود ينسد بعد خروج البخار ولكن لا تبقى المسام شديدة الانفتاح وحينئذ يبقى ذلك البخار الدخاني في تلك الثقبة لا يزال يمده بخار آخر يدفعه أولا فأولا إلى خارج من غير أن ينقطع أصله فيبقى بعضه مركوزا في الجلد منزلته منزلة أصل النبات وبعضه يطلع إلى خارج منزلته منزلة ساق النبات وكذلك الشعر فمادة الشعر هي البخار الدخاني اليابس وسببه هو الحرارة الطبيعية المحرقة لذلك البخار والآلة التي بها يتم أمره هي المسام التي ارتكن فيها البخار فتلبد هناك فصار شعرا بإذن الله تعالى
والغاية التي من أجلها وجد شيئان : أحدهما عام وهو تنقية البدن من الفضول الدخانية الغليظة والآخر خاص وهو إما للزينة وإما للوقاية
وإذا بان أن الشعر إنما يتولد مع الحرارة واليبس المعتدل بقيت ثلاثة أقسام : أحدها حرارة غالبة على اليبس كالصبيان الثاني عكسه وهو يبس غالب على الحرارة كالمشائخ الثالث حرارة ضعيفة ويبس ضعيف كأبدان النساء ففي هذه الأقسام يقل الشعر : وأما الشباب فإن حرارة أبدانـهم ويبسهم معتدل فيقوى تولد الشعر فيهم
وفي شعر الرأس منافع ومصالح : منـها وقايته عن الحر والبرد والمرض ومنـها الزينة والحسن
والسبب الذي صار بـه شعر الرأس أكثر من شعر البدن هو أن البخار شأنـه أن يصعد من جميع البدن إلى الدماغ ومن الدماغ إلى فوق وكان هذا الشعر ناميا على الدوام لأن البخار يتصاعد إلى الرأس أبدا وهو مادة الشعر فبنماء الشعر ينمو البخار وكان فيه تخليص للبدن من تلك المواد وتكثير لوقايته وغطائه

أقسام الكتاب 1 2، ارباب وبرده




[كتاب : التبيان في أقسام القرآن ارباب وبرده]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Tue, 24 Jul 2018 06:38:00 +0000



دانلود کتابهای اهل سنت

کتاب های اهل سنت به منظور مبایل

دانلود کتب صحاح سته( شش کتاب معتبرحدیث اهل سنت)

 

کتاب موبایلی صحیح بخاری

کتاب موبایلی صحیح مسلم

 

کتاب موبایلی سنن ابن ماجه

 

کتاب موبایلی سنن ابی داود

 

کتاب موبایلی سنن النسائی

 

کتاب موبایلی سنن الترمذی

 

 منبع:http://quran-sonnat.blogsky.com/1389/12

سلام بـه برادران و حق جویـان عزیز 

من تصمـیم گرفتم کـه یک سری کتاب به منظور مبایل کـه مذهب اهل سنت را معرفی مـی کنند را به منظور هموطنان و فارسی زبانان قرار دهم. 

با تشکر از شما عزیزان 

مسلمان

. دانلود کتابهای اهل سنت . دانلود کتابهای اهل سنت : دانلود کتابهای اهل سنت ، دانلود کتابهای اهل سنت




[کتاب های اهل سنت به منظور مبایل دانلود کتابهای اهل سنت]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Thu, 26 Jul 2018 15:11:00 +0000



خواص جودا

كتاب : الفرج بعد الشدة - islamicbook.ws

الباب الأول ما أنبأنا بـه الله تعالى في القرآن من ذكر الفرج بعد البؤس والامتحان إن مع العسر يسرا ً
قال الله تعالى، خواص جودا وهو أصدق القائلين، وهو الحق اليقين " بسم اللّه الرحمن الرحيم، ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، ووضعنا عنك وِزْرَكَ، الذي أنقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك، فإنّ مع العسر يسراً، إنّ مع العسر يسراً، فإذا فرغتَ فانصب، وإلى ربّك فارغب " .
فهذه السورة كلها، مفصحة بإذكار اللّه عز وجل، رسوله عليه السلام، منته عليه، في شرح صدره بعد الغم والضيق، ووضع وزره عنـه، وهو الإثم، بعد إنقاض الظهر، وهو الإثقال، أي أثقله فنقض العظام، كما ينتقض البيت إذا صوت للوقوع، ورفع - جل جلاله - ذكره، بعد أن لم يكن، بحيث جعله الله مذكوراً معه، والبشارة له، في نفسه عليه السلام، وفي أمته، بأن مع العسر الواحد يسرين، إذا رغبوا إلى الله تعالى ربهم، وأخلصوا له طاعاتهم ونياتهم.
وروي عن عبد الله بن عباس، أو عن علي بن أبي طالب عليه السلام، أنـه قال: خواص جودا لا يغلب العسر الواحد يسرين، يريد أن العسر الأول هو الثاني، وأن اليسر الثاني هو غير الأول، وذلك أن العسر معرفة، فإذا أعيد، فالثاني هو الأول، لأن الألف واللام لتعريفه، ويسر، بلا ألف ولام، نكرة، فإذا أعيد، فالثاني غير الأول، وهذا كلام العرب، فإذا بدأت بالاسم النكرة، ثم أعادته، أعادته معرفةً بالألف واللام، ألا ترى أنـهم يقولون: قد جاءني الرجل الذي تعرفه، فأخبرني الرجل بكذا وكذا، فالثاني هو الأول، فإذا قالوا: جاءني رجل، وأخبرني رجل بكذا، وجاءني رجل، فأخبرني رجل بكذا وكذا، فالثاني غير الأول، ولو كان الثاني - في هذا الموضع - هو الأول، لقالوا: فأخبرني الرجل بكذا وكذا، كما قالوا في ذلك الموضع.
وقال الله تعالى: " سيجعلُ اللّهُ بعد عسرٍ يسراً " .
وقال: " ومن يتّقِ اللّهَ، يجعل له مخرجاً، ويرزُقْهُ من حيث لا يحتسب، ومن يتوكّل على اللّه فهو حسبُهُ " .
وقال تعالى: " أو كالّذي مرّ على قرية، وهي خاوية على عروشـها، قال أنّى يحيي هذه اللّه بعد موتها، فأماته اللّه مِائةَ عامٍ، ثم بعثه، قال: كم لبثتَ، قال: لبثتُ يوماً أو بعض يومٍ، قال: بل لبثتَ مِائةَ عامٍ، فانظر إلى طعامك وك لم يتسنَّهْ، وانظر إلى حمارك، ولنجعلك آية للناس، وانظر إلى العظام كيف ننشزها، ثم نكسوها لحماً، فلما تبيّن له ذلك، قال: أَعْلَمُ أَنّ اللّهَ على كلّ شيء قدير " .
فأخبر الله تعالى: أن الذي مر على قرية، استبعد أن يكشف الله تعالى عنـها، وعن أهلها، البلاء، لقوله: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه... خواص جودا إلى آخر القصة، فلا شدة أشد من الموت والخراب، ولا فرج أفرج من الحياة والعمارة، فأعلمـه الله عز وجل، بما فعله به، أنـه لا يجب أن يستبعد فرجاً من الله وصنعاً، كما عمل به، وأنـه يحيي القرية وأهلها، كما أحياه، فأراه بذلك، آياته، ومواقع صنعه.
وقال عز وجل: " أليسَ اللّهُ بكافٍ عبدَهُ، ويخوّفونك بالذين من دُوْنِهِ " .
وقال تعالى: " وإذا مسّ الإنسانَ الضرُّ، دعانا لجنبه، أو قاعداً أو قائماً، فلما كشفنا عنـهُ ضرّه، مرّ كأنْ لم يدعنا إلى ضرّ مسّه، كذلك زُيِّنَ للمسرفين ما كانوا يعملون " .
وقال عز وجل: " هو الذي يسيّركم في البرّ والبحر، حتى إذا كنتم في الفلك، وجرين بهم بريح طيّبة، وفرحوا بها، جاءتها ريح عاصف، وجاءهم الموج من كلّ مكان، وظنّوا أنّهم أحيط بهم، دعوا اللّه مخلصين له الدين، لئن أنجيتنا من هذه، لنكونَنَّ من الشاكرين، فلمّا أنجاهم، إذا هم يبغونَ في الأرض بغير الحقِّ " .
وقال تعالى، في موضع آخر: " قل من ينجّيكم من ظلمات البرّ والبحر، تدعونـه تضرّعاً وخفية، لئن أنجيتنا من هذه، لنكوننّ من الشاكرين، قل اللّه ينجّيكم منـها، ومن كلّ كرب، ثم أنتم تشركون " .
وقال تعالى: " وقال الذين كفروا، لرسلهم، لنخرجنّكم من أرضنا، أو لتعودُنَّ في ملّتنا، فأوحى إليهم ربّهم لنـهلكنّ الظالمين، ولنسكنّنَّكمُ الأرضَ من بعدهم، ذلك لمن خاف مقامي، وخاف وعيد " .
وقال عز وجل: " ونريد أن نمنّ على الذين استُضْعِفُوا في الأرض، ونجعلهم أئمّة، ونجعلهم الوارثين، ونمكّن لهم في الأرض، ونُرِي فرعونَ، وهامانَ، وجنودهما منـهم، ما كانوا يحذرون " .

وقال عز وجل: " أَمَّنْ يجيبُ المضطَّر إذا دعاهُ ويكشف السوء، ويجعلكم خلفاء الأرض، أإلهٌ مع اللّه، قليلاً ما تذكّرون " .
وقال جل من قائل: " وقال ربكم ادعوني، أستجب لكم " ، وقال عز من قائل " وإذا سألك عبَادي عنّي، فإنّي قريب، أجيب دعوة الداع إذا دعاني، فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي، لعلّهم يرشدون " .
وقال تعالى: " ولنبلَّونكم بشيءٍ من الخوف، والجوع، ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات، وبشّر الصابرينَ الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنَّا للّه وإنّا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة، وأولئك هم المـهتدون " .
وقال جل جلاله: " الّذين قال لهم الناسُ، إنّ الناس قد جمعوا لكم، فاخشوهم، فزادهم إيماناً، وقالوا حسبنا اللّه ونعمَ الوكيل، فانقلبوا بنعمةٍ من اللّه وفضلٍ، لم يمسسهم سوء، واتّبعوا رضوان اللّه، واللّه ذو فضل عظيم " .
وروي عن الحسن البصري، أنـه قال: عجباً لمكروب غفل عن خمس، وقد عرف ما جعل اللّه لمن قالهن، قوله تعالى: " ولنبلونَّكُم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنَّا للّه وإنَّا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة، وأولئك هم المـهتدون " .
وقوله تعالى: " الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً، وقالوا حسبنا اللّه ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من اللّه وفضل، لم يمسسهم سوء " .
وقوله: " وأفّوض أمري إلى اللّه، إنّ اللّه بصير بالعباد، فوقاهم اللّه سيّئات ما مكروا " .
وقوله: " وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجّيناه من الغمّ وكذلك ننجي المؤمنين " .
وقوله: " وما كان قولهم إلاّ أن قالوا ربّنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبّت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، فأثابهم اللّه ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، واللّه يحب المحسنين " .
وروي عن الحسن أيضاً، أنـه قال: من لزم قراءة هذه الآيات في الشدائد، كشفها الله عنـه، لأنـه قد وعد، وحكم فيهن، بما جعله لمن قالهن، وحكمـه لا يبطل، ووعده لا يخلف.

قصة آدم عليه السلام وقد ذكر الله تعالى، فيما اقتصه من أخبار الأنبياء، شدائد ومحناً، استمرت على جماعة من الأنبياء عليهم السلام، وضروباً جرت عليهم من البلاء، وأعقبها بفرج وتخفيف، وتداركهم فيها بصنع جليل لطيف.
فأول ممتحن رضي، فأعقب بصنع خفي، وأغيث بفرج قوي، أول العالم وجوداً، آدم أبو البشر، صلى الله عليه، كما ذكر، فإن الله خلقه في الجنة، وعلمـه الأسماء كلها، وأسجد له ملائكته، ونـهاه عن أكل الشجرة، فوسوس له الشيطان، وكان منـه ما قاله الرحمن في محكم كتابه: " وعصى آدم ربّه فغوى، ثم اجتباه ربّه، فتاب عليه وهدى " .
هذا بعد أن أهبطه الله إلى الأرض، وأفقده لذيذ ذلك الخفض، فانقضت عادته، وغلظت محنته، وقتل أحد ابنيه الآخر، وكانا أول أولاده.
فلما طال حزنـه وبكاؤه، واتصل استغفاره ودعاؤه، رحم الله عز وجل تذلله وخضوعه، واستكانته ودموعه، فتاب عليه وهداه، وكشف ما بـه ونجاه.
فكان آدم عليه السلام، أول من دعا فأجيب، وامتحن فأثيب، وخرج من ضيق وكرب، إلى سعة ورحب، وسلى همومـه، ونسي غمومـه، وأيقن بتجديد الله عليه النعم، وإزالته عنـه النقم، وأنـه تعالى إذا استرحم رحم.
فأبد له تعالى بتلك الشدائد، وعوضه من الابن المفقود، والابن العاق الموجود، نبي الله صلى الله عليه، وهو أول الأولاد البررة بالوالدين، ووالد النبيين والصالحين، وأبو الملوك الجبارين، الذي جعل الله ذريته هم الباقين، وخصهم من النعم بما لا يحيط بـه وصف الواصفين.
وقد جاء في القرآن من الشرح لهذه الجملة والتبيان، بما لا يحتمله هذا المكان، وروي فيه من الأخبار، ما لا وجه للإطالة بـه والإكثار.
قصة نوح عليه السلام

ثم نوح عليه السلام، فإنـه امتحن بخلاف قومـه عليه، وعصيان ابنـه له، والطوفان العام، واعتصام ابنـه بالجبل، وتأخره عن الركوب معه، وبركوب السفينة وهي تجري بهم في موج كالجبال، وأعقبه الله الخلاص من تلك الأهوال، والتمكن في الأرض، وتغييض الطوفان، وجعله شبيهاً لآدم، لأنـه أنشأ ثانياً جميع البشر منـه، كما أنشأهم أولاً من آدم عليه السلام، فلا ولد لآدم إلا من نوح.
قال الله تعالى: " ولقد نادنا نوحٌ، فلنعم المجيبون، ونجّيناه وأهله من الكرب العظيم، وجعلنا ذرّيته هم الباقين، وتركنا عليه في الآخرين " " ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له، فنجّيناه وأهله من الكرب العظيم " .

قصة إبراهيم عليه السلام ثم إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وما دفع إليه من كسر الأصنام، وما لحقه من قومـه، من محاولة إحراقه، فجعل الله تعلى عليه النار برداً وسلاماً، وقال: " ولقد آتينا إبراهيمَ رشدَهُ من قبلُ، وكنّا بـه عالمين " ، ثم اقتص قصه، إلى قوله تعالى: " قالوا حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين، قلنا يا نارُ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، وأرادوا بـه كيداً، فجعلناهم الأخسرين ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ووهبنا له إسحاقَ ويعقوبَ نافلةً، وكلاًّ جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمّة يهدون بأمرنا " .
ثم ما كلفه الله تعالى إياه، من مفارقة وطنـه بالشام، لما غارت عليه سارة، من أم ولده هاجر، فهاجر بها وبابنـه منـها إسماعيل الذبيح عليهما السلام، فأسكنـهما بواد غير ذي زرع، نازحين عنـه، بعيدين منـه، حتى أنبع الله تعالى لهما الماء، وتابع عليهما الآلاء، وأحسن لإبراهيم فيهما الصنع، والفائدة والنفع، وجعل لإسماعيل النسل والعدد، والنبوة والملك، هذا بعد أن كلف سبحانـه إبراهيم أن يجعل ابنـه إسماعيل بسبيل الذبح، قال الله تعالى فيما اقتصه من ذكره في سورة الصافات: " فبشّرناه بغلام حليم، فلما بلغ معه السعي، قال يا بنيّ إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك، فانظر ماذا ترى، قال يا أبة افعل ما تؤمرْ، ستجدني إن شاء اللّه من الصابرين، فلما أسلما وتلّه للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا، إنّا كذلك نجزي المحسنين، إنّ هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم، وتركنا عليه في الآخرين، سلام على إبراهيم " .
فلا بلاء أعظم من بلاء يشـهد الله تعالى أنـه بلاء مبين، وهو تكليف الإنسان، أن يجعل بسبيل الذبح ابنـه، وتكليفه، وتكليف المذبوح، أن يؤمنا ويصبرا، ويسلما ويحتسبا، فلما أديا ما كلفا من ذلك، وعلم الله عز وجل منـهما صدق الإيمان، والصبر والتسليم والإذعان، فدى الابن بذبح عظيم وجازى الأب بابن آخر على صبره، ورضاه بذبح ابنـه الذي لم يكن له غيره، قال الله عز وجل: " وبشّرناه بإسحاق نبيّاً من الصالحين " ، إلى قوله: " لنفسه مبين " ، وخلصهما بصبرهما وتسليمـهما من تلك الشدائد الهائلة.
وقد ذهب قوم إلى أن إبراهيم إنما كلف ذبح ابنـه في الحقيقة، لا على ما ذهب إليه من ذلك أن الذي كلفه أن يجعل ابنـه بسبيل الذبح، لا أن يذبحه في الحقيقة، واستدل الحسن البصري على أن إسماعيل هو الذبيح، لا إسحاق، وأن المأمور بـه كان الذبح في الحقيقة، بقوله تعالى: " فبشّرناها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب " ، فحصلت لإبراهيم البشرى، بأنـه سيرزق إسحاق، وأن إسحاق سيرزق يعقوب، ولا يجوز للنبي أن يشك في بشارة الله تعالى، فلو كان إسحاق هو الذبيح، ما صح أن يأمره بذبحه قبل خروج يعقوب من ظهره، لأنـه كان إذا أمر بذلك، علم أن البشرى الأولة، تمنع من ذبح إسحاق قبل ولادة يعقوب، وكان لا يصح تكليفه ذبح من يعلم أنـه لا يموت أو يخرج من ظهره من لم يخرج بعد، ومتى وقع التكليف على هذا، لم يكن فيه ثواب، وفي قوله تعالى: " إنّ هذا لهو البلاء المبين " . خواص جودا دليل على عظم ثواب إبراهيم، وصحة الأمر بالذبح، يبين ذلك قوله تعالى: " فلمّا أسلما وتلّه للجبين " ، أي استسلما لأمر الله، وهما لا يشكان في وقوع الذبح على الحقيقة حتى فداه الله تبارك وتعالى، فهذا دليل على أن الذبيح غير إسحاق، ولم يكن لإبراهيم ولد غير إسحاق، إلا إسماعيل صلى الله عليهم أجمعين.
قصة لوط عليه السلام

ومن هذا الباب قصة لوط عليه السلام، لما نـهى قومـه عن الفاحشة، فعصوه، وكذبوه، وتضييفه الملائكة، فطالبوه فيهم بما طالبوه، فخسف الله بهم أجمعين، ونجى لوطاً، وأثابه ثواب الشاكرين، وقد نطق بهذا كلام الله العظيم في مواضع من الذكر الحكيم.

قصة يعقوب ويوسف عليهما السلام ويعقوب ويوسف عليهما السلام، فقد أفرد الله تعالى بذكر شانـهما، وعظيم بلواهما وامتحانـهما، سورةً محكمةً، بين فيها كيف حسد إخوة يوسف، يوسف، على المنام الذي بشره الله تعالى فيه بغاية الإكرام، حتى طرحوه في الجب، فخلصه الله تعالى منـه، بمن أدلى الدلو، ثم استعبد، فألقى لله تعالى في قلب من صار إليه إكرامـه، واتخاذه ولداً، ثم مراودة امرأة العزيز إياه عن نفسه، وعصمة الله له منـها، وكيف جعل عاقبته بعد الحبس، إلى ملك مصر، وما لحق يعقوب من العمى لفرط البكاء، وما لحق إخوة يوسف من التسرق، وحبس أحدهم نفسه، حتى يأذن له أبوه، أو يحكم الله له، وكيف أنفذ يوسف إلى أبيه قميصه، فرد الله بـه بصيراً، وجمع بينـهم، وجعل كل واحد منـهم بالباقين وبالنعمة مسروراً.
قصة أيوب عليه السلام وأيوب عليه السلام، وما امتحن بـه من الأسقام وعظم اللأواء، والدود والأدواء، وجاء القرآن بذكره، ونطقت الأخبار بشرح أمره، قال الله تعالى: " وأيّوب إذ نادى ربّه، أنّي مسَّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين، فاستجبنا له، فكشفنا ما بـه من ضرّ، وآتيناه أهله، ومثلهم معهم، رحمة من عندنا، وذكرى للعابدين " .
وأخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان الفسوي، قراءة عليه بالبصرة سنة سبع وثلاثين وثلثمائة، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان الفسوي، قال: حدثنا عمرو بن مرزوق، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس عن بشير بن نـهيك عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لما عافى الله عز وجل أيوب عليه السلام، أمطر عليه جراداً من ذهب، قال: فجعل يأخذه، ويجعله في ثوبه، فقيل له: يا أيوب أما تشبع ؟ قال: ومن يشبع من رحمة الله ؟.
قصة يونس عليه السلام ويونس عليه السلام، وما اقتص الله تعالى من قصته في غير موضع من كتابه، ذكر فيها التقام الحوت له، وتسبيحه في بطنـه، وكيف نجاه الله عز وجل، فأعقبه بالرسالة والصنع.
قال الله تعالى: " وإنّ يونس لمن المرسلين، إذ أبق إلى الفلك المشحون، فساهم فكان من المدحضين، فالتقمـه الحوتُ وهو مليم، فلولا أنّه كان من المسبّحين، للبث في بطنـه إلى يوم يبعثون، فنبذناه بالعراء وهو سقيم، وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون " .
قال صاحب الكتاب: أو ها هنا ظاهرها الشك، وقد ذهب إلى ذلك قوم، وهو خطأ، لأن الشك، لا يجوز على الله تعالى، العالم لنفسه، العارف بكل شيء قبل كونـه، وقد روي عن ابن عباس، وهو الوجه، أنـه قال: أو يزيدون، بل يزيدون، وقال: كانت الزيادة ثلاثين ألفاً، وروي عن ابن جبير ونوف الشامي أنـهما قالا: كانت الزيادة سبعين ألفاً، فقد ثبت أن أو هنا، بمعن بل وقد ذهب إلى هذا، الفراء، وأبو عبيدة، وقال آخرون: إن أو ها هنا، بمعنى ويزيدون.
ومنـها قوله تعالى: " وذا النون إذ ذهب مغاضباً، فظنّ أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنتَ سبحانك إنّي كنت من الظالمين، فاستجبنا له، ونجّيناه من الغمّ، وكذلك ننجي المؤمنين " ، قال بعض المفسرين: معنى لن نقدر عليه لن نضيق عليه.
وهذا مثل قوله: " ومن قدر عليه رزقه، فلينفق مما آتاه اللّه " ، أي ضيق عليه، ومثل قوله: " قل إنّ ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه " .
وقد جاء قدر بمعنى ضيق في القرآن، في مواضع كثيرة، ومن هذا قيل للفرس الضيق الخطو: فرس أقدر، لأنـه لا يجوز أن يهرب من الله تعالى نبي من أنبيائه، والأنبياء لا يكفرون، ومن ظن أن الله تعالى لا يقدر عليه، أي لا يدركه، أو أنـه يعجز الله هرباً، فقد كفر، والأنبياء عليهم السلام، أعلم بالله سبحانـه، من أن يظنوا فيه هذا الظن الذي هو كفر.
وقد وري: أن من أدام قراءة قوله عز وجل: " وذا النون إذ ذهب مغاضباً.. الآية " ... إلى قوله: المؤمنين، في الصلاة، وغيرها، في أوقات شدائده، عجل الله له منـها فرجاً ومخرجاً.

وأنا أحد من واصلها في نكبة عظيمة لحقتني، يطول شرحها وذكرها عن هذا الموضع، وكنت قد حبست، وهددت بالقتل، ففرج الله عني، وأطلقت في اليوم التاسع من يوم قبض علي فيه.

قصة موسى بن عمران عليه السلام وموسى بن عمران عليه السلام، فقط نطق القرآن بقصته في غير موضع، منـها قوله تعالى: " وأوحينا إلى أمّ موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ، ولا تخافي، ولا تحزني، إنّا رادوه إليك، وجاعلوه من المرسلين، فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً، إنّ فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين، وقالت أمرأة فرعون قرّة عين لي ولك، لا تقتلوه، عسى أن ينفعنا أو نتّخذه ولداً، وهم لا يشعرون، وأصبح فؤاد أمّ موسى فارغاً إن كادت لتبدي به، لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين، وقالت لأخته قصّيه، فبصرت بـه عن جنب وهم لا يشعرون، وحرّمنا عليه المراضع من قبلُ، فقالت هل أدلّكم على أهل بيتٍ يكفلونـه لكم، وهم له ناصحون فرددناه إلى أمّه كي تقرّ عينـها ولا تحزن، ولتعلم أنّ وعد اللّه حقّ، ولكنّ أكثرهم لا يعلمون " .
فلا شدة أعظم من أن يتبلى الناس بملك يذبح أبناءهم، حتى ألقت أم موسى ابنـها في البحر مع طفوليته، ولا شدة أعظم من حصول طفل في البحر، فكشف الله تبارك اسمـه ذلك عنـه، بالتقاط آل فرعون له، وما ألقاه في قلوبهم من الرقة عليه، حتى استحيوه، وتحريم المراضع عليه حتى ردوه إلى أمـه، وكشف عنـها الشدة من فراقه، وعنـه الشدة في حصوله في البحر.
ومعنى قوله تعالى: ليكون لهم عدواً وحزناً، أي يصير عاقبة أمره معهم إلى عداوة لهم، وهذه لام العاقبة، كما قال الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب ... وكلّكم يصير إلى ذهاب
وقد علم أن الولادة لا يقصد بها الموت، والبناء لا يقصد بـه الخراب، وإنما عاقبة الأمر فيهما تصير إلى ذلك.
وعلى الوجه الأول، قوله تعالى " ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجنّ والإنس " أي إن عاقبة أمرهم، وفعلهم، واختيارهم لنفوسهم، يصيرهم إلى جهنم، فيصيرون لها، لأن الله عز وجل، لم يخلقهم ليقصد تعذيبهم بالنار في جهنم، عز الله عن هذا الظلم.
وجعل الله عاقبة أمر موسى عليه السلام، من تلك الشدائد، وشدائد بعدها، إذ أرسله إلى فرعون، لتخليص بني إسرائيل، وقصصه التي قبلها، وحديثه إذ خرج خائفاً يترقب، فهذه شدة أخرى كشفها الله تعالى عنـه من تلك الشدائد، وشدائد بعدها، نالته، يأتي ذكرها، أن بعثه نبياً، وأنقذ بـه بني إسرائيل من الشدائد التي كانوا فيها مع فرعون، فقال عز وجل، في تمام هذه القصة: " وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى، قال: يا موسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إنّي لك من الناصحين، فخرج منـها خائفاً يترقّب، قال: ربّ نجّني من القوم الظالمين " ، فهذه شدة أخرى كشفها الله عز وجل.
قال تعالى: " ولما توجّه تلقاء مدين، قال: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، ولما ورد ماء مدين، وجد عليه أمّة من النّاس يسقون، ووجد من دونـهم امرأتين تذودان، قال: ما خطبكما، قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء، وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما، ثم تولّى إلى الظلّ، فقال ربِّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقير " ، فهذه شدة أخرى، لحقته بالاغتراب، والحاجة إلى الاضطراب في المعيشة والاكتساب، فوفق الله تعال له شعيباً، قال الله عز وجل، في تمام هذه القصة: " فجاءته إحداهما تمشي على استحياء، قالت إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فلما جاءه، وقصّ عليه القصص، قال لا تخف، نجوتَ من القوم الظالمين " .
ثم أخبر الله تعالى في هذه القصة، كيف زوجه شعيب ابنته، بعد أن استأجره ثماني حجج، وأنـه خرج بأهله من عند شعيب، فرأى النار، فمضى يقتبس منـها، فكلمـه الله تعالى، وجعله نبياً، وأرسله إلى فرعون، فسأله أن يرسل معه أخاه هارون، فشد الله تعالى عضده به، وجعله نبياً معه، فأي فرج أحسن من فرج أتى رجلاً خائفاً، هارباً، فقيراً، قد آجر نفسه ثماني حجج، بالنبوة والملك ؟

قال الله تعالى في سورة الأعراف: " وقال الملأ من قوم فرعون، أتذر موسى وقومـه ليفسدوا في الأرض، ويذرك وآلهتك، قال: سنقتّل أبناءهم، ونستحيي نساءهم، وإنّا فوقهم قاهرون " ، فهذه شدة لحقت بني إسرائيل، فكشفها الله عنـهم، قال سبحانـه: " قال موسى لقومـه استعينوا باللّه واصبروا، إنّ الأرض للّه يورثا من يشاء من عباده، والعاقبة للمتّقين، قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا، ومن بعدما جئتنا، قال عسى ربّكم أن يهلك عدوّكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون " .
وقال تعالى، في تمام هذه القصة، في هذه السورة، بعد آيات، " وتمّت كلمةُ ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا، ودمّرنا ما كان يصنع فرعون وقومـه، وما كانوا يعرشون " ، فأخبر تعالى عن صنع لهم، وفلقه البحر حتى عبروه يبساً، وإغراقه فرعون لمّا اتبعهم.
وكل هذه أخبار عن محن عظيمة انجلت بمنح جليلة، لا يؤدى شكر الله عليها، ويجب على العاقل تأملها، ليعرف كنـه تفضل الله عز وجل بكشف شدائده وإغاثته، بإصلاح كل فاسد لمن تمسك بطاعته، وأخلص في خشيته، وأصلح من نيته، فسلك هذه السبيل، فإنـها إلى النجاة من المكاره، أوضح طريق، وأهدى دليل.

قصة أصحاب الأخدود وذكر الله سبحانـه وتعالى، في " والسماء ذات البروج " ، أصحاب الأخدود، وروى قوم من أهل الملل المخالفة للإسلام عن كتبهم أشياء من ذلك، فذكرت اليهود والنصارى: أن أصحاب الأخدود كانوا دعاة إلى الله، وأن ملك بلدهم، أضرم لهم ناراً، وطرحهم فيها، فاطلع الله تعالى على صبرهم، وخلوص نياتهم في دينـه وطاعته، فأمر النار أن لا تحرقهم، فشوهدوا فيها قعوداً، وهي تضطرم عليهم، ولا تحرقهم، ونجوا منـها، وجعل الله دائرة السوء على الملك، وأهلكه.
قصة دانيال عليه السلام وذكر هؤلاء القوم: أن نبياً، كان في بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام بزمان طويل، يقال له دانيال، وأن قومـه كذبوه، فأخذه ملكهم، فقذفه إلى أسد مجوعة في جب، فلما اطلع الله تعالى على حسن اتكاله عليه، وصبره طباً لما لديه، أمسك أفواه الأسد عنـه، حتى قام على رؤوسها برجليه، وهي مذللة، غير ضارة له، فبعث الله تعالى إرميا من الشام، حتى تخلص دانيال من هذه الشدة، وأهلك من أراد إهلاك دانيال.
وعضدت روايتهم، أشياء رواها أصحاب الحديث، منـها ما حدثناه علي ابن الطيب الحسن بن علي بن مطرف الرامـهرمزي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الجراح، قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي، قال: حدثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، قال: إن لم أكن سمعته من شعيب بن صفوان، فحدثنا بعض أصحابنا عنـه، عن الأجلح الكندي، عن عبد الله بن أبي الهديل قال: ضرى بخت نصر أسدين، فألقاهما في جب، وجا بدانيال فألقاه عليهما، فلم يهيجاه، فمكث ما شاء الله، ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون، من الطعام وال، فأوحى الله إلى إرميا، وهو بالشام، أن أعد طعاماً واً لدانيال، فقال: يا رب، أنا بالأرض المقدسة، ودانيال بأرض بابل من أرض العراق، فأوحى الله تعالى إليه أن أعد ما أمرناك به، فإنا سنرسل إليك من يحملك، ويحمل ما أعددت ففعل، فأرسل الله إليه من حمله، وحمل ما أعد، حتى وقف على رأس الجب.
فقال دانيال: من هذا ؟ قال: أنا إرميا.
قال: ما جاء بك ؟ قال: أرسلني إليك ربك.
قال: وذكرني ؟ قال: نعم.
قال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه والحمد لله الذي من توكل عليه كفاه، والحمد لله الذي من وثق بـه لم يكله إلى غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحساناً، وبالسيئات غفراناً، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة، والحمد لله الذي يكشف ضرنا، بعد كربنا، والحمد لله الذي هو ثقتنا، حين تسوء ظنوننا بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا، حين تنقطع الحيل منا.
الشدائد التي جرت على نبينا محمد صلوات الله عليه وقد ذكر الله تعالى في محكم كتابه، الشدة التي جرت على محمد صلى الله عليه، وعلى آله الأخيار، فيما اقتصه من قصة الغار، فقال سبحانـه: " إلاّ تنصروه، فقد نصره اللّه، إذ أخرجه الّذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه، وأيّده بجنود لم ترَوها، وجعل كلمة الّذين كفروا السفلى، وكلمةُ اللّه هي العليا، واللّه عزيز حكيم " .

وروى أصحاب الحديث، ما يطول إعادته بألفاظه وأسانيده، أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما خاف أن يلحقه المشركون، حين سار عن مكة مـهاجراً، دخل الغار هو وأبو بكر الصديق، فاستخفى فيه، فأرسل الله عنكبوتاً فنسج في الحال على باب الغار، وة عششت، وباضت، وفرخت للوقت، فلما انتهى المشركون إلى الغار، رأوا ذلك، فلم يشكوا أنـه غار لم يدخله حيوان منذ حين، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، ليريان أقدامـهم، ويسمعان كلامـهم، فلما انصرفوا، وأبعدوا، وجاء الليل، خرجا، فسارا نحو المدينة، فورداها سالمين.
وروى أصحاب الحديث أيضاً، من شرح حال النبي صلى الله عليه وسلم، في المحن التي لحقته من شق الفرث عليه، ومحاولة أبي جهل، وشيبة وعتبة ابني ربيعة، وأبي سفيان صخر بن حرب والعاص بن وائل، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهم، قتله، وما كانوا يكاشفونـه به، من السب والتكذيب، والاستهزاء والفدع والتأنيب، ورميهم إياه بالجنون، وقصدهم إياه غير دفعة بأنواع الأذى والعضيهة والافتراء، وحصرهم إياه صلى الله عليه وسلم، وجميع بني هاشم في الشعب، وتخويفهم إياه، وتدبيرهم أن يقتلوه، حتى بعد، وبيت علياً عليه السلام، على فراشـه، ما يطول اقتصاصه، ويكثر شرحه، ثم أعقبه الله تعالى، من ذلك، بالنصر والتمكين، وإعزاز الدين، وإظهاره على كل دين، وقمع الجاحدين والمشركين، وقتل أولئك الكفرة المارقين والمعاندين، وغيرهم من المكذبين الكاذبين، الذين كانوا عن الحق ناكثين، وبالدين مستهزئين، وللمؤمنين مناصبين متوعدين، وللنبي صلى الله عليه وسلم مكاشفين محاربين، وأذل من بقي بعز الإسلام بعد أن عاذ بإظهاره، وأضمر الكفر في إسراره، فصار من المنافقين الملعونين، والحمد لله رب العالمين.

أخبار جاءت في آيات من القرآن وهي تجري في هذا الباب وتنضاف إليه حدثنا علي بن أبي الطيب بن مطرف، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الجراح، قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي المعروف با بن أبي الدنيا، قال: حدثنا إبراهيم بن راشد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن حماد الشعيثي، قال: حدثنا كهمس بن الحسن، عن أبي السليل، قال: قال أبو ذر: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم، يتلو هذه الآية: " ومن يتّقِ اللّهَ يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكّل على اللّه فهو حسبه، إنّ اللّه بالغ أمره " ، ثم يقول: يا أبا ذر، لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم.
وحدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا سفيان، عن مسعر، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال إن بني فلان أغاروا علي، فذهبوا بإبلي وابني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن آل محمد، لكذا وكذا أهل، ما فيهم مد من طعام، أو صاع من طعام، فسل الله عز وجل.
فرجع إلى امرأته، فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرها.
فقالت: نعم ما ردك إليه.
فما لبث أن رد الله عليه إبله أوفر ما كانت، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره.
فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وأمر الناس بمسألة الله عز وجل، والرجوع إليه، والرغبة فيه، وقرأ عليهم " ومن يتّق اللّه يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب " .
وحدثني علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الفرسي، عن إسحاق بن سليمان، عن معاوية بن يحيى، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، وسئل عن هذه الآية: " كلّ يوم هو في شأن " ، قال: سئل عنـها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن من شأنـه أن يغفر ذنباً، ويكشف كرباً، ويرفع أقواماً، ويضع آخرين.
أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر الكاتب، قال: أنبأنا محمد بن عبد الواحد، أبو عمر، قال:

حدثنا بشر بن موسى الأسدي، قال: حدثنا أبو بكر الأسدي، قال: حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: حدثنا محمد بن عبد الكريم، قال: سمعت سعيد بن عنبسة يقول: بينما رجل جالس وهو يعبث بالحصى ويحذف بها، إذ رجعت حصاة منـها فصارت في أذنـه، فجهد بكل حيلة، فلم يقدر على إخراجها، فبقيت الحصاة في أذنـه دهراً تؤلمـه، فبينما هو ذات يوم جالس، إذ سمع قارئاً يقرأ: " أم من يجيب المضطّر إذا دعاه ويكشف السوء ... الآية " ، فقال الرجل: يا رب أنت المجيب، وأنا المضطر، فاكشف ضر ما أنا فيه، فنزلت الحصاة من أذنـه.
قال مؤلف هذا الكتاب: وقد لقيت أنا أبا عمر محمد بن عبد الواحد المعروف بغلام ثعلب، وبالزاهد، وحملت عنـه، وأجاز لي جميع ما يصح عندي من رواياته، ولم أسمع هذا الخبر منـه، إلا أنـه قد دخل في الإجازة.
حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا خالد بن خداش، قال: حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه زيد عن أبيه أسلم: أن أبا عبيدة حصر، فكتب إليه عمر: مـهما نزل بامرىء من شدة، يجعل له الله بعدها فرجاً، ولن يغلب عسر يسرين، فإنـه يقول: " اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتّقوا اللّه لعلّكم تفلحون " .
حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا أبو صخر: أن يزيد الرقاشي حدثه، قال: سمعت أنس بن مالك، ولا أعلم إلا أن أنساً يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إن يونس عليه السلام، حين بدا له أن يدعو الله عز وجل بالظلمات، حين ناداه وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم، " لا إله إلاّ أنتَ، سبحانك إنّي كنت من الظالمين " ، فأقبلت الدعوة تحف بالعرش.
فقال الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف مكروب، من بلاد غربة.
فقال: أما تعرفون ذاك ؟ قالوا: ومن هو ؟ قال: ذاك عبدي يونس، الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل، ودعوة مجابة.
قالوا: يا رب، أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء، فتنجيه من البلاء ؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه بالعراء.
قال أبو صخر: فأخبرني أبو سعيد بن بسيط وأنا أحدثه بهذا الحديث، أنـه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء، فأنبت الله عليه اليقطينة.
قلنا: يا أبا هريرة، وما اليقطينة ؟ قال: شجرة الدباء.
قال أبو هريرة: هيأ الله تعالى له أروية وحشية تأكل من حشيش الأرض، فتجيء، فتفشج له، وترويه من لبنـها كل عشية وبكرة، حتى نبت، يعني لحمـه.
وقال أمية بن أبي الصلت، قبل الإسلام، في ذلك، بيتاً من الشعر:
فأنبت يقطيناً عليه برحمة ... من اللّه، لولا اللّه ألفي ضاحيا
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثني ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: حدثنا عبد الله ابن مسعود في بيت المال، قال: لما ابتلع الحوت يونس عليه السلام، أهوى بـه إلى قرار الأرض، فسمع يونس تسبيح الحصى في الظلمات، ظلمات ثلاث، بطن الحوت، وظلمات الليل، وظلمة البحر، فنادى في الظلمات " أن لا إله إلاّ أنت، سبحانك إنّي كنت من الظالمين " " فنبذناه بالعراء وهو سقيم " ، قال: كهيأة الفرخ الممعوط، الذي ليس له ريش.

أبو الحسن بن أبي الليث الكاتب يطلق من حبسه على إثر دعاء دعا به حدثني فتى من الكتاب البغداديين، يعرف بأبي الحسن بن أبي الليث، وكان أبوه من كتاب الجيل، يتصرف مع لشكرورز بن سهلان الديلمي، أحد الأمراء - كان - في عسكر معز الدولة، قال: قرأت في بعض الكتب، إذا دهمك أمر تخافه، فبت وأنت طاهر، على فراش طاهر، وثياب كلها طاهرة، واقرأ: " والشمس وضحاها " ، إلى آخر السورة، سبعاً، " والليل إذا يغشى " إلى آخر السورة، سبعاً، ثم قل: اللهم اجعل لي فرجاً ومخرجاً من أمري، فإنـه يأتيك في الليلة الأولة أو الثانية، وإلى السابعة، آت في منامك، يقول لك: المخرج منـه كذا وكذا.

قال: فحبست بعد هذا بسنين، حبسة طالت حتى أيست من الفرج، فذكرته يوماً وأنا في الحبس، ففعلت ذلك، فلم أر في الليلة الأولة، ولا الثانية، ولا الثالثة شيئاً، فلما كان في الليلة الرابعة، فعلت ذلك على الرسم، فرأيت في منامي، كأن رجلاً يقول لي: خلاصك على يد علي بن إبراهيم.
فأصبحت من غد متعجباً، ولم أكن أعرف رجلاً يقال له علي بن إبراهيم، فلما كان بعد يومين، دخل إلي شاب لا أعرفه، فقال لي: قد كفلت بما عليك، فقم، وإذا معه رسول إلى السجان بتسليمي إليه، فقمت معه، فحملني إلى منزلي، وسلمني فيه، وانصرف.
فقلت لهم: من هذا ؟ فقالوا: رجل بزاز من أهل الأهواز، يقال له علي بن إبراهيم، يكون في الكرخ، قيل لنا إنـه صديق الذي حبسك، فطرحنا أنفسنا عليه، فتوسط أمرك، وضمن ما عليك، وأخرجك.
قال مؤلف هذا الكتاب: فلما كان بعد سنين، جاءني علي بن إبراهيم هذا، وهو معاملي في البز، منذ سنين كثيرة، فذاكرته بالحديث، فقال: نعم، كان هذا الفتى قد حبسه عبدوس بن أخت أبي علي الحسن بن إبراهيم النصراني، خازن معز الدولة، وطالبه بخمسة آلاف درهم، كانت عليه من ضمانـه، وكان عبدوس لي صديقاً، فجاءني من سألني خطابه في أمر هذا الرجل، وجرى الأمر على ما عرفنك.
اللهم اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً
وما أعجب هذا الخبر، فإني قد وجدته في عدة كتب، بأسانيد، وبغير أسانيد، على اختلاف الألفاظ، والمعنى قريب، وأنا أذكر أصحها عندي: وجدت في كتاب محمد بن جرير الطبري، الذي سماه: كتاب الآداب الحميدة، والأخلاق النفيسة، حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: أنبأنا أنيس بن عمران النافعي أبو يزيد، عن روح ابن الحارث بن حبش الصنعاني، عن أبيه، عن جده، أنـه قال لبنيه: يا بني، إذا دهمكم أمر، أو كربكم، فلا يبيتن أحد منكم، إلا وهو طاهر، على فراش طاهر، في لحاف طاهر، ولا تبيتن معه امرأة، ثم ليقرأ والشمس وضحاها، سبعاً، والليل إذا يغشى، سبعاً، ثم ليقل: أللهم اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، فإنـه يأتيه آت في أول ليلة، أو في الثالثة، أو في الخامسة، وأظنـه قال: أو في السابعة، فيقول له: المخرج مما أنت فيه كذا وكذا.
قال أنيس: فأصابني وجع لم أدر كيف أزيله، ففعلت أول ليلة هكذا، فأتاني اثنان فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: جسه، فلمس جسدي كله، فلما انتهى إلى موضع من رأسي، قال: احجم ها هنا، ولا تحلق، ولكن اطله بغرا، ثم التفت إلي أحدهما، أو كلاهما، فقالا لي: كيف لو ضممت إليهما " والتين والزيتون " .
قال: فلما أصبحت سألت أي شيء الغرا ؟، فقيل لي: الخطمي، أو شيء تستمسك بـه المحجمة، فاحتجمت، فبرئت، وأنا ليس أحدث بهذا الحديث أحداً، إلا وجد فيه الشفاء بإذن الله تعالى، وأضم إليها التين والزيتون.

من يتوكل على الله فهو حسبه ووجدت في كتاب أبي الفرج المخزومي عبد الواحد بن نصر، عن أبي القاسم عبد الرحمن بن العباس، قال: حدثني أبو ساعدة بن أبي الوليد بن أحمد بن أبي داؤد، قال: حدثني أبي، قال:.
حدثنا إبراهيم بن رباح، قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد، قال: حدثنا الواثق، قال: حدثنا المعتصم: أن قومً ركبوا البحر، فسمعوا هاتفاً يهتف بهم، من يعطيني عشرة آلاف دينار حتى أعلمـه كلمة، إذا أصابه غم، أو أشرف على هلاك، فقالها، انكشف ذلك عنـه.
فقام رجل من أهل المركب، معه عشرة آلاف دينار، فصاح: أيها الهاتف أنا أعطيك عشرة آلاف دينار، وعلمني.
فقال: ارم بالمال في البحر، فرمى به، وهو بدرتان فيهما عشرة آلاف دينار.
فسمع الهاتف يقول: إذا أصابك غم، أو أشرفت على هلكة، فاقرأ: " ومن يتّق اللّه، يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكّل على اللّه فهو حسبه، إنّ اللّه بالغ أمره، قد جعل اللّه لكلّ شيء قدراً " .
فقال جميع من في المركب للرجل: لقد ضيعت مالك.
فقال: كلاً، إن هذه لعظة ما أشك في نفعها.
قال: فلما كان بعد أيام، كسر بهم المركب، فلم ينج منـهم أحد غير ذلك الرجل، فإنـه وقع على لوح.
فحدث بعد ذلك، قال: طرحني البحر على جزيرة، فصعدت أمشي فيها، فإذا بقصر منيف، فدخلته، فإذا فيه كل ما يكون في البحر من الجواهر وغيرها، وإذا بامرأة لم أر قط أحسن منـها.
فقلت لها: من أنت وأي شيء تعملين ها هنا ؟

قال: أنا بنت فلان بن فلان التاجر بالبصرة، وكان أبي عظيم التجارة، وكان لا يصبر عني، فسافر بي معه في البحر، فانكسر مركبنا، فاختطفت، حتى حصلت في هذه الجزيرة، فخرج إلي شيطان من البحر، يتلاعب بي سبعة أيام، من غير أن يطأني، إلا أنـه يلامسني، ويؤذيني، ويتلاعب بي، ثم ينظر إلي، ثم ينزل إلى البحر سبعة أيام، وهذا يوم موافاته، فاتق الله في نفسك، واخرج قبل موافاته، وإلا أتى عليك.
ما انقضى كلامـها حتى رأيت ظلمة هائلة، فقالت: قد والله جاء، وسيهلكك.
فلما قرب مني، وكاد يغشاني، قرأت الآية، فإذا هو قد خر كقطعة جبل، إلا أنـه رماد محترق.
فقالت المرأة: هلك والله، وكفيت أمره، من أنت يا هذا الذي من الله علي بك ؟ فقمت أنا وهي، فانتخبنا ذلك الجوهر، حتى حملنا كل ما فيه من نفيس وفاخر، ولزمنا الساحل نـهارنا أجمع، فإذا كان الليل، رجعنا إلى القصر.
قال: وكان فيه ما يؤكل، فقلت لها: من أين لك هذا ؟ فقالت: وجدته ها هنا.
فلما كان بعد أيام رأينا مركباً بعيداً، فلوحنا إليه، فدخل، فحملنا، فسلمنا الله تعالى إلى البصرة، فوصفت لي منزل أهلها، فأتيتهم.
فقالوا: من هذا ؟ فقلت: رسول فلانة بنت فلان.
فارتفعت الواعية، وقالوا: يا هذا لقد جددت علينا مصابنا.
فقلت: اخرجوا، فخرجوا.
فأخذتهم حتى جئت بهم إلى ابنتهم، فكادوا يموتون فرحاً، وسألوها عن خبرها، فقصته عليهم.
وسألتهم أن يزوجوني بها، ففعلوا، وحصلنا ذلك الجوهر رأس مال بيني وبينـها. وأنا اليوم أيسر أهل البصرة، وهؤلاء أولادي منـها.

المعلى بن أيوب الكاتب يتخلص من الفضل ابن مروان بدعاء دعا به وذكر أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري، في كتابه، كتاب الوزراء، أن المعلى بن عبد الله بن المعلى بن أيوب، حدثه عن أبيه، قال: قال لي المعلى بن أيوب: أعنتني الفضل بن مروان، ونحن في بعض الأسفار وطالبني بعمل طويل يعمل في مدة بعيدة، واقتضانيه في كل يوم مراراً، إلى أن أمرني عن المعتصم بالله أن لا أبرح إلا بعد الفراغ منـه.
فقعدت في ثيابي، وجاء الليل، فجعلت بين يدي نفاطة، وطرح غلماني أنفسهم حولي، وورد علي هم عظيم، لأنني قلت: ما تجاسر على أن يوكل بي إلا وقد وقف على سوء رأي فيّ من المعتصم.
فإني لجالس، وذقني على يدي، وقد مضى الليل، وأنا متفكر، فحملتني عيناي، فرأيت كأن شخصاً قد مثل بين يدي، وهو يقول: " قل من ينجيكم من ظلمات البرّ والبحر، تدعونـه تضرعاً وخفيةً، لئن أنجيتنا من هذه، لنكوننّ من الشاكرين، قل اللّه ينجيكم منـها ومن كلّ كرب " .
ثم انتبهت، فإذا أنا بمشعل قد أقبل من بعيد، فلما قرب مني كان وراءه محمد بن حماد دنقش صاحب الحرس، وقد أنكر نفاطتي، فجاء يعرف سببها، فأخبرته خبري.
فمضى إلى المعتصم، فأخبره، فإذا الرسل يطلبوني، فدخلت إليه، وهو قاعد، ولم يبق بين يديه من الشمع إلا أسفله.
فقال لي: ما خبرك ؟ فشرحته له.
فقال: ويلي على النبطي، يمتهنك، وأي يد له عليك، أنت كاتبي، كما هو كاتبي، انصرف.
فلما وليت، ردني، واستدناني، ثم قال لي: تمضي مديدة، ثم ترى فيه ما تحب.
قال: فانصرفت، وبكرت إلى الفضل على عادتي، لم أنكر شيئاً.
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل وحدثني أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان الشيرازي الكاتب، في المذاكرة، في خبر طويل، لست أقوم على حفظه: أن رجلاً كانت بينـه وبين رجل متمكن من أذاه عداوة، فخافه خوفاً شديداً، وأهمـه أمره، ولم يدر ما يصنع.
فرأى في منامـه، كأن قائلاً يقول له: اقرأ في كل يوم، في إحدى ركعتي صلاة الفجر، ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل.. إلى آخر السورة.
قال: فقرأتها، فما مضت إلا شـهور، حتى كفيت أمر ذلك العدو، وأهلكه الله تعالى، فأنا أقرؤها إلى الآن.
قال مؤلف هذا الكتاب: دفعت أنا إلى شدة لحقتني شديدة، من عدو، فاستترت منـه، فجعلت دأبي قراءة هذه السورة في الركعة الثانية من صلاة الفجر، في كل يوم، وأنا أقرأ في الأولة منـها: ألم نشرح لك صدرك... إلى آخر السورة، لخبر كان بلغني أيضاً فيها، فلما كان بعد شـهور، كفاني الله أمر ذلك العدو، وأهلكه الله من غير سعي لي في ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأنا أقرؤها في ركعتي الفجر إلى الآن.
إذا ضاق بك الصدر ففكر في ألم نشرح

وأما الخبر في: ألم نشرح لك صدرك، فإن أبا بكر بن شجاع، المقرىء البغدادي، الذي كان يخلفني على العيار في دار الضرب بسوق الأهواز، في سنة ست وأربعين وثلثمائة، وكان خازن المسجد الجامع بها، وكان شيخاً محدثاً ثقة نبيلاً، من أمناء القاضي الأحنف وهو محمد بن عبد الله بن علي بن محمد ابن أبي الشوارب، حدثنا بإسناد له ذكره، لم أحفظه، ولا المتن بلفظه، وبعد عن يدي إخراجه من الأصل، وقد تحريت مقاربة اللفظ بجهدي، ولعله يزيد أو ينقص: أن بعض الصالحين، ألح عليه الغم، وضيق الصدر، وتعذر الأمور، حتى كاد يقنط، فكان يوماً يمشي، وهو يقول:
أرى الموت لمن أمسى ... على الذلّ له أصلح
فهتف بـه هاتف، يسمع صوته، ولا يرى شخصه، أو أري في النوم - أنا الشاك - كأن قائلاً يقول:
ألا يا أيّها المرء ... الذي الهمّ بـه برّح
إذا ضاق بك الأمر ... ففكّر في ألَمْ نَشْرَح
قال: فواصلت قراءتها في صلاتي، فشرح الله صدري، وأزال همي وكربي، وسهل أمري، أو كما قال: وحدثني غيره بهذا الخبر، على قريب من هذا، وزادني في الشعر:
فإنّ العسر مقرون ... بيسرين فلا تبرح
وقد ذكر القاضي أبو الحسين، في كتابه كتاب الفرج بعد الشدة البيتين المتصلين فقط، وقال في الآخر منـهما: إذا أعضلك الأمر، ولم يذكر لهما خبراً، ويروى أيضاً: إذا لج بك الأمر.
وروى غيره البيتين الأولين لأبي العتاهية، في غير حديث له.

الباب الثاني ما جاء في الآثار من ذكر الفرج بعد اللأواء وما يتوصل بـه إلى كشف نازل الشدة والبلاء أفضل العبادة انتظار الفرج من الله تعالى أخبرني القاضي أبو القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم التنوخي، أبي رحمـه الله تعالى، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الصلحي، قال: حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا حماد بن واقد.
وحدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأزدي، قال: حدثنا حماد بن واقد، قال: حدثنا إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق الهمذاني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوا الله عز وجل من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج من الله تعالى.
أخبرني أبي، قال: حدثنا الفضل بن محمد العطار الأنطاكي، قال: حدثنا سليمان بن سلمة، قال: حدثنا بقية، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنـه قال: انتظار الفرج من الله تعالى عبادة.
أخبرني أبي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الكوفي، قال: حدثنا حسين ابن حسن، عن سفيان بن إبراهيم، عن حنظلة المكي، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انتظار الفرج عبادة.
حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني علي بن موسى الرضا، قال: حدثني أبي موسى، قال: حدثني أبي جعفر، قال: حدثني أبي محمد، قال حدثني أبي علي قال: حدثني أبي الحسين، قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب رضي الله عنـهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله عز وجل.
أخبرني أبي، قال: حدثني أحمد بن عبد الله بن النعمان، قال: حدثني محمد بن يعقوب بن إسحاق الأعرج، قال: حدثنا عبد الله بن محمد عن سعدويه، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن بكر، قال: حدثنا عبد العزيز ابن عبد الله عن علي بن أبي علي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده، عن علي رضي الله عنـه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لعلي عليه السلام، في حديث ذكره: واعلم أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً.
اشتدي أزمة تنفرجي أخبرني أبي، قال: كتب إلي عبد الله بن مبشر، حدثنا أبو الأشعث، قال: حدثنا أمية بن خالد، عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنـه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشتدي أزمة تنفرجي.

حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني علي بن الجعد، قال: أخبرني شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل يحدث عن كردوس بن عمرو، وكان ممن قرأ الكتب: إن الله عز وجل يبتلي العبد وهو يحبه، ليسمع تضرعه.

النصر مع الصبر والفرج مع الكرب حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا أبو سعيد المديني، قال: حدثني أبو بكر بن أبي شيبة الحزامي، قال: حدثني محمد بن إبراهيم بن المطلب بن أبي وداعة السهمي، قال: حدثنا زهرة بن عمرو التيمي عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لعبد الله بن عباس: ألا أعلمك كلمات تنتفع بهن ؟ قال: بلى، يا رسول الله.
قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة، فإذا سألت، فسل الله، وإذا استعنت، فاستعن بالله، جف القلم بما كان وما هو كائن، فلو جهد العباد أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عز وجل لك، لم يقدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل لله بالصدق واليقين، فافعل، فإن لم تستطع، فإن في الصبر على ما تكره، خيراً كثيراً، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً.
المعونة على قدر المؤونة أخبرني أبي، قال: حدثت عن إسحاق بن الضيف، قال: حدثنا داود ابن المحبر، قال: حدثنا عبد الله بن أبي رزين، عن فراس بن يحيى، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المعونة من الله عز وجل، تأتي العبد على قدر المؤونة، وإن الصبر يأتي على قدر شدة البلاء.
وربما قال: إن الفرج يأتي من الله تعالى، على قدر شدة البلاء.
من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته حدثنا أبو محمد وهب بن يحيى بن عبد الوهاب المازني، لفظاً من حفظه، في داره بالبصرة، ببني سدوس الباطنة، بحضرة قبر مجاشع ومجالد السلمي، صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالقرب من بني يشكر، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: أنبأنا محمد بن بكر البرساني، عن ابن جريج، عن ابن المنكدر، عن أبي أيوب، عن مسلمة بن مخلد، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن فك عن مكروب، فك الله عنـه كربة من كرب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته.
إن الله في عون العبد ما دام في عون أخيه أخبرني أبي، قال: حدثنا أبو عقيل الخولاني، قال: حدثنا مؤمل بن إهاب، قال: حدثنا مالك بن سعير، عن الأعمش.
وأنبأنا نصر بن القاسم، قال: حدثنا الوكيعي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش.
قال أبي: وأنبأنا ابن بنت منيع من طريق آخر، واللفظ له، قال: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: حدثنا حماد عن محمد بن واسع، وأبي سورة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ستر أخاه المسلم، ستره الله يوم القيامة، ومن نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنـه كربة من كرب يوم القيامة، وإن الله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه.
أخبرني أبي، قال: حدثنا محمد بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن مغيث، قال: أخبرني أبي عن جدي، قال: حدثنا عقيل بن شـهاب، أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره، أن ابن عمر أخبره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: من كان في حاجة أخيه كان الله تعالى في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنـه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة.
هذا حديث مشـهور، جاء بـه أبو داود، في كتاب السنن، الذي حدثنا بـه عنـه، محمد بن بكر بن داسه، باختلاف في اللفظ، وليس غرضي جمع طرقه وألفاظه، فآتي بها مستقصاة.
من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ً
حدثنا أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثنا أبو حامد محمد ابن هارون الحضرمي، قال: حدثنا محمد بن صالح النطاح، قال: حدثنا المنذر بن زياد الطائي، قال: حدثنا عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، رضي الله عنـهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنـه قال:

من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب.
حدثنا علي، قال حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا خالد بن خداش، قال: حدثنا عبد الرزاق عن بشر بن رافع الحارثي، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قول لا حول ولا قوة إلا بالله، دواء من تسعة وتسعين داء، أيسرها الهم.
أخبرنا أبو محمد الحسن بن خلاد الرامـهرمزي، خليفة أبي على القضاء بها، قال: أخبرنا وكيع، أن القاسم بن إسماعيل أبا المنذر السورمي حدثه: قال: حدثنا نصر بن زياد، قال: كنت عند جعفر بن محمد، فأتاه سفيان بن سعيد الثوري، فقال: يا ابن رسول الله، حدثني. قال: يا سفيان، إذا استبطأت الرزق، فأكثر من الاستغفار، وإذا ورد عليك أمر تكرهه، فأكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا أنعم الله عليك، فأكثر من الحمد لله.

قصة الثلاثة انطبقت عليهم صخرة ونجتهم أعمالهم حدثنا محمد بن جعفر بن صالح الصالحي أبو الفرج، من ولد علي بن صالح، صاحب المصلى، قال: حدثنا أبو الجهم أحمد بن الحسين بن طلاب المشغرائي، من قرية من قرى غوطة دمشق يقال لها: مشغرا، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الجعفي، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنـه قال: بينما ثلاثة رهط من بني إسرائيل يسيرون، إذ أخذهم المطر، فأووا إلى غار، فانطبقت عليهم صخرة، فسدت الغار، فقالوا: تعالوا فليسأل الله تعالى كل رجل منا بأفضل عمله.
فقال أحدهم: اللهم إنـه كانت لي ابنة عم جميلة، وكنت أهواها، فدفعت إليها مائة دينار، فلما جلست منـها مجلس الرجل من المرأة، قالت: اتق الله يا ابن عم، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنـها، وتركت المائة دينار، اللهم إن كنت تعلم، أني فعلت هذا خشية منك، وابتغاء ما عندك، فأفرج عنا، فانفرج عنـهم ثلث الصخرة.
وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنـه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت أغدو عليهما بصبوحهما، وأروح عليهما بغبوقهما، فغدوت عليهما يوماً، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أنصرف عنـهما، فيفقدا غداءهما، فوقفت حتى استيقظا، فدفعت إليهما غداءهما، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك ابتغاء ما عندك، وخشية منك، فأفرج عنا، فانفرج الثلث الثاني.
وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم، أني استأجرت أجيراً، فلما دفعت إليه أجره، قال: عملي بأكثر من هذا، فترك علي أجره، وقال: بيني وبينك يوم يؤخذ فيه للمظلوم من الظالم، ومضى، فابتعت له بأجره غنماً، ولم أزل أنميها وأرعاها، وهي تزيد وتكثر، فلما كان بعد مدة، أتاني، فقال لي: يا هذا إن لي عندك أجراً، عملت كذا وكذا في وقت كذا وكذا، فقلت: خذ هذه الغنم، فهي لك، فقال: تمنعني من أجري، وتهزأ بي، فقلت: خذها فهي لك، فأخذها ودعا لي، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا خشية منك، وابتغاء ما عندك، فأفرج عنا، فانفرج عنـهم باقي الصخرة، وخرجوا يمشون، وذكر الحديث كذا.
قال مؤلف هذا الكتاب: هذا الحديث مشـهور، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن أبي أوفى، والنعمان بن بشير الأنصاري، وغيرهم، وعن كل واحد منـهم عدة طرق، وقد اختلف في ألفاظه والمعنى واحد، وليس غرضي هنا، جمع طرقه وألفاظه، فأستقصي ما روي من ذلك، إلا أن في هذه الرواية، غلطاً لا بد من تبيينـه، وهو أنـه روي من غير طريق عن أبي أسامة، عن عمر بن حمزة العمري، عن سالم، عن ابن عمر ليس فيه عبيد الله، والمشـهور أنـه عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر.
وجاء من طريق أخرى أبين من هذا، ووقع لنا بعلو، فحدثني أبو العباس محمد بن أحمد الأثرم، المقرىء البغدادي، بالبصرة سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، قال: حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، قال: حدثنا أبو اليمان الحكم ابن نافع، قال: أنبأنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سالم بن عبد الله ابن عمر، أن عبد الله بن عمر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم، حتى أواهم المبيت إلى غار، فدخلوا، فانحدرت عليهم صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار، وذكر الحديث إلى نحو الرواية الأولى. لا إله لا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا هارون بن سفيان، قال: حدثنا عبيد بن محمد عن محمد بن مـهاجر، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد عن أبيه، عن جده، قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا أخبركم وأحدثكم بشيء، إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من الدنيا، ودعا به، فرج الله عنـه ؟ فقيل له: بلى.
قال: دعاء ذي النون، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
دعاء للمريض وجدت في كتاب ألفه محمد بن جرير الطبري، وسماه: كتاب الآداب الحميدة والأخلاق النفيسة: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، قال: كان بأبي الحصاة، فكان يلقى - من شدة ما بـه - البلاء.
قال حميد: فانطلقت إلى بيت المقدس، فلقيت أبا العوام، فشكوت إليه الذي بأبي، وأخبرته خبره.
فقال: مره فليدع بهذه الدعوة: ربنا الذي في السماء عرشـه، ربنا الذي في السماء تقدس اسمـه، أمرك ماض في السماء والأرض، وكما رحمتك في السماء، فاجعلها في الأرض، اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك، على ما بفلان من وجع.
قال: فدعا به، فأذهبه الله تعالى عنـه.
كلمات الفرج حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا يزيد بن هارون عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كلمات الفرج: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع، ورب الأرضين السبع، ورب العرش العظيم.
دعوات المكروب حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا زيد بن أخزم الطائي، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر، قال: حدثنا عبد الجليل بن عطية عن جعفر بن ميمون، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت.
أخبرني أبو بكر مكرم بن أحمد بن عبد الوهاب بن مكرم القاضي، قال: حدثنا أبو الأزهر محمد بن جعفر، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن هلال مولى غفرة، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن جعفر، قال: علمتني أمي أسماء بنت عميس، شيئاً أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن تقوله عند الكرب: الله ربي، لا أشرك بـه شيئاً.
أخبرني مكرم بن أحمد القاضي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي، قال: أنبأنا ابن أبي مريم، قال: حدثني يحيى بن أيوب، قال: حدثني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن هلال مولى غفرة، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن جعفر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقول عند الكرب: الله ربي، لا أشرك بـه شيئاً.
حدثنا بالموصل، في مجلس عضد الدولة، وهو يسمع، إبراهيم بن محمد الأنصاري المعروف بالثمدي، وهو يخلفني يومئذ في جملة من أعمالي على القضاء بجزيرة ابن عمر، وسنـه أكثر من تسعين سنة، وكان عضد الدولة استدعاه منـها لعلو إسناده، وعمل له مجلساً بحضرته، حدث فيه، وأحضرني وجماعة مخصوصين من أهل العلم، حتى سمع منـه، وسمعنا معه، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن قريعة الأزدي، وأبو العباس محمد بن حسان البصريان، قالا: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن عبد الله بن جعفر، عن علي عليه السلام، قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل بي كرب أو شدة، أن أقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، عز الله، وتبارك الله، رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.
وأخبرني القاضي أبو الحسن علي بن إبراهيم بن حماد، قال: حدثنا محمد بن يونس الكديمي، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا أسامة بن زيد، فذكر بإسناده مثله.

وأخبرني القاضي علي بن إبراهيم، قال حدثنا الكديمي، قال: حدثني سعيد بن منصور البلخي، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن محمد ابن عجلان، عن محمد بن كعب القرظي، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثني روح بن عبادة، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنـه، قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا نزل في كرب، أن أقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله، وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.
حدثنا: علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا عفان بن مسلم، عن عبد الواحد ابن زياد، قال: حدثنا مجمع بن يحيى، قال: حدثنا أبو العيوف صعب، أبو صعيب العنزي، عن أسماء بنت عميس، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: من أصابه هم، أو غم، أو سقم، أو شدة، أو ذل، أو لأواء، فقال: الله ربي، لا شريك له، كشف الله ذلك عنـه.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني سعيد بن سليمان، قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، قال: حدثنا أبو سلمة الجهني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أصاب مسلماً قط، هم، أو حزن، فقال: اللهم إني عبدك، وابن أمتك، ناصيتي في يدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت بـه نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت بـه في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله عنـه كربه، وأبدله مكان حزنـه فرحاً.
قالوا: يا رسول الله أفلا نتعلم هذه الكلمات ؟ قال: بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمـهن.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا أبو حفص الصفار أحمد بن حميد، قال: حدثنا جعفر ابن سليمان، قال: حدثنا الخليل بن مرة، عن فقيه من أهل الأردن، قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا أصابه غم أو كرب يقول: حسبي الرب من العباد، حسبي الخالق من المخلوق، حسبي الرازق من المرزوق، حسبي الله الذي هو حسبي، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا القاسم بن هاشم، قال: حدثني الخطاب بن عثمان، قال: حدثني ابن أبي فديك، قال: حدثنا سعد بن سعيد، قال: حدثنا أبو إسماعيل ابن أبي فديك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كربني أمر، إلا تمثل لي جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد، قل توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك... إلى آخر الآية.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثني ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا النضر بن إسماعيل البجلي عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا نزل بـه هم، أو غم، قال: يا حي، يا قيوم، برحمتك أستغيث.
حدثنا جعفر بن أبي طالب بن أبي جعفر بن البهلول التنوخي القاضي، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الوهاب بن أبي حية، قال: حدثنا إسحاق ابن أبي إسرائيل، قال: حدثني النضر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا نزل بـه غم أو كرب، قال: يا حي، يا قيوم، برحمتك أستغيث.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا هارون بن سفيان، قال: حدثني عبد الله بن محمد القرشي، عن نعيم بن مورع، عن جويبر، عن الضحاك، قال: دعاء موسى حين توجه إلى فرعون، ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم حنين، ودعاء كل مكروب: كنت وتكون، حياً لا تموت، تنام العيون، وتنكدر النجوم، وأنت حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حي، يا قيوم.

دعاء الفرج دعاء الفرج، أعطانيه أبو الحمد داود بن الناصر لدين الله واسمـه أحمد بن الهادي للحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم المعروف بطباطبا ابن إسماعيل ابن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وقال لي: إن أهله يتوارثونـه، وهو عن أمير المؤمنين عليه السلام.
يا من تحل بـه عقد المكاره، ويفل حد الشدائد، ويا من يلتمس بـه المخرج، ويطلب منـه رَوْحُ الفرج، أنت المدعوّ في المـهمات، والمفزع في الملمات، لا يندفع منـها إلا ما دفعت، ولا ينكشف منـها إلا ما كشفت، قد نزل بي ما قد علمت، وقد كادني ثقله، وألم بي ما بهظني حمله، وبقدرتك أوردته علي، وبسلطانك وجهته إلي، ولا مصدر لما أوردت، ولا كاشف لما وجهت، ولا فاتح لما أغلقت، ولا ميسر لما عسرت، ولا معسر لما يسرت، فصل الله على محمد، وعلى آل محمد، وافتح لي باب الفرج بطولك، واحبس عني سلطان الهم بحولك، وأنلني حسن النظر فيما شكوت، وأذقني حلاوة الصنع فيما سألت، وهب لي من لدنك فرجاً هنياً عاجلاً، وصلاحاً في جميع أمري سنياً شاملاً، واجعل لي من عندك فرجاً قريباً، ومخرجاً رحباً، ولا تشغلني بالاهتمام عن تعاهد فروضك، واستعمال سنتك، فقد ضقت ذرعاً بما عراني، وتحيرت فيما نزل بي ودهاني، وضعفت عن حمل ما قد أثقلني هماً، وتبدلت بما أنا فيه قلقاً وغماً، وأنت القادر على كشف ما قد وقعت فيه، ودفع ما منيت به، فافعل بي ذلك يا سيدي ومولاي، وإن لم أستحقه، وأجبني إليه وإن لم أستوجبه، يا ذا العرش العظيم ثلاث مرات.
دعاء آخر للفرج وأعطاني دعاء آخر للفرج، وقال لي: إن أهله بصعدة، يتوارثونـه عن أهل البيت عليهم السلام: لا إله إلا الله حقاً حقاً، لا إله إلا الله تعبداً ورقاً، لا إله إلا الله إيماناً وصدقاً، يا منزل الرحمة من معادنـها، ومنشىء البركة من أماكنـها، أسألك أن تصلي على محمد، عبدك ونبيك، وخيرتك من خلقك وصفيك، وعلى آله مصابيح الدجى، وأئمة الهدى، وأن تفرج عني فرجاً عاجلاً، وتنيلني صلاحاً لجميع أمري شاملاً، وتفعل بي، في ديني ودنياي، ما أنت أهله، يا كاشف الكرب، يا غافر الذنب، يا الله، يا رب.
استغفروا ربكم إنـه كان غفارا ً
حدثني أيوب بن العباس بن الحسن الذي كان وزير المكتفي - ولقيت أيوب بالأهواز في حدود سنة خمسين وثلثمائة - من حفظه، قال: حدثني علي بن همام، بإسناد لست أحفظه: أن أعرابياً شكى إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام شدة لحقته، وضيقاً في الحال، وكثرة من العيال.
فقال له: عليك بالاستغفار، فإن الله تعالى يقول: استغفروا ربكم، إنـه كان غفاراً... الآيات.
فعاد إليه، وقال: يا أمير المؤمنين قد استغفرت كثيراً، وما أرى فرجاً مما أنا فيه.
قال: لعلك لا تحسن أن تستغفر.
قال: علمني.

قال: أخلص نيتك، وأطع ربك، وقل: اللهم إني أستغفرك من كل ذنب، قوي عليه بدني بعافيتك، أو نالته يدي بفضل نعمتك، أو بسطت إليه يدي بسابغ رزقك، أو اتكلت فيه، عند خوفي منـه، على أناتك، أو وثقت فيه بحلمك، أو عولت فيه على كرم عفوك، اللهم إني أستغفرك من كل ذنب خنت فيه أمانتي، أو بخست فيه نفسي، أو قدمت فيه لذتي، أو آثرت فيه ي، أو سعيت فيه لغيري، أو استغويت فيه من تبعني، أو غلبت فيه بفضل حيلتي، أو أحلت فيه عليك يا مولاي، فلم تؤاخذني على فعلي، إذ كنت - سبحانك - كارهاً لمعصيتي، لكن سبق علمك فيّ باختياري، واستعمالي مرادي وإيثاري، فحلمت عني، لم تدخلني فيه جبراً، ولم تحملني عليه قهراً، ولم تظلمني شيئاً، يا أرحم الراحمين، يا صاحبي عند شدتي، يا مؤنسي في وحدتي، ويا حافظي عند غربتي، يا وليي في نعمتي، ويا كاشف كربتي، ويا سامع دعوتي، ويا راحم عبرتي، ويا مقيل عثرتي، يا إلهي بالتحقيق، يا ركني الوثيق، يا رجائي في الضيق، يا مولاي الشفيق، ويا رب البيت العتيق، أخرجني من حلق المضيق، إلى سعة الطريق، وفرج من عندك قريب وثيق، واكشف عني كل شدة وضيق، واكفني ما أطيق وما لا أطيق، اللهم فرج عني كل هم وكرب، وأخرجني من كل غم وحزن، يا فارج الهم، ويا كاشف الغم، ويا منزل القطر، ويا مجيب دعوة المضطر، يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمـها، صل على خيرتك محمد النبي، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وفرج عني ما ضاق بـه صدري، وعيل معه صبري، وقلت فيه حيلتي، وضعفت له قوتي، يا كاشف كل ضر وبلية، ويا عالم كل سر وخفية، يا أرحم الراحمين، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم.
قال الأعراب: فاستغفرت بذلك مراراً، فكشف الله عز وجل عني الغم والضيق، ووسع علي في الرزق، وأزال عني المحنة.

لا أبالي على أي حالة أصبحت حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني علي بن الجعد وإسحاق بن إسماعيل، قالا: حدثنا سفيان ابن عيينة، عن أبي السوداء، عن أبي مجلز، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنـه: ما أبالي على أي حالة أصبحت، على ما أحب، أو على ما أكره، وذلك أني لا أدري، الخير فيما أحب، أو فيما أكره.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: إن لم يكن لنا خير فيما نكره، لم يكن لنا خير فيما نحب.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: حدثنا أبو روح، رجل من أهل مرو، عن سفيان بن عيينة، قال: مر محمد بن علي، على محمد بن المنكدر، فقال: ما لي أراك مغموماً ؟ فقال أبو حازم: ذلك لدين فدحه.
قال محمد بن علي: أفتح له في الدعاء ؟ قال: نعم.
قال: لقد بورك لعبد في حاجة أكثر فيها دعاء ربه، كانت ما كانت.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: حدثنا أبو روح، قال: قال ابن عيينة: ما يكره العبد، خير له مما يحب، لأن ما يكره، يهيجه على الدعاء، وما يحب، يلهيه عنـه.
دعاء داود عليه السلام قال ابن أبي الدنيا، قال حدثنا أبو نصر التمار، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز التنوخي، قال: قال داود عليه السلام: سبحان الله مستخرج الدعاء بالبلاء، سبحان الله مستخرج الشكر بالرخاء.
ما أقرب النعيم من البؤس. حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم العبدي، قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار العطار، قال: حدثنا أبو عبد الصمد العمي، قال: سمعت مالك بن دينار، يقول في مرضه، وهو من آخر كلام سمعته يتكلم به: ما أقرب النعيم من البؤس، يعقبان، ويوشكان زوالاً.
عبيدك بفنائك حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثني عبد الله بن محمد التميمي، قال: حدثنا شيخ مولى لعبد القيس، عن طاووس، قال:

إني لفي الحجر ذات ليلة، إذ دخل علي بن الحسين عليهما السلام، فقلت: رجل صالح من أهل بيت الخير، لأستمعن إلى دعائه الليلة، فصلى، ثم سجد، فأصغيت بسمعي إليه، فسمعته يقول: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك.
قال طاووس: فحفظتهن، فما دعوت بهن في كرب، إلا فرج الله عني.
ذبح عجلاً بين يدي أمـه فخبل
حدثنا إبراهيم بن محمد الأنصاري، بالموصل، بحضر عضد الدولة، قال: أنبأنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي القاضي، وأبو جعفر محمد بن محمد بن حبان الأنصاري، البصريان، قالا: حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي، قال: حدثني حماد بن سلمة. قال: حدثنا أبو عمران الجوفي عن نوف البكالي: أن نبياً أو صديقاً ذبح عجلاً بين يدي أمـه، فخبل، فبينما هو كذلك ذات يوم، تحت شجرة فيها وكر طير، إذ وقع فرخ طائر في الأرض، وتغبر في التراب، فأتاه الطائر، فجعل يطير فوق رأسه، فأخذ النبي أو الصديق الفرخ، فمسحه من التراب، وأعاده في وكره، فرد الله عز وجل عليه عقله.

الغمرات ثم ينجلين أخبرني أبي، قال: حدثنا حرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: وحدثني أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثنا أحمد ابن سليمان الطوسي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: أخبرني عثمان بن سليمان، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنـه، يوماً لجلسائه، وفيهم عمرو بن العاص: ما أحسن شيء؟ فقال: كل رجل برأيه؛ وعمرو ساكت.
فقال: ما تقول يا عمرو ؟ قال: الغمرات ثم ينجلين.
طول الغمة يطمع في انقضائها كتب سعيد بن حصيد، إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، كتاباً من الاستتار، قال فيه: وأرجو أن يكشف الله، بالأمير أعزه الله، هذه الغمة الطويل مداها، البعيد منتهاها، فإن طولها، قد أطمع في انقضائها، وتراخي أيامـها، قد سهل سبيل الأمل لفنائها.
رقعة أبي الفرج الببغاء إلى القاضي التنوخي مؤلف الكتاب يتوجع له في محنته
قال مؤلف هذا الكتاب: ولحقتني محنة غليظة من السلطان، فكتب إلي أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي الكاتب الشاعر النصيبي، المعروف بالببغاء، رقعة، يتوجع لي فيها، نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم، مدد النعم - أطال الله بقاء سيدنا القاضي - بغفلات المسار وإن طالت، أحلام، وساعات المحن، وإن قصرت بشوائب الهم، أعوام، وأحظانا بالمواهب، من ارتبطها بالشكر، وأنـهضنا بأعباء المصائب، من قاومـها بعدد الصبر، إذ كان أولها بالعظة مذكراً، وآخرها بمضمون الفرج مبشراً، وإنما يتعسف ظلم الفتنة، ويتمسك بتفريط العجز، ضال الحكمة، من كان بسنة الغفلة مغموراً، وبضعف المنة والرأي مقهوراً، وفي انتهاز فرص الحزم مفرطاً، ولمرصي ما اختاره الله تعالى فيه متسخطاً.

وسيدنا القاضي - أدام الله تأييده - أنور بصيرةً، وأطهر سريرةً، وأكمل حزماً، وأنفذ مضاءً وعزماً، من أن يتسلط الشك على يقينـه أو يقدح اعتراض الشبه في مروءته ودينـه، فيلقى ما اعتمده الله من طارق القضاء المحتوم، بغير واجبه من فرض الرضا والتسليم، ومع ذلك فإنما تعظم المحنة إذا تجاوزت، وضعف التنبيه من الله جل ذكره إلى واجب العقوبة، ويصير مجيء السلطان - أدام الله عزه - بها، وجوب الحجة، وشغلت الألسن عن محمود الثناء منـها بمذموم اللائمة، فإذا خلت من هذه الصفات المليمة، والشوائب المذمومة، كانت - وإن راع ظاهرها - بصفات النعم أولى، وبأسماء المنح أحق وأحرى، ومتى أعمل ذو الفهم الثاقب، والفكر الصائب، مثله أعزه الله، بكامل عقله، وزائد فضله، فيما يسامح بـه الدنيا من مرتجع هباتها، وتمد له من خدع لذاتها، علم أن أسعد أهلها فيها ببلوغ الآمال، أقربهم فيما خوله من التغير والانتقال، فصفاؤها مشوب بالكدر، وأمنـها مروع بالحذر، لأن انتهاء الشيء إلى حده، ناقل له عما كان عليه إلى ضده، فتكاد المحنة، بهذه القاعدة، لاقترانـها من الفرج بفسيح الرجاء، وانتهاء الشدة منـها إلى مستجد الرخاء، أن تكون أحق بأسماء النعم، وأدخل في أسباب المواهب والقسم، وبالحقيقة، فكل وارد من الله تعالى على العبد، وإن جهل مواقع الحكم منـه، وساءه استتار عواقب الخيرة بمفارقة ما نقل عنـه، غير خال من مصلحة، بتقديم عاجل، وادخار آجل. وهذا وصف ما ذكر الله بـه سيدنا القاضي - أدام الله تأييده - إذ كان للمثوبة مفيداً، وللفرج ضامناً، وبالحظ مبشراً، وإلى المسرة مؤدياً، وبأفضل ما عوده الله جل اسمـه عائداً، وهو - أدام الله كفايته - يتنجز ذلك بمستحكم الثقة، ووجاهة الدعاء والرغبة، ووسائط الصبر والمعونة، ولعله أن يكون إليه أقرب من ورود رقعتي هذه عليه، بقدرة الله ومشيئته، ولولا الخوف من الإطالة، والتعرض للإضجار والملالة، بإخراج هذه الرقعة عن مذهب الرقاع، وإدا بذكر ما نطق بـه نص الكتاب، من ضمان اليسر بعد العسر، وما وردت بـه في هذا المعنى، الأمثال السائرة، والأشعار المتناقلة، في جمة الرسائل وحيز المصنفات، لأودعتها نبذاً من ذلك، لكني آثرت أن لا أعدل بها عما افتتحتها به، واستخدمتها له، مقتصراً على استغناء سيدنا القاضي - أدام الله تأييده - عن ذلك، بمرشد حفظه، ووفور فضله، ومأثور نباهته ونبله، والله يبلغه ويبلغنا فيه نـهاية الآمال، ولا يخليه، في طول البقاء، من مواد السعادة والإقبال، إن شاء الله تعالى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

حسن الظن بالله أقرب إلى الفرج قال بعض الصالحين: استعمل في كل بلية تطرقك حسن الظن بالله عز وجل، في كشفها، فإن ذلك أقرب بك إلى الفرج.
الصبر على قدر البلاء وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام، أنـه قال: أفضل عمل الممتحنين، انتظار الفرج من الله عز وجل، والصبر على قدر البلاء.
وعنـه: الصبر كفيل بالنجاح، والمتوكل لا يخيب ظنـه.
قد ينجلي المكروب عما يسر وكان يقال: العاقل لا يذل بأول نكبة، ولا يفرج بأول نعمة، فربما أقلع المحبوب عما يضر، وأجلى المكروه عما يسر.
شكا عبد الله بن طاهر، إلى سليمان بن يحيى بن معاذ كاتبه، بلاء خافه وتوقعه.
فقال له: أيها الأمير، لا يغلبن على قلبك، إذا اغتممت، ما تكره دون ما تحب، فلعل العاقبة تكون بما تحب، وتوفي ما تكره، فتكون كمن يستسلف الغم والخوف.
قال: أما أنك قد فرجت عني ما أنا فيه.
لماذا أصبح الاستغفار سنة في الاستسقاء بلغني أن الناس قحطوا بالمدينة، في سنة من خلافة عمر بن الخطاب، فخرج بهم مستسقياً، فكان أكثر قوله الاستغفار.
فقيل له: يا أمير المؤمنين، لو دعوت.
فقال: أما سمعتم قوله عز وجل " استغفروا ربّكم، إنّه كان غفّاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم أنـهاراً " .
فصار الاستكثار من الاستغفار في الاستسقاء سنة إلى اليوم.
أقوال الحكماء في الصبر يحكى عن أنوشروان، أنـه قال: جميع المكاره في الدنيا، تنقسم على ضربين، فضرب فيه حيلة، فالاضطراب دواؤه، وضرب لا حيلة فيه، فالاصطبار شفاؤه.
كان بعض الحكماء يقول: الحيلة فيما لا حيلة فيه، الصبر.
وكان يقال: من اتبع الصبر، اتبعه النصر.

ومن الأمثال السائرة: الصبر مفتاح الفرج، من صبر قدر، ثمرة الصبر الظفر، عند اشتداد البلاء يأتي الرخاء.
وكان يقال: تضايقي تنفرجي.
وكان يقال: إذا اشتد الخناق انقطع.
وكان يقال: خف المضار، من خلل المسار، وارج النفع، من موضع المنع، واحرص على الحياة، بطلب الموت، فكم من بقاء سببه استدعاء الفناء، ومن فناء سببه إيثار البقاء، وأكثر ما يأتي الأمن من قبل الفزع.
والعرب تقول: إن في الشر خياراً.
وقال الأصمعي: معناه، أن بعض الشر أهون من بعض.
وقال أبو عبيدة: معناه، إذا أصابتك مصيبة، فاعلم أنـه قد يكون أجل منـها، فلتهن عليك مصيبتك.
قال بعض الحكماء: عواقب الأمور، تتشابه في الغيوب، فرب محبوب في مكروه، ومكروه في محبوب، وكم مغبوط بنعمة هي داؤه، ومرحوم من داء هو شفاؤه.
وكان يقال: رب خير من شر، ونفع من ضر.
وروي أن أمير المؤمنين علياً قال: يا ابن آدم، لا تحمل هم يومك الذي لم يأت، على يومك الذي أتى، فإنـه إن يكن في عمرك، يأتك الله فيه بمحبتك، واعلم أنك لن تكسب شيئاً سوى قوتك، إلا كنت فيه خازناً لغيرك بعد موتك.
وقال وداعة السهمي، في كلام له: اصبر على الشر إن قدحك، فربما أجلى عما يفرحك، وتحت الرغوة اللبن الصريح.

شريح القاضي يحمد الله على المصيبة أربع مرات قال شريح: إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عز وجل عليها أربع مرات، أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع، لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني.
من ساعة إلى ساعة فرج ويشبه هذا ما روي عن بزرجمـهر بن البختكان الحكيم، الذي كان وزير أنوشروان، فإنـه حبسه عند غضبه، في بيت كالقبر ظلمة وضيقاً، وصفده بالحديد، وألبسه الخشن من الصوف، وأمر أن لا يزاد كل يوم، على قرصين خبزاً شعيراً، وكف ملح جريش، ودورق ماء، وأن تحصى ألفاظه، فتنقل إليه، فأقام بزرجمـهر شـهوراً، لا تسمع له لفظة.
فقال أنوشروان: أدخلوا إليه أصحابه، ومروهم أن يسألوه، ويفاتحوه في الكلام، واسمعوا ما يجري بينـهم، وعرفونيه.
فدخل إليه جماعة من المختصين - كانوا - به، فقالوا له: أيها الحكيم، نراك في هذا الضيق، والحديد، والصوف، والشدة التي وقعت فيها، ومع هذا، فإن سحنة وجهك، وصحة جسمك، على حالهما، لم تتغيرا، فما السبب في ذلك ؟.
فقال: إني عملت جوارشاً من ستة أخلاط، آخذ منـه كل يوم شيئاً، فهو الذي أبقاني على ما ترون.
قالوا: فصفه لنا، فعسى أن نبتلى بمثل بلواك، أو أحد من إخواننا، فنستعمله ونصفه له.
قال: الخلط الأول: الثقة بالله عز وجل، والخلط الثاني: علمي بأن كل مقدر كائن، والخلط الثالث: الصبر خير ما استعمله الممتحنون، والخلط الرابع: إن لم أصبر أنا فأي شيء أعمل، ولم أعين على نفسي بالجزع، والخلط الخامس: قد يمكن أن أكون في شر مما أنا فيه، والخلط السادس: من ساعة إلى ساعة فرج.
قال: فبلغ كسرى كلامـه، فعفا عنـه.
يأتي الله بالفرج عند انقطاع الأمل واستبهام الحيل فصل لبعض كتاب زماننا، وهو علي بن نصر بن علي الطبيب: وكما أن لله جل وعلا يأتي بالمحبوب، من الوجه الذي قدر ورود المكروه منـه، ويفتح بفرج، عند انقطاع الأمل، واستبهام وجوه الحيل، ليحض سائر خلقه، بما يريهم من تمام قدرته، على صف الرجاء إليه، وإخلاص آمالهم في التوكل عليه، وأن لا يزووا وجوههم في وقت من الأوقات عن توقع الروح من، فلا يعدلوا بآمالهم على أي حال من الحالات، عن انتظار فرج يصدر عنـه، وكذلك أيضاً، يسهم فيما ساءهم، بأن كفاهم بمحنة يسيرة، ما هو أعظم منـها، وافتداهم بملمة سهلة، مما كان أنكى فيهم لو لحقهم.
قال إسحاق العابد: ربما امتحن الله العبد، بمحنة يخلصه بها من الهلكة، فتكون تلك المحنة، أجل نعمة.
قال: وسمعت، أن من احتمل المحنة، ورضي بتدبير الله تعالى في النكبة، وصبر على الشدة، كشف له عن منفعتها، حتى يقف على المستور عنـه من مصلحتها.
وقال عبد الله بن المعتز: ما أوطأ راحلة الواثق بالله، وآنس مثوى المطيع لله.
حكى بعض النصارى، أن بعض الأنبياء عليهم السلام، قال: المحن تأديب من الله، والأدب لا يدوم، فطوبى لمن تصبر على التأديب، وتثبت عند المحنة، فيجب له لبس إكليل الغلبة، وتاج الفلاح، الذي وعد الله بـه محبيه، وأهل طاعته.

قال إسحاق: احذر الضجر، إذا أصابتك أسنة المحن، وأعراض الفتن، فإن الطريق المؤدي إلى النجاة صعب المسلك.
قال بزرجمـهر: انتظار الفرج بالصبر، يعقب الاغتباط.

حسن الظن بالله لا يخيب فصل آخر، لبعض كتاب زماننا، وهو علي بن نصر بن بشر الطبيب: كما أن الرجاء مادة الصبر، والمعين عليه، فكذلك علة الرجاء ومادته، حسن الظن بالله، الذي لا يجوز أن يخيب، فإنا قد نستقري الكرماء، فنجدهم يرفعون من أحسن ظنـه بهم، ويتحوبون من تخييب أمله فيهم، ويتحرجون من إخفاق رجاء من قصدهم، فكيف بأكرم الأكرمين، الذي لا يعوزه أن يمنح مؤمليه، ما يزيد على أمانيهم فيه، وأعدل الشواهد بمحبة الله جل ذكره، لتمسك عبده برحابه، وانتظار الروح من ظله ومآبه، أن الإنسان لا يأتيه الفرج ولا تدركه النجاة، إلا بعد إخفاق أمله في كل ما كان يتوجه نحوه بأمله ورغبته، وعند انغلاق مطالبه، وعجز حيلته، وتناهي ضره ومحنته، ليكون ذلك باعثاً له على صرف رجائه أبداً إلى الله عز وجل، وزاجرا له على تجاوز حسن ظنـه به.
يدرك الصبور أحمد الأمور وروي عن عبد الله بن مسعود: الفرج والروح، في اليقين والرضا، والهم والحزن، في الشك والسخط.
وكان يقول: الصبور، يدرك أحمد الأمور.
قال أبان بن تغلب: سمعت أعرابياً يقول: من أفضل آداب الرجال، أنـه إذا نزلت بأحدهم جائحة، استعمل الصبر عليها، وألهم نفسه الرجاء لزوالها، حتى كأنـه لصبره يعاين الخلاص منـها والغناء، توكلاً على الله عز وجل، وحسن ظن به، فمتى لزم هذه الصفة، لم يلبث أن يقضي الله حاجته، ويزيل كربته، وينجح طلبته، ومعه دينـه وعرضه ومروءته.
رب حياة سببها طلب الموت وموت سببه طلب الحياة روى الأصمعي، عن أعرابي، أنـه قال: خف الشر من موضع الخير، وارج الخير من موضع الشر، فرب حياة سببها طلب الموت، وموت سببه طلب الحياة، وأكثر ما يأتي الأمن من ناحية الخوف.
قال مؤلف هذا الكتاب: ما أقرب هذا الكلام، من قول قطري بن الفجاءة، الخارجي، ذكره أبو تمام الطائي، في كتابه المعروف بالحماسة:
لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوّفاً لِ
فلقد أراني للرماح دريئة ... من عن يميني مرّة وأمامي
حتى خضبتُ بما تحدّر من دمي ... أحناء سرجي أو عنان لجامي
ثم انصرفت وقد أَصبتُ لوم أُصب ... جذع البصير قارح الإقدام
فهذا من أحب الموت، طلباً لحياة الذكر.
وقد أفصح بهذا الحصين بن ال المري، حيث يقول:
تأخرّت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
وهذا كثير متسع، وليس هو مما نحن فيه بسبيل، فنستوعبه ونستوفيه، ولكن الحديث ذو شجون، والشيء بالشيء يذكر، ونعود إلى ما كنا فيه.
أقوال في تهوين المصائب قال بعض عقلاء التجار: ما أصغر المصيبة بالأرباح، إذا عادت بسلامة الأرواح.
وكأنـه من قول العرب: إن تسلم الجلة فالسخل هدر.
ومن كلامـهم: لا تيأس أرض من عمران، وإن جفاها الزمان.
والعامة تقول: نـهر جرى فيه الماء، لا بد أن يعود إليه.
وقال تيمسطوس: لم يتفاضل أهل العقول والدين، إلا في استعمال الفضل في حال القدرة والنعمة، وابتذال الصبر في حال الشدة والمحنة.
وقال بعض الحكماء: العاقل يتعزى فيما نزل بـه من المكروه بأمرين، أحدهما السرور بما بقي له، والآخر رجاء الفرج مما نزل به، والجاهل يجزع في محنته بأمرين، أحدهما استكثار ما أدي إليه، والآخر تخوفه مما هو أشد منـه.
كلمات في الصبر على المحنة وكان يقال: المحن آداب الله عز وجل لخلقه، وتأديب الله بفتح القلوب، والأسماع، والأبصار.
ووصف الحسن بن سهل، المحن، فقال: فيها تمحيص من الذنب، وتنبيه من الغفلة، وتعرض للثواب بالصبر، وتذكير بالنعمة، واستدعاء للمثوبة، وفي نظر الله عز وجل وقضائه الخيار.
وبلغني هذا الخبر على وجه آخر: قرىء على أبي بكر الصولي، وأنا حاضر أسمع، بالبصرة في سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، في كتابه كتاب الوزراء: حدثكم أبو ذكوان القاسم بن إسماعيل، قال:

سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الكاتب، يصف الفضل بن سهل، ويذكر تقدمـه، وعلمـه، وكرمـه، وكان مما حدثني به: أنـه برىء من علة كان فيها، فجلس للناس، وهنوه بالعافية، فلما فرغ الناس من كلامـهم، قال الفضل: إن في العلل لنعماً لا ينبغي للعاقل أن يجهلها: تمحيص للذنب، وتعرض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، وإذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للمثوبة، وحض على الصدقة، وفي قضاء الله وقدره بعد، الخيار.

إنما يبتلى الصالحون وكتب محمد بن الحنفية، إلى عبد الله بن عباس، حين سيره ابن الزبير عن مكة، إلى الطائف: أما بعد، فإنـه بلغني أن ابن الزبير سيرك إلى الطائف، فأحدث الله عز وجل لك بذلك أجراً، وحط بـه عنك وزراً، يا ابن عم، إنما يبتلى الصالحون، وتعد الكرامة للأخيار، ولو لم تؤجر إلا فيما تحب، لقل الأجر، وقد قال الله تعالى: " وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبّوا شيئاً وهو شرّ لكم " عزم الله لنا ولك، بالصبر على البلاء، والشكر على النعماء، ولا أشمت بنا وبك الأعداء، والسلام.
النعمة والعافية تبطران الإنسان وكتب بعض الكتاب إلى صديق له في محنة لحقته: إن الله تعالى ليمتحن العبد، ليكثر التواضع له، والاستعانة به، ويجدد الشكر على ما يوليه من كفايته، ويأخذ بيده في شدته، لن دوام النعم والعافية، يبطران الإنسان، حتى يعجب بنفسه، ويعدل عن ذكر ربه، وقد قال الشاعر:
لا يترك اللّه عبداً ليس يذكره ... ممن يؤدّبه أو من يؤنّبه
أو نعمة تقتضي شكراً يدوم له ... أو نقمة حين ينسى الشكر تنكبه
كلمات في الشكر على العافية والصبر على الشدة وقال الحسن البصري: الخير الذي لا شر فيه، هو الشكر مع العافية، والصبر عند المحنة، فكم من منعم عليه غير شاكر، وكم مبتلى بمحنة وهو غير صابر.
وقال أبو الحسن المدائني، في كتابه كتاب الفرج بعد الضدة والضيقة: كان ابن شبرمة إذا نزلت بـه شدة، يقول: سحابة ثم تنقشع.
وقال في كتابه هذا، عن جعفر بن سليمان الهاشمي، قال: قال بعض الحكماء: آخر الهم، أول الفرج، وكان جعفر يقول: قد وجدناه كذلك.
وقد ذكر هذا الخبر القاضي أبو الحسين، في كتابه كتاب الفرج بعد الشدة عن المدائني، هكذا.
وذكر أبو الحسين القاضي في كتابه كتاب الفرج بعد الشدة، فقال: حدثني بعض أصحابنا، قال: حدثني الحسن بن مكرم، قال: حدثني ابن أبي عدي، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: لأن أكون في شدة، أتوقع بعدها رخاء، أحب إلي من أن أكون في رخاء، أتوقع بعده شدة.
لو كان العسر في كوة لجاء يسران فأخرجاه وذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، بغير إسناد، أنـه قال: لو كان العسر في كوة، لجاء يسران، فأخرجاه.
قال مؤلف هذا الكتاب: كان لي في هذا الحديث، خبر طريف، وذلك أني كنت قد لجأت إلى البطيحة، هارباً من نكبة لحقتني، واعتصمت بأميرها معين الدولة أبي الحسين عمران بن شاهين السلمي - على ما كان يقول رحمـه الله - فألفيت هناك جماعة من معارفي، بالبصرة وواسط، خائفين على نفوسهم، قد هربوا من ابن بقية، الذي كان في ذلك الوقت وزيراً، ولجأوا إلى البطيحة، فكنا نجتمع في المسجد الجامع بشقشى الذي بناه معز الدولة أبو الحسين، فنتشاكى أحوالنا، ونتمنى الفرج مما نحن فيه من الخوف والشدة والشقاء.
فقال لي أبو الحسن محمد بن عبد الله بن جيشان الصلحي التاجر، وكان هذا في يوم الجمعة لتسع ليال خلون من جمادى الأولى سنة خمس وستين وثلثمائة: حدثني في هذا اليوم أبو محمد الحسن بن محمد بن عثمان بن قنيف، وكان أحد خلفاء الحجاب في دار المقتدر بالله، وهو شيخ مشـهور، ملازم الآن خدمة معين الدولة، قال: حدثنا أبو القاسم بن بنت منيع، قال: حدثنا أبو نصر التمار، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دخل العسر كوة، جاء يسران فأخرجاه.
فلما سمعت ذلك، قلت بديهاً:
إنّا روينا عن النبي رسول ال ... له فيما أفيد من أدبه
لو دخل العسر كوّة لأني يس ... ران فاستخرجاه من ثقبه

فما مضى على هذا المجلس، إلا أربعة أشـهر، حتى فرج الله تعالى عني، وعن كثير ممن حضر ذلك المجلس، من الممتحنين، وردنا إلى عوائده عندنا، فله الحمد والشكر.
وجدت هذا الخبر على غير هذا، فقد حدثنا بـه - من أصل كتابه - جعفر بن أبي طالب ابن البهلول، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي، قال: حدثني علي بن الجعد، قال: أنبأنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عمن حدثه عن عبد الله بن مسعود، قال: لو أن العسر دخل في جحر، لجاء اليسر حتى يدخل معه، قال الله تعالى: " فإنّ مع العسر يسراً إنّ مع العسر يسراً " .
وحدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا علي بن الجعد، فذكر نحوه بإسناده.
وأخبرني أبي: قال: قال جعفر بن محمد بن عيينة، حدثنا محمد بن معمر، قال: حدثنا حميد بن حماد، قال: حدثنا عائذ بن شريح، قال: سمعت أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينظر إلى حجر بحيال وجهه، فقال: لو جاءت العسرة حتى تدخل تحت هذا الحجر، لجاءت اليسرة حتى تخرجها. فأنزل الله تعالى: " فإنّ مع العسر يسراً، إنّ مع العسر يسراً " .

كلمات في انفراج المحن وذكر القاضي أبو الحسين، في كتابه كتاب الفرج بعد الشدة، بغير إسناد: أن علياً عليه السلام، قال: عند تناهي الشدة، تكون الفرجة، وعند تضايق البلاء، يكون الرخاء، ومع العسر، يكون اليسر.
وذكر عنـه عليه السلام، أنـه قال: ما أبالي بالعسر رميت، أو باليسر، لأن حق الله تعالى في العسر الرضا والصبر، وفي اليسر الحمد والشكر.
قال مؤلف هذا الكتاب: حدثني بعض الشيعة، بغير إسناد، قال: قصد أعرابي أمير المؤمنين علياً عليه السلام، فقال: إني ممتحن، فعلمني شيئاً أنتفع به.
فقال: يا أعرابي إن للمحن أوقاتاً، ولها غايات، فاجتهاد العبد في محنته، قبل إزالة الله تعالى إياها، زيادة فيها، يقول الله عز وجل: " إن أرادني الله بضرّ، هل هنّ كاشفات ضرّه، أو أرادني برحمة، هل هنّ ممسكات رحمته، قل حسبي اللّه، عليه يتوكّل المتوكّلون " ، ولكن، استعن بالله، واصبر، وأكثر من الاستغفار، فإن الله عز وجل وعد الصابرين خيراً، وقال: " استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنّات، ويجعل لكم أنـهاراً " ، فانصرف الرجل.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام:
إذا لم يكن عون من اللّه للفتى ... فأوّل ما يجني عليه اجتهاده
الوزير المـهلبي يجيئه الغياث من الله تعالى حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد المـهلبي، في وزارته، قال: كنت في وقت من الأوقات - يعني في أول أمره - قد دفعت إلى شدة شديدة، وخوف عظيم، لا حيلة لي فيهما، فأقمت يومي قلقاً، وهجم الليل، فلم أعرف الغمض، فلجأت إلى الصلاة والدعاء، وأقبلت على البكاء في سجودي، والتضرع، ومسألة الله عز وجل، تعجيل الفرج لي، وأصبحت من غد، على قريب من حالي، إلا أني قد سكنت قليلاً، فلم ينسلخ اليوم حتى جاءني الغياث من الله تعالى، وفرج عني ما كنت فيه، على أفضل ما أردت، فقلت:
بعثت إلى رب العطايا رسالة ... توسّل لي فيها دعاءٌ مناصح
فجاء جوابٌ بالإجابة وانجلت ... بها كرب ضاقت بهنّ الجوانح
عند تناهي الشدة تكون الفرجة أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى، قال: حدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكلبي عن أبيه قال: كان عمرو بن أحيحة الأوسي يقول: عند تناهي الشدة، تكون الفرجة، وعند تضايق البلاء، يكون الرخاء، ولا أبالي أي الأمرين نزل بي عسر أم يسر، لأن كل واحد منـهما يزول بصاحبه.
المنصور العباسي يحول بين الإمام الصادق وبين الحج أخبرني أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامـهرمزي، خليفة أبي على القضاء بها، قال: حدثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي الفضل بن محمد اليزيدي، قال:

أراد جعفر بن محمد الحج، فمنعه المنصور، فقال: الحمد لله الكافي، سبحان الله الأعلى، حسبي الله وكفى، ليس من الله منجى، ما شاء الله قضى، ليس وراء الله منتهى، توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا وهو آخذ بناصيتها، إن ربي على سراط مستقيم، اللهم إن هذا عبد من عبيدك، خلقته كما خلقتني، ليس له علي فضل، إلا ما فضلته علي به، فاكفني شره، وارزقني خيره، واقدح لي في قلبه المحبة، واصرف عني أذاه، لا إله إلا أنت، سبحان الله رب العرش العظيم، وصلى الله على محمد النبي وعلى آله وسلم كثيراً.
قال: فأذن له المنصور في الحج.

الباب الثالث من بشر بفرج من نطق فال ونجا من محنة بقول أو دعاء أو ابتهال أعرابية ذهب البرد بزرعها فعوضت خيرا ً
أخبرني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي بالبصرة سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، قراءة عليه وأنا أسمع، عن البرقي، قال: رأيت امرأة بالبادية، وقد جاء البرد فذهب بزرع كان لها، فجاء الناس يعزونـها، فرفعت طرفها إلى السماء، وقال: اللهم أنت المأمول لأحسن الخلف، وبيدك التعويض عما تلف، فافعل بنا ما أنت أهله، فإن أرزاقنا عليك، وآمالنا مصروفة إليك.
قال: فلم أبرح، حتى جاء رجل من الأجلاء، فحدث بما كان، فوهب لها خمسمائة دينار.
المعتضد يتخلص من سجنـه ويبطش بالوزير إسماعيل بن بلبل وحدثني أبي في المذاكرة، من لفظه وحفظه، ولم أكتبه عنـه في الحال، وعلق بحفظي، والمعنى واحد، ولعل اللفظ يزيد أو ينقص، عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن حمدون، لا أظن إلا أنـه هو سمعه منـه، أو حدثه من سمعه من عبد الله بن أحمد بن حمدون نديم المعتضد بالله، عن المعتضد، أنـه قال: لما ضرب إسماعيل بن بلبل بيني وبين أبي الموفق، فأوحشـه مني، حتى حبسني الحبسة المشـهورة، وكنت أتخوف القتل صباحاً ومساءً، ولا آمن أن يرفع إسماعيل عني، ما يزيد في غيظ الموفق علي، فيأمر بقتلي.
فكنت كذلك، حتى خرج الموفق إلى الجبل، فازداد خوفي، وأشفقت أن يحدثه عني إسماعيل بكذب، فيجعل غيبته طريقاً إليه، فلا يكشفه، ويأمر بقتلي، فأقبلت على الدعاء، والتضرع إلى الله، والابتهال في تخليصي.
وكان إسماعيل يجيئني في كل يوم، مراعياً خبري، ويريني أن ذلك خدمة لي.
فدخل إلي يوماً: وبيدي المصحف، وأنا أقرأ، فتركته، وأخذت أحادثه.
فقال: أيها الأمير، أعطني المصحف لأتفاءل لك به، فلم أجبه بشيء.
فأخذ المصحف، ففتحه، فكان في أول سطر منـه: " عسى ربّكم أن يهلك عدوّكم، ويستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تعملون " ، فاسود وجهه، واربد، وخلط الورق.
وفتحه الثانية، فخرج " ونريد أن نمنّ على الّذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أثمّة ونجعلهم الوارثين " .. إلى قوله: يحذرون، فازداد قلقاً واضطراباً.
وفتحه الثالثة، فخرج " وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الّذين من قبلهم " .
فوضع المصحف من يده، وقال: أيها الأمير، أنت والله الخليفة، بغير شك، فما حق بشارتي ؟ فقلت: الله، الله، في أمري، احقن دمي، أسأل الله أن يبقي أمير المؤمنين، والأمير الناصر، وما أنا وهذا ؟ ومثلك في عقلك، لا يطلق مثل هذا القول بمثل هذا الاتفاق، فأمسك عني.
وما زال يحدثني، ويخرجني من حديث، ويدخلني في غيره، إلى أن جرى حديث ما بيني وبين أبي، فأقبل يحلف لي بأيمان غليظة، أنـه لم يكن له في أمري صنع، ولا سعاية بمكروه، فصدقته، ولم أزل أخاطبه بما تطيب بـه نفسه، خوفاً من أن تزيد وحشته، فيسرع في التدبير لتلفي، إلى أن انصرف.
ثم صار إلي بعد ذلك، وأخذ في التنصل والاعتذار، وأنا أظهر له التصديق والقبول، حتى سكن، ولم يشك أني معترف ببراءة ساحته.
فما كان بأسرع من أن جاء الموفق من الجبل، وقد اشتدت علته، ومات، فأخرجني الغلمان من الحبس، فصيروني مكانـه، وفرج الله عني، وقاد الخلافة إلي، ومكنني من عدوي إسماعيل بن بلبل، فأنفذت حكم الله فيه.
قال الواثق لا أترك الفرج يموت في حبسي وحدثني علي بن هشام الكاتب، قال: سمعت أبا عبد الله الباقطائي، يقول: سمعت عبيد الله بن سليمان، يقول في وزارته، قال لي أبي:

كنت يوماً في حبس محمد بن عبد الملك الزيات، في خلافة الواثق، آيس ما كنت من الفرج، وأشد محنة وغماً، حتى وردت علي رقعة أخي الحسن بن وهب، وفيها شعر له:
محنٌ أبا ايّوب أنت محلّها ... فإذا جزعت من الخطوب فمن لها
إنّ الّذي عقد الّذي انعقدت بـه ... عقد المكاره فيك يحسن حلّها
فاصبر فإنّ اللّه يعقب فرجة ... ولعلّها أن تنجلي ولعلّها
وعسى تكون قريبة من حيث لا ... ترجو وتمحو عن جديدك ذلّها
قال: فتفاءلت بذلك، وقويت نفسي، فكتبت إليه:
صبّرتني ووعظتني وأنالها ... وستنجلي، بل لا أقول: لعلّها
ويحلّها من كان صاحب عقدها ... ثقة بـه إذ كان يملك حلّها
قال: فلم أصل العتمة ذلك اليوم، حتى أطلقت، فصليتها في داري ولم يمض يومي ذاك، حتى فرج الله عني، وأطلقت من حبسي.
وروي أن هاتين الرقعتين وقعتا بيد الواثق، الرسالة والجواب، فأمر بإطلاق سليمان، وقال: والله، لا تركت في حبسي من يرجو الفرج، ولا سيما من خدمني، فأطلقه على كره من ابن الزيات لذلك.

بين الحسن البصري والحجاج بن يوسف الثقفي وحدثني بعض شيوخنا، بإسناد ذهب عني حفظه، وبلغني عن صالح بن مسمار، فجمعت بين الخبرين: أن الحسن البصري دخل على الحجاج بواسط، فلما رأى بناءه قال: الحمد لله، أن هؤلاء الملوك ليرون في أنفسهم عبراً، وأنا لنرى فيهم عبراً، يعمد أحدهم إلى قصر فيشيده، وإلى فرش فيتخذه، وقد حف بـه ذباب طمع، وفراش نار، ثم يقول: ألا فانظروا ما صنعت، فقد رأينا - يا عدو الله - ما صنعت، فماذا يا أفسق الفسقة، ويا أفجر الفجرة، أما أهل السماء فلعنوك، وأما أهل الأرض فمقتوك.
ثم خرج وهو يقول: إنما أخذ الله الميثاق على العلماء، ليبيننـه للناس، ولا يكتمونـه.
فاغتاظ الحجاج غيظاً شديداً، ثم قال: يا أهل الشام، هذا عبيد أهل البصرة يشتمني في وجهي فلا ينكر عليه أحد، علي به، والله لأقتلنـه.
فمضى أهل الشام، فأحضروه، وقد أعلم بما قال، فكان في طريقه يحرك شفتيه بما لا يسمع.
فلما دخل على الحجاج، رأى السيف والنطع بين يديه وهو متغيظ، فلما وقعت عليه عين الحجاج، كلمـه بكلام غليظ، ورفق بـه الحسن، ووعظه.
فأمر الحجاج بالسيف والنطع فرفعا، ثم لم يزل الحسن يمر في كلامـه، إلى أن دعا الحجاج بالطعام، فأكلا، وبالوضوء فتوضأ، وبالغالية فغلفه بيده، ثم صرفه مكرماً.
وقال صالح بن مسمار: قيل للحسن بن أبي الحسن: بم كنت تحرك شفتيك ؟ قال: قلت: يا غياثي عند دعوتي، ويا عدتي في ملمتي، ويا ربي عند كربتي ويا صاحبي في شدتي، ويا وليي في نعمتي، ويا إلهي، وإله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وموسى، وعيسى، ويا رب النبيين كلهم أجمعين، ويا رب كهيعص، وطه، وطس، ويس، ورب القرآن الحكيم يا كافي موسى فرعون، ويا كافي محمد الأحزاب، صل على محمد وآله الطيبين الطاهرين الأخيار، وارزقني مودة عبدك الحجاج، وخيره، ومعروفه، واصرف عني أذاه، وشره، ومكروهه، ومعرته.
فكفاه الله تعالى شره بمنـه وكرمـه.
قال صالح: فما دعونا بها في شدة إلا فرج عنا.
الحجاج أبو محمد الحجاج بن يوسف الثقفي 40 - 95: والي العراقين لعبد الملك بن مروان، وهو الذي يضرب بـه المثل في الظلم والجور، ثقفي من نسل أبي رغال اليعقوبي 2 - 274 وأبو رغال، بقية من قوم ثمود، كان قائد الفيل، ودليل الحبشة، لما غزوا الكعبة، فهلك فيمن هلك منـهم، ودفن بين مكة والطائف، ومر النبي صلوات الله عليه، بقبره، فأمر برجمـه، فرجم الأغاني 4 - 303.
وكانت ثقيف، عشيرة الحجاج، من أشد القبائل على رسول الله، فقد تهزأوا به، وقعدوا له صفين، فلما مر بهم رجموه بالحجارة، حتى أدموا رجله، وقال رسول الله: ما كنت أرفع قدماً، ولا أضعها، إلا على حجر اليعقوبي2 - 36، وقال الإمام علي، في إحدى خطبه: لقد هممت أن أضع الجزية على ثقيف الأغاني 4 - 306.
كل ذلك، كان من جملة أسباب حقد الحجاج، على النبي صلوات الله عليه، وعلى أولاده، وبغضه إياهم، حتى ضرب بذلك المثل، قال الشاعر: معجم البلدان 2 - 323
أنا في الحلّة الغداة كأنّي ... علويّ في قبضة الحجّاج

وبلغ من حقده على النبي، أنـه لما دخل المدينة، سماها: نتنة، وقد سماها رسول الله: طيبة، ولما رأى الناس يطوفون بقبر رسول الله ومنبره، قال: إنما يطوفون برمة وأعواد العقد الفريد 5 - 49 يريد بالأعواد: منبر النبي، وبالرمة: جسده الشريف.
وتبع حقده على النبي، حقده على الذين نصروه وآزروه، وهم الأنصار، فكان يسميهم: الأشرار العقد الفريد 5 - 39 وختم أعناق بعض الصحابة منـهم بقصد إذلالهم الطبري 6 - 195 وكان يقول: ويحكم، أخليفة أحدكم في أهله أكرم عليه، أم رسوله إليهم ؟ يشير بذلك إلى أن عبد الملك بن مروان، أكرم على الله من النبي صلوات الله عليه العقد الفريد 5 - 52.
ولد الحجاج بالطائف، وكان والده يؤدب الصبيان العقد الفريد 5 - 13، وجاء مشوهاً، واحتيج إلى إجراء له، لكي يكون في حالة طبيعية مروج الذهب 2 - 97، ونشأ أخفش العينين، دقيق الصوت، شذرات الذهب 1 - 106 والعيون والحدائق 3 - 11 فكان لتشويه بدنـه، وخفش عينيه، ودقة صوته، ووضاعة نشأته، أصل قوي فيما ابتلي بـه من سادية عجيبة، فكان يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته في سفك الدماء وفيات الأعيان 2 - 30 وكان يقول: إني - والله - لا أعلم على وجه الأرض خلقاً هو أجرأ على دم مني العقد الفريد 2 - 176، وكان له في القتل وسفك الدماء غرائب لم يسمع بمثلها وفيات الأعيان 2 - 31، وهو أحد أربعة في الإسلام، قتل كل واحد منـهم أكثر من ألف ألف رجل لطائف المعارف 141، راجع بعض غرائبه في التعذيب وسفك الدماء، في آخر القصة 149 من هذا الكتاب.
وكانت سياسة الحجاج التي سلكها في العراق، من أهم الأسباب التي أدت إلى سقوط الدولة الأموية السيادة العربية 44 ولما مات، خلف في حبسه ثمانين ألفاً، حبسوا بغير جرم، منـهم خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد، ولم يكن لحبسه ستر يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من المطر والبرد في الشتاء مروج الذهب 2 - 128 والعيون والحدائق 2 - 10، وجاء في محاضرات الأدباء 3 - 195 أنـه أحصي من قتلهم الحجاج، سوى من قتل في بعوثه وعساكره وحروبه، فوجدوا مائة وعشرين ألفاً، ووجد في حبسه مائة ألف وأربعة عشر ألف رجل، وعشرون ألف امرأة، منـهم عشرة آلاف امرأة مخدرة، وكان حبس الرجال والنساء في مكان واحد، ولم يكن في حبسه سقف ولا ظل، وربما كان الرجل يستتر بيده من الشمس، فيرميه الحرس بالحجارة، وكان أكثرهم مقرنين بالسلاسل، وكانوا يسقون الزعاف، ويطعمون الشعير المخلوط بالرماد، وكان المسجونون في سجن الحجاج يقرنون بالسلاسل، فإذا قاموا، قاموا معاً، وإذا قعدوا قعدوا معاً الفرج بعد الشدة لابن أبي الدنيا، مخطوط ص 11، ولا يجد المسجون المقيد منـهم، إلا مجلسه، فيه يأكلون، وفيه يتغوطون، وفيه يصلون القصة 87 من هذا الكتاب.
وبلغ من شنيع سمعة الحجاج، وشـهرته بالظلم، أن أبا مسلم الخراساني، الذي اشتهر بقسوته وضراوته على الدم الحرام، حتى قيل إنـه قتل أكثر من ألف ألف رجل لطائف المعارف 141 و 142، قيل في حقه: إنـه حجاج زمانـه مرآة الجنان 1 - 285.
قال الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز: لعن الله الحجاج، فإنـه ما كان يصلح للدنيا ولا للآخرة معجم البلدان 3 - 178 وقال فيه: لو جاءت كل أمة بمنافقيها، وجئنا بالحجاج، لفضلناهم العقد الفريد 5 - 49، وقيل للشعبي: أكان الحجاج مؤمناً ؟ قال: نعم، بالطاغوت، كافراً بالله البصائر والذخائر م 2 ق 1 ص 73، والعقد الفريد 5 - 49، وقيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم كان خيراً أو الحجاج ؟ فقال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيراً من أحد، ولكن الحجاج كان شراً منـه ابن الأثير 5 - 479، وكان الحسن البصري، يسميه: فاسق ثقيف وفيات الأعيان 2 - 374، وقال القاسم ابن محمد بن أبي بكر: كان الحجاج ينقض عرى الإسلام، عروة، عروة العقد الفريد 5 - 49، وقال ابن سيرين: إنـه لم ير أغشم من الحجاج شذرات الذهب 1 - 106.
ووصف الحجاج نفسه بأنـه: حقود، حسود، كنود، فقال له سيده عبد الملك بن مروان: ما في إبليس شر من هذه الخلال نـهاية الأرب 3 - 267.

ولعل أصدق ما وصف بـه الحجاج، ما وصفه بـه سيده عبد الملك بن مروان، فقد كتب إليه يقول: إنك عبد، طمت بك الأمور، فغلوت فيها، حتى عدوت طورك، وجاوزت قدرك، أنسيت حال آبائك في اللؤم، والدناءة في المروءة والخلق ؟ فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين، أصك الرجلين، ممسوح الجاعرتين ابن الأثير 4 - 386.
أما بشأن ما ارتكبه الحجاج من تخريب، بحيث نزلت جباية العراق من مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم، في عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب، إلى ثمانية عشر ألف ألف درهم فقط، فراجع في ذلك حاشية القصة 182 من هذا الكتاب.
وعم شؤم الحجاج، أفراد عائلته من آل أبي عقيل جميعهم، فإنـهم بعد هلاكه، أمر سليمان بن عبد الملك باعتقالهم، وسيرهم إلى العراق، حيث حبسهم صالح بن عبد الرحمن بواسط، وعذبهم حتى قتلهم ابن الأثير 3 - 588 و 589.
ولما استخلف الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز، سير الباقين من آل أبي عقيل إلى البلقاء، وكتب إلى الحارث بن عمر الطائي، عامله عليها: أما بعد، فقد بعثت إليك بآل أبي عقيل، وبئس - والله - أهل البيت في دين الله، وهلاك المسلمين، فأنزلهم بقدر هوانـهم على الله تعالى، وعلى أمير المؤمنين البصائر والذخائر م 2 ق 2 ص 586.

دعاء دعا بـه الحسن بن الحسن ففرج الله عنـه وجدت في بعض الكتب، بغير إسناد: كتب الوليد بن عبد الملك بن مروان إلى صالح بن عبد الله المزني، عامله على المدينة، أن أنزل الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنـهم، فاضربه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خمسمائة سوط.
قال: فأخرجه صالح إلى المسجد، ليقرأ عليهم كتاب الوليد بن عبد الملك، ثم ينزل فيضرب الحسن، فبينما هو يقرأ الكتاب، إذ جاء علي بن الحسين عليهما السلام، مبادراً يريد الحسن، فدخل والناس معه إلى المسجد، واجتمع الناس، حتى انتهى إلى الحسن فقال له: يا ابن عم، ادع بدعاء الكرب.
فقال: وما هو يا ابن عم ؟ قال: قل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.
قال: وانصرف علي، وأقبل الحسن يكررها دفعات كثيرة.
فلما فرغ صالح من قراءة الكتاب ونزل عن المنبر، قال للناس: أرى سحنة رجل مظلوم، أخروا أمره حتى أراجع أمير المؤمنين، وأكتب في أمره.
ففعل ذلك، ولم يزل يكاتب، حتى أطلق.
قال: وكان الناس يدعون، ويكررون هذا الدعاء، وحفظوه.
قال: فما دعونا بهذا الدعاء في شدة إلا فرجها الله عنا بمنـه.
حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني محمد بن سعيد، قال: حدثنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان المري: خذ الحسن بن الحسن، فاجلده مائة جلدة، وقفه للناس يوماً، ولا أراني إلا قاتله.
قال: فبعث إليه فجيء بـه وبالخصوم بين يديه.
فقام إليه علي بن الحسين عليه السلام، فقال: يا أخي تكلم بكلمات الفرج يفرج الله عنك.
قال: ما هن ؟ قال: قل: لا إله إلا الله الحكيم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.
قال: فقالها، فأنفذ، فرده، وقال: أنا أكاتب أمير المؤمنين بعذره، فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
ووجدت هذا الخبر، بأعلى وأثبت من هذين الطريقين، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد الأثرم المقرىء، قال: حدثنا أحمد بن الربيع اللجمي الجرار الكوفي، قال: حدثنا الحسين بن علي، يعني الجعفي، عن والده، عن قدامة، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني أبو مصعب، قال: كتب عبد الملك إلى عامله بالمدينة هشام بن إسماعيل: أن حسن بن حسن، كاتب أهل العراق، فإذا جاءك كتابي هذا، فابعث إليه بشرط، فليأتوا به.
قال: فأتي به، فسأله عن شيء.
فقام إليه علي بن الحسين عليهما السلام، فقال: يا ابن عم، قل كلمات الفرج، لا إله إلا الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين، قال: فقالها.
ثم إن الأمير نظر إلى وجهه، فقال: أرى وجهاً قد قرف بكذبة، خلوا سبيله فلأراجعن أمير المؤمنين فيه.
دعاء ينجي من المحنة

حدثني علي بن أبي الطيب، قال: حدثني ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، عن الفضل بن يعقوب، قال: حدثنا الفريابي، قال: لما أخذ أبو جعفر إسماعيل بن أمية، أمر بـه إلى الحبس، فرأى في طريقه على حائط مكتوباً: يا وليي في نعمتي، ويا صاحبي في وحدتي، ويا عدتي في كربتي، قال: فلم يزل يكررها حتى خلى سبيله، فاجتاز بذلك الحائظ فإذا ليس عليه شيء مكتوب.
أجار حيةً فأرادت قتله فخلصه جميل صنعه
ويروى: أن حية استجارت برجل من العباد، من رجل يريد قتلها، قال: فرفع ذيله، وقال: ادخلي، فتطوقت على بطنـه.
وجاء رجل بسيف، وقال له: يا رجل، حية هربت مني الساعة، أردت قتلها، فهل رأيتها ؟ قال: ما أرى شيئاً.
فلما أجارها، وانصرف من يريد قتلها، قالت له الحية: لا بد من قتلك.
فقال لها الرجل: ليس غنى عن هذا ؟ قالت: لا.
قال: فأمـهليني، حتى آتي سفح جبل، فأصلي ركعتين، وأدعو الله تعالى، وأحفر لنفسي قبراً، فإذا نزلته، فافعلي ما بدا لك.
قالت: افعل.
فلما صلى، ودعا، أوحى الله إليه: إني قد رحمتك، فاقبض على الحية، فإنـها تموت في يدك، ولا تضرك.
ففعل ذلك، وعاد إلى موضعه، وتشاغل بعبادة ربه.
وروى هذا الخبر، جعفر العابد، برامـهرمز، على غير هذه السياقة، إلا أن المعنى متقارب، فأوردت ما بلغني من ذلك، فقال: قرأت في كتب الأوائل، أن حية أفلتت من يد طالب لها ليقتلها، وأنـها سألت الرجل أن يخبأها، فخبأها في فمـه، وأنكرها للطالب لها.
وحدثني عبد الله بن الحارث بن السراج الواسطي، قال: حدثني بعض أصحاب أبي محمد سهل بن عبد الله التستري، عنـه، قال: كان في بني إسرائيل، رجل في صحراء قريبة من جبل، يعبد الله تعالى، إذ مثلت له حية، فقالت له: قد أرهقني من يريد قتلي، فأجرني، أجارك الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله.
قال لها: وممن أجيرك ؟ قالت: من عدو يريد قتلي.
قال: وممن أنت ؟ قالت: من أهل لا إله إلا الله.
قال: فأين أخبيك ؟ قالت: في جوفك، إن كنت تريد المعروف.
ففتح فاه، وقال: ادخلي، ففعلت.
فلما جاء الطالب، قال له: رأيت حيةً تسعى ؟ فقال العابد: ما أرى شيئاً، وصدق في ذلك.
فقال له الطالب: الله.
فقال: الله.
فتركه، ومضى، ثم قال لها: اخرجي الآن.
فقالت: إني من قوم لا يكافئون على الجميل إلا بقبيح.
ثم ساق الحديث على قريب مما تقدم.
ووقع إلي الخبر بقريب من هذا المعنى، على خلاف هذه السياقة: قرىء على أبي العباس الأثرم، المقرىء البغدادي، وهو محمد بن أحمد بن حماد بن إبراهيم بن ثعلب، في منزله بالبصرة، في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، وأنا حاضر أسمع، حدثكم علي بن حرب الطائي الموصلي، قال: حدثنا جعفر بن المنذر الطائي العابد بمـهروبان، قال: كنت عند سفيان بن عيينة، فالتفت إلى شيخ حضار، فقال له: حدث القوم بحديث الحية.
فقال الرجل: حدثني عبد الجبار، أن حميد بن عبد الله خرج إلى متعبده، فمثلت بين يديه حية، وقالت له: أجرني أجارك الله في ظله.
قال: وممن أجيرك ؟ قالت: من عود يريد قتلي.
قال: فأين أخبئك ؟ قالت: في جوفك.
ففتح فاه، فما استقرت، حتى وافاه رجل بسيف مجرد، فقال له: يا حميد أين الحية ؟ قال: ما أرى شيئاً.
فذهب الرجل، فأطلعت الحية رأسها، وقالت: يا حميد أتحس الرجل ؟ فقال: لا، قد ذهب، فاخرجي.
قالت: اختر مني إحدى خصلتين، إما أن أنكتك نكتةً فأقتلك، أو أفرث كبدك، فترميه من دبرك قطعاً.
فقال: والله، ما كافيتني.
فقال: قد عرفت العداوة التي بيني وبين أبيك آدم قديماً، وليس معي مال فأعطيك ولا دابة فأحملك عليها.
فقال: امـهليني، حتى آتي سفح الجبل، وأحفر لنفسي قبراً.
قالت له: افعل.
فبينا هو يسير إذ لقيه فتى حسن الوجه، طيب الريح، حسن الثياب، فقال له: يا شيخ، ما لي أراك مستسلماً للموت، آيساً من الحياة ؟ قال: من عدو في جوفي يريد هلاكي.
فاستخرج من كمـه شيئاً فدفعه إليه وقال: كله.
قال: ففعلت ذلك، فوجدت مغصاً شديداً، ثم ناولني شيئاً آخر، فإذا بالحية سقطت من جوفي قطعاً.
فقلت له: من أنت يرحمك الله ؟ فما أحد أعظم علي منة منك

فقال: أنا المعروف، إن أهل السماء رأوا غدر هذه الحية بك، فسألوا الله عز وجل، أن يعيذك، فقال لي الله تعالى: يا معروف، أدرك عبدي، فإياي أراد بما صنع.

أهدر عبد الملك دمـه فدعا فأمنـه وأحسن إليه بلغني أنـه جنى رجل جناية على عهد عبد الملك بن مروان، فأهدر دمـه ودم من يؤويه، وأمر بطلبه، فتحاماه الناس كلهم.
فكان يسيح في الجبال والبراري، ولا يذكر اسمـه، فيضاف اليوم واليومين، فإذا عرف طرد ولم يدع أن يستقر.
قال الرجل: فكنت أسيح يوماً في بطن واد، فإذا بشيخ أبيض الرأس واللحية، عليه ثياب بياض، وهو قائم يصلي، فقمت إلى جنبه.
فلما سلم انفتل إلي، وقال لي: من أنت ؟ قلت: رجل أخافني السلطان، وقد تحماني الناس، فلم يجرني أحد من خلق الله تعالى، فأنا أسيح في هذه البراري، خائفاً على نفسي.
قال: فأين أنت عن السبع ؟ قلت: وأي سبع ؟ قال: تقول: سبحان الله الإله الواحد، الذي ليس غيره أحد، سبحان الدائم الذي ليس يعادله شيء، سبحان الدائم القديم، الذي لا ند له ولا عديل، سبحان الذي يحيي ويميت، سبحان الذي هو كل يوم في شأن، سبحان الذي خلق ما يرى، وما لا يرى، سبحان الذي علم كل شيء بغير تعليم، أللهم إني أسألت بحق هذه الكلمات وحرمتهن، أن تفعل بي كذا وكذا، وأعادهن علي، فحفظتهن.
قال الرجل: وفقدت صاحبي، فألقى الله تعالى الأمن في قلبي، وخرجت من وقتي متوجهاً إلى عبد الملك، فوقفت ببابه، واستأذنت عليه، فلما دخلت عليه، قال: أتعلمت السحر ؟ قلت: لا، يا أمير المؤمنين، ولكن كان من شأني كذا وكذا، وقصصت عليه القصة.
فأمنني، وأحسن إلي.
أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي 26 - 86 استعمله معاوية على المدينة، وهو ابن ست عشرة سنة، وكان أحد فقهاء المدينة المعدودين، انتقلت إليه الخلافة بموت أبيه، وقد ناهز الأربعين، فلما بشر بها، أطبق المصحف، وقال: هذا فراق بيني وبينك تاريخ الخلفاء 217، الفخري 122، فوات الوفيات 2 - 32. من محاسنـه أنـه نقل الدواوين من الفارسية، والرومية، إلى العربية، وسك الدنانير في الإسلام، ومن سيئاته أنـه سلط الحجاج بن يوسف الثقفي، الظالم السيء الصيت، على الناس، فولاه الحجاز أولاً، ثم العراق، فقتل العباد، وخرب البلاد أحسن التقاسيم 133 وواسطة السلوك 29، والسيادة العربية 44، وهو أول من غدر في الإسلام، آمن عمرو بن سعيد الأشدق، ثم قتله العقد الفريد 1 - 79 و 4 - 409، وأول من نـهى عن الأمر بالمعروف في الإسلام، قال في إحدى خطبه: والله، لا يأمرني أحد بتقوى الله، إلا ضربت عنقه فوات الوفيات 2 - 33 وتاريخ الخلفاء 219، ومنع أهل الشام من الحج إلى مكة، وبنى قبة الصخرة في بيت المقدس، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها، بدلاً من الكعبة، وأقام الناس على ذلك أيام بني أمية اليعقوبي 2 - 261، وقد لخص عبد الملك سياسته، في خطبة له، قال: إن من كان قبلي من الخلفاء، كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال، ألا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف تاريخ الخلفاء 218 ولما حضره الموت جعل يضرب على رأسه بيده، ويقول: وددت أني كنت منذ ولدت إلى يومي هذا حمالاً تاريخ الخلفاء 220 وابن الأثير 4 - 521، راجع أخباره في تاريخ الخلفاء 216 - 220 والعقد الفريد 4 - 25 و 399، و 5 - 103 و 6 - 99 وتاريخ اليعقوبي 2 - 273 والهفوات النادرة 42.
يا كاشف الضر بك استغاث من اضطر وأخبرني صديق لبي: أن بعض أصحابنا من الكتاب، دفع إلى محنة صعبة، فكان من دعائه: يا كاشف الضر، بك استغاث من اضطر.
قال: وقد رأيته نقش ذلك على خاتمـه، وكان يردد الدعاء به، فكشف الله محنته عن قريب.
سليمان بن وهب يتخلص من حبسه بدعاء صادف استجابة حدثني علي بن هشام، قال: سمعت أبا عبد الله حمد بن محمد القنائي، ابن أخت الحسن بن مخلد.
قال مؤلف هذا الكتاب: قال لي أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى، في كلام جرى بيننا - غير هذا - طويل: كان حمد بن محمد هذا، ابن عمة الحسن بن مخلد، وكان أبي عرفني أنـه أشار على المقتدر بالله، وقد استشاره فيمن يقلده الوزارة، فأسميت له حمد بن محمد هذا، وأبا عيسى أخا أبي صخرة، وأبا زنبور، ومحمد بن علي المادرائيين.

قال: سمعت عبيد الله بن سليمان بن وهب، يقول: كان المتوكل، أغيظ الناس على إيتاخ، وذكر حديثاً طويلاً، وصف فيه كيف قبض المتوكل على إيتاخ وابنيه ببغداد، لما رجع من الحج، بيد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، قال فيه: قال سليمان بن وهب: ساعة قبض على إيتاخ ببغداد، قبض علي بسر من رأى، وسلمت إلى عبيد الله بن يحيى.
وكتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم، ب سر من رأى، ليتقوى بـه على الأتراك، لأنـه كان معه بضعة عشر ألفاًن ولكثرة الطاهرية، بخراسان، وشدة شوكتهم.
فلما دخل إسحاق سامراء، أمر المتوكل بتسليمي إليه، وقال: هذا عدوي: ففصل لحمـه عن عظمـه، هذا كان يلقاني في أيام المعتصم، فلا يبدأني بالسلام فأبدأه بـه لحاجتي إليه، فيرد علي كما يرد المولى على عبده، وكل ما دبره إيتاخ، فعن رأيه.
فأخذني إسحاق، وقيدني بقيد ثقيل، وألبسني جبة صوف، وحبسني في كنيف، وأغلق علي خمسة أبواب، فكنت لا أعرف الليل من النـهار.
فأقمت على ذلك عشرين يوماً، لا يفتح علي الباب إلا دفعة واحدة في كل يوم وليلة، يدفع إلي فيها خبز وملح جريش، وماء حار، فكنت آنس بالخنافس، وبنات وردان، وأتمنى الموت من شدة ما أنا فيه.
فعرض لي ليلة من الليالي، أن أطلت الصلاة، وسجدت، فتضرعت إلى الله تعالى، ودعوته بالفرج، وقلت في دعائي: أللهم، إن كنت تعلم أنـه كان لي في دم نجاح بن سلمة صنع، فلا تخلصني مما أنا فيه، وإن كنت تعلم أنـه لا صنع لي فيه، ولا في الدماء التي سفكت، ففرج عني.
فما استتممت الدعاء، حتى سمعت صوت الأقفال تفتح، فلم أشك أنـه القتل، ففتحت الأبواب، وجيء بالشمع، وحملني الفراشون، لثقل حديدي.
فقلت لحاجبه: سألتك بالله، اصدقني عن أمري.
فقال: ما أكل الأمير يوماً شيئاً، لأنـه أغلظ عليه في أمرك، وذلك أن أمير المؤمنين وبخه بسببك، وقال: سلمت إليك سليمان بن وهب تسمنـه أو تستخرج ماله ؟ فقال الأمير: أنا صاحب سيف، ولا أعرف المناظرة على الأموال ووجوهها، ولو قرر أمره على شيء لطالبته به.
فأمر أمير المؤمنين الكتاب بالاجتماع عند الأمير لمناظرتك، وإلزامك مالاً يؤخذ بـه خطك، وتطالب به، وقد اجتمعوا، واستدعيت لهذا.
قال: فحملت إلى المجلس، فإذا فيه موسى بن عبد الملك، صاحب ديوان الخراج، والحسن بن مخلد، صاحب ديوان الضياع، وأحمد بن إسرائيل الكاتب، وأبو نوح عيسى بن إبراهيم، كاتب الفتح بن خاقان، وداود بن الجراح، صاحب الزمام، فطرحت في آخر المجلس.
فشتمني إسحاق أقبح شتم، وقال: يا فاعل، يا صانع، تعرضني لاستبطاء أمير المؤمنين، والله، لأفرقن بين لحمك وعظمك، ولأجعلن بطن الأرض أحب إليك من ظهرها، أين الأموال ؟.
فاحتججت بنكبة ابن الزيات لي.
فبدرني الحسن بن مخلد، فقال: أخذت من الناس أضعاف ما أديت، وعادت يدك إلى كتبة إيتاخ، فأخذت ضياع السلطان، واقتطعتها لنفسك، وحزتها سرقة إليك، وأنت تغلها ألفي ألف درهم، وتتزيا بزي الوزراء، وقد بقيت عليك من تلك المصادرة جملة لم تؤدها، وأخذت الجماعة تواجهني بكل قيح، إلا موسى بن عبد الملك، فإنـه كان ساكتاً لصداقة كانت بيني وبينـه.
فأقبل من بينـهم على إسحاق، وقال: يا سيدي، أتأذن لي في الخلوة بـه لأفصل أمره ؟ قال: افعل.
فاستدناني، فحملت إليه، فسارني، وقال: عزيز علي يا أخي، حالك، وبالله لو كان خلاصك بنصف ما أملكه لفديتك به، ولكن صورتك قبيحة، وما أملك إلا الرأي، فإن قبلت مني، رجوت خلاصك، وإن خالفتني، فأنت - والله - هالك.
قال: فقلت: لا أخالفك.
فقال: الرأي أن تكتب خطك بعشرة آلاف ألف درهم، تؤديها في عشرة أشـهر، عند انقضاء كل شـهر ألف ألف درهم، وتترفه عاجلاً مما أنت فيه.
فسكت سكوت مبهوت، فقال لي: ما لك ؟ فقلت له: والله، ما أرجع إلى ربعها، إلا بعد بيع عقاري، ومن يشتري مني وأنا منكوب، وكيف يتوفر لي الثمن وأنا على هذه الحالة ؟.
فقال: أنا أعلم أنك صادق، ولكن احرس نفسك عاجلاً يعظم ما تبذله، ويطمع فيه من جهتك، وأنا من وراء الحيلة لك في شيء أميل بـه رأي الخليفة من جهتك، يعود إلى صلاحك، والله المعين، ومن ساعة إلى ساعة فرج، ولا تتعجل الموت، ولو لم تستفد إلا الراحة مما أنت فيه يوماً واحداً، لكفى.
قال: فقلت: لست أتهم ودك ولا رأيك، وأنا أفعل ما تقول.

فأقبل على الجماعة، وقال: يا سادتي، إني قد أشرت عليه أن يكتب خطه بشيء لا يطيقه، فضلاً عما هو أكثر منـه، ورجوت أن نعاونـه بأموالنا وجاهنا، ليمشي أمره، وقد واقفته ليكتب بكذا وكذا.
فقالوا: الصواب له أن يفعل هذا.
فدعا لي بدواة وقرطاس، وأخذ خطي بالمال على نجومـه، فلما أخذه، قام قائماً، وقال لإسحاق: يا سيدي، هذا رجل قد صار عليه للسلطان - أعزه الله - مال، وسبيله أن يرفه، وتحرس نفسه، وينقل من هذه الحال ويغير زيه، ويرد جاهه، بإنزاله داراً كبيرة، وإخدامـه بفرش وآلة حسنة، وإخدامـه خداماً بين يديه، ويمكن من لقاء من يؤثر لقاءه من معامليه، ومن يحب لقاءه من أهله وولده وحاشيته، ليجد في حمل المال الحال عليه، قبل محله، ونعينـه نحن، ويبيع أملاكه، ويرتجع ودائعه ممن هي عنده.
فقال إسحاق: الساعة أفعل ذلك، وأبلغه جميع ما ذكرت، وأمكنـه منـه، ونـهضت الجماعة.
فأمر إسحاق بفك حديدي، وإدخالي ال، وجاءني بخلعة حسنة، وطيب، وبخور، فاستعملته، واستدعاني، فلما دخلت عليه، نـهض إلي، ولم يكن في مجلسه أحد، واعتذر إلي مما خاطبني به، وقال: أنا صاحب سيف، ومأمور، وقد لحقني اليوم من أجلك سماع كل مكروه، حتى امتنعت عن الطعام غماً بأن ابتلى بقتلك، أو يعتب الخليفة علي من أجلك، وإنما خاطبتك بذلك، إقامة عذر عند هؤلاء الأشرار، ليبلغوا الخليفة ذلك، وجعلته وقاية لك من الضرب والعذاب، فشكرته، وقلت ما حضرني من الكلام.
فلما كان من الغد، حولني إلى دار كبيرة، واسعة، حسنة، مفروشة، ووكل بي فيها، على إحسان عشرة وإجلال، فاستدعيت كل من أريده، وتسامع بي أصحابي، فجاؤوني وفرج الله عني.
ومضت سبعة وعشرون يوماً، وقد أعددت ألف ألف درهم، مال النجم الأول، وأنا أتوقع أن يحل، فأطالب، فأؤديه، فإذا بموسى بن عبد الملك قد دخل إلي، فقمت إليه، فقال: أبشر.
فقلت: ما الخبر يا سيدي ؟.
فقال: ورد كتاب عامل مصر، بمبلغ مال مصر لهذه السنة مجملاً في مبلغ الحمل والنفقات، إلى أن ينفذ حسابه مفصلاً، فقرأ عبيد الله ذلك على المتوكل، فوقع إلى ديواني بإخراج العبرة لمصر، ليعرف أثر العامل، فأخرجت ذلك من ديوان الخراج والضياع، لأن مصر تجري في ديوان الخراج والضياع وينفذ حسابها إلى الديوانين، كما قد علمت، وجعلت سنتك التي وليت فيها عمالة مصر، مصدرة، وأوردت بعدها السنين الناقصة عن سنتك، تلطفاً في خلاصك، وجعلت أقول: النقصان في سنة كذا عن سنة كذا وكذا التي صدرناها، كذا وكذا ألفاً.
فلما قرأ عبيد الله العمل على المتوكل، قال: فهذه السنة الوافرة، من كان يتولى عمالتها ؟.
فقلت أنا: سليمان بن وهب يا أمير المؤمنين.
فقال المتوكل: فلم لا يرد إليها ؟ فقلت: وأين سليمان بن وهب ؟ ذاك مقتول بالمطالبة، قد استصفي وافتقر.
فقال: تزال عنـه المطالبة، ويعان بمائة ألف درهم، ويعجل إخراجه.
فقلت: وترد ضياعه يا أمير المؤمنين، ليرجع جاهه.
قال: ويفعل ذلك، وقد تقدم إلى عبيد الله بهذا، واستأذنته في إخراجك، فأذن لي، فقم بنا إلى الوزير، وقد كان دخل إلى إسحاق برسالة الخليفة بإطلاقي.
فخرجت من وقتي، ولم أؤد من مال النجم الأول حبة واحدة، ورددته إلى موضعه.
وجئت إلى عبيد الله، فوقع لي بمائة ألف درهم معونة على سفري، ودفع إلي عهدي على مصر، فخرجت إليها.

المتوكل أبو الفضل جعفر المتوكل بن أبي إسحاق محمد المعتصم 207 - 247: لم يكن المتوكل أكبر أولاد المعتصم، ولذلك فإنـه لم يعد في نشأته إعداداً يؤهله للموضع الذي وضعته الظروف فيه.
وعندما توفي الواثق، واجتمع رجال الدولة يتذاكرون فيمن يرشح للحكم، كان المتوكل - إذ ذاك - في قميص وسراويل قاعداً مع أبناء الأتراك، يتساءل ما الخبر ؟ الطبري 9 - 154.
وكان وهو شاب له شعر قفا في زي المخنثين الطبري 9 - 157، غير أن وفاة أخيه الواثق، وعدم وجود خلف له في سن تؤهله للحكم، اضطر رجال الدولة إلى اختيار المتوكل خلفاً لأخيه، وأصر القاضي النبيل أبو عبد الله أحمد بن أبي داؤد على مبايعته، وألبسه الطويلة، وع بيده الطبري 9 - 154، وكان جزاؤه منـه على ذلك أن قبض ضياعه وضياع أولاده، وأجبرهم على الإقرار والإشـهاد ببيعها، وحبس أولاده، ثم نفاهم عن سامراء، ولم يحبس القاضي لأنـه كان مشلولاً طريح الفراش الطبري 9 - 189.

ولما تولى الحكم ساس المملكة سياسة صبيانية خرقاء، قوامـها التعصب والنزق، وهو أول من أظهر من بني العباس الانـهماك على الشـهوات، وكان أصحابه يسخفون ويسفون بحضرته، وكان يهاتر الجلساء، ويفاخر الرؤساء زهر الآداب 1 - 252 وكان أول خليفة ظهر في مجلسه اللعب والمضاحيك مروج الذهب 2 - 391 وكان له مضحكان، اسم أولهما شعرة، واسم الثاني: بعرة البصائر والذخائر م 1 ص 25 وكان يستطيب معاشرة المخنثين ومجالستهم الملح والنوادر 282 وكان قد بسط نديمـه عبادة المخنث، الذي كان مجاهراً بالعهر والبغاء البصائر والذخائر م 4 ص 65، بحيث أباح له أن يدخل عليه وهو نائم مع نسائه الملح والنوادر 148، وكان أبو الشبل البرجمي قد نفق عليه بإيثاره العبث الأغاني 14 - 193 تجارب الأمم 6 - 556 وغضب على نديمـه أحمد بن إبراهيم بن حمدون، فنفاه إلى تكريت، ثم قطع أذنيه معجم الأدباء 1 - 365، وكان قد غضب على إبراهيم بن حمدون، والد أحمد، إذ اتهمـه بأنـه قد حزن لموت الواثق، فأمر بنفيه إلى السند، وأن يضرب ثلثمائة سوط معجم الأدباء 1 - 368 ولاطف أحد ندمائه، فأمر بأن تدخل في أسته فجلة الهفوات النادرة رقم 218 ص 230.
وكان شديد البغض للإمام علي وأهل بيته، يقصد من يتولى علياً وأهله، بالقتل والمصادرة، بحيث كان اتهام الإنسان بالتشيع لآل علي، في أيامـه، كافياً لقتله وفيات الأعيان 5 - 340 وكرب قبر الحسين الشـهيد، وعفى آثاره، ووضع على سائر الطريق مسالح، لا يجدون أحداً زاره إلا أتوه به، فقتله، أو أنـهكه عقوبة مقاتل الطالبيين 597، وفوات الوفيات 1 - 203 وتاريخ الخلفاء 347 والطبري 9 - 185 وذكر أنـه كان يكره من تقدمـه من الخلفاء: المأمون، والمعتصم، والواثق، لمحبتهم علياً وأهل بيته ابن الأثير 7 - 56.
وكان يظهر من سب الإمام علي، والاستهزاء بذكره كثيراً خلاصة الذهب المسبوك 226 وكان نديمـه عبادة المخنث، ي بين يديه، والمغنون يغنون: أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين ابن الأثير 7 - 55 وبلغه أن أمير مصر، ضرب رجلاً عشر درر، فاستحلفه بحق الحسن والحسين أن يكف عنـه، فكتب إلى الأمير أن يجلده مائة جلدة الولاة والقضاة للكندي 203 وبلغه أن أبا عمر الجهضمي، روى حديثاً عن النبي صلوات الله عليه أثنى فيه على الحسن والحسين وأبيهما وأمـهما، فأمر بضربه ألف سوط تاريخ بغداد للخطيب 13 - 287 و 288 وغضب ولده المنتصر، يوماً، من استهزاء عبادة المخنث بعلي، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الذي يحكيه هذا الكلب، ويضحك منـه الناس، هو ابن عمك، وشيخ أهل بيتك، وبه فخرك، فكل أنت لحمـه، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منـه، فقال المتوكل للمغنين: غنواً جميعاً: ابن الأثير 7 - 55
غادر الفتى لابن عمّه ... رأس الفتى في حر أمّه
وقتل ابن السكيت إمام اللغة والأدب، لأنـه أثنى على الحسن والحسين ابن الأثير 7 - 91 وغضب على قاضي القضاة بمصر، فأمر بأن تحلق لحيته، وأن يطاف بـه على حمار وأن يضرب في كل يوم عشرين سوطاً تاريخ الخلفاء 347.
واستعمل على المدينة ومكة، عمر بن فرج الرخجي، لمعرفته بنصبه وبغضه علياً ابن الأثير 7 - 56، فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس، ومنع الناس من البر بهم، وكان لا يبلغه أن أحداً بر أحداً منـهم بشيء - وإن قل - إلا أنـهكه عقوبة، وأثقله غرماً، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات، يصلين فيه، واحدة بعد واحدة، ثم يرفعنـه ويجلسن إلى مغازلهن، عواري، حواسر، إلى أن قتل المتوكل، فعطف عليهم المنتصر، وأحسن إليهم مقاتل الطالبيين 599 ووصفت للمتوكل عائشة بنت عمر بن فرج الرخجي، فوجه في جوف الليل، والسماء تهطل، إلى عمر، أن احمل إلي عائشة، فسأله أن يصفح عنـها، فأبى، وحملها إليه في الليل، فوطئها، ثم ردها إلى منزل أبيها المحاسن والأضداد 118.

وأنفق على بناء قصوره في سامراء، أربعة وعشرين ألف ألف دينار الديارات 364 - 371، وكان المصروف على ثلاثة منـها مائة ألف ألف درهم مروج الذهب 2 - 418، وصرف في حفلة ختان ولده المعتز ستة وثمانين ألف ألف درهم الديارات 150 - 157 وبلغ ما نثره في تلك الحفلة على المغنين والمغنيات، عشرين ألف ألف درهم، وحصل في ذلك اليوم للمزين الذي ختن المعتز، نيف وثمانون ألف دينار، سوى الصياغات والخواتم والجواهر والعدات الديارات 155 و 156. ورغب يوماً أن يعمل الشاذ كلاه، بأن يشرب على الورد، ولم يكن موسم ورد، فأمر فسك له خمسة آلاف ألف درهم، وأن تلون، وتنثر مكان الورد، لكي يشرب عليها.
وكان قد بايع لولده المنتصر، ثم المعتز، ثم المؤيد ابن الأثير 7 - 49 ثم رغب في تقديم المعتز، لمحبته لأمـه، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد، فأبى، فكان يحضره مجلس العامة، ويحط منزلته، ويتهدده ويشتمـه تاريخ الخلفاء 350 ويطلب من الفتح أن يلطمـه الطبري 9 - 225 وتجارب الأمم 6 - 555، وابن الأثير 7 - 97 وأمر المتوكل بقبض ضياع وصيف، وإقطاعها الفتح بن خاقان على الفتك بوصيف، وبغا، وبابنـه المنتصر، تجارب الأمم 6 - 554، واشتد عبثه، قبل قتله بيومين، بابنـه المنتصر، مرة يشتمـه، ومرة يسقيه فوق طاقته، ومرة يأمر بصفعه، ومرة يتهدده بالقتل الطبري 9 - 225 فاضطر المنتصر أن يشاور بعض الفقهاء وأن يعلمـهم بمذاهب أبيه، وحكى عنـه أموراً قبيحة، فأفتوه بقتله، فاتفق مع الأتراك، وقتلوه تاريخ الخلفاء 350.
وقد كان تصرف المتوكل مع أولاده، ومع قواده، ومع حاشيته، ومع رعيته، لا بد أن يؤدي بـه إلى النـهاية التي انتهى إليها، ففتح بذلك على من خلفه من الخلفاء، وعلى من يلوذ بهم من رجال الدولة، باباً استحال سده، وكان فاتحة لما أصيب بـه الخلفاء من بعده، والوزراء، وسائر رجال الدولة، من قتل، وسمل، وتشريد، وامتهان.

الديوان الديوان، كلمة كانت في الأصل تطلق على جريدة الحساب، ثم أطلقت على الحساب، ثم على الموضع الذي يجري فيه الحساب المنجد.
وأول من دون الدواوين في الإسلام، الخليفة أبو حفص عمر بن الخطاب الطبري 4 - 209 والفخري 83 والأعلام 5 - 204 والمنجد وكتب فيه الناس على قبائلهم، وفرض لهم العطاء الطبري 4 - 209، وكان يحمل دواوين القبائل بين مكة والمدينة، فيوزع بيده العطاء على الصغير والكبير الطبري 4 - 210.
ثم اتسعت رقعة الدولة، ومصرت الأمصار، فأصبح للمدينة ديون الطبري 6 - 180 وللكوفة ديوان، وللبصرة ديوان الطبري 6 - 179، وأحدث معاوية بن أبي سفيان 35 - 60 ديوان الخاتم، وأمر أن تثبت فيه نسخة من كل توقيع يصدره، كما رتب البريد الذي أصبح من بعد ذلك ديواناً مـهماً من دواوين الدولة الفخري 107 و 108 وقلد الدواوين الأخرى كتاباً منـهم سرجون الرومي، قلده ديوان الخراج الطبري 6 - 180.
وفي أيام عبد الملك بن مروان 65 - 86، نقلت الدواوين من الرومية والفارسية، إلى العربية الأعلام 4 - 312 والفخري 122 واستعان أولاده بمواليهم، فنصبوهم كتاباً على الدواوين الطبري 6 - 180، وكانت الدواوين في أيام بني أمية، مقتصرة على دواوين الأصول، ولم تكن في أيامـهم دواوين أزمة الطبري 8 - 167.
وفي أيام الخلافة العباسية، اتسعت الدواوين، وتشعبت، ولما استقرت الأمور في أيام المـهدي، قلد الدواوين عمر بن بزيع، وتفكر، فوجد أنـه لا يمكن أن يضبطها، لتعددها، واتساع أعمالها، فاتخذ دواوين الأزمة، وولى كل ديوان رجلاً الطبري 8 - 167 فأصبح لكل ديوان من دواوين الأصول، ديوان زمام يراقبه، ويشرف على أعماله وزراء 294، ثم اتخذ المـهدي ديواناً، أسماه: ديوان زمام الأزمة الطبري 8 - 167 يظهر من اسمـه، أنـه كان يراقب ويشرف على دواوين الأزمة.
وكان توقيع الخليفة ينقل إلى ديوان التوقيع، وبعد التحقق من صحة التوقيع، وتخليد نسخته في الديوان، ينقل إلى ديوان الزمام وزراء 203، ويقابله الآن في العراق، ديوان مراقب الحسابات العام، فإن أقره صاحب الديوان، نقل إلى حيث يجري تنفيذه، وإذا كان التوقيع أمراً بصرف مال، نقل إلى ديوان بيت المال، ويقابله الآن في العراق، مديرية الخزينة المركزية، حيث يتم تسليم التوقيع، وتسلم المال.

ثم انقسم ديوان بيت المال إلى ديوانين، واحد للعامة وزراء 208 وآخر للخاصة وزراء 141، وانقسم ديوان الضياع إلى ديوانين، واحد للضياع العامة، وآخر للضياع الخاصة وزراء 33، وهي الضياع العائدة للخليفة والأمراء من أهل بيته، وعليه ديوان زمام خاص وزراء 284 ثم أضيفت إلى ديوان الضياع الخاصة، الضياع المستحدثة وزراء 340، ورتب لديوان الإعطاء، وهو ديوان الجيش وزراء 164 مجالس للتفرقة، يقوم فيها بتفريق الأموال، وكلاء عن صاحب الديوان وزراء 26 وعليه ديوان زمام الجيش القصة 8 - 34 من نشوار المحاضرة وللنفقات ديوان وزراء 140 وعليه ديوان زمام النفقات وزراء 380 وكان أبو العباس بن الفرات أحدث ديواناً اسمـه: ديوان الدار وزراء 148 فانتزع الوزير عبيد الله بن سليمان من ذلك الديوان، مجلس المشرق، وجعله ديواناً منفرداً، سماه: ديوان المشرق وزراء 149 وكذلك الوزير القاسم بن عبيد الله، فقد انتزع من ديوان الدار، مجلس المغرب، وجعله ديواناً منفرداً، سماه: ديوان المغرب وزراء 149.
وأحدثت دواوين اقتضت الظروف إحداثها، مثل ديوان البر وزراء 310 وقد أحدثه الوزير أبو الحسن علي بن عيسى بن الجراح، عندما أقنع المقتدر، فوقف على الحرمين والثغور، المستغلات التي يملكها بمدينة السلام، وغلتها ثلاثة عشر ألف دينار، والضياع الموروثة بالسواد، الجارية في ديوان الخاصة، وارتفاعها نيف وثمانون ألف دينار، وديوان المرافق، أي ديوان الرشى، وكان سبب إحداثه أن من سبق من الوزراء، تساهلوا في الجباية، وأنزلوا من بدلات ضمانات الأمصار، مبالغ عظيمة، لقد مبالغ ارتفاق، يؤديها إليهم العمال سراً وزراء 38 فأصبح الارتفاع لا يفي بالنفقات، فأنشأ الوزير ديوان الارتفاق، وأمر العمال أن يبعثوا إليه بالمبالغ التي اتفقوا على إرفاق الوزراء السابقين بها، ليصرفها في أمور الدولة.
وفي السنة 324 لما ضعف أمر الدولة في أيام الراضي، نصب أبا بكر محمد بن رائق، أميراً للأمراء، وقلده إمارة الجيش والخراج والمعادون، وجميع الدواوين، وكان ابن رائق بواسط، فانحدر إليه الكتاب، والحجاب، وأصحاب الدواوين، فبطلت الدواوين من ذلك الحين، وبطلت الوزارة، وأصبح أمير الأمراء هو الناظر في جميع الأمور، وصارت الأموال تحمل إلى خزائنـه، وهو يطلق للخليفة ما يقوم بأوده ابن الأثير 8 - 322 و 323.

دعوة مستجابة حدثني أبو بكر محمد بن إسحاق الأهوازي أحد شـهود أبي بها، عن مسرور بن عبد الله الاستادي، قال: حزبني أمر ضقت بـه ذرعاً، فأتيت يحيى بن خالد الأزرق، وكان مستجاب الدعوة، فرآني مكروباً قلقاً، فقال لي: ما شأنك ؟ فقلت: دفعت إلى كيت وكيت.
فقال لي: استعن بالصبر، فإن الله وعد الصابرين خيراً.
فقلت له: ادع لي، فحرك شفتيه بشيء لا أعلم ما هو، فانصرفت على جملتي من القلق، فلما أصبحت أتاني الفرج بإذن الله تعالى.
قال مؤلف هذا الكتاب: ويحيى بن خالد هذا، هو جد عبد الله بن محمد بن يحيى الأهوازي الكاتب، وعبد الله هذا جدي لأمي.
دعاء لشفاء العلل حدثني عبد الله بن أحمد بن داسه البصري، قال: اعتللت علة شديدة، أيست فيها من نفسي، على شدة كنت فيها، فعادني بعض أصحاب أبي محمد سهل بن عبد الله التستري، فقال: كان أبو محمد سهل، يدعو الله في علله، بدعاء ما دعا بـه أحد إلا عوفي.
فقلت: وما هو ؟ فقال: قل: أللهم اشفني بشفائك، وداوني بدوائك، وعافني من بلائك.
قال: فواصلت الدعاء بذلك، فعوفيت.
غلام نازوك وكتاب العطف حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، بن يعقوب بن إسحاق ابن البهلول التنوخي، عن أبي الحسين بن البواب المقرىء، قال: كان يصحبنا على القرآن، رجل مستور صالح، يكنى أبا أحمد، وكان يكتب كتب العطف للناس، فحدثني يوماً، قال: بقيت يوماً بلا شيء، وأنا جالس في دكاني، وقد دعوت الله أن يسهل قوتي، فما استتممت الدعاء، حتى فتح باب دكاني غلام أمرد، حسن الوجه جداًن فسلم علي وجلس.
فقلت له: ما حاجتك ؟ فقال: أنا عبد مملوك، وقد طردني مولاي، وغضب علي، وقال: انصرف عني إلى حيث شئت، وما أعددت لنفسي من أطرحها عليه في مثل هذا الوقت، ولا أعرف من أقصده، وقد بقيت متحيراً في أمري، وقيل لي إنك تكتب كتب العطف، فاكتب لي كتاباً.

فكتبت له الكتاب الذي كنت أكتبه، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين إلى آخر السورة، والمعوذتين، وسورة الإخلاص، وآية الكرسي، ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل، لرأيته خاشعاً متصدّعاً من خشية اللّه، وتلك الأمثال نضربنا للنّاس، لعلّهم يتفكّرون... إلى آخر السورة، وكتبت آيات العطف، وهي: لو أنفقت ما في الأرض جميعاً، ما ألّفت بين قلوبهم، ولكن اللّه ألّف بينـهم... الآية، ومن آياته أنـه خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودّة ورحمة إلى آخر الآية، واذكروا نعمة اللّه عليكم، إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخواناً... إلى آخر الآية.
وقلت له: خذ هذه الرقعة، فشدها على عضدك الأيمن، ولا تعلقها عليك إلا وأنت طاهر.
فأخذها وقام وهو يبكي، وطرح بين يدي ديناراً عيناً، فداخلتني له رحمة، فصليت ركعتين، ودعوت له أن ينفعه الله بالكتاب، ويرد عليه قلب مولاه، وجلست.
فما مضت إلا ساعتان، وإذا بأبي الجود، خليفة عجيب، غلام نازوك، وكان خليفته على الشرطة، قد جاءني، فقال لي: أجب الأمير نازوك، فارتعت.
فقال: لا بأس عليك، وأركبني بغلاًن وجاء بي إلى دار نازوك، فتركني في الدهليز ودخل.
فلما كان بعد ساعة، أدخلت، فإذا نازوك جالس في دست عظيم، وبين يديه الغلمان قياماً سماطين، نحو ثلثمائة غلام وأكثر، وكاتبه الحسين جالس بين يديه، ورجل آخر لا أعرفه.
فارتعت، وأوهيت لأقبل الأرض، فقال: مـه، عافاك الله، لا تفعل، هذا من سنن الجبارين، وما نريد نحن هذا، اجلس يا شيخ، ولا تخف، فجلست.
فقال لي: جاءك اليوم غلام أمرد، فكتبت له كتاباً للعطف ؟ قلت: نعم.
قال: اصدقني عما جرى بينكما، حرفاً، حرفاً.
فأعدته عليه، حتى لم أدع كلمة، وتلوت عليه الآيات التي كتبتها.
فلما بلغت إلى قول الغلام: أنا عبد مملوك، وما أعددت لنفسي من أقصده في هذه الحال، ولا أعرف أحداً ألجأ إليه، وقد طردني مولاي، بكيت لما تداخلني من رحمة له، وأريته الدينار الذي أعطانيه، فدمعت عينا نازوك وتجلد، واستوفى الحديث.
وقال: قم يا شيخ، بارك الله عليك، ومـهما عرضت لك من حاجة، أو لجار لك، أو صديق، فسلنا إياها، فإنا نقضيها، وأكثر عندنا وانبسط في هذه الدار، فإنك غير محجوب عنـها، فدعوت له وخرجت.
فلما صرت خرج باب المجلس، إذا بغلام قد أعطاني قرطاساً فيه ثلثمائة درهم، فأخذته وخرجت.
فلما صرت في الدهليز، إذا بالفتى، فعدل بي إلى موضع وأجلسني.
فقلت: ما خبرك ؟ فقال: أنا غلام الأمير، وكان قد طردني، وغضب علي، فلما أن جئتك، واحتبست عندك، طلبني، فرجعت مع رسله.
فقال لي: أين كنت ؟ فصدقته الحديث، فلم يصدقني، وأمر بإحضارك، فلما اتفقنا في الحديث، وخرجت الساعة، أحضرني، وقال: يا بني، أنت الساعة من أجل غلماني عندي، وأمكنـهم من قلبي، وأخصهم بي، إذ كنت لما غضبت عليك ما غيرك ذلك عن محبتي، والرغبة في خدمتي، وطلب الحيل في الرجوع إلي وانكشف لي أنك ما أعددت لنفسك - بعد الله - سواي، ولا عرفت وجهاً تلجأ إليه في الدنيا غيري، فما ترى بعد هذا إلا كل ما تحب، وسأعلي منزلتك، وأبلغ بك أعلى مراتب نظرائك، ولعل الله سبحانـه استجاب فيك دعاء هذا الرجل الصالح، ونفعك بالآيات، فبأي شيء كافأت الرجل ؟.
فقلت: ما أعطيته غير ذلك الدينار.
فقال: سبحان الله، قم إلى الخزانة، فخذ منـها ما تريد، وأعطه.
فأخذت منـها هذا القرطاس، وجئتك به، فخذه، وأعطاني أيضاً خمسمائة درهم، وقال لي: الزمني، فإني أحسن إليك.
فجئته بعد مديدة، فإذا هو قائد جليل، وقد بلغ بـه نازوك تلك المنزلة، فوصلني بصلة جليلة، وصار لي عدةً على الدهر وذخيرة.

الدهليز الدهليز: الممر الذي بين باب الدار ووسطها، ويسمى الآن ببغداد، المجاز، والكلمفة فصيحة، لأنـه موضع الجواز إلى داخل الدار، وجمعه دهاليز، قال يحيى بن خالد: ينبغي للإنسان أن يتأنق في دهليزه لأنـه وجه الدار، ومنزل الضيف، وموقف الصديق حتى يؤذن له، وموضع المعلم، ومقيل الخدم، ومنتهى حد المستأذن.
ومن لطيف الكلام: القبر دهليز الآخرة.
وقال ابن سكرة:
قلت للنزلة لمّا ... أن ألمّت بلهاتي
بحياتي خلّ حلقي ... فهو دهليز حياتي

وفيات الأعيان 7 - 92 والغيث المسجم للصفدي 1 - 185 وشفاء الغليل 86.
وكانت دهاليز دور الوزراء، والقادة، والأمراء، تشتمل على حجر عدة، برسم الخدم، والأتباع، والوكلاء، والحراس، والرجالة، وفيها مواضع للجلوس والطعام، راجع القصة 1 - 5 و 2 - 164 من كتاب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة للقاضي التنوخي. ويحدثنا أبو جعفر بن شيرزاد عن دهليز داره، أنـه كان محصناً ببابين، باب على الطريق العام، وباب على صحن الدار، فإذا دخل الداخلون من الباب الأول، ظل الثاني مغلقاً، حتى إذا استتم هم، واستقروا في الدهليز، أغلق الأول، وفتح الثاني، لينفذوا منـه إلى داخل الدار، راجع القصة 378 من هذا الكتاب.
ولما عزل الوزير أبو شجاع من وزارة الخليفة، خرج إلى الجامع يوم الجمعة، فانثالت العامة عليه تصافحه وتدعو له، فأنكر الخليفة ذلك، فبنى في دهليز داره مسجداً، وكان يؤذن ويصلي فيه المنتظم 9 - 93.
وكان بيت الطاحون في كل دار يقع في الدهليز، راجع في الملح والنوادر ص 283 قصة العاشق الذي حل محل الحمار في الطاحون.

جور أبي عبد الله الكوفي حدثني محمد بن محمد المـهندس، قال: حدثني أبو مروان الجامدي، قال: ظلمني أحمد بن علي بن سعيد الكوفي، وهو يتقلد واسط لناصر الدولة، وقد تقلد أمرة الأمراء ببغداد، وكنت أحد من ظلم، فظلمني، وأخذ من ضيعتي بالجامدة نيفاً وأربعين كراً أرزاً، بالنصف من حق الرقبة، بغير تأويل ولا شبهة، سوى ما أخذه بحق بيت المال، وظلم فيه أيضاً، فتظلمت إليه، وكلمته، فلم ينفعني معه شيء، وكان الكر الأرز بالنصف - إذ ذاك - بثلاثين ديناراً.
فقلت له: قد أخذ مني سيدي ما أخذ، ووالله، ما أهتدي أنا وعيالي، إلى ما سوى ذلك، وما لي ما أقوتهم بـه باقي سنتي، ولا ما أعمر بـه ضيعتي، وقد طابت نفسي أن تطلق لي من جملته عشرة أكرار، وجعلتك من الباقي في حل.
فقال: ما إلى هذا سبيل.
فقلت: فخمسة أكرار.
فقال: لا أفعل.
فبكيت، وقبلت يده، ورققته، وقلت: هب لي ثلاثة أكرار، وتصدق عليه بها، وأنت من الجميع في حل.
فقال: لا والله، ولا أرزة واحدة.
فتحيرت، وقلت: فإني أتظلم منك إلى الله تعالى.
فقال لي: كن على الظلامة، يكررها دفعات، ويكسر الميم، بلسان أهل الكوفة.
فانصرفت منكسر القلب، منقطع الرجاء، فجمعت عيالي، وما زلنا ندعو عليه ليالي كثيرة، فهرب من واسط في الليلة الحادية عشرة من أخذه الأرز، فجئت إلى البيدر، والأرز مطروح، فأخذته، وحملته إلى منزلي، وما عاد الكوفي بعدها إلى واسط، ولا أفلح. من طريق ما اتفق لابن مقلة في نكبته التي أدته إلى الوزارة وحدثني غير واحد من الكتاب، عمن سمع أبا علي بن مقلة، لما عاد من فارس وزيراً، يحدث، قال: من طريف ما اتفق لي في نكبتي هذه التي أدتني إلى الوزارة، أنني أصبحت وأنا محبوس مقيد في حجرة من دار ياقوت، أمير فارس، وقد لحقني من اليأس من الفرج وضيق الصدر ما أقنطني وكاد يذهب بعقلي، وكنا، أنا وفلان محبوسين، مقيدين، في بيت واحد من الحجرة، إلا أنا على سبيل ترفيه وإكرام.
فدخل علينا كاتب لياقوت، وكان كثيراً ما يجيئنا برسالته، فقال: الأمير يقرئكما السلام، ويتعرف أخباركما، ويعرض عليكما قضاء حاجة إن كانت لكما.
فقلت له: تقرأ عليه السلام، وتقول له: قد - والله - ضاق صدري، واشتهيت أن أشرب على غناء طيب، فإن جاز أن يسامحنا بذلك سراً، ويتخذ بـه منة علي ويداً، تفضل بذلك.
فقال لي المحبوس الذي كان معي: يا هذا، ما في قلوبنا فضل لذلك.
فقلت للكاتب: أد عني ما قلت لك.
قال: السمع والطاعة ومضى، وعاد فقال: الأمير يقول لك: نعم، وكرامة وعزازة، أي وقت شئت.
فقلت: الساعة.
فلم تمض إلا ساعة، حتى جاءوا بالطعام، فأكلنا، وبالمشام والفواكه والنبيذ، وصف المجلس، فجلست أنا والمحبوس الذي معي في القيدين.
وقلت له: تعال، حتى نشرب، ونتفاءل بأول صوت تغنيه المغنية، في سرعة الفرج مما نحن فيه فلعله يصح الفأل.
فقال: أما أنا فلا أشرب، فلم أزل أرفق بـه حتى شرب، فكان أول صوت غنته المغنية:
تواعد للبين الخليط لينبتّوا ... وقالوا لراعي الذّود موعدك السّبت
ولكنّهم بانوا ولم أدر بغتةً ... وأفظع شيء حين يفجؤك البغت

قال أبو علي: ذكر المبرد في كتابه المعروف بالكامل، البيت الأول، ورواه لمحمد بن يسير.
فقال لي: ما هذا مما يتفاءل به، وأي معنى فيه، مما يدل على فرجنا ؟ فقلت: ما هو إلا فأل مبارك، وأنا أرجو أن يفرق الله بيننا وبين هذه الحالة التي نحن عليها، ويبين الفرج والصلاح، يوم السبت.
قال: وأخذنا في شربنا يومنا، وسكرنا، وانصرفت المغنية، ومضت الأيام.
فلما كان يوم السبت، وقد مضى من النـهار ساعتان، إذا بياقوت قد دخل علينا، فارتعنا، وقمت إليه، فقال: أيها الوزير، الله، الله، في أمري، وأقبل إلي مسرعاً، وعانقني، وأجلسني، وأخذ يهنيني بالوزارة، فبهت، ولم يكن عندي علم بشيء من الأمر، ولا مقدمة له.
فأخرج إلي كتاباً ورد عليه من القاهر بالله، يعلمـه فيه بما جرى على المقتدر، ومبايعة الناس له بالخلافة، ويأمره بأخذ البيعة على من بفارس من الأولياء، وفيه تقليده إياي الوزارة، ويأمره بطاعتي، وسلم إلي أيضاً، كتاباً من القاهر، يأمرني فيه بالنظر في أموال فارس، والأولياء بها، واستصحاب ما يمكنني من المال، وتدبير أمر البلد بما أراه، والبدار إلى حضرته، وأنـه استخلف لي - إلى أن أحضر - الكلوذاني فحمدت الله كثيراً، وشكرته، وإذا الحداد واقف، فتقدمت إليه بفك قيودي وقيود الرجل، ودخلت ال، وأصلحت أمري وأمر الرجل، وخرجت، فنظرت في الأعمال والأموال، وجمعت مالاً جليلاً في أيام يسيرة، وقررت أمور البلد، وسرت، واستصحبت الرجل معي إلى الحضرة، حتى جلس هذا المجلس، وفرج الله عنا.

أبو أيوب يرفع شكواه إلى الله تعالى برقعة يعلقها في المحراب قال محمد بن عبدوس، في كتابه كتاب الوزراء: وجدت بخط أبي علي أحمد بن إسماعيل الكاتب، حدثني أحمد بن أبي الأصبغ، قال: وجهني عبيد الله بن يحيى، إلى أبي أيوب، ابن أخت أبي الوزير، أيام تقلد أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد الوزارة، وكان ابن يزداد، يقصد أبا أيوب ويعاديه.
فقال لي عبيد الله: وسهل عليه الأمر، وقل له: أرجو أن يكفيك الله شره.
فوصلت إليه وهو يصلي، وقد علق في محرابه رقعة، فأنكرتها، وأديت إليه الرسالة.
فقال لي: قل له: جعلت فداك، لست أغتم بشيء، لأن أمره قريب، وقد رفعت فيه إلى الله تعالى قصةً إذ أعجزني المخلوقون، أما تراها معلقة في القبلة ؟ فكاد يغلبني الضحك، فضبطت نفسي، وانصرفت إلى عبيد الله، فحدثته الحديث، فضحك منـه.
قال: فوالله، ما مضت بابن يزداد إلا أيام يسيرة، حتى سخط عليه وصرف.
فاتفق لأبي أيوب الفرج، ونزل بابن يزداد المكروه، في مثل المدة التي تخرج فيها التوقيعات في القصص.
أبو نصر الواسطي يتظلم إلى الإمام موسى الكاظم برقعة علقها على قبره قال مؤلف الكتاب: وأنا شاهدت مثل هذا، وذلك أن أبا الفرج محمد ابن العباس بن فسانجس، لما ولي الوزارة أظهر من الشر على الناس، والظلم لهم، بخلاف ما كان يقدر فيه، وكنت أحد من ظلمـه، فإنـه أخذ ضيعتي بالأهواز، وأقطعها بالحقين، وأخرجها عن يدي.
فأصعدت إلى بغداد متظلماً إليه من الحال، فما أنصفني، على حرمات كانت بيني وبينـه، وكنت أتردد إلى مجلسه، فرأيت فيه شيخاً من شيوخ العمال، يعرف بأبي نصر محمد بن محمد الواسطي، أحد من كان يتصرف في عمالات بنواحي الأهواز، وكان صديقاً لي، فسألته عن أمره، فذكر أن الحسن بن بختيار، أحد قواد الديلم، ضمن أعمال الخراج والضياع بنـهر تيرى، وبها منزل أبي نصر هذا، وأنـه طالبه بظلم لا يلزمـه، فبعد عن البلد، فكبس داره، وأخذ جميع ما كان فيها، وكان فيما أخذ، عهد ضياعه كلها، وأنـه حضر للوزير محمد بن العباس متظلماً منـه، فلما عرف الحسن بن بختيار ذلك، أنفذ بالعهد إلى الوزير، وقال له: قد أهديت إليك هذه الضياع، فقبل الوزير منـه ذلك، وكتب إلى وكيله في ضيعته بالأهواز، فأدخل يده في ضياعي، وقد تظلمت إليه، فلم ينصفني.
فلما كان بعد أيام، دخلت المشـهد بمقابر قريش، فزرت موسى بن جعفر، وعدلت إلى موضع الصلاة لأصلي، فإذا بقصة معلقة، بخط أبي نصر هذا، وقد كتبها إلى موسى بن جعفر، يتظلم فيها من محمد ابن العباس، ويشرح أمره، ويتوسل في القصة، بمحمد، وعلي، وفاطمة، والحسن والحسين، وباقي الأئمة عليهم السلام، أن يأخذ له بحقه من محمد ابن العباس، ويخلص له ضياعه.

فلما قرأت الورقة، عجبت من ذلك عجباً شديداً، ووقع علي الضحك، لأنـها قصة إلى رجل ميت، وقد علقها عند رأسه، وكنت عرفت أبا نصر بمذهب الإمامية الاثنى عشرية، فظننت أنـه مع هذا الاعتقاد كان أكبر قصده أن يشنع على الوزير بالقصة عند قبر موسى بن جعفر عليه السلام، وكان كثير الزيارة له، أيام وزارته، وقبلها، وبعدها، ليعلم أن الرجل على مذهبه، فيتذمم من ظلمـه، ويرهب الدعاء في ذلك المكان، فانصرفت.
فلما كان بعد أيام، كنت في المشـهد، وجاء الوزير، فرأيته يلاحظ الرقعة، فعلمت أنـه قد قرأها، ومضى على هذا الحديث مدة، وما رهب القصة، ولا أنصف الرجل.
وامتدت محنة الرجل مشـهوراً، ورحل محمد بن العباس إلى الأهواز، للنظر في أبواب المال، وتقرير أمر العمال، وأقمت أنا ببغداد، لأنـه لم يكن أنصفني، ولا طمعت في إنصافه إياي لو صحبته، وانحدر أبو نصر في جملة من انحدر معه.
فلما صار بالمأمونية قرية حيال سوق الأهواز، وهو يريد ها من غد ورد من بغداد كتاب إلى بختكين التركي مولى معز الدولة، المعروف بأزذرويه، وكان يتقلد الحرب والخراج، بالأهواز وكورها، فقبض عليه، وقبض على أمواله، وقيده، ومضى أبو نصر إلى ضياعه، فأدخل يده فيها، وكفي ما كان من أمر الوزير، واستقرت ضياعه في يده إلى الآن.
وأقمت أنا سنين أتظلم من تلك المحنة التي ظلمني فيها محمد بن العباس، فما أنصفني أحد، وأيست، وخرجت تلك الضيعة من يدي، فما عادت إلى الآن.
وصح لأبي نصر، بقصته، ما لم يصح لي، وكانت محنته ومحنتي واحد، ففاز هو بتعجيل الفرج بها، من حيث لم يغلب على ظني أن أطلب الفرج منـه.

أحمد بن أبي خالد يبلغه أن جارية له توطىء فراشـه غيره قال محمد بن عبدوس في كتاب الوزراء: إن إبراهيم بن العباس الصولي، قال: كنت أكتب لأحمد بن أبي خالد، فدخلت عليه يوماً، فرأيته مطرقاً، مفكراً، مغموماً، فسألته عن الخبر.
فأخرج إلي رقعة، فإذا فيها أن حظية من أعز جواريه عنده، يخالف إليها، وتوطىء فراشـه غيره، ويستشـهد في الرقعة، بخادمين كانا ثقتين عنده.
وقال لي: دعوت الخادمين، فسألتهما عن ذلك، فأنكرا، فتهددتهما، فأقاما على الإنكار، فضربتهما، وأحضرت لها آلة العذاب، فاعترفا بكل ما في الرقعة على الجارية، وإني لم أذق أمس ولا اليوم طعاماً، وقد هممت بقتل الجارية.
فوجدت بين يديه مصحفاً، ففتحه لأتفاءل بما يخرج فيه، فكان أول ما وقعت عيني عليه: يا أيّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا..... الآية، فشككت في صحة الحديث، وأريته ما خرج بـه الفأل.
وقلت: دعني أتلطف في كشف هذا.
قال: افعل.
فخلوت بالخادمين منفردين، ورفقت بأحدهما، فقال: النار ولا العار، وذكر أن امرأة ابن أبي خالد، أعطته ألف دينار، وسألته الشـهادة على الجارية، وأحضرني الكيس مختوماً بخاتم المرأة، وأمرته أن لا يذكر شيئاً إلا بعد أن يوقع بـه المكروه، ليكون أثبت للخبر، ودعوت الآخر، فاعترف بمثل ذلك أيضاً.
فبادرت إلى أحمد بالبشارة، فما وصلت إليه، حتى جاءته رقعة الحرة، تعلمـه أن الرقعة الأولى كانت من فعلها، غيرة عليه من الجارية، وأن جميع ما فيها باطل، وأنـها حملت الخادمين على ذلك، وأنـها تائبة إلى الله تعالى من هذا الفعل وأمثاله.
فجاءته براءة الجارية من كل وجه فسر بذلك، وزال عنـه ما كان فيه، وأحسن إلى الجارية.
الحرة الحر في اللغة، الذي يملك أن يتصرف كما يريد من دون أي قيد يحد من تصرفاته، مادياً كان القيد أو معنوياً، واتسع مفهوم الكلمة، فأصبحت تدل على الشريف الكريم.
والحر من كل شيء: خياره، ومنـه: الطير الحر، أي الصقر والبازي، والطين الحر، أي الذي لا رمل فيه، ويسمونـه في العراق: الطين الحري.
أما في الاصطلاح فإن كلمة الحرة، تعني خلاف الأمة، وسبب هذه التسمية غلبة الجواري والإماء، وقد كان ابن أبي عسرون يعرف بزوج الحرة، لأنـه تزوج بامرأة كانت زوجة المقتدر القصة 5 - 2 من كتاب نشوار المحاضرة.

وكان الأمويون يتحرون أن يكون من تقلد الخلافة منـهم، من أم عربية، وكان أبو سعيد مسلمة بن عبد الملك من رجالهم المعدودين، إلا أن كونـه ابن أمة، حال بينـه وبين الخلافة، وعرض مسلمة على عمرة بنت الحارس، أن يتزوج منـها، فقالت: يا ابن التي تعلم، وإنك لهناك ؟ تعني أن أمـه أمة بلاغات النساء 190 ولما تنقص هشام بن عبد الملك، الإمام زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام، لم يجد ما يعيره به، إلا قوله: أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة، وأنت ابن أمة مروج الذهب 2 - 162، والعقد الفريد 4 - 32 و 482.
ثم اختلف الحال في آخر أيام الأمويين، فإن آخر من تقلد الخلافة منـهم، إبراهيم ابن الوليد، ومروان بن محمد، كانا من أبناء الإماء خلاصة الذهب المسبوك 46 و 47.
أما الخلفاء في الدولة العباسية، وعددهم سبعة وثلاثون، فلم يكن فيهم من هو عربي الأم، إلا ثلاثة، الأول: أبو العباس السفاح، أمـه ريطة بنت عبد المدان الحارثي خلاصة الذهب 53 وكان يدعى: ابن الحارثية، وكانت عروبة أمـه، السبب في تقدمـه على أخيه المنصور الذي كان يكبره في السن، فإن أم المنصور بربرية، اسمـها سلامة خلاصة الذهب المسبوك 59، والثاني: المـهدي بن المنصور، وأمـه أم موسى بنت منصور ابن عبد الله الحميري خلاصة الذهب 90، والثالث: محمد الأمين بن هارون الرشيد، أمـه زبيدة بنت جعفر بن المنصور، قالوا: لم يل الخلافة هاشمي من هاشميين، إلا ثلاثة: الإمام علي بن أبي طالب، وابنـه الحسن، ومحمد الأمين خلاصة الذهب 171 أما بقية الخلفاء العباسيين، فكلهم أبناء أمـهات أولاد، للتفصيل ومعرفة أسماء أمـهات الخلفاء، راجع خلاصة الذهب المسبوك 59 - 289.
هذا وإن غلبة الجواري على الخلفاء والأمراء لم تقتصر على المشرق، وإنما تجاوزته إلى المغرب والأندلس، وقد وجدت في قرطبة، في السنة 1960، قنطرة على نـهرها، شادتها زوجة أحد الخلفاء الأمويين، فسميت: قنطرة الحرة، وكان الدليل أسبانياً، لم يدرك سبب هذه التسمية، فقال: إن كلمة الحرة تعني النبيلة الشريفة.

سبب خروج أحمد بن محمد بن المدبر إلى الشام حدثني أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر، الشاهد، المقرىء، المعروف بغلام ابن مجاهد، قال: حدثني أبو الحسين الخصيبي، قال: حدثني أبو خازم القاضي، قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد بن المدبر، قال: كان بدء خروجي إلى الشام، أن المتوكل خرج يتنزه بالمحمدية، فخلا بـه الكتاب هناك، فأحكموا علي القصة وأنا لا أعلم، ثم بعثوا إلي، وأنا لا أدري، فحضرت وهم مجتمعون فقالوا لي: وكان المخاطب لي موسى بن عبد الملك.
فقال لي: قد جرت أسباب أوجبت أن أمير المؤمنين أمر أن تخرج إلى الرقة، فكم تحتاج لنفقتك؟ فقلت: أما خروجي، فالسمع والطاعة لأمير المؤمنين، وأما الذي أحتاج إليه للنفقة، فهو ثلاثون ألف درهم.
فما برحت، حتى دفعت إلي، وقالوا: اخرج الساعة.
فقلت: أودع أمير المؤمنين.
فقالوا: ما إلى ذلك سبيل.
فقلت: أصلح من شأني.
فقالوا: ولا هذا، وأخذ موسى يعرض لي، أن السلطان قد سخط علي، وأن الصواب الخروج، وترك الخلاف.
وأقبل يقول: إن السلطان إذا سخط على الرجل، فالصواب لذلك الرجل أن ينتهي إلى أمره كله، وأن لا يراجه في شيء، وينبغي أن يعلم أن التباعد عن السلطان، له فيه الحظ.
فقلت: يكفي الله ويلطف.
فوكلوا بي جماعة، حتى خرجت من البلد، وأنا في حالة، الأسر عندي أحسن منـها وأطيب، وحثوا بي السير.
فلما قاربت الرقة، وأردت ال إليها، أدركنا الليل، فإذا بأعرابي في ناحية عني، ومعه إبل يحدوها، ويقول:
كم مرّة حفّت بك المكاره ... خار لك اللّه وأنت كاره
قال: ولم يزل يكرر ذلك، فحظفته، وتبركت بالفأل، ودخلت الرقة، فلم أقم بها إلا أياماً يسيرة، حتى ورد كتاب أمير المؤمنين بالخروج إلى الشام للتعديل، وأجرى علي مائة ألف درهم، وذكر أن هذا عمل جليل، كان المأمون خرج فيه بنفسه، لجلالته وعظم خطره، وأنـه رآني أهلاً له.
فخرجت، فرأيت ل ما أحب، حتى لو بذلت لي العراق بأسرها، على فراق تلك الناحية، ما سمحت نفساً بذلك، فلله الحمد والمنة.

وذكر هذا الخبر محمد بن عبدوس في كتاب الوزراء، فقال: حدثني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي، قال: حدثني أبو خازم القاضي، قال: حدثني جدك أحمد بن حمد بن مدبر، وكان جده لأمـه، وحدثني أنـه لم يره قط - أن المتوكل خرج إلى المحمدية سنة إحدى وأربعين ومائتين متنزهاً، فأتاني رسوله، وأحضرني، فحضرت، فوجدت عبيد الله بن يحيى، والحسن بن مخلد، وأحمد بن الخصيب، وجماعة من الكتاب حضوراً.
فقال لي عبيد الله بن يحيى: إن أمير المؤمنين يقول لك: قد فسد علينا أمر الرقة، ثم ذكر نحواً من الحديث الأول، إلا أنـه لم يكن فيه إطلاق ثلاثين ألف درهم، بل قال: فخرجت وما أقدر على نفقة، ففكرت فيمن أقصده، وأستعين بماله، فما ذكرت غير المعلى بن أيوب، وكانت بيني وبينـه وحشة، فكتبت إليه رقعة حملت نفسي على الصعب فيها، فوجه إلي خمس آلاف دينار، فتحملت بها... ثم ذكر باقي الحديث، على سياقة الخبر الأول، إلا أنـه قال: إن الذي أجري عليه، لما أمر بالخروج للتعديل، في كل شـهر مائة ألف وعشرين ألف درهم.
قال: فشخصت إليها، ولو أعطيت الآن بقصري فيها، سر من رأى كلها، ما سمحت نفساً بذلك.
وكان قصره بالرملة، وكان جليلاً.

بين الحسن بن علي عليهما السلام ومعاوية بن أبي سفيان أخبرني أبو طالب محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول، فيما أجاز لي روايته عنـه، بعد ما سمعته منـه من حديث، قال: حدثني أبو سعيد أحمد بن الصقر بن ثوبان، مستملي بندار، وكتبه لنا بخطه، ونقلته أنا من أصل أبي طالب، الذي ذكر أنـه بخط أبي سعيد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسين بن علي، قال: بعث معاوية إلى الحسن بن علي، أو الحسين بن علي عليهما السلام، ودعا بضبارة سياط، فوضعها بين يديه، فلما دخل الحسن عليه السلام أخذ السياط فرمى بها، ومد يده إليه، وقال: مرحباً بسيد شباب قريش ودعا بعشرة آلاف دينار، وقال: استعن بها على زمانك، فلما خرج تبعه الحاجب، فقال له: يا ابن رسول الله، إنا نخدم هذا السلطان، ولسنا نأمن بادرته، وقد رأيتك تحرك شفتيك بشيء، فما هو ؟ فقال: أعلمك، على أن لا تعلم أحداً من آل معاوية.
قال: نعم.
قال: إذا وقعت في شدة أو مكروه، أو خفت من سلطان، فقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله الكبير المتعال، سبحان الله رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين، أللهم جل ثناؤك، وعز جارك، ولا إله غيرك، أللهم إني أعوذ بك من شر فلان، وأتباعه، وأشياعه، من الجن والإنس، أن يفرطوا علي، أو أن يطغوا.
لا إله إلا الله الحليم الكريم أخبرني القاضي أبو طالب إجازة، قال: حدثنا أبو سعيد، قال: حدثني سهل بن محمد، قال: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا مسعر، عن أبي بكر بن حفص عن الحسن بن أبي الحسن: أن عبد الله بن جعفر، لما أراد أن يهدي ابنته إلى زوجها، خلا بها، فقال لها: إذا نزل بك أمر فظيع من أمور الدنيا، أو الموت، فاستقبليه بقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.
قال الحسن: فبعث إلي الحجاج، فقلتهن، فلما مثلت بين يديه، قال: لقد بعثت إليك وأنا أريد قتلك، واليوم ما أحد أكرم علي منك، فسل حوائجك.
دعاء يعقوب الذي نال بـه الفرج حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني المثنى بن عبد الكريم، قال: حدثني زافر بن سليمان، عن يحيى بن سليم، قال: بلغني أن ملك الموت، استأذن ربه عز وجل، أن يسلم على يعقوب، فأذن له، فأتاه، فسلم عليه.
فقال له يعقوب: بالذي خلقك، أقبضت روح يوسف ؟ قال: لا، ولكني أعلمك كلمات لا تسأل الله بها شيئاً إلا أعطاك.
قال: ما هي ؟ قال: قل يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً، ولا يحصيه غيره.
فقالها، فما طلع الفجر من غده، حتى أتاه البشير بالقميص.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو غسان مالك ابن ضيغم، عن إبراهيم بن خلاد الأزدي، قال:

نزل جبريل على يعقوب عليه السلام فشكى إليه ما هو عليه من الشوق إلى يوسف، فقال: ألا أعلمك دعاءً، إن دعوت بـه فرج الله عنك ؟ قال: بلى.
قال: قل، يا من لا يعلم كيف هو، إلا هو، ويا من لا يبلغ قدرته غيره، فرج عني.
فقالها، فأتاه البشير بالقميص.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا سعيد بن عامر الضبعي، عن المعمر بن سليمان، قال: لقي يعقوب رجل، فقال له: يا يعقوب، ما لي لا أراك كما كنت ؟ قال: طول الزمان، وكثرة الأحزان.
قال: قل: أللهم اجعل لي من كل هم همني وكربني من أمري، في ديني، ودنياي، وآخرتي، فرجاً ومخرجاً، واغفر لي ذنوبي، وثبت رجاءك في قلبي، واقطعه عمن سواك، حتى لا يكون لي رجاء إلا إياك.
قال داود بن رشيد، حدثني الوليد بن مسلم، عن خليد بن دعلج، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لو عري من البلاد أحد، لعري منـه آل يعقوب، مسهم البلاء ثمانون سنة.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثني ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني مدلج بن عبد العزيز، عن شيخ من قريش: أن جبريل عليه السلام هبط على يعقوب صلى الله عليه، فقال له: يا يعقوب، تملق إلى ربك.
فقال: يا جبريل، كيف أقول ؟ فقال: قل: يا كثير الخير، يا دائم المعروف.
فأوحى الله إليه، لقد دعوتني بدعاء، لو كان ابناك ميتين، لأنشرتهما لك.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني الحسن بن عمرو بن محمد القرشي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا زافر بن سليمان، عن يحيى بن عبد الملك، عن رجل، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كان ليعقوب عليه السلام، أخ مؤاخ في الله عز وجل، فقال ليعقوب: ما الذي أذهب بصرك، وقوس ظهرك ؟ فقال: أما الذي قوس ظهري، فالحزن على بنيامين، وأما الذي أذهب بصري، فالبكاء على يوسف.
فأوحى الله تعالى إليه: أما تستحي، تشكوني إلى عبدي.
قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، ثم قال: يا رب، ارحم الشيخ الكبير، أذهبت بصري، وقوست ظهري، أردد علي ريحانتي يوسف، أشمـه، ثم افعل بي ما شئت.
فقال له جبريل عليه السلام: إن ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: أبشر، وليفرح قلبك، فوعزتي لو كانا ميتين، لأنشرتهما لك، فاصنع طعاماً للمساكين وادعهم إليه، فإن أحب عبادي إلي، الأنبياء والمساكين، وإن الذي ذهب ببصرك، وقوس ظهرك، وسبب صنع إخوة يوسف بـه ما صنعوا، أنكم ذبحتم شاة، فأتاكم رجل صائم، فلم تطعموه.
فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغداء، أمر مناديه، فنادى: من كان يريد الغداء من المساكين فليتغد مع يعقوب، وإن كان صائماً أمر مناديه، فنادى: من كان صائماً من المساكين فليفطر مع يعقوب.

كلمات الفرج التي دعا بها يوسف حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا القاسم بن هاشم، قال: حدثنا الخطاب بن عثمان، قال: حدثنا محمود بن عمر، عن رجل من أهل الكوفة: أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف السجن، فقال له: يا طيب ! ما الذي أدخلك ها هنا ؟ قال: أنت أعلم.
قال: أفلا أعلمك كلمات الفرج ؟ قال: بلى.
قال: قل: اللهم، يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري هذا فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني أزهر بن مروان الرقاشي، قال: حدثني قزعة بن سويد، عن أبي سعيد مؤذن الطائف: أن جبريل عليه السلام، أتى يوسف، فقال: يا يوسف، اشتد عليك الحبس ؟ قال: نعم.
قال: قل: اللهم اجعل لي من كل ما أهمني، وحزبني، من أمر دنياي وآخرتي، فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب، واغفر لي ذنوبي، وثبت رجاءك في قلبي، واقطعه عمن سواك، حتى لا أرجو أحداً غيرك.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثني عبد العزيز القرشي، عن جعفر بن سليمان، عن غالب القطان قال:

لم اشتد كرب يوسف، وطال سجنـه، واتسخت ثيابه، وشعث رأسه، وجفاه الناس، دعا عند ذلك، فقال: اللهم إني أشكو إليك ما لقيت من ودي وعدوي، أما ودي، فباعوني، وأما عدوي، فحبسني، اللهم اجعل لي فرجاً ومخرجاً.
فأعطاه الله عز وجل ذلك.

إبراهيم التيمي الزاهد في حبس الحجاج ابن يوسف الثقفي حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني الحسن بن محبوب، قال: قال الفيض بن إسحاق، قال الفضيل بن عياض، قال إبراهيم التيمي: لما حبست الحبسة المشـهورة، أدخلت السجن، فأنزلت على أناس في قيد واحد، ومكان ضيق، لا يجد الرجل إلا موضع مجلسه، وفيه يأكلون، وفيه يتغوطون، وفيه يصلون.
قال: فجيء برجل من أهل البحرين، فأدخل علينا، فلم نجد مكاناً، فجعلوا يتبرمون به، فقال: اصبروا، فإنما هي الليلة.
فلما دخل الليل، قام يصلي، فقال: يا رب، مننت علي بدينك، وعلمتني كتابك، ثم سلطت علي شر خلقك، يا رب، الليلة، الليلة، لا أصبح فيه.
فما أصبحنا حتى ضربت أبواب السجن: أين البحراني، أين البحراني ؟ فقال كل منا: ما دعي الساعة، إلا ليقتل، فخلي سبيله.
فجاء، فقام على باب السجن، فسلم علينا، وقال: أطيعوا الله لا يضيعكم.
أبو سعد البقال في حبس الحجاج ابن يوسف الثقفي حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني أبو نصر المؤدب، عن أبي عبد الرحمن الطائي، قال: أخبرنا أبو سعد البقال، قال: كنت محبوساً في ديماس الحجاج، ومعنا إبراهيم التيمي، فبات في السجن، فأتى رجل، فقال له: يا أبا إسحاق، في أي شيء حبست ؟ فقال: جاء العريف، فتبرأ مني، وقال: إن هذا كثير الصوم والصلاة، وأخاف أنـه يرى رأي الخوارج.
فإنا لنتحدث مع مغيب الشمس، ومعنا إبراهيم التيمي، إذ دخل علينا رجل السجن، فقلنا: يا عبد الله، ما قصتك، وأمرك ؟ فقال: لا أدري، ولكني أخذت في رأي الخوارج، ووالله، إنـه لرأي ما رأيته قط، ولا أحببته، ولا أحببت أهله، يا هؤلاء، ادعوا لي بوضوء، فدعونا له به، ثم قام فصلى أربع ركعات، ثم قال: اللهم إنك نعلم، أني كنت على إساءتي وظلمي، وإسرافي على نفسي، لم أجعل لك ولداً، ولا شريكاً، ولا نداً، ولا كفؤاً، فإن تعذب فعدل، وإن تعف، فإنك أنت العزيز الحكيم، اللهم إني أسألك يا من لا تغلطه المسائل، ولا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا يبرمـه إلحاح الملحين، أن تجعل لي في ساعتي هذه، فرجاً ومخرجاً مما أنا فيه، من حيث أرجو، ومن حيث لا أرجو، وخذ لي بقلب عبدك الحجاج، وسمعه، وبصره، ويده، ورجله، حتى تخرجني في ساعتي هذه، فإن قلبه، وناصيته، بيدك، يا رب، يا رب.
قال: وأكثر، فوالذي لا إله غيره، ما انقطع دعاؤه، حتى ضرب باب السجن وقيل أين فلان ؟ فقام صاحبنا، فقال: يا هؤلاء، إن تكن العافية، فوالله، لا أدع الدعاء لكم، وإن تكن الأخرى، فجمع الله بيننا وبينكم، في مستقر رحمته.
قال: فبلغنا من الغد، أن خلي سبيله.
سبحان الله وبحمده حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثنا كثير بن هشام، عن الحكم بن هشام الثقفي، قال: أخبرت أن رجلاً، أخذ أسيراً، فألقي في جب، وألقي على رأس الجب صخرة، فتلقن فيه: قل: سبحان الله الحي القدوس، سبحان الله وبحمده، فأخرج من غير أن يكون أخرجه إنسان.
يا عزيز يا حميد يا ذا العرش المجيد قال مؤلف هذا الكتاب، وقد ذكر القاضي هذا الخبر في كتابه، قال: حدثني إبراهيم بن سعيد قال: حدثنا أبو سفيان الحميري، قال: سمعت أبا بلج الفزاري، قال: أتي الحجاج بن يوسف، برجل كان جعل على نفسه، إن ظفر به، أن يقتله، قال: فلما دخل عليه، تكلم بكلام، فخلى سبيله.
فقيل له: أي شيء قلت ؟ فقال: قلت: يا عزيز، يا حميد، يا ذا العرش المجيد، اصرف عني ما أطيق، وما لا أطيق، واكفني شر كل جبار عنيد.
دعاء النبي صلوات الله عليه في كل هم حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الكوفي، عن صالح بن حسان، عن محمد بن علي:

أن النبي صلى الله عليه وسلم علم علياً عليه السلام، دعاء يدعو بـه في كل هم، وكان علي يعلمـه الناس، وهو: يا كائناً قبل كل شيء، يا مكون كل شيء، ويا كائناً بعد كل شيء، افعل بي كذا وكذا.

الدعاء الذي خلص عمرو السرايا من العلج حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني إسحاق بن البهلول التنوخي، قال: حدثني إسحاق ابن عيسى، ابن بنت داود بن أبي هند، عن الحارث البصري، عن عمرو السرايا، قال: كنت أغير في بلاد الروم وحدي، فبينا أنا ذات يوم نائم، إذ ورد علي علج، فحركني برجله، فانتبهت.
فقال لي: يا عربي، اختر، إن شئت مسايفةً، وإن شئت مطاعنةً، وإن شئت مصارعةً.
فقلت: أما المسايفة والمطاعنة، فلا بقيا لهما، ولكن مصارعة، فنل، فلم ينـهنـهني أن صرعني، وجلس على صدري، وقال: أي قتلة تريد أن أقتلك ؟ فذكرت الدعاء، فرفعت رأسي إلى السماء، فقلت: أشـهد أن كل معبود ما دون عرشك، إلى قرار الأرضين، باطل غير وجهك الكريم، فقد ترى ما أنا فيه، ففرج عني، وأغمي علي، فأفقت، فرأيت الرومي قتيلاً إلى جانبي.
قال إسحاق بن بنت داود، فسألت الحارث البصري، عن الدعاء، فقال: سألت عنـه عمرو السرايا، فقلت له: بالله يا عمرو ما قلت ؟ قالت: قلت: اللهم رب إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ورب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ومنزل التوراة والإنجيل، والزبور، والقرآن العظيم، ادرأ عني شره، فدرأ عني شره.
قال إسحاق بن بنت داود: فحفظته وقلت أعلمـه الناس، فوجدته نافذاً، وهو الإخلاص بعينـه.
تخلص من القتل بدعاء دعا به حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا جرير بن حفص، عن الشعبي قال: كنت جالساً عند زياد، فأتي برجل يحمل، ما يشك في قتله، فحرك الرجل شفتيه بشيء ما ندري ما هو، فخلى سبيله.
فقلت للرجل: ما قلت ؟ قال: قلت: أللهم رب إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ورب جبريل وميكائيل وإسرافيل، ومنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم، ادرأ عني شر زياد، فدرأه عني.
زياد بن أبيه من دهاة العرب وأذكيائهم، عمل في خدمة الدولة، منذ نعومة أظفاره، فقد ولي قسمة الغنائم، بأجر درهمين في اليوم، وهو ابن 14 سنة معجم البلدان 1 - 640، ثم كتب لأبي موسى الأشعري، أيام ولايته البصرة، ثم ولي فارس للإمام علي بن أبي طالب الأعلام 3 - 89، ولما قتل الإمام بايع زياد معاوية، فولاه البصرة والكوفة، وارتفع أجره إلى خمسة وعشرين ألف درهم تاريخ اليعقوبي 2 - 234. وبالغ زياد في التعصب على شيعة علي، فقتلهم، وشردهم، ودفن بعضهم أحياء الأغاني 17 - 153 والمحاسن والأضداد 27 وكان يجمع الناس ويحرضهم على البراءة من علي، ومن أبى ذلك، عرضه على السيف المحاسن والمساوىء 1 - 39 ومروج الذهب 2 - 20، وكان شعور زياد بنشأته المتواضعة، قد كون فيه مركب نقص سعى جاهداً للتخلص منـه، فأدى ذلك بـه إلى سقطة شنيعة، وهي موافقته على إعلانـه أحد أولاد أبي سفيان الأموي، بحجة واضحة الخزي، وهي أن أبا سفيان، في السنة الأولى من الهجرة، زنى بأم زياد سمية، وكانت من البغايا بالطائف مروج الذهب 2 - 5، وتاريخ اليعقوبي 2 - 219 والفخري 109 و 110 فأكسبه ذلك خزياً وشناعةً، وقال فيه أخوه أبو بكرة: هذا زنى أمـه، وانتفى من أبيه وفيات الأعيان 6 - 358 وقد كان له من حصافته، ودهائه، ما يغنيه عن هذا الاستلحاق الذي جعله، وذريته من بعده، موضع هزء وسخرية بلاغات النساء 143 والمحاسن والمساوىء 2 - 148 حتى أصبحوا مضرب المثل في الادعاء الكاذب، قال الشاعر يهجو كاتباً:
حمار في الكتابة يدّعيها ... كدعى آل حرب في زياد
راجع أخبار زياد في الأغاني 18 - 270، 272، 277 و 18 - 285 و 20 - 77 والعقد الفريد 4 - 26 و 6 - 100 وأدب الكتاب 170 والطبري 8 - 129، 130، 134، 138، 139.
هارون الرشيد يأمر بقتل فتى علوي فينجيه الله تعالى أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرني عيسى بن عبد العزيز الظاهري، قال: أخبرني أبو عبد الله قال:

أمر الرشيد بعض خدمـه، فقال: إذا كان الليلة، فصر إلى الحجرة الفلانية، فافتحها، وخذ من رأيت فيها، فأت بـه موضع كذا وكذا، من الصحراء الفلانية، فإن ثم قليباً محفوراً، فارم به، وطمـه بالتراب، وليكن معك فلان الحاجب.
قال: فجاء الغلام إلى باب الحجرة، ففتحه، فإذا فيها غلام كالشمس الطالعة، فجذبناه جذباً عنيفاً.
فقال له: اتق الله، فإني ابن رسول الله، فالله، الله، أن تلقى الله بدمي، فلم يلتفت إلى قوله، وأخرجه إلى الموضع.
فلما أشرف الفتى على التلف، وشاهد القليب، قال له: يا هذا، إنك على رد ما لم تفعل، أقدر منك على رد ما فعلت، فدعني أصلي ركعتين، وامض لما أمرت به.
فقال له: شأنك وما تريد.
فقام الفتى، صلى ركعتين، قال فيهما: يا خفي اللطف، أغثني في وقتي هذا، والطف بي بلطفك الخفي.
فلا والله ما استتم دعاءه، حتى هبت ريح وغبرة، حتى لم ير بعضهم بعضاً، فوقعوا لوجوههم، واشتغلوا بأنفسهم عن الفتى، ثم سكنت الريح والغبرة، وطلبنا الفتى، فلم يوجد، وقيوده مرمية.
فقال الحاجب لمن معه: هلكنا والله، سيقع لأمير المؤمنين أنا أطلقناه، فماذا نقول له ؟ إن كذبناه لم نأمن أن يبلغه خبر الفتى فيقتلنا، ولئن صدقناه، ليعجلن لنا المكروه.
فقال له الآخر: يقول الحكيم: إن كان الكذب ينجي، فالصدق أرجى وأنجى.
فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما فعلتم فيما تقدمت بـه إليكم ؟ فقال له الحاجب: يا أمير المؤمنين، الصدق أولى ما اتبع في جميع الأمور، ومثلي لا يجترىء أن يكذب بحضرتك، وإنـه كان من الخبر كيت وكيت.
فقال الرشيد: لقد تداركه اللطف الخفي، والله، لأجعلنـها في مقدمات دعائي، امض لشأنك، واكتم ما جرى.

يا سامع كل صوت ويا بارىء النفوس بعد الموت حدثني محمد بن الحسن، قال: حدثني محمد بن عمرو بن البحتري البزاز، في جامع المنصور، في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة، قال: حدثنا الفضل بن إسحاق الدوري، عن محمد بن الحسن، عن أبي سلمة عبد الله ابن منصور، قال: حزن رجل حزناً شديداً، على شيء لحقه، وأمر أهمـه وأقلقه، فألح في الدعاء، فهتف بـه هاتف: يا هذا، قل: يا سامع كل صوت، ويا بارىء النفوس بعد الموت، ويا من لا تغشاه الظلمات، ويا من لا يشغله شيء عن شيء.
قال: فدعا بها، ففرج الله عنـه، ولم يسأل الله تلك الليلة حجة، إلا أعطاه.
لا حول ولا قوة إلا بالله حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني القاسم بن هاشم، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، عن أبي يحيى إسحاق العدواني، قال: كنا بإزاء آزرمـهر، عند مدينة الكرج، وقد زحف إلينا في ثمانين فيلاً، فكادت تنقض الصفوف، وتشتت الخيول، وكان أميرنا محمد بن القاسم، فنادى عمران بن النعمان أمير أهل حمص، وأمراء الأجناد، فنـهضوا، فما استطاعوا، فلما أعيته الأمور، نادى مراراً: لا حولا ولا قوة إلا بالله، فكشف الله الفيلة، وسلط عليها الحر، فأنضحها، ففزعت إلى الماء، فما استطاع سواسها، ولا أصحابها، حسبها، وحملت خيلنا، وكان الفتح بإذن الله تعالى.
حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا القاسم بن هاشم، قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا صفوان بن عمرو، عن الأشياخ: أن حبيب بن مسلمة كان يستحب إذا لقي العدو، أو ناهض حصناً، أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم إنـه ناهض يوماً حصناً، فانـهزم الروم، وتحصنوا في حصن آخر لهم، أعجزه، فقالها، فانصدع الحصن.
الذي كفاك الأمس يكفيك غدك حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: بلغني أن بعض الملوك، نفى وزيراً له، لموجدة وجدها عليه، فاغتم لذلك غماً شديداً، فبينا هو يسير، إذ أنشده رجل هذين البيتين:
أحسن الظنّ بربّ عوّدك ... حسناً أمس وسوّى أودك
إنّ ربّاً كان يكفيك الّذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك
فسري عن الوزير، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
لا تيأسن كأن قد فرج الله حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن السراج، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا محمد بن أبي رجاء، مولى بني هاشم قال:

أصابني هم شديد، لمر كنت فيه، فرفعت اً لي، كنت جالساً عليه، فإذا برقعة مكتوبة فنظرت فيها، فإذا فيها مكتوب:
يا صاحب الهمّ إنّ الهمّ منقطعٌ ... لا تيأسنّ كأن قد فرّج اللّه
قال: فذهب عني ما كنت فيه من الغم، ولم ألبث أن فرج الله عني، فلله الحمد والشكر.

كن للمكاره بالعزاء مقطعا ً
حدثني أبو بكر الثقفي، قال: قال بعضهم: أصابني هم ضقت بـه ذرعاً، فنمت، فرأيت كأن قائلاً يقول:
كن للمكاره بالعزاء مقطّعاً ... فلعلّ يوماً لا ترى ما تكره
ولربّما ابتسم الوقور من الأذى ... وضميره من حرّه يتأوّه
الوزير محمد بن القاسم يلاقي عاقبة ظلمـه حدثني أبو الحسن علي بن الحسن، الشاهد المعروف بالجراحي، من حفظه، قال: حدثني أبو الحسن بن أبي الطاهر محمد بن الحسن الكاتب، صاحب الجيش، قال: قبض علي أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله، في أيام وزارته للقاهر بالله، وعلى أبي، فحبسنا في حجرة ضيقة، وأجلسنا على التراب، وشدد علينا، وكان يخرجنا في كل يوم، فيطالب أبي بمال المصادرة، وأضرب أنا بحضرة أبي، ولا يضرب هو، فلاقينا من ذلك أمراً شديداً صعباً.
فلما كان بعد أيام، قال لي أبي: إن هؤلاء الموكلين، قد صارت لهم بنا حزمة، فتوصل إلى مكاتبة أبي بكر الصيرفي - وكان صديقاً لأبي - حتى ينفذ إلينا بثلاثة آلاف درهم، نفرقها فيهم، ففعلت ذلك، فأنفذ إلينا بالمال من يومـه.
فقلت للموكلين، في عشي ذلك اليوم: قد وجبت لكم علينا حقوق، فخذوا هذه الدراهم، فانتفعوا بها، فامتنعوا.
فقلت: ما سبب امتناعكم ؟، فوروا عن ذلك.
فقلت: إما قبلتم، وإما عرفتمونا السبب الذي لأجله امتناعكم.
فقالوا: نشفق عليكم، ونستحي من ذلك.
فقال لهم أبي: اذكروه على كل حال.
قالوا: قد عزم الوزير على قتلكما الليلة، ولا نستحسن أخذ شيء منكما مع هذا.
فقلقت، ودخلت إلى أبي بغير تلك الصورة، فقال: ما لك ؟ فأخبرته بالخبر، وقلت لأبي: ما أصنع بالدراهم ؟ فقال: ردها على أبي بكر، فرددتها عليه.
وكان أبي يصوم تلك الأيام كلها، فلما غابت الشمس، تطهر، وصلى المغرب، فصليت معه، ولم يفطر، ثم أقبل على الصلاة الدعاء، إلى أن صلى العشاء الآخرة، ثم دعاني.
فقال: اجلس يا بني إلى جانبي، جاثياً على ركبتيك، ففعلت، وجلس هو كذلك.
ثم رفع رأسه إلى السماء، فقال: يا رب، محمد بن القاسم ظلمني، وحبسني على ما ترى، وأنا بين يديك، وقد استعديت إليك، وأنت أحكم الحاكمين، فاحكم بيننا؛ لا يزيد عن ذلك.
ثم صاح بها إلى أن ارتفع صوته، ولم يزل يكررها بصياح ونداء واستغاثة، إلى أن ظننت أنـه قد مضى ربع الليل.
فوالله ما قطعها حتى سمعت الباب يدق، فذهب علي أمري، ولم أشك في أنـه القتل.
وفتحت الأبواب، فدخل قوم بشموع، فتأملت، وإذا فيهم سابور، خادم القاهر، فقال: أين أبو طاهر ؟، فقال إليه أبي، فقال: ها أنذا.
فقال: أين ابنك ؟ فقال: هوذا.
فقال: انصرفا إلى منزلكما، فخرجنا، فإذا هو قد قبض على محمد بن القاسم، وحدره إلى دار القاهر.
وعاش محمد بن القاسم في الاعتقال ثلاثة أيام، ومات.
الظلم

الظلم، في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه، وفي الاصطلاح: إيذاء الناس، وانتقاص حقوقهم، وهو خلاف التقوى التي هي مخافة الله، والعمل بطاعته، وكف الأذى، قال الله تعالى: فقطع دابر القوم الذين ظلموا، وقال النبي صلوات الله عليه: الظلم ظلمات يوم القيامة محاضرات الأدباء 1 - 215 وقال: من أعان ظالماً سلطه الله عليه محاضرات الأدباء 1 - 218. والتاريخ عامر بأخبار قوم آذوا وظلموا، فمنـهم من عوجل، كما في هذه القصة، ومنـهم من أمـهل، غير أن عاقبة ظلمـه، أصابت أولاده وأحفاده وأهل بيته، مصداقاً لقول النبي صلوات الله عليه: من خاف على عقبه، وعقب عقبه، فليتق الله، وقد كان الحجاج بن يوسف الثقفي من الظالمين، ولم يعاجل، لما استخلف سليمان بن عبد الملك، أمر بجميع الرجال من آل أبي عقيل، عائلة الحجاج، فاعتقلوا بواسط، وعذبوا، حتى ماتوا جميعاً ابن الأثير 3 - 588، 589، ولما استخلف الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز، بعث الباقين من أهل بيت الحجاج، إلى الحارث بن عمر الطائي، عامله على البلقاء، وكتب إليه: أما بعد، فقد بعثت إليك بآل أبي عقيل، وبئس - والله - أهل البيت في دين الله، وهلاك المسلمين، فأنزلهم بقدر هوانـهم على الله تعالى، وعلى أمير المؤمنين البصائر والذخائر م 2 ق 2 ص 586، وكانت عاقبة ظلم بعض الخلفاء في العهد الأموي للناس، أن العباسيين لما انتصروا عليهم، قتلوا أولادهم، وأحفادهم، حتى النساء، قتلاً ذريعاً، فلم يفلت منـهم إلا الرضيع، أو من هرب إلى الأماكن القاصية كالأندلس ابن الأثير 5 - 429 - 431 وأخبار مجموعة في فتح الأندلس 48 و 49 ثم تجاوزوا الأحياء منـهم إلى الأموات، فنبشوا قبورهم، وأخرجوا رم وضربوها بالسياط، ثم أحرقوها بالنار، ونادى منادي عبد الله بن علي، بالأمان لمن بقي، فلما اجتمعوا، أمر الجند فشدخوهم بالأعمدة حتى قتلوهم الفخري 252 والعيون والحدائق 3 - 206 - 211 وابن الأثير 5 - 429 والعقد الفريد 4 - 483 - 487، والأغاني 4 - 343 - 355 ومحاضرات الأدباء 4 - 535 وأخبار مجموعة في فتح الأندلس 48 و 49، وروى ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ 8 - 381 و 382 فصلاً في مظالم البريديين، ثم قال: إنـه ذكر هذا الفصل ليعلم الظلمة أن أخبارهم تنقل، وتبقى على وجه الدهر، فربما تركوا الظلم لهذا، إن لم يتركوه لله سبحانـه وتعالى.

طاهر بن الحسين يحمل الدراهم في كمـه ويفرقها على الفقراء لما خرج طاهر بن الحسين إلى محاربة علي بن عيسى بن ماهان، جعل ذات يوم في كمـه دراهم، يفرقها في الفقراء، ثم سها عنـها، فأرسلها، فتبددت، فتطير بذلك، واغتم غماً شديداً، حتى تبين في وجهه، فأنشده شاعر كان في عسكره:
هذا تفرّق جمعهم لا غيره ... وذهابه منكم ذهاب الهمّ
شيء يكون الهمّ بعض حروفه ... لا خير في إمساكه في الكمّ
قال: فسلا طاهر، وأمر له بثلاثين ألف درهم.
الهادي يتهدد يحيى البرمكي ويتوعده بكل عظيمة انصرف يحيى بن خالد البرمكي، من عند الهادي، وقد ناظره في تسهيل خلع العهد على هارون، فحلف له يحيى أنـه فعل، وجهد فيه، فامتنع عليه هارون.
فقال له الهادي: كذبت، ووالله لأفعلن بك وأصنعن، وتوعده بكل عظيمة، وصرفه.
فجاء إلى بيته، فكلم بعض غلمانـه بشيء، فأجابه بما غاظه، فلطمـه يحيى، فانقطعت حلقة خاتمـه، وطاح الفص، فاشتد ذلك على يحيى، وتطير منـه، واغتم، فدخل عليه السياري الشاعر، وقد أخبر بالقصة، فأنشده في الحال:
أخلاك من كلّ الهموم سقوطه ... وأتاك بالفرج انفراج الخاتم
قد كان ضاق ففكّ حلقة ضيقه ... فاصبر فما ضيق الزمان بدائم
قال: فما أمسى حتى ارتفعت الواعية بموت موسى الهادي، وصار الأمر إلى هارون الرشيد، فأعطاه مائة ألف درهم.
موسى بن عبد الملك صاحب ديوان الخراج يموت وهو على صهوه جواده قال أبو علي القنائي، قال لي جدي: بكرت يوماً إلى موسى بن عبد الملك، وحضر داود بن الجراح، فوقف إلى جانبي، فقال لي: كان لي أمس خبر طريف، انصرفت من عند موسى ابن عبد الملك، فوجدت في منزلي امرأة من شرائف النساء، فشكته إلي، وقالت: قد حاول أن يأخذ ضيعتي الفلانية، وأنت تعلم أنـها عمدتي في معيشتي، وأن في عنقي صبية أيتاماً، فأي شيء تدبر في أمري، أو تشير علي ؟.
فقلت: من معك وراء الستر ؟

فقالت: ما معي أحد.
فقلت: أما التدبير في أمرك، فما لي فيه حيلة، وأما المشورة، فقد قال النبطي: لا تبع أرضك من إقدام الرجل السوء، فإن الرجل السوء يموت، والأرض تبقى، فدعت لي، وانصرفت.
فما انقضى كلامـه، حتى خرج موسى، فقال لداود: يا أبا سليمان، لأتبع أرضك من إقدام الرجل الرديء، فإنـه يموت، والأرض تبقى.
فقال لي داود: أسمعت ؟ هذا والله الموت، أين أهرب ؟ أين أمضي ؟ ما آمنـه والله على نفسي، ولا على نعمتي، فأشر علي بما أصنع، قبل نفاذ طريقنا، ونزولنا معه إلى الديوان.
فقلت: والله، ما أدري.
فرفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم اكفني أمره، وشره، وضره، فإنك تعلم قصتي، وأني ما أردت بما قلت إلا الخير، واشتد قلقه وبكاؤه ودعاؤه.
وقربنا من الديوان، فقال موسى، وهو على دابته: متى حدث هذا الجبل الأسود في طريقنا ؟ ومال على سرجه حتى سقط، وأسكت.
فحمل إلى منزله، وكان آخر العهد به.

يا ذا العرش اصنع كيف شئت فإن أرزاقنا عليك ذكر المدائني في كتابه: قال أبو سعيد، وأنا أحسبه يعني الأصمعي: نزلت بحي من كلب مجديين، قد توالت عليهم السنون، فماتت المواشي، ومنعت الأرض من أخراج النبات، وأمسكت السماء قطرها، فجعلت أنظر إلى السحابة ترتفع من ناحية القبلة سوداء متقاربة، حتى تطبق الأرض، فيتشوف لها أهل الحي ويرفعون أصواتهم بالتكبير، ثم يعدلها الله عنـهم مراراً.
فلما كثر ذلك، خرجت عجوز منـهم، فعلت نشزاً من الأرض، ثم نادت بأعلى صوتها: يا ذا العرش، اصنع كيف شئت فإن أرزاقنا عليك.
فما نزلت من موضعها، حتى تغيمت السماء غيماً شديداً، وأمطروا مطراً كاد أن يغرقهم، وأنا حاضر.
يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج وخليفته في الظلم والبغي وذكر المدائني في كتابه، قال: وجه سليمان بن عبد الملك، حين ولي الخلافة، محمد بن يزيد إلى العراق، فأطلق أهل السجون، وقسم الأموال، وضيق على يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج، فظفر بـه يزيد بأفريقية لما وليها في شـهر رمضان عند المغرب، وفي يده عنقود عنب.
فجعل محمد يقول: اللهم احفظ لي إطلاقي الأسرى، وإعطائي الفقراء.
فقال له يزيد حين دنا منـه: محمد بن يزيد ؟ ما زلت أسأل الله أن يظفرني بك.
قال له: وما زلت أسأل الله، أن يجيرني منك.
قال: والله، ما أجارك، ولا أعاذك مني، والله لأقتلنك قبل أن آكل هذه الحبة العنب، ووالله لو رأيت ملك الموت يريد قبض روحك، لسبقته إليها.
فأقيمت الصلاة، فوضع يزيد الحبة العنب من يده، وتقدم، فصلى بهم.
وكان أهل أفريقية قد أجمعوا على قتله، فلما ركع، ضربه رجل منـهم على رأسه بعمود حديد، فقتله.
وقيل لمحمد: اذهب حيث شئت، فمضى سالماً.
ذكره القاضي أبو الحسين في كتابه بغير إسناد، ولم يعزه إلى المدائني، وجاء بـه على خلاف هذا اللفظ، والمعنى واحد، إلا أنـه جعل بدل محمد بن يزيد، وضاحاً، صاحب عمر بن عبد العزيز، وبدلاً من سليمان بن عبد الملك، عمر بن عبد العزيز، ولم يذكر الدعاء في خبره.
ووقع إلي هذا الخبر، على غير هذا، حدثنيه علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق ابن زياد، قال: حدثنا أبو همام الصلت بن محمد الخاركي، قال: حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، قال: حدثني محمد بن يزيد، قال: إن سليمان بن عبد الملك، أنفذ محمد بن يزيد إلى ديماس الحجاج، وفيه يزيد الرقاشي، ويزيد الضبي، وعابدة من أهل البصرة، فأطلق كل من فيه، غير يزيد بن أبي مسلم.
فلما مات سليمان، قال محمد: كنت مستعملاً على أفريقية، إذ قدم يزيد بن أبي مسلم، أميراً، في خلافة يزيد بن عبد الملك.
قال محمد: فعذبني عذاباً شديداً، حتى كسر عظامي، فأتي بي يوماً في كساء، أحمل عند المغرب.
فقلت له: ارحمني.
فقال: التمس الرحمة من عند غيري، ولو رأيت ملك الموت عند رأسك، لبادرته إلى نفسك، اذهب حتى أصبح لك.
فدعوت الله، وقلت: أللهم اذكر ما كان مني في أهل الديماس، اذكر يزيد الرقاشي، وفلاناً، وفلاناً، واكفني شر يزيد بن أبي مسلم، وسلط عليه من لا يرحمـه، واجعل ذلك من قبل أن يرتد إلي طرفي، وجعلت أحبس طرفي رجاء الإجابة.
فدخل عليه ناس من البربر، فقتلوه، ثم أطلقوني، فقالوا لي: اذهب حيث شئت.

فقلت لهم: اذهبوا واتركوني، فإني أخاف إن انصرفت، أن يظن أن هذا من عملي.
فذهبوا، وتركوني.
حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني محدث عن أمية بن خالد عن وضاح بن خيثمة، قال: أمرني عمر بن عبد العزيز بإخراج من في السجن، فأخرجتهم إلا يزيد بن أبي مسلم، فنذر دمي، فإني لبإفريقية، إذ قيل لي: قد قدم يزيد ابن أبي مسلم، فهربت منـه، فأرسل في طلبي، فأخذت، وأتي بي إليه.
فقال: وضاح ؟ قلت: وضاح.
فقال: أما والله، طالما سألت الله أن يمكنني منك.
فقلت: وأنا والله لطالما سألت الله أن يعيذني منك.
فقال: والله، ما أعاذك مني، ووالله، لأقتلنك، ولو سابقني إليك ملك الموت، لسبقته.
ثم استدعى بالسيف والنطع، فجيء بهما، وكتفت، وأقعدت فيه، لتضرب عنقي، وقام قائم على رأسي بالسيف مشـهوراً، فأقيمت الصلاة فخرج يزيد وصلى بهم، فلما خر ساجداً، أخذته سيوف الجند، وأطلقت.
حدثني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرني أحمد بن محمد السرخسي أبو بكر، قال: أخبرنا أبو العباس ثعلب، عن الزبير بن بكار، قال: كان وضاح حاجباً لعمر بن عبد العزيز، فلما حضرت عمر الوفاة أمر بإخراج كل من في الحبس، إلا يزيد بن أبي مسلم. وذكر الحديث.

عواقب مكروه الأمور خيار حدثني أبو طالب عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن الفضل بن أحمد ابن محمد بن حماد دنقش، مولى المنصور وصاحب حرسه، وكان محمد ابن حماد يحجب الرشيد والمعتصم، وأحمد بن محمد أحد القواد بسر من رأى مع صالح بن وصيف، وولي الشرطة بها للمـهتدي، وأحمد بن محمد بن الفضل، يكنى أبا عيسى، وكان أحد أمناء القضاة ببغداد، قال: قال لي القاضي أبو القاسم علي بن محمد التنوخي، قال: حدثني القاضي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي الأنباري، قال: حدثني أبو عبد الله بن أبي عوف البزوري، قال: دخلت على أبي العباس بن ثوابة، وكان محبوساً، فقال لي: احفظ عني.
قلت: نعم.
فقال:
عواقب مكروه الأمور خيار ... وأيّام سوء لا تدوم قصار
وليس بباق بؤسها ونعيمـها ... إذا كرّ ليلٌ ثمّ كرّ نـهار
قال: فلم تمض إلا أيام يسيرة، حتى أطلق من حبسه.
وقد ذكر أبو الحسين القاضي، في كتابه، هذين البيتين، بغير إسناد، ولم يذكر القصة، ولا سبب الشعر.
لا تيأس فإن اليأس كفر حدثني أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثني أبو بكر محمد بن عبد الله العلاف، المعروف بالمستعيني، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن الحسين الأنصاري، قال: حدثني إبراهيم ابن مسعود، عن بعض تجار المدينة، قال: كنت أختلف إلى جعفر بن محمد، وكنت له خليطاً، وكان يعرفني بحسن حال، فتغيرت حالي، فأتيته، فجعلت أشكو إليه، فأنشأ يقول:
فلا تجزع وإن أعسرت يوماً ... فقد أيسرت في الّزمن الطّويل
قال: فخرجت من عنده، وأنا أغنى الناس.
حدثني أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثنا أبو الفضل أحمد بن سليمان القاضي، قال: حدثنا طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن جعفر بن محمد، قال: جاء رجل إلى جعفر بن محمد، فشكا إليه الإضافة، فأنشده جعفر بن محمد:
فلا تجزع إذا أعسرت يوماً ... فكم أرضاك باليسر الطّويل
ولا تيأس فإنّ الياس كفر ... لعلّ اللّه يغني عن قليل
ولا تظنن بربّك غير خير ... فإنّ اللّه أولى بالجميل
قال الرجل: فذهب عني ما كنت أجد.
وروى القاضي أبو الحسين في كتابه كتاب الفرج بعد الشدة هذا الشعر بغير خبر، ولا إسناد، ونسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، وروى البيت الأول كما رواه ابن أبي سعد في الخبر الذي رويت قبل هذا، وقال بعده:
فإنّ العسر يتبعه يسارٌ ... وقيل اللّه أصدق كلّ قيل
ثم جاء بالبيتين الثاني والثالث، كما جاءا في هذين البيتين، وزاد بعد ذلك بيتاً خامساً، وهو:
ولو أنّ العقول تسوق رزقاً ... لكان المال عند ذوي العقول
عبيد الله بن زياد يشتم رجلاً من القراء ويتهدده

وذكر القاضي أبو الحسين، في كتابه: أن المدائني روى عن محمد بن الزبير التميمي، أن عبيد الله بن زياد، أتي برجل من القراء فشتمـه، وقال له: أحروري أنت ؟.
فقال الرجل: لا والله، ما أنا بحروري.
فقال: والله، لأفعلن بك، ولأصنعن، انطلقوا بـه إلى السجن، فانطلقوا به.
فسمعه ابن زياد يهمـهم، فرده، وقال له: ما قلت ؟ فقال: عن لي بيتان من الشعر قلتهما.
فقال: إنك لفارغ القلب، أنت قلتهما، أم شيء سمعته ؟ قال: بلى قلتهما، وهما:
عسى فرج يأتي بـه اللّه إنّه ... له كلّ يوم في خليقته أمر
إذا اشتدّ عسرٌ فارج يسراً فإنّه ... قضى اللّه أنّ العسر يتبعه يسر
فسكت ابن زياد ساعة، ثم قال: قد أتاك الفرج، خلوا سبيله.
أخبرني محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد، قال: أخبرني علي بن دبيس الكاتب، عن أحمد بن الحاث الخراز، عن علي بن محمد المدائني، عن محمد بن الزبير التميمي، فذكر نحوه.

علي بن يزيد كاتب العباس بن المأمون يتحدث عن أيام فاقته وذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو يوسف يعقوب بن بيان، قال: حدثني علي بن الحسين بن محمد بن موسى ابن الفرات، قال: كنت أتولى ماسبذان، وكان صاحب البريد بها علي بن يزيد، وكان قديماً يكتب للعباس بن المأمون، فحدثني: أن العباس غضب عليه وأخذ جميع ما كان يملكه، حتى إنـه بقي بسر من رأى لا يملك شيئاً إلا برذونـه، بسرجه ولجامـه، ومبطنة، وطيلساناً، وقميصاً، وشاشية، وأنـه كان يركب في أول النـهار، فيلقى من يريد لقاءه، ثم ينصرف، فيبعث ببرذونـه إلى الكراء، فيكسب عليه ما يعلفه، وما ينفقه هو وغلامـه.
فاتفق في بعض الأيام أن الدابة لم تكسب شيئاً، فبات هو وغلامـه طاويين، قال: ونالنا من الغد مثل ذلك.
فقال غلامي: يا مولاي، نحن نصبر، ولكن الشأن في الدابة، فإني أخاف أن تعطب.
قلت: فأي شيء أعمل ؟ ليس إلا السرج، واللجام، وثيابي، وإن بعت من ذلك شيئاً، تعطلت عن الحركة، وطلب التصرف.
قال: فانظر في أمرك.
فنظرت، فإذا بحصيري خلق، ومخدتي لبنة مغشاة بخرقة، أدعها تحت رأسي، ومطهرة خزف للطهور، فلم أجد غير منديل دبيقي خلق، قد بقي منـه الرسم.
فقلت للغلام: خذ هذا المنديل، فبعه، واشتر علفاً للدابة، ولحماً بدرهم، واشوه، وجىء به، فقد قرمت إلى أكل اللحم.
فأخذ المنديل، ومضى، وبقيت في الدار وحدي، وفيها شاهمرج قد جاع لجوعنا، فلم أشعر إلا بعصفور قد سقط في المطهرة التي فيها الماء للطهور، عطشاً، فشرب، فنـهض إليه الشاهمرج، فناهضه، فلضعفه ما قصر عنـه، وطار العصفور، ووقف الشاهمرج، فعاد العصفور إلى المطهرة، فبادره الشاهمرج فأخذه بحمية، فابتلعه، فلما صار في حوصلته، عاد إلى المطهرة، فتغسل، ونشر جناحيه وصاح، فبكيت، ورفعت رأسي إلى السماء، وقلت: اللهم، كما فرجت عن هذا الشاهمرج، فرج عنا، وارزقنا من حيث لا نحتسب.
فما رددت طرفي، حتى دق بابي، فقلت: من أنت ؟ قال: أنا إبراهيم بن يوحنا، وكيل العباس بن المأمون.
فقلت: ادخل، فدخل، فلما نظر إلى صورتي، قال: ما لي أراك على هذه الصورة، فكتمته خبري.
فقال لي: الأمير يقرا عليك السلام، وقد اصطبح اليوم، وذكرك وقد أمر لك بخمسمائة دينار، وأخرج الكيس فوضعه بين يدي.
فحمدت الله تعالى، ودعوت للعباس، ثم شرحت له قصتي، وأطفته في داري وبيوتي، وحدثته بحديث الدابة، وما تقاسيه من الضر، والمنديل، والشاهمرج، والدعاء، فتوجع لي، وانصرف.
ولم يلبث أن عاد، فقال لي: صرت إلى الأمير، وحدثته بحديثك كله، فاغتم لذلك، وأمر لك بخمسمائة دينار أخرى، قال: تأثث بتلك، وأنفق هذه، إلى أن يفرج الله.
وعاد غلامي، وقد باع المنديل، واشترى منـه ما أردته، فأريته الدنانير، وحدثته الحديث، ففرح حتى كاد أن تنشق مرارته.
وما زال صنع الله يتعاهدنا.
صاحب البريد

اختلف المؤرخون في أصل كلمة البريد، فقيل إن أصلها فارسي من: بريدن، أي العبور المعجم الذهبي، فارسي - عربي، وقيل، من: بريده دم، أي محذوف الذنب، لأن دواب البريد كانت كذلك شفاء الغليل 39 وقيل من: بردن، أي نقل وحمل الألفاظ الفارسية المعربة 18، وقيل: إن أصلها لاتيني، ومعناها: دابة البريد، ثم صرفت إلى ناقل البريد، ثم أطلقت بعد ذلك على نظام البريد دائرة المعارف الإسلامية 3 - 609، والألفاظ الفارسية المعربة 18.
والبريد: ولاية جليلة خطيرة، ومتقلدها يحتاج إلى جماعة كثيرة، وإلى مواد غزيرة، ومن جملة أعماله حفظ الطريق، وبذرقتها، وصيانتها من القطاع والسراق، وطروق الأعداء، وانسلال الجواسيس في البر والبحر، وإليه ترد كتب أصحاب الثغور، وولاة الأطراف، وهو يوصلها بأسرع ما يمكن من اختصار الطرق، واختيار المراكب والراكب آثار الدول 86، وأصحاب البريد للملوك، بمنزلة العيون الباصرة، والآذان السامعة، فإن أهمل الملك ذلك، ولم يكشف له حال أوليائه وأعدائه، انطوت عنـه الأخبار، ولم تستقم له السياسة، بل لا يحس بالشر حتى يقع فيه آثار الدول 83.
وأول من وضع البريد، معاوية بن أبي سفيان الفخري 106 ولم يكن البريد، عندئذ، مثل ما نعرفه الآن في نقل الرسائل، وإنما كان مقصوراً على نقل ما يهم الدولة ورجالها، كما كان صاحب البريد، في كل كورة، بمثابة عين للخليفة يكتب إليه بكل ما يقع عليه بصره، أو يصل إلى أذنـه من أخبار تاريخ بغداد لابن طيفور 64.
وقال المنصور يوماً: ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر، لا يكون على بابي أعف منـهم، وهم أركان الملك لا يصلح إلا بهم، أولهم: قاض لا تأخذه في الله لومة لائم، وثانيهم: صاب شرطة ينصف الضعيف من القوي، وثالثهم: صاحب خراج يستقصي لي، ولا يظلم الرعية، أما الرابع: فصاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء، على وجه الصحة لطف التدبير 13، ابن الأثير 6 - 26، الطبري 8 - 66.
ومن مشاهير من ولي البريد، أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، الشاعر المشـهور، فإن الحسن بن وهب ولاه بريد الموصل، فأقام بها أقل من سنتين، ومات سنة 231 فبنى على قبره أبو نـهشل بن حميد الطوسي قبة وفيات الأعيان 2 - 15 - 17، وأحسب أن ذلك جزاء رثائه محمد بن حميد الطوسي بقصيدته العجيبة، التي مطلعها:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر
وكذلك مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر، ولاه الفضل بن سهل بريد جرجان القصة 276 من هذا الكتاب وعلي بن بسام، ولاه القاسم بن عبيد الله البريد بجند قنسرين مروج الذهب 2 - 546 وابن خرداذبه، ولاه المعتمد العباسي البريد والخبر بنواحي الجبل الأعلام 4 - 343 وكان أول أمر ابن عبدكان، شيخ الكتاب بمصر، أنـه ولي البردي بدمشق وحمص، ثم كتب للطولونية بمصر، وتوفي سنة 270 الوافي بالوفيات 3 - 315 والأعلام 7 - 95، وأبو محمد عبد الرزاق بن الحسن الشاعر المعروف بابن أبي الثياب، ولي البريد ببخارى أخلاق الوزيرين 247 و 348 و 425.
ولا ينبغي أن تكون بين صاحب البريد، وبين الملك، واسطة، كما أنـه ليس لأحد من الولاة، أو العمال، أو القادة، على صاحب البريد حكم، ولا سلطة، ورسائله ترد إلى الحضرة بأعجل السبل، وليس لأحد أن يفتحها، أو أن يؤخرها، أو أن يتعرض لها بكل وسيلة.
وللبريد، في الحضرة، ديوان خاص، يليه الثقة المؤتمن، يجمع صاحبه جميع الرسائل التي ترد من الأطراف، ويطالع بها فور وصولها.
والمقتضي أن يكون صاحب البريد مطلعاً على جميع الأخبار، في جميع الجهات، بحيث لا تخفى عليه خافية، قال الشاعر يهجو صاحب ديوان البريد ديوان البحتري 792:
دهتك بعلة الحمّام خود ... ومالت في الطريق: إلى سعيد
أرى أخبار بيتك عنك تخفى ... فكيف وليت ديوان البريد

ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا قال المدائني في كتابه، وجاء بـه القاضي أبو الحسين في كتابه عن المدائني بغير إسناد، واللفظان متقاربان: إن أعرابية كانت تخدم نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت كثيراً ما تتمثل:
ويوم الوشاح من تعاجيب ربّنا ... ألا أنّه من ظلمة الكفر نجّاني
فقيل لها: إنك تكثرين من التمثل بهذا البيت، وإنا نظنـه لأمر، فما هو ؟ قالت: أجل، كنت عسيفة على قوم بالبادية.

قال مؤلف هذا الكتاب: العسيف: الأجير.
فوضعت جارية منـهم وشاحاً، فمرت عقاب، فاختطفته ونحن لا ندري، ففقدنـه، وقلن أين هو ؟ أنت صاحبته، فحلفت، واعتذرت، فأبين قبول قولي وعذري، واستعدين بالرجال، فجاءوا ففتشوني، فلم يجدوا شيئاً.
فقال بعضهم: احتملته في فرجها.
فأرادوا أن يفتشوا فرجي، فما ظنكم بامرأة تخاف ذلك.
فلما خفت الشر، رفعت رأسي إلى السماء فقلت: يا رباه، أغثني، فمرت العقاب فطرحته بيننا، فندموا، وقالوا: ظلمنا المسكينة، وجعلوا يعتذرون إلي، فما وقعت في كربة إلا ذكرت ذلك، وهو يوم الوشاح، فرجوت الفرج.
حدثنا علي بن أبي الطيب، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن الحجاج الضبي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنـها، قالت: كانت امرأة تغشانا، تتمثل بهذا البيت:
ويوم السّخاب من تعاجيب ربّنا ... على أنّه من ظلمة الكفر نجّاني
فقالت لها أم سلمة: وذكر نحو ذلك.. إلا أنـه قال فيه: فقالت عجوز منـهم لارعة لها فتشوا مالها، أي فرجها، فأشرفت على الفضيحة، فرفعت رأسي إلى السماء، فقلت: يا غياث المستغيثين، فما أتممتها، حتى جاء غراب فرمى السخاب بيننا، فلو رأيتهم يا أم المؤمنين وهم حوالي، يقولون: اجعلينا في حل، فنظمت ذلك في بيت، فأنا أنشده لئلا أنسى النعمة، فأترك شكرها.

بين يحيى البرمكي والفضل بن الربيع ذكر القاضي أبو الحسين في كتابه، قال: حدثني أبو الحسن محمد بن عبد الله بن الحسين بن سعد، عن أبيه عبد الله بن الحسين، قال: حدثني الحسين ابن نمير الخزاعي، قال: صار الفضل بن الربيع إلى الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي في حاجة له، فلم يرفع له رأساً، ولا قضى حاجته، فقام مغضباً، فلم يدع بدابته، ولا اكترث له، ثم أتبعه رجلاً، فقال: انظر ما يقول، فإن الرجل ينبىء عما في نفسه في ثلاثة مواضع إذا اضطجع على فراشـه، وإذا خلا بعرسه، وإذا استوى على سرجه، قال الرجل: فاتبعته، فلما استوى على سرجه، عض على شفتيه، وقال:
عسى وعسى يثني الّزمان عنانـه ... بدور زمان والّزمان يدور
فيعقب روعات سروراً وغبطة ... وتحدث من بعد الأمور أمور
فلم يكن بين ذلك، وبين أن سخط الرشيد على البرامكة، واستوزر الفضل بن الربيع، إلا أياماً يسيرة.
وحدثني بهذا الخبر، أبي، على مثل هذا الإسناد، ولم أحفظه، لأني لم أكتبه عنـه في الحال، فقال في البيت الأول:
عسى وعسى يثني الّزمان عنانـه ... بعثرة دهر والّزمان عثور
وقال في البيت الثاني:
فتدرك حاجات وتقضى مآرب ... وتحدث من بعد الأمور أمور
وزاد فيه أن الفضل بن يحيى بن خالد رده فقضى حوائجه.
وأخبرنيه محمد بن الحسن بن المظفر، قال: حدثني أبو بكر الصولي، عن ميمون بن هارون قال: حدثني الحسين بن نمير الخزاعي، وذكره، وقد دخل فيما أجازه لي الصولي.
وقرىء على أبي بكر الصولي بالبصرة، في كتابه كتاب الوزراء سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، وأنا حاضر أسمع، قال: حدثنا أحمد بن يزيد بن محمد، يعني المـهلبي، قال: حدثني أبي، عن إسحاق، قال: دخل الفضل بن الربيع على يحيى بن خالد، فلم يوسع له، ولا هش به، ثم قال: ما جاء بك يا أبا العباس ؟ قال: رقاع معي. فرده عن جميعها، فوثب الفضل وهو يقول:
عسى وعسى يثني الّزمان عنانـه ... بعثرة دهر والّزمان عثور
فتدرك آمال وتحوى رغائب ... وتحدث من بعد الأمور أمور
فرده يحيى، ووقع له بجميع ما أراد.
دعاء للشفاء من العلل وأخبرني علي بن عبد الله الوراق، المعروف بابن أبي لؤلؤ، قال: حدثنا محمد بن جرير الطبري، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن عبد الرحمن بن علي، عن عبد الله بن جعفر: أن رجلاً أصابه مرض شديد، منعه من الطعام وال والنوم، فبينا هو ذات ليل ساهراً، إذ سمع وجبة شديدة في حجرته، فإذا هو كلام، فوعاه، فتكلم به، فبرأ مكنـه، وهو: اللهم أنا عبدك، وبك أملي، فاجعل الشفاء في جسدي، واليقين في قلبي، والنور في بصري، والشكر في صدري، وذكرك بالليل والنـهار - ما بقيت - على لساني، وارزقني منك، رزقاً غير محظور ولا ممنوع. الباب الرابع من استعطف غضب السلطان بصادق لفظ واستوقف مكروهه بموقظ بيان أو وعظ بين المأمون وعمرو بن مسعدة قرىء على أبي بكر محمد بن يحيى الصولي بالبصرة، وأنا حاضر أسمع، في كتابه الوزراء سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، قال: حدثني علي ابن محمد النوفلي: أن المأمون ذكر عمر بن مسعدة، فاستبطأه في أشياء، وقال: أيحسب عمرو أني لا أعرف أخباره، وما يجبى إليه، وما يعامل بـه الناس، بلى والله، ثم يظن أنـه لا يسقط علي منـه شيء ؟، وكان أحمد بن أبي خالد حاضراً لذلك، فمضى إلى عمرو، فأخبره بما قال المأمون.
فنـهض من ساعته، ودخل إلى المأمون، فرمى بسيفه، وقال: أنا عائذ بالله من سخط أمير المؤمنين، وأنا أقل من أن يشكوني إلى أحد، أو يسر علي ضغناً يظهر منـه بكلامـه ما ظهر.
فقال له المأمون: وما ذاك ؟ فأخبره بما بلغه.
فقال: لم يكن الأمر كذلك، وإنما جرى معنىً أوجب ذكر ما ذكرت، فقدمته قبل أن أخبرك به، وكان ذلك عزمي، وما لك عندي إلا ما تحب، فليفرخ روعك، وليحسن ظنك، وسكن منـه حتى شكره، وجعل ماء الحياة يدور في وجهه.
فلما دخل أحمد بن أبي خالد إلى المأمون، قال له: أشكو إليك من بحضرتي من خدمي وأهلي، أما لمجلسي حق ولا حرمة ليكتم ما يجري فيه، حتى يؤدى إلى عمرو بن مسعدة ؟ فإنـه قد أبلغ أشياء قلتها فيه، واتهمت فيها بعض بني هاشم ممن كان حاضراً، وذلك أن عمراً دخل علي، وأعاد ما كان، فاعتذرت له بعذر لم يبن الحق نسجه، ولم يتسق القول مني فيه، وإن لسان الباطل، لعي الظاهر والباطن، وما نعش الباطل أحداً قال له أحمد: لا يتهم أمير المؤمنين أحداً، أنا أخبرت عمراً، قال: وما دعاك إلى ذلك ؟ قال: الشكر لله، ولك لاصطناعك، والنصح لك، والمحبة لتمام نعمتك على أوليائك وخدمك، وقد علمت أن أمير المؤمنين يحب استصلاح الأعداء والبعداء، فكيف بالأولياء والقرباء، ولا سيما مثل عمرو، في موضعه من الدولة، وموقعه من الخدمة، ومكانـه من رأي أمير المؤمنين، فخبرته بما أنكره عليه، ليقوم أود نفسه، ويتلافى ما فرط منـه، وإنما العيب لو أفشيت كلاماً فيه لأمير المؤمنين سر، أو قدح على السلطان، أو نقض تدبير له.
فقال له: أحسنت والله يا أحمد، إذ كفيتني مخاضة الظن، وصدقتني عن نفسك، وأزلت التهمة عن غيرك.
المنصور العباسي يحشر العلويين جميعاً إلى الكوفة ويتهددهم
أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: حدثني الحسن بن علي السلولي، قال: حدثني أحمد بن رشيد، قال: حدثني أبو معمر سعيد بن خيثم، قال: حدثني يونس بن أبي يعفور، قال: حدثني جعفر بن محمد، من فيه إلى أذني، قال: لما قتل إبراهيم بن عبد الله عليه السلام، بباخمرى، حشرنا من المدينة، فلم يترك منا فيها محتلم، حتى قدمنا الكوفة، فمكثنا فيها شـهراً نتوقع القتل.
ثم خرج إلينا الربيع الحاجب، فقال: أين هؤلاء العلوية ؟ أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم.
قال: فدخلت أنا إليه، والحسن بن زيد، فلما صرت بين يديه، قال لي: أنت الذي تعلم الغيب ؟ قلت: لا يعلم الغيب إلا الله.
قال: أنت الذي يجبى إليك هذا الخراج ؟ قلت: إليك يجبى يا أمير المؤمنين الخراج.
قال: أتدرون لم دعوتكم ؟ قلت: لا.
قال: أردت أن أهدم رباعكم، وأغور قلبكم، وأعقر نخلكم، وأنزلكم بالسراة، فلا يجيئكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق، فإنـهم لكم مفسدة.
فقلت: يا أمير المؤمنين، إن سليمان عليه السلام أعطي فشكر، وإن أيوب عليه السلام ابتلي فصبر، وإن يوسف عليه السلام ظلم فغفر، وأنت من ذلك النسخ.
قال: فتبسم، وقال: أعد، فأعدت.
فقال: مثلك فليكن زعيم القوم، قد عفوت عنكم، ووهبت لكم جرم أهل البصرة، حدثني الحديث الذي حدثتني بـه عن أبيك، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنـه قال: صلة الرحم، تعمر الديار، وتطيل الأعمار، وتكثر العمار، وإن كانوا كفاراً.
قال: ليس هذا.
فقلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنـه قال: الأرحام معلقة بالعرش، تقول: صل من وصلني، واقطع من قطعني.
قال: ليس هذا.

قلت: حدثني أبي، عن علي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنـه قال: إن الله تبارك وتعالى يقول: أنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته.
قال: ليس هذا الحديث.
قلت: حدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنـه قال: إن ملكاً من ملوك الأرض، كان بقي من عمره ثلاث سنين، فوصل رحمـه، فجعلها الله عز وجل، ثلاثين سنة.
قال: هذا الحديث أردت، أي البلاد أحب إليكم ؟ فوالله، لأصلن رحمي اليوم.
قلنا: المدينة.
قال: فسرحنا إلى المدينة، وكفانا الله عز وجل، مؤونته.

بين الإمام جعفر الصادق والمنصور العباسي ووقع إلي هذا الخبر، على خلاف هذه السياقة، وجدته في بعض الكتب بغير إسناد: إن معاذاً، مولى إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس رحمـهم الله، قال: كنت قائماً على رأس محمد بن إسماعيل، مولاي، ورزام، مولى محمد بن خالد بن عبد الله القسري، يحدثه، وكان كاتبه إذ ذاك، قال: وجهني محمد بن خالد القسري، لآتيه بجعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، من المدينة، إلى المنصور.
فلما صرنا بالنجف، نزل عن راحلته، وأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة، وصلى ركعتين، ثم رفع يديه إلى السماء، وأنا بالقرب منـه، فسمعته يقول: اللهم بك أستفتح، وبك أستنجح، وبمحمد عبدك ورسولك أتوجه، اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره اللهم سهل لي حزونته، وذلل لي صعوبته، وأعطني من الخير أكثر مما أرجو، واكفني من الشر أكثر مما أخاف، ثم جاء فركب ومضى.
فلما قيل لأبي جعفر: إنـه بالباب، أمر بالستور فرفعت، وبالأبواب ففتحت، ثم خرج إليه، فلقيه في منتصف الدار فعانقه أبو جعفر، وأخذ بيده يماشيه مقبلاً عليه، حتى انتهى إلى مجلسه، فأجلسه فيه، ثم أقبل عليه المنصور يسائله، وأقبل جعفر يدعو له ويفديه.
ثم إن المنصور قال له: عرفت ما كان من أمر هذين الرجلين، يعني محمداً وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن، وما كان من بري بهما، وقد استترا، وخفت أن يشقا العصا، ويلقيا بين أهل هذا البيت شراً لا يصلح أبداً، فأخبرني بخبرهما، ودلني عليهما.
فقال له جعفر: قد والله نـهيتهما فلم يقبلا، وكرهت أن أطلع على شيء من أمورهما، وما زلت مائلاً إليك، وحاطباً في حبلك، ومواظباً على طاعتك.
فقال له المنصور: صدقت، ولكنك تعلم، أني أعلم، أن علم أمرهما عندك، ولم أقنع إلا أن تخبرني بخبرهما وأمرهما.
فقال: يا أمير المؤمنين، أتلو عليك آية من كتاب الله عز وجل، فيها منتهى علمي بهما.
قال: هات، على اسم الله.
فتلا عليه: " لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونـهم، ولئن نصروهم ليولّن الأدبار، ثمّ لا ينصرون " .
فخر المنصور ساجداً، وقال: حسبك. ولم يسأله بعد ذلك عن شيء من أمرهما.
وروي لي هذا الخبر على وجه آخر، حدثنا بـه علي بن الحسن، قال: حدثنا ابن الجراح، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني عيسى بن أبي حرب الصفار، والمغيرة بن محمد، قالا: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: حدثني الحسن بن الفضل بن الربيع، قال: حدثني عبد الله بن الفضل ابن الربيع عن الفضل بن الربيع، قال: حدثني أبي، قال: حج أبو جعفر المنصور سنة سبع وأربعين ومائة، فلما قدم المدينة، قال لي: ابعث إلى جعفر بن محمد من يأتيني بـه بغتة، قتلني الله إن لم أقتله، فأمسكت عنـه، رجاء أن ينساه، فأغلظ لي في الثانية.
فقلت: جعفر بن محمد بالباب يا أمير المؤمنين، قال: ائذن له، فأذنت له.
فلما دخل، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فقال: لا سلم الله عليك، يا عدو الله، تلحد في سلطاني، وتبغيني الغوائل في ملكي، قتلني الله إن لم أقتلك.
فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، إن سليمان أعطي فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، وأنت من ذلك السنخ ففكر طويلاً. ثم رفع رأسه، فقال: أنت عندي، يا أبا عبد الله، البريء الساحة، السليم الناحية، القليل الغائلة، جزاك الله عن ذي رحمك، أفضل ما يجزي ذوي الأرحام عن أرحامـهم.
ثم تناول يده، فأجلسه على مفرشـه، واستدعى بالمنفحة، والمنفحة مدهن كبير فيه غالية، فغلفه بيده، حتى قطرت لحيته.

ثم قال له: في حفظ الله وفي كلاءته، يا ربيع، ألحق أبا عبد الله جائزته وكسوته.
قال الربيع: فتبعته، فلما لحقته، قلت له: إني رأيت ما لم تر، وسمعت ما لم تسمع، ورأيت بعد ذلك ما قد رأيت، وقد رأيتك تحرك شفتيك بشيء، فما الذي قلت ؟ فقال: نعم، إنك رجل منا أهل البيت، ولك محبة ومودة، اعلم أنني قلت: أللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركتك الذي لا يرام، وأدركني برحمتك، واعف عني بقدرتك، لا أهلك وأنت رجائي، رب، كم من نعمة أنعمت بها علي، قل لك عندها شكري فلم تحرمني، وكم من بلية ابتليتني بها، قل لك عندها صبري فلم تخذلني، فيا من قل عند ن شكري فلم يحرمني، ويا من قل عند بيته صبري فلم يخذلني، يا من رآني على الخطايا فلم يهتكني، يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبداً، ويا ذا النعماء التي لا تحصى عدداً، صل على محمد وعلى آل محمد، بك أدرأ في نحره، وأعوذ بك من شره، اللهم أعني على ديني بدنياي، وعلى آخرتي بتقواي، واحفظني فيما غبت عنـه، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، يا من لا تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينقصك، إنك أنت الوهاب، أسألك فرجاً قريباً، وصبراً جميلاً، ورزقاً واسعاً، والعافية من جميع البلايا، وشكر العافية.

بين موسى الهادي وأحد كتابه وذكر محمد بن عبدوس الجهشياري، في كتابه الوزراء: أن موسى الهادي سخط على بعض كتابه، ولم يسمـه، فجعل يقرعه، ويؤنبه، ويتهدده، ويتوعده.
فقال له الكاتب: يا أمير المؤمنين، إن اعتذاري إليك فيما تقرعني بـه رد عليك، وإقراري بما بلغك عني، يوجب ذنباً لم أجنـه، ولكني أقول كما قال الشاعر:
إذا كنت ترجو في العقاب تشفّياً ... فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر
فصفح عنـه، وأمر بترك التعرض له، وأحسن إليه، وصرفه مكرماً.
ابن مقلة ينفذ من سجنـه رقعة إلى الوزير ابن الفرات حدثني علي بن هشام بن عبد الله الكاتب، عن أبي عبد الله زنجي الكاتب، قال: لما نكب أبو الحسن بن الفرات، أبا علي بن مقلة، في وزارته الثالثة، لم أدخل إليه في الحبس، ولا كاتبه متوجعاً له، ولا راسلته بحرف، خوفاً من أن يرقى ذلك إلى ابن الفرات.
وكانت بيني وبين ابن مقلة مودة، فلما طال مكثه في الحبس، كتب إلي رقعة لطيفة، أولها:
ترى حرّمت كتب الأخلاّء بينـهم ... أبن لي، أم القرطاس أصبح غالياً ؟
فما كان لو ساءلتنا كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا
صديق من راعاك عنـه شديدة ... وكلٌّ تراه في الرخاء مراعيا
فهبك عدوّي، لا صديقي، فربّما ... يكاد الأعادي يرحمون الأعاديا
ثم أتبع ذلك بكلام عاتبني فيه، ويذكر أنـه أنفذ إلي، في طي رقعته، رقعة إلى الوزير، وسألني عرضها عليه، في وقت خلوة لا يكون فيها ابنـه أبو أحمد المحسن.
فقرأت الرقعة التي للوزير، فكان فيها: أقصرت أطال الله بقاء الوزير، وفعل بـه وصنع، عن الاستعطاف وعن الشكوى، حتى تناهت بي المحنة والبلوى، في النفس والمال، والجسم والحال، إلى ما فيه شفاء للمنتقم، وتقويم للمجترم، حتى أفضت بي، إلى الحيرة والتبلد، وبعيالي إلى الهتكة والتلدد، وما أقول إن حالاً أتاها الوزير - أيده الله - في أمري، إلا بحق واجب، وظن صادق غير كاذب، إلا أن القدرة تذهب الحفيظة، والاعتراف يزيل الاقتراف، ورب المعروف يؤثره أهل الفضل والدين، والإحسان إلى المسيء، من أفعال المتقين، وعلى كل حال، فلي ذمام وحرمة، وتأميل وخدمة، إن كانت الإساءة تضيعها، فرعاية الوزير - أيده الله - تحفظها، فإن رأى الوزير - أطال الله بقاءه - أن يلحظ عبده بعين رأفته، وينعم بإحياء مـهجته، ويتخلصها من العذاب الشديد، والجهد الجهيد، ويجعل له من معروفه نصيباً، ومن البلوى فرجاً قريباً، فعل، إن شاء الله.

فأقامت الرقعة في كمي أياماً، لا أتمكن من عرضها، إلى أن رسم لي الوزير ابن الفرات، كتب رقعة إلى جعفر بن القاسم، عامله على فارس، في مـهم، وأن أحررها بين يديه، وأعرضها عليه، فأمرني بتحريرها وقد خلا، فاغتنمت خلوته من كل أحد، فقلت له: قد عرف الوزير - أيده الله - ما بيني وبين ابن مقلة، من العشرة والإلفة التي جمعتنا عليها خدمته، ووالله، ما كاتبته ولا راسلته، ولا قضيت له حقاً بمعونة ولا غيرها، منذ سخط الوزير - أيده الله - عليه، وهذه رقعته إلي تدل على ذلك، ويسأل عرض رقعة له على الوزير - أيده الله - وهي معي، فإن أذن عرضتها عليه.
فقال: هاتها.
فناولته إياها، قال: فقرأ رقعته إلي، ثم قال: هات رقعته إلي.
فقلت: أسأل الوزير - أيده الله - أن يكتم ذلك عن سيدي أبي أحمد - يعني المحسن ابنـه - فإني أخافه.
فقال: أفعل.
فلما قرأ رقعة ابن مقل إليه قال: والله، يا أبا عبد الله، لقد تناهى هذا الرجل في السعاية على دمي، ومالي، وأهلي، ولقد صح عندي أنـه قال لما أسلم إلي حامد: لو علمت أن ابن الفرات سيبقى بعد صرفه يوماً واحداً ما سعيت عليه، ووالله، لقد كنت أدعو الله في حبسي، أن لا يمكنني منـه، ولا من الباقطائي، أما هو فلإحساني العظيم - كان - إليه، فلم أحب أن أتمكن منـه فأسفي غيظي وأفسد إحساني إليه وأما الباقطائي، فلقبيح إساءته إلي، ولأنـه شيخ من شيوخ الكتاب، وخفت العار بما لعلي كنت أعامله بـه لو حصل في يدي، فلم تجب دعوتي فيه، وأجيبت في الباقطائي، والآن فوحق محمد وآله عليهم السلام، لا جرى على ابن مقلة مكروه بعد هذا، وأنا أتقدم اليوم بأخذه من المحسن، وإنفاذه مع سليمان بن الحسن إلى فارس، وأجريه مجراه في الأمر بحراسة نفسه، وباقي حاله، وأزيدك - يا أبا عبد الله - ما لا أحسبك فهمته.
فقلت: وما هو ؟ فإني لم أزل أستفيد الفوائد من الوزير - أيده الله - تعلماً وإنعاماً.
فقال: قد بقيت له بقية وافر من حاله، لولاها، لكان لا يقدر أن يقول قولاً سديداً، ولا يتفرغ قلبه لنظم شعر، وبلاغة نثر.
قال: فلما كان من الغد، أخرجه من المحبس، وأنفذه إلى فارس، هو وسليمان بن الحسن، فسلما.

كيف تخلص طريح بن إسماعيل الثقفي من المنصور أخبرني أبو الفرج علي بن الحسين الأموي، المعروف بالأصبهاني، قال: أخبرني حبيب بن نصر المـهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن حمزة بن أبي عيينة المـهلبي، عن أبيه، عن طريح بن إسماعيل الثقفي، أنـه دخل على أبي جعفر، في الشعراء، فقال له: لا حياك الله، ولا بياك، أما اتقيت الله حيث تقول في الوليد:
لو قلت للسيل دع طريقك والمو ... ج عليه كالهضب يعتلج
لساخ وارتدّ أو لكان له ... إلى طريقٍ سواه منعرج
فقال طريح: قد علم الله أنني أردت الله بهذا وعنيته، وقلت ذلك، ويدي ممدودة إليه عز وجل.
فقال أبو جعفر: يا ربيع، أما ترى ها التخلص ؟
المأمون يعفو عن الحسين بن الضحاك ويمتنع عن استخدامـه أخبرني أبو الفرج الأصبهاني، إجازة، قال: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، ومحمد بن خلف بن المرزبان، وألفاظهم تزيد وتنقص.
وأخبرني ببعضه محمد بن خلف، وكيع، من آخره، وقصة وصوله إلى المأمون، ولم يذكر ما قبل ذلك، قالوا: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، ولم يقل وكيع عن أبيه، واللفظ في الخبر لابن أبي الأزهر، وحديثه، ثم قال: كنت بين يدي المأمون قائماً فدخل ابن البواب الحاجب، برقعة فيها أبيات، فقال له: أتأذن في إنشادها ؟ قال: هات، فأنشد:
أجرني فإنّي قد ظمئت إلى الوعد ... متى ينجز الوعد المؤكّد بالعهد
أعيذك من خلف الملول وقد ترى ... تقطّع أنفاسي عليك من الوجد
رأى اللّه عبد اللّه خير عباده ... فملّكه واللّه أعلم بالعبد
ألا إنّما المأمون للنّاس عصمة ... مميّزة بين الضلالة والرّشد
فقال له المأمون: أحسن يا عبد الله، وظنـها له.
فقال: بل أحس قائلها يا أمير المؤمنين.
قال: ومن هو قائلها ؟ قال: عبدك الحسين بن الضحاك.
فقطب، وقال: لا حيا الله من ذكرت، ولا بياه، ولا قربه، أليس هو القائل:

أعينيّ جودا وابكيا لي محمّدا ... ولا تذخرا دمعاً عليه وأسعدا
فلا تمّت الأشياء بعد محمّدٍ ... ولا زال شمل الملك فيه مبدّدا
ولا فرح المأمون بالعيش بعده ... ولا زال في الدّنيا طريداً مشرّدا
هذا بذاك، ولا شيء له عندنا.
فقال ابن البواب: فأين فضل أمير المؤمنين، وسعة حلمـه، وعادته في العفو ؟ فأمر بإحضاره.
فلما حضر، سلم، فرد عليه السلام رداً خفياً، ثم قال: أخبرني عنك، هل عرفت - يوم قتل أخي - هاشميةً قتلت، أو هتكت ؟ قال: لا. قال: فما معنى قولك ؟:
ومما شجى قلبي وكفكف عبرتي ... محارم من آل النّبي استحلّت
ومـهتوكة بالخلد عنـها سجوفها ... كعاب كقرن الشمس حين تبدّت
إذا خفرتها روعة من منازع ... لها المرط عاذت بالخضوع ورنّت
وسرب ظباءٍ من ذؤابة هاشم ... هتفن بدعوى خير حيّ وميّت
أردّ يداً منّي إذا ما ذكرته ... على كبدٍ حرّى وقل مفتّت
فلا بات ليل الشامتين بغبطة ... ولا بلغت آمالها من تمنّت
فقال: يا أمير المؤمنين، لوعة غلبتني، وروعة فاجأتني، ونعمة فقدتها بعد أن غمرتني، وإحسان شكرته فأنطقني.
فدمعت عينا المأمون، وقال: قد عفوت عنك وأمرت لك بإدرار أرزاقك عليك، وإعطائك ما فات منـها، وجعلت عقوبة ذنبك، امتناعي عن استخدامك.

بين المعتصم والحسين بن الضحاك أخبرني محمد بن يحيى الصولي، إجازة، وقد ذكره أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الكبير، كتاب الأغاني، الذي أجازه لي في جملة ما أجاز، في أخبار الحسين بن الضحاك، قال: غضب علي المعتصم في شيء جرى على النبيذ، وقال: والله لأؤدبنـه، وحجبني، فكتبت إليه:
غضب الإمام أشدّ من أدبه ... وقد استجرت وعذت من غضبه
أصبحت معتصماً بمعتصمٍ ... أثنى عليه اللّه في كتبه
لا والّذي لم يبق لي سبباً ... أرجو النّجاة بـه سوى سببه
ما لي شفيع غير رحمته ... ولكلّ من أشفى على عطبه
إلاّ كريم طباعه وبه ... أرجو الّذي أرجوه في نسبه
فلما قرئت عليه، التفت إلى الواثق، وقال: بمثل هذا الكلام يستعطف الكرام، ما هو إلا أن سمعت أبيات حسين هذه، حتى زال ما في نفسي عليه.
فقال الواثق: هو حقيق أن يهب له أمير المؤمنين ذنبه، ويتجاوز عنـه، فرضي عني، وأمر بإحضاري.
قال الصولي: فحدثني الحسين بن يحيى، أن هذه الأبيات إنما كتب بها إلى المعتصم لأنـه بلغه عنـه أنـه مدح العباس بن المأمون، وتمنى له الخلافة، فطلب، فاستتر، وكتب بهذه الأبيات إلى المعصتم على يدي الواثق، فأوصلها، وشفع له، فرضي عنـه، وأمنـه، فظهر، ثم استدعاه، فدخل عليه، وهجا العباس بن المأمون، فقال:
خلّ اللّعين وما اكتسب ... لا زال منقطع السّبب
يا عرّة الثّقلين لا ... ديناً رعيت ولا حسب
حسد الإمام مكانـه ... جهلاً هداك على العطب
وأبوك قدّمـه لها ... لمّا تخيّر وانتخب
ما تستطيع سوى التنفّ ... س والتجرّع للكرب
لا زلت عند أبيك من ... تقص المروءة والأدب
الشعبي يروي قصة ه على الحجاج وجدت بخط القاضي أبي جعفر أحمد بن البهلول الأنباري، قال الشعبي: كنت فيمن خرج مع ابن الأشعث، على الحجاج، فلما هزم، هربت، فأتيت يزيد بن أبي مسلم، وكان لي صديقاً، وذكرت له أمري.
فقال: يا عامر، أنا أخوك الذي تعرف، ووالله، ما أستطيع نفعك عند الحجاج، وما أرى لك إلا أن تمثل بين يديه، فتقر بذنبك، فإن الحجاج ليس منن يكذب، فاصدقه، واستشـهدني على ما بدا لك.
قال الشعبي: فما شعر الحجاج، إلا وأنا قائم بين يديه، فقال: عامر ؟ قلت: نعم أصلح الله الأمير.
قال: ألم أقدم العراق، فوجدتك خاملاً، فشرفتك، وأوفدتك إلى أمير المؤمنين، وأثبتك عريف قومك، واستشرتك ؟ قلت: بلى.
قال: فما الذي أخرجك علي، وأين كنت في هذه الفتنة ؟

قلت: أصلح الله الأمير، أوحش الجناب، وأحزن بنا المنزل، فاستشعرنا الخوف، واكتحلنا السهر، واستحلسنا البلاء، وفقدنا صالح الإخوان، وشملتنا فتنة، لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، وما أعتذر ألا أكون سعيت، وهذا يزيد بن أبي مسلم، يشـهد لي بذلك، وأني كنت أكتب إليه بعذري.
فقال ابن أبي مسلم: صدق، أعز الله الأمير.
فقال الحجاج: هذا عامر، ضرب وجوهنا بسيفه، وأتانا يعتذر بالباطل، ردوا عليه عطاءه.
وعفا عنـه.

من قصص ملوك الفرس بين كسرى أبرويز ومغنيه وجدت في بعض الكتب، عن ابن خرداذبه، قال: غضب أبرويز الملك، على بعض أصحابه، من جرم عظيم، فحبسه زماناً، ثم ذكره، فقال للسجان: هل يتعاهده أحد ؟.
فقال: أيها الملك، الفلهند المغني وحده، فإنـه كان يوجه إليه في كل يوم بسلة من طعام.
فقال كسرى أبرويز للفلهند، غضبت على فلان، وحبسته، فقطعه الناس غيرك، فإنك كنت تتعاهده بالبر في كل يوم.
فقال: أيها الملك، إن البقية التي بقيت له عندك، فأبقت روحه في جسده، أبقت له عندي مقدار سلة من طعام.
فقال له: أحسنت، وقد وهبت لك ذنبه، وأطلقه للوقت.
الفلهند يحرم الملك أبرويز من شطر لذته حدثني الحسن بن محمد الجنائني، قال: قرأت في بعض كتب الفرس أن أبرويز الملك كان معجباً بغناء الفلهند مغنيه، فنشأ للفلهند غلام أحسن غناء منـه، فأدخله إلى أبرويز يتحفه به، ويتقرب إليه بذلك، فاستطابه أبرويز وغلب على قلبه حتى قدمـه على الفلهند، فحسده الفلهند، فقتله.
وبلغ أبرويز ذلك، فغضب عليه غضباً شديداً، واستدعى الفلهند، فقال له: يا كلب، علمت أن شطر لذتي في الغناء كان فيك، وشطرها كان في غلامك فقتلته لتذهب شطر لذتي، والله لأقتلنك، وأمر به، فجر ليقتل.
فقال: أيها الملك، اسمع مني كلمة، ثم اعمل ما شئت.
قال: قل.
قال: إذا كانت لذتك شطرين، وقد أبطلت أنا بالجهل أحدهما، وتبطل أنت على نفسك الشطر الثاني بطاعة الغضب، فإن جنايتك على نفسك، أعظم من جنايتي عليك.
فقال أبرويز: ما نطقت بهذا الكلام، في مثل هذا المقام، إلا لما في أجلك من تأخير، ولما يريد الله تعالى إسعادي بـه من الالتذاذ بغنائك، وقد عفوت عنك.
وأطلقه.
صاحب المائدة يصب ما في الغضارة على رأس الملك حدثني الحسن بن محمد الجنائني، قال: قرأت في بعض كتب الفرس المنقولة إلى العربية، أن ملكاً من ملوكهم قدم إليه صاحب مائدته غضارة إسفيذباج فنقطت منـها نقطة على ساعد الملك، فأمر بقتله.
فقال له الرجل: أعيذ الملك بالله أن يقتلني ظلماً بغير ذنب قصدته.
فقال له الملك: قتلك واجب، ليتعظ بك غيرك، فلا تهمل الحرمة.
فأخذ الرجل الغضارة، فصبها بأسرها على رأس الملك، وقال: أيها الملك، كرهت أن يشيع عنك أن قتلتني ظلماً، ففعلت هذا لأستحق القتل، فيزول عنك قبح الأحدوثة بظلم الخدم، فشأنك الآن وما تريد.
فقال الملك: ما أحصن الأجل ! وعفا عنـه.
الغلط الذي لا يتلافى وجدت في بعض الكتب: أن رجلين أتي بهما إلى بعض الولاة، وقد ثبت على أحدهما الزندقة، وعلى الآخر شرب الخمر، فسلم الوالي الرجلين إلى بعض أصحابه، وقال له: اضرب عنق هذا، وأومى إلى الزنديق، وحد هذا، وأومى إلى الشارب.
وقال: خذهما.
فلما ذهب بهما ليخرجا، قال شارب الخمر: أيها الأمير، سلمني إلى غير هذا ليحدني، فلست آمن أن يغلط فيضرب عنقي، ويحد صاحبي، والغلط في هذا لا يتلافى.
فضحك منـه الأمير، وخلى سبيله، وضرب رقبة الزنديق.
الأمير عبد الله بن طاهر يعفو عن الحصني ويحسن إليه وجدت في كتاب أبي الفرج المخزومي، عن أبي محمد الحسن بن طالب، كاتب عيسى بن فرخان شاه، قال: حدثني عيسى بن فرخان شاه، قال: لما وليت ديار مصر، لم يزل وجوهها يصفون لي محمد بن يزيد الأموي الحصني بالفضل، وينشدوني قصيدته التي أجاب بها عبد الله بن طاهر، لما فخر بأبيه، ويذكرون قصته معه لما دخل عبد الله الشام، وأشرف الحصني على الهلاك خوفاً منـه، وكيف كفي أمره بلا سبب، وكيف أحسن إليه، وأقره في حصنـه، فكنت أتفقد أمره في ضيعته، وأحسن إليه في معاملته، وكانت كتبه ترد علي بالشكر بأحسن عبارة.

فلما خرجت لتصفح كور عملي، وأحوال الرعية والعمال بالنواحي، وردت الكورة التي فيها حصن محمد بن يزيد في ناحية منـها، فخرج مستقبلاً لي، وراغباً إلي في النزول عليه.
فلما التقينا، قال لي: لم أشك - مع فضلك - أنك لا تتجاوزني، ولم آمن أن يعارضك ظن، يصور لك أن عدولك عني، إبقاء علي، وإشفاق من نسبة السلطان إياك إلى إيثار لذتك في لقائي، فتطويني، فحملت نفسي على خلاف ما كنت أحب أن يشيع لك، من ابتدائي بالقصد قبل رغبتي إليك فيه، فالحمد لله الذي جعل لك السبق إلى المكرمة.
وسرنا إلى حصنـه، وأوقفني على المواضع المذكورة في الخبر والشعر إلى أن دخلنا حصنـه، فلم أجد فيه أهبة للنزول به، ورأيت أدباً ومروءة، وسبق بما حضر من القرى، ولم ينقبض من إحضار ما أعددته في سفرتنا، ووجدت خدمته كلها تدور على جارية سوداء اللون، خفيفة الحركة، يدل نشاطها على اعتيادها الطراق، إلى أن رفع الطعام، وحضر ال، فحضرت السوداء في غير الزي الأول وجلست تغني، فأنكرتها، حتى استثبته فيها، فوصف لي قديم حرمتها، وقال: هي كانت طليعتي يوم قصدني عبد الله بن طاهر.
فاستفتحني لمسألته عن الخبر، فسألته.
فقال: لما بلغني إجماع عبد الله بن طاهر على الخروج لطلب نصر بن شبث - الخارجي كان في ذلك الوقت - بنفسه، أيقنت بالهلاك، وخفت أن يقرب مني، فتنالني منـه بادرة مكروه، ولم أشك في ذهاب النعمة، وإن سلمت النفس لما بلغه من إجابتي إياه، عن قصيدته التي فخر بها، وأنشدنيها:
مدمن الإغضاء موصول ... ومديم العتب مملول
ومدين البيض في تعبٍ ... وغريم البيض ممطول
وأخو الوجهين حيث رمى ... بهواه فهو م
وقليل من يبرّزه ... في يد التهذيب تحصيل
فاتّئد تلق النجاح بـه ... واعتساف الأمر تضليل
واغض عن عيب أخيك يدم ... لك حبل منـه موصول
من يرد حوض الردى صرداً ... لا يسعه الريّ تعليل
من بنات الرّوم لي سكن ... وجهها للشمس إكليل
عتبت والعتب من سكنٍ ... فيه تكثير وتقليل
أقصري عمّا لهجت بـه ... ففراغ عنك مشغول
سائلي عمّا تسائلني ... قد يردّ الخبر مسؤول
أنا من تعرفن نسبته ... سلفي الغرّ البهاليل
مصعب جدّي نقيب بني ... هاشم والأمر مجهول
وحسين رأس دعوتهم ... ودعاء الحقّ مقبول
سل بهم تنبيك نجدتهم ... مشرفّيات مصاقيل
كلّ عضبٍ مشرب عللاً ... وجراز الحدّ مفلول
وأبي من لا كفاء له ... من يسامي مجده ؟ قولوا !
صاحب الرأي الّذي حصلت ... رأيه القوم المحاصيل
حلّ منـهم بالذرى شرفاً ... دونـه عزّ وتبجيل
تفصح الأنباء عنـه إذا ... أسكت الأنباء مجهول
سل به، والخيل ساهمة ... حوله جرد أبابيل
إذ علت من فوقه يده ... نوطها أبيض مصقول
وبربّات الخدور وقد ... جعلت تبدو الخلاخيل
من ثنى عنـه الخيول بأك ... نافها الخطّيّة الشول
أبطن المخلوع كلكله ... وحواليه المغاويل
فثوى والترب مضجعه ... غال عنـه ملكه غول
قاد جيشاً نحو قاتله ... ضاق عنـه العرض والطول
من خراسان مصمّمـهم ... كليوث ضمّها غيل
وهبوا للّه أنفسهم ... لا معازيل ولا ميل
ملكٌ تجتاح سطوته ... ونداه الدّهر مبذول
قطعت عنـه تمائمـه ... وهو مرهوب ومأمول
وتره يسعى إليه بـه ... ودمٌ يجنيه مطلول

قال: وكنت لما بلغتني القصيدة، امتعضت للعربية، وأنفت أن يفخر عليها رجل من العجم، لأنـه قتل ملكاً من ملوكها بسيف أخيه، لا بسيفه، فيفخر عليها هذا الفخر، ويضع منـها هذا الوضع، فرددت على قصيدته، ولم أعلم أن الأيام تجمعنا، ولا أن الزمان يضطرني إلى الخوف منـه، فقلت:
لا يرعك القال والقيل ... كلّما بلّغت تهويل
ما هوى لي حيث أعرفه ... بهوى غيرك موصول
أين لي عدل إلى بدلٍ ... أبديل منك مقبول
إذ عدمت العدل منك وإذ ... أنا فيك الدّهر معدول
حمّليني كلّ لائمة ... كلّ ما حمّلت مقبول
واحكمي ما شئت واحتكمي ... فحرامي فيك تحليل
والّذي أرجو النجاة بـه ... ما لقلبي عنك تحويل
ما لداري منك مقفرةٌ ... وضميري منك مأهول
أيخون العهد ذو ثقة ... لا يخون العهد مسؤول
وأخو حبّيك في تعبٍ ... مطلق مرّاً ومغلول
ما فراغي عنك مشتغل ... بل فراغي بك مشغول
وبدت يوم الوداع لنا ... غادة عيطاء عطبول
حاسراً أو ذات مقنعة ... ذات تاج فيه إكليل
أيّ عطفيها بـه انصرفت ... أرجٌ بالمسك معلول
تتعاطى شدّ معجرها ... ونطاق الخصر محلول
بأداليلٍ لها قتلٍ ... حبّذا تلك الأداليل
فبنفسي دمج مشطتها ... ومثانيها المراسيل
سبقت بالدمع مقلتها ... فلها بالدّمع تفصيل
ورمت بالسّحر من كثب ... فدفين الدّاء مقتول
لاحظت بالسّحر عابثة ... فحسام الصّبر مفلول
شملنا إذ ذاك مجتمعٌ ... وجناح البين مشكول
ثمّ ولّت كي تودّعنا ... كحلها بالدمع مغسول
لا تخاف الدّهر طائره ... فأذاه عنك معقول
أيّها النازي مطيّته ... لأغاليطك تحصيل
قد تأوّلتم على جهة ... ولنا في ذاك تأويل
إنّ دلّيلاك يوم غدا ... بك في الحين لضلّيل
قاتل المخلوع مقتول ... ودم القاتل مطلول
قد يخون الّرمح عامله ... وسنان الرّمح مصقول
وينال الوتر طالبه ... بعدما تسلو المثاكيل
سار أو حلّ فمتّبع ... بالّتي يكبو لها الفيل
لا تنجّيه مذاهبه ... نـهر بوشنجٍ ولا النّيل
ومدين القتل مرتهن ... بدماء القوم مقتول
بأخي المخلوع طلت يداً ... لم يكن في باعها طول
وبنعماه الّتي سلفت ... فعلت تلك الأفاعيل
وبراعٍ غير ذي شفق ... جالت الخيل الأبابيل
يا ابن بيت النّار موقدها ... ما لحاديه سراويل
أيّ مجد فيك نعرفه ... أيّ جدّ لك بهلول
من حسينٌ أو أبوك ومن ... مصعب غالتهم غول
وزريق إذ تخلّفه ... نسبٌ عمرك مجهول
تلك دعوى لا ننقاشـها ... وأبوّات مراذيل
أسرة ليست مباركة ... غيرها الشمّ البهاليل
ما جرى في عود أثلتكم ... ماء مجد فهو م
قدحت فيه أسافله ... وأعاليه مجاهيل
إنّ خير القول أصدقه ... حين تصطكّ الأقاويل
كن على منـهاج معرفة ... لا تغرّنك الأباطيل
إنّ للإصعاد منحدراً ... فيه للهاوي أهاويل

ولريب الدّهر عن عرض ... بالرّدي علّ وتنـهيل
يعسف الصعبة رائضها ... ولها بالعسف تدليل
ويخون الرّمح حامله ... وسنان الرّمح مصقول
وينال الثأر طالبه ... بعدما تسلو المثاكيل
مضمر حقداً ومنصله ... مغمد في الجفن مسلول
قال: فلما قرب عبد الله بن طاهر مني، استوحشت من المقام خوفاً على نفسي، ورأيت بعدي وتسليمي حرمي عاراً باقياً، ولم يكن لي إلى هربي بالحرم سبيل، فأقمت على أتم خوف مستسلماً للاتفاق، حتى إذا كان اليوم الذي قيل إنـه ينزل فيه العسكر بهذه النواحي أغلقت باب حصني، وأقمت هذه الجارية السوداء ربيئة تنظر لي على مرقب من شرف الحصن، وأمرتها أن تعرفني الموضع الذي ينزل فيه العسكر قبل أن يفجأني، ولبست ثياب الموت أكفاناً، وتطيبت، وتحنطت.
فلما رأت الجارية العسكر يقصد حصني، نزلت فعرفتني، فلم يرعني إلا دق باب الحصن فخرجت، فإذا عبد الله بن طاهر، واقف وحده، منفرد عن أصحابه، فسلمت عليه سلام خائف، فرد علي غير مستوحش، فأومات إلى تقبيل رجله في الركاب، فمنع ألطف منع وأحسنـه، ونزل على دكان على باب الحصن.
ثم قال: ليسكن روعك، فقد أسأت الظن بنا، ولو علمنا أنا بزيارتنا لك نروعك ما قصدناك.
ثم أطال المسألة، حتى رأى الثقة مني قد ظهرت، فسألني عن سبب مقامي في البر، وإيثاري إياه على الحاضرة، ورفاهة عيشـها، وعن حال ضيعتي ومعاملتي في ناحيتي، فأجبته بما حضر لي.
حتى إذا لم يبق من التأنيس شيء أفضى إلى مساءلتي عن حديث نصر بن شبث، وكيف الطريق إلى الظفر به، فأخبرته بما حضرني.
ثم أقبل علي وقد انبسطت في محادثته كل الانبساط، فقال: أحب أن تنشدني القصيدة التي فيها:
يا ابن بيت النار موقدها ... ما لحاديه سراويل
فقلت: أصلح الله الأمير، قد أربت نعمتك على مقدار همتي، فلا تكدرها بما ينغصها.
فقال: إنما أريد الزيادة في تأنيسك، بأن لا تراني متحفظاً مما خفت، وعزم علي في إنشادها، عزم مجد فقلت: يريد أن تطرأ على سمعه، فيثور ما في نفسه، فيوقع بي. ولم أجد من إنشادها بداً، فأنشدته القصيدة، فلما فرغت منـها، عاتبني عتاباً سهلاً، فكان منـه أن قال: يا هذا، ما حملك على تكلف إجابتي ؟ فقلت: الأمير أصلحه الله، حملني على ذلك بقوله:
وأبي من لا كفاء له ... من يسامي مجده ؟ قولوا !
فقلت كما تقول العرب، وتفتخر السوقة على الملوك، وكنت لما بلغت إلى قولي:
يا ابن بيت النّار موقدها ... ما لحاديه سراويل
قال لي: يا ابن مسلمة، لقد أحصينا في خزائن ذي اليمينين بعد موته، ألفين وثلثمائة سروايل من صنوف الثياب، ما اصلح في أحدها تكة، سوى ما استعمل في اللبس، على أن الناس يقلون اتخاذ السراويلات في كساهم.
فاعتذرت إليه بما حضرني من القول في هذا، وفي جميع ما ما تضمنته القصيدة، فقبل القبول، وبسط العذر، وأظهر الصفح.
وقال: قد دللتنا على ما احتجنا إليه، من معرفة أمر نصر بن شبث، أفتستحسن القعود عنا في حربه. ولا يكون لك في الظفر بـه أثر يشاكلنا إرشادك لوجوه مطالبه ؟ فاعتذرت إليه بلزوم ضيعتي ومنزلي، وعجزي عن السفر للقصور عن آلته.
فقال: نكفيك ذلك، وتقبله منا، ودعا بصاحب دوابه، فأمره بإحضار خمسة مراكب من الخيل الهماليج بسروجها ولجمـها المحلاة، وبثلاث دواب من دواب الشاكرية، وخمسة أبغل من بغال الثقل، وأمر صاحب كسوته بإحضار خمسة تخوت من أصناف الثياب الفاخرة، وأمر خازنـه بإحضار خمس بدر دراهم، فأحضر جميع ذلك، ووضع على الدكان الذي كان عليه جالساً بباب الحصن.
ثم قال لي: كم مدة تأخرك عنا إلى أن تلحق بنا ؟ فقربت الموعد، فقام ليركب، فابتدرت إلى يده لأقبلها، فمنعني، وركب، وسار الجيش معه، وما ترك أحداً ينزل، وكفى الله مؤونتهم، وخرجت السوداء، فنقلت الثياب والبدر، وأخذ الغلمان الكراع، وما لقيت عبد الله بعدها.
قال عيسى بن فرخان شاه: فأقمت عند محمد بن يزيد يومي وليلتي، فأضافني أحسن ضيافة، وكانت مذاكرته لي، وأدبه، ألذ إلي من كل شيء، فأسقطت عنـه جميع خراجه في تلك السنة، وانصرفت.

ووقع إلي هذا الخبر، بخلاف هذا، فأخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: حدثني عمي الحسن بن محمد، قال: حدثني ابن الدهقانة النديم، قال: حدثني محمد بن الفضل الخراساني، وكان من وجوه قواد طاهر، وابنـه عبد الله، وكان أديباً، عاقلاً، فاضلاً: لما قال عبد اله، قصديته التي فخر فيها بمآثر أبيه وأهله، وبقتل المخلوع، عارضه محمد بن يزيد الأموي الحصني، وهو رجل من ولد مسلمة بن عبد الملك، فأفرط في السب، وتجاوز الحد في قبح الرد، فكان فيما قال:
يا ابن بيت النار موقدها ... ما لحاديه سراويل
من حسين وأبوك ومن ... مصعبٌ غالتهم غول
نسب في الفخر مؤتشب ... وأبوّات أراذيل
قاتل المخلوع مقتول ... ودم المقتول مطلول
وهي قصيدة طويلة.
فلما ولي عبد الله مصر، ورد إليه تدبير الشام، علم الحصني أنـه لا يفلت منـه إن هرب، ولا ينجو من يده حيث حل، فثبت مكانـه، وأحرز حرمـه، وترك أمواله وكل ما يملكه في موضعه، وفتح باب حصنـه، وهو يتوقع من عبد الله أن يوقع به.
قال: فلما شارفنا بلده، وكنا على أن نصبحه، دعاني عبد الله في الليل، فقال: بت عندي، وليكن فرسك معداً، ففعلت، فلما كان في الحسر، أمر غلمانـه وأصحابه أن لا يرحلوا حتى تطلع الشمس، وركب هو وأنا وخمسة من خواص غلمانـه، وسار حتى صبح الحصني، فرأى بابه مفتوحاً، ورآه جالساً مسترسلاً، فقصده وسلم عليه، ونزل عنده.
وقال: ما أجلسك ها هنا، وحملك على أن تفتح بابك، ولم تتحصن من هذا الجيش المقبل، ولم تتنح عن عبد الله بن طاهر، مع علمك بما في نفسه منك، وما بلغه عنك ؟ فقال: إن الذي قلت لم يذهب عني، ولكني تأملت أمري، وعلمت أني قد أخطأت عليه خطيئة حملني عليها نزق الشباب، وغرة الحداثة، وأني إن هربت منـه لم أفته، فباعدت الحرم، واستسلمت بنفسي وبكل ما أملك، فإنا أهل بيت قد أسرع فينا القتل، ولي بمن مضى من أهلي أسوة، وأنا واثق بأن الرجل إذا قتلني، وأخذ مالي، شفى غيظه، فلم يتجاوز ذلك إلى الحرم، ولا له فيهن أرب، ولا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته.
فوالله، ما أجابه عبد الله بدموعه تجري على لحيته، ثم قال له: أتعرفني ؟.
قال: لا والله.
قال: أنا عبد الله بن طاهر، وقد أمن الله روعك، وحقن دمك، وصان حرمك، وحرس نعمتك، وعفا عن ذنبك، وما تعجلت إليك وحدي، إلا لتأمن، قبل هجوم الجيش، ولئلا يخالط عفوي عنك، روعة تلحقك.
فبكى الحصني، وقام فقبل يده، فضمـه عبد الله إليه، وأدناه، ثم قال له: أما إنـه لا بد من العتاب، يا أخي، جعلني الله فداك، قلت شعراً في قومي أفخر بهم، ولم أطعن فيه على نسبك، ولا ادعيت فضلاً عليك، وفخرت بقتل رجل هو وإن كان من قومك، فهو من الذين ثأرك عندهم، وقد كان يسعك السكوت، وإن لم يسعك، أن لا تغرق ولا تسرف.
فقال: أيها الأمير، قد عفوت فاجعله عفواً لا يخالطه تثريب، ولا يكدر صفوه تأنيب.
قال: قد فعلت، فقم بنا تدخل إلى منزلك، حتى توجب علينا حقاً وذماماً بالضيافة.
فقام مسروراً فأدخلنا منزله، وأتانا بالطعام فأكلنا، وجلسنا نشرب في مستشرف له، وأقبل الجيش، فأمرني أن أتلقاهم فأرحلهم، ولا ينزل أحد منـهم إلا في المنزل، وكان على ثلاثة فراسخ من الحصن، فنزلت، فرحلتهم، وأقام عنده إلى العصر، ثم دعا بدواة، فكتب له بتسويغه خراجه ثلاث سنين.
ثم قال له: إن نشطت، فالحق بنا إلى مصر، وإلا فأقم بمكانك.
فقال: أتجهز، وألحق بالأمير.
ففعل، ولحق بنا، فلم يزل مع عبد الله، لا يفارقه، حتى رحل إلى العراق، فودعه، وأقام ببلده.
وحدثني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، بهذا الخبر، من لفظه وحفظه، بخلاف هذا، قال: أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي، قال: حدثني أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: لما قال أبي قصيدته التي يقول فيها:
وأبي من لا نظير له ... من يسامي مجده ؟ قولوا
وذكر أبياتاً من القصيدة، قال الحصني الأموي قصيدة أولها:
لا يرعك القال والقيل ... كلّما بلّغت تمحيل

وذكر أبياتاً من القصيدة يشتمـه فيها، فلما ولي تلك النواحي، علم المسلمي أنـه لا يفوته، فأقام ببلده، فلما قرب أبي من حصن مسلمة، أمر الجيش فنزلوا على فرسخ منـه، ونزع من موضعه، مع عدة من غلمانـه، فجاء إلى الحصن، فابتدأه وهو على باب داره، فسلم، ونزل.
فقال له: من أنت ؟ قال: أنا محمد بن مسلمة القرشي الحصني.
قال: الذي هجوت آل طاهر.
قال: نعم أعزك الله.
قال: فلم فعلت ذلك، فوالله ما فخر القوم إلا بقتلهم رجلاً من قبيل قتلكم وأفناكم، فما ك في هذا ؟ قال: أطت الرحم وإن كانت مقطوعة، ولحقتني الرحمة والحمية، وهو أمرني أن أقول، إذ قال:
من يسامي مجده قولوا
قال: فذكرنا ما عندنا.
قال: فلم لم تستتر من عبد الله بن طاهر وقد أظلك ؟ قال: علمت أني لا أفوته، فجدت بنفسي، وصنت حرمي.
قال: أتعرفني ؟ قال: أما في الحقيقة، فلا، ولكني أظنك من قواده.
قال: لا، بل أنا هو، وإنما سبقت إليك لئلا تراع، وقد أمنك الله، وأمن حرمك، فسلني حاجاتك.
قال: أما أنا أيها الأمير، فقد أجبتني عن قولي بفعلك، وأكذبت شعري بفضلك، وما لي بعدها حاجة، فإني في كفاف من معيشتي.
فاحتمل له خراجه، وقال له: إن شئت فأقم ببلدك، وإن شئت فكن معي.
قال: بل أقيم ببلدي، وأزور الأمير إذا نشط لي.
فأجابه إلى ذلك.

الباب الذي بين الله والناس لا يغلق وحدثني عبد الله بن أحمد بن داسة، المقرىء البصري، قال: سمعت أن بعض الجند، اغتصب امرأة نفسها من الطريق، فعرض له الجيران يمنعونـه منـها، فقاتلهم هو وغلمانـه حتى تفرقوا، وأدخل المرأة إلى داره، وغلق الأبواب، ثم راودها عن نفسها، فامتنعت، فأكرهها، ولحقها منـه شدة، حتى جلس منـها مجلس الرجل من المرأة.
فقالت له: يا هذا، اصبر حتى تغلق الباب الذي بقي عليك أن تغلقه.
قال: أي باب هو ؟ قالت: الباب الذي بينك وبين الله.
فقام عنـها، وقال: اخرجي، قد فرج الله عنك.
فخرجت، ولم يتعرض لها.
بين الوليد بن يزيد وطريح الثقفي أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، عن المدائني، قال: كان الوليد بن يزيد، وهو ولي العهد، يكرم طريح بن إسماعيل الثقفي، ويدني مجلسه، وجعله أول داخل وآخر خارج من عنده، فاستفرغ مديحه كله فيه، فحسده الناس من أهل بيت الوليد، وقدم حماد الراوية، في تلك الأيام إلى الشام.
فقالوا له: قد ذهب طريح بالأمير كل مذهب، فما لنا معه ليل ولا نـهار.
فقال حماد: اطلبوا لي من ينشده بيتين من الشعر في خلوة لأسقط منزلته عنده.
فطلبوا إلى الخصي الذي كان يقوم على رأس الوليد، وجعلوا له عشرة آلاف درهم، على أن ينشد بيتين من الشعر، على خلوة، فإذا سأله عنـهما وعن قائلهما، قال له: طريح، فأجابهم الخصي إلى ذلك، وتعلم البيتين.
فلما كان ذات يوم دخل طريح على الوليد، ودخل الناس، وجلسوا طويلاً، ثم نـهضوا، وبقي طريح مع الوليد، فدعا بغدائه فتغديا، ثم إن طريحاً خرج، فركب إلى منزله، وبقي الوليد وحده في مجلسه ليس معه أحد فاستلقى على فراشـه، فاغتنم الخصي خلوته، فأنشده البيتين، وهما:
سيري ركابي إلى من تسعدين بـه ... فقد أقمت بدار الهون ما صلحا
سيري إلى سيّد سمح خلائقه ... ضخم الدسيعة قرم يحمل المدحا
فأصغى الوليد إليه، ثم قال: من يقول هذا يا غلام ؟ قال: يقوله طريح.
فامتلأ غيظاً وغضباً، ثم قال: والهف أم لم تلدني، قد جعله أول داخل علي، وآخر خارج عني، ويزعم أن هشاماً يحمل المدح، وأني لا أحملها.
ثم قال: علي بالحاجب.
فجاء، فقال له: لا أعلم أنك أذنت لطريح، ولا أراه في بسيط الأرض، فإذا جادلك في ذلك، فاخبطه بالسيف.
فلما صليت العصر، جاء طريح في الساعة التي كان يؤذن له فيها، فدنا من الباب ليدخل، فقال له الحاجب: وراءك.
فقال: ما لك، هل دخل على ولي العهد أحد بعدي ؟ قال: لا، ولكن ساع وليت من عنده، دعاني، فأمرني أن لا آذن لك، وإن جادلتني في الإذن خبطتك بالسيف.
فقال له: لك عشرة آلاف درهم، وأدخلني.
فقال له الحاجب: والله، لو أعطيتني خراج العراق ما أذنت لك، وما لك خير في ال عليه، فارجع.
فقال: ويحك، هل تعلم من دهاني عنده ؟ قال: لا والله، لقد دخلت عليه، وما عنده أحد، ولكن الله تعالى يحدث ما يشاء، في الليل والنـهار. أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7




[كتاب : الفرج بعد الشدة - islamicbook.ws خواص جودا]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Mon, 23 Jul 2018 19:33:00 +0000



تنبه خاله سارا

كتاب : معجز أحمد 5 - islamicbook.ws

المفاضة: تنبه خاله سارا الدرع الواسعة. تنبه خاله سارا والتريكة: البيضة. تنبه خاله سارا والأرقم: ضرب من الحيات منقط كأنـه مرقوم، تنبه خاله سارا بما عليه من النقط. والهاء في يديه يعود إلى الفتى، وقيل: إلى الضيغم. وفي عينيه إلى الأرقم؛ لأنـه المقدم في المعنى، وإن تأخر في اللفظ. وعينيه عطفاً على يديه شبه ساعدي الفتى في الدرع، بساعدي الأسد، وعينيه تحت البيضة، بعيني الحية.
كأجناسها راياتها وشعارها ... وما لبسته والسّلاح المسمّ؟م.
الشعار: العلامة التي يتعارف بها أهل الحرب. والمسمم: المسقى السم. وروى: المسه وهي التأنيث كله للخيل. وقيل في معنى البيت وجوه.
أحدها: أن هذا الجيش كثير مختلف، اجتمع فيه كل أمة من الجند، وكما اختلفت هذه الأجناد، كذلك اختلفت شعارها وأعلامـها وسلاحها. فكل طائفة على هيئة مخالفة لغيرها من الطوائف. كقوله:
في موضع تجمع فيه كل إنس وأمة
هذا ما ذكره المخزومي.
وثانيها: أنـه كلما اختلفت ألوان الخيل وأجناسها وأنواع الرجال وأجنادها، كذلك الرايات والسلاح والشعار فإنـهم في هيئات الأسود والعقبان، فالأسود من جنس الرجال، والعقبان من جنس الأفراس، وشعارها مختلفة الألوان كألوان هذه الخيل، وما لبسته من الحديد، ففي الخيل والرجال صلابة مثله:
وهم في النفاد واله ... لاك كالسلاح المسمم
وثالثها: معناه أن ا كالحديد في صبره على التعب والقتال، ونداؤهم باسم الحديد لأنـهم يتنادون بشعار سيف الدولة المنصور، والسيف: حديد، وما لبسته من التجافيف والجواشن، وهي أيضاً حديد، والسلاح حديد، وعلى الرايات اسم سيف الدولة وهو حديد، ولأنـه جعل الرماح رايات.
وقال ابن جني: معناه أن عسكره كله عربي. خيله وشعاره وملبوسه وسلاحه.
وأدّبها طول القتال فطرفه ... يشير إليها من بعيدٍ فتفهم
الهاء في أدبها وإليها للخيل. وتفهم فعل الخيل، والهاء في طرفه لك فتى.
يقول: إن خيله تأدبت بآداب القتال، فإذا أشار صاحبها إليها من بعيد فهمت مراده، فجاءت إليه مسرعة. وروى: طول القياد وطول الطراد.
تجاوبه فعلاً وما تسمع الوحى ... ويسمعها لحظاً وما يتكلّم
الوحى: الصوت. يقول: إن صاحبها إذا دعاها بلحظه وإشارته، أجابت بالفعل والمجيء، وإن لم تسمع صوته.
تجانف عن ذات اليمين كأنّها ... ترقّ لميّا فارقين وترحم
تجانف: أي تتجانف، فحذف التاء، أي تميل.
يقول: إن الخيل عدلت عن ميا فارقين وأخذت في جانب فكأنـها ترحمـها، وكانت ميا فارقين عن يمين هذه الخيل وهي من جملة ممالكه فلم يتعرض لها لأن القصد كان إلى ديار الروم.
ولو زحمتها بالمناكب زحمةً ... درت أيّ سورينا الضّعيف المـهدّم
يقول: لو زحمت الخيل ميا فارقين بمناكبها، لكانت تدري أي السورين أضعف سورها أم سور الخيل ؟ يعني جعل الخيل سوراً؛ لثباتها وبعد انزعاجها عن موضعها بإزعاج مزعج، والتصاقها للحرب، ومعناه: لو لم تعدل عنـها، ونزلت عليها؛ لهدمت سورها.
قال ابن حني: وحكى أن المتنبي أنشده هذه القصيدة عصراً، فسقط سور ميا فارقين ليلاً، وكان السور جاهلياً.
على كلّ طاوٍ تحت طاوٍ كأنّه ... من الدّم يسقى أو من اللّحم يطعم
الطاوي: الضامر، واللطيف البطن، وقوله: كأنـه يرجع إلى الطاوي الأول، وهي الفرس.
يقول: على كل فرس ضامر، فارسٌ مثله في الضمور. فكأن هذا الفرس سقى من الدم، وأطعم من اللحم.
قيل فيه وجوه: منـها: كأنـه ذئب يأكل اللحم ويشرب الدم، فهو يهجم بفارسه على الحرب كما يهجم الذئب على الصيد.
وثانيها: كأنـه يأكل لحم نفسه، ويشرب دم نفسه. مبالغة في وصفة بالضمور، والهزال؛ لاعتياده القتال.
والثالث: أراد أنـه أطعم لحوم الأعداء وسقى دماؤهم، فهو مجد في طلبهم اقتداء بما مضى من العادة.
لها في الوغى زيّ الفوارس فوقها ... فكلّ حصانٍ دارعٌ متلثّم
يقول: زي هذه الخيل مثل زي فوارسها؛ لأن كل فارس عليه درع ومغفر ولثام، وفرسه مغطى بالتجافيف، والبرقع.
وما ذاك بخلاً بالنّفوس على القنا ... ولكنّ صدم الشّرّ بالشّرّ أحزم
بخلاً: نصب لأنـه خبر ما واسمـه ذاك وهو في موضع الرفع.
يقول: تغطيتهم أنفسهم وخيلهم ليس لجبنـهم وبخلهم بالحياة، ولكنـه مقابلة الشر بالشر، ودفع الشر بمثله، هو الحزم وجودة الرأي.

والصدم: ضرب الشيء بمثله. وهذا قريب من قولهم: الحديد بالحديد يفلح.
أتحسب بيض الهند أصلك أصلها ... وأنّك منـها ؟ ساء ما تتوهّم !
يقول لسيف الدولة: إن السيوف الهند كأنـها تظن أصلها أصلك، وأنك سيف مثلها؛ لما سميت باسمـها وقد ساء ما توهمت، لأنك أشرف منـها جوهراً، وأمضى منـها في الأمور، وإنما أشركتها في الاسم لا في الجوهر والخصال، فأنت من العرب أصلاً، وهي من الهند، وليس فيها خصالك.
إذا نحن سميّناك خلنا سيوفنا ... من التّيه في أغمادها تتبسّم
يقول: إذا سميناك تبسمت سيوفنا في غمودها عجباً بأنك سميها، فكأنـها حسبت أنك منـها أصلاً ومنظراً، وليس الأمر كذلك.
ولم نر ملكاً قطّ يدعى بدونـه ... فيرضى ! ولكن يجهلون وتحلم
بدونـه: أي بدون قدره.
يقول: ما رأيت ملكاً يسمى بدون قدره ويرضى بذلك غيرك ! فإنك لقبت بسيف الدولة فرضيت بـه لحلمك، وهو لا يرضون لجهلهم.
أخذت على الأرواح كلّ ثنيّةٍ ... من العيش تعطى من تشاء وتحرم
الثنية: العقبة.
يقول: حكمت بين الأرواح وبين العيش، فكأنك قعدت على طريق الحياة، فمن شئت خليت سبيل حياته، ومن شئت صرفتها عنـه. يعني أنك قد استوليت على أرواح العباد، فمن أغثته يبقى، ومن لم تغثه يهلك ..
فلا موت من سنانك يتّقى ... ولا رزق إلاّ من يمينك يقسم
يقول: إن آجال الخلق في سنانك، وأرزاقهم في يدك، فلا موت يتقى إلا من سنانك، ولا رزق يقسم إلا من يمينك.
وضربت خيمة كبيرة لسيف الدولة بميا فارقين، وأشاع الناس أن المقام يتصل، فهبت ريح شديدة فسقطت الخيمة فأرجف بذلك وتطير وتحدث الناس فيه، وتكلموا عند سقوطها فقال أبو الطيب رحمـه الله تعالى. يمدحه ويذكر الخيمة:
أينفع في الخيمة العذّل ؟ ... وتشمل من دهرها يشمل
العذل: جمع العاذل.
يقول: عذل الخيمة على سقوطها غير نافع، لأنـها لا تقدر أن تشمل سيف الدولة مع اشتماله على الدهر، وإحاطته بـه ودهرها نصب بيشمل ومن كناية سيف الدولة، وهو بمعنى الذي وهو نصب بيشمل.
وتعلوا الّذي زحلٌ تحته ... محالٌ لعمرك ما تسأل
وتعلو: فعل الخيمة: والذي: في موضع نصب، لأنـه مفعول تعلو.
يقول: كيف تعلو الخيمة سيف الدولة ؟ مع كون زحل تحته ! وما تسأل الخيمة من العلو عليه أمر محال.
فلم لا تلوم الّذي لامـها ؟ ... وما فصّ خاتمـه يذبل
التاء في تلوم للخيمة. وقيل: للخطاب. وما في قوله: وما فص خاتمـه. للنفي بمعنى وليس. ويذبل: جبل.
يقول: من لامـها على سقوطها فقد سامـها أمراً محالاً، فلها أن تقابله بما هو محال مثله. فتقول: لم لم تجعل فص خاتمـه يذبلا ؟ الذي هو الجبل، فكما أن هذا محال، فكذلك استقرارها فوق سيف الدولة محال، والهاء في خاتمـه تعود إلى الذي.
تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل
الأرجاء: النواحي، الواحد رجاً.
يقول: جوانب الخيمة، ونواحيها تضيق عن شخصك؛ والواحد من الجوانب - لسعته - لو ركض فيه جيش عظيم لما ضاق عنـه. يعني أنـها على سعتها تضيق عنك ! وقيل: أراد بالواحد: الواحد من الخيام: يعني أن الواحد من الخيام يركض فيه العسكر الكثير، لعظمـه وسعته، إلا أنـه تضيق عن شخصك نواحيها.
وتقصر ما كنت في جوفها ... وتركز فيها القنا الذّبّل
يقول: إنـها وإن كانت عالية السمك بحيث يمكن أن يركز فيها الرمح، ولكنـها تقصر عنك، في الوقت الذي تكون فيها؛ لأنك أعلى من النجم، وأرفع من السماء.
وكيف تقوم على راحةٍ ؟ ... كأن البحار لها أنمل !
يقول: كيف تستقر الخيمة على راحتك ؟ فكل أنملة منـها مثل البحر، فلا يستقر البناء على الماء. وإن قل، فضلاً عن البحار.
فليت وقارك فرّقته ... وحمّلت أرضك ما تحمل
الوقار: السكون. والتاء في تحمل قيل: للأرض: ومعناه ليتك قسمت وقارك على جميع الخلق، وحملت الأرض من الوقار ما يمكنـها أن تحمله؛ لأنـها لا تستطيع أن تحمل جميع وقارك.
وقيل: التاء للخطاب ومعناه: ليتك حملت الأرض ما تحمل أنت من الوقار. ولو فرقت وقارك على جميع الخلق لوصل إلى هذه الخيمة جزء منـه وأمكنـها بذلك القدر من الوقار السكون والاستقرار.
فصار الأنام بـه سادةً ... وسدتهم بالّذي يفضل

يعني: لو فرقت وقارك وحلمك بين الناس، لوسعهم وصاروا بـه سادة حلماً وكنت تفوقهم بالذي يفضل عنك من الوقار والحلم.
رأت لون نورك في لونـها ... كلون الغزالة لا يغسل
الغزالة: الشمس وقت طلوعها، وكذلك المشرق.
يقول: رأت الخيمة نورك قد عادها، وأضاءت الخيمة به، كما تضيء الأرض بالشمس، فلا يمكن إزالته عنـها كما لا يزال ضوء الشمس. وروى: كلون الغزالة لا ينصل من نصول الخضاب.
وأنّ لها شرفاً باذخاً ... وأنّ الخيام بها تخجل
باذخاً: أي عالياً. والعامل في أن مفتوحة رأت.
يقول: رأت هذه الخيمة لنفسها شرفاً عالياً على سائر الخيام، ورأت أن الخيام تخجل من شرفها.
وقيل: أراد أصحاب الخيام.
فلا تنكرنّ لها صرعةً؛ ... فمن فرح النّفس ما يقتل
يقول: لا تنكر سقوطها، فإنـها لما رأت نورك فيها، وتشرفها بك، غلبها الفرح فسقطت؛ بما داخلها من الطرب والسرور. ومن الفرح ما يقتل صاحبه !! وهذا مثل قوله ومن السرور بكاء.
ولو بلّغ النّاس ما بلّغت ... لخانتهم حولك الأرجل
يقول: لو بلغ الناس ما بلغته هذه الخيمة، لخانتهم أرجلهم من هيبتك، ولسقطوا كما سقطت.
ولمّا أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنّك لا ترحل
التطنيب: من الأطناب، وهي الحبال تشد إلى أوتاد الخيمة.
يقول: إنك لما أمرت بضرب الخيمة، أشيع فيما بين الناس بأنك لا ترحل، بل تقيم.
فما اعتمد اللّه تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل
التقويض: هو قلع الخيام، ونقض البناء من غير الهدم. وأشار: من الإشارة إلى الشيء. وهو بمعنى الدلالة، لا بمعنى المشورة. واعتمد وأعمد: أي ما قصد الله إسقاط هذه الخيمة، ولكن أراد أن يعلم الناس أنك راحل، ودل بذلك على بطلان اعتقادهم باتصال المقام، وترك الارتحال.
وعرّف أنّك من همّه ... وأنّك في نصره ترفل
من همـه: أي من إرادته. وقيل: من عنايته ونصره، والهاء في همـه ونصره ترجع إلى اسم الله تعالى. وترفل: أي تسحب في أذيال النصر.
يقول: إن الله تعالى عرف الناس أن سيرك من مراده، وأنك في عنايته، وأنك مؤيد بنصره، وعليك من نصره حلل ترفل فيها؛ فلهذا أسقطت الخيمة.
فما العاندون ؟ وما أثلوا ... وما الحاسدون ؟ وما قوّلوا
العاندون: الأعداء. والواحد عاند، وأصله من المغالبة عند الجرح، إذا غلب دمـه ولم ينقطع سيلانـه، وأثلوا: أصلوا من التطير لسقوط الخيمة وما في قوله: فما العاندون وما الحاسدون للاستفهام، ومعناه الإنكار والاستحقار. وما في قوله: فما أثلوا ما قولوا بمعنى الذي.
يقول: ما قدر الأعداء وما أصلوه من الأراجيف والأقوال، وما قدر الحاسدون، وما تقولوا من الأكاذيب.
هم يطلبون فمن أدركوا ؟ ... وهم يكذبون، فمن يقبل ؟
يقول: هم يطلبون غايتك، أو يطلبون أعداءهم، فمن أدركوا منـهم ؟! أي لا يدركون ما يؤملون، وهم يكذبون عليك فمن يقبل قولهم ؟! أي لا يقبل منـهم ما يقولون.
وهم يتمنّون ما يشتهون ... ومن دونـه جدّك المقبل
الهاء في من دونـه تعود إلى ما أي أن أعداءك يتمنون ما تشتهيه أنفسهم، ولكن سعادة جدك، وإقبال دولتك، يحول بينـهم وبين مرادهم.
وملمومةٌ زردٌ ثوبها ... ولكنّه بالقنا مخمل
ملمومة: أي كتيبة مجموعة. والزرد: حلق الدرع. وقوله زرد ثوبها في موضع الصفة لملمومة ولما جعل الدرع ثوبا: جعل الرماح خملها؛ طلبا للمشاكلة.
يقول: من دونـه جدك المقبلن وكتيبته مجموعة، أثوابها الدروع، وعلى هذه الأثواب خمل من الرماح: فهي مخملة بالرماح
يفاجئ جيشاً بها حينـه ... وينذر جيشاً بها القسطل
الحين: الهلاك. والقسطل: الغبار. وحينـه رفع لأنـه فاعل يفاجئ والقسطل فاعل ينذر ويجوز أن يكونا مرفوعين بالابتداء وبها في موضع رفع خبر الابتداء. ويفاجئ وينذر: فعل سيف الدولة. والأول أظهر. وبها يعود إلى الملمومة.
يقول: إن سيف الدولة تارة يسرى إلى العدو ليلا، فيفاجئه هلاكه ولم يشعر به، وتارة يسير نـهاراً بهذه الكتيبة، فينذر جيشاً بغبارها فيهرب منـه. وقيل: أراد أنـه يسير مرة في الحزن من الأرض ولا يثير الغبار فيفاجئ جيش العدو، ومرة في السهل فيثير الغبار فيهربون.
جعلتك بالقلب لي عدّةً ... لأنّك باليد لا تجعل

يقول: أنت أجل من أن تنالك الأيدي فتدخرك، كما تدخر سائر السيوف والأموال، ولكن صيرتك في اعتقادي عدة لي لكل شدة، وذخراً لكل نائبة.
لقد رفع الله من دولةٍ ... لها منك يا سيفها، منصل
يقول: رفع الله دولة أنت سيفها، وأبان على جميع الدول فضلها، والهاء في لها وسيفها للدولة. والكاف في منك خطاب لسيف الدولة.
فإن طبعت قبلك المرهفات ... فإنّك من قبلها المقصل
المرهفات: السيوف المرققة الحد، والمقصل: القاطع.
يقول: إن كانت السيوف سبقتك بالطبع، فأنت سبقتها في جودة الجوهر والقطع، فأنت أول سيف قاطع.
وإن جاد بقلك قومٌ مضوا ... فإنّك في الكرم الأوّل
يقول: إن تقدمك الأجواد في الجود، فأنت سبقتهم في الفعال، وتقدمتهم في كرم الخلال، فأنت وإن تأخرت عنـهم وجوداً، تقدمتهم كرماً وجوداً.
وكيف تقصّر عن غايةٍ ... وأمّك من ليثها مشبل
المشبل: التي معها أشبال، وأراد بالليث: أباه. والهاء في ليثها للأم فجعلهما أسدين، وجعله شبلهما.
يقول: فكيف تقصر عن غاية ترويها، وأنت ليث ابن ليث ابن لبؤة.
وقد ولدتك فقال الورى ... ألم تكن الشّمس لا تنجل ؟!
تنجل: أي تلد.
يقول: إنـها في شرفها شمس، فلما ولدتك تعجب الناس وقالوا: أليس الشمس لا تلد ؟ فكيف ولدت الآن ! فجعله شمساً مولوداً من شمس.
فتبّاّ لدين عبيد النّجو ... م ومن يدّعي أنّها تعقل
تباّ: نصب على المصدر وعلى الذم بفعل مضمر، ومعناه: ضلالاً وخسرانا لدين من يعبد النجوم، ومن يدعي أنـها تعقل وتختار وتميز. بين العلة في الذم.
وقد عرفتك فما بالها ... تراك تراها فلا تنزل ؟!
يعني: لو كانت النجوم تعقل، لكانت إذا رأتك تراها، وتنظر إليها نزلت إليك وخضعت لك، لأنك أعلى منـها محلا، فلما لم تفعل علم أنـها غير عاقلة.
ولو بتّما عند قدريكما ... لبتّ وأعلاكما الأسفل
يقول: لو حل كل واحد منكما المحل الذي يستحقه، لعلوت عليها وصرت في الفلك، وسفلت هي عنك، فصار أعلاكما الآن وهو النجم: الأسفل.
أنلت عبادك ما أمّلت ... أنا لك ربّك ما تأمل
التاء في أملت، تعود إلى العباد.
يقول: أنلت عبادك وهم الخلق ما أملوه منك، فبلغك الله آمالك في دنياك وآخرتك. وقيل: الضمير في قوله: ما أملت راجع إلى النجوم: أي أن ما فعلته من تبليغ الناس مناهم، كانت النجوم تأمله، فلا تقدر عليه فأملت ما أملته النجوم.
قال ابن جني: ولما أطلق على الناس لفظ العبودية له، بين في آخر البيت أنـه من جملة العباد وأنـه محتاج كسائر الناس فقال:
أنا لك ربّك ما تأمل
فجعله مثل سائر الناس في الحاجة. صنعة وحذاقة.
وقال وقد ركب سيف الدولة في بلد الروم، من منزل يعرف بالسنبوس في جمادي الأولى سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة فأصبح وقد صف الجيش يريد سمندو. وكان أبو الطيب متقدماً، فالتفت فرأى سيف الدولة خارجاً من الصفوف يدير رمحاً، فعرفه فرد الفرس إليه. فسايره وأنشده:
لهذا اليوم بعد غدٍ أريج ... ونارٌ في العدوّ لها أجيج
الأريج، والأرج: الرائحة الطيبة. والأجيج: من تأجج النار وهو التهابها.
يقول: سيكون لهذا اليوم الذي ركبت فيه، بعد غد أريج: أي ذكرى حسن يسر المسلمين، ويسوء المشركين، ويكون في العدو نار لها توقد والتهاب: أي حروب ووقائع تلتهب مثل النار.
تبيت بـه الحواصن آمناتٍ ... وتسلم في مسالكها الحجيج
الحواصن: جمع الحاصن وهي العفيفة من النساء. وقيل: المتزوجة.
وروى: الحواضر: جمع الحاضرة بخلاف البادية. وروى: الحواضن: جمع الحاضنة لأولادها.
يقول: يأمن بركوبك هذا بعد غد: من في الثغور من النساء، ويأمن أهل الحضر والبدو من الغارات، ويسلم الحجاج والمسافرون في أسفارهم وطرقهم من اللصوص وقطاع الطرق.
فلا زالت عداتك حيث كانت ... فرائس أيّها الأسد المـهيج
المـهيج: هو الهائج: تقول هيجته أهيجه هيجا، وهاج هو بنفسه.
يقول: جعل الله أعداءك حيث كانوا، فرائسك أيّها الأسد.
عرفتك والصّفوف معبّآتٌ ... وأنت بغير سيرك لا تعيج
لا تعيج: أي لا تبالي. تقول: ما عجت بكلامـه أي ما باليت به. وعبأت الجيش وعبيته: إذا زينته وسويت صفوفه.

يقول: عرفتك في حال تعبئة الجيش، وتسوية الصفوف؛ لأنك كنت معروفا فيما بينـهم ببأسك وإقدامك، ومن حيث أنك لا تبالي بغير سيرك، فكان الوقت جامعاً للأمرين: لتعبئة الجيوش، وللحالة الثانية وهي أنك لا تعيج بغير سيرك، وكان من عادته أنـه كان لا يعيج بسير غيره، وإنما كان يعتمد سير نفسه، ولا يعتمد على أن تسير الجيوش إلى الأعداء، بل كان يتولاها بنفسه.
ووجه البحر يعرف من بعيدٍ ... إذا يسجو فكيف إذا يموج
يسجو: يسكن.
يقول: أنت البحر ! يعرف من المكان البعيد، وهو ساكن، فكيف إذا ماج واضطرب ؟! شبهه بالبحر المائج، لبأسه وهيبته.
بأرضٍ تهلك الأشواط فيها ... إذا ملئت من الرّكض الفروج
الأشواط: عدو الفرس. يقال: عدا شوطاً، أي طلقا. والفروج: جمع فرج، وهو ما بين القوائم.
يقول: رأيتك في أرض واسعة بعيدة الأطراف. تهلك: أي تفنى. الأشواط فيها: أي عدو الفرس فيها، لسعتها ولا تقطعها إذا جرت أشد الجري، وهو في معنى قوله:
إذا ملئت من الرّكض الفروج
تحاول نفس ملك الرّوم فيها ... فتفديه رعيّته العلوج
العلوج: جمع علج، وهو الشديد الخلق، القوى على معالجة العمل. والهاء في فيها تعود إلى الروم ويجوز أن تعود إلى الأرض.
يقول: تطلب نفس ملك الروم، وتقصده دون غيره، ولكن تفديه رعيته وأصحابه وجنوده فتقتلهم بين يديه.
أبا لغمرات توعدنا النّصارى ... ونحن نجومـها وهي البروج !؟
الغمرات: الشدائد، وأراد بها الحروب.
يقول: تهددنا النصارى بالحروب والشدائد والخوض في المـهالك ونحن لا ننفك عنـها، وليس لنا منزل سواها فكأنا نجوم، والغمرات بروج تلك النجوم، فكما لا تزايل النجوم بروجها فكذلك نحن لا نزايل الغمرات.
وفينا السّيف حملته صدوقٌ ... إذا لاقى وغارته لجوج
يقول: كيف توعدنا النّصارى ؟ وفينا سيف الدولة ! الذي إذا حمل صدقت حملته: أي لا يرجع حتى يقتل المحمول عليه، وإذا أغار لج على الإغارة وأدامـها.
تعوّذة من الأعيان بأساً ... ويكثر بالدّعاء له الضّجيج
بأساً: قيل نصب على التمييز، وقيل: على أنـه مصدر، وقيل: على أنـه مفعول له. أي نعوذه لأجل بأسه وإقدامـه.
يقول: إذا رأينا بأسه وإقدامـه. خفنا عليه من العيون، فنعوذه من شر العيون أن تصيبه، ورفعنا أصواتنا بالدعاء له، حتى ينصرف الله عنـه العين.
رضينا والدّمستق غير راضٍ ... بما حكم القواضب والوشيج
الدمستق عند الروم: قائد الجيش مثل اسفهسالار عند الفرس والقواضب: السيوف والوشيج: في الأصل. أصول الرماح، وعروقها التي تنبت عليها الرماح، ثم سميت الرماح بمنبتها.
يقول: نحن رضينا بما حكمت السيوف والرماح، والدمستق غير راض بذلك، لأنـها حكمت لنا بالظفر والنصر، وعلى الدمستق بالقتل والهزيمة.
فإن يقدم فقد زرنا سمندو ... وإن يحجم فموعده الخليج
سمندو: مدينة في بلاد الروم، وأراد بالخليج: خليج قسطنطينيه: وهي دار مملكة الروم.
يقول: إن أقدم فنحن توسطنا بلاده، حتى نزلنا على سمندو، وإن أحجم عنا فالموعد بيننا وبينـه أن ننزل على الخليج ونحاصره في دار مملكته.

ومر سيف الدولة بسمندو وعبر آلس وهو نـهر عظيم فنزل على صارخة وأحرق ربضها وكنائسها وربض الخرشنـه وما حولها وأكثر القتل، وأقام بمكانـه يوماً ثم رحل حتى عبر آلس راجعاً، فلما أمسى ترك السواد وأكثر الجيش وسرى حتى جاز خرشنة، وانتهى إلى بطن اللقان في غد ظهراً، ولقى الدمستق في الألوف من الخيل، فلما نظر الدمستق إلى أوائل الخيل، ظنـها سرية، فثبت لها وقاتل أول الناس حتى هزمـهم، وأشرف عليه سيف الدولة فانـهزم. قيل: وقتل من فرسانـه خلق كثير، وأسر من بطارقته وزراورته ووجوه رجاله خلق كثير نيف على ثمانين، وأفلت الدمستق، وعاد سيف الدولة إلى عسكره وسواده، وقفل غانما فلما وصل إلى عقبة تعرف بمقطعة الأثفار فصادفه العدو على رأسها، فأخذ ساقة الناس يحميهم، فلما انحدر بعد عبور الناس ركبه العدو فخرج من الفرسان جماعة، فنزل سيف الدولة على بردى وهو نـهر عظيم وضبط العدو، وعقبة السير صعبة طويلة، فلم يقدر على صعودها لضيقها وكثرة العدو بها، فعدل متيا سراً في طريق وصفه له بعض أدلته، وأخذ ساقة الناس يحميهم، وكانت الإبل كثيرة مثقلة وجاءه العدو آخر النـهار من خلفه، وقاتله إلى العشاء وأظلم الليل، فتسلل أصحاب سيف الدولة يطلبون سوادهم، فلما خف عنـه أصحابه سار حتى لحق بالسواد تحت عقبة قريبة من بحية الحدث، فوقف وقد أخذ العدو الجبلين من الجانبين، فجعل سيف الدولة يستنفر الناس فلا ينفر أحد فمن نجا من العقبة نـهاراً لم يرجع، ومن بقي تحتها لم تكن فيه نصرة ! وتخاذل الناس وكانوا قد ملوا السفر، فأمر سيف الدولة بقتل البطارقة والزراورة ولك من كان في السلاسل - وكان فيها مئات - وانصرف سيف الدولة.
فاجتاز أبو الطيب آخر الليل بجماعة من المسلمين، بعضهم نيام بين القتلى - من التعب - وبعضهم يحركونـهم فيجهزون على من تحرك، فلذلك قال:
وجدتموهم نياماً في دمائكم ... كأن قتلاكم إيّاهم فجعوا
فقال أبو الطيب: يصف الحال بعد القفول في جماد الآخر سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة. ويقال: إنـه قد قتل في هذه الغزاة من المسلمين زهاء مئة ألف فارس ولم ينج سيف الدولة إلا في شرذمة يسيرة.
غيري بأكثر هذا النّاس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدّثوا شجعوا
قوله: هذا الناس إنما وجه فيه الإشارة، أنـه حمله على لفظ الناس ثم قال: إن قاتلوا إلى آخره، فرد الكناية إلى المعنى، وروى: هذا الخلق: وهذا ظاهر.
يقول: غيري ينخدع بأكثر هؤلاء الناس، ويغتر بأقوالهم، فأما أنا، لا أنخدع بهم، ولا أغتر بقولهم، لأني جربتهم فوجدتهم لا خير فيهم، يقولون ما لا يفعلون ! فهم في ألسنتهم شجعان، وفي القتال جبناء لا خير عندهم، ولا غناء.
أهل الحفيظة إلاّ أن تجرّبهم ... وفي التّجارب بعد الغيّ ما يزع
الحفيظة: الشجاعة وأصلها: الغضب؛ لأن الشجاع يغضب عند الحروب، فيحمى عن قومـه. وقيل: الحفيظة: الحمية والأنفة، والتجارب: جمع التجربة. ويزع: أي يكف يقول: هم أهل الشجاعة والحمية في الظاهر، وإذا جربتهم ظهر لك ما يزع عن الاغترار بهم، والانخداع بظاهر أحوالهم.
وما الحياة ونفسي بعدما علمت ... أنّ الحياة كما لا تشتهي طبع ؟
الطبع: الدنس، ثم سمى العار والعيب طبعاً وما استفهام في قوله: وما الحياة وموضعها رفع بالابتداء، والحياة: خبره، ونفسي: معطوفة على الحياة. يعني: وما الحياة، وما نفسي.
يقول: ما لنفسي وطلب الحياة، وكيف ترغب نفسي في حياة هي عار عليها، وغير موافقة لها ! وقد علمت نفسي أن الحياة إذا كانت تنغص بما لا تشتهيه: مرة فقر، ومرة تعب، فهي طبع وعار.
ليس الجمال لوجهٍ صحّ مارنـه ... أنف العزيز بقطع العزّ يجتدع
المارن: مالان من طرف الأنف. يجتدع: أي ينقطع.
يقول: ليس جمال الرجل في صحة وجهه ومارنـه، ولكن جماله في عزته ومنعته، فإن العزيز إذا ذهب عزه ذهب جماله، وكان في الحقيقة مثل من جدع أنفه، لأن السماجة فيه أكثر من قطع الأنف.
أأطرح المجد عن كتفي وأطلبه ؟ ... وأترك ألغيث في غمدي وأنتجع ؟!
يقول: المجد وحسن الحال إنما يكسبان بالسيف. فأطرح هذا المجد عن كتفي ثم أطلبه ! وأترك سيفي في غمدي، وأنتجع المعروف من وجه آخر ! فإذا فعلت ذلك فكأني قد طلبت الأمر من غير وجهه.

وقيل: إنـه إشارة إلى سيف الدولة. أي كيف أتركه وأطلب الخير والمجد من غيره ؟!
والمشرفيّة، لا زالت مشرّفةً ... دواء كلّ كريمٍ أو هي الوجع
يقول داعياً للسيوف: إنـها لا تزال شريفة، فإن العز بها يدرك؛ لان الإنسان إما أن ينال بغيته بها، أو يقتل بها، فهي داء ودواء.
ومثله قول بعضهم:
من عاش بالسّيف لاقى عيشـه عجباً ... موتاً على عجل، أو عاش منتصفاً
وفارس الخيل من خفّت فوقرها ... في الدّرب والدّم في أعطافها دفع
خفت: أي الخيل. والدرب: مضايق الروم. وقيل: الضرب. وهو المضيق في الجبل مثل الباب. والأعطاف: الجوانب. ودفع: أي دفعة بعد دفعة. رجع إلى ذكر سيف الدولة.
يقول: الفارس الشجاع من ثبت خيله وسكنـها في الدرب، والدم يجري في أعطافها دفعة بعد دفعة.
وأوحدته وما في قلبه قلقٌ ... وأغضبته وما في لفظه قذع
وأوحدته: أي جعلته الخيل وحيداً فريداً وانفرد عنـها، ولم يداخله قلق لوحدته، وكذلك لما أغضبته الخيل، بتقاعدهم عنـه، لم يتلفظ بالخنا والفحش.
وروى: وأوجدته: أي أغضبته. من الموجدة وهي الغضب. يعني أن أصحابه لما انـهزموا غضب لذلك، ولكن لم يعلق لهذا الغضب ولم يتلفظ بالقبيح.
بالجيش تمتنع السّادات كلّهم ... والجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع
يقول: كل سيد وأمير يمنعه جيشـه من الأعداء، ويدفع عنـه شرهم، إلا سيف الدولة، فإنـه يمنع جيشـه بنفسه، ويذب عنـه بسيفه.
قاد المقانب أقصى شربها نـهلٌ ... على الشكيم وأدنى سيرها سرع
المقنب: الجماعة من الخيل. والنـهل: الشرب الأول، والشكيم: جمع الشكيمة، وهي الحديدة المعترضة في فم الدابة. وسرع: في معنى سريع. وقيل: مصدر سرع سرعاً مثل ضخم ضخما.
يقول: قاد الجيش إلى بلاد الروم، وكان غاية شرب خيله النـهل، ومع ذلك كانت لجمـها في أفواهها لا تنزع، وكان أقل سيرها سريعاً. فكيف أعلاه ؟!
لا يعتقى بلدٌ مسراه عن بلدٍ ... كالموت ليس له ريّ ولا شبع
لا يعتقى: أي لا يمنع، يقال: عاقه واعتاقه، مقلوب من عقاه واعتقاه ومسراه: مصدر سرى يسري، وهو مفعول لا يعتقى.
يقول: لا يثبت في بلد من بلاد الروم، ولا يعوقه بلد عن آخر، فإذا فتح بلداً تحاوزه إلى آخر فيفتحه، فكأنـه الموت لا يشبع، ولا يروى من هلاك الأنام، وسلب لنفوس. وشبهه بالموت، وشبه البلاد بالنفوس.
حتّى أقام على أرباض خرشنةٍ ... تشقى بـه الرّوم والصّلبان والبيع
الأرباض: جمع الربض، وهي نواحي المدينة، وما يبنى حول سورها من خارج. والصلبان: جمع صليب، تزعم النصارى أنـه صورة الخشبة التي صلب عليها المسيج. وخرشنة: بلد أو حصن.
يقول: لم يزل يسير في بلاد الروم حتى انتهى إلى خرشنة، ونزل على أرباضها، يغير على نواحيها ويكسر صلبانـها ويهدم بيعها
للسّبي ما نكحوا، والقتل ما ولدوا ... والنّهب ما جمعوا، والنّار ما زرعوا
إنما قال: ما نكحوا وما ولدوا لأحد ثلاثة أوجه.
أحدها: أنـه أجراهم مجرى ما لا يعقل من البهائم، فاستعمل لهم لفظ ما لأنـها لما لا يعقل.
والثاني: أن ذلك لغة حكاها أبو زيد عن أهل الحجاز. قال، يقولون: سبحان ما يسبح الرعد بحمده.
والثالث: أنـه في معنى المصدر، تقديره: للسبي نكاحهم، وللقتل ولادتهم.
يقول: إنـه كان يسبي نساءهم، ويقتل أولادهم، وينـهب أموالهم ويحرق زرعهم.
مخلىً له المرج منصوباً بصارخةٍ ... له المنابر، مشـهوداً بها الجمع
مخلى: في موضع نصب على الحال. وكذلك منصوباً ومشـهوداً والهاء في بها تعود إلى صارخة. والمرج وصارخة: موضعان من نواحي خرشنة، وهي من أوسط ممالك الروم.
يقول: أخلى له هذان الموضعان. ونصب له بصارخة المنابر، وبني فيها المساجد، وأقام الجمعة، فشـهد الناس الجمع بها.
يطمّع الطير فيهم طول أكلهم ... حتّى تكاد على أحيائهم تقع
الطير: مفعول يطمع. وطول: فاعله.
يقول: إن الطير قد تعودت أكل لحوم القتلى منـهم، فتكاد تقع على أحيائهم، فضلا عن موتاهم.
ولو رآه حواريّوهم لبنوا ... على محبّته الشّرع الّذي شرعوا
يقول: إنـه مع نكايته فيهم، محبوب إلى قلوبهم لشجاعته وسخاوته، فلو رآه حواريّ النصارى لبنوا شريعيتهم على محبته.

ذمّ الدّمستق عينيه وقد طلعت ... سود الغمام فظنّوا أنّها قزع
القزع: السحاب المتفرق.
يقول: إن عيني الدّمستق كذّبتاه، حتى ظنّ جيشك العظيم، الذي هو بمنزلة الغمام الأسود، أنـه قليل، بمنزلة القطع المتفرقة من السحاب، فلما علم ذلك ذم عينيه، وإنما خص الغمام الأسود، لأنـه أهول منظراً وأكثر في السماء إجراء وتراكماً، فهو إشارة إلى الكثرة، ولأن فيها تكون الصواعق أكثر من غيرها، فهي بمنزلة الجيوش.
فيها الكماة الّتي مفطومـها رجلٌ ... على الجياد الّتي حوليّها جذع
الكمى: الشجاع المتكمي في السلاح أي المستتر. وقيل: إنما سمى كمياً؛ لأن مواضع مقاتله كمى على قرنـه. والحولي: الذي أتى عليه حول. والجذع: الذي تم له حولان.
يقول: في هذه الغمام السود، الشجعان الذي كل طفل منـهم كأنـه رجل؛ لشدته، أو كأنـه أرجل من غيرهم، وكل مـهر حولي من خيلهم كأنـه جذع لقوته أو كأنـه جذع من أفراس غيرهم.
يذرى اللّقان غباراً في مناخرها ... وفي حناجرها من آلس جرع
اللقان: جبل في بلاد الروم. وقيل موضع. وآلس: نـهر. وقيل بينـهما مسيرة يومين. ويذرى: أي يثير ويفرق. وفيه معنيان.
أحدهما: أنـه يريد سرعة السير أي أن الخيل شربت الماء من آلس وسارت منـه ووصلت إلى اللقان، والماء بعد في حلوقها لم تسغه فاختلط غبار اللقان في مناخرها، بماء آلس في حناجرها.
والثاني: أنـه يريد كثرة الجيش حتى أن أوله يثير الغبار باللقان، وآخره على آلس يشرب من مائه كما قال غيره:
بيثرب أخراه وبالشّام قادمـه
كأنّها تتلقّاهم لتسلكهم ... فالطّعن يفتح في الأجواف ما يسع
يقول: كأنـه خيله تتلقى الروم لتسلكهم وتنفذ فيهم، كما ينفذ السهم، فالطعن يفتح لهم في أجواف أعدائهم ما تسع الفارس وفرسه. يعني أن كل طعن كأنـه درب يسع الفارس، فلو أراد السلوك فيها أمكنـه ..
تهدى نواظرها والحرب مظلمةٌ ... من الأسنّة نارٌ والقنا شمع
نار: فاعل تهدى ومفعوله. نواظرها. والهاء للخيل. والقنا: في موضع الجر عطفاً على الأسنة، ويجوز أن يكون في موضع الرفع على الابتداء، وشمع: خبره، والجملة في موضع النصب على الحال.
يقول: إذا أظلمت الحرب بالغبار، وتحيرت فيها عيون الفرسان، هداها لمع الأسنة في الرماح.
شبه القنا بالشمع، والأسنة بالنار التي في رءوسها، وهذا تشبيه بديع.
دون السّهام ودون الفرّ طافحةٌ ... على نفوسهم المقوّرة المزع
الفر: الفرار، وطافحة: أي مرتفعة، من طفحت القدر إذا جاشت وعلا زبدها. والمقورة: الخيل الضامرة. والمزع: السراع.
يعني أن هذه الخيل الضامرة السراع، واثبة على نفوس الأعداء عالية عليهم، وحائلة بينـهم وبين الرمي بالسهام، والفرار بالانـهزام، بل تسبق إليهم الخيل دون ذلك.
وروى: دون السهام ودون القر والمراد بالسهام: السموم، وهي الحر والقر: البرد والمزع بكسر الميم وفتح الزاي، والمقورة: الدرع، والمزع: صفتها، وهي الخلقة.
يعني أن خيله لا يلبسها من الحر والبرد والثياب المعتاد، ولكن دروع أخلقتها كثرة اللبس، والمداومة عليها.
إذا دعا علجاً حال بينـهما ... أظمى تفارق منـه أختها الضّلع
أراد بالعلج: الرومي. وبالأظمى: الرمح الأسمر.
يقول: إذا دعا الرومي رومياً آخر لينصره حال بين الداعي والمدعو. رمح أظمى، فيفرق بينـهما، كما يفرق أحد الأضلاع من الآخر. والهاء في منـه تعود إلى الأظمى وفي أختها إلى الضلع وهي المقدمة في المعنى، ورفعها لأنـها فاعلة: تفارق.
أجلّ من ولد الفقّاس منكتفٌ ... إذ فاتهنّ، وأمضى منـه منصرع
ولد الفقاس: هو الدمسق والمنكتف: المشدود إليه إلى خلف. والكناية في فانـهن تعود إلى خيل سيف الدولة، وهي المعبر عنـها بسود الغمام.
يقول: إن كان الدمستق قد نجا بنفسه، وفات خيلك، فقد أسر من أصحابه من هو أجل منـه، وصرع منـهم من هو أشجع منـه.
وما نجا من شفار البيض منفلتٌ ... نجا ومنـهنّ في أحشائه فزع
الشفار: جمع الشفرة، وهي حد السيف. وأراد بالبيض: السيوف، والأصل فيه الصفة، ثم صار اسماً لها، والكناية في منـهن تعود إلى الشفار. ومنفلت ليس بالفصيح. والجيد المفلت والأول أيضاً لغة.

يقول: إن كان الدمستق قد نجا من سيوفك، فلم يفلت إلا وقلبه مملوء من الفزع، فقد حل في قلبه من الخوف ما يقوم مقام قتله. ومثله لأبي تمام:
إن ينج منك أبو نصر فعن قدرٍ ... ينجو الرجال ولكن سله كيف نجا ؟!
يباشر الأمن دهراً وهو مختبلٌ ... ويشرب الخمر حولاً وهو ممتقع
المختبل: الفاسد العقل. والممتقع: المتغير اللون.
يقول: قد دخل قلب الدمستق من الخوف، ما يباشر معه الأمن دهرا طويلا، وعقله زائل ويشرب الخمر حولا كاملا ولونـه حائل، لشدة الفزع الذي حصل له، مع أن شرب الخمر يظهر في اللون حمرة.
كم من حشاشة بطريقٍ تضمّنـها ... للباترات أمينٌ ما له ورع
الحشاشة: بقية النفس. والبطريق: عند الروم القائد. وتضمنـها: أي تكفل بها. والمراد بالأمين: القيد.
يقول: كم من روح قائد من قواد الروم تكفل بها للسيوف القواطع القيد، وهو أمين، حتى يرد عليها، وإن لم يكن له ورع يكفه عن الخيانة.
وقيل: أراد بالأمين سيف الدولة، وتركه للتورع هو أنـه يقتلهم لأنـهم كفار، ويعرض عن عفوهم، إذ التورع يقتضي ذلك. والأول أولى.
يقاتل الخطو عنـه حين يطلبه ... ويطرد النّوم عنـه حين يضطّجع
يقاتل الخطو عنـه: الضمير في عنـه للبطريق.
يقول: إذ طلبه خطوه لينجيه، دفع القيد عنـه فجعل ذلك مقاتلة بين الخطو وبين القيد، وإذا أراد أن ينام طرد عنـه النوم هذا القيد. وهذا أحسن المعاني في وصف القيد. وقد قال أبو نواس مثله أو قريباً منـه:
إذا قام أعيته على السّاق حلقةٌ ... بها خطوه عند القيام قصير
تغدو المنايا فلا تنفكّ واقفةً ... حتّى يقول لها: عودي، فتندفع
تندفع: أي تسير سيراً سريعاً.
يقول: إن الموت تحت طاعته، فيغدوا كل يوم، فيقف بين يديه، انتظاراً لأمره، فإذا أمره بالوقوع بالأعداء يقول له: اعد إليهم، اندفع إليهم في السير، وأسرع في إجابته وطاعته، فأتى على أرواحهم.
قل للدمستق: إن المسلمين لكم ... خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
يقول: إن المسلمين بفتح اللام: أي الذين أسلمـهم سيف الدولة إلى أعدائهم ولم يذب عنـهم، إنما فعل ذلك لأنـهم خانوه، وخالفوا أمره، فتركهم حتى ظفر بهم العدو، وجعل ذلك جزاء مخالفتهم لأمره، ومعناه: أنـهم لما خالفوه لم يظفروا بعدوهم.
وجدتموهم نياماً في دمائكم ... كأنّ قتلاكم إيّاهم فجعوا
لما انـهزم أصحاب سيف الدولة، التجأ من لا يمكنـه الفرار منـهم إلى قتلى الكفار، وطرح نفسه بين القتلى، وتخضب بدمائهم؛ ليحسب أنـه قتيل فلا يتعرض له.
فيقول: إنما أسرتم كل عاجز لم يكن له حيلة سوى أن يطرح نفسه بين القتلى، ويخضب بدمائهم، فكأنـه هو الفجيع بقتلاكم، يلقى نفسه عليهم أسفاً، ويتخضب بدمائهم جزعاً
ضعفي تعفّ الأعادي عن مثالهم ... من الأعادي وإن همّوا بهم نزعوا
يقول: الذين أسرتموهم، وقتلتموهم كانوا ضعفى، بحيث إذا ظفر العدو بعدوه على حالة مثلها أمسك عنـه، وإن هم بقتله نزع عنـه: أي كف عنـه، لأن حاله شر من القتلى.
وروى: وإن هموا وإن نزعوا أي لا يقتلهم العدو وإن هموا بقتلهم، ومالوا إليه.
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق ... فليس يأكل إلاّ الميّت الضّبع
يقول: لا تظنوا أن من أسرتم كان حياً، بل لم تأسروا إلا كل ميت لم يبق فيه رمق، لأنكم كالضبع، والضبع لا يأكل إلا الميت فلو كانوا أحياء لما أمكنكم أسرهم.
هلاّ على عقب الوادي وقد صعدت ... أسدٌ تمرّ فرادى ليس تجتمع ؟
العقب: جمع عقبة. وروى على عقب الوادي: وهو أسفله وآخره. وقيل: هو موضع بعينـه.
يقول: فهلا أسرتم، أو هلا وقفتم أو حاربتم حين عبرنا الوادي وصعدنا عقبه، وكانت خيلنا كالأسود، تمر فرادى للحرب لا يتوقف بعضها لبعض.
تشقكم بفتاها كلّ سلهبةٍ ... والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع
روى: بقناها: أي برماحها. وروى: بفتاها، والمراد بـه سيف الدولة. والسلهبة: الفرس الطويلة، وقيل: الضامرة الخفيفة.
يقول: هلا تعرضتم لنا حين كانت الخيل السلاهب تشقكم برماحها، أو بفتاها: أي تحمل إليكم رجلا يقتلكم، أو رماحاً تطعنون بها. وقوله: الضرب يأخذ منكم فوق ما يدع أي أن من قتل منكم وجرح أكثر ممن سلم وتخلص من القتل والجرح.

وإنّما عرّض اللّه الجنود بكم ... لكي يكونوا بلا فسلٍ إذا رجعوا
يقال: عرضته للسيف: أي أمكنت السيف من عرضه، أي جانبه. والفسل: الضعيف الردىء من الرجال.
يقول: إنما مكنكم الله تعالى من جيش سيف الدولة ليتطهروا من الأوباش، فلا يبقى فيهم إلا كل شجاع فاتك فيعاودكم جيشة ليس فيه إلا الحماة والكماة.
فكلّ غزوٍ إليكم بعد ذا فله ... وكلّ غازٍ لسيف الدّولة التّبع
يقول: قد صفا جيشـه من كل فسل، فكل غزو بعد هذا الغزو هو لسيف الدولة، والظفر له دونكم، وكل غاز تابع له، وداخل في جملته.
تمشي الكرام على آثار غيرهم ... وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع
يقول: كل كريم يتبع في كرمـه من تقدمـه من الكرام، وأنت تحدث من الكرم ما لا يسبقك إليه أحد، وتبتدع ابتداعاً، ليس لأحد مثله !
وهل يشينك وقتٌ كنت فارسه ... وكان غيرك فيه العاجز الضّرع
يشينك: أي يعيبك. والضّرع: الضعيف. والهاء في فارسه للوقت وكذلك في فيه وكان أصله: فارساً فيه. إلا أنـه أضافه إليه.
يقول: أي عيل لك، إذا ثبت وانـهزم أصحابك ! ليس فيه عيب، بل فيه فخر، لأنـه أظهر شجاعتك وعجز غيرك.
وقيل: معناه ما شانك وقت من الأوقات في الحروب لأنك لم تنـهزم قط، في وقت انـهزم غيرك فيه، بل كنت الغالب وغيرك العاجز.
من كان فوق محلّ الشّمس موضعه ... فليس يرفعه شيءٌ ولا يضع
يقول: أنت أعلى من أن تضع الهزيمة من قدرك، أو يرفع الظفر محلك؛ لأنك فوق الشمس ومن كان كذلك لا يضع منـه شيء ولا يرفعه؛ لأنـه لا نـهاية فوقه.
لم يسلم الكرّ في الأعقاب مـهجته ... إن كان أسلمـها الأصحاب والشّيع
يقول: إن أصحابه أسلموه فإن كره في أعقاب عدوه لم يخذله، فلم يضره خدلان أصحابه وأشياعه إياه. والهاء في أسلمـها للمـهجة.
ليت الملوك على الأقدار معطيةٌ ... فلم يكن لدنيٍّ عندها طمع
يقول: لو أن الملوك يعطون الناس على أقدارهم، لم يطمع الدنيء في الاتصال بهم والقرب منـهم. كأنـه يعرض بسيف الدولة، أنـه لو كان ينفي الأراذل منلم تتنفق هذه الهزيمة عليه. ويعرض بشعرائه، لأنـهم لا يستحقون ما يستحقه من العطاء.
رضيت منـهم بأن زرت الوغى فرأوا ... وأن قرعت حبيك البيض فاستمعوا
حبيك البيض: طرائقه.
يقول: كنت رضيت من جندك أن يكونوا نظارة، وإن ضربت الأعداء سمعوا صوت وقع السيف على رءوس الأعداء وبيضهم.
وقيل: إنـه تعريض لبعض شعرائه. ومعناه: وقد رضيت منـهم أن يحضروا القتلا، وأن يروا ضربك الأعداء، ويستمعوا وقع الصوت على بيضهم، ومن الواجب ألا ترضى منـهم بذلك، بل كان يجب أن يضربوا بين يديك، كما أضرب أنا. والأول أظهر.
لقد أباحك غشاً في معاملةٍ ... من كنت منـه بغير الصّدق تنتفع
يقول: قد أوسع في الغش معك، في معاملة، من كذبك من نفسه، وأظهر لك غير ما في ضميره، ونافقك في موالاته.
الدّهر معتذرٌ والسّيف منتظرٌ ... وأرضهم لك مصطافٌ ومرتبع
المصطاف: موضع الإقامة في الصيف والمرتبع: في الربيع.
يقول: هذه الهزيمة كانت زلة من الدهر، فهو يعتذر منـها إليك، وسيفك ينتظر معاودتك غزوهم، ليتلافى ما فرط، وأرضهم لك تنزلها أيام الصيف والربيع، ولا يقدرون على ردك عنـهم، ودفعك عن ديارهم.
وما الجبال لنصرانٍ بحاميةٍ ... ولو تنصّر فيها الأعصم الصّدع
الأعصم: الوعل الذي في إحدى يديه بياض. والصدع: الوعل بين السمين والهزيل. وقيل: الوعل اللطيف الجثة.
يقول: لو التجأت النصارى إلى الجبال لم تمنعهم منك، حتى لو تنصرت الأوعال التي في الجبال لكنت تصطادها بقوتك وتمضي فيها مرادك.
وما حمدتك في هولٍ ثبتّ له ... حتى بولتك والأبطال تمتصع
تمتصع: أي تقتتل يقول: لم أمدحك في شعري إلا بعد أن جربتك وشاهدتك ثباتك في الأهوال، ومضاربتك فيما بين الأبطال.
فقد يظنّ شجاعاً من بـه خرقٌ ... وقد يعدّ جباناً من بـه زمع
الخرق: الطيش. والزمع: الروية والعزم، وقيل: هو الثبات، وقيل: رعدة تصيب الرجل عند الغضب.
يقول: لم أمدحك إلا بعد التجربة فقد يحسب الأخرق المتهور في الحروب من غير تدير شجاعا، ويحسب الشجاع إذا قدم بالتدبير والعزم والثبات على الحروب جباناً أو إذا رؤى زمعه وارتعاده من الغضب يظن أنـه جبان.

إنّ السّلاح جميع النّاس تحمله ... وليس كلّ ذوات المخلب السّبع
كل ذوات المخلب السبع: مبتدأ وخبر. في موضع نصب بخبر ليس، والاسم: مضمر وهو ضمير الأمر والشأن. وقيل: إن ليس ها هنا بمنزلة ما في لغة بني تميم لا ينصب خبرها.
يقول: ليس كل من يحمل السلاح شجاعاً، كما أن ليس كل ذي مخلب أسد، فقد يحمل الجبان السلاح كما يحمله الشجاع، وقد يكون لغير الأسد مخلب، كالكلب والذئب والضبع، كما يكون للأسد.
وتوقف سيف الدولة في الغزاة الصائفة في جمادي الآخرة سنة أربعين وثلاث مئة ببقعة عربسوس على افتراق القرى ثم أصبح صافا يريد سمندو، وقد اتصل بـه أن العدو بها جامعاً معد في أربعين ألفا، فتهيب جيش سيف الدولة الإقدام عليها، وأحب سيف الدولة المسير إليها، فاعترضه أبو الطيب وأنشده ارتجالا فلما بلغ إلى قوله:
وإن كنت سيف الدّولة العضب فيهم
قال سيف الدولة: قل لهؤلاء وأومأ بيده إلى من حوله من العرب والعجم - يقولوا كما تقول حتى لا ينثني الجيش، فما تجمل أحد منـهم بكلمة.
نزور دياراً ما نحبّ لها مغنى ... ونسأل فيها غير سكّانـها الإذنا
المغنى: المنزل. والضمير في لها وسكانـها للديار.
يقول: نحن نزور دياراً لا نحب مغانيها، لأنـها ديار الأعداء، لا ديار الأحباب، وإن كانت هذه ليست بزيارة، غير أن الصورة صورة الزيارة، لأنا لا نريد المقام بها كما يفعل الزائر، ونحن نسأل ل هذه الديار الإذن من غير سكانـها الذين هم الروم، فنستأذن سيف الدولة، وندخلها بإذنـه.
نقود إليها الآخذات لنا المدى ... عليها الكماة المحسنون بها ظنّا
الكناية في إليها ولها للديار، وفي عليها بها للآخذات، والمدى: الغاية. يقال: أخذ هذا الفرس المدى: إذا سبق.
يقول: نقود إلى ديار الروم خيلاً سوابق، عليها شجعان، يحسنون الظن لأنـهم جربوها فعرفوها بالجودة.
ونصفي الّذي يكنى أبا الحسن الهوى ... ونرضى الّذي يسمى الإله ولا يكنى
يقول: نصفي الحب للّذي كنيته: أبو الحسن، وهو سيف الدولة، ونرضي الله تعالى، وذلك اسمـه، ولا يجوز أن يكنى.
وقد علم الرّوم الشّقيّون أنّنا ... إذا ما تركنا أرضهم خلفنا عدنا
يقول: قد علم الروم الأشقياء أنا إذا ارتحلنا عن ديارهم، عدنا إليها مرة أخرى، ولا نزال نعاودهم حتى نستأصلهم.
وإنّا إذا ما الموت صرّح في الوغى ... لبسنا إلى حاجاتنا الضّرب والطّعنا
صرح: ظهر، وانكشف.
يقول: قد علموا أنا نخوض الضرب والطعن، حتى نصل إلى مرادنا ولا يردنا عنـه الموت الصريح.
قصدنا له قصد الحبيب لقاؤه ... إلينا، وقلنا للسّيوف هلمّنّا
الضمير في له يعود إلى الموت. وفي قوله لقاؤه إلى الحبيب.
يقول: إذا ظهر الموت في الحرب قصدنا إليه مسرعين. كما نقصد جيباً نشتهي لقاءه وأشـهدنا علينا السيوف، وقلنا لها تعال إلينا. وهلم: اسم للفعل ومعناه: تعال، وهو مركب من فعل وحرف أصلها لم فها تنبه ولم أمر من لم. إذا أتاه والأمر: لم يا رجل. وألم يلم والأمر منـه ألمم. ثم جعلا اسماً واحداً. وقيل: هلم فيه لغتان: إحداهما: التسوية بين المذكر والمؤنث والتثنية والجمع.
والثانية: التمييز فتقول: هلما: يا رجلان وهلموا يا رجال، وهلمي يا امرأة. وما في البيت على هذه اللغة، لأنـه خطاب للسيوف وأصله هلمي يا سيوف ثم أدخلوا عليه النون الثقيلة فحذفت الياء لسكونـها وسكون النون الأولى بعدها فبقي: هلمن فعلى هذا يكون بكسر الميم كما تقول: اضربن يا امرأة. وحكى عن المتنبي أنـه كان ينشده بضم الميم، فعلى هذا يكون أجرى السيوف مجرى المذكرين ممن يعقل. كقوله تعالى: " كلّ في فلكٍ يسبحون " ورأيتهم لي ساجدين. وكان أصله هلموا فلما أدخل عليه النون للتأكيد الثقيلة حذفوا الواو؛ لسكونـها وسكون النون الأولى، لأن النون الثقيلة كالتنوين.
وخيلٍ حشوناها الأسنّة بعدما ... تكدّسن من هنّا علينا ومن هنّا
حشوناها الأسنّة: أي طعنّاها، وأدخلنا الأسنّة في جلودها، أي رب خيل ملأنا جلودها بالأسنة، بعدما اجتمعن علينا من ها هنا وها هنا، أي من كل جانب. أو من اليمين والشمال، حتى تفرقت عنا مدبرة بين أيدينا.
ضربن إلينا بالسّياط جهالةً ... فلمّا تعارفنا ضربن بها عنّا

وروى: فلما تلاقينا وتقارعنا وجهالة: نصب على أنا المفعول له.
يقول: لما رأونا ضربوا خيولهم إلينا؛ لجهلهم بنا، فلما عرفوا أمرنا ولوا عنا، يضربون خيولهم بالسياط للهرب عنا، كما كانوا يضربونـها للإقبال علينا.
وقيل: معناه أنـهم ظنونا عسكر الروم فأقبلوا نحونا، فلما تحققوا الأمر ولوا عنا هاربين مستحثين خيولهم.
تعدّ القرى والمس بنا الجيش لمسةً ... نبار إلى ما تشتهي يدك اليمنى
تعد: أي تجاوز. والمس بنا: أي اقصد بنا. نبار: أي نسابق أو نسبق. والتاء في تشتهي: للخطاب لسيف الدولة، فيكون يدك منصوباً. وقيل: راجع إلى اليد، فيكون مرفوعاً.
ومعناه: تجاوز قرى الروم، وأعرض عن الإعادة، واقصد بنا جيش الروم، لكي نسبق في طاعتك، وما تشتهيه يدك اليمنى، فنكون أطوع لك منـها.
وقيل: معناه أنا نكون كالرماح نسبق السيف في يدك.
فقد بردت فوق اللّقان دماؤهم ... ونحن أناسٌ نتبع البارد السّخنا
بردت: جمدت. واللقان: موضع.
يقول: إذا أردت دماء الذين قتلناهم، فاقصد بنا إليهم، لتجري دماؤهم الآن، لأنا قوم نتبع البارد. الحار.
وإن كنت سيف الدولة العضب فيهم ... فدعنا نكن قبل الضّراب القنا اللّدنا
يقول: إن كنت سيفاً قاطعاً ماضياً في الروم، فاجعلنا أرماحاً لينة، لنسبق ضربك، أي قدمنا أولاً إلى الحرب، فنكون مثل الرماح، يبدأ بها في القتال فإذا كسرت وآل أمرها إلى الضراب، رجعت النوبة إليك؛ لأنك سيف قاطع، ومثله:
فلمّا أن توافينا قليلاً ... أنخنا للكلاكل فارتمينا
فلمّا لم ندع قوساً وسهماً ... مشينا نحوهم ومشوا إلينا
فنحن الألى لا نأتلي لك نصرةً ... وأنت الّذي لو أنّه وحده أغنى
الألى: بمعنى الذين. لا نأتلي: أي لا نقصر. ونصرة: نصب على التمييز. وقيل: أصله في نصرة ثم حذف حرف الجر، وأوصله إلى ما بعده فنصبه.
يقول: نحن لا نقصر في نصرتك، مع أنك لا تحتاج إلى نصرة أحد، بل في غنائك ما يكفي كل الأعداء.
يقيك الرّدى من يبتغي عندك العلا ... ومن قال: لا أرضى من العيش بالأدنى
يقول: من طلب عندك العلا صار وقاية لك، وجعله الله فداء لك، وكذلك من لا يرضى بالأدنى من العيش، وطلب أقصاه، يقيك الهلاك بنفسه، فإنـه لا يدرك منا إلا بك في حياتك.
يعني: إذا كنا نطلب عندك العلو وصفو العيش، فلا بد أن نتقدمك في الحرب، ونجعل نفوسنا وقاية لك، وإن كنت تغتني عنا بنفسك.
فلولاك لم تجر الدّماء ولا اللّها ... ولم يك للدّنيا ولا أهلها معنى
القياس: فلولا أنت. كقوله تعالى: " لَوْلاَ أَنْتُم لَكُنَّا مًؤْمِنين " لأن الاسم بعد لولا مبتدأ، فإذا وقع الضمير بعدها، يجب أن يكون ضمير رفع منفصل، ولكنـه أقام ضمير المجرور مقام المرفوع، واللها: الدراهم والدنانير.
يقول: الدماء كلها تجري بسيفك، والعطايا تجري على يديك، وأنت معنى الدنيا وزينة أهلها، فلولا أنت لم يكن للدنيا ولا لأهلها معنى، ولم يكن شجاعة ولا جود.
وما الخوف إلا ما تخوّفه الفتى ... ولا الأمن إلاّ ما رآه الفتى أمنا
تخوفه: أي يخافه.
يقول: الخوف والأمن، ما تصوره الإنسان في نفسه، فإذا تصور في الشيء أنـه مخوف خافة، وإن لم يكن مخوفاً وإذا تصور في نفسه أن الشيء مأمون أمن منـه، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة، وفيه حث على قتال الروم، ومنع من الخوف منـهم.
وقال أيضاً يمدحه ويذكر هذه الغزاة وأنـه لم يتم له قصد خرشنة؛ بسبب الثلوج وهجوم الشتاء.
عواذل ذات الخال فيّ حواسد ... وإنّ ضجيع الخود منّي لماجد
الخال: قيل هو الخيلاء، أي ذات الخيلاء. وقيل أراد به: الخال الذي يكون في الخد، مثل الشامة وجمعة خيلان. والخود: الناعمة الحسنة الخلق. والماجد: الكثير الشرف، وكنى بـه عن العفيف.
يقول: إن النساء اللواتي يعذلن هذه الجارية ذات الخال في وصلها إياي لسن بعواذل في الحقيقة، وإنما هن الحواسد، يحسدونـها علي، بحبي إياها. ثم استأنف وقال: إن ضجيع الخود مني لماجد أي إذا ضاجعتها عففت عنـها، ولم ينلها من جهتي عار. وأراد بالضجيع نفسه وهمته ولهذا قال منى أي أن الذي يضاجعها منى ماجد عفيف.
يردّ بداً عن ثوبها وهو قادرٌ ... ويعصى الهوى في طيفها وهو راقد

فاعل يرد ضمير الضجيع، وكذلك جميع الكنايات تعود إليه.
يقول: إذا خلوت معها رددت يدي عنـها وأمسكتها عن ثوبها، ولو أردت لقدرت منـها على ما اشتهيت، وإذا رأيت طيفها في النوم عصيت الهوى فيه، وعففت عنـه، فحالي في النوم مع الطيف كحالي في اليقظة معها.
ومعناه: أن الفاحشة لا تخطر ببالي لاستعمال العفة في اليقظة، لأن الإنسان إنما يرى في المنام ما حدثته بـه نفسه في حال اليقظة، وأخذ منـه التهامي هذا المعنى فقال:
إذا ما أراد الطّيف تقبيل ثغره ... ثنى وجهه عن لثمـه بلثامـه
فكيف يرجّى منـه حال انتباهه ... حنوّاً، فهذا فعله في منامـه
متى يشتفي من لاعج الشّوق في الحشى ... محبّ لها في قربه متباعد
لاعج الشوق محرقه، وفاعل يشتفي محب.
يقول: متى يشتفي العاشق من شوقه المحرق له، إذا كان في حال قربه من الحبيب متباعد منـه. يعني أن العاشق إنما يداوي شوقه بلقاء حبيبه، فإذا باعده أيام قربه لم يشتف منـه.
إذا كنت تخشى العار في كلّ خلوةٍ ... فلم تتصبّاك الحسان الخرائد ؟!
تتصباك تستميل قلبك. وقيل: تحملك على الصبي. وتعرضك له، والخريدة: الجارية الناعمة.
يخاطب نفسه ويقول: إذا كنت تختار العفاف في كل خلوة وتعد القرب من الحسان عاراً، فلماذا تعشقك النساء الحسان ؟! ومالك والتعرض للهوى ! وقريب منـه:
من راقب النّاس مات غمّاً ... وفاز باللّذة الجسور
ألحّ عليّ السّقم حتّى ألفته ... وملّ طبيبي جانبي والعوائد
ألح دام والعوائد جمع العائد؛ وخص النساء لأنـهن أعطف قلوباً، وأدوم على العيادة، فإذا ملت النساء من العيادة فالرجال أكثر ملالاً.
يقول: إن السقم قد لازمني حتى ألفته واستأنست به، وحتى ملني الطبيب والعوائد وأسلموني لما بي.
مررت على دار الحبيب فحمحمت ... جوادي، وهل تشجو الجياد المعاهد ؟!
تشجو أي تحزن والجياد مفعوله والمعاهد الفاعل. وهي المنازل، والواحد معهد.
يقول: مررت بدار الحبيب فعرفت جوادي، فحمحمت لما تذكرت أيامـها حين، كنت أزور الحبيب عليها. ثم تعجب وقال: كأن الجياد أيضاً تشتاق إلى الديار ! وتشجوها المنازل ومفارقة الأحباب ! ثم رجع عن التعجب في البيت الذي بعده.
وما تنكر الدّهماء من رسم منزلٍ ... سقتها ضريب الشّول فيها الولائد ؟
الدهماء الفرس السوداء، وهي الجواد المذكورة قبل، والضريب: اللبن الخاثر والشول: جما شائل وهي الناقة التي قل لبنـها، وذلك أحمد اللبن، وألطفه، والهاء في فيه للمنزل. والوليدة: الأمة والخادمة.
يقول: كيف تنكر فرسي أثر الموضع التي كانت الولائد تسقيها اللبن فيه من الشول حتى اعتادت ذلك ؟ أي كان من الواجب عليها أن تعرف ذلك، وتحزن لفراق هذا المنزل.
أهمّ بشيٍ واللّيالي كأنّها ... تطاردني عن كونـه وأطارد
أهم بشيء: أي عزم عليه وأريده. والمطاردة: المحاربة. وقوله: أطارد فيه محذوف، أي وأطاردها عن كونـه، وأخبر عما يهم بـه بالنكرة، ليكون أعظم في النفوس.
يقول: إني أحاول أمراً عظيماً وأريد أن أحصل مرادي فيه، والأيام تع عنـه وتحاربني عليه. ومثله لآخر:
يطردني دهري وأحداثه ... عن كون ما أبغي وما أطلب
وما ينال المرء مأموله ... ودهره عنـه بـه يهرب
وحيداً من الخلاّن في كلّ بلدةٍ ... إذا عظم المطلوب قلّ المساعد
نصب وحيداً على الحال في الضمير الذي في أطارد أي أطارد الليالي وحيداً. وروى: مرفوعاً، فيكون خبر ابتداء محذوف. أي أنا وحيد.
يقول: أحاول أمراً عظيماً وأنا وحيد فالليالي تعني عنـه، ولا أجد خليلاً يساعدني عليه، والمطلوب إذا كان عظيماً قل من أن يساعد طالبه.
وتسعدني في غمرةٍ بعد غمرةٍ ... سبوحٌ لها منـها عليها شواهد
وروى: تساعدني، وهو معنى تسعدني والشواهد: الدلائل والهاء في لها وعليها ومنـها للسبوح.

يقول: يساعدني فيما أطلبه فرسي السبوح، وتقتحم معي الغمرات والشدائد، مرة بعد مرة، ثم وصف فرسه فقال: لها منـها عليها شواهد أي لها من خلقها شواهد على عتقها. يعني إذا نظرت إلى حسن أعضائها استدللت على كرمـها. وقيل: إن الضمير في لها للسبوح وفي منـها وعليها للغمرة. يعني بهذه الفرس شواهد من هذه الغمرة التي خاضتها، وهذه الشواهد التي لها، تشـهد على الغمرة بأنـها قد خاضتها، وهي آثار الطعن.
وعيب عليه في الجمع بين حروف الجر، والكنايات المتناسبة ولا مطعن عليه. ومثله: في القرآن العظيم قوله تعالى: " وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا " ، " وَلِيَ فِيهَا مآرِبُ أَخْرَى " وفي الشعر قول الكميت:
إنّ ابن حزم عمرو من ذوى كرمٍ ... لي فيه منـه علاماتٌ وآثار
تثنّى على قدر الطّعان كأنّما ... مفاصلها تحت الرّماح مراود
المراود جمع مرود، وهو الحلقة التي في رسن الدابة، يكون فيها مسمار يدور عليها ذلك، فذلك المسمار هو المرود.
يقول: إنـها تتمايل وتتصرف بفارسها عند المطاعنـه، على حسب ما يحتاج إليه الفارس، فكأن مفاصلها تحت الرماح: المرود الذي يدور في الحلقة، أو تدور الحلقة حيثما أديرت.
وقيل: المرود: هو الذي يكحل به، وهو الميل. فيكون من باب المقلوب ومعناه: كأن الرماح تحت مفاصلها المراود.
والمقصد في الوجهين وصفها بلين المفاصل، وجودة الانعطاف عند الجولان والطعان.
وأورد نفسي والمـهنّد في يدي ... موارد لا يصدرن من لا يجالد
والمـهند السيف المطبوع، على مثال سيوف الهند. من لا يجالد أي من لا يحارب، ولا يجيد الضرب بالسيف.
يقول: إني أورد نفسي - وسيفي في يدي - موارد الحرب التي لا يسلم منـها إلا كل شجاع فاتك مجيد الضرب.
ولكن إذا لم يجمل القلب كفّه ... على حالةٍ لم يحمل الكفّ ساعد
الهاء في كفه يعود إلى من في قوله: من لا يجالد.
يقول: الرجل إذا لم يكن له قلب يحمل كفه لم يحملها ساعده، لأن القوة والشجاعة من القلب.
خليليّ إنّي لا أرى غير شاعر ... فلم منـهم الدّعوى منّى القصائد ؟
يقول: كلمن أرى يدعي أنـه شاعر، ولكنما بلهم اقتصروا على مجرد الدعوى، ولم يشاركوني في المعنى كما يشاركوني في الاسم.
فلا تعجبا؛ إنّ السّيوف كثيرةٌ ... ولكنّ سيف الدّولة اليوم واحد
يقول: لا تعجبا من حالنا، فأنا واحد في الشعر، وغيري مدع، كما أن السيوف كثيرة، وليس شيء، منـها كسيف الدولة، فهو واحد بين السيوف. يعني أنـه في الشعر كسيف الدولة في الأمراء، وقوله: اليوم زائدة.
له من كريم الطّبع في الحرب منتض ... ومن عادة الإحسان والصّفح غامد
يقول: الكرم يبعثه على المحاماة في الحرب والذب، فينتضى من غمده على الأعادي، وله عادة الإحسان والصفح عن المذنب. وذلك يحثه على العفو.
ولمّا رأيت النّاس دون محلّه ... تيقّنت أنّ الدّهر للنّاس ناقد
يقول: لما رأيت سيف الدولة أعلى الناس محلا، ورأيتهم دونـه، علمت أن الدهر ناقد، ينزل كل أحد منزلته.
أحقّهم بالسّيف من ضرب الطّلى ... وبالأمر من هانت عله الشّدائد
يقول: أحق الناس بأن يسمى سيفا: من يضرب رقاب الأعداء، فيعمل عمل السيف، وأولاهم بالأمر والنـهي: من تسهل عليه شدائد الزمان، وليس كذلك إلا سيف الدولة، فلهذا اختص بهذا الاسم، وتفرد بالأمر والنـهي.
وقيل: معناه أحقهم بأن يكون صاحب السيف، من يضرب رقاب الأعداء ومن يتحمل شدائد الدهر، أولى بالأمر. وروى: بالأمن بالنون.
وأشقى بلاد اللّه ما الّروم أهلها ... بهذا وما فيها لمجدك جاحد
ما الأولى: بمعنى الذي أي الروم أهلها. وما الثانية: للنفي. والضمير في أهلها وفيها يعود إلى معنى ما الأولى، لأنـه بمعنى البلدة والأرض. ولمجدك جاحد هذا مثل قوله تعالى: " حَتَّى إذا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْن بِهم " ومثل قول جرير:
متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيّتها الخيام
استفهم أولا عن الغائب، ثم عدل إلى الخطاب.
وفي إعراب البيت خلل، لأنـه إن حمل على أنـه فصل بين أفعل، وما هو من تمامـه، بخبر الابتداء، وهو قبيح، لأنـه قال: أشقى بلاد الله ما الروم أهلها بهذا.
وتأويله: أن قوله: بهذا متعلق بمحذوف يدل عليه أشقى، أي شقوا بهذا.

المعنى: أشقى البلاد بك بلاد الروم، وأهلها أشقى الناس بك، لأنـها أبداً بك تخرب بلادهم، وتغير عليهم وتسبي نساءهم، وأهليهم، وهممع ذلك يقرون بفضلك، وشرفك حتى ليس فيهم أحد ينكر ذلك.
شننت بها الغارات حتّى تركتها ... وجفن الّذي خلف الفرنجة ساهد
شننت أي فرقت بها أي بالروم. والغارات هي التي تغير عليها. والفرنجة ناحية بأقصى بلاد الروم، تجاور الأندلس. وقيل: خلف الفرنجة أراد بـه قسطنطينية، وهي وراء الفرنجة. وأراد بالذي ملك الروم أو ملك الفرنجة. يعني أغرت على بلاد الروم وعممتها بخيلك وسراياك، حتى صاحب الفرنجة، أو ملك الروم، لا تنام عينـه خوفاً منك.
مخضّبة والقوم صرعى كأنّها ... وإن لم يكونوا ساجدين، مساجد
مخضبة نصب على الحال. أي شنت بها الغارات، وسفكت فيها الدماء، حتى خضبت الأرض بدماء القتلى، فكأن الأرض مساجد مخلقه، والقوم الصرعى فيها، كأنـهم ساجدون، وإن لم يكونوا سجوداً في الحقيقة.
شبه الدم بالخلوق الذي يكون في المساجد.
تنكّسهم والسّابقات جبالهم ... وتطعن فيهم والرّماح المكايد
قال الليث: طعنـه بالرمح يطعنـه طعناً، وطعنـه بالقول يطعنـه طعاناً، ففرق بينـهما في المصدر، وأما في المستقبل فمضموم العين. وقيل: يجوز طعاناً في الرمح أيضاً. وعن الليث عن بعضهم: يطعن بالرمح ويطعن بالقول. قال: وكلاهما يطعن. ومثله للكسائي بالضم فيهما. قال الفراء: سمعت يطعن بالرمح. ونكست الفارس عن فرسه: إذا طرحته عنـه، على رأسه.
يقول: تحصنوا بالجبال فراراً منك، فطاعنتهم برماح كيدك، حتى نكستهم عن رءوس الجبال، التي هي كالخيور لهم.
وقيل: أراد بالسابقات الخيل نفسها، أي تقلب بالقتل عن أفراسهم التي هي كالجبال الحصينة، ويصل طعنك إليهم، والذي يوصله إليهم هو رماح المكايد والتدابير. والأول هو الوجه.
وروى والسابقات حبالهم بالحاء. أي حبالك التي تصطادهم بها: خيلك. ومكايدك: رماحك تطعنـهم بها.
وتضربهم هبراً وقد سكنوا الكدى ... كما سكنت بطن التّراب الأساود
الهبر: أن يقطع اللحم ويبينـه عن الجسم يقال: يضرب هبراً. أي يقطع. وقيل: هو تجاوز الضريبه والكدى جمع الكدية، وهي الأرض الصلبة. والأساود جمع الأسود وهي الحية السوداء.
يقول: فروا منك إلى المغارات والمطامير ودخلوا تحت الأرض كالحية السوداء، فأخرجتهم منـها وقتلتهم.
وقيل: معناه ضربتهم هبراً حتى دخلوا الكدى، خوفا منك، فاستتروا بالمطامير، كالحيات تحت التراب.
وقيل: إن سيف الدولة أسرهم وأدخلهم المطامير.
وقيل: أراد بالكدى القلاع والحصون.
وتضحى الحصون المشمخّرات في الذّرى ... وخيلك في أعناقهن قلائد
الذرى: رءوس الجبال، الواحد: ذروة. يعني أن خيلك تصعد رءوس الجبال، فتحيط بحصونـهم إحاطة القلائد بالأعناق.
عصفن بهم يوم اللّقان وسقتهم ... بهنزيط حتّى أبيضّ بالسّبي آمد
عصفن بهم أي هلكنـهم، والكناية للخيل. وفي بهم للروم، وكذلك ناحية الأرض، من وراء آمد، لأنـه ذهب بـه مذهب البلد أو الموضع، ولأن التأنيث إذا كان غير حقيقي يجوز تذكيره.
يقول: إن خيلك أهلكتهم يوم اللقان، ثم قدت خيلك إلى هنزيط حتى أغرن عليها وسببن ذراريهم ونساءهم، ثم عدت إلى آمد. حتى ابيضت من كثرة السبي الذي ملأها، لأن أهل الروم بيض الألوان وآمد سورها مبني بالحجارة السود، وكذلك دورها كلها سود.
وألحقن بالصّفصاف سابور فانـهوى ... وذاق الرّدى أهلاهما والجلامد
الصفصاف وسابور حصنان. وانـهوى أي سقط، والجلامد: الصخور.
يقول: ألحقت خيلك سابور بالصفصاف، لأنـها هدمت الصفصاف أولا، ثم ألحقت سابور بها في الهدم والإخراب، وذاق أهلاهما، وصخورهما الهلاك.
وغلّس في الوادي بهنّ مشيّعٌ ... مبارك ما تحت اللّثامين عابد

الضمير في بهن للخيل. وفاعل غلس: مشيع أي جرى، شجاع يشيعه قلبه، ومبارك. بدل من المشيع، وما تحت اللثامين الوجه. أي مبارك الوجه، ميمون النقية. واللثامان: أحدهما، لثام الفم، والآخر لثام الأنف وقيل: أراد بهما الشيب، واللثام المعهود. وقيل: الغبار واللثام. وقيل: تلثم بلثامين. وقيل، أحدهما لثام الفم، الذي هو طرف العمامة، والآخر لثام البيضة. أي سار بخيله بالغلس في الوادي، وهو شجاع مبارك الوجه، عابد متورع، أو لأنـه جهاد وغزو، فجميع ما يفعله طاعة وعبادة.
فتىً يشتهي طول البلاد ووقته ... تضيق بـه أوقاته والمقاصد
ووقته جر عطفاً على البلاد وفتى بدل من مشيع وما بعده صفة له.
يقول: هو يتمنى طول البلاد التي يقتحمـها، أو يتمنى طولها، لتسع جيشـه، ويتمنى طول وقته: أي طول عمره، ليدرك غاية همـه، فأوقاته تضيق به، لأنـه يطلب غاية لا تتسع لها الأوقات، وجيشـه عظيم ضاقت عليه البلاد، وقوله: تضيق بـه يجوز أن يكون حالاً من يشتهى أي يشتهي بـه ضائقاً بـه أوقاته، ويجوز أن يكون خبراً آخر كما كان يشتهي خبراً وجميعه صفة للفتى، وهو في موضع رفع، وهذا أولى.
أخو غزواتٍ ما تغبّ سيوفه ... رقابهم إلاّ وسيحان جامد
أخو غزات نعت لفتى وقيل: خبر ابتداء محذوف: أي هو أخو غزوات. ما تغب أي ما تقصر وما تتأخر وسيحان نـهر في بلاد الروم. وقيل بحر.
يقول: هو أبداً يغزوهم ويسفك دماءهم ولا يرجع عن بلادهم، إلا عند شدة البرد وجمد الماء، وإن حملته على البحر كان معناه: أن سيوفه لا تغب رقابهم أبداً، لأن البحر لا يجمد، فعلق ذلك بأمر محال.
فلم يبق إلاّ من حماها من الظّبي ... لمى شفتيها والثّديّ النّواهد
الضمير في حماها راجع إلى معنى من إذ المراد بـه المرأة المسبيه.
يقول: لم يبق من الروم إلا نساؤهم الحسان الوجوه اللمى الشفاة، حماها من السيوف حسنـهن وملاحتهن، ونـهود ثديهن، فسبين ولم يقتلن.
يبكّى عليهنّ البطاريق في الدّجى ... وهنّ لدينا ملقياتٌ كواسد
يقول: إن النساء اللاتي سبيناهن، بنات الكبار من الروم ونساؤهم؛ فهم يبكون عليهن، عندما يخلون بأنفسهم في ظلمة الليل، لأنـهن أقاربهم، وهو مع ذلك عندنا مـهانات ملقيات كواسد، لا يلتفت إليهن لكثرتهن.
بذا قضت الأيام ما بين أهلها: ... مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد
بذا إشارة إلى ما وصفه فيما تقدم، وقيل: إشارة إلى الحال، وهو يذكر ويؤنث.
يقول: هكذا حكم الأيام فيما بين الناس. أن يجعل مصيبة قوم فائدة لقوم؛ لأن هذه السبايا لنا فوائد، وعلى أهلها مصائب.
ومن شرف الإقدام أنّك فيهم ... على القتل موموقٌ كأنّك شاكر
الموموق المحبوب، من ومقته. والشاكد المعطى.
يقول: شرف الشجاعة أنك تقتلهم، وهم يحبونك ! كأنك تعطيهم وتحسن إليهم.
وأنّ دماً أجريته بك فاخرٌ ... وأنّ فؤاداً رعته لك حامد
وأن بالفتح عطفا على قوله: أنك فيهم يقول: من شرف الإقدام أن كل دم تجريه يفتخر بك، وكل إنسان قتلته أكسبته شرفاً، وكل فؤاد خوفته وملأته خوفاً يحمدك ويثنى عليك؛ لما يرى من شجاعتك وإقدامك ومثله لآخر:
فإن أك مقتولاً فكن أنت قاتلي ... فبعض منايا القوم أكرم من بعض
وكلّ يرى طرق الشّجاعة والنّدى ... ولكنّ طبع النّفس للنّفس قائد
يقول: كل أحد يعرف فضل الشجاعة والسخاء ويعرف الطريق إليهما، ولكن طبع اللئيم يقوده إلى الجبن والبخل، وطبع الكريم يحثه على الشجاعة والبذل، فطبع كل إنسان يقوده إلى ما يميل إليه، إذ الإنسان طوع الطبع.
نـهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدّنيا بأنّك خالد
يقول نـهبت من أعمار الأعداء ما لو جمعته وملكته، وزيد في عمرك، لبقيت في الدنيا خالداً دائماً.
وفيه إشارة إلى أن الدنيا مسرورة بكونـه فيها، فلو رزق هذه الأعمار، لدام سرورها، وفيه مدح من وجهين: أحدهما: وصفه بالشجاعة المؤدية إلى قتل جماعة الأعداء.
والثاني: أن سرور الدنيا ببقائه، إذ هو زينتها. وقيل: معناه لهنئ أهل الدنيا. حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامـه، كقوله تعالى: " واسْألِ القَرْية " أي أهل القرية.
فأنت حسام الملك والله ضاربٌ ... وأنت لواء الدّين واللّه عاقد

يقول: أنت سيف الملك، وهو ملك بني العباس، لكن الله تعالى يضرب بك أي ينصرك ويسلطك على الأعداء، وأنت لواء الدين: يعني أنت تظهر شعاره، وتدعو الناس إليه، والله يعقد هذا اللواء؛ لأن ما يعقده الله لا يقدر أحد على حله.
وأنت أبو الهيجا ابن حمدان يا ابنـه ... تشابه مولودٌ كريمٌ ووالد
أبو الهيجاء: أبو سيف الدولة.
يقول: أنت أبوك. أي تشبهه في أفعاله وأخلاقه، يا ابنـه نداء لسيف الدولة، معناه: يا ابن أبي الهيجاء أشبهته وأشبهك، فالمولود الكريم، ووالده متشابهان، في الأخلاق والأفعال.
وحمدان حمدونٌ، وحمدون حارثٌ ... وحارث لقمانٌ، ولقمان راشد
حمدان جد سيف الدولة. وحمدون جد أبيه، وكذلك ما بعده.
يعني: أنك أشبهت أباك، وأبوك أشبه جدك، وجدك أشبه أباه، فكل واحد منكم يشب أباه إلى الجد الأكبر، في الكرم والخصال.
وطعن الصاحب لإيراده لقطة حمدان وحمدون. وليس فيه مطعن لأنـه لم يمكنـه أن يغير اسم آبائه وأجداده، وأن يجعل مكانة لفظة حسنة يخترعها.
أولئك أنياب الخلافة كلّها ... وسائر أملاك البلاد الزّوائد
الأنياب جمع الناب. والزوائد ما زاد على الأسنان المعروفة في الفم، وقيل: إنما جعلهم أنياب الخلافة، لأن ذوات الأنياب يسطون بها، وكان الخلفاء يسطون بهم على أعدائهم، وجعل غيرهم من الملوك كالزوائد، لا يحتاج إليها، بل يتأذى بها، فكأنـه قال: أنت وآباؤك الأمراء حقاً، وأنتم للخلافة كأنياب يذبون عنـها، وغيركم التي لا خير فيها.
أحبّك يا شمس الزّمان وبدره ... وإن لامني فيك السّها والفراقد
جعله كالشمس وكالبدر. يعني أن الشمس تضيء النـهار، والبدر يضيء الليل، وأنت قد جمعت معنيين فاستحققت الاسمين، وجعل غيره من الملوك إلى جنبه كالسها والفرقدين لأن السها: نجم حفي لا يكاد يراه إلا حاد البصر، والفرقدان: نجمان خفيان أيضاً، من بنات نعش الصغرى، وأتى بلفظ الفرقدين، وما حولهما من الكواكب، وقيل: أقام لفظ الجمع مكان لفظ التثنية.
وذاك لأنّ الفضل عندك باهرٌ ... وليس لأنّ العيش عندك بارد
باهر: أي ظاهر غالب، وبارد: أي طيب.
يقول: أحبك لفضلك، لا لما أناله من طيب العيش عندك، لأن ذلك يحصل في كل موضع.
فإنّ قليل الحبّ بالعقل صالحٌ ... وإن كثير الحبّ بالجهل فاسد
يقول مؤكداً لقوله: أحبك يا شمس الزمان، وإن القليل من المحبة مع العقل ينتفع بها، فأنا أحبك بالعقل، فإن قدرت أن محبتي لك قليلة، ولكنـها لما كانت مع العقل كانت أنفع من محبة الجاهل إياك؛ لأن العاقل إنما يجب الإنسان لما يرى من فضله، فمحبته دائمة لذي الفضل، وأن الكثير من المحبة مع الجهل، فاسد لا أصل له، لأن الجاهل إنما يحب الإنسان للطمع، فإذا انقطع انقطعت المحبة، فغيري من الشعراء وإن كان يظهر لك من نفسه حباً كثيراً؛ فحبه لما كان مع الجهل ليس فيه طائل ومنـه قوله:
يحبّ العاقلون على التّصافي ... وحبّ الجاهلين على الوسام
وقيل: أراد أنت تحبني محبة قليلة، وغيرك من الملوك يحبونني كثيراً، غير أن محبتك مع العقل، فإنك تعرف فضلي ومحبتهم مشوبة بالجهل بفضلي، والقليل من الحب إذا كان مع العقل، أصلح من الحب الكثير إذا كان مع الجهل.
وقال يمدحه ويعزيه بغلامـه التركي يماك، وقد توفي في سحر يوم الأربعاء لعشر بقين من شـهر رمضان سنة أربعين وثلاث مئة.
لا يحزن اللّه الأمير فإنّني ... لآخذ من حالاته بنصيب
لا حزن الأمير، فإني أشاركه في أحواله. إذا حزن حزنت لأجل حزنـه، وإذا سر شاركته في السرور، وهذا معنى قوله: لآخذ من حالاته بنصيب. فكأنـه دعاء لنفسه. كما تقول: حرس الله على ن ببقائك. وهذا إشارة إلى خلوص الدعاء له وصفاء النية في حبه.
ومن سرّ أهل الأرض ثمّ بكى أسىً ... بكى بعيونٍ سرّها وقلوب
أسى في موضع نصب، لأنـه مفعول له. وقيل: تمييز. والهاء في سرها للعيون وقلوب سرها، فحذف لدلالة الأول عليه.
يقول: من سر الناس كلهم بإحسانـه إليهم، ثم بكى لحزن أصابه، ساء بكاؤه الذين سرهم، فكأنـه يبكي بعيونـهم ويحزن بقلوبهم، ومثله لآخر:
عمّت فواضله فعمّ مصابه ... فالنّاس فيه كلّهم مأجور

وقيل: معناه أن من سر أهل الأرض، إذا بكى لزم كل من سره أن يشاركه على بكائه، حتى تتحقق المحبة التي يقتضيها سرورهم بفعله، وهذا قريب من الأول ومعناه: أنـهم شاركوه في حزنـه، كما شاركوه في سروره. ومثله ليزيد بن محمد:
أشركتمونا جميعاً في سروركم ... فلهونا إذ حزنتم غير إنصاف
وإنّي وإن كان الدّفين حبيبه ... حبيبٌ إلى قلبي حبيب حبيبي
يقول: أنا أحب سيف الدولة، وهذا المدفون حبيبه، فهو إذاً حبيب حبيبي فمن كان حبيب حبيبي فهو حبيب إلى قلبي، فكيف لا أحزن عليه ؟!.
وقد فارق النّاس الأحبّة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كلّ طبيب
أعيا: أي أعجز.
يقول: قد فارق الناس قبلك أحبتهم، وذاقوا ألم الفراق، فليس هذا بأول حبيب فارق حبيبه.
سبقنا إلى الدّنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئةٍ وذهوب
يقول: لو عاش من كان قبلنا في الدنيا، لضاقت الدنيا علينا، ومنعنا لكثرة أهلها عن المجيء والذهاب، والتصرف فيها.
تملّكها الآتي تملّك سالبٍ ... وفارقها الماضي فراق سليب
السالب: الآخذ مال غيره قهراً والسليب: المسلوب.
يقول: إن هذه الدنيا كانت في يد السابق، ثم تنتقل إلى من يأتي بعده، فكأن الآتي سلبها من الماضي، فجعل الوارث الآتي سالباً، والميت الماضي مسلوباً والإرث سلباً.
ولا فضل فيها للشّجاعة والنّدى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب
شعوب: اسم الموت، معرفة لا يدخلها التعريف؛ لأنـه اسم علم للمنية، فقد اجتمع فيه التأنيث والتعريف.
يقول: لولا خوف الموت، لكان لا يظهر فضل الشجاعة والسخاء والصبر؛ لأن الإنسان إنما جبن خوفاً من القتل، وإذا علم أنـه لا يموت ارتفع الجبن، كذلك البخيل، إنما يبخل لأنـه يخاف أن تبلغ بـه الحاجة إلى الموت، فإذا أيقن بالخلود، فقد سمحت نفسه بما في يده، لأنـه آمن من الهلاك، ويرجو أن يكتسب فيما يأتي من الزمان، وكذلك من جرح فإنما يجزع خوفاً من الموت، فإذا علم أنـه لا يموت، لا فضل لصبره، وفي الموت هذه الحكمة والصلاح.
وأوفى حياة الغابرين لصاحبٍ ... حياة امرئٍ خانته بعد مشيب
أوفى: أفعل من الوفاء.
يقول: الحياة لا بد لها من النفاد، وآخر غاياتها المشيب، فإذا دام الإنسان حتى يبلغ المشيب، فقد بلغ غاية الحياة، ثم تخونـه هذه الحياة في الوفاء له، فأوفى الحياة، هي الحياة التي تخون صاحبها عند المشيب.
لأبقى يماكٌ في حشاي صبابةً ... إلى كلّ تركيّ النّجار جليب
اللام في قوله: لأبقى في جواب قسم مضمر، أي والله لأبقى. وقيل: اللام للتأكيد. والنجار: الأصل، وهو اللون أيضاً. وجليب: أي مجلوب، وروى في حشاي جراحة.
يقول: إني رأيت من نجابة يماك، وحسن أخلاقه وطاعته لمولاه، ما ترك في قلبي محبة لكل تركي مجلوب من بلاد الترك.
وما كل وجهٍ أبيضٍ بمباركٍ ... ولا كلّ جفنٍ ضيّق بنجيب
يقول: إني كنت أشتاق إلى تركي، وأعلم أنـه لا يشبهه في نجابته وكرامته، إذ ليس كل وجه أبيض مباركاً، وكل جفن ضيق نجيباً.
وقيل: إنـه رجع عما قبله من الاشتياق إلى كل تركي، إذ ليس لكل أحد من الخصال ما فيه.
لئن ظهرت فينا عليه كآبةٌ ... لقد ظهرت في حدّ كلّ قضيب
الكآبة: الحزن، والقضيب: ها هنا هو السيف.
يقول: إن ظهر علينا الحزن لموته، فقد ظهر أيضاً في السيوف، لفقدها من يضرب بها وطول لبثها في غمودها بعد موته.
وفي كلّ قوسٍ كلّ يومٍ تناضلٌ ... وفي كلّ طرفٍ كلّ يوم ركوب
التناضل: الترامي بالسهام. والطرف: الفرس الكريم.
يقول: ظهرت الكآبة أيضاً في القوس والفرس.
يعزّ عليه أن يخلّ بعادةٍ ... وتدعو لأمرٍ وهو غير مجيب
روى بعادة أي بعادة من عادات خدمتك. وروى بغارة يقول: يشتد على هذا الميت أن يخل بعادة من عادات خدمتك، أو يخل بغارة من غاراتك، وأن تدعوه لأمر وهو لا يجيبك، لكن بـه ما منعه عن ذلك.
وكنت إذا أبصرته لك قائماً ... نظرت إلى ذي لبدتين أديب
لبدة الأسد: ما تلبد من الشعر على عاتقه.
يقول: كنت إذا رأيته قائماً بين يديك في الخدمة، رأيت أسداً له عقل وأدب. يعني أن الأسد شجاع لا عقل له ولا أدب. وهذا قد جمع الشجاعة والعقل والأدب، فهو أفضل من الأسد.

فإن يكن العلق النّفيس فقدته ... فمن كفّ متلافٍ أغرّ وهوب
العلق خبر يكن والنفيس نعت له، واسمـه مضمر. أي إن يك يماك العلق النفيس. يعني إن كان هذا العبد علقاً نفسياً فقدته، فلا تأسف عليه، لأنك مالك، ومن عادتك إتلاف الأموال وهبة الأعلاق.
كأنّ الرّدى غادٍ على كلّ ماجدٍ ... لم يعوّذ مجده بعيوب
روى عاد أي ظالم. وروى من الغداة.
يقول: كأن الهلاك يتسلط على ماجد، إلى لم يجعل لمجده عوذة من العيب، تقيه عين الحساد، ومثله الكشاجم:
شخص الأنام لحسن وجهك فاستعذ ... من شرّ أعينـهم بعيبٍ واحد
ولولا أيادي الدّهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوب
يقول: إن كان الدهر قد أساء في التفريق بين الأحبة، فقد تقدم إحسانـه في الجمع بينـهم، فلولا ما سبق من إحسانـه في الجمع بيننا وبين الأحبة، لما شعرنا بذنوبه في تفريقه شملنا، ولم نعد ذلك عليه ذنبا.
وللتّرك للإحسان خيرٌ لمحسنٍ ... إذا جعل الإحسان غير ربيب
ربيب: بمعنى مربوب، وربى الإحسان إذا رباه.
يقول: الدهر أحسن أولاً ثم أفسد إحسانـه آخراً، وترك الإحسان ابتداء، خير من أن يبتدئ بـه ثم لا يربيه بالمداومة عليه.
ورجع في هذا البيت إلى ذم الدهر.
وإنّ الذي أمست نزارٌ عبيده ... غنيّ عن استعباده لغريب
يقول: إنك ملكت نزاراً كلها بإحسانك، واستعبدتهم بفضلك، وهم قومك وعشيرتك، فلا حاجة بك إلى استعباد عبد غريب.
كفى بصفاء الودّ رقّاً لمثله ... وبالقرب منـه مفخراً للبيب
بين كيفية استعباده لنزار: أي هم عبيدك بالطاعة وصفاء المودة، وكفى بصفاء المودة منـهم رقاً لك، فلا تريد منـهم إلا أن تصفوا لك المودة، وكفى بالقرب منك فخر لمن كان لبيباً.
فعوّض سيف الدّولة الأجر إنّه ... أجلّ مثابٍ من أجلّ مثيب
الهاء في إنـه يعود إلى سيف الدولة، والمثاب: هو سيف الدولة أيضاً.
يقول: عوض سيف الدولة الأجر، على جهة الدعاء أي عوض الله ذلك أجل من أثيب الأجر، والله أجل مثيب.
وقيل: إن الهاء للأجر، أي إن الأجر أجل مثاب، أي أجل ثواب من أجل مثيب، وهو الله تعالى، والمثاب على هذا: مصدر كالإثابة.
فتى الخيل قد بلّ النّجيع نحورها ... يطاعن في ضنك المقام عصيب
النجيع: قيل: هو الدم الطري على الإطلاق، وقيل: دم الجوف والضنك: الضيق. والعصيب: الشديد الصعب. وروى يطاعن: أي فتى الخيل يطاعن وروى: تطاعن أي تتطاعن.
يقول: هو الفتى المشـهور في الشجاعة، الذي يطعن في ضنك المقام عند اشتداد القتال، وابتلال نحور الخيل بالدم.
يعاف خيام الرّيط في غزواته ... فما خيمـه إلاّ غبار حروب
يعاف: يكره. والرّيط: الملاء البيض.
يقول: يكره المبيت والتنعم في الخيام، وإنما يحب القتال، فليس له خيمة إلا غبار الحروب.
وقيل: معناه أنـه لا يستظل في غزواته بخيمة، كما يفعله الملوك، وإنما يستظل بغبار الحروب.
علينا لك الإسعاد، إن كان نافعاً، ... بشقّ قلوبٍ لا بشقّ جيوب
الإسعاد: المساعدة. يعني لو كان شق الجيوب والبكاء يردان ميتاً. لأسعدناك بشق القلوب، عن شق الجيوب.
فربّ كئيبٍ ليس تندى جفونـه ... وربّ كثير الدّمع غير كئيب
يقول: إن الدمع ليس دلالة الوجد، فكثير من الناس ينحرق قلبه ولا يجري منـه دمع ! وكثير منـهم يجري دمعه ولا حزن في قلبه !
تسلّ بفكرٍ في أبيك فإنّما ... بكيتفكان الضّحك بعد قريب
يروى: أبيك بفتح الباء. وهو جمع قولهم أباً. مثل: عصا، وكان في الأصل أبين فانقلبت الياء ألفاً، وبعدها ياء جمع، فحذفت لالتقاء الساكنين، فبقي أبين ثم أضافه إلى كاف الخطاب، فحذف النون للإضافة فصار أبيك، وفي حال الرفع: أبون والأبا لغة في الأب. فعلى هذا تقول: هذا أباك ورأيت أباك ومررت بأباك. ويجوز أن يكون تثنية بمعنى أبويك. وروى: أبيك فيجوز أن يكون واحداً وجمعاً.
يقول: تفكر في آبائك فإنك بكيت عند موتهم، ثم سليت عن قريب وصبرت، فاعتبر حالك اليوم بحالهم حين فقدت أباك.
إذا استقبلت نفس الكريم مصابها ... بخبثٍ ثنت فاستدبرته بطيب

المصاب: المصيبة. وقوله ثنت أي ثنت النفس المصاب. وأراد بالخبث: الجزع، وبالطيب: الصبر. ومعناه: إذا جزع الكريم عند أول المصيبة، راجع أمره في آخرها، فعاد إلى الصبر، والرضا والتسليم.
وقيل: أراد بالخبث: الصبر، لأن النفس تنفر عنـه، لما فيه من المشقة، والطيب: عاقبة الصبر، وهو ما يجد الصابر من المدح على صبره والثواب في الآخرة. لأن ذلك يطيب النفس.
ومعناه: أن الكريم وإن خبثت نفسه في الابتداء لصبره على المصيبة في الأول قبل وقوعها صعب عليه الصبر عند وقوعها.
وللواجد المكروب من زفراته ... سكون عزاءٍ أو سكون لغوب
الواجد: الحزين يقول: كل جازع على مصيبة، فآخر أمره السلوة والسكون: إما صبراً واحتساباً، وإما تعباً وملالاً. ومثله لمحمود الوراق:
إذا أنت لم تسل اصطباراً وحسبةً ... سلوت على الأيّام مثل البهائم
ومثله لأبي تمام:
أتصبر للبلوى عزاءً وحسبةً ... فتؤجر أو تسلو سلوّ البهائم
وكم لك جدّاً لم تر العين وجهه ... فلم تجر في آثاره بغروب
الغروب: مجاري الدموع في العيون. ونصب جداً على التمييز، وكم يحتمل الاستفهام، والخبر: فإن كان استفهاماً، كان الواجب نصب جداً لأنـها في الاستفهام تنصب تمييزها، وإن كانت خبراً، فالاختيار هو النصب ها هنا، لأنك إذا فصلت بينـها وبين ما يضاف إليها بفاصل، كان الواجب النصب.
يقول: إن ما مضى وغاب عنك، كشيء لم تره، فكما أنك لم تبك على أجدادك الماضين، الذي لم ترهم، فكذلك ينبغي أن تسلو عمن فقدته الآن، لغيبته عن عينك.
فدتك نفوس الحاسدين فإنّها ... معذّبة في حضرةٍ ومغيب
يقول: نفوس حسادك معذبة بحسد معاليك، حضروا أم غابوا، فجعلهم الله فداك، ووقاك بهم صروف الزمان، ليستريحوا من هذا العذاب الذي ينالهم، وهذا مثل قوله:
فإن لهم في سرعة الموت راحةً
وفي تعبٍ من يحسد الشّمس نورها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب
الضريب هو النظير والشبيه. شبهه بالشمس، وخصاله بنورها وقال: من حسد الشمس على نورها فهو في تعب، لأن نورها لا يزايلها، ومن جهد أن يأتي بنظيرها لم يقدر عليه؛ لأنـه لا نظير لها، كذلك أنت لا نظير لك في علو محلك وخصالك الجميلة وخلائقك الحسنة.
وقال أيضاً يمدحه. ويذكر بناءه مرعش، وإصابته المطر عند ه، ومحاربته الدمستق وهزمـه، في سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة.
فديناك من ربعٍ وإن زدتنا كربا ... فإنّك كنت الشّرق للشّمس والغربا
قوله: فديناك، من ربع: أي فديناك ربعاً ومن زائدة وربعاً: بدل من الكاف في فديناك.
خاطب ربع حبيبته فقال: نحن نفديك بأنفسنا، وإن كنت تزيد في غمنا؛ لخلوك من المحبوبة، ثم قال: إنما قد فديناك، لأنك كنت مألف محبوبتي، التي هي كالشمس، فكنت مطلعاً لها حين تخرج وتبرز بروز الشمس من مطلعها الذي هو المشرق، وإذا احتجبت وغابت فيك كنت لها مغرباً، لما جعلها الشمس جعل الربع مطلعاً لها ومغرباً.
وكيف عرفنا رسم من لم تدع لنا ... فؤاداً لعرفان الرّسوم ولا لبّا ؟!
العرفان: مصدر عرفت وتدع: تعود إلى معنى من وأنث على معنى المرأة، ويجوز من يدع رداً إلى لفظ من.
يتعجب من رسم دار المحبوبة التي هي الشمس فيقول: كيف عرفنا رسم دارها، مع أنـها لم تدع لنا قلباً ولا عقلاً ؟!
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةً ... لمن بان عنـه أن نلمّ بـه ركبا
الأكوار: جمع كور، وهو الرحل، وكرامة نصب لأنـه مفعول له وركباً: على الحال: أي نلم بـه راكبين، وأصله عن أن نلم به، فحذف عن ويجوز أن يكون معناه كراهة أن نلم به، أو ألا نلم به، فحذف والهاء في عنـه وبه للربع.
يقول: لما أتينا الربع نزلنا عن رواحلنا كرامةً لأهله، ورفعاً لقدره، عن أن نلم بـه فحذف راكبين.
يا ساكن النّوب انـهض طالباً حلباً ... نـهوض معنى لحسم الدّاء ملتمس
واخلع حذاءك إن حاذيتها ورعاً ... كفعل موسى كليم اللّه في القدس
ندمّ السّحاب الغرّ في فعلها بـه ... ونعرض عنـها كلّما طلعت عتبا
السحاب: بمعنى الجمع، ولذلك وصفها بالغر وهو جمع أغر، ونصب عتبا على أنـه مصدر واقع موقع الحال أي عاتبين. وقيل: إنـه مفعول له، والعتب: أدنى الغضب.

يقول: نحن نذم السحاب البيض في فعلها بهذا الربع، لأنـها درست آثاره، وإذا طلعت وظهرت في السماء أعرضنا عنـها، وصرفنا وجوهنا، كما يفعل العاتب إذا رأى من عتب عليه.
ومن صحب الدّنيا طويلاً تقلّبت ... على عينـه حتّى يرى صدقتها كذبا
يقول: إن الربع قد تغير وحال عن الحسن الذي كان له بكون الحبيب فيه، وكذا عادة الزمان، فمن صحب الدنيا علم أن ما يعانيه من أحوالها زائل، فكأن ما يراه حقيقة وصدقاً، فهو محال وكذب.
وقيل: معناه من عمر تبدل بـه الحال، فصار العمر الذي يسره يسوءه، لقربه من الفناء، فكأن كل شيء في الدنيا وإن كان سروراً فإنـه غم، فصاحب الدنيا يرى صدقها كذباً، وحياتها موتاً، لما كان عاقبتها إلى الفناء وغاية أمرها إلى الزوال.
وكيف التذاذي بالأصائل والضّحى ... إذا لم يعد ذاك النّسيم الّذي هبّا ؟!
الأصائل: واحدها أصيل، وهو آخر النـهار والنسيم: الريح الطيبة التي يلتذ بها، وأراد بـه قرب الحبيب.
يقول: كيف ألتذ بأوقاتي: الغدوات والعشيات، مع أني بعيد عمن أهواه، إذا لم تعد إلى أوقاتي في الأصائل والضحى؛ لأنـها أطيب الأوقات، لا حر فيها يؤدي، ولا برد شديد، وخص الأصائل والضحى ليعلم أنـه إذا لم يلتذ بأطيب الأوقات فكيف يلتذ بغيرها ؟
ذكرت بـه وصلاً كأن لم أفز بـه ... وعيشاً كأنّي كنت أقطعه وثبا
الباء: بمعنى في أي في الربع، وهو متعلق بذكرت أي ذكرت في الربع، كقول النابغة: وما بالربع من أحد.
وقيل: إن الباء متعلق بقوله: وصلاً وعيشا أي ذكرت وصلاً وعيشاً كان لي بـه أي فيه. والهاء في قوله: لم أفز بـه للوصل وفي أقطعه للعيش.
يقول: لما وقفت بهذا الربع تذكرت عيشاً مر لي فيه، كأني لم أظفر بـه من قصر، كأنـه لم يكن، كما قال عبد الصمد بن المعذل:
شبابٌ كأن لم يكن ... وشيبٌ كأن لم يزل
وتذكرت عيشاً كان من قصره وقصر أوقاته وكل نعمة فيه، كأنـه قصر وقت الوثب، فكل زيارة من الحبيب وثبة، ولك ساعة من اللقاء والاجتماع وثبة، والوثب في معنى قصر الوقت وقصر العيش. وفيه معنى بديع ومبالغة حسنة.
وفتّانة العينين قتّالة الهوى ... إذا نفحت شيخاً روائحها شبّا
وفتانة: عطفاً على قوله: ذكرت وصلاً وعيشاً أي ذكرت جارية تفتن الناس بحسن عينيها، وتقتلهم بهواها، ولو اتصلت روائحها بالشيخ، لعاد إليه شبابه، وهذا كقولي الأعشى:
لو أسندت ميتاً إلى صدرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
لها بشر الدّرّ الّذي قلّدت بـه ... ولم أر بدراً قبلها قلّد الشّهبا
البشر: جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد. والشـهب: قيل: إنـه جمع شـهاب وهو النجم. وقيل جمع أشـهب، وهو أيضاً النجم، والتأنيث كله للفتانة والهاء في بـه للدر.
يقول: هي في نعومة بشرتها كالدر الذي قلدت به، وهي في الحسن كالبدر. والدر الذي عليها كالنجوم، وما رأيت بدراً متقلداً بالدر حتى رأيتها. والأول أليق بذكر البدر.
فيا شوق ما أبقى ! ويالي من النّوى ... ويا دمع ما أجرى ! ويا قلب ما أصبى !
وأصله: يا شوقي ما أبقاك ! ويا دمعي ما أجراك ! ويا قلبي ما أصباك ! فحذف الياء من المنادى كما تقول: يا غلام وحذف ضمير المفعول الذي هو المتعجب منـه ويجوز الرفع في قوله: يا شوق ويا دمع ويا قلب على أن يكون نداء مفرداً وقوله: ويالي من النوى توجع منـه لنفسه فيما لقي من ألم النوى، ومعناه يا شوقي ما أدومك، ويا دمعي ما أجراك، ويا قلبي ما أشد صبوتك.
لقد لعب المشتّ بها وبي ... وزوّدني في السّير ما زوّد الضّبّا

المشت: المفرق، من أشت جمعهم، وشت القوم: تفرقوا. وفاعل ما زود ضمير البين وهو السفر، ومعناه زودني البين في سيري، ما زود البين الضب في سيره وما في موضع النصب. قوله: لعب البين بها وبي أي فرق بيننا. وقوله: زودني إلى آخره معناه: لم يزودني البين من حبيبتي شيئاً أتعلل بـه بعد فراقنا: كالقبلة والعناق، وغير ذلك. إلا التفرق. وخص الضب لأنـه يتبلغ بالنسيم، ولا يرد الماء، ولا يشرب بل يكتفي بنسيم الرياح عند العطش، فكأنـه قال لم يزودني البين من حبيبتي شيئاً إلا النسيم والتعلل بـه كما يتعلل الضب به. وقال أبو علي بن فورجة. معناه أن الضب إذا فارق حجره ضل وتحير، لأنـه لا يهتدي للرجوع إليه، على ما ضرب بـه المثل فقيل: أضل من ضب، وأتيه من ضب، وأحير من ضب. فكأنـه قال زودني البين في رحيلي حيرة الضب إذا فارق حجره. أي سرت متحيراً واله العقل.
ومن تكن الأسد الضّواري جدوده ... يكن ليله صبحاً ومط غصبا
ومن تكن: عنى بـه نفسه أي من كان شجاعاً كالأسد، لم يثنـه الليل عن مرام ولا يحول بينـه وبين مراده ظلامـه ليل، فهو مثل الصبح يسعى فيه لطلب مآربه، وإذا حاول أمراً أو طلب مالاً، تناوله غصباً وقسراً. ومعناه أن الممدوح أسد ومن كان أسداً كان جده أسداً لا محالة، وليس المراد بـه من كان له أب أو جد شجاع، لأنـه قد يكون أبوه شجاعاً وهو جبان.
ولست أبالي بعد إدراكي العلا ... أكان تراثاً ما تناولت أم كسبا
يقول: إذا نلت الشرف ومعالي الأمور، فلا أبالي بأن يكون ذلك موروثاً، أو مكتسباً. ومثله:
نفس عصام سوّدت عصاما ... وصيّرته ملكاً هماما
فربّ غلام علّم المجد نفسه ... كتعليم سيف الدّولة الدّولة الضّربا
يقول: رب إنسان علم نفسه المجد من غير أن يعلمـه أحد، لأن طبعه وجوهره يحمله عليه، ولأنـه إذا نظر في أفعال المجد يحمل نفسه عليها، حتى يبلغ إلى منازلهم، كما أن أهل الدولة إذا نظروا إلى مواقف سيف الدولة في الحروب، وشجاعته فيها تعلموا منـه الضرب، واقتدوا بـه في أفعاله، فكأنـه هو الذي علم الدولة الضرب أي أهل الدولة، فحذف أهل.
إذا الدّولة استكفت بـه في ملمّةٍ ... كفاها فكان السّيف والكفّ والقلبا
الملمة: المصيبة، والشدة. يعني: إذا نزلت بالدولة ملمة، فاستعانت به. أراد سيف الدولة وهو الخليفة كفى الدولة تلك الحادثة، فكان لها سيفاً وكفاً وقلباً: لأن السيف لا يعمل إلا بالكف، ولا يضرب بـه الكف حتى يشيعه القلب، وسيف الدولة يستغني عن ذلك، فهو السيف والقلب والكف، فيكفي الدولة ما ينوبها، ولا يحتاج إلى ناصر ومعين.
تهاب سيوف الهند وهي حدائدٌ ... فكيف إذا كانت نزاريّةً عربا ؟!
الحدائد: جمع حديدة، وهي نصل السيف. يقال: سيف جيد الحديدة، أي جيد النصل.
يقول: إذا كانت سيوف الهند يحذر منـها ويهاب بأسها، وهي حدائد لا تعمل حتى تجد ضارباً بها، فسيف الدولة الذي هو عربي يضرب بنفسه رءوس الفرسان، وكذلك قومـه، الذين هم من نزار، أولى بأن يخاف منـهم، ولهذا قال: إذا كانت نزاريةً عربا.
ويرهب نناب اللّيث واللّيث وحده ... فكيف إذا كان اللّيوث له صحبا ؟!
يقول: إذا كان الليث يتقي نابه، ويخاف افتراسه وهو وحده، فلأن يتقي سيف الدولة وحوله الليوث أولى وأجدر.
ويخشى عباب البحر وهو مكانـه ... فكيف بمن يغشى البلاد إذا عبّا ؟!
عباب البحر: تراكم أمواجه. يقال: عب البحر إذا ماج. وقيل: عبابه: صوت أمواجه. ومكانـه: نصب على الظرف.
يقول: يخاف موج البحر إذا اضطرب، وهو مستقر مكانـه، فكيف لا يخاف البحر الذي يملأ البلاد بخيله ورجله ؟!
عليم بأسرار الدّيانات واللّغى ... له خطراتٌ تفضح النّاس والكتبا
اللغى: جمع لغة، والخطرات: جمع خطرة، وأراد بـه الخواطر يقول: هو عالم بأحوال الناس وديانتهم، ومذاهبهم، واختلاف ألسنتهم، ولغاتهم، وله خواطر يستنبط بها ما ليس في الكتب وما لا يدركه الناس ولا يجري على قلب أحد.
فبوركت من غيثٍ كأنّ جلودنا ... بـه تنبت الدّيباج والوشى والعصبا
العصب: ضرب من برود اليمن.

يقول: بارك الله فيك أيها الغيث، فإن الغيث يكسو الأرض أنواع الأزهار وأصناف النبات والأنوار، وأنت تكسونا الخلع النفسيه من ضروب الوشى والديباج، فكأن جلودنا أنبتت هذه الثياب، كما أنبتت الأرض النبات بالغيث. شبه الجلود بالأرض، والخلع بالنبات، وسيف الدولة بالغيث.
ومن واهب جزلاً ومن زاجر هلاً ... ومن هاتك درعاً، ومن ناثرٍ قصبا
وهذا معطوف على قوله: فبوركت من غيث، ومن واهب، وهلا: زجر للخيل، ينون على النكرة ولا ينون على معنى المعرفة، وذلك كناية عن كونـه فارساً مقتدراً، على أن يصرف فرسه كيف شاء والقصب: الأمعاء وروى: باتر قصبا أي قاطع أمعاء.
يقول: بوركت من واهب كثيراً، وزاجر فرسه في المعركة، وهاتك درع عدوه عليه بسيفه، وناثر أمعاءه: إذا أصاب جوفه ونثر أمعاءه على الأرض.
هنيئاً لأهل الثّغر رأيك فيهم ... وأنّك حزب الله صرت لهم حزبا
نصب هنيئاً على المصدر، وقيل: على الحال لفعل مضمر، أي ثبت رأيك هنيئاً وحزب الله نصب لأنـه منادى مضاف، والثغر: مدينة مرعش.
يقول: هنأ الله أهل الثغر بحسن رأيك فيهم واهتمامك بأمرهم، وهنأهم الله، يا حزب الله، أنك صرت لهم حزباً وجيشاً وناصراً، تعاونـهم وتذب عنـهم.
وأنّك رعت الدّهر فيها وريبه ... فإن شكّ فليحدث بساحتها خطبا
الكناية في فيها وساحتها راجعة للثغر، وأنثه على معنى المدينة، أو البلدة، أو الأرض، وفاعل فليحدث ضمير الدهر، وخطبا مفعوله، وفاعل شك ضمير الدهر أيضاً.
يقول: وهنيئاً لهم انك خوفت الدهر في هذه المدينة، وخوفت حوادثه، فإن شك الدهر في ذلك، فليحدث بساحة هذه المدينة خطبا، ولينزل بها حادثة.
فيوماً بخيلٍ تطرد الرّوم عنـهم ... ويوماً بجودٍ تطرد الفقر والجدبا
يقول: لا تزال تذب عنـهم، وتحامي عليهم، فإن قصدهم الروم طردتهم بخيلك، وإن نازلهم فقر وجدب كشفته عنـهم بجودك وأفضالك.
سراياك تترى والدّمستق هاربٌ ... وأصحابه قتلى وأمواله نـهبى
يقول: سراياك متصلة إلى الروم، والدمستق لا يثبت لها بحال، أي من قتلك أصحابه، وأمواله نـهبة للمسلمين.
أتى مرعشاً يستقرب البعد مقبلاً ... وأدبر إذ أقبلت يستبعد القربا
مرعش: مدينة كان سيف الدولة جدد بناءها.
يقول: أتى الدمستق مدينة مرعش وهو مسرور، لطمعة فيها، فكأن الأرض تطوى له، والبعيد يقرب عليه، فلما قصدته ولى مدبراً، وهو شديد الغم، وطال عليه الطريق فصار قريبه بعيداً ومثله:
أرى الطّريق قريباً حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف
ومثله لتوبة:
وكنت إذا ما زرت ليلى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
كذا يترك الأعداء من يكره القنا ... ويقفل من كانت غنيمته رعبا
أراد بالأعداء: سيف الدولة، وجيشـه.
يقول: من يكره أن يقتله أعداؤه، هكذا ينـهزم ويرجع، ولم يغنم في قتاله إلا الخوف.
وهل ردّ عنـه باللّقان وقوفه ... صدور العوالي والمطهّمة القبّا
يقول: قد فر بين يديك، لعلمـه أنـه لا يقاومك؛ لأنـه لما ثبت لك حين لقيته على اللقان، قتلت أصحابه، وغنمت أمواله، ولم يرد عنـه وقوفه الرماح، فلهذا لم يقف لك الآن، والقب: جمع أقب، وهو الضامر من الخيل.
مضى بعد ما التفّ الرّماحان ساعةً ... كما يتلقّى الهدب في الرّقدة الهدبا
أراد بالرماحين: رماح العسكرين، فثنى الجمع، كأنـه قال: رماح هؤلاء ورماح أولئك. والهدب: شعر الجفن، شبه التفاف الرماح واشتباكها، عند الطعن باشتباك الأجفان عند النوم.
يقول: ثبت لك على اللقان ساعة، فلما اشتبكت رماح العسكرين، ولى منـهزماً، وكأن اشتباك الرماح كالتقاء الهدبين إذا نام الإنسان.
ولكنّه ولّى وللطّعن سورةٌ ... إذ ذكرتها نفسه لمس الجنبا
السورة: الحدة، والشدة، وقوله: إذا ذكرتها نفسه إلى آخر البيت: صفة لسورة.
لما اشتد الطعان ولى، وقد امتلأ قلبه خوفاً، وكلما ذكر سورة الطعن، لم يصدق أنـه سلم منـها فيلمس جنبه، هل هو صحيح أم مطعون ؟ ومثله لأبي نواس:
إذا تفكّرت في هواي له ... لمست رأسي: هل طار عن جسدي ؟
وقيل: معناه يلمس جنبه وينثني عليه خوفاً من أن تنشق مرارته من الخوف كما قال آخر:

وأذكر أيّام الحمى ثمّ أنثنى ... على كبدي من خشيةٍ أن تصدّعا
وقيل: إنـه يلمس الجانب الذي فيه قلبه، هل يخفق قلبه خوفاً أم لا ؟!
وخلّى العذارى والبطاريق والقرى ... وشعث النّصارى والقرابين والصّلبا
العذارى: جمع عذراء، وهي البكر، وشعث النصارى: الرهابين جمع أشعث، والقرابين: خاصة الملك. والصلب: جمع صليب.
المعنى: أنـه ترك هذه الأشياء وترك عسكره وبلاده وجميع ما فيها، ونجا بنفسه خوفاً منك.
أرى كلّنا الحياة بسعيه ... حريصاً عليها مستهاماً بها صبّا
المستهام، والصب: بمعنى. روى بسعيه وبجهده والمستهام: العاشق.
يقول: كل أحد يحب نفسه وحياتها، ويسعى ليدفع عن نفسه الضرر والهلاك.
فحبّ الجبان النّفس أورده التّقى ... وحبّ الشّجاع النّفس أورده الحربا
ويختلف الرّزقان والفعل واحدٌ ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا
النفس: منصوبة بحب في الموضعين؛ لأنـه مصدر، فيعمل عمل الفعل وأورده: فعل، فاعله ضمير الحب.
يقول: كل أحد يطلب لنفسه البقاء، فالجبان يحذر لقاء الأقران، ويستعمل الخوف إبقاء على نفسه وطلباً لنجاته، والشجاع، يطرح نفسه في المـهالك ويباشر القتال طلباً لاستبقاء النفس، بدفع الشر والأعداء عن نفسه، وإبقاء للذكر الجميل بعده، والقصد منـهما واحد: وهو طلب الحياة، والسعي مختلف.
يقول: إن الجبان والشجاع قد اتفق فعلاهما في طلب الحياة، واختلف رزقاهما؛ لأن رزق أحدهما المدح، ورزق الآخر الذم.
وقيلك معناه أن الشجاع أعطى الحياة التي طلبها، والجبان حرم ذلك، لأنـه في حال حياته ميت فكيف بعد الممات ؟! وقيل: إن الشجاع رزق موتاً هو كحياة، لبقاء الذكر له، ورزق الجبان حياة هي كممات لحصول الذم له.
وقيل: رزق الشجاع رفاهية ورغدا، والجبان شقاء وتعباً.
وقوله: إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا معناه: أن الشجاع إذا تعرض للقتل حتى يقتل، كان ذلك عنده إحساناً إلى نفسه، وذلك عند الجبان أكبر ذنب لإلقائ بنفسه إلى التهلكة، والجبان إذا أحسن إلى نفسه بترك الحرب وطالب الصلح، يراه الشجاع ذنباً.
وقيل: معناه أن الجبان إذا علم - مثلا - أنـه لا ينتقم من اللاطم لجبنـه، كان هذا إحساناً إلى اللاطم، لنـه عفو في الظاهر، وهو ذنب عظيم عند الشجاع. وفي جميع هذه الوجوه يكون البيت متصلا بما قبله.
وقد قيل: إنـه منقطع عما قبله ومعناه: أن الرجلين ربما طلبا أمراً من وجه واحد فيرزق هذا، ويحرم الآخر، فيكون ذلك الفعل إحساناً لأحدهما يرزق به، وذنباً للآخر يحرم لأجله. ومثله الآخر:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث آخر يحرم
فأضحت كأنّ السّور من فوق بدؤه ... إلى الأرض قد شقّ الكواكب والتّربا
فأضحت: أي مدينة مرعش، وفوق: مضموم كقبل وبعد.
يقول: كأن سورها ابتدئ ببنائه من فوق، حتى انتهى إلى الأرض، فأصله شق الكواكب، وطرفه شق الترب: أي الأرض، وقيل: أراد بالترب: الغبار الذي ارتفع إلى السور من الحرب حواليه، أي أنـه شق الغبار المرتفعة وجاوزها، وشق الكواكب أيضاً.
وقيل: أراد أن سورها لاتساعه على وجه الأرض كأنـه شق الترب لطوله، وكأنـه قد شق الكواكب وهو كعكس قول السموءل:
رسا أصله تحت الثّرى، وسما بـه ... إلى النّجم فرعٌ لا ينال طويل
تصدّ الرّياح الهوج عنـها مخافةً ... وتفزع فيها الطّير أن تلقط الحبّا
الرياح الهوج: الشديدة الهبوب، التي لا تثبت على سمت واحد.
يقول إن الرياح لا تجسر أن تمر بها، وتخاف الطير أن تلقط منـها الحب؛ لأنـها إذا لقطت الحب نقصت من حبوبها، وذلك إضرار بها، وأنت قد أحميتها من كل ضرر.
والمصراع الثاني ضعيف؛ لأن الطير في كل موضع، تفزع أن تلقط الحب، فلا وجه لعطفه على الرياح.
وقيل في المصراع الأول: إن الرياح تعدل عنـها؛ لطول السور الذي رفعتها في الجو والأولى أنـه يريد أنـها تعدل للهيبة.
وتردى الجياد الجرد فوق جبالها ... وقد ندف الصّنّبر في طرقها العطبا
وتردى: من الرديان، وهو ضرب من العدو، وأراد بالصنبر: ها هنا السحاب البارد، وقيل: أراد البرد والعطب: القطن.
شبه الثلج على الجبال بقطن مندوف.

يقول: إن خيلك تطوف فوق جبال مرعش وحولها وتحرسها، والثلج على جبالها كأنـه قطن مندوف، والضمير في جبالها لمرعش، وفي طرقها للجبال.
كفى عجباً أن يعجب النّاس أنّه ... بنى مرعشاً تبّاً لآرائهم تبّاً !
التب الخسران، وأراد بـه الدعاء على آرائهم، كقولك: قبحاً له. وفاعل كفى أن يعجب، لأن أن مع صلتها كاسم مفرد وعجباً نصب على التمييز وتباً على الذم أو على المصدر.
يقول: ليس من العجب بناؤه مرعش، ولكن العجب استعظام الناس وتعجبهم من بنائها.
وما الفرق ما بين الأنام وبينـه ... إذا حذر المحذور واستصعب الصّعبا ؟!
إذا كان يحذر من الأمر المحذور، ويصعب عليه الأمور الصعبة، مثل سائر الناس، فأي فرق بينـه وبين سائر الناس.
لأمر أعدّته الخلافة للعدى ... وسمّته دون العالم الصّارم العضبا
يقول: لولا اختصاصه من بين سائر الأنام بمعان، لم تجعله الخلافة من بينـهم، عدة لها، ولما سمته سيفاً قاطعاً وأراد بالخلافة: الخليفة أي ذوي الخلافة.
ولم تفترق عنـه الأسنّة رحمةً ... ولم تترك الشّام الأعادي له حبّا
يقول: لولا شجاعته، لم تفترق الأسنة عنـه في حروبه، ولم تترك الأعادي له الشام، لولا خوفهم منـه.
ولكن نفاها عنـه غير كريمةٍ ... كريم النّثا ما سبّ قطّ ولا سبّا
الضمير في نفاها للأعادي، وغير كريمة حال من الأعادي، والعامل فيها نفاها والهاء في عنـه لسيف الدولة، وقيل: يرجع إلى الشام والنثا بالنون قيل: مقصور، هو الذكر في الحمد، والذم.
يقول: لم يترك العادي له الشام محبة منـهم له، ولكنـه طردهم قهراً، مـهانين غير مكرمين، وهو ملك كريم الذكر ما سب قط: أي لم يشتمـه أحد؛ لأنـه لم يفعل ما يشتم عليه، ولا شتم أيضاً هو أحداً؛ لأن الشتم سلاح من لا قلب له على المحاربة؛ ولأن الناس بعضهم مطيع له فلا يشتمـه، وبعضهم خائف أن يشتمـه.
وجيشٌ يثنّى كلّ طودٍ كأنّه ... خريق رياحٍ واجهت غصناً رطبا
يثنى: أي يعطف، ويجعل اثنين. والطود: الجبل. والخريق: الريح الشديدة التي تخرق كل شيء تجري عليه.
يقول: نفي أعداءه عن الشام كريم النثا، وجيش عظيم يثنى كل جبل: أي يعطفه ويهده، ويزعزه، عن موضعه، وأراد بـه أن يجعل الجبل اثنين: أحدهما الجبل، والثاني نفس الجيش، ثم شبه الجيش بريح شديدة قابلت غصناً رطبا: يعني أنـه يكسر الجبل ويعطفه كريح هذه صفتها، وإن هذا الجيش وإن كانوا كالجبل، فالجبل الذي تحتهم كالغصن الرطب عند الريح الشديدة الهبوب.
كأنّ نجوم اللّيل خافتت مغاره ... فمدّت عليها من عجاجته حجبا
مغاره: إغارته والهاء فيها، وفي عجاجته: للجيش.
يقول: كأن النجوم قد خافت أن يغير عليها هذا الجيش، فمدت على نفسها من غبار هذا الجيش حجباً، حتى لا يراها. يعني أن غباره وصل إلى النجوم.
فمن كان يرضى اللّؤم والكفر ملكه ... فهذا الّذي يرضى المكارم والرّبّا
هذا في قوله: فهذا إشارة إلى سيف الدولة.
يقول: هو أبداً في الجهاد، يرضى الرب بفعله، ويبذل الأموال، يرضى بها مكارمـه، وغيره من الملوك: إما مشرك برضى الكفر، وإما بخيل برضى البخل، واللؤم.
وأهدى سيف الدولة إلى أبي الطيب هدية فيها ثياب ديباج رومية، ورمح وفرس معها مـهرها وكان المـهر أحسن من الفرس فقال يمدحه:
ثياب كريمٍ ما يصون حسانـها ... إذا نشرت كان الهبات صوانـها
الصوان: ما يلف بـه الثوب ويصان به: ثياب: رفع لأنـه خبر ابتداء محذوف: أي هذه ثياب كريم، أو هي مبتدأ وخبره محذوف: أي عندي ثياب كريم، ليس يصون حسان الثياب، ولكن إذا نشرها فرقها على جلسائه، وجعل صوانـها أن يهبها لأصحابه.
ترينا صناع الرّوم فيها ملوكها ... وتجلو علينا نفسها وقيانـها
امرأة صناع: حاذقة دقيقة اليد في صنعتها وجمعها صنع، ورجل صنع وجمعها صناع. وروى: صناع الروم وهي جمع صنعة، والكناية في فيها للثياب، وفي نفسها للصناع، وفي ملوكها وقيانـها للروم، ويجوز أن تكون راجعة إلى صناع الروم. والقيان: جمع قينة، وهي الجارية المغنية.
يقول: إن المرأة الصانعة من الروم ترينا في هذه الثياب الملوك، وتظهر علينا نفسها أي نفس هذه الصانعة من الروم، وصور القيان. يعني: أن هذه الثياب صورة ملوك الروم، وصورة الناقشة، وصورة القيان.

ولم يكفها تصويرها الخيل وحدها ... فصوّرت الأشياء إلاّ زمانـها
الهاء في يكفها راجعة إلى صناع الروم، وكذلك في تصويرها وفي وحدها إلى الخيل، وفي زمانـها إلى الأشياء.
يقول: لم يكفها أنـها صوّرت على الثياب صور الخيل، حتى صورت معها كل شيء من طائر وسبع وغيرهما من الزمان، إلا الزمان فإنـها لا تقدر على تصويره.
وما ادّخرتها قدرةً في مصوّرٍ ... سوى أنّها ما أنطقت حيوانـها
تاء التأنيث الساكنة في ادخرتها راجعة إلى صناع، والهاء، إلى الثياب، وأصلها: ادخرت عنـها، فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل إلى الضمير: أي ما خبأت هذه المرأة عن هذا الثياب قدرةً عليها في مصور إلا صورت على هذه الثياب، غير أنـها لا تقدر على إنطاق الحيوان المصور عليها، إذا لو قدرت على ذلك لفعلت، والهاء في حيوانـها راجعة إلى الثياب.
وسمراء يستغوى الفوارس قدّها ... ويذكرها كرّاتها وطعانـها
وسمراء: عطف على قوله: ثياب كريم. والضمير في قدها للسمراء وفي يذكرها وكراتها وطعانـها للفوارس ويستغوي: أي يستميل، ويحمله على الغي، وسمراء: صفة لمحذوف: أي وهذه فتاة سمراء، يحمل قدها واستواؤها الفوارس على ملاقات الأقران، ويسوقهم إلى الطعان. وذكر الفوارس موافق للقتال.
ردينةٌ تمّت وكان نباتها ... يركّب فيها زجّها وسنانـها
الزج: الحديدة التي في أول الرمح، يعني أنـها مستقيمة نبتت كذلك، لم تحتج إلى تثقيف مثقف، فلم يبق إلا أن يركب فيها الزج، والسنان.
وأمّ عتيقٍ دون عمًه ... رأى خلقها من أعجبته فعانـها
وهذا أيضاً عطف على ما تقدم، وأراد بالعتيق: المـهر، وقوله: دون أي أبوه أكرم من أمـه؛ لأنـه إذا كان دون ، كانت أمـه دون أبيه.
يقول: هذه أم مـهر كريم، أمـه دون أبيه في الكرم، وكانت هي حسنة الخلق فرأى خلقها من أعجبته فعانـها، أي أصابها بالعين، فصار ولدها أحسن منـها وأكرم.
إذا سايرته باينته وبانـها ... وشانته في عين البصير، وزانـها
يقول: إذا سارت الأم معه بانت منـه، وبان منـها. أي لم يشبهها في الحسن والجمال، كما يشبه المـهر أمـه، وشانته في عين البصير: أي أن البصير بالخيل لم ير فيه عيباً إلا كونـه من هذه الأم التي هي دونـه، فهو له عيب وشين، وهذا المـهر زان الأم، لأنـها ولدت مـهراً كريماً، فهو يزينـها، وهي تشينـه.
فأين الّتي لا تأمن الخيل شرّها ... وشرّى، ولا تعطي سواي أمانـها ؟
يقول: هلا وهبت لي فرساً أكرم منـها ؟ وهي التي لا تأمن الخيل شرها يعين أنـها سابقة إذا سابقت سائر الخيل، لم تأمن شرها ولا تأمن الفرسان شري، ولا تعطى سوى أمانـها: أي لا يقدر على ركوبها إلا مثلي من الفرسان الحذاق بالركوب.
وأين الّتي لا ترجع الرّمح خائباً ... إذا خفضت يسرى يديّ عنانـها
يقول: هلا وهبت لي الفرس التي إذا رخيت عنانـها بيدي اليسرى وجلت عليها لا أرجع خائباً، ولا ترد رمحي من دون قتل العدو.
ومالي ثناءٌ لا أراك مكانـه ... فهل لك نعمى لا تراني مكانـها ؟
يقول: ليس عندي ثناء لا أراك مستحقاً له، فهل عندك نعمة لا تراني أهلاً لها ؟ يعني: كما لا أدخر عنك ثناء، فلا تدخي عني نعمة.
وكان سيف الدولة إذا تأخر عنـه مدحه شق عليه، وأكثر أذاه وأحضر من لا خير فيه، وتقدم إليه بالتعرض له في مجلسه بما لا يحب، فكان أبو الطيب لا يجب أحداً عن شيء، فيزيد ذلك في إنكاء سيف الدولة، ويتمادى أبو الطيب في ترك قول الشعر، ويلح سيف الدولة فيما يستعمله من هذا القبيح وأكثر عليه مرة بعد أخرى فقال أبو الطيب هذه القصيدة وأنشده إياها في محفل من العرب والعجم.
واحرّ قلباه ممّن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم
وأحر قلباه: ندبة وهذه الهاء لا تدخل عند أهل البصرة إلا في الوقف، فإذا وصلت حذفت.
وأجاز الفراء ها في حال الوصل، وأنشد فيه أبياتاً، وإذا كان كذلك، فما ذكره لا مطعن عليه، إذ جاءت عن العرب، والرواة الثقات.
وحكى أبو الفتح بن جني: أن المتنبي كان ينشده بكسر الهاء وضمـها، قال: والوجه إذا جاز إثبات الهاء، كسرها لالتقاء الساكنين قال: ولا أرى للضم وجهاً. قال: ولو فتحت الهاء لالتقاء الساكنين ومجاورة الألف كان قياساً.

وطعن فيه من وجوه أخر: وهو حذف الياء من قلباه، وكان الوجه: قلبياه، لأن هذه الياء إنما تحذف قياساً على التنوين، فحيث يحذف التنوين في المنادي، جاز سقوط الياء وثباتها كقولك. يا زيد، فتحذف منـه التنوين، ثم تقول: وازيداه، لتحذف الياء، وحيث ثبت التنوين لم يجز حذف الياء، كقولك: واغلام زيد فتنون زيد، فإذا قلت: واغلامياه، أثبتت الياء.
والحاصل: أن الياء إنما تحذف من المنادى، لا من المضاف إليها المنادى، وقد أجاز بعض النحويين إسقاط الياء في هذا الموضع وإن كان ضعيفاً، فيجوز في الشعر لأنـه موضع الضرورة. والشيم: البارد.
يقول: أشكو حرارة قلبين وشدة وجدي ممن قلبه خالي مما أنا مبتلى به، وممن حالي عنده ضعيفة سقيمة مثل جسمي. يعني أني سقيم بحبه، وليس لي عنده حال ولا منزلة.
مالي أكتّم حبّا قد برى جسدي ... وتدّعي حبّ سيف الدّولة الأمم
وروى: أكاتم: يقول: كل أحد من الأمم، يدعي حبه ! فلم لا أقتدي بهم، وأظهر حبه مثل ما يظهرون ؟ ومعناه: أنـهم يظهرون حبه، وأنا أحتاج إلى أن أكتمـه، كأنـه يشير إلى أنـه يتأذى بإظهار حبه فيكتمـه ! فيؤدي كتمانـه إلى سقمـه ونحول جسمـه، وقيل: كتمانـه الحب من حيث أنـه يتجنب التملق بحبه، لما فيه من التكلف، وأن غيره يتملقون إليه بحبه ويتكلفون ذلك.
إن كان يجمعنا حبّ لغرّته ... فليت أنّا بقدر الحبّ نقتسم
يقول: إن كان يجمعني والأمم حب سيف الدولة، فليت حظنا منـه على قدر حبنا، فأكون أخصهم منـه قرباً، كما أني أكثرهم له حباً، أو أكون مثلهم في قوة أجسامـهم، وحسن أحوالهم، وهو مثلي في مرضي ورثاثة حالي.
قد زرته وسيوف الهند مغمدةٌ ... وقد نظرت إليه والسّيوف دم
يقول: نظرت إليه في حالتي السلم والحرب. وصحبته في حالتي الخوف والحب، كأنـه عليه بطول الخدمة، ثم يصف قيامـه بجميع الأمور.
فكان أحسن خلق اللّه كلّهم ... وكان أحسن ما في الأحسن الشّيم
الشيم: جمع الشيمة، وهي الخليقة، وأحسن الأول: نصب لأنـه خبر كان واسمـه ضمير سيف الدولة، وأحسن الثاني، خبر كان الثاني، والشيم: اسمـه، وأراد بالأحسن الممدوح.
يقول: نظرت إليه فكان أحسن خلق الله، وأحسن ما في هذا الأحسن الذي نظرت إليه أخلاقه، فكأنـه يقول: هو أحسن الناس، وخلقه أحسن من حسن وجهه.
فوت العدوّ الّذي يمّمته ظفرٌ ... في طيّه أسفٌ في طيّه نعم
الهاء في طيه الأول للظفر، والثاني للأسف.
يقول: هرب عدوك الذي قصدته، منك ظفر، ذلك، غير أن في طي هذا الظفر أسفاً، لأنك كنت تشتهي أن تقتله، أو تأسره، وفي طي هذا الأسف نعم لأنـه هرب منك خوفاً.
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت ... لك المـهابة ما لا تصنع البهم
البهم: جمع بهمة، وهو الشجاع.
يقول قد حصل لك في قلوبهم من الخوف والهيبة، ما يزيد على فعل الشجعان فيهم.
ألزمت نفسك شيئاً ليس يلزمـها ... ألاّ تواريهم أرضٌ ولا علم
تواريهم: أي تسترهم. والعلم: الجبل.
يقول: كلفت نفسك في طلب أعدائك، تهزمـهم وتكسر جموعهم، بل تريد ألا تسترهم أرض ولا جبل، بأن تخرجهم من مكان من الأرض، وتحطهم من رءوس الجبال.
وقيل: معناه لا ترضي أن تسترهم أرض ولا جبل، وإنما ترضى أن يواريهم بطون الطير، والوحوش.
أكلّما رمت جيشاً فانثنى هرباً ... تصرّفت بك في آثاره الهمم ؟
أكلما: استفهام، ومعناه التقرير، وانثنى: أي انصرف. تصرفت بك: أي صرفتك.
يقول: كلما قصدت جيشاً وهرب من بين يديك حملتك همتك العلية على طلبه، واتباع أثره.
وقيل: معناه حملتك همتك على الجزع في فوتهم منك.
عليك هزمـهم في كلّ معترك ... وما عليك بهم عارٌ إذا انـهزموا
الجمع: راجع إلى معنى الجيش.
يقول: إنما عليك أن تهمزمـهم، فإذا انـهزموا فليس عليك عار في انـهزامـهم بل ذلك يدل على قوتك.
أما ترى ظفراً حلواً سوى ظفرٍ ... تصافحت فيه بيض الهند واللّمم ؟
اللمم: جمع اللمة، وهي الشعر. الملم بالمنكب، وأراد بالتصافح: التلاقي.
يقول: لا تعد الظفر ظفراً إلا بعد القتل والقتال، وضرب السيوف على رءوس الأبطال. وعبر عن ذلك بتصافح السيوف واللمم؛ لأن القتل يحصل عند ذلك.
يا أعدل النّاس إلاّ في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم !

يقول: أنت أعدل الناس إلا بيني وبينك، فأنت لا تنصفني ولا تعينني قدر ما أستحقه عندك من المنزلة. فيك الخصام: أي الخصومة بيني وبين أعدائي وقعت فيك، وأنت الخصم: لأنك ملت إليهم، ولأني أخاصمك على منزلتي عندك، وأنت الحاكم: فاحكم على نفسك، فوفني ما أستحقه من المنزلة ! وقيل: معناه مع ذلك كيف أطمع في الانتصاف منك !
أعيّها نظراتٍ منك صادقةً ... أن تحسب الشّحم فيمن شحمـه ورم
نظران نصب على التمييز. قال أبو الفتح: قلت له: الهاء في أعيذها لأي شيء تعود ؟ فقال: إلى النظران. أجاز الأخفش مثله في قوله تعالى: " فَإنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ " وقال أبو الفتح: وإنما جاز إضمارها قبل الذكر، لأنـها كانت مشاهدة في الحال، فاكتفى بمشاهدتها من تقدم ذكرها.
يقول: أعيذ نظراتك الصادقة، أن تغلط، فترى الشيء على خلاف الحقيقة، فتحسب الشحم ورماً فجعل الشحم مثلا لنفسه، والورم لسائر الشعراء.
وما انتفاع أخي الدّنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظّلم
بناظره: أي ببصره.
يقول: إن الإنسان إذا لم يفرق بين النور والظلمة، فاستويا في عينـه، فلا ينتفع بناظرهن بل هو بمنزلة الأعمى.
يعني أن حاله تخالف غيره من الشعراء والفضلاء، وأنت إذا لم تميز بيننا كنت كالأعمى.
أنّا الّذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من بـه صمم
من في موضع نصب، لأنـه مفعول أسمعت وفاعله كلماتي وأراد بها القصائد.
يقول: إذا نظر الأعمى إلى أدبي يعرفه ويراه، فكيف البصير ؟! والأصم يسمع شعري، فكيف السميع ؟! معناه أن أدبي وشعري قد اشتهرا، حتى استوى في معرفتها العالم والجاهل، فضرب الأعمى والأصم مثلا للجاهل الذي لا يتفكر فيعرف.
أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
جراها: من أجلها، والهاء في شواردها للكلمات، وهي جمع شاردة: أي سائرة تروى بكل مكان.
وقيل: معناه أنـها تشرد، وتصعب على صاحبها.
يقول: أنا أقول القصائد الشوارد عفواً، من غير إتعاب فكر، وأنام عنـها ملء جفوني، والخلق كلهم يسهرون من أجلها، ويتنازعون في دقيق معانيها، وجودة مبانيها.
وقيل: معنى قوله: أنام أي أموت. والأول أظهر.
وجاهل مدّه في جهله ضحكي ... حتّى أتته يدٌ فرّاسةٌ وفم
فراسة: من الفرس، وهو دق العنق.
يقول: رضي الله عنـه جاهل غره ضحكي في وجهه، فتمادى في جهله، حتى سطوت عليه وقصدته مني يد فراسة، وفم: أي أهلكته بيدي ضرباً وقتلا، وأهلكته بفمي من طريق الهجو، والذم.
إذا رأيت نيوب اللّيث بارزةً ... فلا تظنّنّ أنّ اللّيث مبتسم
يقول: لما رآني أكشر الأسنان، حسب أني مسرور بفعله، ولم يعلم - من جهله - أني كالليث، إنما يكشر عن أنيابه وأسنانـه، إذا اشتد غضبه.
والأصل فيه قول عنترة:
لا رآني قد نزلت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسّم
ومـهجةٍ مـهجتي من همّ صاحبها ... أدركتها بجوادٍ ظهره حرم
الهاء في صاحبها وأدركتها للمـهجة الأولى.
يقول: رب نفس كانت همتها إتلاف نفسي، فأدركتها بفرس جواد، ظهره حرم: يعني من ركبه أمن، لأنـه إذا طلب فات، فلا يخاف أحداً، كما لا يخاف سكان الحرم.
رجلاه في الرّكض رجلٌ واليدان يدٌ ... وفعله ما تريد الكفّ والقدم
الركض: في الأصل ضرب الدابة بالرجل لتعدون، ثم ذكر ذلك حتى قيل لنفس العدو ركض فيقال: ركض الفرس: أي عدا.
يقول: إن رجليه تقعان معاً على الأرض وكأنـهما رجل واحدة، وكذلك يداه وأنـه لجودة جريه يغني راكبه عن تحريك يده بالسوط، وتحريك رجليه للركض، بل هو يعطيه من العدو ما يطلبه منـه، بيده وقدمـه، ذكره ابن جني.
وقال غيره: معناه أن فرسه مؤدب مطيع لفارسه، متصرف على اختياره، فكأن رجليه رجل راكبه، فيضع قوائمـه حيث شاء صاحبه، ويتصرف راكبه فيهما، كما يتصرف في جوارح نفسه.
ولا يقال: إن هذا المعنى الذي ذكرتموه هو معنى المصراع الثاني، فيكون المصراعان واحداً، فليس فيه إلا التكرير بلا فائدة.

لأنا نقول: إن الأول يفيد أن رجليه رجلاً راكبه، ويديه يداه في حال ركضه فقط، والمصراع الثاني يدل على أن فعل هذا الفرس، ما يريده صاحبه في جميع الأحوال، من ركض أو غيره، وأنـه مطيع لصاحبه في جميع جوارحه، فكأنـه قال: أفعال الفرس من أحواله كلها وجوارحه جميعاً موافقة لاختيار صاحبه، وتصريف كف راكبه وقدمـه، وهذه فائدة جديدة.
ومرهفٍ سرت بين الموجتين بـه ... حتّى ضربت وموج الموت يلتطم
وروى: الجحفلين أي العسكرين. والموجتين: هما صفتا العسكرين وأراد بالموج. الأمواج، فهو واحد في معنى الجمع، ولهذا قال: يلتطم، والالتطام لا يكون من واحد، ويجوز أن يكون الموج: جمع موجة.
يقول: رب سيف محدد شققت بـه الصفين، وضربت بـه الأعداء في حال اشتداد الحرب، والتطام موج الموت. وأراد بـه مقدمات الموت، من الضرب والطعن.
وقيل: أراد بالموجتين: جملة كل واحد من الصفين على الآخر كالتطام الأمواج.
فالخيل واللّيل والبيداء تعرفني ... والحرب والضّرب والقرطاس والقلم
يقول: أنا لجامع بين آداب السيف والقلم: فالخيل تعرفني بالفروسية لإدماني ركوبها، والليل يعرفني لدوام سيري في ظلامـه، والبيداء تعرفني لإدمان قطعي إياها، ودوام سكناي فيها، والحرب يعرفني لكثرة مباشرتي له، والقرطاس والقلم يعرفاني لأني كاتب أديب.
وقيل: أراد بـه أهل الخيل، وأهل البيداء إلخ يعرفوني.
قال ابن جني: قد سبق بجميع هذه الأمور في بيت واحد، ولم يجتمع مثله في بيت مما أعلمـه، الأقرب إليه قول البحتري:
اطلبا ثالثاً سواي فإنّي ... رابع العيس والدّجى والبيد
وحكى أن سيف الدولة قال لما أنشد هذا البيت: والله لو قال هذا البيت في لشاطرته في ملكي.
صحبت في الفلوات الوحش منفرداً ... حتّى تعجّب منّي القور والأكم
القور: جمع قارة، وهي صرة من الأرض، فيها حجارة سود، وقيل: جبل صغير أسود كأنـه مطلي بالقار، والأكمة: الجبل الصغير، وجمعها الأكم، والآكام، وقيل: هي ما ارتفع من الأرض.
يقول: إني لا أزال أقطع المفاوز وحدي، من غير أن يدلني أحد. وأراد بذلك وصف شجاعته، وقيل: أراد بذلك أنـه بدوي، تربيته مع الوحش، بين الأكم والقور.
يا من يعزّ علينا أن نفارقهم ... وجداننا كلّ شيء بعدكم عدم
يعز: أي يشتد، يعرض برحيله عن سيف الدولة، يقول: يا من يشتد علينا مفارقتهم، كل شيء نجده بعد فراقكم فهو عندنا عدم، أي وجوده كعدمـه ومثله:
ومن اعتاض عنك إذا افترقنا ... وكلّ النّاس زورٌ ما خلاكا
ما كان أخلقنا منكم بتكرمةٍ ... لو أنّ أمركم من أمرنا أمم
يقول: ما أخلقه بهذا الأمر ! وما أجدوه ! وما أولاه ! والأمم: القصد والقرب يقول: ما أولانا منكم بأن تكرمونا ! لو أن أمركم قريب من أمرنا، وجواب لو محذوف أي لو كنتم تحبوننا، كما نحبكم، لكنتم تكرموننا.
إن كان سرّكم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
يقول: إن كان سركم قول الحساد وسعايتهم بي، فإني أصبر على ذلك، وكل جرح يصيبني فلا أتألم به، إذا كان فيه رضاكم.
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفةٌ ... إنّ المعارف في أهل النّهي ذمم
قوله: معرفة مبتدأ وبيننا خبرها مقدم عليها، وذكرها ذهابا بها إلى العرفان أو الحق، وتقديره: بيننا معرفة لو رعيتم ذاك: أي لو رعيتم حق المعرفة، وجواب لو محذوف أي لو رعيتم لرفعتم منزلتي، وكافأتموني عليه.
يقول: قد تقدمت بيننا معرفة، وحرمة يجب عليك رعاية حقها؛ لأن المعارف ذمم بين أهل العقول: يعني يمتنع كل أحد من المتعارفين أن يسيء إلى صاحبه إذا كان عاقلاً، فكأن هذه المعرفة ذمة وعهد بينـهما.
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ؟ ... ويكره اللّه ما تأتون والكرم
يقول: لا تزالون تطلبون عيباً فيّ، فيعجزكم عيبي: أي لا تقدرون عليه، وهذا الفعل لا يرضى الله به، ولا يليق بالكرم.
ما أبعد العيب والنّقصان من شرفي ... أنا الثّريّا وذان الشّيب والهرم
ذان: إشارة إلى العيب، والنقصان.
يقول: كما أن الثريا لا تشيب، ولا تهرم، كذلك شرفي لا يلحقه عيب ولا نقصان.
ليت الغمام الّذي عندي صواعقه ... يزيلهنّ إلى من عنده الدّيم

الضمير في صواعقه: للغمام، ويزيلهن فعله، والكناية التي هي هن تعود إلى الصواعق كني بالغمام عني سيف الدولة وصواعقه عن إيذائه إياه وبالديم عن عطائه عند غيره.
فيقول: ديم هذا الغمام عند غيري، وصواعقه عندي، فليت صواعقه عند من ديمـه عنده، يعني ليته إن ليم يخصني بكرامة لا يقصدني بأذاه، بل يصرف امتنانـه إلى من عنده عطاياه، ومثله لآخر:
فلو شاء هذا الدّهر أقصر سوءه ... كما أقصرت عنّا لهاه ونائله
ومثله للبحتري:
سحابٌ خطاني جوده وهو مسبل ... وبحر عداني قطره وهو مفعم
وبيت ابن الرومي أقرب إلى أبي الطيب:
أعندي تنقضّ الصّواعق منكما ... وعند ذوي الكفر الحيا والثّرى الجعد
والأصل في ذلك قول الحسين بن علي رضي الله عنـهما: نال حارها من تولي قارها.
أرى النّوى تقتضيني كلّ مرحلةٍ ... لا تستقلّ بها الوخّادة الرّسم
تقتضيني: أي تتقاضاني، وتطالبني، والوخادة الإبل التي تسير الوخد، وهو ضرب سريع من السير، والرسم: جمع رسوم، وهي التي تسير الرسيم، وهو أيضاً ضرب من السير، والهاء في بها للمرحلة: أي لا ينـهض بها.
يقول: أرى البعد يطالبني بكل مرحلة لا تقطعها الإبل السريعة السير، من طولها، فأظهر لسيف الدولة السير عنـه والرحيل. وبينـه أيضاً فيما يليه.
لئن تركن ضميراً عن ميامننا ... ليحدثنّ لمن ودّعنـهم ندم
ضمير: اسم ماء في السماوة وقيل: جبل عن يمين طالب مصر، إذا خرج من الشام قاصداً مصر، والكناية في تركن وميامنـها وودعن إلى الوخادة الرسم.
يقول: لئن تركت الإبل الوخادة الرسم ضميراً عن ميامنـها، وأخذت بنا طيق مصر، ليحدثن لمن أفارقه ندم. واللام في قوله: ليحدثن جواب قسم محذوف: أي والله ليحدثن. واللام في لئن تركن زائدة دخلت توطئة للام الثانية، وحل جواب القسم محل جواب الشرط.
إذا ترحّلت عن قومٍ وقد قدروا ... ألاّ تفارقهم فالرّاحلون هم
الراحل: المرتحل.
يقول مخاطبا لنفسه: إذا قدر قوم على ألا يضطروك إلى مفارقتهم والرحيل عنـهم، ثم اضطروك إلى ذلك، فهم مخلون بحقك، فيكونون بمنزلة المرتحلين عنك، لرغبتهم عنك، فلا فرق بين رحيلهم عنك، وإلجائهم إياك إلى فراقهم.
شرّ البلاد بلادٌ لا صديق بها ... وشرّ ما يكسب الإنسان ما يصم
ما يصم أي ما يصمـه، ومعناه: ما يلحقه الوصم، وهو العيب.
يقول: شر البلاد بلاد لا صديق بها تسكن إليه، ويعينك على ما تريده، ويدفع ما يضرك، وشر كسب يكسبه الإنسان، ما يعاب به، وبذل عرضه بسببه.
وشرّ ما قنصته راحتي قنصٌ ... شـهب البزاة سواءٌ فيه والرّخم
البزاة: الشـهب البيض، وهي كرامـها، والرخم: جمع رخمة، وهي طائر يشبه النسر، تأكل الجيف ولا تصيد، وهي من لئام الطير وقيل: الرخمة: الأنثى من النسور. وروى: اقتنصته وقنصته.
يقول: أنا كالبازي، وشعراؤك كالرخم، فلم سويت في المنزلة بيننا في الجائزة فيبطل فضل البازي فيم يعد لذلك العطاء عندي قدر. ومثله لأبي تمام:
كلابٌ أغارت في فريسة ضيغم ... طروقاً وهامٌ أطمعت صيداً أجدلا
بأيّ لفظٍ يقول الشّعر زعنفةٌ ... تجوز عندك لا عربٌ ولا عجم ؟!
الزعانف: سقاط الناس، واحدها زعنفة، وأصله من زعنفة الأديم: وهو ما سقط منـهن إذا قطع فلا ينتفع به، فشبه بـه رذال الناس، وقيل: الزعانف: أجنحة السمك، ثم يقال للدعي الملحق بالقوم زعنفة.
يقول: إن شعراءك الذين تسوي بيني وبينـهم أدعياء في الشعراء، وإنـهم من جملة رذال الناس، ليسوا بأهل للإقبال عليهم؛ لأنـهم دخلاء في الشعر، ليسوا من العرب ولا من العجم، فتقبل منـهم شعرهم، ويجوز عليك تمويههم.
وقال ابن جني: معناه ليست لهم فصاحة العرب، ولا تسليم العجم، والفصاحة للعرب، فهم فضول رذال.
وقيل: إنـه عرض في هذا بالنامي، وكان أخص شعراء سيف الدولة وأنشد أبو الطيب يوما قول النامي:
ومن العجائب أنّ بيض سيوفه ... تلد المنايا السّود وهي ذكور
فاستحسنـه.
هذا عتابك إلاّ أنّه مقةٌ ... قد ضمّن الدّرّ إلاّ أنّه كلم
العتاب: أدنى الملامة والمقة: المحبة.

يقول: هذا عتابك في الظاهر، ولكنـه محبة لك، يعني لم أعاتبك إلا من محبتي إياك، فكلامـه كالدر في الحسن والرونق والصفاء، وإن كان في الصورة كلاماً، وهو كقول أبي تمام:
تخال بـه مبرداً عليك محبرّا ... وتحسبه عقداً عليك مفصّلا
والمصراع الأول من قول القائل:
ويبقى الودّ ما بقي العتاب
ومثل لآخر:
نعاتبكم يا أمّ عمرو لحبّكم ... ألا إنّما المقلىّ من لا يعاتب
فلما أنشد هذه القصيدة وانصرف، اضطرب المجلس، وقال له نبطي كان في المجلس: اتركني أسعى في ذمـه، فرخص له في ذلك، والنبطي هو السامري، وفيه يقول أبو الطيب:
أسامريّ ضحكة كلّ رائي ... فطنت وأنت أغبى الأغبياء
صغرت عن المديح فقلت أهجى ... كأنّك ما صغرت عن الهجاء
وما فكّرت قبلك في محالٍ ... ولا جرّبت سيفي في هباء
فانصرف المتنبي فوقف له رجاله سيف الدولة في طريقه ليغتالوه، فلما رآهم أبو الطيب؛ وتبين السلاح تحت ثيابهم أمكن يده من قائم سيفه، وجاءها حتى خرقها، فلم تقدم عليه، ثم أنفذت الطير إلى أبي العشاير في أمره، فأنفذ عشرة من خاصته، فوقفوا بباب سيف الدولة أول الليل، وجاءه الرسول على لسان سيف الدولة، فسار إليه، فلما قرب منـهم ضرب راجل منـهم - بين أيديهم - إلى عنان فرسه، وسل أبو الطيب السيف، فوثب الراجل وتقدمت فرسه بـه الجيل، فعبر قنطرة كانت بين أيدهم واجترهم إلى الصحراء، فأصاب أحدهم نحرة فرسه بسهم فأنفذه، فانتزع أبو الطيب السهم، ورمى به. واستقلت الفرس وتباعد بهم ليقطعهم عن مدد - إن كان لهم - ثم رد عليهم بعد أن فنى النشاب، فضرب أحدهم فقطع الوتر وبعض القوس، وأسرع السيف في ذراعه ووقفوا على المضروب، فسار وتركهم. فلما يئسو منـه، قال له أحدهم في آخر الوقت: نحن غلمان أبي العشائر، فلذلك قال: ومنتسب عندي إلى من أحبه وللنبل حولي من يديه حفيف الأبيات ........ .
وعاد أبو الطيب إلى المدينة في الليلة الثانية مستخفياً فأقام عند صديق له، والمراسلة بينـه وبين سيف الدولة متصلة، وسيف الدولة ينكر أن يكون فعل ذلك، أو أسر بـه فعند ذلك قال أبو الطيب:
ألا ما لسيف الدّولة اليوم عاتبا ... فداه الورى أمضى السّيوف مضاربا
ألا تنبيه وما للاستفهام على جهة الإنكار، وعاتبا نصب على الحال ومضاربا نصب على التمييز، والعتب: أدنى الغضب.
يقول: ما باله اليوم قد عتب علي، جعل الله الورى فداء له، وقوله: أمضى السيوف مضاربا: هذه الجملة في موضع نصب على الحال، أي فداه الورى في هذه، أي في حال كونـه أمضى السيوف.
وما لي إذا ما اشتقت أبصرت دونـه ... تنائف لا أشتاقها وسباسبا !
التنائف: جمع تنوفة، وهي الأرض الواسعة البعيدة الأطراف. والسباسب: جمع سبسب وهو الفضاء الواسع.
يقول: ما لي إذا ما اشتقت إلى لقائه حال بيني وبينـه إعراضه. أقام عتب سيف الدولة مقام المفاوز التي يحتاج أن يقطعها، حتى يصل إلى مراده، كما أن المفاوز مانعة لمن أراد الحاجة، فكذلك عتبه مانع من مراده.
وقيل: ضرب التنائف والسباسب: مثلا للصد والمباعدة.
وقد كان يدني مجلسي من سمائه ... أحادث فيها بدرها والكواكبا
أي ماله أبعدني عن مجلسه؛ بعد أن كان يقربني منـه، ويجعلني من جلسائه ؟! لما جعله بدراً جعل مجلسه سماء وجعل خصاله وأفعاله كواكب، وكذلك جعل ندماءه كواكب سمائه، والهاء في فيها وفي بدرها تعود إلى السماء.
حنانيك مسئولاً، ولبّيك داعيا ... وحسبي موهوباً وحسبك واهباً
حنانيك: أي تحنناً بعد تحنن، ومعناه الرحمة، معناه أسألك رحمة بعد رحمة وأرجو أن تضاعف على النعمة، ولبيك: أي إجابة بعد إجابة إذا دعوتني وحسبي موهوباً: أي حسبي من جميع هباتك، أن تهب لي نفسي، وقيل: يكفني ما وهبت من المال، وحسبك واهباً: أي كملت في هذه الصفة، فالكفاية واقعة في كونك واهباً، لا يزاد معك إنسان آخر يكون واهباً، وقيل: حسبك من جميع المناقب أن تكون واهباً نفسي مني، ونصب حنانيك ولبيك على المصدر. أو بفعل مضمر، ونصب مسئولا وداعياً وموهوباً وواهبا على الحال.
أهذا جزاء الصّدق إن كنت صادقاً ؟ ... أهذا جزاء الكذب إن كنت كاذبا ؟

يقول: إن كنت صادقا في مدحك، فليس جزائي منك الإبعاد والعتب، وإن كنت كاذباً في مدحك فقد تكلفت لك المجاملة في القول، فكان من الواجب أن تعاملني بمثل ذلك، فعلى الحالين أستوجب منك خلاف ما فعلته بي.
وقيل: معناه إن كنت صدقت فيما عاتبتك عليه فما جزاء الصدق أن تأمر بقتلي ! وإن كذبت، فالواجب على كرمك أن تعفو عني.
وإن كان ذنبي كلّ ذنبٍ فإنّه ... محا الذّنب كلّ المحو من جاء تائبا
الهاء في إنـه ضمير الشأن، أي فإن الشأن محا الذنب من جائ تائبا.
يقول: إن كان ذنبي يوازي ذنوب الناس كلهم، فإن توبتي تمحوه، فإن من جائ تائباً استوجب العفو، وإن كان ذنبه بمنزلة جميع الذنوب، أخذه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: التائب من الذنب كمن لا ذنب له ومثل البيت قول الآخر:
إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه ... وكلّ امرئٍ لا يقبل العذر مذنب
قال: ودخل على سيف الدولة، بعد تسع عشرة ليلة، فتلقاه الغلمان، وأدخلوه إلى خزانة الكسوة فخلع عليه وطيب، ثم دخل على سيف الدولة فسأله سيف الدولة عن حاله وهو مستح منـه، فقال له أبو الطيب: رأيت الموت عندك أحب إلي من الحياة دونك، فقال له سيف الدولة: بل يطيل الله بقاءك ودعا له.
ثم ركب أبو الطيب وسار معه خلق كثير إلى منزله، وأتبعه سيف الدولة طيباً كثيراً وهدية، فقال أبو الطيب يمدحه وأنشدها إياه في شعبان سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة.
أجاب دمعي وما الدّاعي سوى طلل ... دعا فلبّاه قبل الرّكب والإبل
يقول: لما وقفت على الطلل، بكيت قبل أصحابي، وقبل بكاء الإبل، فكأن الطلل دعا دمعي فأجابه قبل أصحابي.
ظللت بين أصيحابي أكفكفه ... وظلّ يسفح بين العذر والعذل
الأصيحاب: تصغير الأصحاب، وأكفكفه: أي أحبسه، وأردده والها: للدمع. وظل: أي الدمع. يسفح: أي يجري.
يقول: ظللت عند إجابة الدمع أكف دمعي عن السيلان، وأمنعه من الهملان، وظل الدمع يسيل ولا ينقطع، وأمنعه ولا يمتنع، فكان يجري بين عاذل من أصحابي على البكاء، وبين عاذر منـهم، لما يرى من شدة صبابتي.
أشكو النّوى ولهم من عبرتي عجبٌ ... كذاك كانت وما أشكو سوى الكلل
الكلل: جمع الكلة، وهي الحجلة والتاء في كانت: للعبرة.
يقول: كنت أشكو النوى إليهم، وهم يتعجبون من دمعي، وليس ذلك بموضع تعجب؛ لأن الدمع كان هكذا، حين كانت المحبوبة قريبة منين لا يغيبها عن عيني سوى كلل. فالآن وقد بعدت وحالت بيننا المفاوز والبلاد، أجدر أن أبكي، وقوله: كذا كانت خطاب للأصحاب، أي قلت لهم: لا تعجبوا فإني كنت هكذا أبكي وهي قريبة مني.
وما صبابة مشتاق على أمل ... من اللّقاء كمشتاق بلا أمل
أي كصبابة مشتاق بلا أمل، فحذف المضاف.
يقول: إذا كنت أبكي وهي بالقرب، وكان البعد بيننا كله، فالآن - مع هذا البعد - أولى بالبكاء، لأن الاشتياق، إذا كان مع الأمل من اللقاء، لا يكون في الشدة كالاشتياق إذا كان من غير الأمل! ومثله لأبي تمام:
يصدّون عمّن لو تيقّن أنّه ... صدود انقطاعٍ لانثنى فتقطّعا
متى تزر قوم من تهوى زيارتها ... لا يتحفوك بغير البيض والأسل
يقول: إذا زرت قوم حبيبك الذي تهواه: جعلوا تحفتك السيوف والرماح، يعني أنـهم وإن قصدوني عن زيارتي إياها بالرماح والسيوف، طلباً لقتلي، فإني لا أمتنع عن زيارتها، وقد بين ذلك بقوله.
والهجر أقتل لي ممّا أراقبه ... أنا الغريق فما خوفي من البلل ؟!
يقول: إن هجرت زيارتها خوفاً من القتل، فالهجر أشد قتلاً لي، وما أراقب من قومـها، ربما قارنته السلامة، وخوفي من قومـها كالبلل.
ما بال كلّ فؤادٍ في عشيرتها ... بـه الّذي بي وما بي غير منتقل ؟
يقول: ما بال كل قلب من قلوب عشيرتها يحبها ! فبهم مثل ما بي من حبها، وكلنا ثابت الحب لها، غير منتقل الهوى عنـها؛ لأنـه إذا أخبر أن لكل فؤاد ما بفؤاده ثابت، فقد تضمن ذلك الإخبار عما في قلوبهم من الحب، أنـه غير منتقل.
وقيل - وهو الأولى - معناه: أن كل أحد من عشيرتها يحبها مثلما أحبها لا تفاوت بيننا في حبها، فكأننا نحبها بحب واحد، وهذا الحب في قلوبنا أجمع، فكيف يكون وجدي وشوقي في قلب غيري وهو غير منتقل عني، والشيء الواحد لا يحل مكانين في زمان واحد ؟!

مطاعة اللّحظ في الألحاظ مالكةٌ ... لمقلتيها عظيم الملك في المقل
اللحظ: العين ها هنا.
يقول: إنـها ملكت عيون الناس بحسن عينيها، وغنج ألحاظها، فلم تدع عينا أن تتخطاها إلى غيرها، فهي إذاً مطاعة العين فيما بين العيون كلها، وهي مالكة لمقلتيها الملك العظيم فيما بين المقل.
تشبّه الخفرات الآنسات بها ... في مشيها فينلن الحسن بالحيل
الخفرة: الحيية، والآنسة: التي تأنس محدثها ويأنس هو بها.
يقول: إن النساء الحسان يتشبهن بها في مشيها فيمسن كما تميس هي، فينلن حسن مشيها بالحيل والسرقة، وكأنـهن يحاكينـها في المشي فقط.
قد ذقت شدّة أيّامي ولذّتها ... فما حصلت على صابٍ ولا عسل
الصاب: شجر مر.
يقول: جربت أحوال الدهر، وذقت حلاوته ومرارته، فما وجدت لشيء منـها حقيقة، لأنـه لا يدوم ولا يبقى.
وقد أراني الشّباب الرّوح في بدني ... وقد أراني المشيب الرّوح في بدلي
فاعل أراني: الشباب، والمشيب والروح مفعوله الثاني، والكناية في أراني مفعوله الأول. والبدل قيل: أراد بـه غيره من الشبان ومعناه: أني ما دمت شاباً رأيت روحي في بدني، والآن لما شبت أرى الحياة في غير من الشبان، فكأن الروح التي كانت في انتقلت مني إلى غيري.
وقيل: معناه أيقنت عند طلوع الشيب أني قد ندبت إلى فراق الدنيا ليعمرها غيري.
وقيل: أراد بالبدل ولده، أي ما كنت أراه في نفسي من اللذة والروح في الحياة، انتقل مني إلى ولدي، فصرت أرى في بدلي وهو ولدي الذي يخرج مني، بعد ما كانت في بدني، وكأني قد انتقلت من الدنيا، وقام ولدي مقامي.
وقد طرقت فتاة الحيّ مرتدياً ... بصاحبٍ غير عزهاةٍ ولا غزل
طرقتها: أتيتها ليلاً والعزهاة: الجافي الذي لا يصبو إلى النساء ولا يرغب فيهم والغزل: ضده.
يقول: ربما زرت حبيبتي ليلا، وأنا متقلد بسيفي، وجعله صاحبه، ثم قال: إن صاحبي لا يكره النساء ولا يميل إليهن، فهو لا عزهاة ولا غزل.
فبات بين تراقينا ندفّعه ... وليس يعلم بالشّكوى ولا القبل
يقول: ضاجعتها، وعلي سيفي، فبات بيني وبينـها، وكنا ندفعه إلى جانب عند المباشرة، وهو لا يعلم ما يجري بيننا من القبل والشكوى.
ثمّ اغتدى وبه من ردعها أثرٌ ... على ذؤابته والجفن والخلل
الردع: أثر الزعفران وأثر الطيب، وذؤابة السيف: السير الذي في طرف قائمـه. والجفن: الغمد. والخلل: الغاشية التي يغشى بها السيف.
يقول: اغتدى السيف وقد علق بـه من طيها أثر، وكذلك علق بذؤابته وغمده.
لا أكسب الذّكر إلاّ من مضاربه ... أو من سنان أصمّ الكعب معتدل
يقول: لا أكسب الذكر الجميل، والثناء الحسن، إلا بحد السيف وسنان الرحم الأصم الكعب، فلهذا لا أفارقه.
جاد الأمير بـه لي في مواهبه ... فزانـها وكساني الدّرع في الحلل
به: أي بالسيف فزانـها: أي زان المواهب.
يقول: هذا السيف الذي لا أكسب الذكر إلا من مضاربه، وهبه لي الأمير في جملة مواهبة، فزان هذا السيف.
وقيل: زان سيف الدولة المواهب، وكذلك كساني الدرع في جملة ما كساني من الحلل.
ومن عليّ بن عبد اللّه معرفتي ... بحمله، من كعبد اللّه أو كعلي ؟!
معرفتي: ابتداء. ومن علي بن عبد الله خبره.
يقول: إنما تعلمت حمل السيف من سيف الدولة، ومن يشبه سيف الدولة أو والده في الجود والكرم ؟!
معطى الكواعب والجرد السّلاهب وال ... بيض القواضب والعسّالة الذّبل
السلاهب: الطوال من الخيل والعسالة: الرماح المضطربة.
يقول: سيف الدولة هو يهب هذه الأشياء كلها.
ضاق الزّمان ووجه الأرض عن ملكٍ ... ملء الزّمان وملء السّهل والجبل
عن ملك: يعني ملأ الزمان بأفعاله ومناقبه وذكره، وملأ الأرض بخيله ورجله، حتى ضاقت عنـه.
فنحن في جذلٍ، والرّوم في وجلٍ ... والبرّ في شغلٍ، والبحر في خجل
يعني: نحن في سرور من إحسانـه إلينا، والروم في خوف من غزوه إليهم، والبر في شغل بخيله وجوده، والبحر في خجل من كثرة عطائه.
من تغلب الغالبين النّاس منصبه ... ومن عديّ أعادي الجبن والبخل
هو من تغلب، وتغلب من عدي، وروى: العنصر والمنصب، وهما الأصل.

يقول: أصله من تغلب الذين هم يغلبون الناس، ومن عدي أيضاً وهم أعادي البخل والجبن.
أي إنـهم في طباعهم الجود والشجاعة.
والمدح لابن أبي الهيجاء تنجده ... بالجاهليّة عين العيّ والخطل
تنجده: أي تعينـه، والخطل: الكلام الفاسد.
يقول: إذا استعنت في مدحه بذكر أيام آبائه، الذين كانوا في الجاهلية وإعانة مدحه بوصفهم عين العي والخطل، لأنك تجد في مناقبه ما لا يحتاج معه إلى ذكر آبائه.
قال ابن جنيك سألته عن هذا، قال: بعض الشعراء قد مدح سيف الدولة بذكر آبائه وأجداده ويعني به: النامي الشاعر.
وقيل: يجوز ألا يراعي السبب في ذلكن غير أنـه لما قال فيما قبله من تغلب البيت. عاد إلى مدحه في نفسه، وبين أنـه لم يذكر آباءه لاحتياجه إلى ذلك.
ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليبٌ وأهل الأعصر الأول ؟!
يقول لذلك الشاعر. أو لنفسه: ليت أن الشعر يستوفي فضائله ومآثره، أي أن ما فيه من المناقب لا تحيط بـه المدائح، فما كليب وغيره من المتقدمين في الأزمنة الخالية بالإضافة إليه، حتى تذكر مناقبهم في مدحه !
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت بـه ... في طلعة الشّمس ما يغنيك عن زحل
يقول: خذ ما قرب منك، ودع ذكر من غاب عنك، ولا سيما القريب منك الذي تشاهده، أكثر مناقب من البعيد الذي سمعت بذكره، وضرب المثل وشبهه بالشمس وأباه بزحل، فإن الشمس أقرب إلينا من زحل، وأبين منـه نوراً، وأكثر منـه فضلا.
يعني: عليك بمدح سيف الدولة الذي هو كالنور. وهذا البيت من محاسن الشعر.
وقد وجدت مكان القول ذا سعةٍ ... فإن وجدت لساناً قائلاً فقل
يقول: قد وجدت لمدحك مجالاً، ولمكانك في الوصف مقالاً، فإن كان لك لسان يساعدك، وبيان يطاوعك فامدح. ومثله للنميري:
إذا امتنع المقال عليك فامدح ... أمير المؤمنين تجد مقالا
إنّ الهمام الّذي فخر الأنام بـه ... خير السّيوف بكفّي خيرة الدّول
خير السيوف: خبر إن.
يقول: إن الملك الهمام الذي يفتخر بـه الأنام هو خير السيوف بكفي خيرة الدول، وهي دولة الإسلام، لأنـه سيفها.
تمسي الأمانيّ صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيءٍ: ليت ذلك لي
يقول: إنـه بلغ فوق ما يتمناه، فلا يرى شيئاً لم يصل إليه، فيتمنى أن يكون له ! بل إذا تمنى شيئاً وصل إليه، وإلى ما هو خير منـه.
ومعنى قوله: تمسي الأماني صرعى دون مبلغه معنى بديعي، لأبلغ مبلغاً، كل أمنية ساقطة دونـه، فلا يحتاج أن يتمناها مع تجاوزه عنـها، وهو في هذا ينظر إلى قول عنترة العبسي.
ألا قاتل اللّه الطّلول البواليا ... وقاتل ذكراك السّنين الخواليا
وقيلك للشّيء الّذي لا تناله ... إذا ما حلافي العين: يا ليت ذاليا !
انظر إذا اجتمع السّيفان في رهجٍ ... إلى اختلافهما في الخلق والعمل
الرهج: الغبار.
يقول: إذا ارتفع غبار الحرب، فانظر إلى سيف الدولة، وإلى السيف الذي في يده؛ لتعرف فضل ما بينـهما خلقاً وعملا، يعني أنـه وإن شارك السيف في الاسم، فهو مخالف له في الخلق والعمل والمضاء، والعزم والفناء.
هذا المعدّ الدّهر منصلتاً ... أعدّ هذا الرّأس الفارس البطل
أعد: فاعله المعد لريت الدهر. والمنصلت: المتجرد من الغمد، ومنصلتاً نصب على الحال.
يقول: إن سيف الدولة سيف جعله الخليفة عدته لحوادث الدهر، وهذا السيف قد اتخذ سيف الحديد عدة للحرب، ليضرب رءوس الأبطال، فهذا الأول إشارة إلى سيف الدولة والثاني إشارة إلى سيف الحديد.
فالعرب منـه مع الكدريّ طائرةٌ ... والرّوم طائرةٌ منـه مع الحجل
الكدري: ضرب من القطا، تضرب ألوانـها إلى الكدرة والحجل: القبج.
يقول: إن الروم والعرب هربت منك، والتجأت إلى البوادي والجبال، فالعرب هاربة إلى البوادي مع القطا، والروم إلى الجبال مع القبج.
وخص العرب بالقط؛ لأنـها تكون في بلاد العرب دون الروم، وخص الروم بالحجل، لأنـها تكون في بلاد الروم وجبالها.
وما الفرار إلى الأجبال من أسدٍ ... تمشي النّعام بـه في معقل الوعل
الضمير في بـه للأسد، وأراد به: سيف الدولة، وأراد بالنعام ها هنا الخيل خيل سيف الدولة العراب.
يقول: كيف يمنع الروم فرارها إلى الأجبال من أسد تمشي بـه الخيل في الجبل التي هي معقل الوعل.

شبه الخيل بالنعام لسرعتها. وفيه إشارة إلى أنـه لا يمتنع عليه أمر رامـه؛ لأنـه إذا أمكنـه أن يبلغ بالنعا وهي سهلية إلى رءوس الجبال، فكيف يقدرون على التحرز منـه في معقل الأوعال.
وقيل: معناه أن سيف الدولة لو ركب النعام مشت بـه في معاقل الأوعال، مع أنـها من طير السهل، لأنـه قد سهل له كل صعب.
وقيل: أراد بالنعام حقيقتها. ومعناه: أنـه قد أحوج النعام التي هي من طيور السهل إلى الفرار منـه ومن جيشـه إلى رءوس الجبال.
جاز الدّروب إلى ما خلف خرشنةٍ ... وزال عنـها وذاك الرّوع لم يزل
الدروب: مضايق الروم. وقيل: هي دروب الروم. وقيل: موضع بعينـه. وخرشنة: بلد في الروم.
يقول: دخل بلاد الروم حتى جاوز الدروب والمضايق، وخلف خرشنة وراء ظهره، ثم عاد منـها بعد الإغارة والسبي وخوفه بعد في قلوبهم لم يزل عنـهم.
فكلّما حلمت عذراء عندهم ... فإنّما حلمت بالسّبي والجمل
يقول: قد تمكن رعبك في قلوبهم، فالبكر منـهم ترى في نومـها أنـها تسبى؛ لتمكن ذلك في نفسها في حال اليقظة، فهي تراه في المنام، أو ترى الجمل؛ لأنـه لا يكون في بلاد الروم، فالنفس له أنكر والطباع منـه أنفر.
وقيل: خص الجمل؛ لأنـها إذا سبيت تحمل على الإبل.
وقيل: معناه أنـهن يسبين صغاراً فيحملن على الجمال إلى عند أصحاب سيف الدولة؛ لأنـها أصحاب جمالز ومثله لعلي بن جبلة:
وعلى عدوّك يا ابن عمّ محمّدٍ ... رصدان: ضوء الصّبح والإظلام
ومثل ذلك لأبي الطيب:
يرى في النّوم رمحك في كلاه ... ويفرق أن يراه في السّهاد
إن كنت ترضى بأن يعطوا الجزي بذلوا ... منـها رضاك ومن للعور بالحول !؟
الجزي: جمع جزية يقول: إن كنت ترضى منـهم بالجزية، أعطوك منـها ما تطلب، فهم يتمنون ذلك، كما يتمنى الأعور الحول، لأن الجزية خير لهم وأحب في أنفسهم من السبي والقتل، كما أن الحول خير من العور.
ناديت مجدك في شعري وقد صدرا ... يا غير منتحلٍ في غير منتحل
صدرا: راجع إلى مجد سيف الدولة وشعر المتنبي، وفيه إشارة إلى أنـهما ليسا بمستحدثين، ولو قال: وردا لأوهم ذلك، والانتحال: ادعاء الشيء كذباً.
يقول: ناديت مجدك فيما أقوله في مدائحك، فقلت في ندائي: يا مجداً غير منتحل في شعر غير منتحل. يعني: أن مجدك حقيقة لك لم تنتحله، كما أن شعري كذلك غير منتحل.
وقوله: قد صدرا أي صدر الشعر مني والمجد منك ويجوز أن يريج صدر الشعر، والمجد من فعلك، إذ لولا عطاؤك لما كان مني مدح.
بالشّرق والغرب أقوامٌ نحبّهم ... فطالعاهم وكونا أبلغ الرّسل
يقول، قلت لمجدك وشعري لما سارا في البلاد: إن في الشرق والغرب لي أحبة، فأبلغا أحبتي عند سيف الدولة.
وذلك إشارة إلى اشتهار المجد والشعر، إلا أنـه لما كان مشتملا على ذكره مجده، كان المجد أيضاً سائراً بسيره ومشتهراً باشتهاره. وقد بين تتمة الرسالة فيما يليه فقال:
وعرّفاهم بأنّي في مكارمـه ... أقلّب الطّرف بين الخيل والخول
الخول: جمع الخائل، وهو الخادم.
يقول للمجد والشعر: عرفا أحبتي ما أنا فيه من الكرامة، وما أعطاني الأمير من الخيل والعبيد.
يا أيّها المحسن المشكور من جهتي ... والشّكر من قبل الإحسان لا قبلي
يقول: أحسنت إلي وشكرت على إحسانك إلي، فالشكر من جهة إحسانك لا من جهتي، فكأنـه هو الشاكر دوني.
ما كان نومي إلاّ معرفتي ... بأنّ رأيك لا يؤتى من الزّلل
أقام النوم مقام الغلفة والسهو، يعتذر مما بدر منـه في القصيدة الميمية.
يقول: ما نمت عما وجب من صيانة مدحك، عن خلطه بالعتاب المؤلم، إلا بعد ثقتي باحتمالك وحلمك، وأنك لا تعجل علي بعقوبتك. وفوق ها هنا ظرف كما تقول: نمت فوق السرير. وقيل: إنـه صفة لمصدر محذوف، أي لما وثقت بحلمك وعلمت أنك لا تزل في رأيك، تسحبت في العتاب تسحباً فوق ما عرفته من ثبات رأيك.
وقيل: معناه يا أيها الملك الذي أحسن إلي وشكرته على إحسانـه، ما لحقني السهو والتفريط إلا بعد سكون نفسي إلى فضلك، وأنك لا تزل في رأيك.
أقل، أنل، أقطع، أحمل، علّ، سلّ، أعد ... زد، هشّ، بشّ، تفضّل، أدن، سرّ، صل

أقل: من الإقالة من العثرة، والعفو عن الزلل. أنل: من الإنالة، وهو إسداء العطية. أقطع من الإقطاع. أحمل: من حملته على فرسي، ومنـه قوله تعالى: " ولا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْك لِتَحْمِلهُمً " . عل: من إعلاء المحل. يقال: عليت منزلته، وأعليتها. سل: من تسلية الهموم أعد: من الإعادة إلى العادة الأولى. زد: من الزيادة. وهش بش من الهشاشة، والبشاشة، وهما: التهلل، واللقاء بالبشر، والطلاقة. تفضل: من تفضل فلان على صاحبه. أدن: من الإدناء وهو التقريب. وسر: من سررته أسره. صل: من الصلة وهي العطية، أو من المواصلة وهي المقاربة.
ومعنى هذه الكلمات: إما دعاء لسيف الدولة. أي لا زلت أبداً تقيل عثرة من يبغي من أصحابك وتنيل أولياءك وتقطعهم ضياعك، وتحملهم على خيلك إلى آخر البيت.
وإما للسؤال والطلب، فالمعنى: أقلني من عثرتي، وأنلني من فضلك، وأقطعني ضيعة من ضياعك، واحملني على فرس من خيلك، وعل منزلتي عندك، وسل ما حصل في قلبك من غش، أو سل ما في قلبي من الهم بإعراضك عني، وأعدني ما كنت عليه من المنزلة، وسرني إلى الإجابة إلى ما سألتك وقيل سر قلبي برضاء عني، وصلني بصلة من صلاتك، أو صل ما بيني وبينك.
ويحكى أن سيف الدولة وقع بخطه تحت أقل أقلناك. وتحت أنل يحمل إليه كذا وكذا ألف درهم، وتحت أقطع أقطعناك الضيعة الفلانية بباب حلب، وتحت أحمل يقاد إليه فرس مركب وتحت عل قد فعلنا وتحت سل قد فعلنا فاسأل، وتحت أعد أعدناك إلى حالك من حسن رأينان وتحد زد يزاد كذا وكذا، وتحت تفضل قد فعلنا، وتحت أدن قد أدنيناك وتحت سر قد سررناك.
فقال أبو الطيب: إنما قلت هب سرّية لي فأمر بجارية له، وتحت سل قد فعلنا.
ويحكى أن المعقلي وكان شيخاً ظريفاً قال لسيف الدولة: قد فعلت بـه كل شيء سألك، فهلا قلت: لما قال: هش بش هئ هئ: يحكى الضحك، فضحك سيف الدولة وقال: اذهب يا ملعون.
لعلّ عتبك محمودٌ عواقبه ... فربّما صحّت الأجسام بالعلل
يقول: لعلي أتأدب بعد عتبك علي، ثم بعد عفوك عني هذه الكرة، فيكون عتبك علي تهذيباً لأدبي، ويؤدي إلى العاقبة المحمودة، كما أن بعض العلل يكون محمود العاقبة، لما يؤمن معه من الأمراض، كالزكام، فإنـه يؤمن معه من أدواء كثيرة من أدواء الرأس، ويعقبه الصحة. كالفتور الذي ينال شارب الدواء ثم يتعقبه صحة كثيرة وكضرب المؤدب للغلام.
قال ابن جني: وهذا من الكلام الذي يقضي بفضله كل من فهمـه.
وما سمعت ... ولا غيري بمقتدر أذبّ منك لزور القول عن رجل
عن رجل: عني بـه نفسه، كأنـه كان قد كذب عليه بعض حاسديه عند سيف الدولة، ولم يقبل قوله، ولكنـه عاتبه على ذلك من غير علم هذا الحاسد. فقال: لم أسمع أنا ولا غيري بملك يقتدر على الانتقام. أذب منك لزور القول عن رجل سعى إليك بزور القول.
لأن حلمك حلمٌ لا تكلّفه ... ليس التحكّل في العينين كالكحل
الكحل: أن تكون أشفار العين سوداً خلقةً. والتكحل: استعمال الكحل.
يقول: إنما توقف على أمر من يسعى عندك، لن حلمك في طباعك غير متكلف، فلا يتغير بسعاية ساع، كما يتغير الحكم التكلفي. فحلمك ثابت لا يزول، كما أن الحكل في العين إذا كان خلقة لا يزول ولا يحول، وحلم غيرك من الملوك متكلف سريع الانتقال، كما أن التكحل لا دوام له.
وما ثناك كلام النّاس عن كرمٍ ... ومن يسدّ طريق العارض الهطل ؟!
ما ثناك: ما صرفك. والهطل: المتتابع، وروى: ومن يرد ومن يسد شبه كرمـه بالعارض الهطل فقال: فكما أن أحداً لا يمكنـه سد طريق العارض الهطل، كذلك لا يمكن أحد أن يمنعك من استعمال الكرم.
أنت الجواد بلا منٍّ ولا كدرٍ ... ولا مطالٍ وى وعدٍ ولا مذل
المذل: الضجر من الشيء.
يقول: أنت الجواد الذي لا يمن بعطائه، ولا يكدر معروفه بالمن وغيره، وليس في عطائه مطل ولا معة ولا وعد، بل يعطى العطية ابتداء، ولا يضجر من جوده ولا يندم.
وقيل: معناه أن يجود بالتثبت والسكون، لا بالطيش والخفة.
أنت الشّجاع إذا ما لم يطأ فارسٌ ... غير السّنّوز والأشلاء والقلل
السنور: قيل: جميع السلاح، وقيل: ما يلبس من السلاح، كالدروع ونحوها، والأشلاء: جمع شلو، وهو جسد المقتول. والقلل: الرءوس

يقول: أنت الشجاع المشـهور، في حال لا يقع حافر فرسه إلا على أجساد القتلى، ورءوسهم وسلاحهم.
وردّ بعض القنا بعضاً مقارعةً ... كأنّه من نفوس القوم في جدل
يقول: أنت الشجاع إذا ضاق المجال، وقرع القنا بعضه بعضاً، فصار الرمح يرد الآخر عن الطعن، كما يرد الخصم حجة خصمـه.
شبه النفوس بالمعاني، والرماح بالحجج، والاعتراضات التي تدور بين الخصمين والحرب بالجدال. وهذا البيت متصل بالذي قبله.
والمعنى: يعني أنـه الفارس الشجاع في جميع الأحوال.
لا زلت تضرب من عاداك عن عرضٍ ... بعاجل النّصر في مستأخر الأجل
عن عرض: أي عن يمنة ويسرة، وهو متعلق بقوله تضرب.
يقول: لا زلت تضرب أعداءك معترضاً لهم بسيفك، والله يؤيدك بنصر قد عجله لك، وأجل قد أخره الله عنك، فكأنـه أخر الله أجلك، وعجل نصرك.
فاستحسن سيف الدولة ومن حضره القصيدة هذه وأطنبوا في وصفها، فقال ارتجالا:
إنّ هذا الشّعر في الشّعر ملك ... سار فهو الشّمس والدّنيا فلك
يقول: شعري ملك الشعر، كما أنك ملكت الخلق، وهو شمس يسير في الدنيا، كما تسير الشمس في الفلك.
عدل الرّحمن فيه بيننا ... فقضى اللّفظ لي والحمد لك
يقول: عدل الله تعالى في قسمـه هذا الشعر بيني وبينك، فأعطاني لفظه، وأعطاك معناه. وهو الحمد والثناء.
فإذا مرّ بأذني حاسدٍ ... صر ممّن كان حيّا فهلك
يقول: إذا سمعه من يحسدك على مجدك، ومن يحسدني على فضلي، غلب على قلبه الحسد، فأهلكه، فيهلك بسببه.
ولم أنشده: أقل أنل رأى قوماً يعدون ألفاظه فزاد فيه وأنشده.
أقل، أنل، أن، صن، احمل، علّ، سلّ، أعد ... زد، هش بشّ، هب، اغفر، أدن، سرّ، صل
أن: أمر من الأون، وهو الرفق. وصن أمر من الصيانة، والمراد بـه حفظ الجاه.
فرآهم يستكثرون الحروف فقال. يظهر مقدرته على جمع كلمات كثيرة في بيت واحد.
عش، ابق، اسم، سد، قد، جد، مر، انـه، ره، فه، اسر، نل ... غظ، ارم، صب، احم، اغز، اسب، رع، زع، ده، له، اثن، بل
عش: من العيش، وابق: من البقاء، واسم: من السمو. وسد: من السيادة، وقد: من قاد الجيش، وجد: من الجود، ومر: من الأمر بالشيء، وانـه: من النـهي، أي لا زلت آمراً ناهياً. وره: من وريته أريه، وهو داء في الجوف، أي أصب اعدو بهذه الآفة. وفه: من الوفاء بالعهد، واسر: من السرية، أي جهز الجيش إلى الأعداء.
وقيل: معناه الدعاء، أي لا زلت أبداً تسري إلى أعدائك. ونل: من النيل، وهو الإدراك، أي لا زلت تدرك من أعدائك إرادتك، ويجوز نل بضم النون من نلته: أي أعطيته. وغظ: أي غظ حسادك بما يرون من إقبال دولتك وارم: من يكيدك. وصب: من صاب السهم الهدف، أي أصابه، أي لا زلت ترمي أعداءك فتصيب مقاتلهم. واحم: من حميت الرجل إذا منعته، أي احفظ حوزتك. واغز: من الغزو. واسب: من السبي أي لا زلت أبداً تغزو الأعداء، وتسبي زراريهم. ورع: أي أفزع أعداءك، أي لا زلت كذلك. زع: أي كف شر أعدائك. ده: من وديت القتيل، إذا أعطيت ديته، أي لا زلت تحمل الدية عن القاتل لكرمك. له، من الولاية، أي لا زلت تلي الولايات. واثن: أي اصرف أضدادك عن الوصول إليك: وقيل اثن من ثنيت الفعل إذا فعل مرة بعد مرة. أي لا زلت كلما وليت ولاية ثنيتها بأخرى، وشفعتها بما هو خير منـها، وبل: من الوبل. وهو المطر إذا اشتد، أي لا زلت تعطي عطاء كالوابل.
وهذا البيت لم يسبقه أحد إلى مثله. ولا لحقه أحد فيه، وهو مركب من أربع وعشرين كلمة، وهي مع ذلك فصيحة، وقد قال قبله عدة من الشعراء فلم يزيدوا على عشر كلمات كقول أبو العميثل:
اصدق، وعفّ، وبر، واصبر، واحتمل ... واحلم، ودار، وكاف، وانصر، واسمع
والأصل قول امرئ القيس:
أفاد، وجاد، وساد، وحاد وقاد، وباد، وعاد، وأفضل
فقال سيف الدولة: أيمكن أكثر من هذا ؟! فقال: نعم ولكن يغيظ جداً
وهذا دعاء لو سكتّ كفيته ... لأني سألت الله فيك وقد فعل
أي هذا الدعاء أمر زائد، لأن كلما سألت الله فيك، قد فعله الله فيك، فلو سكت كنت كفيته.

وقال أيضاً وقد حضر مجلس سيف الدولة في شوال سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة، وبين يديه طلع ونارنج، وهو يمتحن الفرسان فقال لابن جش وهو شيخ المصيصة وكان عالماً: لا يتوهم أن هذا للشرب. فقال أبو الطيب ارتجالا:
شديد البعد من شرب الشّمول ... ترنج الهند أو طلع النّخيل
الشمول: الخمرة. وسميت بذلك لأنـها تشمل عقل شاربها، وقيل: لأنـها تجتمع شمل الندامى عليها. والترنج: جمع ترنجة، وهي لغة. والأصح: الأترج، والأتجة. والطلع: الثمر: أول ما يخرج وهو في كمة، وكان الذي بين يدي سيف الدولة هو نارنج فسماه أترجاً، لأنـه نوع من أنواعه.
يقول: هذا الطلع والأرتج بعيد من الشرب عليه، لم يحضر لذلك. قوله: ترنج الهند مبتدأ، وشديد البعد خبره مقدم عليه.
وقال ابن جني: في الكلام حذف. فقوله شديد البعد خبر ابتداء محذوف، أي أنت شديد البعد. وقوله: ترنج الهند: مبتدأ، وخبره محذوف: أي عندك، أو في مجلسك، أو بين يديك ترند الهند. وعلى الوجه الأول لا حذف فيه، وهو أولى وأو في قوله: أو طلعب النخيل بمعنى الواو، كما قيل في قوله تعالى: " أَوْيزيدونَ " .
ولكن كلّ شيءٍ فيه طيبٌ ... لديك من الدّقيق إلى الجليل
يعني: أنك لم تحضر هذا لأجل الشرب، ولكن لأجل طيبه، وكل شيء فيه طيب دق أو جل، فهو عندك وبين يديك.
وميدان الفصاحة والقوافي ... وممتحن الفوارس والخيول
ممتحن: يجوز أن يكون موضع الامتحان، ويجوز أن يكون مصدراً كالامتحان.
يقول: عندك أيضاً مجال الفصاحة، والأشعار، لمعرفتك بهما، وعندك موضع امتحان الفوارس والخيل، لأنك أعرف الناس بهذه الأشياء كلها.
فلم يتبين معنى البيت الأول لقوم حضروا فقال يرد على من أنك عليه استعمال لفظ: الترنج:
أتيت بمنطق العرب الأصيل ... وكان بقدر ما عانيت قيلي
الأصيل: هنا القوى المكين الذي له أصل.
يقول: إنما نطقت بكلام العرب الفصيح، وكان وصفي بقدر ما شاهدته ورأيته في الحال.
فعارضه كلامٌ كان منـه ... بمنزلة النّساء من البعول
أي تعرض له وناقضه، والهاء في منـه تعود إلى منطق العرب وكذلك في قوله: فعارضه.
يقول: عارض قولي الفصيح قول ركيك ضعيف لكان كلامي ذكر، وكلام من عارضني أنثى. وهذا كقول الراجز:
إنّى وكلّ شاعرٍ من البشر
شيطانـه أنثى وشيطاني ذكر
وهذا الدّرّ مأمون التّشظّي ... وأنت السّيف مأمون الفلول
التشظي: التكسر، والتشقق يقول: كلامي درون مخالف للدر الحقيقي؛ لأن الدر غير مأمون التشظي، وكلامي لا يقع فيه خلل. كما أنك سيف لا يخاف عليك الفلول فهو سالم عن كل عيب بخلاف سائر السيوف.
وليس يصحّ في الأفهام شيءٌ ... إذا احتاج النّهار إلى دليل
يعني: إنما يقام الدليل على الشيء الخفي، فأما الظاهر الجلي، فهو بمنزلة النـهار الذي لا يحتاج إلى الدليل، لأن كل من رآه عرفه، ومن خفي عليه ضوء النـهار، فلا فائدة لإقامة الدلالة في حقه، إذ المعاينـه أقوى، والمشاهدة أولى، وهذا كقول البحتري:
عليّ نحت القوافي من معادنـها ... وما عليّ إذا لم تفهم البقر
وقال أيضاً وقد جلس سيف الدولة لرسول ملك الروم، وقد ورد يلتمس الفداء، وركب الغلمان بالتجافيف، وأحضروا لبؤة مقتوله، ومعها ثلاثة أشبال أحياء، وألقوها بين يديه، فقال ارتجالا لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة:
لقيت العفاة بآمالها ... وزرت العداة بآجالها
العفاة: طلاب المعروف.
يقول داعيا: لا زلت تلقى العفاة بآمالها، يعني إذا لقيتهم أعطيتهم وأغنيتهم، ولا زلت تقصد أعداءك وتفنيهم.
وأقبلت الرّوم تمشي إلي ... ك بين اللّيوث وأشبالها
أطلق لفظ الروم جملة على رسولهم، لما كان منـهم.
يقول: إن الروم قصدت إليك تمشي بين الليوث المقتولة، وأولادها. وجعل الليوث: لبؤة.
إذا رأت الأسد مسبيّةً ... فأين تفرّ بأطفالها ؟
يقول: إذ رأتك الروم وأنت تقتل الليوث وتسبي أولادها، علمت أنـها لا تقدر على الفرار بأولادها الصغار، وإنما قال: مسبيه لأنـها كانت أحياء.
وقال أيضاً يذكر الفداء الذي التمسه الرسول، وكتاب ملك الروم الوارد معه.
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحبّ ما لم يبق منّي وما بقي

ما يلقى: مبتدأ بمعنى الذي. ولعنيك: خبر مقدم عليه، وكذل المصراع الثاني يقول: كل شيء لقي قلبي من ألم الشوق فيما مضى، وفيما يلقاه من بعد فهو بسبب عينيك، ولأجل حسنـها.
وقيل: يعني حلال لعينيك ما لقيته وما ألقاه، والمراد جعلت قلبي لعينيك، فكل ما يمر عليه معفو عنـه.
وقيل: أراد، ظاهر لعينيك ما يلقاه فؤادي وما لقيته، وكذلك في المصراع الثاني. إني ما لقيت من نحول جسمي، وهزال بدني، وما بقي منـه، فهو لأجل حبك، أو هو حلال، أو ظاهر للحب.
وقيل: أراد كأن الحب ملكه يتصرف فيه تصرف الملاك في الأملاك، فأذهب بعض جسمـه بالهزال، وأبقى بعضه وقيل: أذهب قوتي وأبقى جسمي.
وقيل: أراد عمري الذي مضى وبقي. وقيل: أراد بما بقي روحه وبما لم يبق جسمـه.
وما كنت ممّن يدخل العشق قلبه ... ولكنّ من يبصر جفونك يعشق
يقول: لم أكن ممن يميل بـه أسباب الهوى، ولكني لما أبصرت جفونك، وغنج عينيك صرت عاشقاً لك.
وبين الرّضا والسّخط والقرب والنّوى ... مجالٌ لدمع المقه المترقرق
يقول: لا أزال أبكي في حال رضي الحبيب، خوفاً من سخطه، وفي حال سخطه، لحصوله، وفي حال القرب، خوفا من النوى، وفي حال النوى لحصولها، فبين كل شيء من هذه الأحوال مجال لدمع السائل. ومثله لآخر.
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه ... وفي الهجر، فهو الدّهر يرجو ويتّقي
أحلى الهوى: ما يشوبه الخوف والرجاء، حتى يكون العاشق مرة خائفاً ومرة راجياً، فلا يشفى بالوصل، فيزدري ذلك بحلاوته، ويؤدي إلى الملال، ولا ييئس من الوصل رأسا، فيؤدي ذلك إلى شدة الحزن الذي يؤدي إلى الهلاك فحالة الشك والتردد في الهجر والوصل، والوقوف بين حالتي الخوف والرجاء، ألذ أحوال الهوى.
وغضبي من الإدلال سكرى من الصّبا ... شفعت إليها من شبابي بريّق
ريق كل شيء: أوله.
يقول: رب جارية غضبي، غضب الدلال لا غضب الهجران، فكانت من الإدلال غضبي ومن الشباب سكرى، توسلت إليها بريق شبابي، فوصلت منـها إلى ما أحب، أي نظرت إلي فعشقتني، لأجل شبابي، وساعدتني على مرادي، فكأن الشباب كان شفيعاً عندها.
وأشنب معسول الثّنيّات واضحٍ ... سترت فمي عنـه فقبّل مفرقي
الأشنب الثّغر: الذي له شنب، وهو برد الأسنان. وقيل: إنـه حدة الأسنان، وقد جعله صفة لشخص: أي ورب حبيب ذي ثغر أشنب. والمعسول: الحلو، كأنـه جعل فيه العسل. والواضح: الأبيض المضيء.
يقول: ما زلت أطلب العفاف، حتى في حال الخلوة مع الحبيب، ورب حبيب ثناياه باردة عذبة، حلوة الترشف، عففت عنـه حين خلوت به، وأراد أن يقبل فمي، فسترت فمي عنـه، لأنـه موضع التلذذ بالقبلة، فقبل مفرقي ليدل إلي فلم أستر المفرق، لأن ذلك للعظمة لا للذة.
وأجياد غزلانٍ كجيدك زرنني ... فلم أتبيّن عاطلاً من مطوّق
العاطل: الذي لا حلى عليه. والمطوق: اللابس للطوق يقول: رب نساء مثلك كأن أجيادهن أجياد الغزلان، جئن لزيارتي، فلم أنظر إليهن وإلى أجيادهن، لعفتي، حتى لم أتبين العاطل منـهن من المطوق. والمقصد وصف نفسه بالعفة.
وما كلّ من يهوى يعفّ إذا خلا ... عفافي ويرضى الحبّ والخيل تلتقي
إني إذا خلوت عففت، وكذلك أنا أرضى حبيبي في حال التقاء الخيل، لشجاعتي، لأن. المرأة من العرب يعجبها أن يكون خليلها شجاعاً مقداماً. وقيل: أراد بإرضائه الحبيب في حالة الحرب: الدفع عنـه. والذب دونـه، كقول عمرو بن كلثوم:
يقتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا
إذا لم تمنعنّ فلا بقينا ... لشيءٍ بعدهنّ ولا حيينا
وقال المخزومي في معنى البيت: هو أن يقول أعف كرماً وأكتم هواي، فإني أرعى الهوى وأحافظ عليه في ملتقى الخيل، والمراد بإرضاء الحبيب رعاية الهوى، وفي ذلك خصلتان: إحداهما: الدلالة على أن الهوى عند ذوي الوفاء لا يشغل عند الشدائد كقول أبو عطاء:
ذكرتك والخطّى يخطر بيننا ... وقد نـهلت منّا المثقّفة السّمر
وكقول الآخر:
ولقد ذكرتك والسّياط تنوشني ... عند الإمام وساعدي مغلول
ولقد ذكرتك والّذي أنا عبده ... والسّيف عند ذؤابتي مسلول

والثانية: الدلالة على كونـه رابط الجأش عند التحام القتال، حتى لم يشتغل خاطره عن الهوى في ذلك الحال.
سقى اللّه أيّام الصّبا ما يسرّها ... ويفعل فعل البابليّ المعتّق
البابلي: منسوب إلى بابل، وهي أرض العراق، وأراد بـه ال، والمعتق: القديم، ويفعل: أي وما يفعل. وقوله: ما يسرها يحتمل معنين: أحدهما: سقى الله من الغيث قدر ما يبلغ مرادها من الري، حتى لا يكون قاصراً عن إرادتها، ولا زائداً عن حاجتها فيكون مثل قول الآخر:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الرّبيع وديمةٌ تهمى
الثاني: أهدى إليها السرور، كما سررنا بها، وذلك أنـه رأى أن دعاءه للصبا بالسقيا لا معنى له، لأنـها أوقات وزمان، فقال: سقاها الله شيئاً يهدي إليها السرور والارتياح، يفعل بها فعل ال، فكأنـه قال: سقاها الله خمراً يسرها.
إذا ما لبست الدّهر مستمتعاً بـه ... تخرّقت والملبوس لم يتخرّق
يقول: إذا كنت لابساً للدهر، وتستمتع بـه وتعيش فيه، تخرقت أنت، والملبوس الذي هو الدهر، لم يتخرق، بل يكون أبداً جديداً، بخلاف سائر الملابس، فأنت تبليها وتخرقها، وهو يبلي الأبدان، ويفنيها وهذا مثل قوله:
تغيّر حالي والليالي بحالها
ونحو قول ابن دريد:
إنّ الجديدين إذا ما استوليا ... على جديد أدنياه للبلى
وقول الآخر:
وأفناني ولا بقيا نـهاراً ... وليل كلّما يمضي يعود
ولم أر كالألحاظ يوم رحيلهم ... بعصن بكلّ القتل من كلّ مشفق
المشفق: قيل من الشفقة، التي ترجع إلى معنى المحبة.
يعني: كنت إذا نظرت إليهن ونظرن إلي قتلنني وقتلتهن من خوف الفراق، وما منا إلا مشفق على صاحبه، فلم أر أعجب من الألحاظ، كيف اجتمع فيها القتل والشفقة !؟ فكأنـه من قول الشاعر:
ونبكي حين نقتلكم عليكم ... ونقتلكم كأنّا لا نبالي
وقيل: المشفق: الخائف، ومعناه بعثت الألحاظ من كل خائف من ألم الفراق، كل أنواع القتل لأنـها أبكتهم فسفكت دماءهم وأماتتهم.
أدرن عيوناً حائراتٍ كأنّها ... مركّبةٌ أحداقها فوق زئبق
الضمير في أدرن للألحاظ، وروى: أدرنا.
يقول: كنا نقلب عيوناً حائرات عند وداعنا، لا تبصر شيئاً مما دهانا من ألم الفراق، فكأنـها من كثرة حركاتها وقلة استقرارها مركبة على الزئبق، لأن طبعه الحركة. وقيل: الحيرة ليست لامتناع الرؤية، وإنما هي لاجتماع ظهور الدمع في العين وغلبته.
وقيل: معنى البيت كنا نقلب عيوننا في النظر تارة إلى العذال وتارة إلى الأحباب، فكانت لا تستقر، كأنـها ركبت فوق زئبق.
عشيّة يعدونا عن النّظر البكى ... وعن لذّة التّوديع خوف التّفرّق
يعدونا: أي يصرفنا.
يقول: كانت هذه الحالة وقت العشية حين كان البكاء يمنعنا من النظر، وخوف الفراق يمنعنا من التلذذ بالوداع والعناق.
نودّعهم والين فينا كأنّه ... قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق
الفيلق: العسكر، قلب، أي وسط.
يقول: كنا نودع الأحباب، في الحال التي كان البين يفعل في قلوبنا من التفريق مثل ما تفعل رماح سيف الدولة في قلب عساكر الأعداء من التفريق والقتل.
قواضٍ مواضٍ نسج داود عندها ... إذا وقعت فيه كنسج الخدرنق
أي هذه القنا قواض: يعني تقضي بالموت وتمضي في الأعداء، أي لا يردها شيء إذا وقعت في الدروع المنسوبة إلى داود، وتمضي فيها، كما تنفذ في نسج العنكبوت والخدرنق: العنكبوت، والتأنيث في البيت للقنا والهاء في فيه لنسج داود، وموضع قواض رفع لأنـه خبر ابتداء محذوف: أي هذه القنا قواض مواض، كما تقول: هذا حلو حامض.
وقيل: هو ابتداء الكلام. والمراد أداء السيوف، والأول أظهر.
هوادٍ لأملاك الجيوش كأنّها ... تخيّر أرواح الكماة وتنتقي
هواد: جمع هادية، وقيل: هو من هديت فلاناً إذا أرشدته، ومعناه أن هذه الرماح ترشد الموت، أي تهديه إلى الملوك وقواد الجيش، فكأنـها تتخير أرواح الكماة، وتنتقي نفوس الأملاك دون من عداهم.
وقيل: من هدى بمعنى اهتدى، فإن هدى واهتدى بمعنى، أي إن هذه القنا تهتدي إلى الملوك فتقتلهم.
تفكّ عليهم كلّ درعٍ وجوشنٍ ... وتفري إليهم كلّ سورٍ وخندق
روى تفك أي تحل، وتقد: أي تقطع. وتفري: أي تقطع.

يقول: هذه الرماح تقطع على الكماة والملوك دروعهم وجواشنـهم، وتخرق إليهم الحصون والأسوار والخنادق حتى تصل إليهم، وتفتح بلادهم.
يغير بها بين اللّقان وواسطٍ ... ويركزها بين الفرات وجلّق،
اللقان: موضع ببلد الروم، وقيل: جبل. وواسط: مدينة بالعراق بناها الحجاج بن يوسف والفرات: معروف يجيء من بلاد الروم، ويمر على أطراف الشام، حتى ينتهي إلى العراق، ويلتقي مع دجلة أسفل بغداد فيصيران نـهراً واحداً، ويمران على البصرة ثم إلى البحر. و: موضع بدمشق.
يعني لا يزال أبداً يغير برماحه مرة في بلاد الروم، ومرة على البوادي التي في العراق، ويركزها بين الفرات و، لأنـها دار مملكته ومعدن ولايته.
ويرجعها حمراً كأنّ صحيحها ... يبكّي دماً من رحمة المتدقّق
المتدقق: المتكسر، يقال: اندق الرمح، إذا انكسر، ولا يستعمل الأندقاق إلا فيما كان فيه طول، مثل الرمح ونحوه، ويقال: سقط فلان فاندقت عنقه.
يقول: يرجع هو رماحه من الغارات وقد احمرت بالدم، وبعضها قد تكسر في بدن الأعداء، فكأن الصحيح منـها يبكي دماً على ما تكسر منـها، حزناً عليها، لأنـه من ، ودماً نصب على التمييز، ويجوز أن يكون مفعولاً بـه عن فعل مضمر، دل عليه. يبكي أي يبكي فيجري دماً.
فلا تبلغاه ما أقول فإنّه ... شجاعٌ متى يذكر له الطّعن يشتق
يقول: لا تبلغا يا صاحبي سيف الدولة ما أقول، فإنـه شجاع، إذا سمع وصف الشجاعة اشتاق إليها.
وهذا بيت كثير نقله من النسيب إلى الشجاعة، وهو:
فلا تذكراه الحاجبية يشتق
وهذه السرقة قبيحة، لأنـه أخذ المعنى واللفظ والوزن والقافية.
ضروبٌ بأطراف السّيوف بنانـه ... لعوبٌ بأطراف الكلام المشقّق
روى بصير ولعوب والمشقق: الكلام الذي له خط في كل شق. ويقال: فلان يشقق في كلامـه. إذا تصرف في معانيه. وقيل: هو المشق من المشة، أي يشق على غير الفصيح التكلم به. يصفه بالشجاعة والفصاحة.
كسائله من يسأل الغيث قطرةً ... كعاذله من قال للفلك: ارفق
يقول: هو يجود بالطبع، فمن يسأله كمن يسأل الغيث قطرة.
وقيل: معناه كما أن القطرة لا تؤثر في الغيث، كذلك سائله لا يؤثر في جوده وماله، وكذلك من يعذله على كرمـه، لكونـه مطبوعاً عليه، كمن يعذل الفلك على دوره. وقال له: ارفق في الحركة.
وقيل: إن من يسأل الغيث قطرة، فقد تكلف ما قد استغنى عنـه، وأتى غيثاً، إذ قطراته مبذولة، فكذلك سائل سيف الدولة يتكلف ما لا يحتاج إليه، لأنـه يعطى قبل السؤال، فنائله مبذول كقطر الغيث.
لقد جدت حتّى جدت في كلّ ملّةٍ ... وحتى أتاك الحمد من كلّ منطق
أي: من كل ذي منطق.
يقول: عممت بجودك أهل الإسلام، وأهل الشرك، فحصل لك الشكر من كل ذي منطق.
جعل إجابته إلى الصلح، فضلاً منـه على الروم.
رأى ملك الرّوم ارتياحك للنّدى ... فقام مقام المجتدي المتملّق
الارتياح: الاهتزاز للعطية، والمجتدي: طالب المعروف. والمتملق: المتلطف في الكلام.
يقول: علم ملك الروم جودك، فبعث إليك رسوله، واستوهب منك أسراء الروم، فقام لك مقام السائل المتلطف في سؤاله، لعلمـه أنك لا تخيب سائلك.
وخلّى الرّماح السّمـهريّة صاغراً ... لأدرب منـه بالطّعان وأحذق
صاغراً نصب على الحال. والدربة في معنى العادة والتجربة. والحذق: إحكام الصنعة.
يقول: إن ملك الروم ترك الرماح على رغم منـه، وذل لمن هو أعود للطعان وأحذق به. وأراد بـه سيف الدولة، يعني أنـه ترك قتالك وعدل إلى استعطافك.
وكاتب من أرضٍ بعيدٍ مرامـها ... قريبٍ على خيلٍ حواليك سبّق
يقول: كاتبك في الصلح من أرض بعيدة المرام، ولكنـها مع بعدها قريبة عليك، وعلى خيلك السوابق التي هي حواليك.
وقد سار في مسراك منـها رسوله ... فما سار إلاّ فوق هامٍ مفلّق
المسرى: اسم المكان السري، والهاء في منـها للأرض.
يعني: أن رسول ملك الروم سار في الطريق التي سرت فيها إلى بلاد الروم، فلم يسر إلا فوق هام مشققة بسيوفك.
فلمّا دنى أخفى عيه مكانـه ... شعاع الحديد البارق المتألّق
البارق المتألق: هو اللامع، وإنما أتبع أحدهما الآخر، لاختلاف اللفظين. والهاء في مكانـه للرسول.

يقول: وصل الرسول إليك، فأخفى عليه مكانـه، بريق السيوف ولمعان الأسنة، فلم يمكنـه أن يبصر موضعه.
وأقبل يمشي في البساط فما درى ... إلى البحر يمشي أم إلى البدر يرتقي ؟!
يقول: لم يدر أيمشي إلى بحر أو إلى بدر، لأنك تشبه البحر في السخا، وتشبه البدر في النور والبهاء.
ولم يثنك الأعداء عن مـهاجتهم ... بمثل خضوعٍ في كلامٍ منمّق
المنمق: المحسن.
يقول: لا يقدر أعداؤك أن يردوك عن مـهجاتهم، أي أنفسهم، إلا بالخضوع، والتملق بالثناء والتعظيم.
وكنت إذا كاتبته قبل هذه ... كتبت إليه في قذال الدّمستق
القذال: مؤخر الرأس: والضمير في كاتبته وإليه لملك الروم.
يقول: كنت متى أردت أن تكتب إلى ملك الروم كتبت إليه في قفا الدمستق، وذلك كناية عن هزيمته، والجراحة تقوم لك مقام الكتابة.
فإن تعطه بعض الأمان فسائلٌ ... وإن تعطه حدّ الحسام فأخلق
يقول: إن أعطيته بعض المراد فأمنته، فهو سائل، ومن عادتك ألا تخيب سائلك، وإن أعطيته السيوف، فهو أجدر بذلك.
وهل ترك البيض الصّوارم منـهم ... حبيساً لفادٍ، أو رقيقاً لمعتق
يقول: إن سيوفك لم تترك منـهم أسيراً محبوساً من الأسرى، يفدونـه بما يحمل إليك، ولا رقيقاً يسألونك أن تعتقه.
وقيل: معناه لم تترك سيوفك عبداً عندهم يعتقه معتق.
لقد وردوا ورد القطا شفراتها ... ومرّوا عليها زردقاً بعد زردق
الهاء في شفراتها للبيض الصوارم. وهي منصوبة بوردوا أي وردوا شفرات الصوارم، كما ترد القطا المناهل. والزردق فارسي معرب.
يقول: وقعوا على شفرات سيوفك كما تقع القطا على الماء، ووفدوا عليها صفا بعد صف.
يعني أنك تقتلهم فوجاً بعد فوج.
بلغت بسيف الدّولة النّور رتبةً ... أنرت بها ما بين غربٍ ومشرق
روى: اليوم بدل النور.
يقول: نلت عنده منزلة ألقت علي ضياء نوره حتى أنرت بها الدنيا. وأراد بـه اشتهار ذكره في العالم.
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقٍ ... أراه غباري، ثمّ قال له: الحق
كان سيف الدولة يغرى بـه الشعراء، ويبعثهم على مباراته، لأنـه كان يغتاظ من عجبه بنفسه.
فيقول: إن سيف الدولة لا يخفى عليه فضلي على من حوله من الشعراء، ولكنـه إذا شاء أن يتلهى بشاعر أراه من فضلي أدنى شيء، ثم قال: الحق به، وهات مثله، وإنما وصفه بالحمق، لأن من طمع في إدراك غايته، فهو عنده أحمق ! فلا جرم يريد سيف الدولة أن يسخر من قلة عقله. وقوله: أراه غبارى: كناية عن اليسير من فضله.
وما كمد الحسّاد شيئاً قصدته ... ولكنّه من يزحم البحر يغرق
الكمد: الحزن.
يقول: ليس لمن يحسدني أن يلومني، لأني لم أقصد أن أغم الحساد، ولكني بحر في الفضل، فمن زاحمني من الجهال غرق في فضلي، كما أن من تعرض للبحر وطرح نفسه فيه غرق، فاللوم عليه لا على البحر.
ويمتحن النّاس الأمير برأيه ... ويغضى على علمٍ بكلّ ممخرق
الممخرق: الكذاب والمدلس وهي اللغة الجيدة، والباء فيه، متعلق بقوله: على علم.
يقول: هو يمتحن الناس، ويجرب أحوالهم، ثم يغضى ويتغافل، مع علمـه بالفاضل منـهم، والمدلس الممخرق، ويتجاوز عن الجهال بحلمـه.
وإطراق طرف العين ليس بنافعٍ ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق
يقول: متى علم صاحبك بتمويهك، لم ينفعك إعراضه وإطراق طرفه. فعبر عن معرفته بترك إطراق طرف قلبه.
فيا أيّها المطلوب جاوره تمتنع ... ويا أيّها المحروم يمّمـه نرزق
يقول: يا أيها الخائف، جاور سيف الدولة تمتنع على من يظلمك، ويا أيها الفقير اقصده تصل إلى الغنى.
ويا أجبن الفرسان صاحبه تجترئ ... ويا أشجع الشّجعان فارقه تفرق
يقول: يا أيها الجبان، صاحبه تصر شجاعاً، اقتداء بـه ويا أيها الشجاع، فارقه تصر جباناً، لأن الشجاعة به.
إذا سعت الأعداء في كيد مجده ... سعى مجده في جده سعى محنق
المحنق: المغضب. والجد: البخت والإقبال.
يقول: متى قصد أعداؤه إلى هدم مجده غضب لذلك إقباله وجده، ورد كيد العدو إليه.
وما ينصر الفضل المبين على العدا ... إذا لم يكن فضل السّعيد الموفّق
يقول: الفضل الظاهر لا ينصر صاحبه على أعدائه، حتى يوافقه على ذلك سعادة جده وتوفيق ربه.

ودخل على سيف الدولة ليلاً وقد رفع سلاح كان بين يديه، وهو في ذكره ووصفه، فقال ارتجالاً:
وصفت لنا ولم نره سلاحاً ... كأنّك واصفٌ وقت النّزال
نصب سلاحاً بوصفت وتقديره: وصفت لنا سلاحاً ولم نره.
يقول: وصفت لنا هذا السلاح، حتى كأنك صورت لنا وقع الحرب، فكأنك واصف وقت النزال، فشوقتنا إلى القتال، بوصفك للسلاح.
وأنّ البيض صفّ على دروعٍ ... فشوّق من رآه إلى القتال
البيض: المغافر، والفعل في شوق للبيض، ورده إلى اللفظ، وكذلك جميع التذكير راجع إليه.
يعني أنك ذكرت أن كل درع جعل عليها بيضتها، وكل من في نفسه شجاعة، إذا رأى آلة القتال اشتاق إلى الطعان.
فلو أطفأت نارك تالديه ... قرأت الخطّ في سود اللّيالي
تا بمعنى: هذه، وهي إشارة إلى السراج يقول: لو أطفات سراجك، لأمكنك أن تقرأ الخط في الليل المظلم، لبريق السلاح ولمعه.
ولو لحظ الدمستق حافتيه ... لقلّب رأيه حالا لحال
حافتيه: أي جانبيه، والهاء في رأيه للدمستق. أي لقلب رأيه في محاربتك، إلى الانقياد لك، والفرار منك.
إن استحسنت وهو على بساطٍ ... فأحسن ما يكون على الرّجال
أراد: إن استحسنته، فحذف الهاء.
يقول: إن استحسنت هذا السلاح، وهو على بساطك، فأحسن ما يكون، إذا كان على الرجال، يوم القتال.
وإنّ بها وإنّ بـه لنقصاً ... وأنت لها، النّهاية في الكمال
إن الثانية زائدة أي: وإن بـه وبها لنقصاً، وقيل: اسم إن الأولى محذوف. أي: إن بها لنقصا، وإن بـه لنقصا. فاسم الثانية دل على المحذوف. وبه: أي بالسلاح وبها: أي بالرجال. وقيل: به: للبيض، وبها: للدروع.
يقول: إن جمال السلاح، وكمال الدروع والرجال بك، فما لم تكن لابسها، أو لم تكن فيها بين الرجال، لم يكن لهم غناء، فأنت غاية الكمال ونـهاية الجمال.
وقال وقد عرضت على سيف الدولة سيوف، فوجد فيها سيفاً غير مذهب فأمر بإذهابه فقال ارتجالا:
أحسن ما يخضب الحديد بـه ... وخاضبيه النّجيع والغضب
أحسن: مبتدأ. وما بمعنى: الذي، وهو في موضع الجر بإضافة أحسن إليه. والنجيع: خبر الابتداء، والغضب: عطف عليه. وخاضبية: جر عطفاً على ما أي وأحسن خاضبيه. والهاء في بـه لما وفي خاضبيه للحديد.
يقول: أحسن شيء يخضب الحديد به: الدم: وأحسن خاضبيه: الغضب. وقيل: أراد بـه صاحب الغضب. والنجيع: الدم الطري.
وقيل: خاضبيه: جر على القسم، ومعناه: أحسن ما يخضب بـه الحديد، النجيع والغضب. وجعل الغضب خضابا له توسعا، إذا كان سبباً لخضابه. وروى مكان الغضب القضب وهو جمع قضيب، وهو السيف: أي أحسن الخاصبين السيوف التي تخضب الأشياء بالدم.
فلا تشيننـه بالنّضار فما ... يجتمع الماء فيه والذّهب
يقول: رونق هذا الحديد وماؤه، أحسن فيه من ماء الذهب، فإذا أذهبته ذهبت بمائه ورونقه وصار ما قصدت من زينة شيناً له.
وأنفذ إلى سيف الدولة أحد أهل بغداد أبياتاً، يذكر أنـه رآها في النوم، يشكو إليه الفقر فقال أبو الطيب:
قد سمعنا ما قلت في الأحلام ... وأنلناك بدرةً في المنام
البدرة: عشرة آلاف درهم. وسميت بدرة؛ لأنـها تمام العدد. والبدرة أيضاً: جلد السخلة، إذا رعت وفطمت. ويجوز أن تكون البدرة من هذه؛ لأن العادة جرت أن تجعل الدراهم في جلد السخلة.
يقول: سمعنا أيها المتعرض لنائلنا، ما قلت من الشعر في الأحلام، فأعطيناك - على وجه المقابلة والمكافأة - بدرة في المنام.
وانتبهنا كما انتبهت بلا شي ... ءٍ فكان النّوال قدر الكلام
يقول: مدحتنا في النوم، فأجزناك في النوم، فكان العطاء على قدر المدح، فلما لم يكن لنوالنا حقيقة، كذلك لم يكن لمديحك إيانا.
كنت فيما كتبته نائم العي ... ن فهل كنت نائم الأقلام ؟
يقول: إن كنت حين قلت هذا الشعر نائم العين، فإنك حين كتبته كنت مستيقظاً، يجب عليك حفظ الأدب والتحرز من الكلام الركيك، ويمكن أن يكون قرنت إلى الأبيات رسالة أخرى في معنى الاعتذار.
فيقول: إن كنت في الأبيات نائماً، فلم تكن في الرسالة نائماً.
أيّها المشتكي إذا رقد، الإع ... دام، لا رقدةٌ مع الإعدام

يقول: زعمت أنك رأيتها في النوم، وشكوت فيها عدمك، فإن كنت معدماً على الحال التي وصفتها، فكيف يأخذك النوم ؟!
افتح الجفن واترك القول في النّو ... م وميّز خطاب سيف الأنام
يقول: دع عنك الخطاب في النوم، وافتح الجفن، وميز خطاب سيف الدولة، وهو سيف الخلق كلهم، والذاب عنـهم، ولم يمكنـه أن يقول: سيف الدولة، لأجل القافية فرده إلى الأنام وروى: سيف الإمام أي الخليفة.
الّذي ليس عنـه مغنٍ ولا من ... ه بديلٌ، ولا لما رام حام
يقول: سيف الدولة، هو الذي لا أحد من الناس يقوم مقامـه في الكرم والخصال الحميدة.
وقيل: معناه كل الناس يقتدون به؛ ولا يغنيهم عنـه ملك غيره، ولا يجدون له بدلاً يسد مسده، وإن رام أمراً لم يمنعه منـه مانع.
كل آخائه كرام بنى الدّن ... يا ولكنّه كريم الكرام
الآخاء: جمع أخ، وقد ذكره سيبويه في كتابه. وروى: كل آبائه. يقول: جميع إخوته أكرم الناس، ولكنـه أكرم من إخوته، فهو أكرم الكرام.
وقال وقد أمره سيف الدولة بإجازة الأبيات التي لأبي ذر: سهل بن محمد الكاتب أولها:
بالائمى كفّ الملام عن الذي ... أضناه طول سقامـه وشقائه
على هذا الوزن، والروى فقال:
عذل العواذل حول قلبي التّائه ... وهوى الأحبّة منـه في سودائه
التائه: المتحير، وقيل: هو المتكبر، وها هنا: الذي لا ينقاد للعاذل. وسوداء القلب، وسويداؤه: الحبة السوداء فيه، وقيل الدم الذي في جوفه.
يقول: هوى أحبتي قد حل وسط فؤادي، وعذل العواذل يحول حوله، وليس يدخله البتة، فلا يبالي القلب به، فكيف يقدر العذول أن يصرفني عنـه ؟!
يشكو الملام إلى اللّوائم حرّه ... ويصدّ حين يلمن عن برحائه
الهاء في حره للقلب، وكذلك في برحائه والبرحاء: الشدة.
يقول: إن اللوم إ ذا دنا من قلبي أحرقه بحره، فأعرض عنـه وعاد إلى اللوائم، يشكو إليهن ما لقي من شدة حرارته، فكأن حر قلبي يصرف اللوم عني، والضمير في يلمن للعواذل.
وبمـهجتي يا عاذلي الملك الّذي ... أسخطت أعذل منك في إرضائه
يقول لعاذله: تعذلني على حبه والانقطاع إليه ؟! وقد لامني من هو أشد منك عذلا، فلم أقبل منـه، بل أسخطته واتبعت رضاء سيف الدولة، ولم ألتفت إلى غيره من الملوك، والهاء في إرضائه للملك.
إن كان قد ملك القلوب فإنّه ... ملك الزّمان بأرضه وسمائه
يقول: إن كان سيف الدولة قد ملك القلوب. بموداتها وثبات حبه فيها، حتى لا تميل إلى غيره، فليس بعجاب؛ فإنـه ملك الزمان وجميع ما فيه، فالقلوب بعض ما في الزمان ومن جملة ما ملكه.
وقيل: اسم كان محذوف مضمر: أي إن كان الحبيب الذي يعشق قد ملك قلوب عاشقيه، فإن هذا الحبيب ليس كسائر الأحبة، لأنـه إنما يحب لجلالة قدره، وسمو أمره، وإنـه إن كان الحبيب المعشوق قد ملك القلوب، فإن هذا الملك قد ملك الزمان بما فيه، فضلا عن القلوب.
الشّمس من حسّاده والنّصر من ... قرنائه، والسّيف من أسمائه
أي: الشمس تحسده على إشراق غرته، وعلو منزلته، والنصر قرينـه حيثما توجه نصر على أعدائه، والسيف بعض أسمائه، أي هو مسمى بسيف الدولة.
أين الثّلاثة من ثلاث خلاله ... من حسنـه وإبائه ومضائه ؟!
الخلال: الخصال.
يقول: أين حسن الشمس من حسن وجهه ؟ بل حسنـها يعجز عن حسنـه ! وأين النصر من عزة نفسه وإبائه ؟ أي أن النصر يعجز عن نصرة من يريد خذلانـه، وأين السيف من مضائه ؟ أي هو أمضى وأكثر غناءً منـه !
مضت الدّهور وما أتين بمثله ... ولقد أتى فعجزن عن نظرائه
أتى: أي سيف الدولة.
يقول: مضت الدهور قبله، ولم يكن فيها أحد مثله في فضائله ! وأتى هو الآن فعجزت الدهور عن الاتيان بأمثاله في زمانـه أيضا، فليس له نظير فيما مضى من الزمان ولا في زمانـه.
فاستزاده سيف الدولة فقال يمدحه
القلب أعلم يا عذول بدائه ... وأحقّ منك بجفنـه وبمائه
الضمائر في قوله: بدائه، وبجفنـه، وبمائه، راجعة إلى القلب، وقيل: إنـه في قوله بمائه راجع إلى الجفن فقط.
يخاطب عاذله فيقول: القلب أعلم بما يلاقيه من ألم الشوق، والقلب أيضا أولى منك بجفنـه ودموعه؛ لأنـه المالك للعيون فيصرفها كيف شاء، ويجريها على من يحب، فمالك أيها العاذل والاعتراض عليه ؟!

فو من أحبّ لأعصينّك في الهوى ... قسماً بـه وبحسنـه، وبهائه
الفاء في قوله: فو من للعطف. والواو حرف القسم، والمقسم بـه المحبوب، والجواب لأعصينك، والكاف، خطاب للعاذل، وقسماً: نصب على المصدر.
يقول: وحق من أحب، وحق حسنـه، لا أطيعك فيما تأمرني، ولا أصغي إلى ملامك فيه.
أأحبّه وأحبّ فيه ملامةً؟ ... إنّ الملامة فيه من أعدائه
يقول: لا أحب الملامة في جيي، ولا أصغي إليها، فكأنـه ناقض أبا الشيص في قوله.
أجد الملامة في هواك لذيذةً ... حبّاً لذكرك، فليلمني اللّوّم
عجب الوشاة من اللّحاة وقولهم: ... دع ما نراك ضعفت عن إخفائه
الوشاة: جمع الواشي. واللحاة: جمع: اللاحي، وهو الذي يزجر ويغلظ القول في الملامة. وما في قوله: ما نراك بمعنى الذي، وهو في موضع نصب بدع ونراك صلة ما وضعفت في موضع المفعول الثاني، والأول هو الكاف.
يقول: إن اللحاة قالوا لي: دع الذي نراك ضعيفاً عن إخفائه. أي دع هذا الهوى، فعجب الوشاة من تكليف اللحاة إياي ما لا أطيق، فإني إذا ضعفت عن إخفائه، كنت على تركه والإفاقة من سكره أضعف.
ما الخلّ إلاّ من أودّ بقلبه ... وأرى بطرفٍ لا يرى بسوائه
يقول: ليس في هؤلاء اللحاة صديق شفيق، ولا خليل نصيح، فأصغ إلى ملامـه، فإن الصديق من يساعد صديقه، فيحب ما يحبه، ويكره ما يكرهه، حتى كأنـهما يحبان بقلب واحد، وينظران بعين واحدة.
فكأنـه يقول: ليس صديقي إلا من يوافقني، فإذا أحببت شيئاً فكأني أحبه بقلبه ! وإذا رأيت شيئاً فكأني رأيته بعينـه ! وهذا البيت يوافق بعض الأبيات التي أجازها وهي.
إن كنت ناصحه فداو سقامـه ... وأعنـه ملتمساً لأمر شفائه
حتّى يقال بأنّك الخلّ الّذي ... يرجى لشدّة دهره ورخائه
ومثله:
إن كنت تصدق في ادّعاء وداده ... فافككه من أسر الهوى أو فاده
ومعنى البيت: أنـه ليس لك خليل إلا نفسك، فلا تغتر بقول من يقول: إني خليلك. وأراد بقوله: من أود بقلبه: نفسه؛ لأن المرء إنما يود الشيء بقلب نفسه، وكذلك قوله: وأرى بطرف لا يرى بسوائه أراد طرف نفسه، وهو مثل قوله:
خليلك أنت لا من قلت خلّى ... وإن كثر التّجمل والكلام
إن المعين على الصّبابة والأسى ... أولى برحمـه ربّها وإخائه
الضمير في ربها يعود إلى الصبابة. وفي إخائه إلى ربها. والأسى: الحزن والمعين على الصبابة: هو الزائد في الصبابة.
يقول: إن الذي يعين على صبابتي ويزيد بلومـه في حزني، كان الأولى أن يرحمني ويلتمس شفائي.
وقيل: على بمعنى مع أي مع الصبابة وهذا مثل قول من أجاز أبياته:
أولا فدعه، فما بـه يكفيه من ... طول الملام فلست من نصحائه
وروى: بالأسى والمراد بها الصبر، فمعناه إن الذي يعيني في اعتقاده على صبابتي، ويريد إزالة بلائها عني، بأن يصبرني، ليس ما يفعله بإعانة في الحقيقة، وكان الأولى في باب الشفقة أن يرحمني ويساعدني على ما أنا فيه من البلوى.
والأول أولى وهو أن المراد بالمعين العاذل الذي يزيد في حزنـه بالعذل.
مـهلاً فإنّ العذل من أسقامـه ... وترفّقاً فالسّمع من أعضائه
مـهلاً وترفقاً نصب بفعل مضمر: أي أمـهل مـهلاً، وترفق ترفقاً. والضمير في أسقامـه وأعضائه يعود إلى ربها في قوله: برحمة ربها.
يقول لعاذله: ارفق بصاحب هذه الصبابة، فإنـه سقيم وعذلك يزيد في سقمـه، وما زاد في السقم فهو سقم، وارفق أيضا بسمعه فإنـه من جملة أعضائه، كما أن سائر الأعضاء سقمت، كذلك السمع، وسقمـه: هو الصمم وقيل معناه: إن السمع إذا سمع العذل يفنى كما فنيت سائر الأعضاء، فيؤدي إلى فوات غرض العاذل، إذ لا يبقى سمع يعي العذل.
وهب الملامة في اللّذاذة كالكرى ... مطرودةً بسهاده وبكائه
هب: أي اجعل. يقال: وهبني الله فداك. واللذاذة: متعلقة بالملامة: أي لذة الملامة. معناه: دع عنك ملامتك إياي، وإن كان لك فيها لذة، لما تراه من بكائي وسهادي، واعمل على أن بكائي صرف عنك لذتك في الملامة، كما صرف عني الملام، فكما أني فقدت لذة الكرى، كذلك أنت لا بأس عليك أن تفقد لذتك في ملامتي.

وقيل: إن اللذاذة هي لذة الهوى، ومعناه: اجعل ملامتك إياي في لذتي مطرودة عني، كالنوم المطرود بالسهاد والبكاء ومعناه: اصرف ملامتك عني من جميع الوجوه. والهاء في قوله بسهاده وبكائه راجع إلى قوله ربها.
لا تعذر المشتاق في أشواقه ... حتّى يكون حشاك في أحشائه
يقول: أيها اللائم أنت لا تقبل عذر العاشق ! حتى تبتلي بمثل ما ابتلي بـه من الصبابة والاشتياق، فيكون في قلبك من لوعة الشوق مثل ما في قلب المشتاق.
ومثله للبحتري:
إذا شئت ألاّ تعذل الدّهر عاشقاً ... على كمدٍ من لوعة البين فاعشق
ومثله لآخر:
وإنّما يعرف العشّاق من عشقا
إن القتيل مضرّجاً بدموعه ... مثل القتيل مضرّجاً بدمائه
مضرج: أي مخضب. وقد نصب على الحال في الموضعين.
يقول: إذا دام عذلك علي هلكت أنا، فتكون أنت قد قتلتني ! فإنـه إذا جرت دموعي حتى أموت، كنت مثل القتيل الذي يسيل دمـه، فالمقتول بالعذل هو كالمقتول بالسيف، فهذا يسيل دموعه، وذاك يسيل دمـه.
والعشق كالمعشوق يعذب قربه ... للمبتلي وينال من حوبائه
الحوباء: النفس.
يقول: العشق محبوب للعاشق، كما أن المعشوق محبوب إليه، فيتلذذ العاشق بقرب المعشوق وإن كان يذيب جسمـه ويؤلم قلبه.
لو قلت للدّنف الحزين: فديته ... ممّا بـه لأغرته بفدائه
الدنف: الذي أدنفه الحب، وأغرته: أي حملته على الغيرة.
يقول: إن العاشق يشتهي العشق، ويلتذ بغرامـه وطول سقامـه، حتى لو قلت له: قد جعلني الله فداك مما بك، وأنزل بي سقمك لحملته على الغيرة.
وقيل. معناه لو قلت له: دعني حتى أتحمل عنك مؤن العشق وتكاليفه، لغار عليك. فالأول على الدعاء والثاني على الأمر. وقوله: بفدائه: أي بفدائك إياه، وأضاف المصدر إلى المفعول، وحذف الفاعل.
وقى الأمير هوى العيون، فإنّه ... ما لا يزول ببأسه وسخائه
هوى: في موضع النصب، على أنـه خبر ما لم يسم فاعله، واسمـه الأمير يخاطب سيف الدولة.
يقول: وقاك الله هوى العيون، فإنـه أمر لا يمكنك إزالته عن نفسك، بسخائك وشجاعتك. وقوله: هوى العيون: مصدر مضاف إلى المفعول: أي وقى الأمير هواه للعيون.
يستأسر البطل الكميّ بنظرةٍ ... ويحول بين فؤاده وعزائه
يستأسر: أي يأسر، وهو في الأصل بمعنى الاستسلام للأسر، وروى: يستأصل.
يقول: إن الرجل الشجاع لا يقدر على دفع الهوى عن نفسه، بل يأسره هذا الهوى بنظرة واحدة من نظرات العين ! ويحول بين قلبه وصبره، فوقى الله تعالى الأمير ذلك.
إنّي دعوتك للنّوائب دعوةً ... لم يدع سامعها إلى أكفانـه
الضمير في سامعها للدعوة، وفي أكفائه لسامعها. وأراد بالسامع سيف الدولة.
يقول: إني دعوتك لتنصرني على نوائب الدهر، كل نائبة - وإن خلت - تقصر عن أن تدعى لها، لأنا لا نجد ما يكون كفواً لك منـها، فندعوك إليه، لكن لما لم أجد أحداً أستعين بـه عليها غيرك، دعوتك لها لتزيلها عني، وإن لم تكن النوائب من أكفائك.
فأتيت من فوق الزّمان وتحته ... متصلصلاً وأمامـه وورائه
متصلصلاً: أي له صلصلة، وهي صوت الحديد عند السرعة.
يقول: لما دعوتك للنوائب أجبتني في أسرع وقت، وأحطت بالزمان من جميع جهاته، وكأنك أتيت ولأسلحتك صلصلة لسرعتك.
وقيل: معناه: أنك لما كنت سيفاً دعوتك للنوائب لتقطعها عني، فأتيت مسرعاً في الإجابة، ولك صلصلة، وهي صوت السيف والحديد.
من للسّيوف بأن تكون سميّها ... في أصله، وفرنده، ووفائه
التاء في تكون قيل: ضمير للسيوف، وقيل: خطاب لسيف الدولة وكذلك إذا روى: بالياء.
يقول: من للسيوف بأن تكون هي مثل سميها الذي هو سيف الدولة، أو أن تكون أنت سمي السيوف، بل له عليها مزية، في أصله وجوهره ووفائه.
طبع الحديد فكان من أجناسه ... وعليٌّ المطبوع من آبائه
يقول: إن كل واحد من سيف الدولة وسيف الحديد، رجع إلى أصله و، وإن اتفق الاشتراك في الاسم، فالسيوف ترجع إلى ا الذي طبعت منـه وهو الحديد، فليس لها فعل سوى القطع وسيف الدولة يرجع إلى آبائه في الخصال الحميدة، من الوفاء والسخاء، ويشاركها في القطع والمضاء. ومراده تفضيله على السيف الحقيقي.

والأبيات التي أجازها أبو الطيب لأبي ذر: سهل بن محمد البصري الكاتب مؤدب سيف الدولة. وهي:
يا لائمي كفّ الملام عن الذي ... أضناه طول سقامـه وشقائه
إن كنت ناصحه فداو سقامـه ... وأعنـه ملتمساً لأمر شفائه
حتّى يقال بأنّك الخلّ الّذي ... يرجى لشدّة دهره ورخائه
أولا فدعه فما بـه يكفيه من ... طول الملام فلست من نصحائه
نفسي الفداء لمن عصيت عواذلاً ... في حبّه لم أخش من رقبائه
فالشّمس تطلع من أسرّة وجهه ... والبدر يطلع من خلال قبائه
وجاء رسول سيف الدولة مستعجلا، ومعه رقعة فيها بيتان للعباس بن الأحنف في كتمان السر، يسأله إجازتهما وهما:
امتّي تخاف انتشار الحديث ... وحظّي في ستره أوفر
فإن لم أصنع لبقيا عليك ... نظرت لنفسي كما تنظر
فقال أبو الطيب:
رضاك رضاي الّذي أوثر ... وسرّك سرّى فما أظهر
يقول: الذي ترضى بـه فهو رضائي الذي أوثره، وسرك مثل سري أكتمـه كما أكتم سري، ولا أظهره لأحد.
كفتك المروءة ما تتّقى ... وآمنك الودّ ما تحذر
الكاف في كفتك المفعول الأول لكفي. وما يتقى: المفعول الثاني، وكذلك الكاف في آمنك، وما تحذر.
يقول: إن مودتي لك ومروءتي آمناك ما تخاف من إفشاء السر، فلا تحذر على سرك من جانبي.
وسرّكم في الحشا ميّتٌ ... إذا أنشر السّرّ لا ينشر
يقال: أنشر الله الموتى فنشروا. وروى: إذا نشر من النشر الذي هو ضد الطي، وهو أيضاً في معنى أنشر الله الميت.
يقول: سرك في قلبي كالميت في قبره، وإذا أحيي الموتى يوم القيامة لا يحيي هذا الميت.
يعني: إني لا أظهره إذا أظهر غيري سره.
كأنّي عصت مقلتي فيكم ... وكاتمت القلب ما تبصر
يقول: إن عيني إذا شاهدت شيئاً من أحوالكم لم ترو إلى القلب ما رأته، فكأنـها تكاتم القلب ما تبصره.
يعني: أن سركم يصير في قلبي منسياً.
وإفشاء ما أنا مستودعٌ ... من الغدر والحرّ لا يغدر
يقول: السر أمانة وعهد، وإظهاره خيانة، والحر لا يغدر بعهده، فلو أبديت سرك صرت غادراً ولم أكن حراً.
إذا ما قدرت على نطقةٍ ... فإنّي على تركها أقدر
النطقة: المرة الواحدة من النطق. وهي بمنزلة الكلمة، واللفظة يقول: إذا قدرت على أن أنطق بالسر، كنت على السكوت عنـه أقدر؛ لأنـه أهون من النطق وأيسر.
أصرّف نفسي كما أشتهي ... وأملكها والنقا أحمر
يقول: أنا أملك نفسي، أصرفها كما أريد، وأقهرها على هواها، وأملكها في حال شدة القتال، فمتى أرادت الإحجام قهرتها على الإقدام، فلذلك إذا دعتني نفسي إلى أن أبدي السر قهرتها على كتمانـه.
دواليك يا سيفها دولةً ... وأمرك يا خير من يأمر
الدوال كالدولة. ودواليك: نصب على المصدر، وثنى على التكرير: أي أدالك الله دولةً بعد دولة. والهاء في سيفها للدولة. ودولة: تفسير للدولة المضمرة، وهي نصب على التمييز، وقيل: على المصدر، وأمرك: أيضاً نصب بفعل مضمر أي مر أمرك.
يقول: أدام الله دولتك. مرني بأمرك، وخصني بأوامرك ونواهيك، حتى أتشرف به.
أتاني رسولك مستعجلاً ... فلبّاه شعري الّذي أذخر
أراد أذخره، فحذف الضمير.
يقول: جاءني رسولك مستعجلا، يأمرني بإجازة البيتين، فلبيته بشعري الذي أدخره وأعده.
ولو كان يوم وغىً قاتماً ... للبّاه سيفي والأشقر
قاتماً: نصب صفة ليوم. والقاتم: المظلم من شدة الغبار، وروى: أيضا قائماً من قولهم: قامت الحرب. ويوم: نصب لأنـه خبر كان، واسمـه مضمر: أي لو كان أمرك أو إتيان رسولك إلي يوم وغى.
يقول: لو كان دعاؤك إياي إلى يوم حرب لأجبتك بسيفي وفرسي.
فلا غفل الدّهر عن أهله ... فإنّك عينٌ بها ينظر
فاعل ينظر: ضمير الدهر.
يقول: إنك عين الدهر الذي ينظر بها إلى أهله، فمن أكرمـه كان كريماً، ومن أهانـه كان مـهانا، فكأنـه قال: لا زلت أبداً تراعي أهل زمانك إذ الدهر غافل لولا أنك فيه. والغرض: الدعاء بالبقاء ودوام السلامة.

وقد كان سيف الدولة استبطأ مدحه، وعاتبه مدةً، ثم لقيه في الميدان، فأنكر أبو الطيب تقصيره فيما كان عوده من الإقبال إليه والتسلم عليه، فعاد إلى منزله وكتب بهذه الأبيات إليه لوقته: يعتذر عن إبطاء مدحه ويعاتبه ويشيد بمدائحه فيه.
أرى ذلك القرب صار ازورارا ... وصار طويل السّلام اختصارا
الازورار: الإعراض.
يقول: قربي منك صار بعداً وإعراضاً، وطول سلامي صار اختصارا وتقصيرا.
تركتني اليوم في خجلةٍ ... أموت مراراً، وأحيا مراراً
يقول: لما عرضت عني فيما بين الناس تركتني خجلا أموت جزعاً؛ لإعراضك عني، وأحيا طوراً رجاء كرمك وعفوك.
أسارقك اللّحظ مستحيياً ... وأزجر في الخيل مـهري سرارا
يقول: كنت أنظر إليك سرقة وخجلا وحياءً، وإذا زجرت مـهري أخفيت صوتي لئلا تسمع صوتي حياءً منك وإخفاء لشخصي، أو كنت أسر زجره مخافةً أن يرى حالي من يحبني من الفرسان، فيعرف سقوط منزلتي عندك، استدلالاً بما بي من الاغتمام، أو كنت أخفي صوتي لما لحقني من الغم، إذ المغموم لا يكاد يرتفع صوته.
وأعلم أنّي إذا ما اعتذرت ... إليك أراد اعتذاري اعتذارا
يقول: لو أردت أن أعتذر إليك، كان عندي أيضا ذنباً ثانياً يجب الاعتذار منـه إذ الاعتذار من غير ذنب كذب، والكذب مما يعتذر منـه والغرض ادعا براءة الساحة.
وقيل: معناه إني إذا اعتذرت إليك، مع علمي بسعة عفوك الذي لا يحتاج معه إلى الاعتذار، كنت قد أذنبت في اعتذاري ذنباً آخر، لأن ذلك يوهم خلاف ما أنت عليه من عادة الصفح وسعة العفو.
وقيل: معناه إن اعتذاري متى اعتذرت يكون كذبا فيلزمني الاعتذار عنـه، لأنك جفوتني، فألجأتني إلى التقصير في خدمتك، فمتى كنت كاذباً في الاعتذار، يلزمني الاعتذار منـه أيضا.
كفرت مكارمك الباهرا ... ت إن كان ذلك منّي اختيارا
يقول مقسماً: إن كان تأخير مدحك عن اختيار مني كذلك، فجحدت مكارمك الظاهرات، ولكن كان اعتذاري على ما بينته.
ولكن حمى الشّعر إلاّ القلي ... ل همٌّ حمى النّوم إلا غرارا
الغرار: النوم القليل.
يقول: منعني من قول الشعر هم منع نومي إلا القليل منـه.
وما أنا أسقمت جسمي بـه ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا
الهاء في بـه للهم.
يقول: هذا الهم الذي أسقم جسمي بألمـه، لم يكن عن قصد مني، وكذلك إضرام نار الهم في قلبي، لم يكن من فعلي، فإذا لم يكن هذا الهم عن قصدي، فلا ذنب لي فيه، أستوجب بـه عتبك، ولكن الذنب للزمان.
فلا تلزمنّي ذنوب الزّمان ... إليّ أساء وإيّاي ضارا
ضار يضير، وضره يضره بمعنىً.
يقول: لا تعتب علي في تأخير مدحك، فليس لي فيه ذنب، وإنما الذنب للزمان الذي قصدني بهمومـه، وشغل قلبي عن الشعر، فلا تلزمني ذنوبة، واعلم أن الزمان إنما قصدني بالإساءة، وألحق الضر بي دونك، لأن مدحي إياك يزيد في شرفي ومنزلتي عندك، وتأخره جر على عتبك وإعراضك عني، فالضرر في تأخيره راجع إلي، والإساءة واقعة بي لا بك.
وعندي لك الشّرّد السّائرا ... ت لا يختصصن من الأرض دارا
يقول: سأمدحك من بعد، بقصائد سائرات، لا تستقر في مكان، بل تعم الشرق والغرب، والسهل والجبل.
فإنّي إذا سرن من مقولي ... وثبن الجبال وخضن البحارا
المقول: اللسان. يعني إذا قلت قصيدة سارت في البر والبحر. وقوله: وثبن الجبال: عداه بنفسه على معنى: جزن الجبال ومثله لعلي بن الجهم في وصف شعره:
فسار مسير الشّمس في كلّ بلدةٍ ... وهبّ هبوب الرّيح في البرّ والبحر
ولي فيك ما لم يقل قائلٌ ... وما لم يسر قمرٌ حيث سارا
يقول: قد مدحتك قبل هذه بقصائد التي لم يقل أحد مثلها، وقصر القمر عن شأوها، فوصلت إلى الآفاق واشتهرت في العالم.
فلو خلق النّاس من دهرهم ... لكانوا الظّلام وكنت النّهارا
يقول: لو كان الناس خلقوا من الدهر لكانوا الليل، وكنت النـهارا: يعني إن لك فضلا عليهم، كفضل النور على الظلام.
أشدّهم في النّدى هزّةً ... وأبعدهم في عدوٍّ مغارا
يقول: أنت أشد الناس اهتزازاً في الجود، وأبعدهم غارة في العدو، وهزة، ومغارا نصب على التمييز.
سما بك همّي فوق الهموم ... فلست أعدّ يساراً يسارا

يقول: ارتفعت همتي على كل همة بسببك، وصغر في عيني المال، فلا أعتد باليسار، ولا أقصر على ما أناله من المال، فإنما أطلب معالي الأمور، وارتفاع المحل والمنزلة.
ومن كنت بحراً له يا عليّ ... لم يقبل الدّرّ إلاّ كبارا
هذا مثل: يعني من كنت مقصوده فلا يرضي بالقليل، ويستصغر الخطب الجليل، وإنما يرضي منك بشرف القدر وجلالة المنزلة.
ورحل سيف الدولة من حلب إلى ديار مضر، لاضطراب البادية بها فنزل حران وأخذ رهائن بني عقيل وقشير والعجلان. وحدث له بها رأي في الغزو، فعبر الفرات إلى دولوك وإلى قنطرة صنجة إلى درب القلة، فشن الغارة على أرض عرقة وملطية وعاد ليعبر من درب موزار فوجد العدو قد ضبطه عليه، فرجع وتبعه العدو، فعطف عليه فقتل كثيراً من الأرمن، ورجع إلى ملطيه، وعبر قباقب وهو نـهر حتى ورد المخاض على الفرات: وهو نـهر، تحت حصن يعرف بالمنشار، فعبر إلى بطن هنزيط وسمنين ونزل بحصن الران ورحل إلى سميساط فورد عليه بها من أخبره أن عدوه في بلد المسلمين، فأسرع إلى دلوك فعبرها، فأدركه راجعاً على جيحان فهزمـه وأسر قسطنطين بن الدمستق، وجرح الدمستق في وجهه. فقال أبو الطيب يصف ما كان في جمادي الآخرة سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة.
لياليّ بعد الظّاعينين شكول ... طوالٌ وليل العاشقين طويل
شكول: جمع شكل في الكثير وهو المثل، واختار الجمع الكثير في الطول لليالي، ليكون أبلغ في الشكوى، وأدل على عظم الشوق والبلوى وليالي: مبتدأ، وشكول: خبره. وطوال: بدل من شكول، فكأنـه قال: ليالي طوالٌ، وإن شئت جعلت طوالا تفسيراً لشكول، وأضمرت فيه مبتدأ يرفعه: أي هي طوال وتم المعنى عند قوله طوال. ثم ابتدأ فقال: وليل العاشقين طويل.
المعنى: ليالي بعد الأحباء الظاعنين عني كلها مشاكلة في الطول، لا تختلف كليالي سائر الناس؛ لأنـها تقصر مرة وتطول أخرى، ثم قال: إن ليل العشاق كذا يكون، وكل عاشق يطول ليله؛ لسهره فيه، وعظم حزنـه شوقاً إلى حبيبه. وقيل: أراد أنـها مشاكلة في السهر وبعد النوم وفقد الروح والراحة، شوقاً إلى الظاعنين، فهي طوال، لبعد العهد باللقاء وطول المدة، ولا يسلى عني ما بي من الشوق، فهي مشاكلة يشبه أولها آخرها في الشوق إلى الظاعنين.
يبنّ لي البدر الّذي لا أريده ... ويخفين بدراً ما إليه سبيل
بين: أي يظهرن، والنون فيه، وفي يخفين: لليالي.
يقول: هذه الليالي يظهرن لي بدراً لا أريده، وهو بدر السماء ولا أشتهيه، ولا أختار النظر إليه، ويسترن عني بدراً لا سبيل لي في الوصول إليه، وأراد بـه حبيبه.
وإنما قال ذلك؛ لأنـه يراه بالنـهار، والغيبة كانت تحصل بالليل، وإنما لا يريد البدر الحقيقي، لأنـه ينم إذا سار إلى حبيبه، فلا يتمكن من الوصول إليه في ضوئه. قال ابن المعتز:
ولاح ضوء هلالٍ كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدّت من الظّفر
وقال بعض الأعراب:
أشكو إليها ثلاثاً لا تلائمني ... منـها: العجوز ومنـها الكلب والقمر
وما عشت من بعد الأحبّة سلوةً ... ولكنّني للنّائبات حمول
سلوة: نصب على أنـه مفعول له، وقيل: على التمييز.
يقول: لا تظن أن بقائي بعد رحيل حبيبي عني هو للسلوة عنـه، ولكن هان علي حوادث الدهر وتحمل الشدائد. وقريب منـه قول الآخر:
فلو كان قلبي ساعة البين زيرةً ... جرى جزعاً أو صخرةً لتفطّرا
ولكنّه من جوهر لا تحيله ... حوادث صرف الدّهر كيف تنكّرا
ولكن قلبي أشد من الحديد، وأقسى من الصخر؛ فلهذا لم يذب من لوعة الهجر. ومثله لأبي خراش:
فلا تحسبنّي أنّي تناسيت عهده ... ولكنّ صبري يا أميم جميل
؟وإنّ رحيلاً واحداً حال بيننا وفي الموت من بعد الرّحيل رحيل يقول: معتذراً لبقائه بعد فراق الأحبة. إن رحيلهم الواقع، قد حال بيني وبينـهم، وبقي رحيل آخر وهو الموت، وسيحصل هذا الرحيل أيضاً أسفاً على فراقهم، فيزيد البعد بيني وبينـهم، وتنقطع الأسباب عنا بالكلية.
إذا كان شمّ الرّوح أدنى إليكم ... فلا برحتني روضةٌ وقبول

الروح في اللغة: الريح، وأكثر ما يستعمل في الريح المستلدة، وقد يستعمل في معنى الراحة، وقيل: أراد بشم الروح: الحياة. والقبول: الريح تأتي من جهة القبلة، وخصها لأنـها كانت تجيء من ناحية حبيبه. وأدنى: فعل متعد من دنيت.
والمعنى: إذا كانت الحياة وشم الروح يقربني إليكم، فلا فارقتني حياة ولا برحت مكاني روضة وقبول؛ لأنـها تكون سبباً إلى انتشاق روائحكم. وهذا توكيد لعذره في الحياة بعدهم؛ لأنـه يجد في الحياة أسباباً تقربه منـهم: من نسيم محبوبته، وامتزاج أنفاسه بأنفاسها، ووصول القبول من جهته، وغير ذلك.
وقيل: إن أدنى: اسم بمعنى أقرب: يعني أن شم الروح إذا كانت أقرب إليكم، قرب المسافة، وأدنى إلى جهتكم، فلا فارقني الذي هو قريب منكم.
وقيل: أراد بالقرب. قرب المحبة دون المسافة.
ومعناه: إذا كان شم الروح أقرب إلى قلوبكم وأشبه بإيثار محبتكم، فلا فارقتني الروضة والقبول، حتى لا أكون مفارقاً ما تهدون وتؤثرون.
وقيل: معناه إذا لم يكن من فراقكم إلا التعلل بالنسيم، شـهة لما كان ينالني من الفرح بقربكم، فلا فارقتني روضة وقبول يهيج ذلك النسيم لي. لأشمـه. ومعناه: إني أرضى بقليل الراحة من الشوق، إذا لم أصل إلى الحبيب.
والأولى في برحتني أن يكون فعلاً تاماً، كفارقتني، فيكون روضة رفعاً بـه ولا يحتاج إلى الخبر، كقوله تعالى: " فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ " وعن ابن جني أنـه من باب كان وروضة اسمـه وهي نكرة، وخبره: ضمير لشم الروح، ونكر اسمـه لأجل القافية ضرورة.
وما شرقي بالماء إلا تذكّراً ... لماءٍ بـه أهل الحبيب نزول
نصب تذكرا على الحال، أي متذكرا، ويجوز أن يكون مفعولا له.
يقول: إذا أردت شرب الماء تذكرت الماء الذي نزل عليه أهل من أحبه فشرقت بهذا الماء، لما خنقني من العبرة، أو لأجل أني كنت أشتهي أن يكون شربي من الماء الذي نزلوا عليه، لمجاورته إياهم.
وحكى أن الصاحب أنشد هذا البيت فقال: ليس والله هذا هوى وصبابة، ولكنـه وفاء ورعاية.
يحرّمـه لمع الأسنّة فوقه ... فليس لظمآنٍ إليه وصول
يقول: إن هذا الماء ممنوع الوصول إليه مما فوقه من الرماح، وما حوله من الأبطال، فلا يصل إليه أحد؛ لعزة قومـه.
أما في النّجوم السّائرات وغيرها ... لعيني على ضوء الصّباح دليل ؟
يقول مستفهماً، ومستطيلا لليل: أما في نجوم هذا الليل السيارة منـها، والثابتة - على ما يقوله المنجمون - نجم يدل على ضوء الصباح، وزوال الظلام ؟ لأن كثيراً من النجوم يختص طلوعها بأواخر الليالي، فيجب أن يعرفه، ليدل على قرب الصباح. وروى: أما في النجوم الساريات وغيرها: معناه ليس في هذه النجوم التي تسري بالليل ولا في غير النجوم: من صوت طائر وغيره، ما يدل على طلوع الفجر وذهاب الليل.
ألم ير هذا اللّيل عينيك رؤيتي ... فتظهر فيه رقّةٌ ونحول ؟
روى: رقة ودقة يقول: ألم ير هذا الليل الطويل عينيك يا حبيبتي مثلما رأيتهما ؟! حتى يذوب ويزول، فيصيرنا حلاً دقيقاً مثلي.
وقيل: معناه يا رؤيتي. يعني. ألم ير الليل عينيك يا رؤيتي ؟! ولم يرد معهما ونحولهما فيرحمني، ويرق لي، ويظهر فيه النحول والقصر رقة علي، فيزول الليل ويقصر.
لقيت بدرب القلّة الفجر لقيةً ... شفت كمدى واللّيل فيه قتيل
تخلص إلى مدح سيف الدولة وقال: لقيت الفجر في هذا الموضع. الذي فيه درب القلة، لقية واحدة، وهذه اللقية شفت حزني وأذهبت كمدى، وصار الليل قتيلاً؛ لانقطاعه وذهابه. وقيل: إنما يجعل الليل قتيلا، لأنـه أراد أن الحمرة التي تظهر عند الفجر كانت كالدم على بدن القتيل.
وقيل: لم يرد حقيقة الفجر، وإنما أراد نيراناً أوقدها سيف الدولة بدرب القلة، وكان ضياؤها مختلطاً بالدخان، فشبه اختلاط الضياء بالدخان، بالفجر الذي يختلط فيه الظلام بالضياء. والهاء في فيه تعود إلى الدرب. وقيل: تعود إلى القلة، وذكره على تأويل الموضع والمكان، ودرب القلة: موضع ببلاد الروم.
وعن ابن جني قال: سألته وقت القراءة عليه عن معنى هذا فقال: كنا نساير سيف الدولة فلقينا القلة وقت السحر مع الفجر، فكأني لقيت الفجر بها، ثم سرنا صبيحة ذلك اليوم إلى العصر وشننا الغارات، وغنمنا.
ويوماً كأنّ الحسن فيه، علامةٌ ... بعثت بها والشّمس منك رسول

يوماً: نصب عطفاً على قوله: لقيت بدرب القلة الفجر لقية ويوماً.
وجعل حسن اليوم الذي ظفر فيه الممدوح بالروم، كأنـه علامة من محبوبته، وجعل الشمس كأنـها رسولها، وذلك لسروره في هذا اليوم، وسروره بطلوع الشمس فيه.
وقيل: إنـه إنما استحسن هذا اليوم، وطلوع الشمس فيه؛ لزوال الليل واستراحته بالنـهار من السهر والحزن.
وقيل: معنى البيت أن الحسن في ذلك كان خفياً لشدة الحرب، وإظلام الجو باقتام، وأن الشمس كانت تبدو مرة وتختفي أخرى لتكاثف الغبار، فشبهه برسول يأتي من عند حبيبته، فهو إذا رأى رقيباً توارى، وإذا صادف خلوة بدا، وشبه حسن ذلك اليوم: وهو النصر والظفر بالاعداء في حقائقه - بعلامة تكون بين المحب وحبيبه، لا يعلمـها أحد سوهما، وفيه إشارة إلى أن الحرب كانت قد اشتدت في ذلك، حتى خفيت علامة النصر، إلا على سيف الدولة، فإنـه كان عالماً بالظفر، كما يعلم المحب العلامة التي بينـه وبين حبيبته وهذا من لطائف أبي الطيب.
وما قبل سيف الدّولة اثّار عاشقٌ ... ولا طلبت عند الظّلام ذحول
اثار: افتعل من الثأر. أي أدرك ثأره، يقال: اثار وثار بمعنى. والذحول: جمع ذحل وهو الحقد في القلب. فذكر أن الليل صار قتيلاً، ثم قال: إن القاتل هو سيف الدولة.
وقال: لولا سيف الدولة لم يقدر عاشق على أخذ الثأر من الليل، وما أدرك عاشق ثاره قبل حصول سيف الدولة بدرب القلة، ولم يطلب أحد عند الليل ذحلاً وثأراً قبله وهذا ضد قوله في بدر:
حدقٌ يذمّ من القواتل غيرها ... بدر بن عمّار بن إسماعيلا
ولكنّه يأتي بكلّ غريبةٍ ... تروق، على استغرابها، وتهول
تروق: تعجب بحسنـها، وتهول: تخوف.
يقول: إن قتله الليل وإدراك ثأره منـه أمر عجيب ! وشيء عجيب ! لكن سيف الدولة لا يزال يأتي بكل فعل غريب ! كل من رآه راقه حسنـه، ويهول القلوب لعظمـه، فليس هذا منـه ببديع.
رمى الدّرب بالجرد الجياد إلى العدا ... وما علموا أنّ السّهام خيول
الدرب: ها هنا، موضع معروف من بلاد الروم. يقول: رمى درب الروم، كما يرمي لغرض بالسهام، ولم يعلم الروم أن الخيل في السرعة تقوم مقام السهام. شبه خيله بالسهام في إقدامـها وسرعتها.
شوائل تشوال العقارب بالقنا ... لها مرحٌ من تحته وصهيل
الشوائل: جمع شائلة، وعداها إلى القنا بالباء. والتشوال: مصدر شول. والمرح: النشاط. والشوائل: نصب على الحال. وقوله: لها مرح إلى آخره نصب على الحال. والهاء في تحته للقنا، راجع إلى اللفظ.
يقول: رمى الدرب بالخيل رافعة رماحها، كما رفعت العقارب أذنابها، وكان لهذه الخيل مرح تحت القنا وصهيل، يعني بأن الركض لم يذهب مرحها. وهذا قول بشار:
والخيل شائلةٌ تشقّ غبارها ... كعقاربٍ قد رفعت أذنابها
غير أنـه زاد عليه في التشبيه، فبشار شبه الخيل الرافعة لأذنابها بالعقارب، رافعة أذنابها، فالتشبيه واقع على وجه واحد، وهو أوقع التشبيه من وجهين: أحدهما: أنـه جعل الخيل شائلة بالقنا، كما تشول العقارب بأذنابها.
والثاني: أنـه شبه أطراف الرماح بأذناب العقارب، وأن لها من الطعن مثل ما للعقارب من اللسع، فأخذ معنى بشار، وضم إليه هذه الزيادة، فكان هو أولى بـه من بشار.
وما هي إلا خطرةٌ عرضت له ... بحرّان لبّتها قناً ونصول
وما هي: أي الغزاة. وحران: مدينة بالشام، والضمير في له للمدوح، وفي لبتها للخطرة، والتاء: للقنا، والنصول: للسيوف، وعرضت: أي ظهرت.
يقول: لم تكن هذه الغزاة عن تأهب واستعداد، ولكن خطر بقلبه وهو بحران أن يقصد بلاد الروم، فأجابته الرماح والسيوف، فسار إليهم غير محتفل.
همامٌ إذا ما همّ أمضى همومـه ... بأرعن، وطء الموت فيه ثقيل
الهموم: بمعنى الهمم. والأرعن: الجيش العظيم.
يقول: هو عظيم الهمة إذا هم بشيء وعزم على أمر أمضاه. بجيش عظيم، كأنـه لا يمر على ناحية إلا أنكى فيها وأكثر القتل فيها، وهو في معنى قوله: وطء الموت: وقعه، يعظم ويكثر من هذا الجيش، أو يشتد وطء هذا الجيش ويعز عليه.
وخيل براها الرّكض في كلّ بلدةٍ ... إذا عرّست فيها فليس تقيل
وخيل: عطف على أرعن. والتعريس: النزول آخر الليل.

المعنى: إذا هم بأمر أمضاه بجيش أرعن، وبخيل قد أنحلها اتصال السير بالسرى، فإذا عرست في بلدة من بلاد العدو، رحلت عنـها ولم تقم إلى وقت القائلة.
فلمّا تجلّى من دلوك وصنجةٍ ... علت كلّ طودٍ رايةٌ ورعيل
تجلى: أسي بان عنـها وفصل، وأصله الظهور، ودلوك وصنجة: موضعان من بلاد الأرمن، والطود: الجبل. والرعيل: قطعة من الخيل تتقدم الجيش.
يقول: لما انفصل عن هذين الموضعين وانتشرت خيله على رءوس الجبال، فكان على كل جبل راية وخيل.
على طرقٍ فيها على الطّرق رفقةٌ ... وفي ذكرها عند الأنيس خمول
الهاء في فيها للطرق. وقيل راجعة إلى كل طود وهو في معنى الجمع، ومعناه أنـه سار إليهم بين الجبال، في الطرق المجهولة فكانت فيها رفعة على سائر الطرق؛ لأنـها كانت على رءوس الجبال.
وقيل: معناه أنـها كانت رفيعة القدر من حيث كانت موصلة إلى المطالب الجليلة، والمغانم الجزيلة. ثم قال: في ذكر هذه الطرق عند الناس خمول؛ لأنـها غير مسلوكة ولا يهتدي إليها أحد، فطابق بين الرفعة والخمول.
فما شعروا حتّى رأوها مغيرةً ... قباحاً، وأمّا خلقها فجميل
فما شعروا: يعني الروم، أضمرهم لدلالة الحال، وتقدم العلم.
يقول: ما علم الروم بخيل سيف الدولة، حتى شاهدوها تغير عليهم، فكانت قباحاً في أعينـهم؛ لسوء أفعالها بهم، وإن كانت جميلة الخلق حسنة المنظر. ومغيرة: نصب على الحال، وليس مفعولاً لرأوها: لأن الرؤية بمعنى المشاهدة لا تتعدى إلى مفعولين. وقباحاً: بدل من مغيرة ويجوز أن تكون حالاً ثانية، كقولك: جاء زيد راكباً مسرعاً. ويجوز أن تكون الرؤية من رؤية القلب فيكون المفعول الأول الهاء، ومغيرة حالاً. أي رأوها في حال غارتها قباحاً.
سحائب يمطرن الحديد عليهم ... وكلّ مكانٍ بالدّماء غسيل
سحائب: نصب بدلاً من قباح، يجوز فيها الرفع على إضمار المبتدأ: أي هذه الخيل سحائب.
يقول: هذه الخيل سحائب ولكن مطرها الحديد، ثم قال: وكل مكان حلت بـه مغسول بدماء الأعداء لكثرة القتله به، وإسالة الدماء فيه.
وأمسى السّبايا ينتحبن بعرقةٍ ... كأنّ جيوب الثّاكلات ذيول
ينتحبن: أي يرفعن أصواتهن بالبكاء. وعرقة: مدينة بالشام، وقيل: من الروم.
يقول: حصلت السبايا بعرقة، فأقمن بها يبكين على من قتل من أولادهن وأقاربهن، وقد شققن جيوبهن حتى صارت في السعة كالذيول.
وقيل: أراد بالسبايا الأولاد، وبالثاكلات: الأمـهات في الروم: يعني لما سبى الأولاد، بكت أمـهاتهن في الروم عليها.
وعادت فظنّوها بموزار قفّلاً ... وليس لها إلاّ الدّخول قفول
موزار: اسم بلد.
يقول: إن خيله أغارت عليهم، وحملت السبايا إلى عرقة، وعادت لتعبر من درب موزار، ثم عادت راجعة إلى بلادهم مرة أخرى، فلما رأوها بموزار ظنوها راجعة إلى بلاد الإسلام، ولم يعلموا أنـها عادت لتدخل بلادهم مرة أخرى، فصار ها قفولا.
وكان سيف الدولة أراد بعد الإغارة أن يعبر من درب موزار، فوجد العدو هناك، قد أخد عليه الدرب، فرجع داخلاً إلى بلاد الروم، وتبعه العدو فعطف عليه وقتل كثيراُ من الأرمن. وهذا معنى قوله: وليس لها إلا الدّخول قفول.
فخاضت نجيع الجمع خوضاً كأنّه ... بكلّ نجيع لم تخضه كفيل
الضمير في خاضت: لخيل سيف الدولة. والهاء في كأنـه للنجيع، وهو الدم.
يقول: إنـها عادت إلى بلاد الروم، وقتلت الأبطال، وخاضت في دمائهم المصبوبة، فكأن هذه الوقعة ضمنت لها سفك كل دم بعدها؛ لأنـها قتلت فؤاد الجيوش، فسهل بعد ذلك عليها مرامـها، وصار من لم يقتل تحت قدرتها متى شاءت قتلته، وخاضت في دمـه.
تسايرها النّيران في كل مسلكٍ ... بـه القوم صرعى والدّيار طلول
يقول: إن النيران تسايرها وترافقها في كل موضع تسلكه من بلاد الروم، لأنـها كانت تنزل فيه، وتوقد النيران فيه، وهو خراب وأهله صرعى، ولم يبق لديارهم إلا الآثار.
وقيل: معناه أنـها قتلت أهل كل منزل نزلته، وأحرقت مساكنـهم.
وكرّت فمرّت في دماء ملطيةٍ ... ملطية أمّ للبنين ثكول
ملطية: مدينة من بلاد الروم.
يقول: إن الخيل كرت على أهل ملطية فخاضت في دمائها، فصارت ملطية مثل أم ثكلت أولادها.
وأضعفن ما خلّصنـه من قباقبٍ ... فأضحى كأنّ الماء فيه عليل

ما خلصنـه: أي خلصن من الماء، من بين القوائم. وروى: ما كلفنـه أي الموضع الذي كلفت الخيل قطعه من هذا النـهر. وقباقب: اسم نـهر.
يقول: إن الخيل لما عبرت هذا النـهر سكرته بقوائمـها، وكسرت شدة جري الماء، وأضعفت قوته، فصار الماء يضعف جريه، كأنـه عليل.
شبه جريه بين قوائمـها بمشي العليل في فتور وضعف.
ورعن بنا قلب الفرات كأنّما ... تخرّ عليه بالرّجال سيول
ورعن بنا قلب الفرات: يعني أن الخيل خوفن بنا قلب الفرات. أي عبرته بنا الخيل، وخاضت دماءه.
وشبه انحدار الخيل فيه بتع السيل، وشبه الخيل بالسيول، والرجال بما تحمله السيول.
فيقول: كأنـه مثل السيول تقع من موضع إلى موضع من الوادي.
يطارد فيه موجه كلّ سابحٍ ... سواءٌ عليه غمرةٌ ومسيل
الضمير في فيه وموجه للفرات. وفي عليه للسابح والغمرة معظم الماء، وأردا بـه ها هنا معظم الحرب. والمسيل: حيث يسيل الماء.
يقول: إن الخيل لما عبرته كان يعها موجه، فكأنـه تطارده: أي تحاربه. وسواء على كل فرس منـها خوض الماء، وغمرة الحرب، وكلاهما سهل عليها.
تراه كأنّ الماء مرّ بجسمـه ... وأقبل رأسٌ وحده وتليل
تشبيه بديع؛ لأن التليل: العنق.
يقول: كأن الماء حمى جسده وأبان عن رأسه وعنقه. فهذا الفرس إذا سبح لم يظهر منـه إلا رأسه وعنقه.
وفي بطن هنزيطٍ وسمنين للظّبي ... وصمّ القنا ممّن أبدن بديل
أبدن: أهلكن، والضمير للخيل، وللظّبي. وصم القنا، وهنزيط وسمنين: بلدان من الروم.
يقول: إن أصحاب السيوف والرماح قد أهلكوا أهل عرفة وملطية، ولم يصلوا إلى بطن هنزيط وسمنين، فكأن أولئك الهالكين بدل في هاتين البلدتين للسيوف والرماح ولأصحاب الخيول، يهلكونـهم متى شاءوا، ويقتلونـهم متى قفلوا.
طلعن عليهم طلعةً يعرفونـها ... لها غررٌ ما تنقضي وحجول
طلعن: أي الخيل. عليهم: أي على أهل هنزيط وسمنين.
المعنى: أن خيل سيف الدولة لما فرغت من أهل ملطية، عطفت عليهم وطلعت على ديارهم، وهذه الطلعة معروفة مشـهورة؛ لأنـها لم تكن أول مرة، بل تقدم لها أخوات مشـهورة كشـهرة الغرر والحجول، في الخيل الغر المحجلة. والعرب تصف الشـهرة بالغرة والحجول، كما قال الآخر:
كذبتم وبيت الله لا تقتلونـه ... ولما يكن يومٌ أغرّ محجّل
وقوله: لها عزر مأخوذ من قول السموءل:
وأيّامنا مشـهورةٌ في عدوّنا ... لها غررٌ معلومةٌ وحجول
فهو وإن وافقه في المعنى والوزن والقافية وبعض الألفاظ، إلا أن هذا لما كان من العام المنتشر لا يقال فيه: إنـه مسروق.
تملّ الحصون الشّمّ طول نزالنا ... فتلقى إلينا أهلها وتزول
يقول: إن الحصون الطوال المرتفعة، ملت من طول منازلتنا إياها، فتلقى إلينا أهلها، وتزول الحصون عن أماكنـها، حتى لا يبقى منـها شيء.
وبتن بحصن الرّان رزحي من الوجى ... وكلّ عزيزٍ للأمير ذليل
رزحي: تعبة معيية، والواحد رازح، والوجى: وجع بحافر الفرس؛ من الحفا، وكثرة المشي.
وقيل: أراد بـه كثرة الضرب والطعن، من قولهم: وجأته بالسكين.
يقول: إن الخيل عادت إلى حصن الران، وقد تعبت وكلت بعد أن قتلت كل بطل، وأذلت كل عزيز، وموضعه نصب على الحال. أي بتن على هذه الحال.
وقيل: معناه أنـها لم تصر كذلك للضعف، ولكنـه كلفها من همته أصعبها فضعفت.
وفي كلّ نفس ما خلاه ملالةٌ ... وفي كلّ سيف ما خلاه فلول
الضمير في ما سواه وما خلاه للأمير.
يقول: كل أحد قد مل من طول الحرب، وكل سيف انثلم من كثرة الضرب، سوى سيف الدولة.
ودون سميساط المطامير والملا ... وأوديةٌ مجهولةٌ وهجول
سميساط: مدينة، والمطامير: الآبار، تحفر فلا تبلغ بها إلى الماء، والواحدة: مطمورة. والملا: الأرض الواسعة. والهجول: جمع هجل، وهو المطمئن من الأرض، وقيل: هو الأرض البعيدة الأطراف. يعني: بيننا وبينـها هذه الطرق المجهولة، والأراضي الواسعة.
لبسن الدّجى فيها إلى أرض مرعشٍ ... وللرّوم خطبٌ في البلاد جليل
مرعش: مدينة والضمير في فيها للمطامير والأودية، وقيل: يرجع إلى سميساط.

يقول: لبست خيل سيف الدولة ظلمة الليل بين هذه المطامير والودية، من سيساط حتى أتى مرعش، وقوله: وللروم خطب: في موضع الحال، أي كانت هذه المسيرة والحال هذه، وهي أن خطبهم قد عظم واشتد أمرهم.
فلمّا رأوه وحده قبل جيشـه ... دروا أنّ كلّ العالمين فضول
يقول: لما رآه الروم وحده متقدماً على جيشـه، علموا أنـه كاف عن كل أحد، وأن من عداه زيادة لا يحتاج إليها.
وأنّ رماح الخطّ عنـه قصيرةٌ ... وأنّ حديد الهند عنـه كليل
يقول: وعلموا أن الرماح تقصر عنـه ولا تناله، والسيوف تكل ولا تعمل فيه، أي لا يقدر أحد على طعنـه وضربه.
فأوردهم صدر الحصان وسيفه ... فتىً بأسه مثل العطاء جزيل
يجوز في سيفه النصب عطفاً على صدر الحصان.
يقول: جعل سيف الدولة صدر سيفه وفرسه مورد الأعداء. يعني أنـه قتلهم بسيفه، واقتحمـهم بفرسه. وهو فتى شجاعته مثل عطائه، وكل واحد منـهما جزيل.
جوادٌ على العلاّ بالمال كلّه ... ولكنّه بالدّارعين بخيل
العلات: جمع العلة، وأرد ها هنا كل حدث شاغل، وقيل: قلة المال وتعذر الحال.
يقول: هو جواد بماله كله في جميع الأحوال، لا تشغله الحروب والشدائد عن الجود.
وقيل: معناه أنـه يجود حين يعتل عليه ماله ويقل، ولكنـه مع هذا الجود، بخيل بالرجال، لا تسمح نفسه أن يسلمـهم للقتل، بل يذب عنـهم بنفسه. والدارعين: أصحاب الدروع.
فودّع قتلاهم وشيّع فلّهم ... بضرب حزون البيض فيه سهول
البيض: جمع بيضة، وهي الترك. وروى: حزون الموت والفل: القوم المنـهزمون. والضمير في قتلاهم وفلهم للروم.
يقول: قتل قوماً وهزم الباقين، ثم ترك القتلى مكانـهم فودعهم، وشيع المنـهزمين، وفعل هذا التوديع والتشييع بضرب حزون البيض فيه سهول: أي شدة البيض وصعوبته سهل على هذا الضرب، لم تمنعه الدروع والبيض.
وقيل: إنـه جعل ضربه إياهم توديعاً لمن قتل منـهم، وتشييعاً لمن انـهزم كما قال:
تحيّة بينـهم ضربٌ وجيع
على قلب قسطنطين منـه تعجّبٌ ... وإن كان في السّاقين منـه كبول
قسطنطين: ابن الدمستق، والكبول: القيود.
يقول: هو متعجب مما شاهد من سيف الدولة من الشجاعة والإقدام ! لم يشغله عن التعجب ما هو فيه من الأسر والقيود.
لعلّك يوماً يا دمستق عائدٌ ... فكم هاربٍ ممّا إليه يئول
يقول: إن كنت قد هربت وسلمت. فلعلك ترجع يوماً آخر، فتؤسر وتقتل، وكثير من الناس هرب من أمر، ثم رجع إليه.
نجوت بإحدى مـهجتيك جريحةً ... وخلّفت إحدى مـهجتيك تسيل
يقول: نجوت بواحدة من مـهجتيك مجروحة: يعني نفسه، وخلفت مـهجتك الأخرى: يعني ولده؛ لأنـه في حكم نفسه. تسيل: أي تذوب في القيد؛ وهذا لأنـه جعل ابنـه إحدى روحيه. كما روى في الخبر أنـه صلى الله عليه وسلم قال: فطمة بضعة منّى.
أتسلم للخطّيّة ابنك هارباً ... ويسكن في الدّنيا إليك خليل !!؟
يقول: أنت إذا سلمت ابنك، الذي هو نفسك، للرماح وهربت عنـه ! فكيف يسكن إليك صديقك ! وكيف يثق بالوفاء منك خليلك ؟!
بوجهك ما أنساكه من مرشّةٍ ... نصيرك منـها رنّةٌ وعويل
الهاء في أنساكه للابن. والمرشة: الضربة التي ترش الدم، أي تطايره.
يقول: هربت وفي وجهك ضربة أنستك ابنك وشغلتك بنفسك، فنصيبك من هذه الضربة الأنين والبكاء، أي لا تقدر إلا على البكاء والعويل.
أغرّكم طول الجيوش وعرضها ؟! ... عليّ شروبٌ للجيوش أكول
يقول: غركم كثرة جيوشكم، فلم تعلموا أنـه يأكلها ويشربها ! يعني أنـها غنيمة له يأكلها، فكلما كثرت، كان أجود له.
إذا لم تكن للّيث إلا فريسةً ... غذاه ولم ينفعك أنّك فيل
يقول: إذا كنت فريسة لليث، لم ينفعك عظم جسمك، ولو كنت مثل الفيل، بل سمنك وعظم جسمك يغذوه، وموضع أنك فيل رفع بغذاه: أي غذاه كونك ذلك، فأعمل الفاعل الأول فيه وأضمر الفاعل الثاني. وقيل: أضمر الفاعل في غذاه لدلالة الثاني عليه، وتقديره: وغذاه الفيل، ولم ينفعك أنك كذلك.
إذا الطّعن لم تدخلك فيه شجاعةٌ ... هي الطّعن لم يدخلك فيه عذول
يقول: إذا لم يكن فيك شجاعة، تدخلك في الطعان، وتحملك على مقارعة الأقران، لم يحملك عليه عذل العاذل.
فإن تكن الأيّام أبصرن صولةً ... فقد علّم الأيّام كيف تصول

يقول: إن أبصرت الأيام صولته هذه على الروم، فقد علمـها أيضاً قبل هذه الصولة كيف تصول؟ يعني أن الأيام نظرت إلى صولته بالأعداء فتعلمت منـه كيف تقصد أهلها بصروفها، وقيل. أراد بالأيام: أهلها.
فدتك ملوكٌ لم تسمّ مواضياً ... فإنّك ماضي الشّفرتين صقيل
يقول: فداك كل ملك لم يسم باسمك، وليس له مضاء مثل مضائك، فإنك ماض فيما بينـهم، فأنت كالسيف وهم كالبوقات والطبول.
إذا كان بعض النّاس سيفاً لدولةٍ ... ففي النّاس بوقاتٌ لها وطبول
يقول: أنت كالسيف وغيرك كالطبول والبوقات؛ لأنـه إذا جاز أن يكون سيفاً للدولة؛ جاز أن يكون لها طبول، لأن غيرك من الملوك ليس لهم مضاء في الأمور، وليس عنده إلا القول الخالي من الفغل، كالبوقات.
أنا السّابق الهادي إلى ما أقوله ... إذ القول قبل القائلين مقول
يقول: أنا السابق إلى ما أقوله من الشعر، والمبدع لمعانيه، وغيري من الشعراء يسرق ما يقوله ممن تقدمـه من الشعراء.
وما لكلام النّاس فيما يريبني ... أصولٌ، ولا للقائليه أصول
يقول: كلام الناس في غيبتي، والطعن فيّ لا أصل له، غذ لا عيب فيّ، وكذلك لا أصل لمن يعيبني ويطعن عليّ وأصلة من الحديث: الساعي لغير رشده.
أعادي على ما يوجب الحبّ للفتى ... وأهدأ والأفكار فيّ تجول
حسدوني لفضلي وعادوني، وكان يجب أن يحبوني؛ لأن الفضل يوجب المحبة، وأهدأ: أي أسكن، ولا أحسد أحداً، بل أنام خالي البال، وأفكار الحساد تجول فيّ. ومثله للبحتري:
إذا محاسني اللاّتي أدلّ بها ... كانت ذنوبي، فقل لي: كيف أعتذر ؟
سوى وجع الحسّاد فإنّه ... إذا حلّ في قلبٍ فليس يحول
يقول: داو كل داء من الأمراض والفقر وغيرهما، فإنـه يزول بمداواتك، ولا تشتغل أنت بمداواة وجع الحساد؛ لأنـه لا يزول أبداً.
ولا تطمعن من حاسدٍ في مودّةٍ ... وإن كنت تبديها له وتنيل
يقول: لا تطمع في مودة حاسدك، فإنك وإن كنت تظهر له المودة، وتعطيه المحبة فإن ما في قلبه من الحسد يمنعه من مودته لك.
وإنّا لنلقي الحادثات بأنفسٍ ... كثير الرّزايا عندهنّ قليل
يقول: إن لنا نفوساً كريمة، وقلوباً صابرة على حوادث الدهر، وكثرة الرزايا والشدائد عندها قليل، لكثرتها وصبرها.
يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراضٌ لنا وعقول
الأعراض: جمع العرض، وهو موضع الحمد والذم.
يقول: إذا سلمت الأعراض والعقول، فلا حظ للأجسام عندنا، بل يهون علينا ما يحدث فيها من الجراحات والأسقام. ومثله:
إذا أبقت الدّنيا على المرء دينـه ... فما فاته منـها فليس بضائر
فتيهاً وفخراً تغلب ابنة وائل ... فأنت لخير الفاخرين قبيل
يقول: يا تغلب ابنة وائل تيهي تيهاً، وافخري فخراً، فإنك قبيلة سيف الدولة، وهو خير الفاخرين، وأنت تغلب. ذهاباً بها إلى القبيلة أو العشيرة، ونصب تيهاً وفخراً على المصدر أي تيهي تيهاً، وافخري فخراً.
يغمّ عليّاً أن يموت عدوّه ... إذا لم تغله بالأسنة غول
إذا لم تغله: إذا لم تهلكه. والغول: الداهية. وقيل: المنية.
يقول: إن سيف الدولة إذا مات عدو يغتم بموته، وإنما يريد أن يقتله.
شريك المنايا، والنّفوس غنيمةٌ ... فكل مماتٍ لم يمته غلول
الغلول: الخيانة في الغنيمة.
يقول: إن سيف الدولة شارك المنية في الإغارة على نفوس الأعداء، والنفوس غنيمة لها يشتركان فيها، فإذا استبدت المنية في نفس واحد لم يقتلها هو فقد خانته وغلت تلك النفس منـه.
فإن تكن الدّولات قسماً فإنّها ... لمن ورد الموت الزّؤام تدول
الزؤام: السريع. وتدول أي صارت له، ورجعت إليه.
يقول: إن كانت الدولة مقسومة بقدر السعي فالأولى بها من يقتحم على الأهوال ويباشر القتال وأسباب الموت. فأطلق لفظ الموت على أسبابه.
لمن هوّن الدّنيا على النّفس ساعةً ... وللبيض في هام الكماة صليل
لمن هون: بدل من قوله: لمن ورد.
يقول: إن الدولة لمن هون الدنيا على نفسه ساعة، في موضع الضرب والطعن، وضرب على شدائدها في تلك الحال؛ لأنـه متى صبر فاز بالظفر والغلبة.
وتأخر مدحه عنـه فعتب عليه، فقال يعتذر:

بأدنى ابتسامٍ منك تحيا القرائح ... وتقوى من الجسم الضّعيف الجوارح
القرائح: جمع القريحة، وهي خالص طبيعة الإنسان، وأصلها من قريحة البئر، وهو أول ما يخرج من مائها إذا حفرت.
يقول: إذا ابتسمت ورضيت عنا تحيي ما مات من خواطرنا وتقوي ما ضعف من جوارحنا.
ومن ذا الّذي يقضي حقوقك كلّها ؟ ... ومن ذا الّذي يرضى سوى من تسامح ؟
يقول: لا يقدر واحد على قضاء حقوقك، وعلى إرضائك في قضائها، إلا أن تسامحه، ولا تكلفه فوق طاقته.
وقد تقبل العذر الخفيّ تكرّماً ... فما بال عذري واقفاً وهو واضح ؟
تكرماً نصب على المفعول، وواقفاً على الحال، ومعناه: غير مقبول.
يقول: أنت تقبل العذر الخفي لكرمك، فكيف صار عذري غي مقبول في تأخيري مدحك مع وضوحه وظهوره ؟!
وإنّ محالاً ... إذبك العيش أن أرى وجسمك معتلّ وجسمي صالح
يقول: إن كان قوام عيشي بك فمن المحال سلامة جسمي مع اعتلال جسمك، بل الواجب مشاركتنا. إياك في لاعتلال.
وما كان ترك الشّعر إلاّ لأنّه ... تقصّر عن وصف الأمير المدائح
جعل تقصير المدائح عن وصفه عذراً في تأخير المدح، فقال: لم أترك مدحك تغافلاً عن قضاء حقك، ولكن رأيت المدائح قاصرة عن وصفك، غير ناهضة بآداء شكرك.
وقال وقد تشكى سيف الدولة من دمل في شـهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة.
أيدري ما رأيك من يريب ؟ ... وهل ترقى إلى الفلك الخطوب !؟
فاعل يدري: ما أريك، وهو الدمل ومن في موضع نصب؛ لأنـه المفعول، وهو سيف الدولة على جهة التعجب والتعظيم للأمر.
يقول: أيدري هذا الدمل من يريب ؟ وعلى من أقدم ؟ أي لو علم علو مكانك لما تجاسر على الحلول بك، فإنك الفلك في العلو والارتفاع عن الآفات، والخطوب لا ترقى إلى الفلك، فكيف رقى إليك الدمل ؟!
وجسمك فوق همّة كلّ داءٍ ... فقرب أقلّها منـه عجيب
الهاء في أقلها للأدواء التي تدل عليه قوله: كل داء إذ هو في معنى الجمع.
يقول: إن جسمك أعلى محلاً من أن يصيبه أعظم الأدواء، وأن تبلغ همته إليه، فكيف وصل إليك الدمل الذي هو أقل الأدواء وأحقرها ؟
يجشّمك الزّمان هوىً وحبّاً ... وقد يؤذي من المقة الحبيب
يقول: إن الزمان يحبك حباً شديداً فآلمك بهذا القدر من الألم؛ لأن الحبيب يؤذيه الحبيب إذا غلبه الحب، تذللاً. والمقة: الحب، وقد روى: يجمشك والتجميش: مداعبة الحبيب والممازحة معه.
يقول: إن الزمان يداعبك، ويتعرض لك؛ لحبه إياك، وهذا الدمل الذي أصابك تجميش منـه، فآذاك وآلمك، فإن المحب ربما آذى حبيبه بالعض وغيره، محبة منـه. وقوله هوى وحباً نصب على المفعول له.
وكيف تعلّك الدّنيا بشيءٍ ... وأنت بعلّة الدّنيا طبيب ؟
يقول: كيف أصابتك الدنيا بعلة وأنت طبيبها ؟ الذي تداوي علتها، وتذهب سقمـها، وتصلحها من الفساد.
وكيف تنوبك الشّكوى بداءٍ ... وأنت المستغاث لما ينوب ؟
تنوبك أي تصيبك والشكوى: المرض.
يقول: كيف تصيبك ما تشكو منـه ؟ ومن نابته الشكوى استغاث بك فأجرته.
مللت مقام يومٍ ليس فيه ... طعانٌ صادقٌ ودمٌ صبيب
المقام: الإقامة، والصبيب: المصبوب.
يقول: قد تعودت الحرب، وتركت الإقامة، فمتى فقدت ذلك يوماً واحداً ألمت من ذلك، ومللت من طول الإقامة، فألمك هو الجلوس في الدعة، وترك الحرب، لا من الدمل، إذ هو أقل من أن تبالي به. وقوله: طعان صادق يعني أنـه لا يخطئ بل يصيب.
وأنت الملك تمرضه الحشايا ... لهمّته، وتشفيه الحروب
الحشايا: جمع الحشية.
يقول: أنت ملك عظيم الهمة لا تلتذ بالتنعم والراحة، فالنوم على الحشايا يمرضك، والحروب تشفيك وتوافقك. إذ ترك العادة يمرض الإنسان.
وما بك غير حبّك أن تراها ... وعثيرها لأرجلها جنيب
العثير: الغبار، والضمير في تراها وعثيرها وأرجلها للخيل، فأضمرها وإن لم يجر لها ذكر: للعلم بها. إذ الحروب لا تعرى من الخيل. والجنيب: التابع كالجنيبة التي تقاد إلى جنب الفرس.
يقول: هذا الألم الذي ألم بك، ليس هو من المرض، ولكنـه لشوقك إلى أن ترى الخيل، وقد أثارت الغبار في الحروب، وصار غبارها تابعاً لأرجلها، كما يتبع الفرس قائده.

مجلّحةً لها أرض الأعادي ... وللسّمر المناحر والجنوب
مجلحةً: مصممة جادة في شأنـها، ونصب على الحال. والمناحر: موضع النحر، والجنوب: جمع الجنب، وأراد به: جنوب الأعادي ونحورهم.
يقول: ليس بك إلا ألم حبك أن ترى خيلك مجلحة محدة في الحروب، وقد ملكت أرض الأعادي، وملكت الرماح نحور الأعادي وجسومـها.
وقيل أراد: نحور الخيل وجنوبها، يعني: أنـها تتلقى الرماح بنحورها، وجنوبها، ولا تولي عنـها.
فقرّطها الأعنّة راجعاتٍ ... فإنّ بعيد ما طلبت قريب
تقريط الأعنة: هو أن يرخي الفارس عنان الفرس، حتى يمس أذنـه، فيصير بمنزلة القرط له. وقيل: هو طرح اللجاح في رأس الفرس.
يقول: إذا كان مرضك هذا، فشفاؤك في يدك، فارجع بخيلك إلى أرض الروم، وارخ لها الأعنة، حتى تبلغ مرادك، ويشفيك من ألمك، فإن ما طلبته هذه الخيل، وإن كان بعيداً، فهو عليها قريب.
إذا داءٌ هفا بقراط عنـه ... فلم يعرف لصاحبه ضريب
هفا: أي غفل وزل. ولم يعرف: أي ليس يوجد، وأقام لم مقام ليس والضريب: المثل والنظير، فالهاء في لصاحبه للداء.
والبيت يفسر على وجوه.
أحدها: أن بقراط قد ذكر جميع الأدواء، ولم يذكر فيها حب الحروب، ولم يعلم بقراط أحداً، يكون فقد الحرب مرضاً له، فمن أصابه هذا الداء الذي هفا عنـه بقراط، لم يكن له في الناس نظير، فكأنـه يقول: ليس لك نظير في هذه الهمة، فإنا ما سمعنا بمن يمرضه حب الحرب، وتؤلمـه الراحة والدعة. وجواب إذا قوله: لم يعرف.
والثاني: أنـه جعله بمنزلة بقراط. فيقول: أنت مع علمك وكونك في مثل علم بقراط، عجزت عن دفع هذا الداء عنك، وكل داء هفا بقراط عنـه، فإن صاحب ذلك الداء ليس له نظير، إذ هو خارج عن الطبائع البشرية؛ لأن بقراط لا يشكل عليه طبايع البشر، فلما كنت بقراط فعجزت عن مداواة هذا الداء، علمنا أنك تفارق جميع الناس، ولا يشبهك أحد منـهم، وجواب إذا أيضاً فلم يعرف.
والثالث: أن المراد بالداء: الحروب ونيوب الدهر، وهو متعلق بقوله: فإن بعيد ما طلبت قريب إذا داء هفا بقراط عنـه، فلم يوجد عليل، بـه تلك العلة، ففي تلك الحال بعيد ما تطلبه قريب الغرض به.
يعني: أنـه إذا اختل أمر الثغور كان عود خيلك إليها قريباً، فتكون أنت مداوياً لها. والفاء على هذا تكون عاطفة لجملة على جملة، وهذا كقول ليلى الأخيلية:
إذا هبط الحجّاج أرضاً مريضةً ... تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الدّاء العضاء الّذي بها ... غلامٌ إذا هزّ القناة سقاها
بسيف الدّولة الوضّاء تمسى ... جفوني تحت شمسٍ ما تغيب
الوضاء: مبالغة الوضيء.
يقول: إذا أبصرته أبصرت شمساً لا تغيب، كما تغيب الشمس، وقوله: جفوني تحت شمس: أن ناظرة إلى وجهه.
فأغزو من غزا، وبه اقتداري ... وأرمى من رمى وبه أصيب
يقول: إذا غزا سيف الدولة غزواً غزوته معه، ولكن اقتداري به، وقوتي ونكاتي في غزوه بتأييده.
وقيل: معناه أني لا أغزوهم إلا بنفقته وخيله وسلاحه الذي وهب لي، فكأن اقتداري بعطيته، وإذا رميت الاعداء أصبتهم بدولته.
وللحسّاد عذرٌ أن يشحّوا ... على نظري إليه وأن يذوبوا
يقول: إن حسدوني على نظري إليه، ونافسوني فيه، وذابوا كمداً وحزناً، بمنزلتي عنده، فلهم في ذلك عذر.
فإنّي قد وصلت إلى مكانٍ ... عليه تحسد الحدق القلوب
يقول: من يحسدني على منزلتي عنده، ونظري إليه فهو معذور؛ لأني قد جعلت في مكان يحسد قلبي فيه عيني، لما تدركه من اللذة بالنظر إليه، ورؤيتها لمكارمـه ومحاسنـه، والقلب لا يصل إليها مباشرة، وإنما يصل إليها بالعلم. وهو قريب من قول الآخر:
إذا زرت حفصاً تستضيء برأيه ... فقلبك مغبونٌ وطرفك رابح
وروى: تستضيء بشمسه.
وقال سيف الدولة، وعنده رسول ملك الروم: الساعة يسر الرسول بهذه العلة، فأجابه أبو الطيب:
فديت، بماذا يسرّ الرّسول ؟ ... وأنت الصّحيح بذا لا العليل
يقول: جعلنا الله تعالى فداءك، بأي شيء يسر الرسول ؟ وأنت الصحيح بهذا الدمل لا المريض؛ لأن بهذا يزول أدواء كثيرة، وهذا علامة الصحة.
عواقب هذا تسوء العدوّ ... وتثبت فيك وهذا يزول

يقول عاقبة هذا الدمل، وهو الصحة تسوء أعداءك، وتثبت فيك الصحة دائماً، وهذا الذي أصابك يزول في أسرع وقت.
وقال أيضا في علة سيف الدولة، يمدحه:
إذا اعتلّ سيف الدّولة اعتلّت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض
يقول: إذا أصاب سيف الدولة علة، عمت الأرض ومن عليها، واعتل بها أيضا الشجاعة والكرم؛ لأن قوام الكل به. والبأس: الشجاعة. ومثله لعلي بن الجهم:
وإذا رابكم من الدّهر ريبٌ ... عمّ ما خصّكم جميع الأنام
وكيف انتفاعي بالرّقاد وإنّما ... بعلّته يعتلّ في الأعين الغمض ؟
يقول: إذا اعتل هو، لم أنتفع بالنوم، ولم أجد له لذة؛ لأنـه إذا اعتل اعتل النوم في عيني جزعاً عليه.
شفاك الّذي يشفي بجودك خلقه ... فإنّك بحرٌ كلّ بحرٍ له بعض
يقول: شفاك الله تعالى، كما يشفي خلقه بجودك، فإنك في الجود بحر، إذا قيست البحار إليه كانت بعضاً منـه وجزءا له.
وقال أيضاً في شـهر رمضان وقد عوفي سيف الدولة من الدمل:
المجد عوفي إذا عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم
يقول: إن المجد والكرم اعتلا بعلتك ؟! فلما عوفيت عوفيا بعافيتك، وزال ألمك الذي بك إلى أعدائك؛ لأنـهم اغتموا بعافيتك، وتألموا بصحتك، فكأن ألمك انتقل إليهم.
وقيل: إن هذا دعاء: أي رد الله تعالى ألمك إلى أعدائك.
والأولى أنـه خبر، وليس بدعاء؛ لأنـه أخبر في صدر البيت أنـه عوفي، فلا يتصور معه الدعاء عليهم بداء له وقد زال.
صحّت بصحّتك الغارات وابتهجت ... بها المكارم وانـهلّت بها الدّيم
ابتهجت: أي فرحت. وانـهلت: أي انصبت.
يقول: لما راجعتك الصحة صحت الغارات بصحتك؛ لأنـها كانت سقيمة بسقمك، وسرت المكارم بها؛ لأنـها كانت سقيمة، وجرى بها عطاياك المتصلة، كأنـها ديم منـهلة.
وراجع الشّمس نورٌ كان فارقها ... كأنّما فقده في جسمـها سقم
يقول: كانت الشمس فارقها نورها لمرضك، فعاد إليها الآن لأجل صحتك، وكأن فقد هذا النور سقما في جسم الشمس، فزال عنـها مرضها لأجل صحتك.
ولاح برقك لي من عارضي ملكٍ ... ما يسقط الغيث إلاّ حين يبتسم
العارض: أول ما يلي الناب من الثنايا، ويقال: هو الناب.
شبه نقاء عارضيه بالبرق، ثم قال: ما يسقط الغيث إلا حين يبتسم هذا الملك، يعني إذا ابتسم أعطى، فعبر عن العطايا بالغيث.
وقيل: أراد بالبرق علامات جوده ومخايل إحسانـه.
يسمى الحسام وليست من مشابهةٍ ... وكيف يشتبه المخدوم والخدم ؟!
يقول: يسمى الممدوح باسم السيف، وهذا لا يشابهه في الخصال والمعاني، وكيف يشبهه وهو خادمـه يتصرف على إرادته ؟!
تفرّد العرب في الدّنيا بمحتده ... وشارك العرب في إحسانـه العجم
المحتد: الأصل، والضمير فيه وفي إحسانـه للممدوح.
يقول: تفرد العرب بأصله؛ لأنـه والعرب من أصل واحد، والعجم تشارك العرب في إحسانـه ون.
يعني أن فضله عم العجم عمومـه للعرب، وشاع في الناس كافة.
وأخلص الله للإسلام نصرته ... وإن تقلّب في آلائه الأمم
الآلاء: النعم. واحدها إلى وألي.
يقول: جعل الله تعالى نصرته للإسلام خالصة؛ لأنـه أبداً يجاهد الكفار؛ ويذب عن الإسلام، فنصره مقصور على الإسلام، ون تعم الخلق: مؤمنـهم وكافرهم.
وما أخصّك في برءٍ بتهنئةٍ ... إذا سلمت فكلّ النّاس قد سلموا
يقول: لا أخصك بهذه التهنئة على برئك من المرض، بل أهنئ جميع الناس، فإنـهم كانوا مرضى لمرضك، فإذا سلمت منـه سلم جميع الناس، فاستووا معك في استحقاق التهنئة.
وقال في انسلاخ شـهر رمضان يمدح ويهنئه بعيد الفطر:
الصّوم والفطر والأعياد والعصر ... منيرةٌ بك حتّى الشّمس والقمر
الشمس: مرفوعة، لأنـها معطوفة بحتى على ما قبلها.
يقول: هذه الأشياء نورها وبهجتها بك، حتى أن الشمس والقمر اللذين هما الأصل في الإنارة، منيران بك مضيئان بدولتك؛ لأنـهما يشـهدان النور من أنوارك، كالقمر يشـهد النور من الشمس.
ترى الأهلّة وجهاً عمّ نائله ... فما يخصّ بـه من دونـها البشر
التذكير: للوجه، وفي بـه للنائل، والتأنيث: للأهلة.

يقول: نظر الأهلة إلى وجهه، يقوم مقام نائله، لأنـها تقابل منـه سعداً وتكتسب منـه نورا، فنائله عم الأهلة وسائر الخلق، ولم يختص بـه البشر دون غيره.
ما الدّهر عندك إلا روضةٌ أنفٌ ... يا من شمائله في دهره زهر
الروضة الأنف: التي لم ترع، فيكون أحسن لها.
شبه الدهر بالروضة، وشمائله بالزهر الذي هو في الروضة لحسنـها.
ما ينتهي لك في أيامـه كرمٌ ... فلا انتهي لك في أعوامـه عمر
الهاء في أيامـه للدهر، وكذلك في أعوامـه وقوله: فلا انتهى دعاء للمدوح.
يقول: ليس لكرمك نـهاية في الدهر، وعمرك يزيد في أعوام الدهر.
فإنّ حظّك من تكرارها شرفٌ ... وحظّ غيرك منـه الشّيب والكبر
الهاء في تكرارها للأيام أو للأعوام، وفي منـه للدهر.
يقول: إنك لا تزال تزداد شرفاً على مرور الأيام وكرور الأعوام؛ لأنك تفعل في كل وقت فعلاً لك فيه ذكر وشرف، وغيرك يزداد شيباً وهرماً.
ومد قويق: وهو نـهر بحلب، فأحاط بدار سيف الدولة، فخرج أبو الطيب من عنده، فبلغ الماء صدر فرسه. فقال:
حجّب ذا البحر بحارٌ دونـه
يذمّها النّاس ويحمدونـه
البحر: سيف الدولة، والبحار: مدود النـهر.
يقول: حالت هذه السيول، والمدود، بيننا وبين بحر الجود، فالناس يذمون هذه البحار؛ لأنـها منعتهم عن ذلك البحر ويحمدون سيف الدولة؛ لأنـه لم يحجب نائله عنـهم.
وقيل: يذمون البحار استحقاراً بالإضافة إليه، ويحمدونـه تعظيماً له.
يا ماء هل حسدتنا معينـه ؟
أم اشتهيت أن ترى قرينـه ؟
المعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، مفعول من العين: أي تدركه.
يقول للماء: هل حسدتنا على كثرة جوده، الذي هو كالماء الجاري، فحلت بيننا وبينـه ؟ وقيل: معناه هل حسدتنا على مشاهدتنا لسيف الدولة فعقتنا عنـه وعن الوصول إليه ؟ أم أردت يا ماء أن ترى قرينـه: أي تكاثر جوده، فتكون أنت قريناً له ؟؟!
أم انتجعت للغنى يمينـه ؟
أم زرته مكثّراً قطينـه ؟
قطين الملك: خدمـه المقيمون.
يقول للماء: أم قصدته يا ماء مستميحاً الغنى منـه ؟ أم أردت أن تكثر بنفسك خدمـه وحشمـه تشرفا بخدمته ؟
أم جئته مخندقاً حصونـه ؟
إنّ الجياد والقنا يكفينـه
يقول: لعلك جئته لتصير خندقاً حول حصونـه، ثم إنـه لا يحتاج إلى إحاطتك بحصنـه، بل هو غني بخيله وسلاحه.
والضمائر من أول الأبيات إلى ها هنا للبحر.
يا ربّ لجّ جعلت سفينـه
وعازب الرّوض توفّت عونـه
اللج: جمع لجة. والهاء في سفينـه عائدة إليها لفظاً. والسفين: جمع السفينة، والهاء في عونـه للروض. والعون: جمع عانة، وهي القطعة من حمر الوحش. والتاء في جعلت وتوفت للجياد.
يقول: رب لجة جعلت الجياد سفيناً لها. يعني أنـه اقتحم بها الأنـهار العظيمة في غزواته، فصارت كالسفن. وقيل: أراد حومة القتال وغمرة الحرب. ورب روض بعيد قد وصلت إليه هذه الجياد، فاستوفت جميع ما فيها من عانات الحمر الوحشية وأهلكته.
وذي جنونٍ أذهبت جنونـه
وشرب كأسٍ أكثرت رنينـه
وأبدلت غناءه أنينـه
وقوله: وذي جنون: كناية عن الشجاع، أو كناية عن الباغي. وقيل: أراد بـه ملكاً. كأنـه من غيرة نفسه مجنون، والشرب: القوم المجتمعون على ال. والهاء في جنونـه لذي جنون وفي رنينـه وغناءه وأنينـه للشرب، لفظاً لا معنىً، والرنين: صوت الباكي الحزين. والأنين: صوت الحزين المتوجع.
يقول: ورب ذي جنون قصدته هذه الخيل، وأذهبت ذلك الجنون من رأسه، ورب قوم شاربين للكأس، هجمت عليهم فقتلتهم وأكثرت رنينـهم وأبدلت غناءهم وطربهم حزناً وبكاء !
وضيغمٍ أولجها عرينـه
وملكٍ أوطأها جبينـه
العرين: موضع الأسد في الأجمة. وفاعل أولجها ضمير البحر، الذي هو سيف الدولة، والهاء: ضمير الجياد، وكذلك في أوطأها أي ورب أشد أدخل سيف الدولة هذه الجياد في أجمته، وأغار على مملكته، ورب ملك قتله، ومشى بها على جبينـه.
يقوده مسهّداً جفونـه
مباشراً بنفسه شؤونـه
مسهداً ومباشراً نصب على الحال، والضمائر كلها راجعة إلى سيف الدولة، وهو المعبر عنـه بالبحر.
يقول: يقود سيف الدولة هذه الجياد إلى الحروب ليلاً، وقد منع أجفانـه من النوم.

وقيل: الهاء في جفونـه تعود إلى الملك: أي يسهد جفون الملك بقصده بخيله. وهو يتولى أموره بنفسه، ولا يتكل فيها إلى كفاية غيره؛ لفضل قوته وبعد همته.
مشرّفاً بطعنـه، طعينـه
عفيف ما في ثوبه مأمونـه
أبيض ما في تاجه ميمونـه
المنصوبات كلها على الحال. إلا قوله: طعينـه فإنـه منصوب بمشرف.
يقول: إذا طعن إنساناً فإنـه يتشرف بطعنـه، لأنـه يقال قد نازله وثبت له، وهو عفيف الفرج، أبيض الوجه، مبارك ميمون على من رآه.
بحرٌ يكون كلّ بحرٍ نونـه
شمسٌ تمنّى الشّمس أن تكونـه
قوله: أن تكونـه الهاء فيه خبر كان وقد وصله، والأولى فيه الفصل، فيقال: أن تكون إياه. وذكر الضمير في أن تكونـه وإن كان راجعاً إلى قوله: شمس لأنـه أراد بها سيف الدولة.
يقول: هو بحر في الجود والهيبة، إذا قيست البحار إليه كانت بمنزلة السمكة في البحر، وهو شمس في إشراقه وعلو همته، ومنزلته وشـهرة ذكره، والشمس الحقيقي تتمنى أن تكون مثله.
إن تدع يا سيف لتستعينـه
يجبك قبل أن تتمّ سينـه
الهاء في سينـه تعود إلى سيف. يخاطب صاحباً له، أو نفسه، فيقول: إن دعوته وقلت يا سيف الدولة، تستعين بـه أجابك قبل أن تلفظ بالسين، من يا سيف.
وقيل: هو خطاب لسيف الدولة: أي إن دعوت سيفك لتستعين بـه أجابك قبل إتمام السين منـه.
أدام من أعدائه تمكينـه
من صان منـهم نفسه ودينـه
من فاعل أدام، وأراد بـه الله تعالى.
يقول: أدام الله تمكينـه، كما صان منـهم نفسه ودينـه: أي حال بينـهم وبينـه من أن ينالوه بطعن في نفسه ودينـه.
وقال في ذي الحجة من سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة، يمدحه ويهنئه بعيد الأضحى، وأنشده إياها في ميدانـه بحلب، تحت مجلسه، وهما على فرسيهما ويذكر أسره لابن الدمستق وفيها يفتخر بنفسه وشعره:
لكلّ امرئٍ من دهره ما تعوّدا ... وعادات سيف الدّولة الطّعن في العدا
يقول: كل إنسان يجري على ما تعود من دهره، وعادة سيف الدولة التي لا ينفصل عنـها، أن يطعن أعداءه، فهو جار عليه.
وأن يكذب الإرجاف عنـه بضدّه ... ويمسي بما تنوي أعاديه أسعدا
الإرجاف: خوض العامة في الإخبار عن الملوك بالسيئ. وقيل: هو مقدمة الكون.
يقول: من عادته أيضاً أن يكذب إرجاف أعدائه عنـه بضد ما أرجفوا، فإذا نووا على إيقاع شر بـه عاد ما تمنوه عليهم، فيصير هو أسعد من أعدائه. بما نووا عليه. وروى: بما تحوي وتنوي.
وربّ مريدٍ ضرّه، ضرّ نفسه ... وهادٍ إليه الجيش، أهدى وما هدى
الهاء في ضره لسيف الدولة، وفي نفسه للمريد، وهاد: من قولهم: هديته الطريق، والجيش: نصب بهاد وضره: بمريد. وأهدى: من الهدية.
يقول: رب إنسان أراد أن يضره، ضر نفسه ! وعاد كيده إليه، وهذا من قوله تعالى: " وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ " . ومنـه قول الشاعر:
رماني بأمر كنت منـه ووالدي ... بريّاً ومن قعر الطّويّ رماني
أي عاد رميه إليه، مثل من يرمي حجراً من قعر بئر، فيعود على رأسه.
ورب قائد هدى إليه جيشاً، فكأنـه بعث إليه هدية وغنيمة.
ومستكبرٍ لم يعرف الله ساعةً ... رأى سيفه في كفّه فتشـهّدا
يقول: رب كافر مستكبر عن طاعة الله تعالى، لم يؤمن ساعة، لما رأى سيف الدولة وفي يده سيفه أسلم، وتشـهد: أي أقر بشـهادة التوحيد.
ويجوز أن يكون ساعةً متعلق بقوله: رأى السيف في يده، ساعةً، ووقتاً، فأسلم.
هو البحر غص فيه إذا كان ساكناً ... على الدّرّ واحذره إذا كان مزبداً
يقول: هو بحر، فإذا كان ساكناً فغص فيه، واستخرج منـه الدر، وإذا كان هائجاً مزبداً فاحذره ولا تقربه، فتغرق فيه. يعني: استمنح منـه الرغائب في حال السلم، واحذر من أن تلقاه محارباً، فإنـه يهلكك. وهو وقوله:
سل عن شجاعته وزره مسالماً
فإنّي رأيت البحر يعثر بالفتى ... وهذا الّذي يأتي الفتى متعمّداً
يقول: هو أشد من البحر بأساً؛ لأن البحر إنما يصيب الإنسان اتفاقاً، فربما سلم منـه، وإن باعد منـه لم يقصده، وهذا البحر يقصد إلى قرنـه عن عمد، ويهلكه عن قصد، فيكون يعثر بمعنى يصيب.
وقيل: معناه البحر ليس هو مكنـه على قصد مكان غير مكانـه، وهذا البحر يقصد العدو ويهلكه، وهو قريب من الأول.

وقيل: لما سوى بين البحر وبين سيف الدولة من حيث الغضب والسكون فضله على البحر فقال: ما يفعله سيف الدولة في حالتي الغضب والسكون، فهو عن قصد وإرادة، وما يفعله البحر لا يكون عن قصد وإرادة، وليس إغناء البحر من يقصده. بما فيه من الدر عن قصد، وكذلك إهلاكه في حال الاضطراب، فيكون قوله: يعثر بالفتى عبارة عن وقوع الفعل غفلة لا عن قصد وعمد.
تظلّ ملوك الأرض خاشعةً له ... تفارقه هلكى، وتلقاه سجّداً
يقول: إن الملوك تخشع له، فإذا لقيته سجدت له، وإذا خرجت من عنده ففي قلوبهم من الخوف والهيبة ما يقوم لهم مقام الهلاك.
وقيل: أراد بـه حقيقة الهلاك. يعني إذا فارقوه على سبيل العصيان أهلكهم.
وتحيي له المال الصّوارم والقنا ... ويقتل ما تحيي التّبسّم والجدا
الجدا، والجدوى: العطية.
يقول: يغنم الأموال بالسيوف والرماح، ثم يهبها بتبسمـه وجدواه. وقوله: بالتبسم إشارة إلى أنـه لا يمكن أن يؤخذ منـه على وجه القهر. ومثله لأبي تمام:
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشرٍ ... أغارت عليهم فاحتوته الصّنائع
ذكيٌّ تظنّيه طليعة عينـه ... يرى قلبه في يومـه ما ترى غدا
تظنيه: أصله تظننـه، وهو تفعل من الظن، وتظنيه: مبتدأ: وطليعة عينـه: خبره، والجملة: صفة لذكي.
يقول: هو ذكي يعرف الأمر قبل موقعه، فكأن ظنـه طليعة لعينـه، فهو يرى بقلبه اليوم ما تراه أيها الإنسان بعينك غدا.
وصولٌ إلى المستصعبات بخيله ... فلو كان قرن الشّمس ماءً لأوردا
روى: المستصعبات بالكسر، والفتح. والكسر: على أنـه من الفعل اللازم، استصعب: أي صعب. والفتح: من قولك استصعبت الأمر: وجدته صعباً.
يقول: لا يتعذر عليه ما يريده، حتى لو كان قرن الشمس ماء لأورد خيله منـه.
لذلك سمّى ابن الدّمستق يومـه ... مماتاً، وسمّاه الدّمستق مولداً
الهاء في يومـه لابن الدمستق، وفي سماه لليوم، وقوله: لذلك إشارة إلى البيت الذي قبله: أي أنـه أسر ابن الدمستق، لأنـه يصل إلى كل أمر صعب بخيلة، فسمى ابن الدمستق اليوم الذي أسر فيه مماتاً؛ لأنـه دنا من الموت، وأيس من الحياة، وسماه أبوه: مولداً؛ لأنـه قد نجا من القتل والموت، فكأنـه ولد في ذلك اليوم، أو كأنـه عاد إلى الدنيا، بعد أن خرج منـها.
سرت إلى جيحان من أرض آمدٍ ... ثلاثاً؛ لقد أدناك ركضٌ وأبعدا
جيحان: نـهر في بلاد آمد مسافته بعيدة.
يقول: سريت من آمد إلى جيحان في ثلاث ليال، مع بعد المسافة بينـهما، قاله متعجباً. ثم قال: لقد أدناك الركض من جيحان؛ وأبعدك من آمد.
وعن ابن جني قال: أدناك من جيحان، وأبعد أولئك القوم من جيحان؛ مخافةً منك، فيكون مفعول أبعد محذوفاً.
فولّى وأعطاك ابنـه وجيوشـه ... جميعاً ولم يعط الجميع لتحمداً
يقول: ولى الدمستق لما رآك، وأسلم ابنـه وجيشـه إليك، ولم يعط جميع ما قلت لتحمده عليه؛ لأنـه لم يعطك عن طيب نفس واختيار منـه حتى تحمده، ولكن كان ذلك على رغم منـه: قهراً وقسراً.
عرضت له دون الحياة وطرفه ... وأبصر سيف الله منك مجرّدا
يقول: لما رآك غلب على قلبه الخوف، وعلى عينـه الحيرة، فلم تر عينـه غيرك، وحلت بينـه وبين حياته، فصار كالميت؛ لبطلان حواسه.
وجعله سيف الله؛ لأنـه مجاهد في سبيله ودينـه. وروى: وطرقه أي حلت بينـه وبين طريقه إلى الحياة.
وما طلبت زرق الأسنّة غيره ... ولكنّ قسطنطين كان له الفدا
الفدا إذا فتح: يقصر، وإذا كسر: يمد.
يقول: لم تطلب الرماح إلا الدمستق ولكن نجا هو وصار ابنـه فداءً له.
فأصبح يجتاب المسوح مخافةً ... وقد كان يجتاب الدّلاص المسرّدا
يجتاب: أي يلبس المسوح ويدخل فيها. والمسوح: جمع مسح. والدلاص: الدرع الصافية البارقة. والمسرد: المحكم النسج.
يقول: إن الدمستق لما نجا ترهب خوفاً من سيف الدولة، ولبس المسوح السود، وقد كان يلبس الدروع ويباشر الحروب فترك ذلك.
ويمشي بـه العكّاز في الدّير تائباً ... وما كان يرضى مشى أشقر أجردا
العكاز، والعكازة: العصا. والدير للرهبان، كالصوامع للعباد.

يقول: لما عجز عن المقاتلة كانت تحمله العصا في الدير؛ لأنـه قد ضعف ومرض خوفاً، وأظهر التوبة، وكان قبل ذلك لا يرضي أن يحمله الفرس الأشقر الأجرد، لأنـه على ما يقال: يكون أصبر على السير.
وما تاب حتّى غادر الكرّ وجهه ... جريحاً وخلّى جفنـه النّقع أرمدا
يقول: لم يتب اختياراً وزهداً في الدنيا، ولكن لما تركت وجهه جريحاً، وأسرت ابنـه، وجعل الغبار عينـه أرمد، خاف على نفسه فترهب.
فإن كان ينجي من عليٍّ ترهّبٌ ... ترهّبت الأملاك مثنى وموحدا
يقول: إن كان كل من يترهب ينجو من سيف الدولة، فإن جميع الملوك يترهبون اثنين اثنين، وواحداً واحداً ومثنى وموحد نصب على الحال.
وكلّ امرئٍ في الشّرق والغرب بعدها ... يعدّ له ثوباً من الشّعر أسودا
وكل امرئ بعدها: أي بعد حالة الدمستق. وقيل: بعد الوقعة والهاء في له لامرئ، أي يعد لنفسه.
يقول: إن كان ينجيه ترهبه، فكل أحد بعد هذا - في الشرق والغرب - يجعل لنفسه مسحاً أسوداً ليلبسه. يعني لا ينفعه ذلك.
هنيئاً لك العيد الّذي أنت عيده ... وعيدٌ لمن سمّى وضحّى وعيّدا
هنيئاً: نصب على الحال، والعيد: رفع بفعل مضمر يدل عليه هنيئاً: أي ثبت العيد لك هنيئاً.
يقول: هنأك هذا العيد الذي أنت عيد له، لأنـه يتجمل بك ويسر بكونك فيه، كما يتجمل الناس في العيد، وأنت أيضاً عيد لكل مسلم يرى هذا اليوم عيداً، فيضحي ويذكر اسم الله تعالى في أيامـه.
وقيل: أراد هذا العيد عيد لكل من سمى وضحى، وجعله عيداً: أي عيد لكل مسلم.
ولا زالت الأعياد لبسك بعده ... تسلّم مخروقاً وتعطي مجدّدا
يقول: لا زلت بعده تلقى أعياداً كثيرة وتلبسها، فإذا أبليت عيداً ملبوساً، لبست عيداً جديداً.
فذا اليوم في الأيّام مثلك في الورى ... كما كنت فيهم واحداً كان أوحدا
يقول: هذا اليوم في الأيام بمنزلتك من الأنام، فهو سيد الأيام وأوحدها، كما أنك أوحد الناس وسيدهم.
هو الجدّ حتّى تفضل العين أختها ... وحتّى يكون اليوم لليوم سيّدا
يقول: البخت يسعد كل شيء، حتى الأيام، فيصير اليوم سيدا لليوم، والعين قيل: أراد بها العين الحقيقية. يعني: أن البخت ربما يجعل إحدى العينين أفضل من الأخرى؛ لما يلحق الأخرى من الآفة والنقص فتصير دونـها. وقيل: أراد بالعين قول القائل هذا عين الشيء.
أي قد يكون عينان من ثوبين أو درتين وغيرهما - وإن كانا من جنس واحد - تفضل إحداهما على الأخرى؛ لما لها من الحظ، فتكون أوقع في النفس وأعظم للحظ.
فواعجباً من دائلٍ أنت سيفه ... أما يتوقّى شفرتي ما تقلّدا
الدائل: صاحب الدولة.
يقول: ما أعجب أمر الخليفة ؟! حيث جعلك سيفه، كيف لا يخافك فأنت أقوى منـه سلطانا ؟!
ومن يجعل الضّرغام للصّيد بازه ... تصيّده الضّرغام فيما تصيّدا
يقول أنت كالأسد، فإذا جعلك الخليفة بازه، كان قد وضع الشيء في غير موضعه ! لأن الأسد لا يصيد لأحد، وإنما يصيد لنفسه، فمن جعله بازه كان آخر أمره أن يعطف عليه يوماً فيجعله من جملة صيده، فكذلك الخليفة، ربما عطفت عليه فأقمته عن ملكه وقعدت مكانـه، فيصير صيداً لك.
ومن شرط ويجعل مجزوم بـه وكان يجب جزم قوله: تصيده لكن حمله على التقديم والتأخير: أي تصيد الضرغام فيما تصيد، من يجعل الضرغام للصيد بازه كقول الشاعر:
إنّك إن تصرع أخاك تصرع
أي إنك تصرع إن تصرع أخاك. وقال أبو الفتح بن جني: قلت له: لم جعلت من في قولك ومن يجعل شرطاً صريحاً ؟ وهلا جعلته بمنزلة الذي، وضمنت الصلة معنى الشرط حتى لا تركب الضرورة، نحو قوله تعالى: " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمُ باللَّيْلَ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيةً فَلهُمْ أجْرُهُم " . فقال: هذا يرجع إلى معنى الشرط والجزاء وإنما جئت بلفظ الشرط صريحاً؛ لأنـه أوكد وأبلغ، قال: وأردت الفاء في قوله تصيده وحذفتها وهذا جائز.
رأيتك محض الحلم في محض قدرةٍ ... ولو شئت كان الحلم منك المـهنّدا
يجوز أن يكون متصلاً بما قاله: أي أنك مع قدرتك الظاهرة تعامل الخليفة بالحلم. ولو شئت جعلت مكان الحلم السيف، ويجوز ألا يكون متصلاً به. أي حلمك عن الجهال عن قدرة، ولو شئت جعلت مكانـه سيفاً.

أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8




[كتاب : معجز أحمد 5 - islamicbook.ws تنبه خاله سارا]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Sat, 28 Jul 2018 10:44:00 +0000



انشا در مورد غرور ملي

كتاب : زهر الأداب وثمر الألباب 5

ولما قضَتْ حق العراق وأهله . انشا در مورد غرور ملي . انشا در مورد غرور ملي . أتاها من الريح الشمال بَرِيدها
فَمرَّتْ تفوتُ الطيرَ سَبْقاً . . . كأنـها جنودُ عبيد الله وَلَتْ بُنُودها
يريد انصراف أصحاب عبيد الله بن خاقان عن الجعفري إلى سُرّ من رأى عند قتل المتوكل . وقد أخذ هذا التشبيه معكوساً من قول أبي العتاهية : انشا در مورد غرور ملي الوافر :
ورايات يَحُل النصرُ فيها . . . تَمُرُّ كأنـها قِطَعُ السحابِ
وقال ديك الجنّ : الخفيف :
وغريرٍ يقضي بحكمين : في الرا . . . ح بجور ، انشا در مورد غرور ملي وفي الهوى بمحالِ
للنَّقا رِدْفُه ، وللخُوط ما . . . حُمِّل ليناً ، وجِيدُه للغزالِ
فَعَلَتْ مُقْلَتاه بالصّبِّ ما تَفْ . . . عَلُ جَدْوَى يَدَيْك بالأموالِ
ومن بارع الخروج قول المتنبي : البسيط :
مرّتْ بِنَا بَيْن تِرْبَيْهَا فقلت لها . . . من أين جانَسَ هذا الشادِنُ العَرَبَا
فاستضحكتْ ثم قالت كالمغيث يُرَى . . . لَيْثَ الشَرَى وهو من عِجْلٍ إذا انتسبا
واشتهار شعره ، يمنعني من ذكره .
افتتاح القصائد بالغزل
قال ابن قتيبة : سمعت بعضَ أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيدة إنما ابتدأ بوصف الديار والدِّمَنِ والآثار ؛ فبكى وشكا ، وخاطَبَ الربع ، واستوقف الرفيق ؛ ليجعلَ ذلك سبباً لذكْر أهله الظاعنين ، إذ كانت نازلةُ العمد في الحلول والطعن على خلاف ما عليه نازلة ، المَدَرِ ؛ لانتقالهم من ماء إلى ماء ، وانتجاعهم الكَلأ ، وتتبُّعهم مساقِطَ الغيث حيثُ كان ؛ ثم وصل ذلك بالنسيب ، فبكى شدَة الوجد ، وألم الصبابة والشوق ؛ ليُمِيلَ نحوه القلوب ، ويَصْرِف إليه الوجوه ، ويستدعي إصغاءَ الأسماع ، لأن النسيب قريبٌ من النفوس ، لائطبالقلوب ، لما جعل الله تعالى في تركيب العباد من محبَّةِ الغزل ، وإلف النساء ، فليس أحدٌ يخلو من أن يكونَ متعلّقاً منـه بسبب ، وضارباً فيه بسهم ، حلال أو حرام . فإذا استوثق من الإصغاء إليه ، والاستماع له ، عَقَّب بإيجاب الحقوق ؛ فرحل في شعره ، وشكا النَصَبَ والسهر ، وسُرَى الليل وحر الهجير ، وإنضاء الراحلة والبعير ، فإذا علم أنـه قد أوجب على صاحبه حقّ الرجاء وذِمام التأميل ، وقرّر عنده ما ناله من المكارِه في المسير ، بدأ في المديح فبعثه على المكافأة ، وفَضَّله على الأشباه ، وصغّر في قدره الجزيلَ ، وهزّه لفعل الجميل ؛ فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب ، وعدل بين هذه الأقسام ، فلم يجعل واحداً أغلب على الشعر ، ولم يطل فيُمِلّ السامعين ، ولم يقطع وفي النفوس ظمأ إلى المزيد .
بين أبي تمام والبحتري
ويتعلّق بهذه القطعة ما حدَّث بـه الحاتمي عن نفسه ، وإن كانت الحكاية طويلة فهي غيرُ مملولة ؛ لما لبسَتْه من حُلَل الآداب ، وتزيّنتْ بـه من حُلى الألباب ، قال : جمعني ورجلاً من مشايخ البصرة ممن يُومَأ إليه في علم الشعر مجلسُ بعضِ الرؤساء ، وكان خبره قد سبق إليّ في عصبيّته للبحتري ، وتفضيله إياه على أبي تمام ، ووجدت صاحبَ المجلس مؤثراً لاستماع كلامِنا في هذا المعنى ، فأنشأتُ قولاً أنحيْتُ فيه على البحتري إنحاءً أسرفْتُ فيه ، واقتدحْتُ زِنادَ الرجل ، فتكلّم وتكلّمْتُ ، وخُضْنَا في أفانين من التفضل والمماثلة ، غلوتُ في جميعها غلواً شـهده جميع من حضر المجلس ، وكانوا جُمّة الوقت ، وأعيان الفضل ، فاضطر إلى أن قال : ما يحسن أبو تمام يبتدئ ، ولا يخرج ، ولا يختم ، ولو لم يكن للبحتري عليه من الفضل إلا حسن ابتداءاته ، ولطفُ خروجه ، وسرعة انتهائه ، لوجب أن يقَع التسليم له ، فكيف بأوَابده التي تزدادُ على التكرار غَضَارة وجدة ، ثم أقبل عليّ ، فقال : أين يُذهب بك عن ابتدائه : الكامل :
عارضنا أُصُلاً فقلْنا الرَّبربُ . . . حتى أضاء الأقحوان الأشنبُ
واخضرَّ مَوْشيُّ البرودِ وقد بَدَا . . . منـهنّ ديباجُ الخدودِ المُذهَبُ
وأنىّ لأبي تمام مثل خروجه حيث يقول : الطويل :أدارَهُمُ الأولى بدارة جُلجل . . . سقاكِ الحيَا رَوْحاته وبواكرُهْ
وجاءك يحكي يوسف بن محمد . . . فروّتْك رَيّاهُ وجَادَك ماطِرُهْ
وقد كرر هذا وزاد فيه فقال : البسيط :
تنصّب البرقُ مختالاً فقلت له . . . لو جُدْتَ جودَ بني يَزْدان لم تَزِد
ومن ذا الذي لَطُف لأن يخرج من وصف روض إلى مدح ، فقال أحسن من أقوله : الطويل :
كأنَّ سناها بالعشيِّ لصَحْبها . . . تبلُج عيسى حين يَلْفظُ بالوَعْدِ
وأنَّى لأبي تمام مثلُ حسن انتهائه حيث يقول : الطويل :
إليك القوافي نازعاتٍ شوارداً . . . يُسيَّر ضَاحِي وَشْيها ويُنَممُ
ومشرقةً في النظم غُرًّا يزيدُها . . . بهاءً وحسناً أنـها لك تُنظمُ
وقوله في هذا المعنى : الطويل :
ألست المُوالِي فيك نَظْمَ قصَائدٍ . . . هي الأنجم اقتادتْ مع الليل أنجُمَا
ثناء تَخَالُ الروضَ فيه منوّراً . . . ضحًى ، وتخالُ الوَشْي فيه مُنَمْنَما
ولقد تقدم البحتري الناسَ كلهم في قوله : الكامل :
لو أنّ مشتاقاً تكلّف فوق ما . . . في وُسْعِهِ لسعى إليك المنبرُ قال أبو علي : وكنت ساكناً إلى أن استتمّ كلامـه ، فكأن الجماعة أعجبهم ذلك ، عصبيةً عليّ لا عَلَى أبي تمام ؛ لأني كنت كالشَجَى معترضاً في لهوَاتهم ، وأَسرَّ كلَّ واحد منـهم إلى صاحبه سرّاً يومئ بـه إلى استيلاء الرجل عليّ ؛ فلمّا استتمّ كلامـه وبرقت له بارقةُ طمع في تسليمي له ابتدأت فقلت : لست ممن يُقَعْقَعُ له بالشَنَان ، ولا يُقْرَع له بالعصا ، لا إلهَ إلا الله استنَّت الفصالُ حتى القَرْعَى هل هذه المعاني إلا عُون مُفْتَرعة ، قد تقدم أبو تمام إلى سبْك نُضَارها ، وافتضاض أبكارها ، وجرى البحتري على وتيرته في انتزاع أمثالها وأتباعها ، فأمّا قوله : عارضْنَنَا أصلاً فقلنا الربوب ، فمن قول أبي جُوَيْرَية العبدي : الكامل :
سلّمن نحوي للوداع بمقلة . . . فكأنما نظرت إلينا الربربوقرأن بالحدَقِ المِرَاض تحية . . . كادت تكلمنا وإن لم تُعرِب
وأما قوله في صفة الغيث مخاطباً للدار : وجاءك يحكي يوسف بن محمد ، وقوله في هذا المَعْنَى : لوجدت جود بني يزدان لم تزد فمن قول أبي تمام : الكامل :
ولنُؤْيها في القلب نُؤيٌ شفهُ . . . وَلَهٌ بظَاعِنـها وبالمتخلّفِ
وكأنما استسقى لهن محمد . . . من سومـهنّ من الحَيا في زُخْرفِ
ومن قوله الذي تقدم فيه كلّ أحد لفظاً رشيقاً ومعنى رقيقاً : الوافر :
ديمة سَمْحةُ القياد سَكُوبُ . . . مستغيثٌ لها الثرَى المكروبُ
لو سعَتْ بقعة لإعْظَامِ نُعمى . . . لسعَى نحوها المكانُ الجديبُ
ومن هنا أخذ البحتري : لسعى إليك المنبر : الوافر :
أيها الغيثُ ، حَيِّ أهلاً بمغْدا . . . ك وعند السرى وحين تؤوبُ
لأبي جعفرٍ خلائقُ تَحْكي . . . هن قد يشبه النجيبَ النجيبُ
أنت فينا في ذا الأوان غريبٌ . . . وَهْوَ فينا في كلِّ وقتٍ غريبُ
وأما قوله : الطويل :
كأنَ سناها بالعشي لصحبها . . . تبَلُّجُ عيسى حين يلفظ بالوَعدِ
فإنما نظر فيه إلى قول دِعْبِل بن علي : المتقارب :
ومَيْثَاءَ خضراءَ زُربِيَّة . . . بها النَّوْر يلمَع في كل فن
ضحوكاً إذا لاعبَتْه الرياح . . . تأَوَّد كالشاربِ المرجَحِنْ
فشبّه صحبي سنا نَوْرِها . . . بديباج كسرى وعَصْبِ اليمنْ
فقلت : بَعُدتم ، ولكنني . . . أشبهه بجناب الحَسَن
فتى لا يرى المال إلا العطاءَ . . . ولا الكنز إلا اعتقادَ المِنَنْ
وأما قوله في صفة الغواني : يسَير ضاحي وَشْيها وينمنم وقوله في وصفها : وتخال الوشي فيه منمنماً فمن قول أبي تمام : الكامل :حلوا بها عُقَدَ النسيب ، ونَمْنَمُوا . . . من وَشْيها نشْراً لها وقَصِيدا
ومن قوله الذي أبدع فيه : الطويل :
وواللهِ لا أَنفكّ أُهدِي شوارداً . . . إليكَ تحملنَ الثناءَ المنخَّلاَ
تخالُ بـه بُرْداً عليك محبَّراً . . . وتحسبه عقداً عليك مفصَّلا
ألذَّ من السَلْوَى وأَطيبَ نفحةً . . . من المسك مفتوقاً وَأَيسرَ مَحْملا
أخف على قلبي وأثقلَ قيْمةً . . . وأقصرَ في قلبِ الجليس وأطْولاَ
وقول البحتري : هي الأنجم اقتادَتْ مع الليل أنجماً مأخوذ من قول أبي تمام مقصراً عنـه كل تقصير عن استيفاء إحسانـه حيث يقول : الطويل :
أصِخْ تستَمعْ حُرَّ القوافِي ؛ فإنـها . . . كواكبُ إلا أنـهنّ سُعُودُ
ولا تمكن الإخلاقَ منـها فإنما . . . يلدُ لباسُ البُرْدِ وهْو جديدُ
فهذه خصال صاحبك فيما عددتَه من محاسنـه التي هتكت بها ستور عَوَاره ، ونَشَرْت مطوي أسرارِه ، حتى استوضحت الجماعة أنَّ إحسانَه فيها عارية مرتجعة ، ووديعة منتزَعة ، فاسمع ما قال أبو تمام في نحو أبياتِك التي أوجبتِ الفضلَ لصاحبك حين قال مبتدئاً : الكامل :
لا أنتَ أنتَ ، ولا الديارُ ديارُ . . . خف الهوَى ، وتفضَّت الأوطارُ
كانت مجاورةُ الطلولِ وأهلها . . . زمناً عِذَابَ الوِرْدِ فهي بحارُ
وقوله : الكامل :
رفَّت حَوَاشِي الدهر فهي تمرمَرُ . . . وغدا الثرَى في حَلْيِه يتكسرُ
وقوله : الكامل : أرأَيت أَي سوالفٍ وخُدودِ . . . عَنَّتْ لنا بين اللوى وزَرودِوهل يستطيعُ أحدٌ أن يبتدئ بمثل ابتدائه : الكامل :
طللَ الجميع لقد عَفَوْتَ حميداً . . . وكفى على رُزْئي بذاك شـهيدَا
دِمَنٌ كأنَّ البينَ أصبحَ طالباً . . . دمناً لدى آرامِها وحقودا
أو مثل قوله مبتدئاً : الكامل :
يا دارُ ، درَّ عليك إرهامُ الندى . . . واهتزَّ روضُك للثرى فترءَّدَا
وكسيتِ من خِلع الحيا مستَأسداً . . . أنفاً يغادرُ وحْشَهُ مستأسدَا
أو مثل قوله مبتدئاً : الطويل :
غدَتْ تستجيرُ الدمعَ خوف نَوَى غَد . . . وعاد قَتاداً عندها كلُّ مَرْقَدِ
فأذْرَى لها الإشفاقُ دمعاً مورّداً . . . من الدم يجري فوق خدِّ مورَدِ
ولقد أحسن حين ابتدأ فقال : الوافر :
نَوارٌ في صواحبها نَوارُ . . . كما فاجاك سِرْبٌ أو صُوارُ
تكذَّبَ حاسدٌ فنأَتْ قلوبٌ . . . أطاعَتْ واشياً ونأَتْ دِيارُ
وحيث يقول : الكامل :
ما في وقوفك ساعةً مِنْ بَاسِ . . . تَقْضِي ذِمامَ الأَربُعِ الأَدْرَاسِ
فلعلَّ عينَكَ أَنْ تجودَ بدَمْعِها . . . والدمعُ منـه خاذِلٌ ومُواسِيوحيث يقول : الخفيف :
ما عَهِدْنا كذا نَحِيبَ المشُوقِ . . . كيف والدمعُ آيةُ المعشوقِ
وحيث يقول : الكامل :
دِمَنٌ ألمَّ بها فقال : سلامُ ، . . . كم حلَّ عقدةَ صَبْرِه الإلمامُ ؟
نحرت ركابُ الركب حتى يعبُرُوا . . . رجلاً ، وقد عنفوا عليَّ ولامُوا
وحيث يقول : البسيط :
أمَّا الرسوم فقد أَذْكَرْن ما سلفا . . . فلا تكفّنَّ عن شانيك أَوْ يَكِفَا
لا عذرَ للصبِّ أن يَقْنَى السّلوَ ولا . . . للدمع بعد مضيّ الحيّ أنْ يَقِفا
ومن اقتضاباته البعيدة قوله : الطويل :
لهانَ علينا أن نَقُولَ وتَفْعَلا . . . ونذكرَ بعضَ الفضلِ منكَ فتُفضلا
وقوله أيضاً مقتضباً الكامل :
الحقُّ أَبْلجُ والسيوفُ عَوارِي . . . فحذارِ من أَسد العَرِين حَذَارِ
ومما تقدّم فيه كلَّ واحدةٍ في حسنِ التخلص إلى المدح قوله : البسيط :
إساءةَ الحادثاتِ استنبطي نفقاً . . . فقد أظلك إحسانُ ابنِ حَسّانِ
وقوله : الطويل :
إذا العيسُ لاقَتْ بي أبا دُلَفٍ فقد . . . تَقَطّعَ ما بيني وبين النوائبِ
وقوله : البسيط :
لم يجتمعْ قطُ في مصرٍ ولا طرفٍ . . . محمدُ بنُ أبي مروانَ والنُوبُوقوله المنقطع دونـه كل قول في هذا المعنى : الكامل :
إنّ الذي خلق الخلائق قاتَها . . . أقواتَها لتصرُّفِ الأَحْرَاس
فالأرضُ معروفُ السماء قرًى لها . . . وبنو الرجاء لهم بنو العباسِ
القوم ظل الله أسكن دينَهُ . . . فيهم ، وهم جَبَلُ الملوكِ الراسي
وقوله : الكامل :
عَامِي وعامُ العِيس بين وَدِيقَةٍ . . . مَسْحورةٍ وتنوفةٍ صيهودِ
حتى أغادِرَ كلَّ يوم بالفلا . . . للطير عيداً من بناتِ العيد
هيهات منـها روضةٌ محمودةٌ . . . حتى تناخَ بأحمدَ المحمود
بمعرَّس العرب الذي وَجَدَتْ بهِ . . . أَمْنَ المرُوع ونجدةَ المنْجُودِ
ومن أبدع ابتدائه قوله : الكامل :
سَقى ديارَهمُ أَجشُّ هزيمُ . . . وغدَتْ عليهم نَضرَةٌ ونعيم
جادَتْ معاهدَهم عِهَادُ سحابةٍ . . . ما عهْدُها عند الديارِ ذَميمُ
ثم تخلص إلى المدح فقال وأحسن كل الإحسان :
لا والذي هو عالمٌ أنَّ النَّوَى . . . مُرّ وأن أبا الحسين كريم
ما زلتُ عن سَنَنِ الوداد ولا غَدَتْ . . . نفسي على إلفٍ سِوَاك تحومُ
ثم عاد إلى المدح ، فقال :
لمحمدِ بن الهيثمِ بن شبابةٍ . . . مجدٌ إلى حيثُ السماك مقيم
ملكٌ إذا نُسِبَ النَدَى من ملتقى . . . طَرَفَيْه فهو أخ له وحَميموأبو تمام الذي وصف القوافي بما لم يستطع وصفَها بـه أحد فقال : الطويل : فإنْ أنا لم يحمدكَ عنيَ صاغراً . . . عدوُك فاعلمْ أنني غيرُ حَامِدِ
بسياحَةٍ تنساقُ من غير سائقٍ . . . وتنقادُ في الآفاق من غير قائدِ
محبّبة ما إنْ تزالُ تَرَى لها . . . إلى كل أفق واحداً غَيرَ وافدِ
مخلقة لمَّا تردْ أذنَ سَامعٍ . . . فتصدرُ إلا عن يمينٍ وشاهدِ
والذي قال أيضاً في صفتها : الكامل :
جاءتْكَ من نَظْمِ اللسان قِلاَدةٌ . . . سِمْطَانِ فيها اللؤلؤُ المكنونُ
إنسيةٌ وحشيةٌ كثرَتْ بها . . . حركاتُ أهل الأرض وَهْيَ سكُونُ
حَذِيَتْ حذَاءَ الحَضْرَميّهِ أرهفت . . . وأجادَها التَخْصِير والتلْسِين
ينبوعُها خَضِلٌ ، وحَلْيُ قريضها . . . حَلْيُ الهُدى ، ونسيجُها مَوْضُون
أَحْذَاكها صَنَعُ الضمير يمدُهُ . . . حَسَبٌ إذا نضَب الكلامُ مَعِينُ
أما المعاني فهي أبكارٌ إذا . . . نُصَّتْ ، ولكن القوافيَ عُونُ
وقد أبدع في وصفها فقال : الكامل :
لم أُبْقِ حلية منطق إلا وقدْ . . . سبقتْ سوابقها إليكَ جِيَادي
أبقينَ في أعناقِ جُودِك جَوْهَراً . . . أبْقى من الأطواق في الأجيادِهل يستطيع أحدٌ أن ينسب هذا أو شيئاً منـه إلى السَّرَق والاحتذاء ؟ وهل يستطيع مماثلته بشيء من شعر البحتري ، أو أشعار المحدثين في عصره ومن قبله ؟ فعَيَّ عن الجواب قصوراً ، وأحجم عن المساجلة تقصيراً ، وحكمت الجماعة لي بالقَهْر ، وعليه بالنصر ، ولم ينصرف عن المجلس حتى اعترف بتقديم أبي تمام في صنعة البديع واختراع المعاني على جميع المحدَثين . وكان يوماً مشـهوداً .
حول الغناء
وقال ثُمَامة بن أشرس : كنتُ عند المأمون يوماً ، فاستأذن الغلام لعُمَيْر المأموني فكرهت ذلك ، ورأى المأمون الكراهية في وجهي ، فقال : يا ثمامة ، ما بك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، إذا غنَانا عمير ذكرت مواطن الإبل ، وكُثْبَان الرمل ، وإذا غنتْنا فلانة انبسط أَملي ، وقوي جَذلي ، وانشرح صَدْري ، وذكرت الجِنان والولدان ، كم بين أن تغنيك جارية غادة كأنـها غصن بَان ، ترنو بمقلة وَسْنَان ، كأنما خلقتْ من ياقوتة ، أو خرطت من فضة ، بشعر عكاشة العميّ حيث يقول : الكامل :
من كفَ جارية كأن بَنَانَهَا . . . من فضة قد طُرفَتْ عُنابا
وكأنّ يمناها إذا ضربت بها . . . تُلْقى على الكف الشمال حسابا
وبين أن يغنيك رجل كَث اللحية ، غليظ الأصابع ، خشن الكف ، بشعر ورقاء بن زهير حيث يقول : الطويل :
رأيت زهيراً تحت كَلْكَلٍ خالد . . . فأقبلْتُ أسعى كالْعَجُول أبادرُهْ
وكم بين أنْ يحضرك مَنْ تشتهي النظَر إليه ، وبين من لا يقفُ طَرفك عليه ؟ فتبسّم المأمون ، وقال : الفرق بينـهما واضح ، والمنـهج فسيح ؛ يا غلام ، لا تأذنْ له ، وأحْضَر طيبَ قَيْنَاته ، فظَلِلْنا في أمْتَعِ يوم .
وعكاشة هذا هو عكاشة بن عبد الصمد البصري ، نقيُ الديباجة ، ظريف الشعر ، كان شاعراً مجيداً . وقد أخذ معنى قوله أبو العباس الناشئ ، وزادَ فيه ، فقال : الكامل :
وإذا بصُرْتَ بكفها اليُسرَى حكتْ . . . يدَ حاسبٍ تُلْقي عليك صنوفا
فكأنما المضرَابُ في أوتارِهِ . . . قَلَمٌ يُمَجْمِجُ في الكتاب حروفا
ويجسُه إبهامُها فكأنما . . . في النقْر تنفي بهْرَجاً وزُيُوفَا
أخذ هذا البيت من قول أبي شجرة السلمي وذكر ناقته : البسيط :تَطيرُ عنـها حَصى الظُّرّانِ من بَلَدٍ . . . كما تُنُوقِد عند الْجِهْبِذِ الوَرِق
وأصله قول امرئ القيس : الطويل :
كأن صليلَ المَرْوِ حين تُشِدُّه . . . صليلُ زُيُوفٍ يُنتقَدْنَ بعَبْقَرا
وقال أبو الفتح كشاجم : الكامل :
لو لم تحرِّكْه أنامِلُها . . . كان الهواءُ يُعِيدُه نطقا
جَسَّتْهُ عالمةً بحالته . . . جَسّ الطبيب لمدنف عِرْقَا
غنّت فخِلْتُ أظنُّني طرباً . . . أَسْمُو إلى الأفلاك أو أرْقى
وحسبت يُمْناها تحركه . . . رعداً وخِلْتُ يسارَها بَرْقا
وأنشد الحاتمي لأبي بكر الصولي : الخفيف : وغناءً أرق من دَمْعة الصب وشكوى المتيَم المـهجور
يَشْغَلُ المرءَ منظرٌ ثم نطقٌ . . . فهوَ يُصْغِي بظاهر وضميرِ
صافحَ السمعَ بالذي يشتهيه . . . وأذاقَ النفوسَ طعمَ السرورِ
ليس بالقائل الضعيف إذا ما . . . راض نغماً ولا الشنيع الجهيرِ
وقال أبو نُوَاس : الوافر :
وأَهْيَفَ مثل طاقةِ ياسمِينٍ . . . له حَظَّان من دُنْيَا ودِينِ
يحرَكُ حين يشدُو ساكناتٍ . . . فتنبعث الطبائع للسكونِ
وهذا مليح ، يريد حركة الجوانح للغناء ، وسكون الجوارح للاستماع . وقال الحمدوني يصف عوداً : البسيط :
وناطقٍ بلسانٍ لا ضميرَ له . . . كأنـه فخذٌ نِيطتْ إلى قَدَمِ
يُبْدِي ضميرَ سِوَاهُ للقلوب كما . . . يبدي ضمير سواه منطق القلمِفي صفة القيان
ومن أَحسنِ ما قيل في صفة القيان قولُ ابن الرومي : الخفيف :
وقيانٍ كأنـها أمـهاتٌ . . . عاطفات على بَنِيهَا حَوَاني
مُطْفِلات وما حملْنَ جنيناً . . . مرضعات ولَسْنَ ذاتَ لَبَانِ
ملْقِمَات أطفالَهُن ثُدِيَّاً . . . ناهداتٍ كأحسنِ الرُّمانِ
مفعمات كأنـها حافِلاتٌ . . . وَهْيَ صِفْرٌ من دِرة الألبانِ
كل طفل يُدعى بأَسماء شَتى . . . بين عُودٍ ومزهرٍ وكِرَانِ
أمـه دَهْرَها تترجِمُ عنـهُ . . . وهو بادي الغِنَى عن الترجمَانِ
وقال أبو الفتح كشاجم : المنسرح :
جاءَت بعُود كأن نَغْمَتَهُ . . . صوتُ فتاةٍ تشكو فِراقَ فتى
محفّف حفت العيونُ بهِ . . . كأنما الزهرُ حولَهُ نبتا
دارتْ ملاوِيه فيه فاختلفتْ . . . مثل اختلافِ العيونِ مذ ثبتا
لو حركتْه وراء منـهزم . . . على بريدٍ لعاجَ والتفتا
وقال : الطويل :
يقولون تُبْ والكأس في كف أغيد . . . وصوت المثاني والمثالث عَالي
فقلت لهم لو كنت أزمعت توبةً . . . وشاهدت هذا في المنام بَدَالِي
وقال : الكامل :
أفدي التي كَلِفَ الفؤادُ مِنَ أجْلها . . . بالعُودِ حتى شفني إطرابا
تاهَتْ بجمع صناعتين ، وأظهرتْ . . . كبراً بذاك ، وأُعْجِبت إعجابا
قالت : فضلتك بالغناء وأنت لا . . . تشدو ، وكنا مثلَكم كتابا
فعُنِيت بالأوتار حتى لم أدع . . . نغماً ولم أغْفِل لهنَّ حسابا
وألفتها فأغار ذاك على يدي . . . قلمي وعاتبها عليه عتابا
فجعلت للقرطاس جانِبَ صدرِه . . . وجعلتُ جانب عَجزه مِضرابا
وقال : البسيط :
جاءتْ بعُودٍ كأن الحبَّ أَنحَلَهُ . . . فما يُرَى فيه إلا الوهمُ والشبَحُ
فحرّكَتْه وغنتْ بالثقيل لنا . . . صوتاً بـه الشوقُ في الأحشاء يَنْقَدحُبيضاء يحضرُ طيبُ اللهوِ ما حضرَتْ . . . فان نأت عنك غاب اللهو والفرَحُ
كل اللباس عليها مَعْرضٌ حَسَنٌ . . . وكلُّ ما تتغنّى فهو مقترَح
هذا من قول ابن المعتز : المتقارب :
وغنت فأَغنتْ عن المسمِعي . . . ن وارتجَّ بالطرب المجلسُ
محاسِنـها نُزْهَة للعيون . . . ومَعرِضها كل ما تَلْبَسُ
وقال أيضا : الخفيف :
أشتَهي في الغناء بُحَّةَ حَلْقٍ . . . ناغِم الصوت مُتْعَبٍ مكدُودِ
كأنين المحبِّ أضعفه الشَوْ . . . قُ فضاهَى بـه أَنينَ العُودِ
لا أحِبُّ الأوتار تعلو كما لا . . . أَشتهي الضربَ لازِماً للعَمُود
وأحب المجنبَات كحبي . . . للمبادي موصولةً بالنَّشيدِ
كهبوب الصبا توسط حالاً . . . بين حالين شدَّة وركودِ
وقال : الخفيف :
آه من بُحَّةِ بغير انقطاع . . . لفتاةٍ موصولة الإيقاعِ
أتعبت صوتها وقد يُجْتَنى من . . . نعبِ الصوت راحةُ الأسماعِ
؟ فَغَدَت تكثر الشّجَاجَ وحطّت طبقاتِ الأوتار بعد ارتفاعِ كأنين المحبِّ خفض منـهُ . . . صوتَ شكواه شدَّةُ الأوجاع
وقال بعض أَهل العصر ، وهو أبو الحسن بن يونس : الكامل :
غنَّت فأَخفت صوتها في عُودِها . . . فكأنما الصوتانِ صوتُ العودِ
غَيدَاء تأمرُ عودَها فيطِيعها . . . أبداً ، ويتبعُها اتباع وَدود
أنْدَى من النُّوَار صُبحاً صَوتُهَا . . . وأرق من نَشْر الثنا المعهودِ
فكأنما الصوتان حين تمازَجَا . . . ماءُ الغمامةِ وابنة العُنقود
وأبو الحسن هذا هو : علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى ، صاحب عبد الله بن وهب الفقيه ، وكان لأبي الحسن في الشعر مذهب حسن ، وطبع صحيح ، وحَوك مليح ، وكان عالماً بالنجوم وما يتعلق بها من علوم الأوائل ، وهو القائل : الطويل :سقَى الله أكنافَ اللِّوى كلما سقى . . . بضرْبٍ من المُزنِ الكَنَهْوَرِ هَاملِ
إذا نشرت ريح جُمانَ سحابةٍ . . . غَدَا وَهْوَ حَلْيٌ للرياضِ العَواطِلِ
به وَجْدُ رَعْد ليس بين جوانح . . . ووسواسُ وَدْقٍ ليس بين مفاصل
إذا كان خدّ البرق يلمس نبتهُ . . . تلقَّاه دُرُّ النَّور فوقَ الخمائل
وقال ، وذكر غلاماً : الكامل :
يجري النسيمُ على غلائل خَدّهِ . . . وأَرقّ منـه ما يَمُزُ عليه
ناولتُه المرأة ينظرُ وَجْهَهُ . . . فكسَتْه فتنة ناظريْه إلَيْهِ
وقال ابن المعتز - وذكر المرآة : الطويل :
تبيّنني لي كلّما رُمْت نظرةً . . . وناصَحتِي من دون كل صَديقِ
يقابلني منك الذي لا عدمْتُهُ . . . بلُجّهِ ماء وهو غير غَرِيقِ
وقال أبو الفتح كشاجم يصفُ مرآة أهداها : الخفيف :
أخت شمس الصفاء في الحسن والإش . . . راق غير الإعشاء للأجفانِ
ذات طَوْق مشرف من لُجين . . . أُجريت فيه صُفْرَةُ العِقْيَانِ
فهو كالهالة المحيطة بالبد . . . ر لستّ مضن بعد ثَمانِ
وعلى ظهرها فوارسُ تلهو . . . ببُزَاةٍ تَعْدُو على غِزْلاَنِ
لك فيها إذا تأملت فأل . . . حَسَنٌ مُخْبر بنبيل الأماني
لم يكن قبلها من الماء جرم . . . حاصِرٌ نفسَه بغير ِأَوَان
عدّلت عكسها الشعاع فمبدا . . . ه إليها ورَجعه سِيانِ
وهي شمسٌ وإنْ مِثَالك يوماً . . . لاح فيها فإنـها شَمْسَانِ
أينما قابلتْ مثالَكُ من أر . . . ضٍ ففيها تقابل النيران
فالقها منك بالذي ما رآه . . . خائف فانثنى بغير أَمَان
ومن ألفاظ أهل العصر في مدح الغناء
غِناؤُه كالغِنَى بعد الفقر ، وهو جَبر للكسر . غِناؤُه يبسط أَسِرَةَ الوَجهِ ، ويرفعُ حجابَ الإِذْن ، ويأخذُ بمجامِع القَلْب ، ويحرك النفوس ، وي الرؤوس . فلان طبيب القلوب والأسماع ، ومحيي مَوات الخواطِرِ والطباع ، يُطْعِمُ الآذانَ سروراً ، ويقدح في القلوب نوراً القلوبُ من غنائه على خَطر ؛ فكيف الجيوب ؟ السكر على صوبِه شـهادة .كل ما يغنّيه مقتَرح . لغنائه في القَلْبِ ، موقع القَطْر في الجَدْب . نغمة نغمته تطرب ، وضروب ضَرْبه لا تضطرب . وقيل : السماع مُتْعَة الأسماع ، وإدامُ المدام .
في وصف القلم
أهدى بعضُ الكتّاب إلى أخٍ له أقلاماً وكتب إليه : إنـه - أطال اللهُ بقَاءك - لما كانت الكتابةُ قِوَامَ الخلافة ، وقرينة الرياسة ، وعمودَ الممْلَكة ، وأعظم الأمور الجليلة قدْراً ، وأعلاها خَطَراً ، أحببتُ أن أتحِفك من آلاتّها بما يَخِفُ عليك مَحْمله ، وتثقل قيمتُه ، ويكثر نَفْعُه ؛ فبعثتُ إليك أقلاماً من القصب النابت في الأعْذَاء ، المغذوّ بماء السماء ، كاللآلي المكنونة في الصَّدَف ، والأنوار المحجوبة بالسّدف ، تَنْبُو عن تأثير الأسنان ، ولا يثنيها غَمْزُ البَنان ، قد كسَتْها طباعها جوهراً كالوَشْي المحبر ، وفرند الديباج المنيّر ، فهيِ كما قال الكميت : المتقارب :
وبيضٍ رقاقٍ صِحاح المتو . . . نِ تَسْمَع للبيض فيها صَرِيرا
مُهَنَّدة من عَتَادِ الملوك . . . يكاد سَنَاهُنّ يُعشِي البصيرا وكقدح النبل في ثقل أَوزانـها ، وقُضُب الخيزُرَان في اعتدالها ، ووشيجِ الخطّ في اطّرادها ، تَمرُ في القراطيس كالبَرْقِ اللائح ، وتجرِي في الصحف كالماء السائح ، أَحسن من العِقْيان ، في نحورِ القيَان .
وكتب عبيد الله بن طاهر إلى إسحاق بن إبراهيم من خراسان إلى بغداد يسأله أن يوجهَ إليه بأقلام قصبيّة : أما بعد ، فإنّا على طول الممارسة لهذه الصناعة التي غلبَتْ على الاسم ، ولزمت لزوم الوَسْم ، فحلَت محل الأنساب ، وجرت مَجْرَى الألْقاب - وجدنا الأقلام القصبية أسرعَ في الكَوَاغِدِ ، وأمرَّ في الجلود ، كما أن البَحْرية منـها أسلسُ في القَراطيس ، والين في المعاطف ، وأكلّ عن تمزيقها ، والتعلق بما ينبو من شظاياها . ونحن في بلادِ قليلة القَصب ، رديء ما يوجد بها منـه ؛ فأحببت أن تتقدَم في اختيار أقلام قصبيِة ، وتتأنّق في انتقائها قِبَلك ، وطلبها في منابتها ، من شُطوط الأنـهار ، وأرجاء الكروم ، وأن تتيَّم باختيارك منـها الشديدة المجسّ ، الصّلبة المعض ، الغليظة الشحوم ، المكتنزة الجوانب ، الضيّقة الأجواف ، الرزينة الوَزْن ، فإنـها أبقى على الكتاب ، وأبعد من الحَفَاء ، وأن تقصدَ بانتقائك منـها للرقاق القضبان ، اللطاف المنظر ، المقوَّمات الأوَد ، المُلْسالعُقد ، ولا يكون فيها التواء عوج ولا أَمْت ؛ وضُمَ الصافيةَ القشور ، الخفية الإُبن ، الحسنة الاستدارة ، الطويلة الأنابيب ، البعيدة ما بين الكعوب ، الكريمة الجواهر ، المعتدلة القوام ، تكادُ أسافلها تهتزُّ من أعلاها ، لاستواء أصولها برؤوسها ، المستكملة يبساً ، القائمة على سوقها ، قد تشرّبت الماءَ في لِحائها ، وانتهت في النُّضْجِ منتهاها ، لم تعجل عن تمام مصلحتها ، وإبَّانِ يُنْعِها ، ولم تؤخّر في الأيام المخوفة عاهاتها ؛ من خَصَر الشتاء ، وعَفَنِ الأنداء ، فإذا استجمعتْ عندك أمرْتَ بقطعها ذِراعاً ذراعاً ، قَطْعاً رفيقاً تتحرّز معه أن تتشعبَ رؤوسها ، أو تنشق أطرافها ، ثم عبأت منـها حزماً فيما يصونـها من الأوعية ، وعليها الخيوط الوثيقة ، ووجَّهْتَها مع من يحتاط في حراستها وحفظِها وإيصالها ؛ إذ كان مثلها يُتَوانى فيه ، لقلة خطرِها عند من لا يعرفُ فَضْلَ جوهرها ؛ واكتب معه بعدَّتِها وأصنافها وأجناسها وصفاتِها ، على الاستقصاء ، من غير تأخير ولا إبطاء .
فأجابه ووجه إليه مع الأنابيب : أتاني كتاب الأمير - أعزه الله - بما أمر بـه ولخصه ، من البعث بما شاكل نَعْتَه ، وضاهى صِفَته ، من أجتاس الأقلام ، فتيممت بِغيته قاصداً لها ، وانتهجتُ معالمَ سُبُلِه آخذاً بها ، فأنْفَذْتُ إليه حزماً أنشئت بلطيف السّقيا ، وحُسْن العهد والبُقْيا ، لم تعجل بإخراجها ، ولا بُودِرتْ قبل إدراكها ؛ فهي مستويةُ الأنابيب معتدلتها ، مثقفة الكعوب مقوّمتها ؛ لا يُرَى فيها أمْتُ زَوَر ، ولا وصم صغر ولا عِوَج ، وقد رجوت أن يجدَها الأمير عند إرادته وحسَبَ بِغُيْتَهِ .
ومن كلام منصور بن عمَار في صفة القلم ، ويقال إنـه لسليمان بن الوليد الكاتب : أو ليس من عجائب اللهِ في خَلقِه ، وإنعامِه على عباده ، تعليمُه إياهم الكتابَ المفيد للباقين حكم الماضين ، والمخاطِبَ للعيون بسرائر القلوب ، على لغات مختلفة ، بمعان مفترقة معقودة ، وأحرفٍ مقلوبة ، من ألفِ وتاء ، وجيم وباء ، متباينات الصور ، مختلفات الجهات ، لِقَاحها التفكير ، ونتاجها التأليف ، تخرس مفردة ، وتنطِقُ مزدرجة ، بلا أصواتٍ مسموعهّ ، ولا ألْسُنٍ محدودة ، ولا حركات ظاهرة ، بل قلم حَرَّفَ بارِيه قطَّته ، ليعلقَ المدادُ بـه ، وأرْهَف جانبيه ليرد ما انتَشر عنـه إليه ، وشق في رأسه ليحتبس الاستعداد عليه ، ورفع من شعبيته لتجتمع حواشي تصويره ؛ فهنالك روى القلم في شِقه ، وقفف المادة إلى صدره ، فإذا علقتها العيون حكَتْها الألسن ، فالقلوب حينئذ رَاعِية ، والآذان واعِية ، لكلام سَداه العَقْل ، وألحمـه اللسان ، وأدّته اللَهَوَات ، ولفظته الشفَاه ، ووعته الأسماع ، علىاختلاف أنحاء ، من صفاتٍ وأسماء ؛ فتبارك الله أحْسَنُ الخالقين .
حمل من رسالة كتبها بعض أهل العصر ، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي ، في القلم إلى أبي عمران بن رياح : إنـه لما كان القلمُ مطيةَ الفكْر والبيان ، ومُخْرِجَ الضمير إلى العِيان ، ومستنبطاً ما تُوارِيه ظلَمُ الجَنانِ إلى نُور البيان ، ومُريحَ الفطًنِ العوازب ، وجالبَ الفِكَرِ الغرائب ولسان الغائب ، وبز الكاتب . ، مكتّب الكتائب ، ومفرق الجلائب ، وعماد السّلْم ، وزناد الحرب ، ويدَ الحدثَان ، وخليفة اللسان ، ورأس الأدوات التي خصَّ الله بها الإنسان ، وشرّفه بها على سائر أصناف الحيوان ، ومركباً لآلة قد تقدَّمَتْ كلَّ آلة ، وحِكْمة سبقَتْ في الإنسان كلّ حكمة ، وقَواماً لهندسة عقلية ، ومصدراً لعَقْلِ العاقل ، وجهل الجاهل . الناقل إلينا حِكَمَ الأولين ، وحاملها عنا إلى الآخرين ، الحافظ علينا أَمْرَ الدنيا والدين ، أول شيء خلقه الله بأمره وسَبحَه ، ومَجَّده وحَمِدَه وسجدَ له ، فكان له فرسانٌ خُلِقَ لهم ، وكُنْتَ عميدَهم ، وأقرَانٌ قُصِر عليهم ، وأنت صنديدهم ، وميدان كنت زَيْنـه ، ومضمار كنت عَيْنَه ، وحِلْيَة كنت سابقها ومعجزها ، وغاية كنت مَالِكها ومُحْرِزَها ، ورمت بي الأيام إلى معدنـه الذي كلفت بـه وعنيت بطلبه ، فانفردت منـه بقدح فَذّ أَوْحد ، فَرْد في منْبته ، قد ساعدت عليه السعود في فلك البروج حولاً كاملاً ، مُخْتلف يُؤلّفه أركانـها وطباعها ، ومتباين أنوائها وأنحائها ، وتؤيده بقواها وجواهرها ، حتى غذَتْه عِرْقاً في الثرى معرقاً ، وأرضعته ناجماً ، وسقته مكعباً ، وأروته مقصباً ، وأظمأته مكتهلاً ، ولوحته مستحصداً ، وجللته بهاءها ، وألقت عليه عنوانـها ، وأودعته أعراقها ، وَأَوراقَها وأخْلاَقها ، حتى إذا شقّ بازله ، ورقّت شمائله ، وابتسم من غشائه ، ونادى من لِحَائه ، وتعرى عن خز المصيف ، بانقضاء الخريف ، وانكشف عن لون البيض المكنون ، والصدف المخزون ، ودر البحار ، وفتات الجمار ، دعا منـه نَفَق العَاج بنقبة الديباج ، وقميص الدرر بطراز النساج ، فاجتمعت له زينة الأيدي البشرية ، إلى الأيدي العلوية ، والأنسابِ الأرضية ، إلى الأنساب السماوية ، فلما قادته السعادة إليَ ، ورأيته نسيجَ وَحْدِه في الأقلام ، رأيت أولى الناس بـه نسيجَ وَحْدِه في الأنام ، فآثرتُك بـه مُؤْثِراً للصنيعة ؛ عالماً أن زين الجيادِ فرسانـها ، وزين السيوف أَقرانـها ، وزين بزة لابِسُهَا ، وزين أَداةٍ ممارسُهَا ، فالآن أعطيت القوس باريها ، وزناد المكارِم مُوريها ، والصمصَامة مُصلِتها ، والقناة مُعلمـها ، وحلَة المَجْدِ لابِسها .
وكان النجيرمي جَيدَ الروية والبديهة في نظمـه ونثره ، حلو التصريف ، مليح التأليف ، وكان يوماً عند أبي المسك كافور الإخشيدي ، فدخل عليه أبو الفضل بن عياش فقال : أَدام اللَه أَيام سيدنا الأستاذ - بالخَفْض - فتبسَّم كافور إلى أبي إسحاق ، فقالارتجالاً : البسيط :
لا غَرْوَ إن لَحَنَ الدَاعِي لسيِّدنا . . . وغُصَّ من هَيْبَةٍ بالريقِ والبَهَرِ
فمثل سيدنا حالت مـهَابَتُهُ . . . بين البليغ وبين القول بالحصَرِ
فإذ يكن خفَضَ الأيام من دَهشٍ . . . من شدّةِ الخوف لا مِنْ قِلَّة البَصَرِ
فقد تفاءَلت في هذا لسيدنا . . . والفأل مأثرة عن سيّد البشَرِ
بأن أيامـه خَفْضٌ بلا نَصَب . . . وأن دولته صفوٌ . بلا كدَرِ
فأمر له بثلثمائة دينار ، ولابن عياش بمائتين .
وقال حمدان الدمشقي يصف قلماً : الكامل :
للأيْم بعثته وشَقّ لِسَانِهِ . . . وله إذا لم تجْرِه إطراقُهُ
كالحيةِ النَّضْنَاضِ إلا أَنـهُ . . . من حيث يَجْرِي سمّه تِرْيَاقُهُ
قال العتابي : سألني الأصمعي فقال لي : أي الأنابيب أَصْلَحُ للكتابة وعليها أَصبر ؟ فقلت : ما نشِفَ بالهجير ماؤُه ، وستره عن تلويحِه غشاؤه ، من التِّبرية القشور الدرّية الظهور ، الفضيّة الكسور ، قال : فأي نوع من البَرْي أكتب وأصْوب ؟ قلت : البرية المستوية القطّ ، عن يمين سنّها ، بَرية تأمن معها المجّة عند المطّ ، الهواء في مَشَقها فتيق ، والريح في جوفها خريق ، والمِدَاد في خرطومـها رقيق ، قال : فبقي الأصمعي شاخصاً إليَ ضاحكاً لا يُحِيرُ مسألة ولا جواباً .
العتابي
والعتابي : هو كلثوم بن عمرو بن الحارث التغلبي ، يُكْنَى أبا عمرو ، قال أبو عثمان الجاحظ : كان العتابيّ ممن اجتمع له الخطابة ، والبيان ، والشعر الجيد ، والرسائل الفاخرة ، وعلى ألفاظه وحَذْوِه يقول في البديع جميعُ من يتكلف ذلك من شعراء المولدين كنحو منصور النَمري ، ومسلم بن الوليد الأنصاري ، وأشباههما ، وكان العتابي يَحْتذي حَذْو بشَار في البديع ، ولم يكن في المولدين أجودُ بديعاً من بشار وابن هَرْمَةَ .
والعتابي من ولد عَمْرو بن كلثوم ابن مالك بن عَتّاب بن سعد ، ولذلك قال : البسيط :إني امرُؤٌ هدم الإقتار مأثرتي . . . واجتاح ما أبدَتِ الأيامُ من خطري
أَنا ابنُ عمرو بن كلثوم يسوّدهُ . . . حيّا ربيعةَ والأحياءُ من مضرِ
أرومَةٌ عطَّلَتني من مكارمـها . . . كالقوسِ عطَّلها الرامي من الوترِ
وكان صاحبَ بديهة في المنظوم والمنثور ، حسن العقل وَالتمييز ، وَالعربُ تقول : من تمنّى رجلاً حسنَ العَقل ، حسنَ البيانِ ، حسنَ العِلْم ، تمنَّى شيئاً عسيراً . وَقد اجتمع ذلك كله للعتابي .
وَعاتبه يحيى بن خالد على لباسه ، وَكان لا يُبَالي أي ثوبيه ابتذلَ فقال : أَبْعَدَ اللَهُ رجلاً مـهمُه أن يكون جمالُه في لباسه وَعطره . إنما ذلك حظُ النساء ، وأَهل الأهواء ، حتى يرفعه أكبرَاه : هِمّته ، وَلبّه ، وَيعلو بـه معظماه : لسانُهُ ، وَقَلبه .
ودخل على الرشيد فقال : تكلَم يا عتابيّ فقال : الإيناس قبل الإبسَاس ، لا يُمْدَحُ المرء بأول صَوابه ، ولا يُذَمّ بأول خَطئه ؛ لأنـه بين كلا زَوَّرَه ، أو عيّ حَصَرَه .
وذكر أبو هفّان أنَّ الرشيد لقيَه بعد قَتْل جعفر بن يحيى وزوال نِعمته ، فقال :
ما أَحْدَثت بَعْدُ يا عتابي ؟ فأنشده ارتجالاً : الطويل :
تلوم عنى تَرْكِ الغِنَى باهليّةٌ . . . طَوَى الدهرُ عنـها كلّ طِرْف وتَالِدِ
رأتْ حولها النسوان يرفلن في الكُسا . . . منظمةً أَجيادُها بالقلائِدِ
أَسَرَّك أني نِلْتُ ما نال جعفرٌ . . . من الملك أو مَا نَالَ يحيى بن خالدِ
وأنَّ أمير المؤمنين أَغَصَّنِي . . . مغصَّهُما بالمُرْهَفَاتِ البوارِدِ
فإنَّ رفيعاتِ المعالِي مَشُوبة . . . بمستودعاتٍ في بطونِ الأساوِدِ
وكان متحرفاً عن البرامكة ، وفيهم يقول : البسيط :
إنَ البَرَامِكَ لا تنفك أَنْجِيَةً . . . بصفحة الدين من نجواهُمُ نَدَبُ
تجرّمَتْ حججٌ منـهم ومُنْصلُهم . . . مضرَّج بدم الإسلام مختَضِبُ
واجتاز عبد الله بن طاهر بالرقة بمنزل العتَّابي ، فقال : أليس هذا منزلَ كلثوم بن عَمْرو ؟ قيل : نعم ، فثَنَى رجله ، ودخل إليه ، فأَلْفَاه جالساً في بَيْتِ كتبه ، فحادَثه وذاكَرَه ، ثم انصرف ، فتحدّث الناسُ في ذلك ، وقالوا : إن الأمير لم يَقْصِدهُ ، وإنما اجتاز بـه فأَخْطر ذلك الزيارةَ ، فكتب إليه : الكامل :يا مَنْ أَفادَتْنِي زِيارَتُهُ . . . بَعْدَ الخمولِ نباهةَ الذكْرِ
قالوا الزيارةُ خَطْرَة خَطَرتْ . . . ومجاز خَطْرك ليس بالخطر
فادْفَعْ مقالتهم بثالثة . . . تستَنْفد المجهودَ مِنْ شكري
لا تجعلَنَّ الوِتْرَ واحدةً . . . إن الثلاث تتمةُ الوتر
فبعثته الأبياتُ إلى أَنْ زَارَه ثلاثاً . وكان يميل إلى المأمون ، فلمّا خرج ا أمون إلى خُراسان شيعه حتى وصل معه إلى سَنْدان كِسرى ، فقال له المأمون : سألتك بالله يا عتّابي إلا عملتَ على زيارتنا إنْ صار لنا من هذا الأَمر شيء ، فلما ولي المأمون الخلافةَ ، ودخل بغداد سنة أربع ومائتين توصَّل إليه العتّابي ، فلم يمكنـه الوصول ، فقال للقاضي يحيى بن اكثم : إن رأيتَ أن تُعلِم أميرَ المؤمنين بمكاني فقال : لَسْتُ بحاجب قال : قد علمت ، ولكنك ذو فضل ، وذو الفضل مِعْوان فقال : سلكتَ بي غير طريقي قال : إن الله تعالى ألحقك بجاهٍ ونعمة ، وهما يقيمان عليك بالزيادة إن شكرت ، والتغيير إن كفرت ، وأنا اليوم لك خيرٌ منك لنفسك ؛ أدعوك لما فيه زيادة نعمتك ، وأنت تأْبى ذلك ؛ ولكلِّ شيء زكاة ، وزَكاةُ الجاهِ بَذْلهُ للمستعين ، فدخل يحيى على المأمون فقال : أجِرْني من لسان العتابي ، فلَهَا عنـه ، ولم يأذن له ، فلما طال عليه كتب إليه : الخفيف :
ما على ذلك افترقْنا بِسَنْدا . . . ن ولا هكذا عَهدْنا الإخَاءْ
لم أكن أحسب الخلافة يزدا . . . د بها ذو الصفاء إلا صفاءْ
تضرب الناس بالمثّقفة السُّم . . . ر على غًدْرِهمْ وتنسى الوفاءْ
يعرِّض بقتْله لأخيه على غَدره ، ونكثه لِمَا عقد الرشيد ؛ فلما قرأ المأمون الأبيات أمر أن يُدْخَل عليه . فلمّا سلّم قال : يا عتابي ، بلغتني وفادتُكَ فسرَّتْني ، وقد كَانتْ بلَغَتْني وفاتُكَ فساءتني ، وإني لحريّ بالغمّ لبُعدِك ، والسرور بقربك فقال : يا أمير المؤمنين ، لو قسم هذا الكلام على أهلِ الأرض لوسعهم عَدْلاً وأَعجزهم شكراً ، وإن رضاك لغاية المُنَى ، لأنـه لا دينَ إلا بك ، إلا معك ، قال : سَلْني ، قال : يَدُك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة ، بخمسين ألفاً .
وقال العتابي وودَع جاريةً له : الخفيف :ما غَناءُ الحِذَارِ والإِشفاقِ . . . وشآبيب دَمْعِك المُهْرَاقِ
ليس يَقْوَى الفؤادُ منك على الضَ . . . دِّ ولا مُقْلَتَا طَلِيحِ المآقي
غدرات الأيامِ منتزِعَاتٌ . . . ما غَنِمْنَا من طول هذا العناق
إنْ قضَى اللهُ أن يكون تَلاَقٍ . . . بعد ما قد ترين كان تَلاقِ
هَوِّني ما عليك واقْنَيْ حَيَاءً . . . لستِ تبقين لي ولستُ بِبَاقِ
أيّنا قدَمَتْ صروفُ المنايا . . . فالذي أخرتْ سريعُ اللحاق
ويدُ الحادثات رَهْنٌ بمُرِّا . . . تٍ من العيشِ مُصْبِرَاتِ المذاق
غُرّ مَنْ ظن أن يفوت المنايا . . . وعُراها قلائدُ الأعناق
كم صَفييْنِ مُتِّعَا باتفاقٍ . . . ثم صارا لغُرْبَةٍ وافتراقِ
قلت للفرقدين والليل مُلْقٍ . . . سُودَ أكنافِه على الآفاقِ
اِبْقَيَا مَا بقيتما سوف يُرمى . . . بين شخصيكما بسَهْمِ الفِرَاقِ
بينما المرءُ في غَضَارةِ عَيْش . . . وصلاحٍ من أمرِه واتّفَاق
عطفتْ شِدّةُ الزمان فأدّت . . . ه إلى فاقةٍ وضيقِ خِنَاقِ
لا يدومُ البقاءُ للخَلْق لَكِ . . . ن دوامَ البقاء للخَلاَّق
وقال في الرشيد : الطويل :
إمامٌ له كفّ تضُمُ بَنَانُها . . . عصا الدين ممنوعاً من البَرْي عودُها
وعينٌ محيطٌ بالبريَّة طَرْفُها . . . سواءٌ عليها قُرْبُها وبَعِيدُها
وقال فيه : الطويل :
رعى أمة الإسلام فهو إمامُها . . . وأَدَى إليها الحقّ فهو أمِينُها
مقيمٌ بمستنّ الفَلاَ حَيْثُ تَلْتَقي . . . طَوَارِقُ أبكارِ الخُطوبِ وعُونُها
وكان منصور النمري سَعَى بـه إلى الرشيد فخافه ، فهرب إلى بلد الروم ، وله قصائد ، يعتذِرُ فيها ، جيدة مختارةٌ ، وهو مشبّهٌ في حسن الاعتذار بالنابغة الذبياني ، ومن جيّد اعتذاره قوله للرشيد ، ويقال : بل قالها على لسان عيسى بن موسى الهاشمي يخاطب الرشيد : الطويل :
جعلْتُ رجَاء العفوِ عذراً وشُبْتُهُ . . . بهيبةِ إمَا غافِرٍ أو مُعَاتبِ وَكنتُ إذا ما خفْتُ حادث نَبْوة . . . جعلتك حِصْناً من حِذَارِ النوائبِ
فأَنزلَ بي هجرانُك اليأس بعدما حللتُ بوادٍ منك رَحبَ المشاربِ
أظل ومَرعَايَ الجديبُ مكانَه . . . وآوِي إلى حافات أكدرَ نَاضِبولم يثن عن نفسي الردى غير أنـها . . . تنوءُ بباق من رجائك ثائب
هي النفسُ محبوسٌ عليك رجاؤها . . . مقيّدة الآمالِ دون المطالبِ
وتحت ثياب الصبر مني ابن لَوْعةٍ . . . يظل ويُمْسِي مستلين الجوانب
فتى ظفرتْ منـه الليالي بزَلةٍ . . . فأقْلَعْنَ عنـه دامياتِ المخالب
حَنَانَيْك إني لم أكُنْ بعتُ عِزَّة . . . بذلٍّ ، وأحرزتُ المنى بالمواهبِ
فقد سُمْتَنِي الهجرانَ حتى أذَقْتَني . . . عقوبة زلاّتي وسوء مَناقِب
فها أنا مُقْصًى في رِضَاك ، وقابضٌ . . . على حَدِّ مصقولِ الذِّنابينِ قاضِبِ
ومنتزعٌ عما كرِهْتَ وجاعلٌ . . . هواك مثالاً بين عيني وحاجبي
وفي هذه القصيدة مما يختار أهل الصناعة : الطويل :
وأَشْعَثَ مشتاق رمَى في جفونِه . . . غريب الكَرى بين الفجَاج السباسِبِ
سَحَبْتُ له ذَيْلَ السُرَى وَهْوَ لابِسٌ . . . دُجَى الليل حتى مجّ ضوءَ الكوكب
ومن فوقِ أكوار المـهَارِي لبانة . . . أُحِلّ لها أكَلُ الذّرَى والغَوَارب
وكلُّ فتى عاداتُه قَصْر شَوْقِه . . . وطيُّ الحشى دونَ الهموم العوازِب
يُسِرّ الهَوَى لم يُبْدِه نعت فرقةٍ . . . صُراخاً ، ولم تَسْمَعْ بـه أُذْنُ صاحبِ
إذا ادَّرع الليل انْجَلى وكأنـه . . . بقيةُ هندي الحسام المضاربِ
برَكبٍ ترى كَسْر الكرى في جفونـهم . . . وعَهدَ الليالي في وجوهٍ مَشَاحبِ
وقال أيضاً : الخفيف :
لو رأتني بذي المَحَارَةِ فَرْداً . . . وذِراعُ ابنة الفَلاةِ وسادِي
أُطفئ الحزنَ بالدموع إذا ما . . . حُمّةُ الشوقِ أثَّرتْ في فُؤَادي
خاشع الطرف قد توشّحَنى الضز فلانَتْ له قنَاةُ قيَادي
تِرْبَ بُؤْسٍ أخا هموم كأنّ ال . . . حُزنَ والبؤسَ وَافَيَا مِيلادِي
وكأني استشعرت ما لفظ النا . . . س من النائِرَاتِ والأحقادِ
أتصدَّى الرَّدَى وادَّرعُ اللي . . . ل بهَوْجاءَ فوقها أقْتَادِي
حَظّ عيني من الكرى خفقاتٌ . . . بين سَرْحِي ومُنْحَنَى أَعْوَادِيأوْحَشَ الناسُ جانبيَّ فما آ . . . نَسُ إلا بوحدتي وانفرادي
قد رددت الذي بـه أتقي النا . . . س وأبرزتُ للزمان سَوَادي
فاستهلَت عليّ تمطرني الشو . . . ق شآبيب مُزْنةٍ مِرْعَادِ
وقال : الطويل :
أمَا راع قَلْبَ العامريةِ أنني . . . غدوت ومرجوعُ السقامِ قريني ؟
وقال : الطويل :
أكاتِمُ لَوعاتِ الهَوَى ويُبِينُهَا . . . تخلّل مَاءِ الشوق بين جُفُوني
ومطووفة الإنسان في كلِّ لوعة . . . لها نظْرة موصولة بحَنينِ
بنو وهب
: وقال الحسن بن وهب بن سعيد : السريع :
اِبْكِ فمِنْ أحسن ما في البكَا . . . أنّ البكَا للوَجْد تحليلُ
وهْو إذا أنت تأمّلتهُ . . . حزن على الخدين محلول
وقد أعرق بنو وَهْب في الكتابة وأنجبوا ، ولهم في هذا الكتاب ما يشـهد لهم بما نُسب إليهم ، وفيهم يقول الطائي : الخفيف :
كلُّ شِعْبٍ كنتمْ بـه آلَ وَهْبٍ . . . فهو شِعْبي وشِعبُ كلِّ أَديبِ
إن قلبي لكم لكالكبد الحَرىَّ وقَلْبي لغيركم كالقُلُوبِ
وفي هذه القصيدة يقول في مدح سليمان بن وهب :
ما عَلى الوُسَّج الرَّوَاتِك من عَبْ . . . بٍ إذا ما أتتْ أَبا أيوبِ
حُوَّلٌ لا فِعالُه مَرْتَعُ الذم . . . م ولا عِرْضُه مناخ العُيُوبِ
واجد بالصديق منْ بُرَحَاء الشوقِ وجدانَ غَيْرِه بالحبيب أخَذَ سليمانُ منـه معنى هذا البيت الأخير ، فقال في رسالة لبعض إخوانـه :ظَرْفُ الصداقة ، أرق من ظرف العلاقة ، والنفس بالصديق ، آنس منـها بالعشيق .
فقال له أبو تمام : كلامك هذا أرقّ من شعْري .
والحسن بن وهب حَسَنُ الشعر والبلاغة ، جيّد اللسان ، حلو البيان ، وكان يحب بنان جارية محمد بن حمّاد ، وله فيها شعر جيد ، ولها يقول : الطويل :
أقول وقد حاولتُ تقبيلَ كفّها . . . وبي رِعدةٌ أهتزُّ منـها وأسكنُ
ليهنئك أنّي أَشْجَعُ الناسِ كلّهم . . . لدَى الجربِ إلا أنني عنك أَجْبُنُ
وحضرَتْ مجلسه وبين يديه نار فأمرَتْ بإزالتها ، فقال : الكامل :
بأبي كرِهْتِ النارَ حتى أُبعِدتْ . . . فعلمْتُ ما معناكِ في إبعادها
هي ضَرَّة لكِ في الْتِمَاع ضِيائها . . . وهبوبِ نَفْحَتِها لدى إيقادها
وأَرَى صنيعك في القلوب صنيعَها . . . بسَيَالها وأَراكِها وعَرَادِها
شَركَتْكِ في كل الأمور بفِعْلها . . . وضِيائها وصَلاحِها وفسادِها
وإلى هذا ينظر قول الأمير تميم بن المعزّ : الخفيف :
ما هجرتُ المُدامَ والوردَ والبد . . . رَ بطَوْع ، لَكن برَغْم وكُرْهِ
منعتني من الثلاثة مَنْ لَوْ . . . قتلتني لم أَحكِ واللَّهِ مَنْ هِي
فالت الوردُ والمدامةُ والبد . . . رُضيائي ولونُ خدّي ووَجْهِي
قلت بخلاً بكلّ شيء فقالت . . . لا ولكن بخلت بي وبِشِبْهِي
قلت يا ليتني شبيهُكِ قالت . . . إنما يقتل المحبَّ التشَهِّي
ولمَّا مات الحسن بن وهب - وكان موته بالشام - عُزّي عنـه أخوه سليمان ، فجاءَ أبو العيناء ، فقال : أنشدني أبو سعيد الأصمعي : الطويل :
لعمري لنِعْمَ المرءُ من آل جعفر . . . بحورانَ أَمْسَى أعلقَتْه الحبائلُ
لقد فقدوا عَزْماً وحزْماً وسؤدداً . . . وعِلماً أصيلاً خالفتْه المجَاهِل
فإن عِشْتَ لم أملل حياتي وإن تمت . . . فما في حياتي بعد مَوْتِك طائلُ
فقال سليمان : أحسن الله جزاءك ، ووصل إخاءَك ، إن هذا لمن أحسن الشعر ، وقد تمثّل بـه قتيبة حين بلغه موتُ الحجاج ، ولكني أقول كما قال كعب بن سعد الغنَوِي يرثي أخاه أبا المغوار : الطويل :
أخِي ما أخي لا فاحِشٌ عند بَيْتِه . . . ولا وَرَعُ عند اللقاء هَيُوبُحليم إذا ما سَوْرة الجهل أطلقَتْ . . . حُبَى الشيب ، للنفس اللَّجُوج غَلُوبُ
حبيب إلى الزوار غِشْيَانُ بيتِه . . . جميل المحيّا شب وهْو أرِيبُ
إذا ما تراه الرجالُ تحفظُوا . . . فلم تُنطَق العَوْرَاءُ وهْوَ قريبُ
فانصرف الناس يعجبون من علم سليمان ، وحسن جوابه ، وصحّة تمثله .
والأبيات التي أنشدها الأصمعي للحطيئة ، واسمـه جَرْوَل بن أَوْس بن جُؤَيَّة بن مخزوم بن مالك بن غالب . بن قطيفة بن عَبْس بن بَغيض ، يقولها في علقمة بن عُلاَثة وفيها يقول : الطويل :
فما كان بيني لو لَقِيتُكَ سالماً . . . وبين الغِنَى إلاَّ ليالِ قلائلُ
قال سليمان بن وهب : لما جار علينا بالنكبة السلطان ، وجَفَانَا من أجلها الإخوان ، أنصفنا ابن أبي دُوَاد بتطوُّله ، وكفانا الحاجةَ إليهم بتفضله ، فكنّا وإياه كما قال الحطيئة : الكامل :
جاورتُ آل مقَلَدٍ فحَمِدتُهم . . . إذ لا يكادُ أخو جوار يُحْمَدُ
أيام مَن يُرِدِ الصنيعَة يَصْطَنِعْ . . . فينا ، ومَنْ يُرِدِ الزهادةَ يَزْهَدُ
وله فصل إلى بعض إخوانـه : لك أن تعتب ، وشبيهك أن يعذر ، فهَبْ أقل الأمرين لأكثرهما ، وقدم فضلك على حقّك ، ويقينك على شكّك .
ووصف رجلاً بليغاً فقال : كان والقَهِ واسعَ المنطق ، جَزْلَ الألفاظ ، ليس بالهذرِ في لفظه ، ولا المظلم في مقصده ؛ معناه إلى القلم أسْرَع من لَفْظِه إلى السَّمْع .
وهذا ضد قول محمد بن عبد الملك الزيات في عبيد الله بن يحيى بن خاقان : هو مـهزول الألفاظ ، غليظ المعاني ، سخيفُ العقل ، ضعيف العقدة ، واهِي العَزْم ، مأفونُ الرأي .
ألفاظ لأهل العصر في ذمّ الكِتَابِ والكُتَّابِ والنثر والشعر
الخَرَسُ أحسنُ من كلامـه ، والعِي أبلغُ من بيانـه ، خاطره يَنْبُو ، وقلمـه يَكْبُو ، ويسهو ويغلط ، ويخطئ ويُسِقط . هو قصير باعِ الكتابة ، قاصِر سَعْي الخطابة ، وكُتبه مضطربة الألفاظ ، متفاوتة الأبعاضِ ، منتشرة الأوضاع ، متباينة الأغراض . الجلمُ أولى بكفه منالقَلم ، والطَاس أليقُ بها من القرطاس . كلامٌ تنبو عن قبوله الطباع ، وتتجافَى عن استماعه الأسماع . ألفاظٌ تَنْبُو عنـها الآذان فتمجّها ، وتنكرها الطباع فتزُجّها . كلام لا يَرْفَعُ الطبعُ له حِجاباً ، ولا يفتحُ السمعُ له باباً . كلام يُصْدِي الرّيان ، ويصدئ الأفهام والأذهان . كلام قد تعمّل فيه حتى تبذل ، وتكلّف حتى تعسَّف . طبع جاسٍ ، ولفظ قاسٍ ، لا مساغَ له في سَمْع ، ولا وصول له مع خلو ذَرْع . كلام لا الرويّة ضربَتْ فيه بسَهْم ، ولا الفكرة جالت فيه بقِدْح . كلام تتعثَّرُ في حزونته ، وتتحيَّر الأفهامُ من وعُورته . كلمات ضعيفةُ الإتقان ، قليلة الأعيان ، مضمحلّة على الامتحان . ألفاظ تُسْتَعَارُ من الدياجي ، ومعانٍ تقدر من الأثافي . كلام بمثْلِه يتسلّى الأخرس عن كلمـه ، ويفرح الأصم بص ، أثقل من الجندل ، وأمرّ من الحنظل ، هو هذيان المحموم ، وسوداء الهموم . كلام رثّ ، ومعنًى غَثّ ، لا طائل فيهما ، ولا طلاوة عليهما . أبيات ليست من محكم الشعر وحكمـه ، ولا من أحجال الكلام وغُرَره . شعر ضعيف الصنعة رديء الصَّبْغة بغيض الصفة وقد جمع بين إقواء وإيطاء ، وإبطاء وإخطاء . ما قطع في شعره شَعْرة ولا سقى قطرة . لو شعر بالنقص ما شَعر . لا يميز بين خبيثِ القول وطيّبه ، ولا يَفْرِق بين بِكْرِه وثَيِّبه . هو باردُ العبارة ، ثقيل الاستعارة . هو من بين الشعراء منبوذ بالعَرَاء . لم يلبَسْ شعرُه حلَّة الطلاوة . له شعر لا يطيب دَرْسه ، ولا يخفُّ سَرْده ، وخطٌ مضطرب الحروف ، متضاعف التضعيف والتحريف . خطّ يُقْذِي العين ويُشْحِي الصَّدْر . خطّ منحطّ ، كأنـه أرجل البطّ ، وأنامل السرطان ، على الحِيطان . قلمـه لا يستجيب بَرْيه ، ومداده لا يساعد جَرْيه . قلمـه كالولد العاقّ ، والأخ المشاق ، إذا أدَرْتَه استطال ، وإذا قوَّمته مال ، وإذا بعثْتَه وقف ، وإذا وقفته انحرف . قلم مائل الشق ، مضطرب المشق ، متفاوت البَرْي ، معدوم الْجَرْي ، محرّف القطّ . قلم لم يُقَلَّم ظفره فهو ، يخدش القِرطاس ، وينقش الأنقاس ، ويأخذ بالأنفاس . قلم لا يُبْعث إذا بعثته ، ولا يقف إذا وقفته . قد وقف اضطرابُ بَرْيِه ، دون استمرار ، جَرْيه ، واقتطعَ تفاوت قَطّه ، عن تجويد خطه .خير الكلام
ذكر عُتبة بن أبي سفيان كلامَ العرب فقال : إن للعرب كلاماً هو أرقّ من الهواء ، وأعذب من الماءِ ، مرق من أفواههم مُروقَ السهام من قِسيها ، بكلمات مؤتلفات ، إنْ فُسِّرت بغيرها عطِلتْ ، وإن بدلت بسوَاها من الكلام استصعبَتْ ؛ فسهولةُ ألفاظِهم توهِمُك أنـها ممكنة إذا سمعت ، وصعوبتها تعلمك أنـها مفقودة إذا طُلِبتْ . هم اللطيف فهمـهم ، النافعُ علمـهم ، بلغتهم نزلِ القرآن ، وبها يدرَكُ البيان ، وكلُّ نوع من معناه مُبَاينٌ لما سواه ، والناسُ إلى قولهم يصيرون ، وبهداهم يأتمّون ، أكثر الناسِ أحلاماً ، وأكرمـهُم أخلاقاً .
وكان يقال : خير الكلام المُطْمِع الممتنع .
وأنشد إبراهيمُ بنُ العباس الصُّولي ل العباس بن الأحنف : السريع :
إليك أشكو ربّ ما حَلّ بي . . . مِنْ صدِّ هذا العاتِب المُذْنِبِ
إنْ قال لَمْ يفعل ، وإنْ سِيلَ لم . . . يبذلْ ، وإن عُوتب لم يُعْتِبِ
صبّ بعصياني ، ولو قال لي . . . لا تشربِ الباردَ لم أشربِ
ثم قال : هذا والله الشعر الحسن المعنى ، السهل اللفظ ، العَذْب المستمع ، الصعب الممتنع ، العزيز النظير ، القليل الشبيه ، البعيد مع قُرْبه ، الحَزْن مع سهولته ، فجعل الناس يقولون : هذا الكلام أحسن من الشعر .
وقال أبو العباس الناشئ يصف شعرهُ : الكامل :
يتحيّر الشعراء إن سمعوا بـه . . . في حُسْن صنعته وفي تأليفهِ
فكأنـه في قُرْبه من فَهْمِهم . . . ونكولهم في العَجْزِ عن ترصيفه
شجرٌ بَدَا للعَيْنِ حسْنُ نباتِه . . . ؤنَأَى عن الأيدي جَنَى مقطوفِه
فإذا قرنت أبيّه بمُطِيعِهِ . . . وقرنتهُ بغَرِيبه وطريفه ألفيت معناه يطابق لَفْظَه . . . والنظم منـه جليّهُ بلطِيفهِ
فأتاه متّسِقاً على إحسانـه . . . قد نِيط منـه رَزينـه بخفيفه
هذبتُه فجعلتُه لك باقياً . . . ومنعت صرفَ الدهر عن تَصْرِيفه
وقال الناشئ في فَصْل من كتابه في الشعر : الشعرُ قَيْد الكلام ، وعقل الآداب ، وسُورُ البلاغة ، ومعدن البَراعة ، ومجال الجنان ، ومسرحُ البيانِ ، وذريعة المتوسّل ، ووسيلةُ المتوصل ، وذِمام الغريب ، وحُرْمَة الأديب ، وعِصْمة الهارب ، وعَدَّة الراهب ،ورحلة الدَاني ، ودَوْحَة المتمثل ، وروحة المتحمل ، وحاكم الإعراب ، وشاهِدُ الصواب .
وقال في هذا الكتاب : الشعرُ ما كان سَهلَ المطالع ، فصل المقاطع ، فَحْل المديح ، جَزْل الافتخار ، شجِيَ النسيب ، فكِه الغزل ، سائر المَثَل ، سليم الزلل ، عديم الخلل ، رائع الهجاء ، موجب المعذرة ، مُحَب المعتبة ، مُطْمِع المسالك ، فائت المدارك ، قريب البيان ، بعيدَ المعاني ، نَائي الأغوار ، ضاحي القرار ، نقي المستشف ، قد هُرِيقَ فيه ماءُ الفصاحة ، وأَضاء له نورَ الزجاجة ، فانـهل في صادي الفهم ، وأضاء في بهيمِ الرأي . لمتأمله ترقرق ، ولمستشفّه تألّق ، يروق المتوسم ، ويسر المترسم ؛ قد أبدت صدوره مُتُونـه ، وزَهَتْ في وجوهه عيونـه ، وانقادت كواهله لهواديه ، وطابقت ألفاظه معانيه ، وخالفت أجناسه مبانيه ، فاطّرد لمتصفحه ، وأنار ، لمستوضحه ، واشْبَه الروضَ في وَشْي ألوانِه ، وتعقم أفنانـه ، وإشراق نوَاره ، وابتهاج أنجاده بأغواره ؛ وأشبه الوشي في اتفاق رُقومِه ، واتساقِ رُسومـه ، وتسطير كفوفه ، وتحبير كفُوفه ؛ وحكى العِقْد في التئام فُصوله ، وانتظام وُصوله ، وازديَان ياقوته بدُره ، وفريده بشَذْرِه ، فلو اكتنف الإيجاز موارده ، وصقَلَت مَدَاوِس الدربة مَناصله ، وشحذت مدارس الأدب فَيَاصِله ، جاء سليماً من المعايب ، مـهذباً من الأَدناس ، تتحاشاه الأُبن ، وتتحَامَاه الهُجَن ، مُهدِياً إلى الأسماع بَهْجَته ، وإلى العقول حِكْمته .
وقد قلت في الشعر قولاً جعلته مثلاً لقائليه ، وأسلوباً لسالكيه ، وهو : الكامل :
الشعرُ ما قوّمتَ زَيْغ صدُورِه . . . وشددْتَ بالتهذيب أَسْرَ مُتُونِه
ورَأبتَ بالإِطناب شَعْبَ صدُوعِه . . . وفتحْتَ بالإيجاز غور عُيُونـه
وجمَعْتَ بين قريبه وبعيدِهِ . . . ووصَلْتَ بين مجمّه ومَعِينـه
وعقدت منـه لكلّ أمر يقتضي . . . شبهاً بـه فقرَنْتَه بقرِينـهِ
فإذا بكيت بـه الديارَ وأهلَها . . . أَجْرَيتَ للمحزون ماءَ شؤُونـه
ووكلته بهمومـه وغمومـه . . . دهراً فلم يَسْر الكَرَى بجفونِه
وإذا مدَحْتَ بـه جواداً ماجداً . . . وقَضَيتَه بالشُكر حق دُيونـه
أصفيته بنفيسِه ورَصينـه . . . ومنحتَه بخطيره وثمينـه
فيكون جَزْلاً في اتّفاقِ صنُوفِهِ . . . ويكون سَهلاً في اتِّسَاق فُنونِه
وإذا أردتَ كنايةً عبئ رِيبةٍ . . . باينْتَ بين ظهورِه وبُطونِه
فجعلت سامعَه يشوب شكوكهُ . . . ببيانِه وظنونـه بيقينـهوإذا عتبتَ على أخ في زَلَةٍ . . . أدمَجْتَ شدّته له في لِينـه
فتركته مستأنِساً لدماثةٍ . . . مستيئساً لوُعُوثِهِ وحُزُونِهِ
وإذا نبذت إلى التي عُلّقتها . . . إن صارَمَتك بفاتنات شئونـه
تيّمتَها بلطيفه ورقيقه . . . وشغفْتَهما بخفِّيهِ وكمينـه
وإذا اعتذرتَ إلى أخ في زلَّةٍ . . . وَاشَكْتَ بين مُحِيله ومُبينـه
فَيَحُورُ ذَنْبُك عند من يعتدّه . . . عَتْباً عليك مُطَالباً بيمينـه
والقولُ يَحْسُنُ منـه في مَنثوره . . . ما ليس يحسن منـه في مَوْزُونِه
وقال الخليل بن أحمد : الشعراءُ أمراءُ الكلام ، يصرفونـه أنّى شاءوا ؛ وجائز لهم ما لا يجوزُ لغيرهم ، من إطلاق المعنى وتقييده ، ومن تصريف اللَفظ وتعقيده ، ومد مقصوره ، وقَصْرِ ممدوده ، والجمع بين لغاتِه ، والتفريق بين صفاته . وقال : الشعرُ حِلْية اللسان ، ومَدْرَجَة البيان ، ونظامُ الكلام ، مقسوم غَيْرُ محظور ، ومشترك غير محصور ، إلا أنـه في العرب جَوْهري ، وفي العجم صناعي .
قال أعرابي لشاعر من أبناء فارس : الشعرُ للعرب ، فكل مَنْ يقول الشعر منكم فإنما نزا على أُمّه رجل منا فقال الفارسي : وكذلك من لا يقولُ الشعرَ منكم ، فإنما نزا على أمـه رجل منا .
وقال عمارة بن عقيل : أجود الشعر ما كان أَمْلَس المتون ، كثيرَ العيون ، لا يمجُّه السمع ، ولا يستأذِنُ على القلب وأُنشد الجاحظ شعرَ أَبي العتاهية فلم يَرْضَه ، وقال : هو أملَسُ المتون ، ليس له عيونٌ ، كأنـه وعُمارة تجاذبا كلاماً واحداً .
وقال ابن عقيل : الشعرُ بضاعة من بضائِع العرب ، ودليل مِنْ أدلَة الأدب ، وأثارة من أثارات الحسب . ولن يهزّ الشعرُ إلا الكريمَ المَحْتِد ، الكثير السؤدد ، الكلِف بذِكْرِ اليومِ والْغَد .
ومدح بشار المـهدي فلم يُعطِه شيئاً ، فقيل له : لم تُجِدْ في مَدْحه . فقال : لا والله ، لقد مدَحْته بشعرٍ لو قلت مثلَه في الدهر لما خيف صَرْفُه على حُرّ ، ولكني أُكْذِبُ في العمل ، فأُكْذِبُ في الأمل .
نظمـه الناجم فقال : الوافر :ولي في أحمدٍ أَملٌ بَعِيد . . . ومَدْح حين أنشده طريفُ
مدائح لو مدَحْت بها الليالي . . . لما دارت عليَّ لها صروفُ
قال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان : صفْ لي جريراً والفرزدق والأخطل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أَما أعظمـهم فَخْراً ، وأبعدُهم ذكراً ، وأحسنـهم عذراً ، وأسيَرُهم مَثَلاً ، وأقلّهم غزلاً ، وأحلاهم عِللاً ، البحر الطامي إذا زَخَر ، والحامي إذا ذعر ، والسامي إذا خطر ، الذي إذا هدر جال ، وإذا خطر صال ، الفصيح اللسان ، الطويل العنان ، فالفردزق . وأما أحسنـهم نَعْتاً ، وأمدَحُهُمْ بيتاً ، وأقلّهم فَوْتاً ، الذي إن هجا وضع ، وإن مدح رَفَع ، فالأخطل . وأما أَغْزَرُهم بحراً ، وأَرقُهم شعراً ، وأكثرهم ذِكراً ، الأغر الأبلق ، الذي إن طَلب لم يُسْبق ، وإن طُلب لم يُلْحَق ، فجرير . وكلُهم ذكيُ الفؤادِ ، رفيع العماد ، وَارِي الزناد .
قال مسلمة بن عبد الملك ، وكان حاضراً : ما سمعنا يا ابن صفوان في الأولين ولا في الآخرين ، أَشـهدُ أنك أحسنـهُم وصفاً ، وأَلْينُهُم عِطفاً ، وأخفُهم مقالاً ، وأكرمـهم فعالاً . فقال خالد : أتمَّ الله عليك نِعَمـه ، وأجزل لك قِسَمـه . أنتَ واللّه أيها الأمير - ما علمت - كريمُ الغِراس ، عالمٌ بالناس ، جوادٌ في المَحْلِ ، بسّام عند البَذْلِ ، حليم عند الطيْشِ ، في الذِّرْوَة من قريش ، من أشراف عبد شمس ، ويومك خيرٌ من الأمس .
فضحِك هشام وقال : ما رأيت مثلك يا ابن صفوان لتخلّصك في مَدْح هؤلاء ، ووصفهم ، حتى أرضيتهم جميعاً وسَلِمْتَ منـهم .
ودخل العجّاجُ على عبدِ الملك بن مروان فقال له : بلغني أنك لا تُحْسِن الهجاء ، فقال : يا أمير المؤمنين ، مَنْ قَدر على تشييد الأبنية ، أمكنـه خَرابُ الأخبية ، قال : ما يمنعُك من ذلك ؟ قال : إنّ لنا عِزّاً يمنعُنَا من أن نُظْلَم ، وحِلْماً يمنعنا من أنْ نَظلم ، قال : لَكَلِماتُك أحسنُ من شعرك فما العزُ الذي يمنعك أن تظلم . قال : الأدب البارع ، والفهْم الناصع . قال : فما الحِلمُ الذي يمنعُك من أن تظلم ؟ قال : الأدب المستطرف ، والطبع التالد ، قال : لقد أصبحت حكيماً . قال : وما يمنعني من ذلك وأنا نَجِيّ أميرِ المؤمنين ؟ .
قال أبو إسحاق : وليس كما قال العجاج ، بل لكثير من الشعراء طباع تَنْبُو عن الهجاء كالطائي وأضْرابه ، وأصحابُ المطبوع أقدرُ عليه من أهل المصنوع ، إذ كان الهجو كالنادرة التي إذا جَرَتْ على سجيَّةِ قائلها ، وقربتْ من يَدِ متناولها ، وكانَ واسِع العطن ، كثير الفطن ، قريب القلب من اللسان ، التهبت بنارِ الإحسان .ومما يَنْحُو هذا النحو من مقامات أبي الفتح الإسكندري إنشاء بديع الزمان قال : حدّثنا عيسى بن هشام قال : طرحتْنِي النوَى مطارِحَها ، حتى إذا وطِئْتُ جُرْجان الأَقْصَى ، فاستظهرْتُ على الأيام بضِياعٍ أَجَلتُ فيها يَدَ العِمَارة ، وأموالٍ وقفتها على التجارة ، وحانوتٍ جعلته مَثابةُ ، ورُفقة اتخذتهم صَحَابة ، وجعلتُ للدار حاشِيَتي النـهار ، والحانوتِ ما بينـهما ، فجلسنا يوماً نتذاكرُ الشعر والشعراء ، وتلقانَا شاب قد جلس غير بعيد ، يُنْصِت وكأنـه يفهم ، ويسكت وكأنـه لا يعلم ، حتى إذا مال الكلامُ بنا مَيْله ، وجَرً الجَدَل فينا ذَيله ، قال : أصبتم عُذَيقهُ ووافيتم جُذَيله ، ولو شئْتُ للفظت فأفَضت ، ولو أردت لسردت ، ولجلوت الحقَّ في معرض بيانٍ يُسْمِعُ الصم ، ويُنْزِل العُصم . فقلت : يا فاضل ، اُدْنُ فقد منَّيْتَ ، وهات فقد أثنيت ، فدنا وقال : سَلُوني أُجِبْكم ، واستمعوا أُعْجِبكم .
قلنا : فما تقول في امرئ القيس ؟ قال : هو أول مَن وَقَفَ بالديار وعَرصاتِها ، واغْتَدى والطيرُ في وُكُنَاتها ، ووصف الخيلَ بصفاتها ، ولم يقل الشعرَ كاسِباً ، ولم يُجِدِ القول راغباً ، ففَضل من تفتًقَ لِلْحِيلة لسانُه ، وانتجَعَ للرغبة بنانُه .
قلنا : وما تقول في النابغة ؟ قال : ينسب إذا عَشِق ، ويَثْلُبُ إذا حَنِق ، ويمدح إذا رَغِب ، ويعتذر إذا رَهِب ، فلا يرمي إلا صائباً .
قلنا : فما تقول في طَرَفة ؟ قال : هو ماءُ الأشعار وطينتها ، وكَنز القوافي ومدينتها ، مات ولم تظهر أَسرارُ دفائنـه ، ولم تطلق عِتَاق خزائنـه .
قلنا : فما تقول في زهير ؟ قال : يُذيب الشعرَ والشعرُ يذيبه ، ويدعو القَوْل والسِّحْرُ يُجِيبه .
قلنا : فما تقول ، في جرير والفرزدق . وأيهما أسْبَق ؟ قال : جرير أرقّ شعراً ، وأَغْزَر غزراً ، والفرزدق أمتَنُ صخراً ، وأكثر فخراً ، وجرير أَوجَع هَجْواً ، وأشرف يوماً ، والفرزدق أكثر رَوْماً ، وأكثر قوماً ، وجرير إذا نَسب أَشْجَى ، وإذا ثَلَب أَرْدى ، وإذا مدح أسنى ، والفرزدق إذا افتخر أَجْزى ، وإذا وصف أوفى ، وإذا احتقر أزْرى .
قلنا : فما تقول في المحدَثين من الشعراء والمتقدّمينَ منـهم ؟ قال : المتقدمون أشرفُ لفظاً ، وأكثرُ في المعاني حظاً ، والمتأخرون ألطفُ صُنْعاً ، وأرق نَسْجاً .قلنا : فلو أريتَ من أشعاركِ ، وروَيْتَ من أخبارك ، قال : خُذْهما في معرض واحد ، أنشد : الرجز :
أمَا تَرَوْنِي أَتغشى طِمْرا . . . مُلْتَحِفاً في الضُرِّ أمْراً إمْرَا
مُنْطَوياً عَلَى الليالي غِمْرا . . . ملاقياً منـها صروفاً حُمْرا
أقصى أمانِيَ طُلُوعُ الشَعْرَى . . . فقد عُنِينَا بالأماني دَهْرَا
وكان هذا الحرُ أعلى قَدْرا . . . وماءُ هذا الوجهِ أغْلَى سِعرَا
ضربت للسرْو قِبَاباً خُضْرَاً . . . في دَارِ دَارَا وإوانِ كِسْرَى
فانقلبَ الدهرُ لبَطْنِ ظَهْرا . . . وعاد عُرْفُ العَيْشِ عندي نُكْرَا
لم يُبْقٍِ مِنْ وَفْرِيَ إلاَّ ذِكْرَا . . . ثمَّ إلى اليوم هلمَّ جَرَّا
لولا عجُوزٌ لي بُسرَّ مَنْ را . . . وأفْرخٌ دُونَ جبالِ بُصْرَى
قد جَلَبَ الدَّهرُ إليهم شرّا . . . قتَلْتُ ، يا سادةُ ، نَفْسِي صَبْرَا
قال عيسى بن هشام : فنُلْتُه ما تَاحَ ، وأعرض عنّا فَراحَ ، وجعلتُ أنفيه وأثبته ، وأُنكِره وكأني أعرفهُ ، ثم دلَّتني عليه ثناياه ، فقلت : الإسكندري واللهٍ ؛ فلقد كان فارقَنا خِشفاً ، ووافانا جِلْفاً ، ونـهضتُ على إثْرِه ، ثم قبضتُ عَلَى خَصْرِه ، وقلت : اْلستَ أبا الفتح . ألم تكُنْ فينا وَليداً ، ولبثْتَ فينا من عُمْرك سنين ؟ فأَيُ عجوز لكَ بسرّ مَنْ رأى ؟ فضحك وقال : مخلع البسيط :
ويحك هذا الزمان زُورُ . . . فلا يغرَّنَّك الغُرورُ
غرٍّق وبَرِّق وكلْ وطرِّقْ . . . واسرقْ وطَلْبِقْ لمن تَزُورُ
لا تلتزم حالة ولكن . . . دُرْ لليالي كما تَدُورُ ومن إنشائه مقامة ولدها على لسان عِصْمة وذي الرمة قال : حدّثنا عيسى بن هشام قال : بينا نحن في مجتمع لنا ومعنا يومئذ رجلُ العرب حِفْظاً ورِوَاية عصْمَة بن بَدْر الفَزَارِي ، فأَفْضى الكلامُ إلى ذِكرِ مَنْ أعرضَ عن خَصْمِه حِلْماً ، أو أعرض عنـه خَصْمُه احتقاراً ، حتى ذكر الصَّلَتَان العَبْدِي واللعِين المنقري ، وما كان من احتقار جرير والفرزدق لهما . فقال عصمة : سأحدِّثكم بما شاهدته عيني ، ولا أحدّثكم عن غيري : بينا أنا أسيرُ في بلاد تميم مرتحلاً نجيبة ، وقائداً جَنيبة ، عنَّ لي راكب على أوْرَقَ جَعْد اللُّغَام ، فاجتازبي رافعاً صَوْتَه بالسلام . فقلت : مَنِ الراكبُ الجهيرُ الكلامِ ، المحيي بتحيَّةٍ الإسلام ؟ فقال : أنا غَيْلان بن عُقْبَة . فقلت : مرحباً بالكريم حَسَبُه ، الشـهير نسبه ، السائر منطقه . فقال : رَحُبَ وَادِيك ، وعز وادِيك ، فمن أنت ؟ قلت : عصمة بن بدر الفزاري . فقال : حيّاك الله ، نعم الصديقُ ، والصاحبُ والرفيقُ . وسِرْنا فلما هَجَّرنا قال : ألا نُغَوِّرُ يا عصمة ، فقد صهرتنا الشمسُ ؟ فقلت : أنْتَ وذاكَ ، فملْنا إلى شجرات ألاء كأنـهن عذارَى متبرّجات ، قد نَشَرْنَ الغدائر ، وسرّحْن الضفائر ؛ لأَثلاثٍ متناوحات ؛ فحطَطْنا رِحَالنا ، ونِلْنَا من الطعام ، وكان ذو الرمة زهيدَ الأكل . وزال كل منا إلى ظل أثلة يريد القَائِلَة ، واضطجع ذو الرُّمة ، وأردتُ أن أصنَعَ صنيعَه ، فوليْتُ ظَهْري الأرض ، وعيناي لا يملكهما غُمض ، فنظرتُ غير بعيدٍ إلى ناقةٍ كَوْمَاء ، ضَحِيَتْ وغَبِيطُها مُلْقًى ، وإذا رجل قائم يكلؤها كأنـه عَسِيفٌ أو أسيف ، فلَهِيت عنـهما ، وما أنا والسؤال عما لا يَعْنِيني ونام ذو الرُّمة غِرَاراً ، ثم انتبهَ ، وكان ذلك في أيام مُهَاجاته لذلك المرّي . فرفع عقرته ينشد فيه : المتقارب :
أمنْ ميَّةَ الطلَلُ الدارِسُ . . . ألظّ بـه العاصِفَ الرَامِسُ
فلم يَبْقَ إلا شَجيج القَذَال . . . ومُسْتَوْقَدٌ ما لَه قَابِسُ
وجَوْضٌ تَلَّثَمَ من جانبَيْهِ . . . ومحتَفَل دَائِرٌ طامِسُ
وعَهدِي بهِ وبهِ سَكْنُهُ . . . ومَيَّةُ والإِنْسُ والآنس
ستأتي امرأَ القيس مأثورةٌ . . . يغنِّي بها العابِرَ الْجَالِسُ
ألم تر أنًّ امرأ القيْس قد . . . ألظّ بـه داؤه الناجس
همُ القومُ لا يَألَمُون الهِجَاءَ . . . وهل يَأْلَمُ الحَجَرُ اليابِسُ ؟
فما لهُمُ في الفَلاَ رَاكِبٌ . . . ولا لهمُ في الوَغى فَارِسُ
إذا طَمحَ الناسُ للمكرمات . . . فَطَرفُهمُ المطرِقُ الناعِسُ
تعَافُ الأكارِمُ إصهارَهم . . . فكل نسائهمُ عَانِسُفلمّا بلغ هذا البيت جعل ذلك النائم يمسح . عينيه ويقول : أذو الرُّمَيْمَة يمنعني النوم بشعرٍ غيرِ مثقف ولا سائر ؟ فقلت : يا غيلان ، منْ هذا ؟ فقال : الفريزد ، يعني الفرزدق ، وحَمي ذو الرمة : المتقارب :
وأمَا مُجَاشعٌ الأَرْذَلُون . . . فلم يَسْقِ ميّتَهُمْ رَاجِسُ
سَيَعْقلُهم عن مَساعِي الكِرَام . . . عِقَالٌ ، ويَحْبِسُهم حَابِسُ
فقلت : الآن يَشْرق فيثُور ، ويعمُّ الفرزدقُ هذا وقبيله بالهجاء . فوالله ما زاد على أن قال : قبحاً لك يا ذا الرُّمَيْمَة أتعرِضُ لمثلي بمَقَال مُنتحل . ثم عاد في نَوْمِه كأن لم يسمَعْ شيئاً ، وسار ذو الرّمة وسِرْت ، وإني لأرى فيه انكساراً حتى افترقْنا .
قوله فيما ولد على الفرزدق بمقال مُنتحل ، يريد أن البيتَ الأخير منقول من قول جرير : الطويل :
ألم تر أن الله أَخْزَى مجاشِعاً . . . إذا ما أفاضَتْ في الحديث المجالسُ
وما زال معقولاً عِقالٌ عن الندى . . . وما زال محبوساً عن المجد حَابِسُ
عقال : ابن محمد بن سعيد بن ، مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وهو جَذ الفرزدق . وحابس : ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم ، وهو أبو الأقرع بن حابس أحدُ المؤلّفة قلوبهم .
فِقر في الشعر
قيل لابن الزّبَعْرى : لم تقصّر أشعارك ؟ فقال : لأنـها أعْلَق بالمسامع ، وأجْوَل في حافِلِ . وقيل ذلك لعقيل بن عُلَّفة في أهاجيه ، فقال : يكفيك من القلاَدَة ما أحاط بالعُنُقِ .
غيره : لسانُ الشاعر أرض لا تُخْرِج الزهر حتى تستسلف المطر ، وما ظنّك بقوم الاقتصارُ محمود إلا فيهم ، والكذب مذموم إلا منـهم . إياكم والشاعر فإنـه يطلب على الكذب مَثُوبة ، ويقرع جليسه بأدنى زَلّة .
أبو القاسم الصاحب بن عباد : النثر يتطايرُ كتَطايُر الشّرر ، والنظم يبقى بقاء النَّقْش الحَجَر .
أبو عبيدة : الزّحَاف في الشعر كالرُخْصَة في الدين ، لا يُقدِم عليها إلا فقيه .وقال أبو فراس الحمداني : مخلع البسيط :
تَناهَضَ الناسُ للمعاني . . . لَمَّا رَأَوْا نحوَها نُهوضي
تكلّفوا المكرمات كَذّا . . . تَكلُفَ الشعرِ بالعَرُوضِ
وقد مدح الجاحظ العروض وذمّها ، فقال في مدحها : العروض ميزان ، ومعراض بها يعرَفُ الصحيح من السقيم ، والعليل من السليم ، وعليها مَدَار الشعر ، وبها يسلم من الأَوَدِ والكَسْر . وقال في ذمّه : هو علم مُوَلّد ، وأدب مستَبْرد ، ومذهب مرفوض ، وكلام مجهول ، يستنكر العقل بمستفعلن وفعول ، من غير فائدة ولا محصول .
ومن مفردات الأبيات في هذا المعنى قول دعبل : الطويل :
يموتُ ردِيءُ الشعرِ من قبل أهْلِه . . . وجَيّدُه يَبْقَى وإن مات قَائِلهْ
البحتري : البسيط :
أعْيَا عليَّ ؛ فلا هَيَّابةٌ فَرِقٌ . . . يَخْشَى الهِجاءَ ، ولا هَشّ فَيُمتدَحُ
آخر : الوافر :
ومِمّا يَقْتُل الشعراء غَمّاً . . . عداوة من يُغَلّ عن الهجاء
أحمد بن أبي فَنن : الطويل :
وإن أحقّ الناس باللؤم شاعرٌ . . . يَلوم على البخلِ اللئامَ ، ويَبْخلُ
وهذا كقول علي بن العباس الرومي في أبي الفياض سَوّار بن أبي شراعة ، وكان سوّار شاعراً مجيداً : الكامل :
يا مَنْ صناعته الدعاءُ إلى العُلاَ . . . ناقَضْتَ في فِعليك أيّ نِقَاضِ
عجباً لحَضَّاضِ الكِرَام على الذي . . . هو فيه محتاجٌ إلى حَضَاضِ
وَصَفَ المكارِم وهْوَ فيها زاهِدٌ . . . ورَأى الجميلٍ وفيه عنـه تَغَاضِ
لم ألْقَ كالشعراء أكثر حارضاً . . . وأشدَّ معتِبَة على الحَرّاضِكم فيهمُ من آمرٍ برشيدةٍ . . . لم يأتِها ، ومرغبٍ رفَّاضِ
يا حسرتي لمودَّةٍ أدبيةٍ . . . لم نفترق عنـها افتراقَ تَرَاضِ
ليس العتابُ بنافعٍ في قاطع . . . أعْيَا المشيبُ تتابعَ المِقْرَاضِ
ثم قال بعد هذا التبكيت والعِتَاب ما منعه أن يَتَوَهَم أنـه هجاه : الكامل :
وَلَمَا هجوتُكَ ، بل وعظتُك إنَني . . . لا أجعلُ الأعراض كالأغراضِ
فاكفُفْ سِهامَك عَن أخيك فإنما . . . آسفْته ، فَرَمَاك بالمعرَاضِ
فمتى حلمتُ وجدتَ أحْنفَ دَهْرِهِ . . . ومتى جهلتُ مُنيتَ بالبرّاضِ
فاعذِر أخاك على الوعيد ؛ فإنما . . . أنذرت قبل الرَّمْي بالإنباضِ
واعلم وقيت الجهلَ أن خساسةً . . . بطرُ الغنى ومذلّةُ الإبعاضِ
ثم هجاه بقوله : البسيط :
وما تكلمتَ إلا قلت فاحشةً . . . كأن فكّيْك للأغراض مِقْراضُ
مـهما تقل فسِهَامٌ منكَ مُرْسَلةٌ . . . وَفُوَك قوْسُك والأعراض أغْرَاض
وابن الرومي هذا كما قال مسلم بنُ الوليد الأنصاري في الحكم بن قنبر المازني : الخفيف :
عَابني من معايبٍ هُنَّ فيهِ . . . حكم فاشتفى بها من هَجَائي
وكما قال الآخر : الطويل :
ويأخذ عيبَ الناسِ مِن عَيْبِ نفسه . . . مُرادٌ لعمري ما أرادَ قريبُ
ترجمة الأحنف بن قيس وأخباره
وروى عيسى بن دَأب قال : أول ما عرف الأحنف بن قيس وقُدَّم أنـه وفد على عمر بن الخطاب ، رضي الله عنـه ، وكان أحْدَثَ القوم سناً ، وأقبحهم منظراً ، فتكلم كل رجل من الوَفْدِ بحاجته في خاصته ، والأحنف ساكِتٌ ، فقال له عمر : قل يا فتى فقام فقال : يا أميرَ المؤمنين ، إن العرب نزلتْ بمساكن طيبة ذات ثمار وأنـهار عذَاب ، وأكنَّة ظليلة ، ومواضع فسيحة ، وإنا نزلنا بسَبِخةٍ نَشَّاشة ، ماؤُها مِلْح ، وأفنيتها ضيقة ، وإنما يأتينا الماء في مثل حلق النعامة فإلا تدركنا يا أمير المؤمنين بحَفْر نـهر يَغْزر ماؤه ، حتىتأتيَ الأمَة فتغرف بجرّتها وإنائها أوشك أن نـهلك ، قال : ثم ماذا ؟ قال : تزيد في صَاعِنا ومُدنا ، وتثبت من تلاَحق في العطاء من ذُرّيّتنا . قال : ثم ماذا ؟ قال : تخفّف عن ضعيفنا ، وتنصف قوينا ، وتتعاهد ثغورنا ، وتجهّز بعثَنا ، قال : ثم ماذا ؟ قال : إلى ها هنا انتهت المطالب ، ووقف الكلام . قال : أنت رئيس وَفْدِك ، وخطيب مِصرك ، قم عَنْ موضعك الذي أنت فيه . فأدناه حتى أقعده إلى جانبه ، ثم سأله عن نسبه ، فانتسب له ، فقال : أنت سيدُ تميم ، فبقيت له السيادة إلى أن مات .
وهو الأحنف ، واسمُه الضحّاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن حصن بن عبادة بن النزال بن مرّة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم .
وقال بعض بني تميم : حضرتُ مجلس الأحنف وعنده قومٌ مجتمعون له في أمرٍ لهم ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إنّ الكرمَ مَنْعُ الحرمِ ، ما أَقربَ النقمةَ من أهل البَغْي ، لا خيرَ في لذَّةٍ تُعقِب ندماً ، لم يهلك من اقتصد ، ولم يفتقر من زهد ، رب هزْل قد عاد جِداً ، من أَمِن الزمان خانـه ، ومن تَعَظّم عليه أهانـه ، دَعُوا المِزَاحَ فإنـه يُوَرِّثُ الضغائن ، وخَيرُ القول ما صَدَّقه الفِعْل ، احتملوا لِمَنْ أَدلَّ عليكم ، واقبلوا عُذْرَ من اعتذر إليكم ، أطِعْ أخاك وإن عَصَاك ، وصِلْهُ وإن جَفَاك ، أنصفْ مِنْ نفسك قبل أن يُنتصفَ منك ، إياكم ومشاوَرَة النساء ، واعلم أنّ كُفْرا النِّعَمِ لؤم ، وصُحْبَة الجاهل شُؤم ، ومن الكرم الوفاء بالذّمم ، ما أَقْبَح القطيعةَ بعد الصلةِ ، والجفاءَ بعد اللَّطَف ، والعداوة بعد الوُدّ ، لا تكونَنَّ على الإساءةِ أقوى منك على الإحسان ، ولا إلى البُخْل أسرعَ منك إلى البَذْل ، واعلَمْ أن لك من دُنياك ما أصلحت بـه مَثْوَاك ، فأنفق في حَقّ ، ولا تكن خازِناً لغيرك ، وإذا كان الغَدْرُ موجوداً في الناس فالثِّقَةُ بكل أحدٍ عَجْز ؛ اعْرِف الحقّ لمن عَرفَه لك ، واعلم أنَّ قطيعةَ الجاهلِ تَعْدِل صلةَ العاقل . قال : فما سمعتُ كلاماً أبلغَ منـه . فقمت وقد حفظته .
ودخل الأحنف على معاوية ، ويزيدُ بين يديه ، وهو ينظرُ إليه إعجاباً ، فقال : يا أبا بَحْر ، ما تقولُ في الولَدِ ؟ فعلم ما أراد ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، هم عمادُ ظهورنا ، وثمرُ قلوبنا ، وقرة أعيننا ، بهم نَصولُ على أعدائنا ، وهم الخلف مِنَّا بَعْدَنا ، فكن لهم أرضاً ذليلة ، وسماءً ظليلة ، إن سألوك فأَعْطِهم ، وإن استعتبوك فأَعْتِبْهُم ، ولا تمنَعْهم رِفْدِكفيملِّوا قُرْبَك ، ويستثقلوا حياتَك ، ويتمنّوا وَفاتك . فقال : للَّه درُّك يا أَبا بَحْر ، هُمْ كما قلت .
وزعمت الرواة أنـها لم تسمع للأَحنف إلا هذين البيتين : المتقارب :
فلو مدّ سَرْوي بمالٍ كثير . . . لَجُدتُ وكنتُ له بَاذلا
فإنّ المروءةَ لا تستطاع . . . إذا لم يَكُنْ مالُها فاضِلا
وكان يُبَخَّل . وقال لبني تميم : أتزعمون أني بخيل واللّه إني لأُشير بالرَّأْي قيمتُه عشرةُ آلاف درهم فقالوا : تقويمك لرَأْيك بُخْل . وكان الأَحْنفُ من الفضلاء الخطباء النّسّاك ، وبه يُضْرَب المثل في الحِلْم .
وقد ذُكر للنبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، فاستغفَر له ، فقد بعث النبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، رجلاً إلى قومـه بني سَعْد يَعْرض عليهم الإسلام ، فقال الأحنف : إنـه يدعوكم إلى خَيْر ، ولا أسمعُ إلا حسناً . فذُكِر للنبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : ' اللهم اغْفر للأحنف ' . وكان الأحنفُ يقول : ما شيء أَرْجَى عندي مِنْ ذلك . قال عبدُ الملك بن عُمَير : قدم إلينا الأحنفُ ، فما رأينا خصلةً تُذَمّ في رجل إلا رأيناها فيه ، كان أصلع الرَّأْسِ ، متراكب الأسنان ، أشْدَق ، مائل الذَّقَنِ ، ناتئ الوجنتين ، باخق العينين ، خفيفَ العارضين ، أحْنف الرّجلين ، وكانت العينُ تقتحمُه دَمَامَةً وقلّة رُواء ، ولكنـه إذا تكلَّم جَلَّى عن نفسِه . وهو الذي خطب بالبصرة حين اختلفت الأحياءُ ، وتنازعت القبائل ؛ فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : يا معشرَ الأزد وربيعة ، أنتم إخوانُنا في الدين ، وشركاؤنا في الصَهْرِ ، وأكفاؤُنا في النسب ، وجيرانُنا في الدار ، ويَدُنا على العَدُوّ ، واللّه لأَزْدُ البَصرة أحب إلينا من تميم الكوفة ، ولأزد الكوفة أحبّ إلينا من تميم الشام ، وفي أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم .
وقد قام خطباءُ البصرة في هذا اليوم وتكلّموا وأَسهبوا ، فلمّا قام الأحنف أَصْغَت القبائلُ إليه ، وانثالتْ عليه ، وقال الناس : هذا أَبو بَحْرٍ ، هذا خطيب بني تميم ، وحضر ذلك الجمعَ جاريةٌ لآلِ المـهلب ، فذهبتْ ترومُ النظر إليه ، فاعتاص ذلك عليها ، فأشرفَتْ عليه من دارِها ، فلمّا رأته والأبصارُ خاشعةٌ لكلامـه ، ورأت دمامةَ خَلْقه ، وكثرة آفاتِ جوارِحه ، قالت : فُقدَتْ هذه الخِلْقة ولو افترَّتْ عن فَصلِ الخطاب .وذكر المدائني أنَّ الأحنفَ بن قيس وَفَدَ على معاوية ، رضي الله عنـه ، مع أهل العراق ، فخرج الآذِنُ ، فقال : إنّ أميرَ المؤمنين يعزم عليكم ألا يتكلمَ أحدٌ إلا لنفسه . فلمّا وصلوا إليه قال الأحنف : لولا عَزْمَة أمير المؤمنين لأخبرته أن َّة دَفَّتْ ، ونازلةً نزلَتْ ، ونابتة نبتَتْ ، كلّهم بهم حاجة إلى معروفِ أمير المؤمنين وبرّه ، قال : حسبك يا أبا بحر ، فقد كفيت الشاهِدَ والغائب .
ولما عزم معاوية على البيعة ليزيد كتب إلى زياد أن يوجِّه إليه بوَفْد أهلِ العراق ، فبعث إليه بوَفْدِ البصرة والكوفة ، فتكلَّمت الخطباءُ في يزيد ، والأحنف ساكِتٌ ، فلما فرغوا قال : قل يا أَبا بَحْر ، فإنَّ العيونَ إليك أَشْرَع منـها إلى غيرها ، فقام الأحنف فحمد الله وأَثنى عليه ، وصلّى على نبيِّه ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، ثم قال : يا أميرَ المؤمنين ، إنك أعلَمُنا بيزيدَ في ليله ونـهاره ، وِإعلانـه وإسراره ، فإنْ كنتَ تَعْلَمُه لله رضاً فلا تشاوِرْ فيه أحداً ، ولا تُقِمْ له الخطباءَ والشعراء ، وإن كنتَ تعلم بُعْدَه من الله فلا تزوّده من الدنيا وتَرْحَل أنْتَ إلى الآخرة ، فإنك تَصير إلى يومٍ يفرُّ فيه المرءُ من أخيه ، وأمّه وأبيه ، وصاحبته وبنيه . قال : فكأنـه أفْرغ على معاوية ذنوب ماء بارد . فقال له : اقعُدْ يا أبا بَحْرة فإن خِيرَة الله تَجْرِي ، وقضاءَ الله يمضِي ، وأحكام الله تنفذ ، لا مُعَقِّب لحكمـه ، ولا رَادَّ لقضائه ؛ وإن يَزيدَ فتًى قد بلَوْنَاه ، ولم نجِدْ في قريش فتى هو . أَجْدَر بأن يُجتمَع عليه منـه . فقال : يا أمير المؤمنين ، أنت تَحْكِي عن شاهد ، ونحن نتكلَمُ على غائب ، وإذا أراد الله شيئاً كان .
قال ابن الرومي : الكامل :
إن امرأً رَفَض المكاسب واغْتَدَى . . . يتعلَّمُ الآدَابَ حتى أحكما
فكسَا وحَلَّى كلَّ أرْوَع مَاجد . . . من حُرِّ ما حاكَ القرِيضَ ونَظما
ثِقةً برعْي الأكْرمين حقوقَه . . . لأحقّ ملتمسٍ بألاّ يُحْرَما
قال أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمَار : ومن نادرِ شعر أبي الحسن في هذا المعنى - قوله ، ووصف إتعاب الشعراء أنْفُسَهم بدُؤوبهم في صناعتِهم ، وما يتصرّم من أعمارهم ، وأن إلحاحَهم في طلَبِ ما في أيدي من أسلفُوه مديحَهم لو كان رغبة منـهم إلى ربهم كان أجْدَى عليهم ، وأقرب من درك بُغْيتهم ، ونُجْح طَلِبتهم ، ثم انحرف إلى توبيخ من مَدَحه فحرمـه بأحسن عبارة ، وأرضى استعارة ، فقال : الكامل :
للناس فيما يكلفون مَغَارِم . . . عند الكِرَام لها قَضَاءُ ذمَامِومغارم الشعراء في أشعارهم . . . إنفاقُ أعماَرٍ وهَجرُ مَنَامِ
وجفاء لذاتٍ ورفضُ مكاسب . . . لو حُولفت حرست من الإعدام
وتَشَاغُل عن ذكر رب لم يَزَلْ . . . حَسَنَ الصنائعِ سابغَ الإنعام
من لو بخدمته تشاغل معشرٌ . . . خدموكم أجْدَى على الخدام أفَما لذلك حُرْمة مرعيّةٌ . . . إنّ الكرامَ إذاً لغَيْرُ كِرامِ
لم أحتَسِبْ فيك الثوابَ بمِدْحتي . . . إياك يا ابن أكارِم الأقوامِ
لو كان شعرِي حِسْبَةً لم أكْسُهُ . . . أحداً أحق بـه من الأيتام
لا تقبلنّ المدْحَ ثم تعافهُ . . . فتنام والشعراءُ غيرُ نيامِ
واحذَرْ معرَّتهم إذا دنَّستهم . . . فلهم أشدُّ معَرّة العُرَّام
واعلَمْ بأَنـهمُ إذا لم يُنصَفوا . . . حكموا لأنفسهم على الحكّام
وجناية العادِي عليهم تنقَضِي . . . وعقابهُم يَبْقَى مع الأيامِ
أبو الطيب المتنبي : الكامل :
ومكايِدُ السفهاء واقعةٌ بِهِمْ . . . وعَداوةُ الشعراء بِئْسَ المُقْتَنَى
مات الأحنف بن قيس بالكوفة ، فمشى مصعب بن الزبير في جنازته بغير رداء ، وقال : اليوم مات سرُ العرب ؛ فلما دُفن قامت امرأةٌ على قبره فقالت : لله دَرُّك من مُجَنٍّ في جَننٍ ، ومُدْرَج في كَفَن ، نسألُ الذي فجعنا بموتك ، وابتلانا بفَقْدِك ، أن يجعلَ سبيلَ الخيرِ سبيلَك ، ودليلَ الرّشد دَليلك ، وأن يوسّع لك في قبرك ، ويغفر لك يوم حَشْرِك ؛ فواللّه لقد كنت في المحافل شريفاً ، وعلى الأرامل عَطُوفاً ، ولقد كنت في الحي مُسَوَّداً ، وإلى الخليفة مُوفَداً ، ولقد كانوا لقولك مستَمِعين ، ولرأيك متّبِعين ؛ ثم أقبلت على الناس فقالت : ألا إن أولياء الله في بلادِه ، شـهود على عباده ، وإني لقائلةٌ حقّاً ، ومثنيةٌ صِدْقاً ، وهو أهلٌ لحُسْنِ الثناء ، وطيب النّثَا ، أما والذي كنتَ من أجله في عدَّة ، ومن الحياةِ إلى مدَّة ، ومن المقدار إلى غاية ، ومن الإياب إلى نـهاية ، الذي رفع عملك ، لما قَضَى أجَلَكَ ، لقد عِشت حميداً مودوداً ، ومُتَّ سعيداً مفقوداً ، ثم انصرفت وهي تقول : الكامل :
للهِ دَرُك يا أبا بَحْرِ . . . ماذا تغيبَ منكَ في القَبْر ؟لله دَرُّك أيّ حَشْوِ ثرًى . . . أصبحتَ من عُرْف ومِن نُكْرِ
إنْ كان دهرٌ فيك جرَّ لنا . . . حدَثاً بـه وهَنَتْ قُوَى الصَّبْرِ
فلكم يَدٍ أسديتها ويدٍ . . . كانَتْ تَرُدُّ جرائرَ الدهرِ
ثم انصرَفت فسُئِل عنـها ، فإذا هي امرأتُه وابنةُ عقَه . فقال الناس : ما سمعْنا كلامَ امرأة قطّ أبلغ ولا أصدق منـه .
قال : وكان الأحنفُ قدم الكوفة في أيام مصعب بن الزبير ، فرآه رجلٌ أعورَ دميماً قصيراً أحْنَفَ الرجلين ، فقال له : يا أبا بحر ، بأي شيء بلغتَ في الناس ما أرى ؛ فوالله ما أنتَ بأشرف قومِك ، ولا أجودِهم ؟ فقال : يا ابن أخي ، بخلاف ما أنت فيه قال : وما هو ؟ قال : تَرْكِي من أمرك ما لا يعنيني ، كما عَنَاك من أمري ما لا تتركه .
ترجمة منصور النمري وأخباره
اجتمع الشعراء بباب المعتصم فبعث إليهم : مَنْ كان منكم يحْسِنُ أن يقول مثل قول منصور النَّمري في أمير المؤمنين الرشيد : البسيط :
إنِّ المكارمَ والمعروفَ أودية . . . أحلّك الله منـها حيث تجتمعُ
إذا رفَعْتَ امرأً فاللَهُ رافِعُه . . . ومن وضعْتَ من الأقوام متضعُ
من لم يكن بأمين اللهِ معتضماً . . . فليس بالصلواتِ الخمس ينتفعُ
إنْ أخلف الغيثُ لم تُخْلِف أناملُه . . . أو ضاق أمرٌ ذكرناه فيتسع
فليدخل ، فقال محمد بن وهيب : فينا من يقولُ خيراً منـه ، وأنشد : البسيط :
ثلاثةٌ تشرِقُ الدنيا ببهجتهم . . . شمس الضحى وأبو إسحاقَ ، والقمر
يحكي أفاعيلَه في كل نائبةٍ . . . الغيثُ والليثُ والصمصَامة الذكَرُ
فأَمر بإد وأحسن صلَته .
أخذ معنى البيت الأول من بيتي محمد بن وهيب أبو القاسم محمدُ بن هانئ الأندلسي : الكامل :
المُدْنَفانِ من البَرِيةِ كلِّها . . . قَلْبي وطَرْفٌ بابليّ أَحْوَرُوالمُشْرِقاتُ النَّيراتُ ثلاثةٌ ؛ . . . الشمسُ والقمرُ المنيرُ وجَعْفَرُ
وبيت أبي القاسم الأول مأخوذ من قول ابن الرومي : مجزوء الرمل :
يا عليلاً جعل العِلة مِفْتاحاً لسقمي
ليس في الأرض عليلٌ . . . غير جَفْنَيك وجِسْمِي ومَرَّ النمري بالعتابي مغموماً فقال : ما لك ، أعزَّك اللّه ؟ فقال : امرأتي تطلقُ منذ ثلاث ونحنُ على يَأْسٍ منـها . فقال له العتابي : وإنَّ دواءها منك أقربُ من وجهها ، قل : هارون الرشيد ، فإن الولدَ يخرج فقال : شكوت إليكَ ما بي ، فأجبتني بهذا ؟ فقال : ما أخذت هذا إلا من قولك : البسيط :
إن أخلف الغيث لم تخلف أنامِله . . . أو ضاق أمرٌ ذكرناه فيتسعُ
وأبيات منصور بن سَلمة بن الزبرقان النمري التي ذكرها المعتصم من قصيدة له وهي أحسنُ ما قيل في الشيب أَولها : البسيط :
ما تنقضي حَسْرَةٌ ولا جَزَع . . . إذا ذكرتُ شباباً ليس يُرْتَجَعُ
بانَ الشباب وفاتَتْني بغرَّتِه . . . خطوبُ دَهْرٍ وأَيامٌ لها خُدَعُ
ما كنتُ أوفي شبابي كُنْه غِرَّتِه . . . حتى انقضى فإذا الدنيا له تَبعُ
تعجَّبَتْ أن رأتْ أسرابَ دمعتِه . . . في حلبة الخدِّ أجْرَاها حشًى وَجِعُ
أصبحت لم تطعمي ثُكْلَ الشباب ولم . . . تَشْجَي بغُصَتِه فالعُذْر لا يَقعُ
لا ألحين فتاتي غير كاذبةٍ . . . عين الكذوب فما في ودِّكم طمَع
ما واجه الشيبَ من عَيْبٍ وإن وَمِقَتْ . . . إلا لها نَبْوَة عنـهُ ومُرْتَدَعُ
إني لمعترف ما فيَّ من أرَبٍ . . . عند الحسان فما للنَّفْسِ تَنْخَدِع
قد كدت تقضي على فَوْت الشباب أسًى . . . لولا تعزيك أنّ الأمرَ منقطِعُوذُكر أن الرشيد لما سمع هذا بكى ، وقال : ما خير دنيا لا تخطر فيها ببرد الشباب وأنشد متمثّلاً : الوافر :
أَتأمُل رَجعَة الدنيا سَفَاهاً . . . وقد صار الشبابُ إلى ذهَابِ
فليت الباكياتِ بكلّ أرض . . . جُمِعْنَ لنا فنُحْنَ على الشبابِ
وكان الرشيد يقدم منصوراً النمري بجَوْدَة شعره ، ولمَا يَمُتُّ إليه من النسب من العباس بن عبد المطلب ، رضي الله عنـه ، وكانت نثيلة أم العباس من النمر بن قاسط ؛ ولمَا كان يُظْهِر من الميل إلى إمَامَة العباس وأهله ، والمنافرة لآل علي ، رضي الله عنـه ، ويقول : الوافر :
بني حسن وقل لبني حُسَين . . . عليكمْ بالسَّدَادِ من الأمورِ
أميطوا عنكُم كذِب الأماني . . . وأحلاماً يَعِدْن عِداة زُورِ
تسَمون النبي أباً ويَأْبى . . . من الأحزاب سَطرٌ في سطورِ
يريدُ قولَ الله تعالى : ' ما كانَ محمدٌ أبا أحَدٍ من رِجالِكُمْ ' . وهذا إنما نزل في شأن زيد بن حارثة ، وكان رسولُ الله ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، تبنّاه ، فقال له الرشيد : ما عدوتَ ما في نفسي ، وأمره أن يدخلَ بيتَ المال فيأخذ ما أحب .
وكان يضمر غير ما يظهر ، ويعتقد الرّفض ، وله في ذلك شعر كثير لم يَظْهَرْ إلا بعد موته ، وبلغ الرشيد قوله : الكامل :
آلُ النبيِّ ومَنْ يُحِبُّهمُ . . . يتطامَنون مَخافَةَ القَتْلِ
أمِنَ النصارى واليهودُ ومَن . . . من أُمَةِ التوحيد في أزْلِ
إلاَّ مَصَالت ينصرُونَهُمُ . . . بظُبَا الصَّوارم والقَنا الذُبْلِ
فأمر الرشيد بقتله وكان حينئذ برأس العين ، فمضى الرسولُ فوجده قد مات فقال الرشيد : لقد هممت أن أنبش عظامَه فأحرقها . وكان يُلْغِز في مدحه لهارون ، وإنما يريد قول النبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، لعليّ ، رضوان الله عليه : ' أنت مني بمنزلة هارون من موسى ' . وقال الجاحظ : وكان يذهب أولاً مذهب الشُّراة ، فدخل الكوفة وجلس إلى هشام بن الحكمالرافضي وسمع كلامَه ، فانتقل إلى الرفض ، وأخبرني مَنْ رآه على قبر الحسين بن علي ، رضي الله عنـهما ، ينشد قصيدتَه التي يقول فيها : الوافر :
فما وُجدت على الأكتاف منـهم . . . ولا الأقفاء آثارُ النُّصولِ
ولكنّ الوجوهَ بها كُلومٌ . . . وفوق حجُورهم مَجْرَى السيولِ
أرِيق دمُ الحسين ولم يراعوا . . . وفي الأحياء أمواتُ العُقولِ
فدتْ نفسي جبينَكَ مِنْ جَبِينٍ . . . جرَى دمُه عل خدٍّ أسيل
أيخلو قلبُ ذي وَرَع ودِينٍ . . . مِنَ الأحزانِ والألمِ الطويل وقد شَرِقَتْ رِماحُ بني زيادِ . . . بِرِيًّ من دماء بني الرسول
بتربة كَرْبلاءَ لهم دِيارٌ . . . نيامُ الأهل دارِسَةُ الطُّلُولِ
فأوصال الحسين ببَطْنِ قاع . . . ملاعبُ للدَّبور وللْقَبول
تحياتٌ ومغفرة وروحٌ . . . على تلك المحلّة والحُلولِ
برئنا يا رسولَ الله ممن . . . أصابك بالأذيِّةِ والذُّحولِ
أخبار ابني المعذل
وقال أحمد بن المعذل : الوافر :
أخو دَنَفٍ رَمتْه فأقصدَتْهُ . . . سِهَامٌ من جفونِكِ لا تَطِيشُ
كئيب إن ترحّل عنـه جيشٌ . . . من البَلْوى ألم بـه جُيُوشُ
وكان أحمد بن المعذَّل بن غَيْلان العبدي في اللغة والبيان والأدب والحلاوة غايةً .
قال : دخلتُ المدينة فتحملت على عبد الملك بن الماجشون برجل ليخصّني ويُعنَى بي ، فلما فاتحني قال : ما تحتاجُ أنت إلى شفيع ، معك من الحذاء والسقاء ما تأكلُ بـه لبّ الشجر ، وتشرب صَفْوَ الماء .وكان أخوهُ عبد الصمد يؤذيه ويهجُوه ، فكتب إليه أحمد : أما بعدُ ، فإنَّ أعظم المكروه ما جاء من حيث يُرْجَى المحبوب ، وقد كنتَ مؤَملاً مَرْجواً ، حتى شمل شرّك ، وعمّ أذاك ، فصرت فيك كأبي العاقّ : إن عاش نغَّصه ، وإن مات نَقَصَه ، واعلمْ لقد خشَنت صَدْرَ أخٍ جَيْبُه لك ناصحٌ ، والسلام .
وكان يقول له : أنت كالأصبع الزائدة : إن تُرِكَتْ شانَتْ ، وإن قطعت آلمت .
ومثلُ هذا قولُ النعمان بن شمر الغساني : الطويل :
وصَالُ أبي برْدٍ عَنَاءٌ ، وتركه . . . بلاء ، فما أدْرِي بـه كيف أصنعُ
إذا زُرْته يومين ملَّ زِيارتي . . . وإن غبت عنـه ظلّتِ العين تَدْمَعُ
وقول الضحاك بن همام الرقاشي : الطويل :
وأنتَ امرؤٌ منّا خلقت لغيرنا . . . حياتُك لا تُرْجَى وموتك فاجِعُ
وأنت على ما كان منك ابنُ حرّةٍوإني لما يرضى بـه الخصم مانِعُ
وفيك خصالٌ صالحات يَشِينُهَا . . . لديك جفاءٌ عندهُ الودُّ ضائعُ
وقال بعضُ المحدثين : الطويل :
إذا ساءني في القولِ والفعل جاهِداً . . . وفي كل حال مَنْ أحب وأَمحَضُ
فيا ليتَ شِعْرِي ما يعاملني بـه . . . على كلّ ذنبِ مَن أُعادِي وأبغِضُ
وقال أبو العباس المبرد : وكان أحمد بن المعذّل من الأُبّهة ، والتمسك بالمنـهاج ، والتجنُّب للعَبث ، والتعرّض للإشفاق لِما في أيدي الناس ، وإظهار الزُهْدِ فيه ، والتباعد عنـه ، على غاية ، حتى حُمِل في فقهاء وأدباء من أهل البصرة ، فأَخذَ الصلة غيرَ مُمْتَنع ولا مُنكر . ووصله إسحاق بن إبراهيم فقبل ، واستدعى اجتباءه إيّاه ، وتحلى له جهده ، فقال عبد الصمد : الوافر :
عذيري من أخٍ قد كان يُبْدِي . . . عَلَى مَنْ لاَبسر السلطانَ عَتْبَهْ
وكان يذمّهم في كلّ يوم . . . له بالجهل والهذيان خُطْبَهْ
فلما أن أتته دُرَيهماتٌ . . . من السلطان باعَ بهنَّ رَبَّهْ
وقال فيه : مجزوء الخفيف :
لِي أخ لا تَرَى لهُ . . . سائلاً غيرَ عاتِبِأجْمَعُ الناسِ كلّهمْ . . . للئيمِ المَذَاهِب
دون معروفِ كفّهِ . . . لَمْسُ بعضِ الكواكبِ
ليت لي منك يا أخي . . . جارةً مِنْ مُحارب
نارها كلّ شَتوَةٍ . . . مِثْل نارِ الحُبَاحِبِ
ذهب إلى قول القُطَامي ، وقولُ القطامي من خبيث الهجاء ، وكان نَزل بامرأةٍ من محارب بن خَصَفَةَ بن قيس بن عَيْلان بن مضر فذمّ مَثْوَاه عندها ، فقال . الطويل :
وإني وإنْ كان المسافرُ نازلاً . . . وإن كان ذا حقّ على الناسِ واجبِ
فلا بدّ أن الضيفَ يُخبِرُ ما رَأى . . . مُخَبِّرُ أهلٍ أو مُخَبّرُ صاحب
لَمخبرك الأنباءَ عن أُمِّ منزل . . . تضيّفتُها بين العُذيب فراسِبِ
تلفّعت في طَلّ وريح تَلُفُّني . . . إلى طرمِسَاء غَيْرِ ذات كواكبِ
إلى حَيْزَبُون تُوقِد النارَ بعدما . . . تَلَفًّعَتِ الظلماءُ من كل جانب تصَلّى بها بَرْد العِشاء ولم تكن . . . تَخَالُ وميض النار يَبْدُو لراكب
فما راعها إلا بُغامُ مطيّتي . . . تريح بمحسود من الصوت لاغب
فجُنَّتْ فنوناً من دِلاَث مُنَاخةٍ . . . ومن رَجُل عارِي الأشاجع شاحبِ
سَرَى في حَلِيكِ الليل حتى كأنما . . . تخزّم بالأطراف شوكُ العقَارِب
تقول وقد قرّبتُ كُورِي وناقتي . . . إليك ، فلا تذعَرْ عليَّ ركائبي
فسلَّمت والتسليمُ ليسَ يسرُّها . . . ولكنـه حَقٌّ على كل جانب
فردّت سلاماً كارهاً ثم أعرضتْ . . . كما انحاشَت الأفعى مخافةَ ضارِب
فلمَّا تنازعنَا الحديثَ سألتُها . . . مَنِ الحيُّ ؟ قالت : معشرٌ من محَارب
من المشتَوين القدّ مما تَرَاهم . . . جِيَاعاً ورِيفُ الناس ليس بنَاضِبِفلمّا بَدا حرمانُها الضيفَ لم يكن . . . عليّ مبيتُ السوء ضَرْبةَ لاَزب
وقُمْت إلى مَهْريَّة قد تعوَّدَتْ . . . يَداها ورِجْلاَها حثيثَ المراكِبِ
ألاَ إنّما نيرانُ قيسٍ إذا شَتَوْا . . . لطارقِ ليل مِثْلُ نارِ الحُبَاحبِ
ومحارب : قبيلة منسوبة إلى الضعف ، وقد ضربت العربُ بها المثل . قال الفرزدق لجرير : الطويل :
وما استعهدَ الأقوامُ مِنْ زوج حُرةٍ . . . من الناس إلا منك أو من مُحَاربِ
أي يأخذون العَهْدَ عليه أنـه ليس من كليبٍ ولا من محارب .
وقال أبو نواس في قصيدته التي فخر فيها باليمانية وهجا قبائل معد : المنسرح :
وقيسُ عَيْلانَ لا أريدُ لها . . . من المخازي سِوَى مَحاربِها
وكانت أم عبد الصمد بن المعذل طباخةً ، فكان أحمد يقول إذا بلغه هجاؤه : ما عَسِيتُ أن أقول فيمن أُلْفِحَ بين قدر وتَنُّور ، ونشأ بين زُق وطُنبورا ؟ وعبد الصمد شاعر أهل البصرة في وقته ، وهو القائل : الطويل :
تكلفُني إذلالَ نفسي لعِزِّها . . . وهان عليها أن أُهان لتكرما
تقول : سَلِ المعروف يحيى بن أكثم . . . فقلت : سَلِيه رَبَّ يحيى بن أكثما
قال أبو شُراعة القَيسي : كنتُ في مجلس ، العُتْبي مع عبد الصمد بن المعذل ، فتذاكرنا أشعارَ المولدين في الرقيق ، فقال عبد الصمد : أنا أشعر الناس فيه وفي غيره ، فقلت : أحذق منك والله بالرقيق الذي يقول ، وهو راشد بن إسحاق أبو حُكيمة الكوفي : الطويل :
ومستوحشٍ لم يمْس في دارِ غُرْبَةٍ . . . ولكنَّهُ ممن يحبّ غَرِيبُ
طَوَاه الهوى واستشعر الوَصل غيرهُ . . . فشطَتْ نَواهُ والمَزارُ قَريب
سلامٌ على الدارِ التي لا أزورُها . . . وإن حَلها شخصٌ إليَّ حبيبُ
وإن حَجبتْ عن ناظريَّ ستُورُها . . . هوًى تَحْسُن الدُّنيا بـه وتَطِيبُ
هوى تَضْحَكُ اللّذاتُ عند حضوره . . . ويَسخَنُ طَرْف اللهو حين يَغِيب
تثنَّى بـه الأعطافُ حتى كأنـهُ . . . إذا اهتزَ من تحتِ الثيابِ قَضِيبُألم تر صَمْتي حين يَجْري حديثهُ . . . وقد كنت أُدعَى باسْمِه فأجيبُ
رضيت بسَعْي الدهر بيني وبينـه . . . وإن لم يَكن للعين فيه نصيبُ
أحاذِر إنْ واصلته أن ينالني . . . وإياه سَهْمٌ لِلْفراقِ مُصِيبُ
أرى دون مَنْ أهوى عيوناً تريبني . . . ولا شك أني عندهنّ مُرِيبُ
أُدارِي جليسي بالتجلّد في الهوى . . . ولي حين أخلو زَفْرَة ونَحِيبُ
وأُخْبَرُ عنـه بالذي لا أحبّهُ . . . فيضحك سِنِّي والفؤادُ كَئيب
مخافةَ أن تَغْرَى بنا ألسنُ العِدَا . . . فيطمع فينا كاشحٌ فيعيب
كأن مجالَ الطّرَف في كل ناظر . . . على حَرَكات العاشقين رقيبُ
أرَى خطرات الشوق يبكين ذَا الهوى . . . ويصِبين عقلَ المرءَ وهْو لبيبُ
وكم قد أذل الحب من متمنعٍ . . . فأضحى وثَوْبُ العز منـه سَلِيبُ وإن خُضُوعَ النفس في طلب الهوى . . . لأمرٌ ، إذا فكرتُ فيه ، عَجيب
فلم ينطق بحرف .
ولأبي شُراعة يمدح بني رياح : البسيط :
بني رياح ، أعاد اللَهُ نعمَتكم . . . خير المَعاد وأسقى رَبْعَكم دِيمَا
فكم بِهِ من فَتى حُلْو شمائلهُ . . . يكادُ ينـهلُّ من أعطافِه كَرَما
لم يلبسوا نعمةً لِلَه مُذْ خلقوا . . . إلاَّ تلبسها إخوانـهم نِعما
وفي إبراهيم بن رياح يقول عبد الصمد بن المعذل : الخفيف :
قد تركت الرياح يا ابنَ رياح . . . وهي حَسرَى إنْ هبَّ منـها نسيم
نـهكتْ مالَكَ الحقوقُ فأَضْحَى . . . لكَ مَال نِضوٌ وفعلٌ جَسيم
وكان عبد الصمد بن المُعَذل متصلاً بإبراهيم ونبيه ، وأفاد منـهم أموالاً جليلة ، واعتقد عقداً نفيسة ، فما شكر ذلك ولا أصحبه بما يجب عليه من الثناء عند بكْبَته ، وكان الواثق عزَلَه عن ديوان الضياع ، ودفعه إلى عمر بن فرج الرخجي ، فحبسه فهجاه عبد الصمد .قال أبو العباس محمد بن يزيد : وكان عبد الصمد شديدَ الإقدام على رديء السريرة فيما بينـه وبين الناس ، خبيث النية ، يرصُد صديقَه بالمكروه ، تقديراً أن يعادِيه فيسوءه بأمْرٍ يعرفه ؛ ولا يكاد يَسْلَم لأحد ، وكان مشـهوراً في ذلك الأمر ، يُلْبَسُ عليه ، ويحمل على معرفةٍ ، عجباً بِظَرْف لِسانِه ، وطيبِ مجلسه ، وأيضاً لقُبْح مسَبته ، وشائن معرّته .
قال أبو العيناء : ولما حبس الواثق إبراهيم بن رياح ، وكان لي صديقاً ، صنعتُ له هذا الخبر رجاءَ أن ينتهي إلى أمير المؤمنين فينتفع بـه ، فأخبرني زيدُ بن علي بن الحسين أنـه كان عند الواثق حين قرِئ عليه فضَحِك واستظرفه . وقال : ما صنع هذا كُفَه أبو العيناء إلا في سبب إبراهيم بن رياح ، وأمر بتخليته ، والخبر قال : لقيتُ أعرابياً من بني كلاب فقلت له : ما عندك من خَبر هذا العسكر ؟ فقال : قتل أرضاً عالِمُهَا ، قال : فقلت : فما عندك من خبر الخليفة ؟ قال : بَخْبخ بعزه ، وضرب بِجِرانـه ، وأخذ الدرهم من مصره ، وأرهف قَلَم كلّ كاتبٍ بجبايته . قلت : فما عندك في أحمد بن أبي دُواد ؟ قال : عُضْلة لا تُطاقُ ، وجَنْدَلة لا تُرَام ، ينتحي بالمدَى لتحزه فيجور ، وتنصب لهُ الحبائل حتى تقول : الآن ، ثم يضبر ضَبْرَة الذئب ، ويخرج خروج الضب ، والخليفة يحنو عليه ، والقرآن آخذ بضبعيه . قلت : فما عندك في عمر بن فرج ؟ قال : ضَخْم حِضجْر ، غضوب هِزَبْر ، قد أهدفه القومُ لبَغْيهم ، وانتضلوا له عن قِسِيِّهم ، وأحْرِ له بمثل مصرع من يصرع . قلت : فما عندك في خبر ابن الزيَّات ؟ قال : ذلك رجُلٌ وسع الوَرى شره ، وبطن بالأمور خيره . فله في كل يوم صريع ، لا يظهر فيه أثرُ ناب ولا مِخلب ، إلا بتسديد الرأي . قلت : فما عندك في خبر إبراهيم بن رياح قال : ذاك رجل أوْبقَه كَرمُه ، وإن يَفُزْ للكرام قدح ، فأحْرِ بمَنْجَاته ، ومعه دعاء لا يخذله ، ورَب لا يسلمـه ، وَفوقه خليفة لا يظلمـه . قلت : فما عندك في خبر نجاح بن سلمة ؟ قال : للَّه درُّه من ناقض أوتار ، يتوقّد كأنـه شعلةُ نار ، له في الفَيْنَةبعد الفينة ، عند الخليفة خلسة كخلسة السارق ، أوْ كحسوة الطائِر ، يقومُ عنـها وَقد أفاد نعماً ، وَأوْقع نقماً . قلت : فما عندك في خبر ابن الوزير ؟ قال : إ كَبْش الزنادِقة ، ألا ترى أنّ الخليفة إذا أهمله خضِمَ ورَتع ، وإذا أمر بتقصيه أمطر فأمْرَع . قلت : فما عندك من خبر الخصيب أحمد ؟ قال : ذاك أحمق ، أكل أكْلَة نَهِم ، فاختلف اختلاف بشم . قلت : فما عندك في خبر المعلى بن أيوب . قال : ذاك رجل قُدّ من صخرة ، فصَبْره صبرُها ، ومسُّه مسُّها ، وكل ما فيه بعد فمنـها ولها . قلت : فما عندك من خبر أحمد بن إسرائيل ؟ قال : كتوم غرور ، وجَلْد صبور ، رجل جِلْدُه جلد نمر ، كلما خرقوا له إهاباً ، أنشأ الله له إهاباً . قلت : فما عندك من خبر الحسن بن وهب ؟ قال : ذاك رجل اتّخذ السلطانَ أخاً ، فاتّخذه السلطانُ عبداً ، قال : قلت : فما عندك من خبر أخيه سليمان بن وهب ؟ قال : شَدّ ما استوفيتَ مسألتك أيها الرجل ذاك حرمة حبست مع صواحباتها في جريرة محرمة ، ليس من القوم في وِرْدٍ ولا صَدَر ، هيهات : الخفيف :
كُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا . . . وعلى الغانيات جرُّ الذيول قال : قلت : فما عندك من خبر عبد الله بن يعقوب ؟ قال : أمواتٌ غير أحياء ، وما يشعرون أيَّانَ يبعثون .
قلت : فأين نزلت فأؤمَّك . قال : ما لي منزل تأمُّه . أنا أستتِر في الليل إذا عَسْعَس ، وَأنتشِرُ في الصبح إذا تنفَّس .
ابن راشد
ومن مليح شعر راشد بن إسحاق بن راشد ، وهو أبو حُكيمة ، وكان قَوِيِّ أسْرِ الشعر : الطويل :
تحيرْتُ في أمري وإني لواقف . . . أُجيلُ وجوه الرأي فيك وما أدري
أأعْزِمُ عَزْمَ اليأْس فالموتُ راحةٌ . . . أمَ اقنَعُ بالإِعْراض والنظَرِ الشَّزْرِ
وإني وإن أعرضت عنك لمُنْطَوٍ . . . على حُرَقٍ بين الجوانح والصدرِ
إذا هاج شوقي مثّلتكَ ليَ المنى . . . فألقاك ما بيني وبينك في سِتْرِ
فديتك لم أصبر ولي فيك حيلةٌ . . . ولكِنْ دعاني اليأسُ فيك إلى الصبرتصبَّرت مغلوباً وإني لموجَعٌ . . . كما صبَر الظمآنُ في البلد القفْر
وقال : الوافر :
عتبت عليك في قطع العتاب . . . فما عَطَفَتْك ألسنة العتابِ
وفيما صرت تظهر لي دليل . . . على عَتْب الضميرِ المستَرابِ
وما خطرتْ دواعي الشوقِ إلاَّ . . . هززْتُ إليك أجنِحَةَ التصابي
وقال أيضاً : الطويل :
ضحِكْت ولو تَدْرِين ما بِي من الهوى . . . بَكَيْتِ لمحزونِ الفؤادِ كئيبِ
لمن لم تُرَحْ عيناه من فَيْضِ عَبْرَةٍ . . . ولا قَلْبُهُ مِنْ زَفْرَةٍ ونحيب
لمستأنس بالهمِّ في دارِ وَحْشَةٍ . . . غريب الهَوى باكٍ لكل غريبِ
ألا بأبي العيشُ الذي بانَ فانقضى . . . وما كان من حُسْنٍ هناك وطِيبِ
لياليَ يدعونا الصّبا فنجيبهُ . . . ونأخذُ مِنْ لذاتِه بنصيبِ
نردِّدُ مستور الأحاديث بيننا . . . على غَفْلَةٍ من كاشح ورقيب
إلى أن جرى صَرْفُ الحوادث في الهوى . . . فبُدِّلَ منـها مَشْهَدٌ بمَغِيب
وله مذهب استفرغ فيه أكثر شعره ، صُنتُ الكتاب عن ذكره .
أخبار عبد الملك بن صالح
دعا الرشيد بعبد الملك بن صالح - وكان معتقلاً في حَبْسه - فلما مَثَل بين يديه التفت إليه ، وكان يُحدث يحيى بن خالد بن بَرْمك وزيرَه ، فقال متمثّلاً : الوافر :
أريد حياتَه ويريدُ قَتْلي . . . عذيرَكَ من خليلِكَ من مُرادِ
ثم قال : يا عبدَ الملك ، كأني أنظر إلى شُؤْبُوبها قد هَمَع ، وإلى عارِضِها قد لَمَع ، وكأني بالوعيد قد أوْرَى ، بل أدْمى ، فأبرز عن بَراجمَ بلا مَعَاصِم ، ورؤوس بلا غَلاَصم ، فمـهلاً بني هاشم ، فبي والله سَهُلَ لكم الوَعْر ، وصفا لكم الكَدِر ، وألقَتْ لكم الأمور أثناءَ أزِمتها ، فنذار لكم نذراً قبل حلول داهية خبوط باليد والرجْل ، فقالعبد الملك : أفذّاً أتكلم أم تَوْأماً ؟ قال : بل فَذّاً ، قال : اِتّقِ الله يا أمير المؤمنين فيما ولآك ، وأحفظْه في رعاياك الذي استرعاك ، ولا تجعل الكفر بموضع الشكر ، والعقاب بمَوْضِع الثواب ، فقد ، واللّه ، سَهُلَت لك الوعور ، وجمعت على خوفك ورجائكِ الصدور ، وشددْتُ أوَاخِي ملكك بأوثَقَ من رُكْنَيْ يَلَمْلَمَ ، وكنتُ لك كما قال أخو بني جعفر بن كلاب - يعني لبيداً - : الرمل :
ومقام ضَيّقٍ فرّجتهُ . . . بلسانٍ وبَيَانٍ وجَدَلْ
لو يقومُ الفيلُ أو فيالُهُ . . . زَلَّ عن مثل مقامي وزَحَل
فأعاده إلى محبسه ، وقال : لقد نظرتُ إلى موضع السيف من عاتقه مراراً ، فيمنعني عن قتله إبقائي على مثله .
وأراد يحيى بن خالد أن يضَعَ من عبد الملك ليُرْضِيَ الرشيد ، فقال له : يا عبد الملك ، بلغني أنك حَقُود فقال عبد الملك : أيها الوزير ، إنْ كان الحقد هو بقاء الشّرّ والخير ، إنـهما لباقيان في قلبي فقال الرشيد : تاللّه ما رأيتُ أحداً احتجَّ للحقد بأحْسَنَ مِمّا احتجَّ بـه عبد الملك .
وقد مدح ابن الرومي الحقد ، وأخذ هذا المعنى من قول عبد الملك ، وزاد فيه ، فقال لعاتب عابه بذلك : الطويل :
لئن كُنْتَ في حفظي لما أنا مُودَعٌ . . . من الخير والشّرِّ انتحيْتَ على عرضِي لَمَا عِبْتَني إلاَّ بفضل إبانة . . . وربَّ امرئ يُزْرِي على خُلُق مَحْض
ولا عيبَ أنْ تُجْزَى القروضُ بمثلها . . . بل العيبُ أن تَدان دَيناً ولا تقضي
وخيرُ سحيَّاتِ الرجال سجيةٌ . . . توفيك ما تسدي من القَرْض بالقرض
إذا الأرض أدَّتْ رَيْع ما أنت زارعٌ . . . من البَذْر فيها فهي ناهيك من أرضِ
ولولا الحقُودُ المستكنات لم يكنْ . . . لينقض وتراً آخر الدهر ذو نقض
وما الْحِقْدُ إلا توأم الشكر في الفتى . . . وبعض السجايا ينتمين إلى بعض
فحيث ترى حِقداً على ذي إساءة . . . فثَمَّ ترى شكراً على حَسَن القَرْضوقال يرد على نفسه ، ويذمُّ ما مدح ، توسعاً واقتداراً : البسيط :
يا مادحَ الحقدِ محتالاً له شبهاً . . . لقد سَلَكْتَ إليه مسلكاً وَعِثا
إن القبيح وإنْ صنّعت ظاهِرَهُ . . . يعودُ ما لمَ منـه مرةً شَعِثَا
كم زَخْرَف القول ذو زُور ولبَّسهُ . . . على القلوب ولكن قل ما لبثَا
قد أبرم الله أسباب الأمور معاً . . . فلن ترى سبباً منـهن منتكِثا
يا نَ الحِقْدِ في ضعفي جوانبهِ . . . ساء الدفينُ الذي أضحت له جَدثا
الحقدُ داءٌ دَوِيٌّ لا دواءَ لهُ . . . يَرِي الصدورَ إذا ما جمْرُهُ حُرثا
فاستشْفِ منـه بصَفْحٍ أو معاتبةٍ . . . فإنما يبرئ المصدورَ ما نَفَثَا
واجعل طلابك بالأوتار ما عظمتْ . . . ولا تكن بصغير القول مُكْترِثا
فالعفوُ أقربُ للتقوى وإن جُرمٌ . . . من مجرم جَرَحَ الأكبادَ أو فرثا
يكفيك في العفو أن الله قرّظهُ . . . وحَيْاً إلى خير من صلى ومن بُعِثا
شـهدت أنك لو أذنبت ساءك أن . . . تلقى أخاك حَقُوداً صَدْره شرثا
إذا وسَرَّك أن تلقى الذنوب معاً . . . وأن تصادف منـه جانباً دَمِثَا
إني إذا خلط الأقوام صالحُهمْ . . . بسيئ الفعل جداً كان أو عَبثَا
جعلت قلبي كظرف السبك حينئذ . . . يستخلص الفِضَّة البيضاء لا الخَبَثا
ولستُ أجعله كالحوض أمدحُه . . . بحِفْظِ ما طاب من ماءً وما خَبُثا
والبيتُ الذي تمثل بـه الرشيد هو لعمرو بن معد يكرب يقوله لقَيس بن المكشوح المرادي ، وقد تمثّل بـه علي بن أبي طالب ، رضي الله عنـه ، لَمَّا رأى عبد الرحمن بن مُلْجَم المرادي فقال له : أنت تخضب هذه من هذه ، وأشار إلى لحيته ونُقْرَته . فقيل له : يا أميرَ المؤمنين ، ألا تقتله ؟ فقال : كيف يقتلُ المرءُ قاتلَه ؟ .
وكان بين مَسْلَمة بن عبد الملك وبين العباس بن الوليد تباعُد ، فبلغ العباس أن مسلمة ينتقصه ، فكتب إليه يقول : الوافر :
ألا تَقْنَى الحياءَ أبا سعيدٍ . . . وتُقْصِر عن مُلاحَاتي وعَذْلِي ؟فلولا أنّ فَرْعَك حين تُنْمَى . . . وأصلك منتهى فرعي وأصلي
وإني إن رَمَيْتُك هِضْتُ عَظمي . . . ونالتني إذا نَالتْك نَبْلي
لقد أنكرتَني إنكارَ خوفٍ . . . يَضُمُ حشَاك عن شَتْمي وأكْلِي
فكم من سَوْرةٍ أبطأتَ عنـها . . . بنى لك مجدَهَا طلبي وحَفْلِي
ومُبْهمة عييتَ بها فأبدى . . . عَويلي عن مخارجها وفَضْلي
كقول المرء عَمْرٍو في القوافي . . . لِقَيسٍ حين خالف كلَّ عَدْل
عذيري من خليلي من مرادٍ . . . أُريدُ حياته ويريدُ قَتْلي
لم يتفق له في القافية كما قال عمرو ، فغيّره .
وعبد الملك هذا هو ابن صالح بن علي ، وكان بليغاً جَهيراً فاضلاً عاقلاً . وقال الجاحظ : قال لي عبد الرحمن مؤدب عبد الملك بن صالح : قال لي عبد الملك ، بعد أن خصّني وصيرنِي وزيراً بدلاً من قُمامة : يا عبدَ الرحمن ، انظر في وجهي ؛ فأنا أعْرَفُ منك بنفسك ولا تُسْعِدني على ما يقبح ؛ دع عنك كيف الأمير ، وكيف أصبح الأمير ؟ وكيف أمْسَى ؟ واجعل مكانَ التقريظ حُسْنَ الاستماع مني ، واعلم أن صوابَ الاستماع أحسنُ من صواب القول ، وإذا - حدّثتك حديثاً فلا يفوتنك شيء منـه ؛ وأرِنِي فهمَك في طرفك ؛ إني اتخذتك وزيراً بعد أن كنت مُعَلِّماً ، وجعلتُك جليساً مقرّباً بعد أن كنت مع الصبيان مُبْعَداً ، ومتى لم تعرف نقصان ما خرجت منـه لم تعرف رُجْحَان ما صرتَ إليه .
وساير الرشيدُ عبدَ الملك ، فقال له قائل : طأطئ من إشرافه ، واشْدُدْ من شكائمـه ، وإلاّ فسدَ عليك ، فقال له الرشيد : ما يقولُ هذا ؟ قال : حاسدُ نِعْمة ، ونافس رُتبة ، أغضبه رِضَاكَ عني ، وباعدَه قُرْبُك مني ، وأساءه إحسانُك إلي . فقال له الرشيد : انخفض القومُ وعلوتَهم ؛ فتوقَدَتْ في قلوبهم جَمْرةُ التأسف . فقال عبد الملك : أضْرَمَها الله بالتزيد عندك فقال الرشيدُ : هذا لك وذاك لهم .
وصعد المنبر ، فأُرتج عليه فقال : أيّها الناس ، إن اللسان بضْعَة من الإنسان تكل بكَلاله إذا كل ، وتنفسح بانفساحه إذا ارتجل ، إن الكلامَ بعد الإفحام كالإشراقِ بعد الإظلام ، وإنا لا نسكتُ حَصَراً ، ولا ننطقُ هَذَراً ؛ بل نسكتُ مفيدين ، وننطق مُرْشِدين ،وبعد مقامنا مقام ، ووراء أيامِنا أيَّام ، بها فَصْل الخِطاب ، ومواقع الصواب ، وسأعودُ فأقول ، إن شاء الله تعالى .
وقال الأصمعي : كنتُ عند الرشيد فدعا بعبد الملك بن صالح من حَبْسِه ، فقال : يا عبد الملك ، أكُفراً بالنِّعمةِ ، وغَدْراً بالسلطان ، ووثوباً على الإمام ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، بُؤْتُ بأعباءِ الندم ، واستحلال النّدم واستحلال النقم ، وما ذاك إلا من قولِ حاسدٍ ، ناشدتك الله والولاية ، ومودَّة القرابة . فقال الرشيد : ، يا عبد الملك ، تَضعُ لي لسانك ، وترفعُ لي جَنَانك ، بحيث يحفظُ الله لي عليك ، ويأخذ لي منك ، هذا كاتُبك قمامة ينبئ عن غِلِّكَ ، فالتفت عبدُ الملك إلى قُمامة وكان قائماً ، فقال : أحقّاً يا قمامة ؟ قال : حقّاً ، لقد رُمْتَ خَتْر أمير المؤمنين فقال عبد الملك : وكيف لا يكذِب علي يا أمير المؤمنين في غَيبتي من يَبْهَتني في حضرتي . فقال الرشيد : دَعْ قمامة ، هذا ابنُك عبد الرحمن ينبئ عنك بمثل خبر قمامة ، فقال عبد الملك : إنّ عبد الرحمن مأمور أو عَاقّ ؛ فإن كان مأموراً فهو معذور ، وإن كان عاقاً فما أتوقّع من عقوقِه أكثر .
بين الرشيد والخارجين من السجن
وقال الرشيد للحسن بن عمران وقد أُدْخِل عليه يَوْسُفُ في قُيُودِه : ولّيتك دمشق وهي جنّة موثِقة ، تحيط بها غُدُر كاللّجين ، فتكِف على رياضٍ كالزّرَابي ، وكانتْ بيوتَ أموال فما برح بها التعدّي ، حتى تركتَها أجرَدَ من الصَّخْرِ ، وأوحش من القَفْر فقال : يا أميرَ المؤمنين ، ما قصدت لغير التوفيق من جهتِه ، ولكني ولّيت أقواماً ثَقُلَ على أعناقهم الحق ، فتفرَّغوا في ميدان التعدّي ، ورأوْا أنْ المراغمة بتَرْك العِمارة أوقَعُ بإضرار السلطانِ ، وأنوَه بالشنعة ؛ فلا جَرَم أنَّ مَوْجِدَة أمير المؤمنين قد أخذتْ لهم بالحظّ الأوفر من مساءتي فقال عبد الله بن مالك : هذا أجزلُ كلام سُمع لخائف ، وهذا ما كنّا نسمعه عن الحكماء : ' أفضل الأشياء بديهةُ أمْنٍ وردَتْ في مقامِ خَوْف ' .
ولما رَضِيَ الرشيدُ عن يزيد بن مَزْيد دَخل عليه فقال : الحمد للّه الذي سَهّلَ لي سُبُلَ الكرامةِ بلقائك ، وردَّ عليَّ النعمةَ بوَجْهِ الرضا منك ، وجزاكَ الله في حال سُخْطِك حقّ المتثبتين المراقبين ، وفي حَال رضاكَ حقّ المنعمين المتَطَولين ؛ فقد جعلك اللّه - وله الحمد - تتثبت تحرّجاً عند الغضب ، وتتطول ممتنَّاً بالنعم ، وتستَبْقي المعروفَ عند الصنائع تفضُّلاً بالعَفْو .في باب الرثاء
وفي يزيد بن مزيد يقول مسلم بن الوليد مرثيته ، وقد رُويت له في يزيد بن أحمد السلمي : الكامل :
قَبْرٌ ببَرْذَعَةَ أسْتَسَرَّ ضريحُه . . . خَطَراً تقَاصَرُ دونـهُ الأخْطَارُ
نَفَضَتْ بك الأحلاسُ نَفْضَ إقامةٍ . . . واستَرْجَعَتْ نُزَّاعَها الأمصارُ فاذْهَبْ كما ذهبتْ غَوَادي مُزْنَةٍ . . . أثنى عليها السهلُ والأوْعَارُ
سلكَتْ بكَ العَرَبُ السبيلَ إلى العُلاَ . . . حتى إذا سبق الرَّدَى بك حارُوا
وقال أبو عبد الرحمن محمد بن أبي عطية يرثي أخاه : الكامل :
حَنَّطْتَه يا نصرُ بالكافور . . . وزَفَفْتَه للمنزل المـهجورِ
هلاّ ببعض خِصَالِه حَنَّطْتَهُ . . . فيصوغَ أفق منازلٍ وقُبورِ
والله لو بنسيم أخلاق لهُ . . . تُعْزَى إلى التقديسِ والتطهير
حنطت من وطئ الحصى وعَلاَ الربى . . . لتزوّد بل عُدَّةً لنشور
فاذهب كما ذهب الشبابُ فإنـهُ . . . قد كان خير مُجَاوِر ومُجير
واذهب كما ذهب الوفاء فإنـه . . . عصفت بـه رِيحاَ صباً ودَبُور
والله ما أبّنْتُه لأزيدهُ . . . شرَفاً ولكن نَفْثَة المصدُورِ
ومات رجلٌ من العرب كان يعولُ اثني عشر ألفاً ، فلما حُمل على سريره صرّ ، فقال بعضُ من حضر : الطويل :
وليس صَرِيرُ النعشِ ما تسمعونـهُ . . . ولكنـه أصلابُ قومٍ تَقَصّفُ
وليس فتيق المسك ما تجدونـهُ . . . ولكنـه ذاك الثناءُ المخلَّفُ
وقال عبد الله بن المعتز في عبيد الله بن سليمان بن وَهْب يرثيه : الخفيف :
يا ابنَ وَهْبٍ بالكُرْه منِّي بقيتُ . . . عجبي يوم متَّ كيف حَيِيتُ
إنما طيّب الثناء الذي خلفت . . . لا مِسْك نَعْتِك المفتوتُ
واختصرت الطريق بعدك للمو . . . ت فلاقيتُه ولستُ أفوتُكيف يَبْقَى على الحوادث حَيٌّ . . . بيدِ الدَّهْرِ عُودُه منحوت
وقال أيضاً : المتقارب :
ذكرت ابنَ وَهْبٍ فللّه ما . . . ذكرتُ وما غيّبوا في الكَفَنْ
تقطر أقلامـه من دم . . . ويعلمُ بالظن ما لم يَكُنْ
وظاهر أطرافه سَاكنٌ . . . وما تحته حَرَكاتُ الفَطِنْ
وقال : الطويل :
ذكرت عبيد الله والتربُ دُونَه . . . فلم تحبس العينانِ منّي بكاهُما
وحَاشاه من قولٍ سَقَى الغيثُ قبرَهُ . . . يدَاهُ تروّي قبرَه مِنْ نَدَاهُما
وهذا مأخوذ من قول الطائي : الطويل :
سقى الغيثُ غيثاً وارَتِ الأرضُ شَخْصَه . . . وإن لم يكُنْ فيه سحابٌ ولا قَطْرُ
وكيف احْتِمالي للسحابِ صنيعةً . . . بإسقائها قَبْراً وفي لَحْدِه البَحْرُ
وقال ابن المعتز : الخفيف :
لم تَمُتْ أنتَ ، إنما مات مَنْ لم . . . يُبْقِ في المجدِ والمكارم ذِكْرا
لستُ مستسقياً لقبرك غيثاً . . . كيف يَظْمَأ وقد تضمَّن بَحْرا ؟
والبيت الثاني من هذين من بيت الطائي : وقال : البسيط :
محمدُ بنُ حُمَيْدٍ أُخلِقت رِمَمُهْ . . . أُرِيق ماءُ المعالي إذْ أرِيقَ دَمُهْ
رأيته بنِجادِ السيفِ مُحْتَبياً . . . كالبدر حين انْجَلتْ عن وجهه ظُلمُهْ
في روضةٍ حفها من حولها زَهَرٌ . . . أيقنت عند انتباهي أنـها نِعَمُهْ
فقلتُ والدمعُ من وَجْدٍ ومن حُرَق . . . يَجْرِي وقد خدَّدَ الخدَين منسَجمُهْ :
ألم تمت يا سليلَ المجد من زمنٍ ؟ . . . فقال لي : لم يَمُتْ من لم يمت كَرَمُهْ
وقال بعض أهل العصر : البسيط :
عُمْرُ الفتىَ ذِكرُه ، لا طولُ مدَّتِه . . . وموتُه موتُه لا موته الدَّانيفأَحي ذكرَك بالإحسان تزرعهُ . . . تُجْمَعْ بـه لك في الدنيا حَياتانِ
وقال عبد السلام بن رَغبان الحِمْصي : الطويل :
سَقَى الغَيْثُ أَرضاً ضمِّنتكَ وسَاحَةً . . . لَقَبْرُكَ فعه الغَيْثُ واللَّيْثُ والبَدْرُ
وما هي أَهْلٌ إذْ أصابتك بالبِلَى . . . لسُقيا ، ولكنْ مَنْ حَوَى ذلك القَبْرُ
أخذ هذا البيت الأول ، الراضي فقال يرثي أباهُ المقتدر : الطويل :
بنفسي ثرًى ضُمِّنْت في سَاحة البِلَى . . . لقد ضَمَّ منك الغيثَ والليثَ والبَدْرا فلو أنّ عمري كان طوعَ مشيئتي . . . وأسعدني المقدورُ قاسمْتُكَ العمرا
ولو أنَ حيّاً كان قَبْراً لميِّتٍ . . . لصيَّرْتُ أحشائي لأَعْظُمـه قَبْرا
هذا البيت ينظر إلى قول المتنبي : الكامل :
حتى أتَوْا جَدَثاً كأن ضريحهُ . . . في قَلْبِ كل موحِّدٍ محفورُ
أخبار قطر الندى
لما حُملت قَطْرُ الندى بنت خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون إلى المعتضد كتب معها أبوها إليه يذكر بحُرْمَة سلفها بسلفه ، ويذكرُ ما ترِدُ عليه من أبّهة الخلافة ، وجلالة الخليفة ، ويسأل إيناسها وبَسْطَها ، فبلغَتْ من قَلْبِ المعتضد لما زُفَت إليه . مبلغاً عظيماً ، وسُرَّ بها غاية السرور ، وأمر الوزير أبا القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب بالجواب عن الكتاب ، فأراد أن يكتبَه بخطّه ، فسأله أبو الحسين بن ثَوَابَة أن يُؤْثره بذلك ففعل ، وغاب أياماً وَأتى بنسخة يقول في فصل منـها : وأمّا الوَدِيعةُ فهي بمنزلَةِ شيءٍ انتقل من يمينك إلى شمالك ، عنايةً بها ، وحِيَاطة عليها ، ورعايةً لمودتك فيها . ثم أقبل عبيد الله يُعجب من حُسْنِ ما وقع له من هذا ، وقال : تسميتي لها بالوديعة نصفُ البلاغة ، فقال عبيد اللّه : ما أقبحَ هذا تفاءلْتَ لامرأةٍ زُفَّت إلى صاحبها بالوديعة ، والوديعةُ مستردة . وقولك : لا من يمينك إلى شمالك أقبح ؛ لأنك جعلت أباها اليمين وأمير المؤمنين الشمالَ ، ولو قلت : وأما الهديةُ فقد حسن موقعها منّا ، وجلّ خطرُها عندنا وهي وإنْ بعدَتْ عنك ، بمنزلة من قربَتْ منك ؛ لتفقُّدِنا لها ، وأنسِنا بها ، ولسرورها بما وردَتْ عليه ، واغتباطها بما صارت إليه لكان أحسن . فنفذ الكتاب .
وكانَتْ قَطْرُ الندى مع جمالها موصوفةً بفضل العقل ، خلا بها المعتضد يوماً للأُنسبها في مجلسٍ أفرده لم يحضرْه غيرها ، فأخذَتْ منـه الكأس ، فنام على فخذها ، فلمّا استثقلَ وضعَتْ رأسَه على وسادة ، وخرجت فجلست في ساحة القصر على باب المجلس ، فاستيقظ فلم يَجِدْها ، فاستشاط غضباً ، ونادى بها فأجابته على قرب ، فقال : ما هذا ؟ أَخليتك إكراماً لكِ ، ودفعتُ إليك مـهجتي دون سائر حظاياي ، فتضَعِين رأسي على وسادة فقالت : يا أمير المؤمنين ، ما جهلتُ قدرَ ما أنعمتَ بـه عليّ ، وأحسنتَ فيه إليّ ، ولكن فيما أدَّبني بـه أبي أن قال لي : لا تنامي مع الجلوس ، ولا تجلسي بين النيام .
رجع إلى الرثاء
وفي أبي الحسين بن ثوابة يقول ابن المعتز يَرْثيه : الخفيف :
ليس شيءٌ لصحّةٍ ودَوام . . . علبَ الدهرُ حِيلة الآقَوامِ
وتولّى أبو الحُسين حميداً . . . فعلى رُوحه سَلام السلامِ
حين عاقدْته على الحِفْظ للعَه . . . د وصافحْتُه بكفِّ الذِّمام
واصطفتْه على الأخلاَّءِ نَفْسي . . . كاصطفاءِ الأرواح للأجسامِ
كَانَ رَيْحانة النّدامى وميزا . . . ن القَوافِي شعراً وبَحْر كَلاَمِ
ومكان السهم الذي لا يَرَى الشكَّ ولا يستغِيث بالأوهام
ساحر الوحي في القراطيس لا تحبس عنـه أعنّة الأقلام
فإذا ما رأيته خِلْت في خدَّيْه صُبْحاً منقّباً بظلام
نفسُ ، صَبْراً لا تجزَعِي إن هذا . . . خُلق من خلائق الأيام
ما قالته الشعراء في ريعان الشباب
وأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب لرجل من بني كلاب : الطويل :
سقَى الله دهراً قد توالَتْ غَيَاطِلُهْ . . . وفارقَنا إلا الحُشَاشة باطِلهْ
لياليَ خِدْني كلُّ أبيضَ ماجدٍ . . . يُطيع هَوى الصابي وتُعْصَى عواذِلهْ
وفي دَهْرِنا والعيشُ في ذاك غِرّة . . . ألا ليتَ ذاك الدهر تُثْني أوإئِلُهْ
بما قد غنينا والصِّبا جُلُّ همِّنا . . . يمايلنا رَيْعَانُه ونُمَايُلهْ
وجَرَّ لنا أذيالَه الدهرُ حِقْبَةً . . . يطاوِلنا في غَيِّهِ ونُطَاولُهْفَسَقْياً له من صاحبٍ خذلَتْ بنا . . . مطيّتُنا فيه ووَلَت رَواحلُه
أَصُدُّ عن البيتِ الذي فيه قاتلي . . . وأهجرُه حتى كأنيَ قاتلُهْ هذا البيت يناسب قول ذي الرمة ، إن لم يَكُن في هذا المعنى ، يصِفُ ظبية وولَدَها : الطويل :
إذا استودَعتْه صفصفاً أو صَرِيمَةً . . . تنخت ونصّتْ جِيدَها بالمناظِر
حِذَاراً على وَسْنانَ يَصْرعُه الكَرى . . . بكل مَقِيل عن ضِعافٍ فواتِرِ
وتهجرُه إلا اختلاساً نَهَارَهَا . . . وكم من مُحِب رَهْبَة العَيْنِ هاجِرِ
وقال أبو حية النميري : الوافر :
أما وأبي الشباب لقد أراهُ . . . جميلاً ما يرادُ بـه بَدِيلُ
إذِ الأيامُ مقبلةٌ علينا . . . وظِلُّ أرَاكَةِ الدنيا ظليلُ
وقال علي بن بسام : الوافر :
بشاطئ نـهر قبرك فالمصلَّى . . . فما والاَهُما فالقرْيتَينِ
معاهِدُ لَهْوِنا والعيشُ غَضٌّ . . . وصرف الدهر مقبوضُ اليدينِ
وكان ابن بسام هذا - وهو علي بن محمد بن ، منصور بن بسام ، مليح المقطعات ، كثير الهجاء خبيثهُ ، وليس له حظ التطويل ، وهو القائل : الكامل :
كم قد قطَعْت إليك من دَيْمُومَةٍ . . . نُطَفُ المياهِ بها سَوادُ الناظِرِ
في ليلةٍ فيها السماءُ مُرِذّةٌ . . . سوداءُ مظلمة كقَلْبِ الكافرِ
والبرقُ يخفِقُ من خلال سحابهِ . . . خَفْقَ الفؤاد لموعدٍ من زائرِ
والقَطْرُ منـهمِلٌ يسُحّ كأنـهُ . . . دمع المودّع إثْر إلْفٍ سائرِ
وقال في العباس بن الحسين لما وَزَرَ مكتفي : السريع :
وزارة العباسِ من نَحْسِها . . . ستقلع الدولةَ من أُسِّها
شَبهْته لما بَدَا مُقْبِلاً . . . في خِلع يخجل من لبْسِهاجاريةً رَعنَاء قد قدرَتْ . . . ثياب مولاها على نفسِها
وقال في علي بن يحيى المنجم يَرْثيه : الكامل :
قد زرتُ قبرك يا علي مسلِّماً . . . ولكَ الزيارة من أقلّ الواجبِ
ولو استطعت حملتُ عنك تُرَابهُ . . . فلطالما عني حملتَ نوائبي
وكان مولعاً بهجاء أبيه ، وفيه يقول وقد ابتنى داراً : الرملي :
شِدْتَ داراً خِلْتها مَكْرُمةً . . . سلَّط الله عليها الغَرَقا
وأرانيك صريعاً وسطها . . . وأرانيها صعيداً زَلَقَا
وقال أبو العباس بن المعتز يهجوه : المجتث :
من شاء يَهْجُو علياً . . . فشعرُه قد كفَاهُ
لو أنـه لأبيهِ . . . ما كان يَهْجُو أباهُ
من أخبار المأمون ويزيد بن معاوية
وقال المأمون لأحمد بن أبي خالد ، وهو يخلف الحسنَ بن سَهل ، وقد أشار إليه برأي استرجَحه : قد اعتل الحسنُ ولزم بيته ، ووكَلَ الأمرَ إليك ، فأنا إلى راحته وبقائه ، أحوجُ مني إلى إتعابه وفنائه ، وقد رأيتُ أن أستوزرك ، فإن الأمر له ما دُمْتَ أنت تقوم بـه ، وقد طالعتُ رأيه في هذا الأمر ، فما عَدَاك . فقال : يا أمير المؤمنين ، أَعفِني من التسمي بالوزارة ، وطالبني بالواجب فيها ، واجعلْ بيني وبين الغاية ما يرجوني له وَليِّي ، ويخافني له عدُوَّي ، فما بعد الغايات إلا الآفات . فاستحسن كلامـه ، وقال : لا بُدَّ من ذلك ، واستوزره .
ورأى المأمونُ خط محمد بن دَاود فقال : يا محمد إن شاركْتَنَا في اللفظ ، فقد فارقناك في الخط ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن من أعظم آياتِ النبي ، صلى اله عليه وسلم ، أنـه أدّى عَنِ الله سبحانـه وتعالى رسالاته ، وحفظ عنـه وَحْيَه ، وهو أمي لا يعرف من فنون الخط فَنّاً ، ولا يقرأ من سائره حَرفاً ، فبقي عمود ذلك في أهله ، فهم يَشْرُفون بالشَبَه الكريم في نَقْص الخط ، كما يشرفُ غيرُهم بزيادته ؛ وإن أمير المؤمنين أخصُّ الناس برسول الله ، صلى اله عليه وسلم ، والوارثُ لموضعه ، والمتقلِّد لأمره ونـهيه ؛ فعلقت بـه المشابهة الجليلة ، وتناهَتْ إليه الفضيلة ، فقال المأمون : يا محمد ، لقد تركتني لا آسَى على . الكتابة ، ولو كنتُ أمياً .
وهذا شبيهٌ بقول سعيد بن المسيب ، وقد قيل له : ما بال قريش أضعفُ العرب شعراً ، وهي أشرفُ العرب بيتاً ؟ قال : لأنَّ كَوْن رسول الله صلى اله عليه وسلم ، منـها قطع مَتن الشعر عنـها .وقال إبراهيم بن الحسن بن سَهل : كنّا في مجلس المأمون وعَمْرو بن مَسْعدَةَ يقرأ عليه الرقَاع ، فجاءته عَطْسَةٌ ، فلوَى عنقه فردّها ، فرآه المأمون فقال : يا عمرو ، لا تفعَل فإن ردّ العَطسة وتحويل الوجه بها يُورثان انقطاعاً في العنق . فقال بعض ولد المـهدي : ما أحسنـها من مولَى لعبده ، وإمام لرعيته فقال المأمون : وما في ذلك ؟ هذا هشامٌ اضطربت عِمامته فأَهوى الأبرش الكلبي إلى إصلاحها ، فقال هشام : إنّا نتَّخِذُ الإخوان خَوَلاً فالذي قال هشام أحسنُ مما قلته . فتمال عمرو : يا أمير المومنين ، إنَّ هشاماً يتكلّفُ ما طُبِعْتَ عليه ، ويظلم ، فيما تعدل فيه ، ليس له قرابتك من رسول الله ، صلى اله عليه وسلم ، ولا قيامك بحقّ الله ، وإنك والملوك لكما قال النابغة الذبياني : الطويل :
ألم تَرَ أنّ الله أعطاك سَوْرَةً . . . ترى كل مَلْكٍ دونـها يتذبذبُ
لأنك شمسٌ والملوك كواكبٌ . . . إذا طلعَتْ لما يَبدُ منـهنَّ كوكبُ
أخذ النابغة هذا من قول شاعرٍ قديم من كندة : الطويل :
تكادُ تَمِيد الأرض بالناس إنْ رَأوا . . . لعمرو بن هند غَضبَة وهو عاتِبَ
هو الشمس وافَتْ يوم دَجْنٍ فأفضلَتْ . . . على كل ضوءٍ والملوكُ كواكبُ
قار يزيد بن معاوية لجميل بن أوس ، وكان أكرمـه واجتباه : لم كرِهْت الإفراط في تقديمي ، وتطامَنْتَ عن الدرجة التي سما بك إليها مكانك مني ؟ فقال : أيّدَ الله سلطانك ، وأعلى مكانك ، إن الذين كانوا قبلنا من أهل العلوم والآداب ، والعقول والألباب ، كانوا أطول أعماراً منّا ، وأكثر للزمان صُحْبة ، وأكثر للأيام تجربة ، وقد قال الحكيم : بقدر الثواب عند الرّضا يكون العقاب عند السخط ، وبقَدْر السموّ في الرفعة تكون وَجْبة الرفعة ، ولا خير فيمن لا يسمع الموعظة ، ولا يقبل النصيحة ، وأنا يا أمير المؤمنين ، وإن كنت آمناً من التعرض لسُخْطِك والدنوِّ ممّا يقرب منـه ، فلستُ بآمِنٍ من طَعْنِ المُساوِي في الدرجة عندك ، وحقر المشارك لي في المنزلة منك ، وليس من تقديمك قليل ، ولا من تَعْظِيمك يسير ، فإن أقل ذلك فيه النباهة ، والفخر ، والثناء ، والذكر ، وحسبي مما بذلته من أموالك استحقاقي عندك لإكرامك ، وحسبي من تقديمك خالص رضاك ، وصفاء ضميرك .مختار من أقوال الحكماء عند وفاة الإسكندر
لما جُعِل الإسكندر في تابوت من ذهبٍ تقدّم إليه أحدُهم فقال : كان الملك يخبأُ الذهب ، وقد صار الآن الذهبُ يخبؤه ، وتقدم إليه آخر ، والناسُ يبكون ويجزعون ، فقال : حرَّكنا بسكونـه ، أخذه أبو العتاهية فقال : الخفيف :
يا عليّ بْنَ ثابت بانَ منّي . . . صاحبٌ جَلَّ فَقْدُه يوم بنتا
قد لَعَمْرِي حكيتَ لي غُصَص المو . . . تِ وحرَّكْتَني لها وسَكَنْتَا
وتقدّم إليه آخر فقال : كان الملِكُ يعِظُنا في حياته ، وهو اليومَ أوعظُ منـه أمسِ . أخذه أبو العتاهية فقال : الوافر :
وكانت في حياتك لي عِظَاتٌ . . . وأنتَ اليومَ أوْعَظُ منك حيّا
وتقدّم إليه آخر فقال : قد طاف الأرَضينَ وتملّكها ، ثم جُعل منـها في أربعة أذرع . ووقف عليه آخر فقال : ما لك لا تُقلّ عضواً من أعضائك ، وقد كنت تستقلّ ملكَ العباد ؟ ووقف عليه آخر فقال : انظرْ إلى حلم النائم كيف انقضى ، وإلى ظلّ الغمام كيف انجَلَى . وقال آخر : ما لك لا ترغَبُ بنفسك عن ضيق المكان ، وقد كنت ترغبُ بها عن رحب البلاد وقال آخر : كان الملك غالباً فصار مغلوباً ، وآكلاً فصار مأكولاً . وقال آخر : أمَاتَ هذا الميتُ كثيراً من الناس لئلاّ يموت ، وقد ماتَ الآن . وقال آخر : ما كان أقبح إفراطك في التجبّر أمس ، مع شدّةِ خضوعك اليوم . وقالت بنت دارا : ما علمت أنَّ غالب أبي يُغلَب . وقال رئيس الطباخين : قد نضدت النضائِدُ ، وأُلقيت الوسائد ، ونُصِبت الموائد ، ولستُ أرى عميدَ المجلس .
جملة من كلام ابن المعتز في الفصول القصار في ذكر السلطان
أشْقَى الناس بالسلطان صاحبه ، كما أنّ أقربَ الأشياء إلى النارِ أسرعُها احتراقاً . لا يُدْرِكُ الغني بالسلطان إلا نفس خائفة ، وجِسْمٌ تعِب ، ودينٌ متثلم . إن كان البحرُ كثير الماء فإنـه بعيدُ المَهْوى ، ومَنْ شارك السلطانَ في عزّ الدنيا شاركه في ذُلّ الآخرة . فسادُ الرعية بلا ملك كفسادِ الجسم بلا رُوح ، إذا زادك السلطان تأنيساً فزِدْهُ إجلالاً . مَنْ صحب السلطانَ صبر على قسْوته كصَبْرِ الغوَّاص على ملوحة بَحْرِه . الملك بالدين يبقى ، والدينُ بالمُلكِ يَقْوى . من نصح لخدمة نصحَتْه المجازاة . لا تلتِبس بالسلطان في وقت اضطرابِالأمور عليه ؛ فإن البحر لا يكادُ يسلم صاحبه في حالِ سكونـه ، فكيف عند اختلاف رياحه ، واضطراب أمواجِه ؟ .
ومن كلام أهل العصر وغيرهم في هذا النحو
الأوطانُ حيث يعدل السلطان . إذا نطق لسان العدل في دار الإمارة ، فلها البُشرى بالعز والإمارة . آخر بالملك العادل أن يستقل سريرَه في سُرّة الأرض ، ريحُ السلطان على قوم سَمُوم ، وعلى قوم نَسيم . أخْلِقْ بدم المستخفّ بالجبابرة أن يكون جُبَاراً . من غمس يده في مال السلطان فقد مشى بقدمـه على دَمـه . الملك خليفةُ الله في عبادِه وبلادِه ، ولن يستقيم أمرُ خلافته مع مخالفته . الملك مَنْ ينشرُ أثواب الفضل ، ويبسطُ أنواعَ العدل . السلطانُ كالنارِ : إنْ باعدتها بطل نَفْعُها ، وإن قاربتها عَظُم ضررها . إقبالُ السلطان تَعَب وفِتْنَةٌ ، وإعراضُه حسرة ومذلّة . صاحبُ السلطان كراكب الأسد يهابُه الناسُ وهو لمركبه أهيبُ . السلطانُ إذا قال لعمّاله : هاتوا ، فقد قال لهم : خذوا ثلاثة لا أمان لهم : السلطان ، والبحر ، والزمان . ليكن السلطان عندك كالنار : لا تدنُو منـها إلا عند الحاجة إليها ، وإن اقتبست منـها فعلى حذر . مثل أصحاب السلطان كقوم رَقُوا جبلاً ثم وقعوا منـه ، فكان أقربُهم إلى التلف أبعدَهم في المرقى . مثل السلطان كالجبل الصَعْب الذي فيه كلُّ ثمرة طيبة ، وكل سَبْع حَطوم ، فالارتقاء إليه شديد ، والمقام فيه أشدّ . لئن عزَّ الملوك في الدنيا بالجور ليذلُن في الآخرة بالعدل .
لابن عَبَّاد الصاحِبِ : الوافر :
إذا ولاّك سلطانٌ فزده . . . من التعظيمِ واحْذَرْهُ ورَاقِبْ
فما السلطانُ إلا البحرُ عظماً . . . وتربُ البحر مَحْذُورُ العَواقِبْ
ووصف أحمد بن صالح بن شيران جاريةً كاتبة فقال : كأَنَّ خطها أشكال صورتها ، وكأن مِدَادَها سوادُ شعرها ، وكأن قرطاسها أًدِيمُ وَجْهِها ، وكأنَّ قلمَها بعضُ أناملها ، وكأن بنانَها سِحْرُ مقلتها ، وكأن سِكّينـها غُنج لحظها وكأن مِقطَعها قلبُ عاشقها .
وقال بعضُ الكتّاب يصف غلاماً كاتباً : الكامل :
انظرْ إلى أثرِ المداد بخدهِ . . . كبنفسج الروْضِ المَشُوبِ بِوَرْدِهِ
ما أخطأتْ نُونَاتُهُ من صُدْغِه . . . شيئاً ، ولا أَلفِاتُه مِنْ قدِّهِألقَتْ أناملُه على أقلامـهِ . . . شَبهاً أراك فِرْندَها كفِرندِه
وكأنما أنقاسُه من شَعره . . . وكأنما قِرْطَاسه من خدِّهِ
وقال أحمد بن أبي سمرة الدارمي فيما ينظر إلى هذا من طَرْف خَفي : الطويل :
سَرَابُ الفيافي صادقٌ عند وعدها . . . وسمُّ الأفاعي مُبْرِئ عند صدّها
رمتني ولم أَسْعَدْ بأيام وَصْلها . . . بعينيْ مَهَاةٍ أَنْحَستْنِي ببُعْدِها
فَعُلقها قلبي كما تعلّقت . . . صوالج صدغيها بتفَّاح خَدِّها
فقلبيَ لَمَّا أضعفته كخصرها . . . ودمعيَ لَمَّا نَظمته كعقدها
ونيل الثُّريَّا ممكنٌ عند وصْلها . . . وأسرعْ من برق تناقضُ وعدها
من إنشاء بديع الزمان
رقعة كَتبها بديع الزمان إلى ابن العميد يستنجزه : أين تكرّم الشيخ العميد أيَّده اللَّهُ على مولاه ؟ وكيف معدله إلى سِوَاه ؟ أيقصر في النعمة ، لأني قصّرت في الخدمة ؟ إذَنْ فقد أساء المعاملةَ ، ولم يحسن المقابلة ، وعثر في أذيال السهْوِ ، ولم ينعش بيدِ العفو ، أم يقول : إن الدهر بيننا خُدَع ، وفيما بعد مُتّسع ، فقد أزف رَحِيلي ، ولا ماء بعد الشط ، ولا سطح وراء الخط ؛ أم ينتظر سؤالي ؟ وإنما سألته ، يوم أمّلته ، واستمنَحتُه ، يوم مدحته ، واقتضيته ، يوم أتيته ، وانتجعت سحابه ، بما قرعت بابَه ، وليس كل السؤال أعْطِني ، ولا كل الردّ أعْفِني ؛ أم يظن - أيّده الله تعالى - أني أرد صِلَته ، ولا ألبَس خلعته ؟ وهذه فراسة المؤمن إلا أنـها باطلة ، ومَخِيلة العارف إلا أنـها فاسدة ؛ أم ليس يجد فيَّ مكاناً للنعمة يضعُها ، وأرضاً للمنة يزرعها ؟ فلا أقلّ من تجربة دفعة ، والمخاطرة بإنفاذ خلعة ، ليخرج من ظلمة التخمين ، إلى نور اليقين ، وينظر أأشكر أم أكفر ؛ أم يتوقع - أيّده اللِّه - صاعقة تملكني ، أو بائقة تهلكني ، فلهذا أمَلٌ موفر ؛ لأن شيخ السوء باق مُعَمَّر ؛ أم يقدر - أيّده الله - أني أشكره إذا اصطنع ، وأعذره إذا منع ، وتاللهِ لو كنت ينبوع المعاذِير ما حظي منـها بجرعة ، فليُرحني بسُرعة .
وكتب أبو القاسم الهمذاني إلى البديع : قد كتبت لسيدي حاجة إن قضاها وأمضاها ، ذاق حلاوة العطاء ، وإن أباها وفَل شَباها لَقِي مرارةَ الاستبصاء ، فأي الجودين أخفّعليه . أجُودٌ بالعِلْق ، أم جودٌ بالعرض ؟ ونزول عن الطريف ، أم عن الخلق الشريف ؟ .
فأجابه : جعلت فداك هذا طبيخ ، كله توبيخ ، وثريد ، كله وَعيد ، ولُقم ، إلا أنـها نِقَم ، ولم أر قِدراً أكثرَ منـها عظماً ، ولا آكلاً أكثر مني كَظْماً ، ولم أرَ شَرْبة أمرّ منـها طعماً ، ولا شارباً أتمَّ مني حلماً ، ما هذه الحاجة ؟ ولتكن حاجتك من بعدُ ألينَ جوانب ، وألطفَ مطالب ، توافق قضاءَها وترافق ارتضاءَها ، إن شاء الله تعالى .
وفي مقامات أبي الفتح الإسكندري من إنشائه ، قال : حدّثنا عيسى بن هشام قال : أحلّني جامعَ بخارى يوم ، وقد انتظمت مع رُفْقةٍ في سِمْط الثريّا ، وحين احتفل الجامعُ بأهله طلع علينا ذو طِمْرَين ، قد أرسل صُوانا ، واستتلى طِفْلاً ، عُرْياناً ، يضيق بالضرّ وُسْعه ، ويأخذهُ القُرُّ ويَدَعُه ، لا يملك غَيْرَ القِشرة بُرْدَة ، ولا يلتقي لَحْياه رِعْدَة ، ووقف الرجل وقال : لا ينظر لهذا الطفل إلا مَنْ رحم طفله ، ولا يرقُّ لهذا الضرّ إلا مَنْ لا يأمنُ مثله ، يا أصحاب الجُدُود المفروزة ، والأرْدِية المطروزة ، والدور المنجَّدة ، والقصور المشيِّدة ، إنكم لن تأمنوا حادثاً ، ولن تعدموا وارثاً ، فبادِرُوا الخيرَ ما أمكن ، وأحسنوا مع الدهر ما أحسنَ ، فقد واللَّه طعِمْناَ السِّكْبَاج ، وركبنا الهِملاج ، ولبسْنا الديباج ، وافترشنا الحشايا بالعشايا ، فما راعنا إلا هبوبُ الدهر بغَدْرِه ، وانقلاب المجنّ لظهره ، فعاد الهِمْلاج قَطوفاً ، وانقلب الديباج صُوفاً ، وهلمّ جرّاً ، إلى ما تشاهدون من حَالي وزيّي ؛ فها نحن نرضع من الدهر ثَدْيَ عقيم ، ونركَب من الفقر ظهر بَهيم ، ولا نَرْنُو إلا بعين اليتيمِ ، ولا نمدّ إلا يد العديم ، فهل من كريم يجلو عنّا غياهب هذه البؤوس ، ويفلُّ شَبا هذه النحُوس ؟ . ثم قعد مرتفقاً ، وقال للطفل : أنت وشأنك . فقال : وما عسى أن أقول ، وهذا الكلامُ لو لقي الشعر لحلقه ، أو الصخر لفلقَه ، وإنّ قلباً لم يُنْضِجْه ما قلت لَنيءٌ قد سمعتم يا قوم ، ما لم تسمعوا قبل اليوم ، فليشغل كلّ منكم بالجود يده ، وليذكر غَدَه ، وَاقياً بي ولدَه ، واذكروني أذكركم ، وأعطوني أشكركم .قال عيسى بن هشام : فما آنَسني في وَحْدتي إلا خاتم ختّمت بـه خنصره ، فلمّا تناوله أنشأ يقول : مجزوء الكامل :
وممنْطَقٍ من نفسهِ . . . بقلادَةِ الجوزاءِ حُسْنا
كمتيم لَقِي الحبي . . . ب فضمَّه شغفاً وحزنا
متألفٍ من غير أُس . . . رتِه على الأيام خِدْنَا
عِلْق سَنيّ قَدْرُهُ . . . لكنَّ مَنْ أهداهُ أسْنَى
أقسمت لو كان الوَرَى . . . في المَجْدِ لفظاً كنتَ مَعْنَى قال عيسى بن هشام : فتبعته حتى سَفَرَت الخَلوَة عن وجههِ ، فإذا والله شيخنا الإسكندري ، وإذا الصبيّ غلام له ، فقلت : المتقارب :
أبا الفتح شِبْتَ وشب الغلام . . . فأَين الكلامُ ، وأين السلام .
فقال :
غريباً إذا جمعتنا الطريق . . . أليفاً إذا نظمتنا الخيام
فعلمت أنـه كره لقائي ، فتركته وانصرفْتُ .
شعر في وصف فص وخاتم
وقال أبو الفتح كشاجم يصف فصاً : الكامل :
سَاجِلْ بفصّك مَنْ أرَدْت وباهِهِ . . . فكفى بـه كمداً لقلبِ الحاسِدِ
متألّق فيه الفِرِنْد كأنـهُ . . . وجهي غداة ندًى وضَيْفٍ قاصدِ
لو أَنَّ ظَمْأَى منـه عُلّت لارْتَوَتْ . . . من ماء جوهرِهِ المَعينِ الباردِ
بَهَر العيونَ إضاءةً في رِقّةٍ . . . فكأنني مختّم بعُطاردِ
وقال بعضُ المحدَثين يصف خاتماً : الخفيف :
ووحِيدُ الكِيان صِيغَ بديعاً . . . فإذا تمَّ صِيغَ من جوهَريْنِ
خَلَعَتْ خَجْلة الخدودِ عليهِ . . . خِلَعاً قد لبسْن فوق اللّجينِ
فإذا ما رأيتَه في بنانٍ . . . قد كساها من حُسْنِه حُلّتين
قلت نجْمٌ هَوَى من الجوِّ . . . حتى صار مَجرى بُروجه في اليَدَيْنِوقال البحتري يستَهْدي المعتزَّ فصّاً : الطويل :
فهل أَنتَ يا ابنَ الراشِدِين مُخَتِّمي . . . بياقوتةٍ تَبْهَى عليًّ وتُشْرِقُ
يغارُ احمرار الوَرْدِ مِنْ حُسْنِ صِبْغِها . . . وَيحْكيه جادِيُّ الرحيقِ المُعَتق
إذا برزَتْ والشمسُ قلتُ تَجَارَتا . . . إلى أَمَدٍ أو كادتِ الشمسُ تَسْبُقُ
إذا التهبت في اللَّحْظِ ضاهَى ضياؤها . . . جبينَكَ عند الجُودِ إذْ يتألَقُ
أُسَرْبَلُ منـها ثوبَ فَخْرٍ مُعَجَّلٍ . . . فيبقى بها ذِكرٌ على الدهر مُخْلِقُ
وعلى ذكر الخاتم قال أبو الفتح كشاجم : الطويل :
عرَضْنَ فعرَّضْنَ القلوبَ مِنَ الهوى . . . لأسْرَعَ من كَيّ القلوب على الجَمْرِ
كأن الشفاه اللُّعْسَ منـها خواتِمٌ . . . من التِّبْر مختومُ بهن على الدُّر
وقال الناظم :
يَروعُ مُنَاجِيه بهارُوتِ لحظِهِ . . . ويُؤْنِسُه منـه بصُورةِ آدمِ
ترى فيه لاماً فردةً فوق وَرْدَةٍ . . . وفضَّاً من الياقوت من فوق خَاتمِ
بين الكلام والصمت
وقال أبو تمام الطائي : تذاكرْنَا في مجلس سعيد بن عبد العزيز الكلامَ وفضله ، والصمتَ ونُبْله ، فقال : ليس النَّجْمُ كالقمر ؛ إنك إنما تمدحُ السكوتَ بالكلام ، ولا تمدحُ الكلامَ بالسكوت ، وما أنبأ عن شيء فهو أكبرُ منـه .
قال الجاحظ : كيف يكونُ الصمتُ أنْفَعَ من الكلام ، ونفعُه لا يكادُ يجاوزُ صاحبَه ، ونَفْعُ الكلام يعتم ويخصّ ، والرواةُ لم تَرْوِ سكوتَ الصامتين ، كما روت كلام الناطقين ؛ فبالكلام أرسل الله تعالى أنبياءَه لا بالصَّمْتِ ، ومواضعُ الصَّمْتِ المحمودةُ قليلة ، ومواطنُ الكلام المحمودةُ كثيرةٌ ، وبِطول الصَّمْت يَفْسُد البيان . وكان يقال : محادثةُ الرجال تلقيحٌ لألبابها .
وذُكِر الصمتُ في مجلس سليمان بن عبد الملك فقال : إن مَنْ تكلم فأَحسن قَدَر أنْ يسكتَ فيُحْسِن ، وليس مَنْ سكت فأَحسن يتكلمُ فيُحْسِن .قال بعضُ النسّاك : أسكتتني كلمةُ ابن مسعود عشرين سنة ؛ وهي : من كان كلامُه لا يوافِق فعله فإنما يوبّخ نَفْسَه .
الحنين إلى الوطن
قال أبو عَمْرو بن العلاء : مما يدلُ على حرية الرجل وكرم غريزته حنينُه إلى أوطانـه ، وتشوّقه إلى متقدم إخوانِه ، وبكاؤه على ما مضى من زَمَانِه .
وقالوا : الكريم يحنُّ إلى جنابه ، كما يحنّ الأسدُ إلى غابِهِ .
وقالوا : يشتاق اللبيبُ إلى وطنـه ، كما يشتاق النجيب إلى عَطَنـه .
ألفاظ لأهل العصر في ذكر الوطن
بلد لا تُؤْثِر عليه بلداً ، ولا تَصْبِر عنـه أبداً . هو عشُّه الذي فيه دَرجَ ، ومنـه خرجَ . مجمع أُسرته ، ومقطع سُرَّتِه . بلد أنشأته تربتُه ، وغذاه هواؤه ، وربّاه نسِيمُه ، وحُلَّت عنـه التمائِمُ فيه . قالوا : وكان الناسُ يتشوّقون إلى أوطانِهم ، ولا يفهمون العلِّةَ في ذلك ، حتى أوضحها علي بن العباس الرّومي في قصيدةٍ لسليمان بن عبد الله بن طاهر يستَعدِيه على رجل من التجَار ، يعرف بابن أبي كامل ، أجبَره على بَيْع داره واغتصبه بعض جُدرها ، بقوله : الطويل :
ولي وطنٌ آليتُ إلا أَبيعهُ . . . وألاّ أرى غيري لهُ الدهر مالِكا
عهِدتُ بـه شَرْخَ الشبابِ ونعمةً . . . كنِعْمَةِ قوم أصبحُوا في ظِلالكا
وحبّب أوطانَ الرجال إليهمُ . . . مآرِبُ قضَّاها الشبابُ هُنالكا
إذا ذَكَروا أوطانَهم ذكَّرْتُهُم . . . عهودَ الصبَا فيها فحنُّوا لذلكا
قد ألِفَته النفسُ حتى كأنـهُ . . . لها جَسَدٌ إن بانَ غُودِرَ هالكا
يقول له فيها :
وقد عزّني فيها لئيمٌ وسامَني . . . فقال ليَ أجْهَدْ فيَّ جَهْدَ احْتِيالِكاوما هُو إلا نسجُك الشَعر ضلّة . . . وما الشعرُ إلا ضلّة من ضلالِكا
بصيرٌ بِتَسْآل الملوك ، ولم يكن . . . بعار على الأحرار مِثل سُؤَالِكا
وإني وإن أضْحَى مُدِلاًّ بمالِه . . . لآملُ أن أضْحى مُدِلاًّ بمالِكا
فإن لم تُصِبْني من يمينك نِعْمَةٌ . . . فلا تُخْطِئَنْهُ نقمةٌ من شِمالكا
فكم لقي العافون بَدْءاً وعودَةً . . . نوالَكَ والعَادون مُرَّ نكالِكا
وقال علي بن عبد الكريم النصيبي : أتاني أبو الحسن بن الرومي بقصيدته هذه ، وقال : أَنصفني ، وقل الحقّ : أيهما أحسن قولي في الوطن أو قول الأعرابي : الطويل :
أحَبُّ بلادِ الله ما بين مَنْعِجٍ . . . إليّ وسلمى أن يَصُوبَ سحابُها
بلادٌ بها نيطَتْ عَلَيَّ تمائمي . . . وأوَّل أرضٍ مَسَّ جِلْدِيً ترَابُها
فقلت : بل قولك ، لأنـه ذكر الوطنَ ومحبّته ، وأنت ذكرتَ العلّة التي أوجبتْ ذلك .
وقال ابنُ الرومي أيضاً يتشوّق إلى بغداد ، وقد طال مقامـه بسُرّ من رأى : الكامل :
بلدٌ صحِبْتُ بـه الشبيبة والصبا . . . ولَبِسْتُ ثوبَ العيشِ وهو جديدُ
فإذا تمثَّلَ في الضمير رَأيتُهُ . . . وعليه أغصانُ الشبابِ تَميدُ
وقال أبو العباس : ولما احتفل القائل في هذا المعنى السابق إليه قال :
بلادٌ بها حَلَّ الشبابُ تمائمي
وقد تقدّم . وإذا كانت تمائمـه قطعت بأبرق العَزّاف ، وكان الترابُ الذي مَسَّ جلدَه ترابَ جزيرة سيراف ، وجب أَن يحنّ إليه حنينَ المتأسفين على غُوطَةِ دمشق ، وقصور مدينة السلام ، ونجف الجزيرة ، ومستشرفِ الخورْنَق ، وجَوْسق سرّ مَن رأى ، لَمَّا بعد عنـها ، وطال مقامـه بغيرها ، كلاّ ، ولكن هذا الرجل علم أن الحنينَ إلى الأوطانِ لما تُذَكِّر من معاهد اللّهو فيها ، بحدّة الشباب الذي ذكر أنَّ غول سَكْرَته ، يغطي على مقدار فضيلته ، في قوله : الكامل :
لا تلْحَ مَنْ يَبْكي شبيبتَه . . . إلاَّ إذا لم يَبْكِها بدَمِ
عَيْبُ الشبيبة غولُ سَكْرَتها . . . ومِقْدَار ما فيها من النِّعَم
لَسْنَا نراها حقَّ رُؤيتها . . . إلاَّ أوان الشيبِ والهَرَمِ
كالشمس لا تبدو فضيلتُها . . . حتى تُغَشَّى الأرضُ بالظُّلَمِولَرُبَّ شيءٍ لا يبَيّنـه . . . وجدانـه إلاَّ مع العَدَمِ
أخذها هذا من قول الطائي : السريع :
راحَتْ وفودُ الأرضِ عن قبره . . . فارِغَةَ الأيدي مِلاءَ القلوبْ
قد علمت ما رُزئت ، إنما . . . يُعْرَفُ فَقْدُ الشمس بعد الغروبْ
وأخذ ابنُ الرومي قولَه في صفة الوطن قول بشَار : الطويل :
متى تعرفِ الدارَ التي بَانَ أهلها . . . بِسُعْدَى فإن العهدَ منك قريبُ
تذكّرُك الأهواء إذا أنعتَ يافعٌ . . . لديها فمغْنَاهَا لديك حَبيبُ
أو من قول بعض الأعراب : الطويل :
ذكرتُ بلادي فاستهلَّت مَدَامِعي . . . بشوقي إلى عَهْدِ الصبا المتقادِمِ
حَنَنْتُ إلى أرضٍ بها اخضرّ شاربي . . . وقُطِّع عني قَبل عقد التمائم
وأنشد ثعلب من لرجاء بن هارون العكيٍ : الطويل : أَحِنُّ إلى وادِي الأراكِ صبابةً . . . لعَهْدِ الصِّبا فيه وتذكارِ أولِ
كأنَّ نسيمَ الريحِ في جَنَباتِه . . . نسيمُ حبيب أو لقاءُ مؤمّلِ
قال أبو بكر الصولي : ولست أشكُّ أنـه من قول رجاء أخذ ، وبه ألمّ ، وعليه عَوَّل ؛ لأنـه في تناولهِ المعنى غريبُ الأخذ ، عائِر السَّهْم ، لا يعارض معنى معروفاً إذا أنشد علم الناسُ أنـه مَعْدِنـه الذي انتحته منـه .
وقد اختُلِس معنى قول ابن الرومي : الطويل :
فقد أَلِفَتْهُ النفْسُ حتى كأنـه . . . لها جسدٌ إن بانَ غُودِرَ هَالِكا
أخذه علي بن ححمد الإيادي وقال فأَحسن الأخْذَ ولطف في السرقة : السريع :
بالجزْع فالخَبْتَينِ أَشْلاء دارْ . . . ذات ليال قد تَوَلَّت قِصارْبانوا فمَاتت أسفاً بعدهم . . . وإنما الناسُ نفوسُ الديارْ
وقال أعرابي : الطويل :
أيا حبّذا نجدٌ وطِيبُ ترَابِهِ . . . تصافِحُه أَيدِي الرياحِ الغرائبِ
وعهدُ صباً فيهِ ينازعُكَ الهوى . . . كذلك أترابٌ عِذَابُ المشاربِ
تنالُ المنَى منـهنّ في كل مطلب . . . عِذَابُ الثنايا وارداتُ الذوائبِ
وقال ابن ميّادة يخاطبُ الوليدَ بن يزيد : الطويل :
ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً . . . بحرَّة ليلى حيث ربَّتني أهْلي
بلادٌ بها نِيطَتْ عليَّ تمائمي . . . وقُطِّعنَ عني حين أدْرَكَني عقْلي
فإن كنتَ عن تلك المواطن مانعي . . . فأَفْشِ عليَّ الرزقَ واجْمَعْ إذاً شملي
وقال سوار بن الصرير ، ورويت لمالك بن الريب : الوافر :
سقى الله اليمامة من بلادٍ . . . نوائحُها كأَرْوَاحِ الغواني
وجوّاً زاهِراً للريح فيهِ . . . نَسِيمٌ لا يَرُوعُ الترْب وَاني
به سُقْتُ الشباب إلى زمانٍ . . . بقبّح عندنا حسنَ الزمانِ
وقال : أعرابي : الوافر :
أقول لصاحبي والعيسُ تَخْدِي . . . بنا بَيْن المُنِيفة فالضِّمارِ
تَمتَّعْ مِن شَمِيم عَرار نَجْدٍ . . . فما بَعْدَ العشِّيةِ مِنْ عرارِ
ألا يا حبَّذا نفحات نَجد . . . وريَّا رَوْضِه غبَّ القِطار
وأهلك إذ يحلّ القوم نجدا . . . وأنت على زمانِك غيرُ زَارِ
شـهور يَنْقَضِينَ وما شعرْنا . . . بأنصافٍ لهن ولا سِرَارِ
وهذا البيت كقول الآخر : الطويل :
سقَى اللهُ أياماً لنا قد تتابعت . . . وسَقْياً لعَصْرِ العامرية من عَصْرِلياليَ أُعطَيتُ البَطالَة مِقْوَدِي . . . تمرُّ الليالي والشـهورُ ولا أَدْرِي
وتخلَّفَ سليمان عن نصرة ابن الرومي ، فذاك الذي هاجه على هجائه ، فمن ذلك قوله ، وقد خرج في بعضِ الوجوه فرجع مـهزوماً : السريع :
جاء سليمانُ بني طاهرٍ . . . فاجتاح معتز بني المعتَصِمْ
كأن بغدادَ وقد أبصرتْ . . . طلعته نائحةٌ تلتَدِمْ
مستقبل . منـه وَمستَدبر . . . وجه بخيلٌ وقفاً منـهزِمْ
وقال : المنسرح :
قِرْن سليمانَ قد أضرَّ بِه . . . شوقٌ إلى وجْهِه سيتلفهُ
كم يَعِدُ القِرْنَ باللقاءِ وكَمْ . . . يكذبُ في وَعْدِه ويخلفهُ
لا يعرف القرْنُ وجْهَه ويرى . . . قَفَاه من فَرْسَخِ ، فيعرِفهُ
وقد أخذ هذا المعنى من قول بعض الخوارج ، وقد قال له أبو جعفر المنصور : أَخْبِرْني أي أصحابي كان أشدّ إقداماً في مُبارزتك ، فقال : ما أعرفُ وجوههم ، ولكنني أعرفُ أقفاءهم ، فقل لهم يدبروا أعرِّفك .
وفي هذه المنازعة يقول ابن الرومي لمواليه بني هاشم وكان ولاؤه لعبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور : الطويل :
تَخِذْتُكُمُ دِرْعاً عليَّ لتَدْفَعُوا . . . نِبَال العِدى عنِّي فكنتمْ نِصَالَها
وقد كنتُ أرجو منكم خَيْر ناصِر . . . على حين خِذْلاَن اليمين شِمالها
فإن أنتمُ لم تحفظوا لمودَّتي . . . ذِماماً فكونوا لا عليها ولا لَهَا
قِفُوا موقفَ المعذور عني بمعزل . . . وخَلُّوا نِبَالي والعِدَا ونبالها
ألفاظ لأهل العصر في وصف الأمكنة والأزمنة
بلدة كأنـها صورةُ جنَة الخلد ، منقوشة في عَرْضِ الأرض . بلدةٌ كأن محاسنَ الدنيا مجموعةٌ فيها ، ومحصورة في نواحيها . بلدة كأن ترابَها عنبر ، وحَصباءها عقيق ، وهواءها نسيم ، وماءها رَحِيق . بلدةٌ معشوقة السُّكْنَى ، رَحْبَةُ المَثْوى ، كوكبُها يقظان ، وجَوّها عُريان ، وحَصَاها جَوْهر ، ونسيمُها مُعَطّر ، وترابها مِسْك أذفر ، ويومـها غداةٌ ، وليلهاسَحر ، وطعامـها هنيّ ، وها مَرِيّ . بلدة واسعةُ الرقعة ، طيبة البقعة ، كأنّ محاسن الدنيا عليها مفروشة ، وصورة الجنة فيها منقوشة ، واسطة البلاد وسرّتها ، ووجهها وغرّتها .
ولهم في ضد ذلك : بلد مُتَضايِقُ الحدود والأفنية ، متراكب المنازلِ والأبنية . بلد حرُّها مؤذٍ ، وماؤها غير مغذ . بلدة وَسخة السماء ، رَمِدة الهواء ، جوها غبار ، وأرضها خَبَارٌ ، وماؤُها طين ، وترابُها سِرْجِين ، وحيطانـها نزوز ، وتشرينـها تموز ، فكم في شمسها من محترق ، وفي ظلها من غَرق . بلدة ضيقة الديار ، سيئة الجوار ، حيطانـها أخْصَاص ، وبيوتها أقفاص ، وحُشُوشـها مسايل ، وطرقها مَزَابل .
ولهم في صفات الحصون والقلاع : حصن كأنـه على مَرْقَب النجم ، يحسر دونـه الناظر ، ويقصر عنـه العُقابُ الكاسِرُ يكادُ مَنْ علاَه يغرق في حوض الغمام . حصن انتطق بالجوزاء ، وناجَتْ أبراجُه بُرُوجَ السماء . قلعة حلَّقت بالجو تُناجِي السماء بأسرارها . قلعة بَعُدَ في السماء مُرْتَقاها ، حتى تساوى ثَرَاها مع ثريّاها . قلعة تتوشح بالغيوم ، وتتَحلَّى بالنجوم . قلعة عالية على المرتقى ، صمَّاء عن الرقى ، قد جاوزت الجوزاء سَمْناً ، وعزلتِ السماك الأعْزل سَمْكاً ، هي متناهية في الحصانة ، موثوقة بالوثاقةِ ، ممتنعة على الطلب والطالب ، منصوبة على أضيق المسالك وأوعر المناصب ، لم تزدْها الأيامُ إلا نبوّ أعطاف ، واستصعاب جوانب وأطراف ، قد ملّ الوُلاةُ حِصَارها ، ففارقوها عن طموح منـها وشِمَاسٍ ، وسئمت الجيوشُ ظلَّها ، فغادَرَتْها بعد قنوطٍ ويأسٍ ، فهي حِمًى لا يُرَاغ ، ومَعْقِل لا يُستطاع ، كأَنَّ الأيام صالحَتها على الإعفاء من الحوادث والليالي عاهَدتها على التسليم من القوارع . قلعة تَحْوي من الرَِّفْعَةِ قَدراً لا تستهان مواقعه ، وتلوي في المنعة جيداً لا تستلان أخادِعه ، ليس للوَهم قبل القدوم إليها مَسْرَى ، ولا للفكْرِ قبل الخَطْو نحوها مَجْرى .
ولهم في صفات القصور والدور : قصر كأن شُرُفَاته بين النَّسْر والعَيُّوق ، كأنـهيُسَامِي الفَرْقَد ، وقد اكتسَتْ له الشِّعرى العَبور ثوبَ الغيور . قصر طال مَبْنَاه ، وطاب مَغناه ؟ كأنـه في الحَصَانة جبلٌ مَنيع ، وفي الحسن رَبيع مَرِيع . شُرُفَات كالعذارى شَدَدْن مناطقها ، وتوجّن بالأكاليل مفَارِقَها . قَصْرٌ أقرّت له القصورُ بالقُصور ، كأنـه سَحَاب في بحو السماء . دار قَوْرَاء تُوسِع العينَ قُرة ، والنفس مسرّة . كأنَّ بانيها استسلف الجنّة فعُجِّلت له . دار تخجل منـها الدور ، وتتقاصَرُ عنـها القصور ، إن مات صاحبُها مغفوراً له فقد انتقل مِن جنة إلى جنة . دار قد اقترن اليُمْن بيمناها ، واليُسْر بيُسْراها ، الجسومُ منـها في حَضَر ، والعيون على سَفَر . دار هي دائرة الميامن ، ودَارَة المحاسن . دارٌ دارَ بالسعد نجمُها ، وفاز بالحسن سَهْمـها ، دار يخدمـها الدهر ، ويأويها البَدْرُ ، ويكنفها النَّصر ، هي مَرْتَع النواظر ، ومتنفَّس الخواطر . دارٌ قد أخذت أدواتِ الجِنَان ، وضحكت عن العَبْقَريّ الحِسان .
من أدب الميكالي نثراً وشعراً
فصل لأبي الفضل الميكالي إلى بعض إخوانـه
ما ابتدأتُ بمخاطبة سيدي حتى سرَتِ المسرّةُ في نفسي ، وقوِيَتْ أركانُ بَهْجَتي وأُنسِي ، وحتى أقبَلَتْ وجوهُ الميامن تتهلَّل إلي ، وبدَرُ المساعِد تنثالُ عليّ ، وكيف لا يملكني الجذَل والفرح ، وكيف لا يهزُني النشاطُ والمَرَح ، وقد زففْتُ وُدِّي إلى كُفْء كريم ، وعرضته لحظٍّ من الجمال جسيم ، وأَرجو أَن يرِدَ منـه على حُسْنِ قبولٍ وإقبال ، ويَحْظَى من ارتياحه له ببُرْدِ اشْتِمَال ، ويُصادف من اهتزازِهِ وإنشائه ، وعمارته وإنمائه ، وتحصين أطرافه من شوائب الخلل ، وشوائن الوَهن والميل ، وما تستحكم بـه مَرَائر الوِصَال ، وتؤمن على قُوَاها عَوَادِي الانتقاض والانحلال . وله : إذا لم يُؤْتَ المرءُ في شكر المنعم إلاَّ من عِظَمِ قَدْرِ الإنعام والاصطناع ، واستغراقه منـه قُوَى الاستقلال والاضطلاع ، فليس عليه في القصور عن كُنْهِ واجبه عَتْب ، ولا يلحقه فيه نقيصةٌ ولا عَيْبٌ . ولئن ظهر عَجْزِي عن حق هذه النعمة فإني أحِيل بحسن الثناء على من لا يُعْجِزه حمله ، ولا يؤُوده ثقله ، ولا يزكو الشكرُ إلا لدَيْه ، ولا تُصْرَفُ الرغبَةُ إلا إليه ، والله يُبقِيه لمجدٍ يقيم أعلامَه ، وفَضْل يَقْضِي ذِمَامَه ، وعُرْفٍ يَبثّ أقسامـه ، ووليّ يوالي إكرامـه ، وعدوٍّ يُديمُ قمعَه وإرْغَامَه .وله : ولو وفيت هذه النعمة الجسيمة حقَّها لمشيت إلى حضرته - آنسها الله تعالى - حَبْواً لا على القَدم ، ولآثرْت فيه خدمة اللسان على خِدْمة القلم ، ولما رضيت له بباعي القصير ، وعبارتي الموسومة بالعجز والقصور ، حتى أَستعير فيه ألسِنةً تحملُ شكراً وثناءً ، وتوسِعَ نَشْراً ودعاء ، ثم لا أكَونُ بلغتُ مبلغاً كافياً ، ولا أبليت عُذْراً شافياً ؛ إلا أنّ عدم الإذن ثَبطني عن مقصودِ الغرض ، وعاقَني عن الواجب المفترض ؛ فأقمتُ عاكفاً على دعاءٍ أرفَعُهُ إلى الله عزَ وجل مبتَهلاً ، وأواصله مجتهداً في ليلي ونـهاري محتفلاً .
وله : أحقّ النعمة بالزيادة نعمة لم تزل العيون إليها مستشرفة ، والقلوب إليها متشوّفة ، والأيام بها وَاعِدة ، والأقدار فيها مساعدة ، حتى استقرّت في نِصَابها ، وألقتْ عِصيَّ اغترابها ، فهي للنماء والزيادة مترشحة ، وبالعز والسعادة متوشحة ، وبالأدعية الصالحة مستدامة مرتَهنَة ، وباتفاق الكلمةِ والأهواء عليها مرتبطة محصنة .
وله فصل من كتاب تعزية بالأمير ناصر الدين : أقدارُ الله تعالى في خلقِه لم تَزَلْ تختلفُ بين مكروه ومحبوب ، وتتصرَّفُ بين مَوْهوب ومسلوب ، غاديَةً أحكامُها مَرَّةً بالمصائب والنوائب ، رائحة أقسامـها تارةً بالعطايا والرغائب ، ولكنْ أحسنُها في العيونِ أثراً ، وأطيبَها في الأسماع خبَراً ، وأَحْرَاها بأن تَكْسِبَ القلوبَ عزاءً وتصبُّراً ، ما إذا انْطَوَى نُشِر ، وإذا انكسر جُبِر ، وإذا أخذ بيد رد بأخرى ، وإذا وهب بيمنى سلبَ بيسرى ، كالمصيبة بفلان التي قرَّحَتِ الاكباد ، وأوهنتِ الأعضاد ، وسودت وجوهَ المكارم والمعالي ، وصورت الأيامَ في صُور الليالي ، وغادرت المجدَ وهو يلبَس حِدَادَه ، والعَدْلَ وهو يبكي عِمَادَه ، والدين وهو يندب جهاده ، حتى إذا كاد اليأسُ يغلبُ الرّجَاءَ ، ويردُّ الظنونَ مُظْلِمةَ النواحي والأرجاء ، قيَّض الله تعالى من الأمير الجليل مَنِ اجتمعتْ عليه الأهواءُ ، ورضِيَتْ بـه الدهماء ، فأسَى بـه حادِثَ الكَلْم ، وسد بمكانِهِ عظيمَ الثلْم ، وردَّ الآمال والنفوسَ قد استبدلتْ بالحيرة قوة وانتصاراً ، وصارتْ للدولة المباركة أعواناً وأنصاراً .
ومن شعره في تجنيس القوافي ، في معان مختلفة : المتقارب :
إذا لم تكُنْ لمقالِ النصيح . . . سميعاً ولا عامِلاً أَنت بهْ
يُنبًهُكَ الدهرُ من رَقْدَة إل . . . مَلاهي وإن قُلْت لا أنتَبِهْوقال : البسيط :
تفرَّق الناسُ في أرزاقهم فِرَقاً . . . فَلآبِس من ثراء المالِ أَوْ عَارِي
كذا المعايش في الدنيا وساكنـها . . . مَقْسُومة بين أوعاث وأَوْعَارِ
وقال : المتقارب :
حَوَى القِدّ عمْراً فقلت اعتقدْ . . . رضاً بالقضاء ولا تحتفدْ
فإمَّا احتقدت فضاءَ الإلهُ . . . فأقبحْ بمحتقد تحت قد
وقال : الكامل :
تمت محاسنـه فما يُزْرِي بها . . . مع فضله ونمائه وكمالِهِ
إلا قصورُ وجودِه عن جُودِه . . . لا عَوْنَ للرجل الكريم كَمَالِهِ
انصُرْ أخاك إذا اجْتَدَاكَ فَوَاسِهِ . . . وإن استغاثك واثقاً بك مَالِهِ
وقال أيضاً : مخلع البسيط :
إذا تغديْتُ صَدْرَ يومي . . . ثم تأذّيتُ بالغداء
فقلت إذْ مسَّني أذاهُ . . . أرى غدائي أراغ دائي
وله في هذا الصوغ : مخلع البسيط :
لنا صديقٌ يُجِيدُ لَقْماً . . . راحتُنا في أَذَى قَفاهُ
ما ذاق من كسبه ، وَلكنْ . . . أذى قَفَاه أذاقَ فَاه
وقال يهجو رجلاً : المتقارب : يريد يوسِّع في بَيْتِهِ . . . ويَأبى له الضيقُ في صَدْرِهِ
فتَى سَخِطَ النَصْبَ في قِدْرِهِ . . . كما رَضِيَ الْخَفْضَ في قَدرِهِ
يخدّر أوصالً أضيافِهِ . . . ولا يُبْرزُ الخُبْزَ من خِدْرِه
وقال في غير هذا المذهب يصفُ كتاباً ورد عليه : المديد :
قد أتانا من صديقٍ كلامٌ . . . كلآلٍ زانـهنَّ نِظامُفسرى في القلب مني سرورٌ . . . مطربٌ يعجز عنـه المُدام
مثل ما يرتاح ربُّ بنات . . . حوله من جمعهنّ زِحَام
فرعى الله طويلاً يُرجَى . . . خلفاً من نَسْلِه لا يُذامُ
وأتاه بعد يأسٍ بشير . . . قال يا بشراي هذا غلامُ
وقال يصف الشمع : الطويل :
وليلٍ كلَوْنِ الهَجْر أو ظُلمةِ الْحِبْرِ . . . نصَبْنَا لراجيهِ عموداً من التّبْرِ
يشقّ جلابيبَ الدُّجى فكأنما . . . ترى بين أيدينا عموداً من الفَجر
يُحاكِي رُواءَ العاشِقينَ بلَوْنِه . . . وذوب حشَاه والدّموع التي تجري
خَلاَ أَنَّ جارِي الدمع ينحله قوي . . . وعَهْدي بدَمْعِ العين ينحلّ إذ يجري
تبدِّى لنا كالغصن قدّاً وفوقهُ . . . شعاع كأنَّا منـه في ليلة البَدْرِ
تحمّل نوراً حَتفُه فيه كامِنٌ . . . وفيه حياةُ الأنسِ واللّهْوِ لو يَدري
إذا ما عَلَتْهُ عِلّةٌ جُرَّ رأسه . . . فيختالُ في ثوبٍ جديدٍ من العمر
وقال : مجزوء الرجز أو مجزوء السريع :
يا ربّ غُصنٍ نورهُ . . . يزرِي بنور الشفق
يظلُّ طولَ عمرهِ . . . يبكِي بجفْنٍ أَرِقِ
نارُ المحبّ في الحشا . . . ونارُه في المفرقِ
لاح لنا في مغربٍ . . . فردَّنا في مَشْرِق
وقال : مجزوء الرمل :
وقضيبٍ من بنات النح . . . ل في قَدِّ الكعابِ
يُشْبه العاشِقَ في لو . . . نٍ ودمعٍ ذي انسكابِ
كسى الباطن منـه . . . وهو عريانُ الإهابِ
فَإذا ما أنعم الأب . . . دان ملبوس الثيابِ
فهو للشقوة منـها . . . في بلاء وعذابِ
وقال كشاجم يصف شمعاً أهداها إلى بعض الملوك : الوافر :
وصُفْرٍ من بناتِ النحْل تُكْسَى . . . بواطِنُها وأَظْهُرُها عَواري
عذارى يُفتضَضْن مِنَ الأعالي . . . إذا افتضت من السُّفل العَذارِيوأمست تنتج الأضواء حتى . . . تلقح في ذوائبها بِنارِ
كواكب لَسْنَ عنك بآفِلاتٍ . . . إذا ما أشرقتْ شمسُ العُقارِ
بعثْتُ بها إلى مَلِكٍ كريم . . . شريف الأصل محمود النِّجار
فأهديت الضياء بها إلى مَنْ . . . محاسنـهُ تُضيءُ لكل سَارِي
وقال : الكامل :
يَشْقَى الفتى بخلافِ كلّ معاندٍ . . . يُؤْذِيه حتّى بالقَذَى في مائِه
يقذى إذا أصغى الإناء لشُرْبهِ . . . ويروغ عنـه عِنْدَ سَكْبِ إنائهِ
وقال : الطويل :
أُطالِبُ أيامي بإنجازِ مَوْعِدي . . . وهَا هِيَ تلوي بالوفَاء وَتجمحُ
أقولُ عساها أن تلِينَ لمطلبي . . . قليلاً فبعضُ الشوك بالمنّ يَسمحُ
وقال : البسيط :
أرى وصَالَك لا يَصْفُو لآمِلهِ . . . والهجرُ يتبعُه رَكْضاً على الأثرِ
كالقوس أقربُ سهميها إذا عطفت . . . عليه أبعدُها من منزع الوترِ
أخذ هذا من قول ابن الرومي وذكر رجلاً متلوناً : الطويل :
رأيتك بينا أنتَ خِلٌّ وصَاحِبٌ . . . إذا بك قد ولَيتنا ثانياً عِطْفَا
وأنك إذْ أحْنى حنوك مُوجِبٌ . . . بعاداً لمن بادلْتة الودَّ واللطفَا
لكالقوس أحنى ما تكونُ إذا انحنَتْ . . . على السهم أَنْأَى ما تكونُ له قَذْفا
وله في نحو ذلك : الطويل :
تودَّدْت حتى لم أجِدْ متودَّداً . . . وأتعبْتُ أقلامي عتاباً مُرَدّدا كأنيَ أستدعي لك ابن حَنِيَّةٍ . . . إذا النزع أدْناه من الصدر أبْعَدَا
وذكر عمر بن علي بن محمد المطوعي أبا الفضل الميكالي في كتاب الله في منظومـه ومنثوره فقال : قد أصبحتْ حضرتهُ - لا زالتْ أرِجَةَ الأرجَاءِ بطيبِ شمائِله ، راضية الرضا عن صَوْب أنامله - مَوْسِمَ الآمالِ ، ومحط الرحال ؛ وعَبَدَة أحرار الكلام ، كما خدمَتْه أحرارُ الأيام ، وَأطاعته المعاني والمعالي ، كما أطاعه صَرفُ الأيام والليالي ، فهو - أدامَ الله تمكينَه - شـهابُ المجدِ الذي لا يخبُو واقده ، ورَوْض الكرم الذي لا يجدب رائِدُه ؛ إن أردْتَ البلاغةَ فهو مَالكُ عنانـها ، وفارسُ ميدانـها ، وناظم دُرَّها ومرجانـها ، وصائغ لُجَيْنـها وعِقْيَانِها ؛ وإن أردت السماحةَ فهو محلُّها ومكانُها ، وتاريخُها وعنوانُها ، ويدُها ولسانُها ،وحَدَقتُها وإنسانـها ، وحديقتها وبُستانُها ؛ وإن أردت شرف الأصل والنسب ، والجمعَ بين الموروث من المجد والمكتَسب ، فناهِيك بأوائله شرفاً سابقاً ، وفضلاً باسقاً ، ومجداً في فلك الفجر سامقاً ، فهم الْجَحاجِحَةُ الغُر ، والكواكب الزُهر ، ومن بهم يفتخِرُ الفخر ، ويتشرف الدهر ، زحموا مناكبَ الكواكب من بُعْد أقدارهم ، وصكوا فَرْقَ الفرقد وصَدْرَ البَدْرِ بشرف أخطارهم ، فما فيهم إلا قمر فَضْلٍ دارَ في فلك علم ، وهلال مجدٍ لاح في سماء فَهْم ، توارثُوا المجد كابراً عن كابر ، وباقياً عن غابر ، وسافرت أخبارهم في البُعْد والقُرب . وطارت في أقاصي الشرق والغَرْبِ ، وسارَتْ مَسِيرَ الشمس في كل بلد ، وهبت هبوبَ الريح في البر والبحر ، فهم كما قال أبو عبادة البحتري في الشاه بن ميكال وأهله فأحسن وأجاد وبلغ ما أراد : الطويل :
بني أحْوَذِي ، يغمر الطرف مُوفِياً . . . ببَسْطَتِه والسيفُ وَافي الحَمائل
تضيقُ الدروعُ الثُبَّعِيّاتُ منـهمُ . . . على كل رَحْبِ الباع سَبْطِ الأنامِ
عُراعر قوم يسكنُ الثغرَ إن مَشَوْا . . . على أَرضِهِ والثغرُ جَمُّ الزلازل
فكم فيهمُ من مُنْعِمٍ متطوِّلٍ . . . بآلاَئه أو مُشْرِفٍ مُتَطاوِلِ
إذا سُئلوا جادَتْ سيوفُ أكفهم . . . نظائر جُمّاتِ التلاع السوائل
خَلِيقونَ سَرْواً أن تُلِينَ أكفهم . . . عرائكَ أحداثِ الزمان الجلائل
وما زال لحظُ الراغبين مُعَلَقاً . . . إلى قَمَرٍ فيهمْ رفيع المَنازِلِ
وفيه ، أو في أبيه ، يقولُ أبو سعيد أحمد بن شبيب : الكامل :
وإلى الأمير ابن الأمير تواهَقَتْ . . . رَزْحى الركاب برَازِحِي الركابِ
شِيَمٌ أرَقُّ من الهواءِ بل الهوَى . . . وألذُّ من ظَفَرٍ بعُقْبِ ضِرَابِوعزائمٌ لو كنَّ يوماً أَسْهُماً . . . لنَفذْنَ في الأيام غَيْرَ نَوَابِ
مائيةُ الجريَان إلا أنـها . . . نارِيَّةُ الإقْدَامِ والإلهابِ
يخطرن بين سيَاسةٍ ورِيَاسَةٍ . . . ويَتِهْنَ بين مَثُوبةٍ وعقَابِ
ترجمة ابن أبي دواد وأخباره
قال أبو عبد الله بن حمدون النديم : لقد رأيت الملوك في مقاصيرها ، ومجامع حفلها ، فما رأيت أغزر أدباً من الواثق ؛ خرج علينا ذات يوم وهو يقول : لقد عرض عرضة من عرضه لقول الخزاعي ، يريد دِعبِلاً : الطويل :
خليليَّ ماذا أرتجي من غد امرئ . . . طَوَى الكَشْحَ عني اليومَ وهو مَكينُ
وإنَ امرأً قد ضَنّ عني بمنطقٍ . . . يَسُدُّ بـه مِن خَلتي لَضنِينُ
فانبرى أحمد بن أبي دُوَاد يسأله كأنما نَشِطَ من عِقَال في رجل من أهل اليمامة فأَطْنب وأسهب ، وذهب في القول كل مَذْهَب ؛ فقال الواثق : يا أبا عبد الله ، لقد أكثرتَ في غير كبير ، ولا طَيب ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنـه صديقي : الطويل :
وأَهونُ ما يُعْطي الصديقُ صديقَهُ . . . من الهيِّن الموجودِ أن يتكلَّما
فقال : وما قَدر اليمامي أن يكون صديقك ، وإنما أحسبه أن يكون من عرض معارفك ؟ . قال : يا أمير المؤمنين ، إنـه شـهرني بالاستشفاع إليك ، وجعلني بمرأى ومسمعٍ من الردّ والإسعاف ، فإذا لم أَقم له هذا المقام أكون كما قال أميرُ المؤمنين آنفاً : خليليَّ ماذا أرتجي من غِنَى امرِئ . . . طوى الكَشْحَ عني اليوم وَهْوَ مَكِينُ
فقال الواثق : بالله يا محمدُ بنَ عبد الملك إلا عجَّلْتَ لأبي عبد الله حاجتَهُ ، ليسلم من هُجْنَة المَطْل ، كما سلم من هجنَة الردّ .
وكان ابن أبي دُواد من أحسن الناس تأتّياً ، وكان يقول : ربما أردت أن أسألَ أميرَ المؤمنين الحاجةَ بحَضْرَة ابن الزيات فأؤخّر ذلك إلى وقت مغِيبه ؛ لئلاً يتعلَّم حُسنَ التلطُف مني وكان بينـه وبين محمد بن عبد الملك عداوة عظيمة ، وأمر الواثقُ أصحابَه أن ينـهضُوا قياماً لأبي جعفر إذا دَخل ، ولم يرخِّص في ذلك لأحد ، فاشتدَّ الأمرُ على ابن أبي دُواد ،ولم يَجد لخلاف الواثق سبيلاً . فوكَّلَ بعض غلمانـه بمراقبة موافاته ، فإذا أقبل أخبره فنـهض يركع ، فقال ابن الزيات : الكامل :
صلَّى الضُّحَى لمّا استفادَ عَداوَتِي . . . وأَراه يَنْسُكُ بعدَها ويَصومُ
لا تعدمنّ عداوةً موسومةَ . . . تركتْك تَقْعُدُ بعدها وتقُومُ
وقال الواثق يوماً لابن أبي دُواد تضجُّراً بكثرة حوائجه : قد أخلَيْتَ بيوتَ الأموال بطلباتك لِلاّئذين بك ، والمتوسّلين إليك . فقال : يا أمير المؤمنين ، نتائج شكرها متَّصلة بك ، وذخائرُها موصولة لك ، وما لي من ذلك إلا عشق اتصال الألسن بخلودِ المدح ، فقال : واللّه لا مَنَعْنَاك ما يزيدُ في عشقك ، ويقوِّي في همّتك فينا ولنا ؛ وأمر فأُخرج له خمسة وثلاثون ألف درهم .
قال أبو العيناء : قلت لابن أبي دواد : إنَّ قوماً من أهل البصرة قدموا إلى سُرَّ من رأى يداً عليَّ ، فقال : يَدُ الله فوقَ أيديهم . فقلت : إن لهم مَكْراً ، فقال : ' ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيءُ إلا بأهْلِهِ ' فقلت : إنَّهم كثير . قال : ' كم من فئةٍ قليلةٍ غلبَت فئةً كثيرةً بإذنِ الله واللّه مع الصابرين ' ، فقلت : لله درُّ القاضي فهو كما قالت الصّمُوتُ الكلابية : الكامل :
للهِ دَرُّك أي جُنَّةِ خَائفٍ . . . ومتاعِ دُنْيَا أنت للحدْثانِ
متخمِّط يَطَأُ الرجالَ شـهامةً . . . وَطْءَ الفنيق مدارجَ القرْدَانِ
ويكبّهم حتى تظل رؤُوسُهم . . . مأمومةً تنحطُ للغربانِ
ويفرجُ البابَ الشديدَ رِتاجُه . . . حتى يصِيرَ كأنـه بَابَانِ
وكانت هذه المجاوبة بين أبي العيناء وبين أبي العلاء المنقري ، وكان قد استجاش عليه قوماً من أَهل البصرة .
قطعة من شعر الأعراب في الغزل
ابن ميادة : الطويل :
ألا ليت شِعْري هل يَحُلَّنَّ أهلُنا . . . وأهلُك روضاتٍ ببطنِ اللوَى خُضْراوهل تأتينَّ الريحُ تَدْرُجُ مَوْهناً . . . بريَّاكِ تَعْرَوْري بنا بلداً قَفْرا
بريح خُزامى الرمل بات مُعَانقاً . . . فروع الأقاحي تنضب الطلّ والقَطْرا
ألا لَيْتَني ألقاكِ يا أمّ جَحْدَر . . . قريباً ، فأمَّا الصبرُ عنك فلا صَبْرا
وقال : الطويل :
وما رَوْضَةٌ باتَ الربيعُ يَجودُها . . . على منابها من حَنْوةٍ وعَرارِ
بأطيبَ من ريح القرنفل مَوهناً . . . بما الْتفَّ من دِرْعٍ لها وخِمارِ
وقال آخر : الطويل :
تجالِسُنَا بنتُ الدّلالِ تعلّقتْ . . . عراهُ بحبَّاتِ القلوبِ الهوائمِ
وبين ما تخفى من الوَجْد ردّها . . . غريق الأناسي في الدّموع السَّواجمِ
جرَى الدمعُ مَجْرَى مائِه فكَفَفْنَه . . . بعُنَّابِ أطرافِ الأكفّ النواعم
وردّ التحيات الهوَى من عيونـها . . . بيَقْظَانِ طَرْفٍ في مَخِيلة نائمِ
وقال العلاء بن موسى الجهني : الطويل :
ولمّا رأتني مخطراً شَوْكةَ العِدَى . . . رَدى النفْسِ مُجْتَاباً إلى غير مَوْعدِ
جلَتْ داجِيَ الظلماء منـها بسُنَةٍ . . . ونحرٍ مَشُوبٍ لونُهُ بالزبرجدِ
وبالشَّذْر مسْبُوكاً كأن التهابَه . . . تلهَّبُ جَمْرِ الفرقد المتوقّدِ
وجاءت كسَل السيفِ لو مرّ مشيُها . . . على البيض أمسَى سَالماً لم يُخَضَّدفبتْنَا ولم نكذبْك لو أنَّ ليلنا . . . إلى الحَوْلِ لم نملل وقلْنا له ازدَدِ
نَذُودُ النفوسَ الصادياتِ عن الهوى . . . ذِيَاداً ونسقيهنّ سقي المصَرَّدِ
فلمّا بدا ضوءُ الصباحِ وراعَنا . . . مع الصبح صَوت الهاتفِ المتشـهَدِ
نـهضْنا بشَخْصٍ واحدٍ في عيونـهم . . . نَطَافي حواشِي الأتحميّ المعضَّد
إلى جنَةٍ منـهم وسلّمت غادياً . . . عليها سلامَ الباكِر المتزوّد
وولت وأَغباش الدُّجى مرجَحِنّةٌ . . . تأطرغُصْن البانةِ المتأوّدِ
وقال أعرابي من طيئ : الطويل :
وأحورُ يصطادُ القلوبَ وما لهُ . . . من الريش إلا زَعْفَرانٌ وإثمِدُ
وما كنتُ أخشى الفَتْكَ ممَّن سِلاَحُهُ . . . سِوارٌ وخَلخَالٌ وطَوْق منضدُ
وأشنبُ برَّاق الثنايا غُروبُهُ . . . من البَرد الوَسْمِي أصْفَى وأبْرَدُ
خليليّ بالله أقعدا فتبيَّنا . . . وميضاً نرى الظلماءَ منـه تقدّدُ
يكشف أعراضَ السحابِ كأنـهُ . . . صفيحةُ هِنْدِيٍّ تُسَلّ وتُغْمَدُ
فبتّ على الأجيال ليلاً أشيمُهُ . . . أقومُ له حتى الصباحِ وأقعدُ
هذا في البرق كقول الطرماح في النور : الكامل :
يَبْدُو وتضمره البلادُ كأنـهُ . . . سَيْفٌ على شَرَفٍ يُسل ويُغْمَد
وقال بشار : الكامل :
أعددْتَ لي عَتْباً بحبكمُ . . . يا عَبْد طالَ بحبّكمْ عَتْبي
ولقد تعرّض لي خيالُكُمُ . . . في القُرْطِ والخلخال والقُلْبِ
فشربت غيرَ مباشرٍ حَرجاً . . . برضاب أشنبَ باردٍ عَذبِوقال المتنبي : الكامل :
بِتْنَا يُنَاوِلنا المُدَامَ بكَفِّهِ . . . مَنْ ليس يَخْطُرُ أَن نراه ببَالِهِ
نَجْني الكواكبَ من قلائد جِيدِه . . . وننالُ عَيْنَ الشمسِ من خَلْخالِهِ
وأول شعر أبي الطيب :
لا الحُلمُ جادَ بـه ولا بمثالِه . . . لولا ادَّكارُ وَدَاعِه وزيالِهِ
إن المُعِيدَ لنا المنامُ خَيَالَهُ . . . كانت إعادَتُهُ خيالَ خيالِهِ
إني لأُبغِضُ طَيفَ من أَحْبَبْتُهُ . . . إذ كان يَهْجُرُنا زمانَ وصالِهِ
يقول : التمثيل والتخيل له في اليقظة أعاد خياله في المنام ، فكأنّ الخيالَ الذي في النوم تصور في اليقظة . وأظْهَرُ من هذا قول الطائي : البسيط :
زار الخيالُ لها لا بل أزَارَكَهُ . . . فِكْرٌ إذا نام فِكْرُ الخلق لم يَنَمِ
ظبي تقنَّصْتَهُ لمَا نَصَبْتَ لهُ . . . في آخر الليل أشراكاً من الحلمِ
أما بيته الأول فمن قول جميل : البسيط :
حييتُ طيفك من طَيْفِ ألم بـه . . . حدثت نفسك عنـه وهوَ مشغولُ
وقال ذو إلى الرمة : الطويل :
نأت دارَ ميِّ أن تُزَار ، وزَورُها . . . إذا ما دجا الإظلامُ منا وساوسُ
إذا نحن عَرَّسنا بأرضٍ سَرَى لنا . . . هوًى لبَّسَتهُ بالقلوب اللوابسُ
وبيته الثاني ألمَّ فيه بقول قيس بن الملوَّح : الطويل :
وإني لأسْتَغْشِي وما بيَ نَعسة . . . لعل خيالاً منكِ يَلْقَى خياليَا
وأخرج من بين الجلوس لعلَّني . . . أُحدِّثُ عنك النفسَ في السرِّ خاليا
تَقَطَعُ أنفاسي لذكرك أَنفساً . . . يَرِدْنَ فما يَرْجِعْنَ إلا صوادِيا
وقد قال فيه قيس بن ذريح : الطويل :
وإني لأهْوَى النومَ في غير نَعْسَةٍ . . . لعل لقاءً في المنام يكونُ
تخبرني الأحلامُ أني أراكُم . . . فيا ليتَ أحلامَ المنامِ يقينُوكان البحتري أكثرَ الناس إبداعاً في الخيال ، حتى صار لاشتهارِه مثلاً يقال له خيال البحتري وفي بعض ذلك يقول : الطويل :
أَلمَّتْ بنا بعد الهدوّ ، فسحامَحَتْ . . . بوَصْلٍ متى تَطْلُبْه في الجدّ تُمْنَعِ
فما بَرِحَتْ حتى مضى الليلُ وانقضَى . . . وأَعْجَلها دَاعِي الصباحِ المُلَمَّع فولّتْ كأنَّ البينَ يَخْلِجُ شَخْصَها . . . أوانَ تَولّتْ من حَشايَ وأَضْلُعِي
وقال : الطويل :
سقى الغيثُ أجزاعاً عَهِدْتُ بجوِّها . . . غَزالاً تُراعيه الجآذِرُ أغْيَدا
إذا ما الكرى أهدى إليَّ خيالَهُ . . . شَفَى قُرْبُهُ التبريحَ أو نَقَعَ الصدى
فلم نر مِثْلَيْنا ولا مِثْلَ شأننا . . . نُعَذَّبُ أيْقاظاً وتَنْعَمُ هُجَّدا
وقال : الطويل :
بَلَى وخيال من أُثَيْلَة كلما . . . تأَوَّهْتُ من وَجْدي تَعَرَّضَ يُطْمعُ
يُرِي مقلتي ما لا ترى من لقائه . . . وتَسْمَعُ أُذُني رَجْعَ ما ليس تَسْمَعُ
ويكفيك من حق تَخَيُّلُ باطلٍ . . . تُرَدُّ بـه نَفْسُ اللهيفِ فَتَرْجِعُ
قوله في البيت الأخير من قول الحسين بن الضحاك : المتقارب :
وماذا يفيدك طيفُ الخيا . . . ل والهجرُ حظّك ممن تُحِب
غَناءٌ قليل ، ولكنني . . . تملّيتهُ بقنوع المحِبّ
وللحسين في هذا المعنى وإن لم يكن في ذِكْرِ الخيال : الخفيف :
وصفَ البَدْرُ حُسْنَ وجهِك حتّى . . . خِلتُ أني ، وما أراكَ ، أراكَا
وإذا ما تنفس النرجسُ الغضُّ توهّمْته نسِيمَ جناكاخُدَعٌ للمُنَى تُعَلّلْني في . . . ك بإشراقِ ذَا ونكهة ذاكا
وأول من طرد الخيالَ طَرفة بن العبد ، فقال : الطويل :
فقل لخيال الحنظليَّةِ ينقَلبْ . . . إليها فإني واصلٌ حَبْلَ مَنْ وَصَلْ
فتبعه جرير في قوله فقال : الكامل :
طرقَتْك صائدةُ القلوبِ وليس ذا . . . حِينُ الزيارةِ فارْجِعي بسَلامِ
قال البحتري ، ونفى هذا المعنى بقوله : الكامل :
قد كان مني الوَجْدُ غِبَّ تَذَكّرٍ . . . إذا كان منك الصَّدُّ غِبَّ تَنَاسي
تجري دموعي حين دَمْعُكِ جامدٌ . . . ويَلينُ قلبي حين قَلْبُك قاسي
ما قلتُ للطيف المُسَلِّم لا تَعُدْ . . . تَغْشَى ، ولا نَهْنَهْتُ حَامِلَ كاسي
وقال ابن هاني الأندلسي : الطويل :
ألا طَرَقَتْنا والنجومُ رُكُودُ . . . وفي الحيِّ أيقاظٌ ونحن هُجُودُ
وقد أَعْجَلَ الفجرُ المُلَمَعُ خَطْوَها . . . وفي أُخْرَيات الليل منـه عَمُودُ
سَرَتْ عاطِلاً غَضْبَى على الذُرِّ وحدهُ . . . فلم يَدْرِ نَحْرٌ ما دَهاهُ وجِيدُ
فما بَرِحَتْ إلاَّ ومن سِلْكِ أَدْمُعِي . . . قلائدُ في لَبّاتِها وعُقودُ
ألم يأتها أنّا كَبُرْنا عن الصِّبا . . . وأنّا بَليْنا والزمانُ جَديدُ ؟
وقال عليّ بن محمد الإيادي : الطويل :
أما إنـه لولا الخيالُ المراجعُ . . . وعاصٍ يُرَى في النوم وهْو مطاوعُ
لأَشْفق وَاسْتَحْيَا من النوم وَالِهٌ . . . يُرى بعد رَوْعاتِ الهوى وهو هاجِع
وقال أيضاً : الكامل :
طيفٌ يزورُك من حبيبٍ هاجرِ . . . أهْلاً بـه وبطيفِه مِنْ زَائرِ
شقَّ الدجى وسَرَى فأمْعَن في السّرى . . . حتى ألمَّ فبات بين محاجرييحدُو بـه هَيف القوام المنثني . . . نَحْوِي وسالفةُ الغزال النافر
للَّه درُّك من خيالٍ واصل . . . أسرى فأنصف من حبيب هاجرِ
عَلَّلت علّة قلب صَبّ هائم . . . وقضيت ذِمَةَ فيض دَمْعٍ قاطرِ
وقال عبد الكريم بن إبراهيم : البسيط :
لم أدْرِ مَغْنَاك لولا المسكُ والقُطُرُ . . . وزَوْرَةٌ لِمُلمٍّ عهدُه عفرُ
سرى يعارضُ أنفاسَ الرياح بما . . . تحمَّر الورد مِنْه وانتشى الزَهَرُ
يخفي بثوب الدُجَى مَسْرَاهُ مستَتِراً . . . ومن تَقَنَّع صُبْحاً كيف يَسْتَتِر ؟
كأَنَّ أعينَ واشِيه تُرَاقِبهُ . . . فيه فيدمج أخبارِي فيَختَصر
قال : الكامل :
أهلاَ بـه من زائرٍ معتادِ . . . والليلُ يرفلُ في ثيَاب حِدادِ
يتجاوزُ الراياتِ يخفقُ ظلّها . . . ويشقُّ ملتفّ القَنَا المنآدِ أنَّىَ اهتدَى في ظلّ أخضر مغْدِف . . . حتى تَيمَّمَ بالعَرَاء وسادي
بأرقَّ من كبد المتيّم مقدماً . . . في حيث ينبو الحارث بن عُبَادِ
معتادة أَمِنَتْ نمائم حليها . . . والحليُ نمَامٌ على العُوَّادِ
وكأنما ياقُوتُها في نَحرِها . . . متوقّدٌ مما يُجِنّ فُؤَاي
في مجالس المنصور
خطب صالح بن أبي جعفر المنصور في بعض الأمر فأحسن ، فأراد المنصورُ أن يقرظه ويثني عليه ، فلم يجسر أحد على ذلك لمكان المـهدي ، وكان مرشحاً للخلافة ، وخافوا ألا يقع الثناء على أخيه بموافقته ، فقام عقال بن شبَّة ، فقال : ما رأيت أبين بياناً ، ولا أفصح لساناً ، ولا أحسن طريقاً ، ولا أغمض عروقاً ، من خطيب قام بحضرتك يا أمير المؤمنين ، وحُقَّ لمن كان أميرُ المؤمنين أباه ، والمـهدي أخاه ، أن يكون كما قال زهير : البسيط :
يَطْلُبُ شأْوَ امْرَأَيْنِ قَدَّما حَسَناً . . . بزّا الملوكَ وبزّا هذه السُّوَقَاهو الجَوادُ فإنْ يَلْحَقْ بشَأْوِهِمَا . . . على تكاليفِه فمِثْلُهُ لَحِقَا
أو يَسْبقاهُ على ما كان من مَهَلٍ . . . فبالذي قَدَّمَا من صالحٍ سَبَقا
فعجب الناسُ من حُسن تخلصه ، فقال أبو جعفر : لا ينصرف التميمي إلا بثلاثين ألفاً .
قال أبو عبد الله كاتبُ المـهدي : ما رأيت مثل عقال قطّ في بلاغته ؛ مدح الغلام وأرْضَى المنصور ، وسلِم من المـهدي : وفي قصيدة زهير هذه يمدح هرم بن سنان بن أبي حارثة المري : البسيط :
قد جعلَ المُبْتَغُونَ الخَيْرَ في هَرمٍ . . . والسائلونَ إلى أبوابه طُرُقا
من يًلْقَ يوماً على عِلاَّتِه هَرِماً . . . يَلْقَ السماحةَ منـه والندَى خُلُقَا
وليس مانعَ ذي قُرْبَى وذي رَحِمٍ . . . يوماً ولا مُعْدِماً من خَابطٍ وَرَقا
ليثٌ بِعَثر يصطادُ الرجالَ ، إذا . . . ما الليثُ كذبَ عن أقرانِه صَدَقا
يَطْعَنـهُمُ ما أرْتَمَوْا حتى إذا اطَّعَنُوا . . . ضاربَ حتى إذا ما ضَارَبُوا اعتنقا
فَضْلُ الجوادِ على الخيل البِطَاءِ فلا . . . يُعْطِي بذلك ممنوناً ولا نَزَقَا
هذا وليس كمن يعيا بحُجَّتهِ . . . وَسْطَ النديّ إذا ما ناطقٌ نَطَقا
لو نالَ حيٌ من الدنيا بمكرمةٍ . . . أفقَ السماءِ لنالَتْ كفُّه الأُفُقا
وكان زهيرٌ كثيرَ المدح لهرم ، ويروى أن بنتاً لسنان بن أبي حارثة رأت بنتاً لزهير بن أبي سلمى في بَعض المحافل ، وإذا لها شارةٌ وحالٌ حسنة ، فقالت : قد سرّني ما أرى من هذه الشارة والنعمة عليك فقالت : إنـها منكم . فقالت : بلى والله لك الفضل ، أعطيناكم ما يَفْنَى ، وأعطيتمونا ما يبقى .
وقد قيل : إن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنـه ، قال لابنة هرم بن سنان : ما وهَبأبوك لزهير ؟ قالت : أعطيناه مالاً وأثاثاً أفْناه الدهر . قال : لكن ما أعطاكموه لا تفْنِيه الدهور . وقد صدق عمر ، رضي الله عنـه ، لقد أبقى زهير لهم ما لا تفنيه الدهور ، ولا تُخْلِقه العصور ، ولا يزال بـه ذكر الممدوح سامياً ، وشرفه باقياً ، فقد صار ذكرهم عَلَماً منصوبَاَ ، ومثلاً مضروباً ، قال الطائي ، وذكرهم في شعره : البسيط :
مالي ومالك شِبْةٌ حين أذكرهُ . . . إلاّ زهير وقد أصْغَى له هرم
وقال يوسف الجوهري يمدح الحسن بن سَهْل : البسيط :
لو أن عَيْنَي زهيرٍ أبصرت حَسَناً . . . وكيف يصنعُ في أموالِه الكرمُ
إذن لقال زهيرٌ حين يبصِرهُ . . . هذا الجوادُ على العلاتِ لا هَرِمُ
وقال آخر ، ويدخل في باب تفضيل الشعر : البسيط :
الشعرُ يَحفَظُ ما أَودَى الزمان بـه . . . والشعرُ أفضل ما يجنى من الكرَمِ
لولا مقالُ زهير في قصائدهِ . . . ما كان يعرف جُودٌ كان من هَرِم
وقيل : أعطى هرم العطاء الجزيل قول زهير فيه : الكامل :
تاللَّه قد عَلِمَتْ سَرَاةُ بني . . . ذُبْيَانَ عَامَ الْحَبْسِ والأصْرِ
أنْ نِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنت إذا . . . دُعِيَتْ نَزَالِ ولُجَّ في الذُّعْرِ حامي الذِّمارِ على مُحَافظة ال . . . جُلَى أمينُ مُغَيَّبِ الصَّدْرِ
حَدِبٌ على المَوْلَى الضَّرِيكِ إذا . . . ضاقت عليه نوائبُ الدَهْرِ
ومُرَهَقُ النيران يُحْمَدُ في ال . . . لأْواء غيرُ مُلَعَّنِ القِدْرِ
والسِّتْر دونَ الفاحشاتِ ، وما . . . يلقاكَ دونَ الخيرِ من سِتْرِ
وقال : البسيط :
إن البخيلَ ملومٌ حيثُ كان ولَ . . . كنّ الجوادَ على عِلاَّتِه هَرمُهو الكريمُ الذي يُعطِيك نَائِلَهُ . . . عَفْواً ، ويُظْلَمُ أحياناً فيظَّلِمُ
وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ . . . يقولُ : لا غائبٌ مَالي ولا حَرِمُ
الخليل : الذي أخلّ بـه الفقر ؛ إلى غير ذلك من مُختار مدحه فيه .
من فضائل الشعر
ولما امتدح نُصَيْبٌ عبدَ الله بن جعفر ، رضي الله عنـه ، أمر له بإبل وخيل ، وثياب ودنانير ودراهم ، قال له رجل : أتُعْطي لمثل هذا العبد الأسود هذا العطاء ؟ فقال : إن كان أسود فإن شِعْرَه أبيض ، وإن كان عبداً فإن ثناءه لَحُرٌّ ، ولقد استحقّ بما قال أكثرَ ممّا أعطى وهل أعطيناه إلا ثياباً تبلى ، ومالاً يَفْنَى ، ومطايا تَنْضَى ، وأعطانا مديحاً يروَى ، وثناء يَبْقَى ؟ .
وقال الأخطل يعتدُّ على بني أمية بِمَدْحِهِ لهم : الكامل :
أبني أمية ، إن أخذتُ نوالكمْ . . . فلقد أخذتُمْ من مديحيَ أكثَرُ
أبني أمية ، لي مدائحُ فيكُم . . . تُنْسَوْن إنْ طَال الزمانُ وتُذْكَرُ
ولما مدح أبو تمام الطائي محمد بن حسان الضبي بقصيدته التي أولها : الكامل :
أسقى طلولَهُمُ أَجَشُّ هَزِيمُ . . . وغدَتْ عليهمْ نَضْرَةٌ ونَعِيمُ
وصَلَه بماد كثير ، وخلع عليه خلعة نفيسة ، فقال يصفها : الخفيف :
قد كسانا من كُسْوَةِ الصيف خِرْقٌ . . . مُكْتَسٍ من مكارمٍ ومَسَاعِ
حُلَّةً سابِريَّةً وكِسَاء . . . كَسَحَا القيْضِ أو رداء الشجاعكالسراب الرقراقِ في الحُسْنِ ، إلا . . . أنـه ليس مثله في الخِدَاعِ
قصبيّاً تسترجفُ الريحُ مَتْنَي . . . ه بأمرٍ من الهبوب مطاعِ
رجَفاناً كأنـه الدهرَ منـهُ . . . كَبِدُ الصب أو حَشَا المُرْتَاع
لازماً ما يليه تحسبُه جز . . . ءاً من المتنين والأضلاعِ
كسوة مِنْ أغَزَّ أروعَ رَحْب ال . . . صَّدرِ رَحْبِ الفؤادِ رَحْبِ الذراعِ
سوف أكسوكَ ما يعفَّي عليها . . . من ثناءٍ كالبرد بردِ الصّنَاعِ
حُسْنُ هاتيك في العيون ، وهذا . . . حُسْنُهُ في القلوب والأسماعِ
فقال : لعنةُ الله عليِّ إن بقي عندي ثوب أو يَصِل إلى أبي تمام ؛ وأمَر بحمْلِ ما في خزائنـه إليه .
قال إبراهيم بن العبّاس الصولي لأبي تمام : أمراءُ الكلام ، يا أبا تمام ، رعيةٌ لإحسانك ، قال : ذاك لأني أستضيءُ بنورك ، وأرِدُ شريعتك .
وكان الطائي مع جَوْدَة شعره بليغَ الخطاب ، حاضرَ الجواب ، وكان يقال : ثنتان قَلّما يجتمعان : اللسانُ البليغ ، والشعر الجيد .
وقال الحسن بن جُنَادة الوشَاء : انصرف أبو تمام من عند بعض أصحاب السلطان ، فوقف علي ، فقلت : من أين ؟ فقال : كنت عند بعض الملوك فأكلْنا طعاماً طيّباً ، وفاكهة فاضلة ، وبُخَرنا وغُلفْنا ؛ فخرجْتُ هارباً من المجلس ، نافراً إلى التسلّي ، وما في منزلي نبيذ فإن كان عندك منـه شيء فامنحني ، فقلت : ما عندي نبيذ ولكن عندي خَمْرٌ أريده لبعض الأدوية ، فقال : دع اسمـه ، وأعْطِنا جِسْمَه ، فليس يثنينا عن المدام ، ما هَجَّنْته بـه من اسم الحرام .
في المواعيد
قال عبيد الله بن محمد بن صدقة : كنَا عند أبي عبيد الله ، فدخل عليه أعرابي قد كان له عليه وَعْد ، فقال له : أيها الشيخ السيد ، إني والله أتَسَحًبُ على كرمك ، وأستوطِئ فراشَ مجدك ، وأستعين على نعمك بقدرك ؛ وقد مضى لي موعدان ، فاجعل النُجحَ ثالثاً ، أقُدْ لكالشُكْر في العرب شادخَ الغُزَة ، باديَ الأوضاح . فقال أبو عبيد الله : ما وعدتك تغريراً ، ولا أخرتُك تقصيراً ، ولكن الأشغال تقطعني ، وتأخد بأوْفَر الحظّ مني ، وأنا أبلغ لك جهد الكفاية ، ومنتهى الوُسْع بأوفر مأمول ، وأحمد عاقبة ، وأقرب أمَدٍ ، إن شاء الله تعالى .
فقال الأعرابي : يا جلساءَ الصِّدْق ، قد أحصرني التطول ، فهل من معين مُنْجد ومساعدٍ منشد ؟ فقال بعضُ أحداث الكتاب لأبي عبيد الله : والله - أصلحك اللّه - لقد قصدك ، وما قصدك حتى أمَّلَك ، وما أمَّلك إلا بعد أن أجال النظر ، فأمن الخطر ، وأيقن بالظفَر ، فحقق له أمله بتهيئة القليل ، وتهنئة التعجيل . قال الشاعر : الطويل :
إذا ما اجتلاه المجد عن وَعْدِ آمل . . . تبلّج عن بشر ليستكمل البشْرا
ولم يَثْنِه مطل العداة عنِ التي . . . تصون له الحمدَ الموفّر والأجْرا
فأحضر أبو عبيد الله للأعرابي عشرةَ آلاف درهم ، وقال الأعرابي للفتى : خُذْها فأنت سببها . فقال : شكرُك أحبُّ إليَّ منـها ؟ فقال له أبو عبيد الله : خُذْها ، فقد أمَرْنَا له بمثلها . فقال الأعرابي : الآن كمُلَت النعمة ، وتمّت المنّة .
أخبار معاوية بن يسار
وكان أبو عبيد الله واسعَ الذرع ، سابغَ الدرع في الكرم والبلاغة ، واسمـهُ معاوية بن يَسَار .
وكان يقول : إن نخوةَ الشرف تُنَاسِبُ بَطَر الغِنَى ، والصبرُ على حقوق الثَّرْوَةِ أشدُّ من الصَّبْر على ألَمِ الحاجة ، وذلُّ الفقر يسعى على عزِّ الصبر ، وجور الولاية مانع من عَدْل الإنصاف ، إلا من ناسب بعد الهمة ، وكان لسلطان عزمـه قوة على ه .
وكان يقول : لا يكسر رأسُ صناعة إلا في أخسِّ رتَّان ، وأرذلِ سلطان ، ولا يعيبُ العلمَ إلا من انسلخ عنـه ، وخرج منـه .
وكان يقول : حُسْنُ البِشْر عَلم من أعلام النجاج ورائد من روّاد الفلاح ، وما أحسن ما قال زهير : الطويل :
تراه إذا ماجِئْتَهُ مُتَهَلِّلاً . . . كأنك تُعْطِيه الذي أنتَ سائِلُهْ
وقال له المـهديُ بعد أن قتل ابنَه على الزندقة : ، لا يمعنك ما سبق بـه القضاءُ في ولدك ، من ثلج صَدْرِكَ وتقديم نُصْحِك ؛ فإني لا أعرض لك رأياً على تُهمة ، ولا أؤخرلك قدماً على رتبة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنما كان ولدي حسنة من نبْت إحسانك أرضُهُ ، ومن تفقُّدِك سماؤه ، وأنا طاعة أمرك ، وعَبد نـهيك ، وبقية رأيك لي أحسن الخلفَ عندي .
وكان يقول : العالم يمشي الْبَرَازَ آمناً ، والجاهل يهبط الغيطان كامناً ، وللَه درّ زهير حيث يقول : الكامل :
الستر دون الفاحشات وما . . . يَلْقاك دونَ الخيرِ من سِتْرِ
وقال أبو عبيد اللّه : ذاكرني المنصورُ في أمرِ الحسَين بن قَحْطَة ، فقال : كان أوثق الناس عندي ، وأقربهم من قلبي ، فلمّا لقي أبا حنيفة انتكث ، فقلت : إن فسدت نيته فسيضَعُه الباطلُ كما رفعه الحقُّ ، وتشـهد مخايِلُه عليه كما شَهِدَتْ له ، فتعدل في أمره من شَكّ إلى يقين . ثم قال لي : اكتُم عليَّ ما أَلقَيْتُ عليك . قال عمران بن شـهاب : استعنت على أبي عبيد الله في أمرٍ ببعضِ إخوانـه وكان قد تقدَم سؤالي إيَّاه فيه . فقال لي : لولا أت حقّك لا يُجحد ولا يضاع ، لحجبت عنك حُسْنَ نظري ؛ أظننتني أُجهل الإحسانَ حتى أعلَّمـه ، ولا أعرف موضعَ المعروف حتى أعرَّفه ؟ لو كان يُنَالُ ما عندي إلا بغيري لكنت مثل البعير الذّلول ، يحمل عليه الحمل الثقيل ، إن قِيدَ انقاد ، وإن أنيخ بَرَك ، ما يملك من نفسه شيئاً ، فقلت : معرِفتك بموضع الصنائع أثبت معرفة ، ولم أَجعل فلاناً شفيعاً إنما جعلته مذكّراً . قال : وأي إذكار أَبلغ عندي في رَعي حقّك من مسيرك إليه وتسليمك عليه ؟ إنـه متى لم يتصفّح المأمول أسماءَ مؤمّليه غدوةً وروإحاً لم يكن للأمل محلاً ، وجرى عليه المقدارُ لمؤمّلِيه على يديه بما قدر ، وهو غيْرُ محمود على ذلك ولا مشكور ، وما لي إمامٌ بعد وردي من القرآن إلا أسماء رجال أَهْل التأميل ، حتى أعرضهم على قلبي ، فلا تستَعن على شريفٍ إلا بشَرَفِه ؛ فإنّه يرى ذلك عيباً لعُرفه ؛ وأنشد : الطويل :
وذاك امرؤ إن تأْتِه في عظيمة . . . إلى بابه لا تَأْتِه بشفيعِ
ومن توقيعاته : الحقّ يُعْقِب فَلْجاً أو ظفراً ، والباطل يُورث كذباً ونَدَماً .
وكتب إليه رجل : والنفس مولعة بحبِّ العاجل . فكتب إليه : لكن العقل الذي جعله اللّه للشـهوة زِمَاماً وللهوى رِباطأ موكّل بحبِّ الآجل ، ومستصغِرٌ لكل كثير زائل .قال مصعب بن عبد الله الزبيري : وَفَد زياد الحارثي على المـهدي وهو بالرّي وليّ عهْد ، فأقام سنتين لا يَصلُ إليه شيء من برّه ، وهو ملازم كاتبه أبا عبيد الله ، فلمَّا طال أمره دخل إلى كاتبه فأنشده : البسيط :
ما بعد حولين مرّا من مطالبةٍ . . . ولا مُقَامَ لذي دين وذِي حَسب
لئن رحلتُ ولم أظفر بفائدةٍ . . . من الأمير لقد أَعذرت في الطَّلَبِ
فوقع أبو عبيد اللّه : يصنعُ الله لك فكتب إليه : الخفيف :
ما أردت الدعاء منك لأني . . . قد تيقّنت أنـه لا يُجابُ
أيجاب الدعاءُ من مستطيل . . . جُلُّ تسبيجه الخنا والسِّباب ؟
ألفاظ لأهل العصر في ذكر الاستطالة والكبر
مع ما يشاكلُ ذلك من معانيها ، ويطرق نواحيها من المساوي والمقابح .
فلان لسانُه مِقْرَاضٌ للأعراض ، لا يأكل خبْزَه إلا بلحوم الناس ، هو غرضٌ يرشَق بسهام الغيبة ، وعلم يقصد بالوقيعة ، قد تناولته الألسن العاذلةُ ، وتناقلت حديثَهُ الأنديةُ الحافلة . قد لزمـه عار لا يُمْحَى رَسْمُه ، ولزمـه شنار لا يزولُ وَسْمُه ، فأصبح نَقْلَ كلّ لسان ، وضُحْكَة كل إنسان ، وصار دولة الألسن ، ومُثْلَة الأعين . وقد عرّض عرضه غرضاً لسهام الغائبين ، وألسنة القاذفين ، وقلّد نفسه عظيم العار والشّنار ، والسّبِّة الخالدة على الليل والنـهار . قد أسكرته خَمرَة الكبر ، واستغرقتْه عُرَّة التَيه ، كأن كسرى حامل غاشيته ، وقارون وكيل نفقته ، وبَلْقِيس إحْدَى داياته ، وكأنَّ يوسف لم ينظرْ إلا بطلعته ، وداود لم ينطق إلا بنغمته ، ولقمان لم يتكلّم إلا بحكمته ، والشمس لم تطلع إلا من جبينـه ، والغمام لم يَنْدَ إلا من يمينـه ، وكأنـه امتطى السِّماكين ، وانتعل الفرقدين ، وتناول النَيِّرَين بيدين ، وملك الخافقين ، واستعبد الثقلين وكأن الخضراء له عرشت ، والغبراء باسمـه فرشت . فلان له من الطاووس رِجْلُه ، ومن الوَرْدِ شَوْكه ، ومن الماء زَبَدُه ، ومن النار دخانـها ، ومن الخمر خُمارها ، قد هبّت سمائمُ نمائمـه ، ودبّت مكايد عقارِبه ، والنمام يضرب بسَيْفٍ كلِيل إلا أنـه يقطع ، ويضرب بعضد واهِن إلا أنـه يوجع . هو تمثالُ الجبن ، وصورة الخوف ، ومقرّ الرعب ؛ فلو سمّيت له الشجاعة لخافَ لَفْظَها قبل معناها ، وذِكْرَهاقبل فحواها ، وفزع من اسمـها دون مسماها ، فهو يهلك من تخوفه أضغاثَ أحلام ، فكيف بمسموع الكلام ؟ إذا ذكرت السيوف لمس رأسَه هل ذهبَ ، ومس جبينَه هل ثُقب ؟ كأنـه أسلِم في كتّاب الجُبْنِ صبيّاً ، ولُقِّنَ كتاب الفشل أعجمياً . وَعْدُه بَرْقٌ خلب ، وروغان ثعلب . غَيمُ وعده جَهام ، وحَدُّ سَيفه كَهام . حصلتُ منـه على مواعيد عرقوبية ، وأحزان يعقوبية ، قد حرمني ثمرَ الوعد ، وجرَّني على شَوْك المطْلِ . فتى له وعدٌ أَخَذَ من البَرْقِ الخلَّبِ خلقاً ، وقد تناول من العارض الجهام طبعاً ، وتركني أَرْعَى رِياضَ رجاء لا يُنبت ، وأَجْنِي ثمارَ أمل لا يُورِق ؛ فأَنا في ضمان الانتظار ، وإسار عِدَةٍ ضِمار . هو يرسل بَرْقَه ، ولا يسيل وَدْقه ، ويقدم رَعْده ، فلا يمطر بعدهُ . وعْدُه الرقْم على بساط الهواء ، والخط في بسيط الماء .
حلَّ هذا من قول أبي الفضل بن العميد : الكامل :
لا أستفيقُ من الغرام ، ولا أُرى . . . خِلْواً من الأشجان والْبُرحَاء
وصروفُ أيام أَقمْنَ قيامتي . . . بِنَوى الخليطِ وفُرْقَةِ القُرَنَاء
وجَفاء خِلّ كنتُ أحسبُ أنّهُ . . . عَوْني على السراء والضرّاء
ثَبْت العزيمة في العقوق ، وودُّهُ . . . متنقلٌ كتنقّل الأحياء
ذي خلة يأتيك أَثبتُ عهدهِ . . . كالخطّ يُرْسَم في بسيطِ الماء
أردت هذا البيت .
هو صخرة خَلْقَاء ، لا يستجيبُ للمرتَقَى ، وحيّة صماء لا تسمع للرُّقَى ، كأني أستنفر بالجوّ رعْداً ، وأهز منـه بالدعاء طوداً ، هو ثابت العِطف نابي العطف ، عاجز القوة ، قاصر المُنّة ، يتعلّق بأذناب المعاذير ، ويحيل على ذنوبِ المقادير . هو كالنعامةتكونُ جملاً إذا قيلَ لها طِيري ، وطائراً إذا قيل لها سِيري . يفاض له بذل ، ولا يفوّض إليه شغل ، ويملأ له وَطْب ، ولا يُدْفَع بـه خَطْب ، قد وفّر همَّه على مطعم يجوّدُه ، ومَلْبَس يجوَّده ، ومَرْقَد يمـهده ، وبنيان يشيده .
هذا كقول الحطيئة : البسيط :
دَع المكارِمَ لا ترحَلْ لبُغْيَتِها . . . واقعُدْ فإنك أنتَ الطاعِمُ الكَاسِي
قَلْب نَغِل ، وصَدْرٌ دغِل ، وطولةٌ معلولة ، وعقيدة مَدْخُولَة ، صَفْوُه رنق ، وبره مَلَق ، قد مُلئ قلبُه رَيناً ، وشُحِنَ صدرُه مَيْناً يدَّعِي الفضلَ وهو فيه دَعِيّ ، دَأْبه بث الخدائع ، والنفْثُ في عُقد المكايد ، ضميرُه خُبث ، ويمينُه حِنْث ، وعهده نكْث . هو سحابة صَيْف ، وطارِقُ ضيْفٍ ، قوته غنيمة ، والظفر بـه هزيمة . هو العَوْد المركوب ، والوَتَرُ المضروب ، يطؤُه الخفُّ والحافِرُ ، ويستضِيمُه الواردُ والصادر . يغمض عن الذكر ويصْغُر عن الفكر . ذاتُه لا يوسَم أغفالها ، وصفتُه لا تنفرج أقفالها . هو أقل من تبنة في لَبِنة ، ومن قلاَمة في قُمَامة . وهو بيذق الشطْرَنْج في القيمة والقامَة ، جَهْلُه كثيف ، وعَقله سخيف ، لا يستترُ من العقل بسِجفٍ ، ولا يشتمل إلا على سخف . يمدُّ يدَ الجنون فيعرُك بها أذُنَ الحزْم ، ويفتح جِرَاب السخف فيصفَع بـه قَفَا العقل . لا تزالُ الأخبارُ تورد سفائح جَهلِه وخُرْقه ، والأنباءُ تنقلُ نتائجَ سُخْفِه وحُمقِه ، قد ظل يتعثرُ في فضولِ جَهْلِه ، ويتساقطُ في ذيولِ عقله . هو سمينُ المالِ مـهزول النوال . ثَرْوَة في الثريا وهمَّةٌ في الثرَى . وجهُه كَهَولِ المطلع ، وزوال النّعمة ، وقضاء السوءِ وموتِ الفُجَاءة . هو قذَى العَين ، وشَجَى الصدْرِ ، وأذىَ القلب ، وحُمَّى الروح ، وَجْهُه كآخر الصك ، وظلم الشك ، كأنَّ النحسَ يطلع من جَبينـه ، والخل يقطر من وجنته . وجهُه طَلْعَة الهَجْر ، ولفظُه قِطَع الصخر . وجههُ كحضور الغَرِيم ، ووصول الرقيب ، وكتاب العَزل ، وفِرَاق الحبيبِ . له من الدينار نَضْرَته ، ومن الوَزدِ صُفْرَتُه ، ومن السحاب ظُلْمَتُه ، ومن الأسد نكهته . وهو عصارةُلؤم في قرارة خبث . ألأم مـهجة في أسقط جثة . حديث النعمة ، خبيث الطعمة ، خبيث المركب ، لئيم المنتسب ، يكاد من لؤمـه يعدي من جلس إلى جنبه ، أو تسمَّى باسمـه . قد أرضع بلبان اللؤم ، ورُبِّي في حجر الشؤم ، وطم عن ثدي الخير ، ونشأ في عرصة الخبث ، وطلق الكرم ثلاثاً لم ينطق فيه استثناءً ، وأعتق المجد بتاتاً لم يستوجب عليه ولاء . هو حمارٌ مبطن بثور مفروز بتيس ، مطرز بطرر ، أتى من اللءم بنادر ، لم تهتد له قصة مادر . هو قصير الشبر ، صغير القدر ، ضيق الصدر ، رد إلى قيمة مثله في خبث أصله ، وفرط جهله ، لا أمس ليومـه ، ولا قديم لقومـه ، سائله محروم ، وماله مكتوم ، لا يحين إنفاقه ، ولا يحل خناقه ، خيره كالعنقاء تسمع بها ولا ترى . خبزه في حالق ، وإدامـه في شاهق ، غناه فقر ، ومطبخه قفر ، يملأ بطنـه والجار جائع ، ويحفظ ماله والعرض ضائع ، قد أطاع سلطان البخل ، وانخرط كيف شاء في سلكه . هو ممن لا يبضُّ حجره ، ولا يثمر شجره ، سكيت الحلبة ، وساقة الكتيبة ، وآخر الجريدة . لعنة العائب ، وعرضة الشاهد والغائب . هو عيبة العيوب ، وذنوب الذنوب . وقال أبو الفضل الميكالي : الرجز :
وطلعةٍ بقبحها قد شُهِرَتْ . . . تحكي زوالَ نعمةٍ ما شكرتْ
كأنـها عن لحمـها قد قشرت . . . أِقبِحْ بها صحيفةً قد نشرتْ
عنوانـها إذا الوحوش حُشِرَتْ . . . يلعنـها ما قد قدَّمتْ وأخّرتْ
صاحِبُهَا ذو عورة لو سترتْ . . . إن سار يوماً فالجبال سُيِّرتْ
أو رَامَ أَكلاً فالجحيم سُعّرَتْ
ويختص بهذه الأنواع رسالة بديع الزمان إلى القاضي علي بن أحمد يشكو أبا بكرالحيري القاضي ويذمـه - وقد أطلت عنان الاختيار فيها لصَّحة مبانيها ، وارتباط ألفاظها بمعانيها : الظُّلامة - أطال الله بقاء القاضي - إذا أتت من مجلس القضاء ، لم ترق إلا إلى سيد القضاة . وما كنت لأقصر سيادته على الحكام ، دون سائر الأنام ، لولا اتصالهم بسببه ، واتسامـهم بلقبه ، وهبهم مطفلين على قسمـه ، مغيرين على اسمـه ، ألهم في الصحة أديم كأديمـه ، أو قديم في الشرف كقديمـه ، أو حديث في الكرم كطريفه ؟ فهنيئاً لهم الأسماء ، وله المعاني ، ولا زالت لهم الظواهر ، وله الجواهر . ولا غزو أن يسموا قضاة ، فما كل مائع ماء ، ولا كل سقف سماء ، ولا كل سيرة عدل العمرين ، ولا كل قاض قاضي الحرمين ، ويا لثارات القضاء ما أرخص ما بيع ، وأسرع ما أضيع والسنة الإنذار ، قيل خلو الديار ، وموت الخيار ، ألا يغار لحلى الحسناء ، على السواد ، ومركب أولي السياسة ، تحت الساسة ، ومجلس الأنبياء ، من تصدر الأغبياء ، وحمى البزاة من صيد البغاث ، ومرتع الذكور من تسلط الإناث ؟ ويا للرجال ، وأين الرجال ولي القضاء من لا يملك من آلاته غير السِّبال ، ولا يعرف من أدواته غير الاعتزال ، ولا يتوجه في أحكامـه إلا إلى الاستحلال ، ولا يرى التفرقة إلا في العيال ولا يحسن من الفقه غير جمع المال ، ولا يتقن من الفرائض إلا قاة الاحتفال ، وكثرة الافتعال ، ولا يدرس من أبواب الجدال إلا قبيح الفعال ، وزور المقال ، ذاك أبو بكر القاضي ، أضاعه الله كما أضاع أمانته ، وخان خزانته ، ولا حاطه من قاض في صولة جندي ، وسبلة كردي . . . إلى أن قال : أيكفي أن يصبح المرء بين الزق والعود ، ويمسي بين موجبات الحدود ، حتى يكمل شبابه ، وتشيب أترابه . ثم يلبس دنِّته ، ليخلع دينته ، ويسوي طيلسانـه ، ليحرف يده ولسانـه ، ويقصر سباله ، ليطيل حباله ، ويظهر شقاشقه ، ليستر مخارقه ، ويبيض لحيته ، ليسود صحيفته ، ويبدي رعه ، ليخفي طمعه ، ويغشى محرابه ، ليملأ جرابه ، ويكثر دعاؤه ، ليحشو وعاءه ، ثم يخدم بالنـهار أمعاؤه ، ويعالج بالليل وجعاءه ، ويرجو أن يخرج من بين هذه الأحوال عالماً ، ويقعد حاكماً ؟ هذا إذا المجد كالوه بقفزان وباعوه في سوقالخسران هيهات حتى ينْسَى الشـهوات ، ويَجُوب الفلوَات ، ويعتضد المحابرَ ، ويحتَضِن الدفاتر ، وينتج الخواطر ، ويُحالف الأسفار ، ويعتاد القِفَار ، ويصل الليلةَ باليوم ، ويعتاض السهرَ من النوم ، ويحمل على الروح ، ويجني على العين ، وينفق من العيش ، ويخزن في القلب ، ولا يستريح من النظر إلا إلى التحديق ، ولا من التحقيق إلا إلى التعليق ، وحاملُ هذه الكلف إن أخطأه رائدُ التوفيق ، فقد ضلّ سواء الطريق ، وهذا الحِيرِيُّ رجل قد شغله طلبُ الرياسة عن تحصيل آلاتها ، وأعجله حصولُ الأمنية عن تمحل أدواتها : مجزوء كامل :
والكلبُ أحسن حالةً . . . وَهْوَ النـهاية في الخَسَاسهْ
ممن تَصَدَّى للريا . . . سة قبل إبّانِ الرياسهْ فولي المظالم وهو لا يَعرفُ أسرارَها ، وحَمَل الأمانةَ وهو لا يَدْري مقدارَها ؛ والأمانةُ عند الفاسق خفيفةُ المحمل على العاتِق ، تُشْفقِ منـها الجبال ، ويحملها الجهال ، وقعد مَقْعَد رسولِ اللّه ، ( صلى الله عليه وسلم ) ، بين حديثه يُرْوَى ، وكتاب الله يُتْلَى ، وبين البينة والدعْوَى ، فقبّحه الله تعالى من حاكم لا شاهِد عنده أعدل من السَّلة والجام ، يُدْلى بهما إلى حكَام ، ولا مزكى أصدق لديه من الصُّفر ، ت على الظفر ، ولا وثيقة أحبُّ إليه من غمزات الخصوم ، على الكيس المختوم ، ولا كفيل أوقع بوفَاقِه من خبيئة الذيل ، وحمال الليل ، ولا وكيل أعز عليه من المنديل والطبق ، في وقت الغَسَق والفَلَق ، ولا حكومة أبغض إليه من حكومة المجلس ، ولا خصومة أوحش لديه من خصومة المُفْلِس ، ثم الويل للفقير إذا ظُلِم ، فيما يغنيه موقف الحكم إلا بالقَتْل من الظلم ، ولا يجيره مجلس القضاء بالنار من الرمْضَاء . وأقسم لو أن اليتيم وقف بين أنياب الأسود ، بل الحيّات السُّود ، لكانت سلامته منـهما أرجى من سلامته إذا وقع من هذا القاضي بين عَقاربه وأقَاربه ؛ وما ظنُّ القاضي بقوم يحمِلونَ الأمانةَ على مُتُونـهم ، ويكألون النارَ في بطونـهم ، حتى تغلظ قصراتهم من مالِ اليتامى ، وتسمن أكفالهم من مال الأيامى ، وما رأيه في دار ، عمارتها خرابُ الدور ، وعُطلة القدور ، وخَلاَء البيوت ، من الكسوة والقوت ، وما قوله في رجل يُعَادِي الله في الفَلْس ، ويبيعُ الدِّينَ بالثمن البخس ، وفي حاكم يبرُز في ظاهر أهلالسمتِ ، وباطن أصحاب السبتِ ، فِعْله الظلمُ البَحْت ، وأكله الحرام السُّحْت . ومَا قوله في سوس لا يقع إلا على صوف الأيتام ؛ وجرادٍ لا يقع إلا على الزرع الحرام ، ولصّ لا ينقب إلا خزانة الأوقاف ، وكردي لا يُغِيرُ إلا على الضعاف ، وليث لا يفتَرِسُ عباد الله إلا بين الركوع والسجود ، وخارب لا ينـهب مالَ الله إلا بين العهود والشـهود .
وذكر في هذه الرسالة فصلاً في ذِكْر العلم - وهو مستطرف البلاغة ، مستعذب البراعة - قال : والعلم - أطال الله بقاءَ القاضي - شيء كما تعرفُه ، بعيد المرام ، لا يُصَادُ بالسهام ، ولا يُقْسَمُ بالأزلام ؛ ولا يُرَى في المنام ولا يُضْبَطُ باللجام ، ولا يُورَث عن الأعمام ولا يكتب لِلئام ، وزَرْع لا يَزْكُو حتى يصادِفَ من الحَزْمِ ثَرًى طيباً ، ومن التوفيق مطراً صَيِّباً ؛ ومن الطبْعِ جوّاً صافياً ، ومن الجهد روحاً دائماً ، ومن الصبر سقياً نافعاً ، والعلم عِلْقٌ لا يباع ممن زاد ، وصَيْدٌ لا يألف الأوغاد ، وشيءٌ لا يُدْرك إلا بنزع الروح ، وعَوْن الملائكةِ والروح ، وغَرضٌ لا يصابُ إلا بافتراش المدَر ، واتّساد الحجَر ، وردّ الضجَر ، وركوب الخَطر ، وإدْمَان السهر ، واصطحاب السفر ، وكَثْرة النظَرِ ، وإعمال الفكر ، ثم هو معتاص إلا على من زكا زَرْعه ، وخلا ذرعه ، وكرم أَصله وفَرعه ، ووَعى بصره وسمعه ، وصفا ذهنـه وطبعهُ ، فكيف يناله من أنفق صِبَاه على الفَحْشاء ؛ وشبابَه على الأحشاء ، وشغل نـهاره بالجمع ، وليلَه بالجماعِ ، وقطع . سَلْوته بالغنى ، وخَلوَته بالغناء ، وأفرغ جِدّه على الكيس ، وهزله في الكأس ؛ والعلم ثمر لا يصلح إلا للغَرْس ، ولا يغرس إلا في النفس ، وصيد لا يقع إلا في الندر ، ولا ينشب إلا في الصدر ، وطائر لا يخدعه إلا قَنَص اللفظ ، ولا يعلقه إلا شَرَكُ الحفظ ولا ينشب إلا في الصدر ، وبَحْر لا يخوضُه الملاح ، ولا تطيقه الألواح ، ولا تهيجه الرياح ، وجبَلٌ لا يتسَم إلا بخُطا الفِكْر ، وسماء لا يصعد إلا بمِعْرَاج الفهم ، ونَخمٌ لا يلمس إلا بيَدِ المجد .ومن مفردات الأبيات في المعايب والمقابح
قول أبي تمام : الوافر :
مَسَاوٍ لو قُسِمْنَ على الغَوانِي . . . لما أُمْهِرْن إلاَّ بالطلاقِ
آخر : البسيط :
قومٌ إذا جَرَّجَانٍ منـهمُ أمِنُوا . . . من لُؤْمِ أحْسابِهم أن يقتلوا قَوَدا
البحتري : الطويل :
نَبَا في يدِي ، وابنُ اللئيمةِ وَاجِدٌ . . . ويَنْبُو الخبيثُ الطَّبْحِ وَهْوَ صَقيلُ
ابن الرومي في رجل يعرف بابن رمضان : الوافر :
رأيتك تدّعِي رمضانَ دعوى . . . وأنتَ نظيرُ يومِ الشّكَ فيهِ
وله في أعمى : الخفيف :
كيف يَرْجُو الحياء منـه صديقٌ . . . ومكانُ الحياء منـه خَرابُ ؟
غيره : الطويل : هو الكَلْب ، إلا أن فيه ملالةً . . . وسُوءَ مُرَاعاةٍ وما ذَاكَ في الكَلْب
آخر : الطويل :
أبا دُلفٍ يا أَكْذَب الناسِ كلّهم . . . سِوَايَ فإني في مديحك أكذبُ
أبو الفضل الميكالي : الطويل :
هو الشَّوْك لا يُعْطِيك وافِرَ منّة . . . يدَ الدَّهْرِ إلاّ حين تَضْرِبه جلْدا
اللحن في الكلام
قال المأمون لبعض وَلده وسمع منـه لحْناً : ما على أحدِكم أن يتعلَّم العربية ، فيقيم بها أوَدَه ، ويزيّنُ بها مَشْهده ، ويفلُّ حُجَجَ خَصْمـه ، بمسِّ كتاب حكمـه ، ويملكمَجْلس سُلْطانـه ، بظاهرِ بيانـه ؛ ليس لأحدكم أن يكونَ لسانُه كلسان عبدِه أَو أَمته ، فلا يزالُ الدهر أَسِيرَ كلمته .
وقال رجلٌ للحسن البصري : يا أبو سعيد ، قال : كَسْبُ الدراهم شغَلك أن تقولَ يا أبا سعيد ، ثم قال : تعلَموا العلم للأديان ، والنحوَ للسان ، والطمث للأبدان .
وكان الحسن كما قال الأعرابي وسمع كلامـه : والله إنـه لفصيح إذا لفظ ، نصيحٌ إذا وَعظ . وقيل له : يا أبا سعيد ، ما نراكَ تلحن ، قال : سَبَقْتُ اللحن . أخذه أبو العتاهية ، وقيل له : إنك تخرج في شعرك عن العَرُوض ، فقال : سبقت العروض .
وقال إسحاق بن خلف البهراني : الكامل :
النحو يصلَح من لسانِ الأَلْكَنِ . . . والمرءُ تَعْظِمُه إذا لم يلحنِ
فإذا طلبت من العلوم أجلَّها . . . فأجلُّها منـها مقيمُ الألْسُنِ
وقال علي بن بسام : الطويل :
رأيتُ لسانَ المَرْء رائدَ عِلْمِهِ . . . وعنوانـه فانظُرْ بماذا تُعَنْوَنُ
ولا تَعدُ إصلاحَ اللسانِ فإنـهُ . . . يُخَبِّرُ عما عنده ويبين
على أن للإعراب حَدّاً ، وربما . . . سمعت من الأعراب . ما ليس يحسُنُ
ولا خيرَ في اللفْظ الكريهِ استماعُهُ . . . ولا في قبيح اللَحْنِ والقصْد أزْيَنُ
وقال بعضُ أهل العصر ، وهو أبو سعيد الرستمي : الطويل :
أفي الحقِّ أن يُعْطى ثلاثون شاعراً . . . ويحرَم ما دونَ الرضا شَاعِرٌ مثلي ؟
كما سامحوا عمْراً بواوِ زيادةٍ . . . وضُويِقَ بسم الله في أَلِف الوَصْل
أبو الفتح البستي : الطويل :
حُذِفْتُ وغيري مثبَت في مكانـهِ . . . كأنيَ نون الجمعِ حين يُضَافُ
وقال : البسيط :
افْدِي الغزالَ الذي في النِّحْوِ كلَّمني . . . مُنَاظِراً فاجتبيتُ الشّهدَ من شفَتِهْ
فأوْرَدَ الحججَ المقبولَ شاهِدُها . . . محققاً ليريني فَضْلَ معرفَتِهْ
ثم اتفقْتُ على رَأْيٍ رضيتُ بهِ . . . والرفع من صِفتي والنصبُ من صفتِهْ
الحسن اللحام : الكامل :
أنا من وجوه النحوِ فيكم أفْعَلُ . . . ومن اللغاتِ إذا تُعَدُّ المـهمَلُالتعلّق بالغلام
وقال أحمد بن يوسف : كتب غلامٌ من ولد أنوشروان ممن كان أحد غلمان الديوان ، إلى آخر منـهم وكان قد علق بـه ، وكان شديدَ الْكَلَف بـه والمحبَّة له : ليس من قَدرِي - أدام الله سعادَتك - أن أقولَ مثلك جُعِلْتُ فِدَاك ؛ لأني أراك فوقَ كلِّ قيمة خطيرة وثمن مُعْجِز ، ولأنَّ نفسي لا تُسَاوِي نفسك ، فتُقْبَل في فِدْيتك ، وعلى كل حال ؛ فجعلني اللًهُ فِدَاءَ ساعة من أيامك ، اِعْلَمْ أيها السيد العليُّ المنزلة ، أنـه لو كان لعَبْدِك من شدّة الخطب أمرٌ يقفُ على حدّه النعت ، لاجتهدنا أن يُضْعِفَ من ذلك ما عسى أن يعطف بـه زمام قَلْبِك ، وتحنو له على الرقة بـه والتحفي أثناء جوانحك ، ولكن الذي أمسيت وأصبحت ممتحَناَ بـه فيه شَسَعَ على كل بيان ، ونزح عَنْ كل لسان ؛ والحب أيها المالك لم يَشُبْهُ قَذَى ريبة ، ولم يختلط بـه قلب مَعَاب ، فلا ينبغي لمن كرمت أخلاقُه أن يعاف مقارَبة صاحبه المدل بحرمة نيته ، والذي أتمناه ، أيها المولى اللطيف ، مجلس أقف فيه أمامك ، ثم أبوح بما أضنى جسدي ، وفتّ كبدي ، فإن خفّ ذلك عليك ورأيت نشاطاً من نفسك إليه كنتَ كمن فك أسيراً وأبرَأَ عليلاً ، ومن الخير سلك سبيلاً ، يتوعَّرُ سلوكُها على منْ كان قبله ، ومَنْ يكون بعده ؛ ثم أضاف إلى ذلك منَّةً لا يُطيقها جَبَلٌّ رَاس ، ولا فلك دائر ، فرأيك أيها السيد المعتمد في الإسعاف ، قبل أن يَبْدرَني الموتُ ؛ فيحول بيني وبين ما نزعت إليه النفس مواصلاً براً إن ، شاء الله تعالى .
فأجابه : تولى الله تعالى ما جرئ بـه لسانك بالمزيد ، ولا أَوحش ما بيننا بِطائر فُرْقَة ، لا صافر تشتّت ، وضمَّنَا وإياك في أوثَق حبال الأنس ، وأوكد أَسبابِ الألفَةِ ؛ وقفت على ما لخصته من العجز عن بلوغ ما خامرَ قلبك ، وانطوى في ضميرك ، من الشغَف المقلق ، والهوى المضرع ، ولعمري لو كشَفْت لك عن مِعْشَار ما اشْتُمل عليه مضمر صدري لأيقنت أن الذي عندك إذا قسْتَه إلى ما عندي كالمتلاشي البائد ، ولكنك بفَضل الإنعام سَبَقْتَنا إلى كَشْف ما في الضمير . وأما طاعتي لك ، وذمامي إليك ؟ فطَاعةُ العبد المقْتَنَى ، الطائع لما يَحكُم له وعليه مولاه ومالِكُه ، وأنا صائر إليك وَقتَ كذا ؛ فتأهب . لذلك بأحمد عافية ، وأتم عُقْدَة ، وأَسْعَد نجم جرى بالألفة ، إن شاء الله تعالى .
وكتب بعض الكتاب : إني لأكرَهُ أنْ أفديك بنفسي استحياءً من التقصير فيالمعاوضة ، ومن التخلف في الموازنة ، وعلى الأحوال كلِّها ، فقدَّم الله رُوحِي عنك ، وصانني عن رُؤْية المكروه فيك .
وقال المتنبي :
فِدًى لكَ من يُقَصر عن مَدَاكا . . . فلا مَلِكٌ إذَنْ إلاَّ فِدَاكا
ولو قُلنا فِدًى لك مَنْ يُسَاوِي . . . دَعَوْنَا بالبقاء لمَنْ قَلاَكا
وآمَنَّا فِداءَكَ كل نَفْسٍ . . . وإن كانت لمملكةٍ مِلاَكا
وقال عبيد الله بن شبيب : كتب إليَّ بعض إخواني من أهل البصرة كتاباً ملح فيه وأوجز ، وهو : أطال الله بقاءك ، كما أطال حباءك ، وجعلني فداك إن كان في فداؤك : الوافر :
كتبتُ ولو قدرتُ هوًى وشوقاً . . . إليك لكنت سطراً في كتابي
وكتب آخر إلى إبراهيم وأحمد ابني المدبّر ، وقد أصابتهما مِحْنَة ثم أردفتها نعمة : لو قُبلت فيكما ، ودانيتُ قدريكما ، لقلت : جعلني الله فداكما ، ولكني لا أجزي عنكما ، فلا أُقبل بكما ، وقد بلغتني المحنة التي لو مات إنسان غَمّاً بها لكنته ثم اتصلت النعمة التي لو طار امرؤ برحابها لكنته وكتب تحته : الطويل :
وليس بتزويقِ اللسانِ وصَوْغهِ . . . ولكنَهُ قد خالط اللَحْمَ والدَّمَا
وكتب ابن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان يعتذِرُ في تَرْك مكاتبته بالتفدية : الله يعلم ، وكفى بـه عليماً ، لقد وددت مكاتبتك بالتفدية فرأيت عيباً أن أفديك بنفسٍ لا بدَّ لها من فَنَاء ، ولا سبيلَ لها إلى بَقَاء ، ومَنْ أظهر لك شيئاً وأضمر لك خِلاَفه فقد غشَّ ؛ والأمر إذا كانت الضرورَةُ تُوجبُ أنـه مَلَقٌ لا يحقق ، وإعطاء لا يتحصّل ، لم يجب أن يخاطبَ بـه مِثْلُك ، وإن كان عند قوم نـهايةَ من نـهايات التعظيم ، ودليلاً من دلالات الاجتهاد ، وطريقاً من طرق التقرّب . قال الزبير بن أبي بكر : قال لي مسلمة بن عبد الله بن جندب الهذلي : خرجت أرِيدُ العقيق ومعي زَيَّان السوّاق ؛ فلقيْنا نسوة فيهن امرأة لم أرَ أجملَ منـها فأنشدت بيتين لزَيَّان : الطويل :
ألاَ يا عبادَ الله هذا أخوكُمُ . . . قتيلٌ ، فهلْ فيكم له اليوم ثائرُ ؟خذوا بدمي ، إن متُّ ، كلَّ خريدةٍ . . . مريضةِ جَفْنِ العين والطَّرْفُ ساحِرُ
ثم قال : شأنك بها يا ابن الكرام فالطلاق له لازم إن لم يكن دم أبيك في نقابها .
فأقبلت عليَّ وقالت : أنت ابن جندب ؟ فقلت : نعم . قالت : إن قتيلنا لا يودى ، وأسيرنا لا يفدى ، فاغتنم لنفسك ، واحتسب أباك .
قال أبو عبيدة : قال رجل من فزارة لرجل من بني عذرة : تعدون موتكم من الحب مزية ، وإنما ذاك من ضعف المنة ، وعجز الروية . فقال العذري : أما إنكم لو رأيتم المحاجر البلج ، ترشق بالأعين الدعج ، فوقها الحواجب الزج ، وتحتها المباسم الفلج ، والشفاه السمر ، تفتر عن الثنايا الغر ، كأنـها برد الدُّر ، لجعلتموها اللات والعزى ، ورفضتم الإسلام وراء ظهروكم .
وقال أعرابي : دخلت بغداد فرأيت فيها عيوناً دعجاً ، وحواجب زجاً ، يسحبن الثياب ، ويسلبن الألباب .
وذكر أعرابي نساءً فقال : ظعائن في سوالفهن طول ، غير قبيحات العطول ، إذا مشين أسبلن الذيول ، وإن ركبن أثقلن الحمول .
ووصف آخر نساء فقال : يتلثمن على السبائك ، ويتشحن على النيازك ، ويتزرن على العواتك ، ويرتفقن على الأرائك ، ويتهادين على الدرانك ، ابتسامـهن وميض ، عن ثغر كالإغريض ، وهن إلى الصبا صور ، وعن الخنا خور .
الهوى
سئل بعض الحكماء عن الهوى ، فقال : هو جليس ممتع ، وأليف مؤنس ، أحكامـه جائزة ، ملك الأبدان وأرواحها ، والقلوب وخواطرها ، والعيون ونواظرها ، والنفوسوآراءها ، وأعطى زمام طاعتها ، وقياد مملكتها ، توارى عن الأبصار مدخله ، وغمض عن القلوب مسلكه .
وسئلت أعرابيةٌ عن الهوى فقالت : لا متع الهوى بملكه ، ولا ملِّي بسلطانـه ، وقبض الله يده ، وأوهن عضده ؛ فإنـه جائر لا ينصف في حكم ، أعمى ما ينطق بعدل ، ولا يقصر في ظلم ، ولا يرعوي للوم ، ولا ينقاد لحق ، ولا يبقى على عقل ولا فهم ، لو ملك الهوى وأطيع لرد الأمور على أدبارها ، والدنيا على أعقابها .
ووصف أعرابي الهوى فقال : هو داءٌ تدوى بـه النفوس الصحاح ، وتسيل منـه الأرواح ، وهو سقم مكتتم ، وجمر مضطرم ؛ فالقلوب له منضجة ، والعيون ساكنة .
قال أبو عبيد الله بن محمد بن عمران المرزباني : أخبرني المظفر بن يحيى ، قال : أحبَّ رجلٌ امرأةً دونـه في القددر ، فعذله ، فقال : يا عمّ ، لا تلم مجبراً على سقمـه ؛ فإن المقر على نفسه مستغنٍ عن منازعة خصمـه ، وإنما يلام من اقتراف ما يقدر على تركه ، وليس أمر الهوى إلى الرأي فيملكه ، ولا إلى العقل فيدبره ؛ بل قدرته أغلب ، وجانبه أعز من أن تنفذ فيه حيلة حازم ، أو لطف محتال .
وقال بعضهم : رأيت امرأتين من أهل المدينة تعاتب إحدهما الأخرى على هوىً لها ، فقالت : إنـه يقال في الحكمة الغابرة ، والأمثال السائرة : لا تلومنَّ من أساء بك الظن إذا جعلت نفسك هدفاً للتهمة ، ومن لم يكن عوناً على نفسه مع خصمـه لم يكن معه شيء من عقدة الرأي ، ومن أقدم على هوىً وهو يعلم ما فيه من سوء المغبة سلط على نفسه لسان العذل ، وضيع الحزم . فقالت المعذولة : ليس أمر الهوى إلى الرأي فيملكه ، ولا إلى العقل فيدبره ، وهو أغلب قدرةً ، وأمنع جانباً من أن تنفذ فيه حيلة الحازم ، أو ما سمعت قول الشاعر : الخفيف :
ليس خَطبُ الهوَى بخطْبٍ يسيرِ . . . لا ينّبيك عنـه مِثلُ خَبيرِ
ليس أمرُ الهَوى يُدَبَّرُ بالرَّأْ . . . ي ولا بالقياس والتفكيرِ
إنما الأمرُ في الهوى خَطَراتٌ . . . محدَثاتُ الأمورِ بَعْدَ الأمورِ ؟ قال المرزباني : أخبرني الصولي أنّ هذه الأبيات لعُلية بنت المـهدي ، ولها فيها لحنوقيل لعبد الله بن المقفع : ما بالُ العاقل المميز الذهن ، واللبيب الفطِن ، يتعرض للحب وقد رأى منـه مواضعَ الهلكة ، ومصارعَ التّلَف ، وعلم ما يؤول إليه عُقْبَاه ، وترجع بـه أُخْراه على أولاه ؟ فقال : زُخْرِفَ ظاهرُ العشق بجمال زينة يستدعي القلوب إلى ملامَسَتِهِ ، ومُلّي بعاجل حلاوة يَطْبي النفوسَ إلى ملابَسَته ، كظاهر زخرف الدنيا ، وبهاء رونقها ، ولذيذ جَنَى ثمرها ، وقد سكرت أبصارُ قلوب أبنائها عن النظر إلى قبيح عيوب أفعالها ، فهم في بلائها منغمسون ، وفي هلكة فتنتها متورّطون ، مع علمـهم بسوء عواقب خَطْبها ، وتجرع مرارةِ شربها ، وسرعة استرجاعها ما وهبت ، وإخراجها مِمَا ملكت ، فليس يَنجُو منـها إلا مَنْ حَذِرَها ، ولا يهلك فيها إلا من أَمِنَها ، وكذلك صُورةُ الهوى ؛ هما في الفتنة سواء .
العفة
وقال ابن دُرَيد : قال بعضُ الحكماء : أَغْلِق أبواب الشبهات بأفعال الزهادة ، وافتح أبوابَ البر بمفاتيح العبادة فإنَّ ذلك يُدْنِيك من السعادة ، وتستوجب من الله الزيادة .
وقال غيرُه : إنَّ اللذةَ مشوبةٌ بالقُبح ؛ ففكِّروا في انقطاع اللذَةِ وبقاء ذِكْرِ القُبحِ .
قال أبو عبد الله بن إبراهيم بن عرفة نِفْطَوَيْه : الكامل :
ليس الظرِيفُ بكامل في ظَرفِه . . . حتى يكونَ عن الحرامِ عفيفا
فإذا تعفَّفَ عن محارم رَبّهِ . . . فهناك يُدْعَى في الأنامِ ظَرِيفا
وقال : البسيط :
كم قد ظفرتُ بمن أَهوَى فيمنَعُني . . . منـه الحياءُ وخَوْفُ الله والْحَذَرُ
وكم خَلَوْتُ بمن أَهْوَى فيُقْنِعُني . . . منـه الفكَاهةُ والتقبيلُ والنَّظَرُ
أهْوَى الملاحَ وأَهْوَى أنْ أُجالِسهم . . . وليس لي في حَرَام منـهمُ وَطَرُكذلك الحبُّ لا إتيانُ معصِيَةٍ . . . لا خيرَ في لذّةٍ من بعدها سَقَر
وقال العباس بن الأحنف : البسيط :
أتأذنون لِصَبٍّ في زيارتكمْ . . . فعندكُمْ شـهواتُ السَّمْعِ والبَصَرِ
لا يبصر السوءَ إن طالَتْ إقامتُه . . . عفّ الضمير ولكن فاسق النظر
وقال بعضُ الطالبين : الطويل :
رمَوْني وإياهمْ بشَنْعَاءَهُمْ بها . . . أَحَقُّ ، أدَالَ الله منـهمْ وعجَّلاَ
بأمرٍ تركناه ورَبِّ محمدٍ . . . جميعاً فإما عفَّةً أو تجمّلا
وقال سعيد بن حميد : الخفيف :
زائر زارَنا على غَيْرِ وعد . . . مُخْطَف الكَشْح مُثْقَلُ الأردَافِ
غالبَ الخوفَ حين غالبه الشو . . . قُ وأخفَى الهوى وليس بخافِي
غضَّ طرفِي عنـه تُقى الله فاختر . . . تُ على بَذلِه بقاءَ التصافي
ثم ولى والخوفُ قد هَزَّ عِطْفي . . . ه ولم يخلُ من لِباس العَفَافِ
وفي الحديث الشريف : ' مَنْ أحب فعفَّ فمات فهو شـهيدٌ ' .
والعغافُ مع البَذْل ، كالاستطاعة مع الفعل ، كما قال صريع الغواني : الطويل :
وما ذميَ الأيام أنْ لَسْتُ مادحاً . . . لعَهْدِ لياليها التي سلَفَتْ قبلُ
ألاَ رُب يوم صادقِ العَيْشِ نِلْتهُ . . . بها ونَدامَاي العفافةُ والبَذْلُ
وأنشد الصولي لأبي حاتم السجستاني في المبرد ، وكان يلزم حَلْقَته ، وكان من المِلاَح وهو غلام : مجزوء الكامل :
ماذا لقيتُ اليومَ من . . . مُتَمجِّنٍ خَنِثِ الكلامْ
وقفَ الجمالُ بوَجْهِه . . . فسمَتْ له حدَقُ الأنَامْ
حَركَاتهُ وسُكُونـهُ . . . يُجْنَى بها ثَمرُ الأثامْ
فإذا خَلَوْتُ بمثلهِ . . . وعَزَمْتُ فيه على اعترامْ
لم أَغدُ أخلاقَ العَفَا . . . فِ وذاك أَوْكدُ للغَرَامْنَفْسِي فِدَاؤكَ يا أبا ال . . . عباس جَلَّ بك اعتصامْ
فارْحَمْ أخاكَ فإنـهُ . . . نَزْرُ الكَرَى بادِي السقام
وأنِلْهُ ما دُونَ الحرا . . . مِ فليس يَرْغَبُ في الحرام
وكان أبو حاتم يتصدق كلَّ يوم بدرهم ، ويختم القرآن في كل أسبوع . وذكر أنـه اجتمع أبو العباس بن سُرَيج الشافعي ، وأبو بكر بن داود العباسي ، في مجلس علي بن عيسى بن الجراح الوزير ، فتناظَرَا في الإيلاءِ ، فقال ابن سريج : أنت بقولك : من كثرت لَحَظاته دامَتْ حَسَراته أبْصَرُ منك بالكلام في الإيلاء ، فقال أبو بكر : لئن قلت ذلك فإني أقول : الطويل :
أُنزِّه في رَوْضِ المحاسن مُقْلَتي . . . وأَمْنَعُ نفسي أن تنالَ مُحَرَّمَا
وأحمِلُ من ثِقل الهوَى ما لَوَ أنـه . . . يُصَبُّ على الصَّخْر الأصمِّ تهدَّمَا
وينطق طَرْفِي عن مترجم خَاطِري . . . فلولا اختلاسِي رَدَّهُ لتكلَّما
رأيتُ الهوَى دَعْوَى من الناسِ كلِّهم . . . فلستُ أرى حبّاً صحيحاً مسلّما
فقال أبو العباس : بم تفتخرُ عليّ . وأنا لو شئت لقلت : الكامل :
ومُطَاعِم للشّهْدِ مِنْ نَغَماتِه . . . قد بِثُ أَمْنعهُ لذيذَ سِنَاتِه
صبَّاً بحُسْنِ حديثه وكلامِه . . . وأكُرّر اللحظاتِ في وجناتِه
حتى إذا ما الصبحُ لاح عمودُهُ . . . ولَّى بخاتم رَبّه وبَرَاتِه
فقال أبو بكر : أصلح الله الوزير ، تحفظ عليه ما قال حتى يقيمَ شاهدَين عَدْلين أنـه ولي بخاتم ربه فقال أبو العباس : يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك : أنزه في رَوْض المحاسن مُقْلَتي . . . البيت . فضحك الوزيرُ ، وقال : لقد جَمَعْتما ظرفاً ولُطفاً وفَهْماً وعلماً .
ألفاظ لأهل العصر في محاسن النساء
هي روضةُ الحسْنِ ، وضرَّةُ الشمْسِ ، وبَدْرُ الأرض . هي من وجهها في صباحٍ شَامِس ، ومن شَعْرِها في ليل دَامس ، كأنـها فلقة قَمَر على بُرْج فضة . بَدْر التم يضي تحت نِقابها ، وغُصْن البانِ يهتزّ تحت ثيابها ، ثَغْرُها يجمعُ الضريب والضَّرَب ، كأنـهُ نثر الدرّ ، كَما قال البحتري : البسيط :
إذا نَضَوْنَ شُفُسوفَ الرَّيْطِ آوِنةً . . . قَشَرْنَ عَن لؤلؤِ البَحْرَين أصْدَافاقد أنْبَتَ صدرُها ثمرَ الشباب ، خرطَتْ لها يدُ الشبابِ حُقّيْنِ من عاج ، كأنـها البدرُ قُرِّط بالثريَّا ، ونِيطَ بها عِقْدٌ من الجوزاء ، أعلاها كالغُصْن ميّال ، وأسفلها كالدِّعص مِنْهال ، لها عنُق كإبريق اللُجَيْنِ ، وسُرَّة كمدْهُن العاج ، نِطَاقُها مُجْدِب ، وإزَارُها مُخْصِب ، مَطلَع الشمس من وَجْهِها ، ونَبْت الدُّرِّ من فيها ، وملقط الوَرْد من خدّها ، ومنبع السِّحْرِ من طَرْفِها ، ومبادئ الليل من شَعْرِها ، ومغرس الغصن من قدِّهَا ، ومـهيل الرَّمْلِ من رِدْفِها .
ولهم في محاسن الغلمان والمعذرين : زاد جمالُه ، وأقمر هِلاله . ترقرقَ في وجهِه ماءُ الحسْنِ ، شادِنٌ فاتِرٌ طَرْفه ، ساحر لَفْظه . غلامٌ تأخذُه العَيْن ، ويَقْبَله القَلْبُ ، ويأخذه الطَرْفُ ، وترتاح إليه الرّوح . تكادُ القلوبُ تأكله ، والعيون تَشْرَبُه ، جرى ماءُ الشباب في عُوده فتمايلَ كالغُصْنِ ، واستوفى أقسامَ الحُسْنِ ، ولبس ديباجةَ المَلاَحة ، كأنَّ البدْر قد ركب أزراره ، لا يشبَع منـه الناظرُ ، ولا يروَى منـه الخاطِر ، كاد البدرُ يَحكِيه ، والشمسُ تشبِهه وتُضَاهِيه ، صورة تَجْلو الأبصار ، وتُخْجِل الأقمار ، شادن مُنتقبٌ بالبدْر ، ومكتَحِلٌ بالسحر . ما هو إلا نُزْهة الأبصار ، ومخْجل الأقمار ، وبِدْعة الأمصار ، غمزات طَرْفه تُخْبِر عن ظَرْفه ، ومنطِقُه ينطقُ عن وَصفه . تخالُ الشمسَ تبرقعَتْ غرَّتَه ، والليل ناسب أصداغَه وطُرَّتَه . الحُسنُ ما فوق أزراره ، والطِّيب ما تحت إزاره ، شادن يَضْحَكُ عن الأقحوان ، ويتنفَّسُ عن الريحان ، كأنَّ خدَّه سكران من خَمْر طرفه ، وبغداد مسروقةٌ من حُسْنِه وظَرْفه ، أعجمت يد الجمالِ نونَ صُدْغِه بخَال ، هذا محلول من قول ابن المعتز : الوافر :
غِلالة خَدّهِ صبغت بوَرْدٍ . . . ونونُ الصُّدْغ مُعْجَمَة بخَالِ له عينان حَشْوُ أجفانـهما السِّحْرُ ، كأنـه قد أعار الظَّبْيَ جِيدَه ، والغصْنَ قدَّه ، والراح رِيحَه ، والوَرْدَ خدَّه ، الشِّكل من حَرَكاته ، وجميعُ الحسْنِ بعض صفاته . قد ملكَ أزِمَّةَ القلوب ، وأظهر حجَّةَ الذنوب ، كأنما وَسَمَه الجمالُ بنـهايته ، ولحظَه الفلكُ بعنايته ، فصاغَه من لَيْلِه ونـهاره ، وحَلاه بنجومة وأقماره ، ونَقَّبه ببدائع آثاره ، ورَمَقَه بنواظر سُعودِه ، وجعله بالجمال أحدَ حدوده . وقد صَبَغ الحياءُ غِلاَلَة وَجْهِه ، ونُشِر لؤلؤُ العرق عن وَرْدِ خدّه . تكاد الألحاظُ تسفك من خَدِّه دمَ الخجَلِ . له طرّة كالغَسَقِ ، على غُرَّةِ كالفَلَق . جاءنا في غِلالة تنمُّ على ما يستره ، وتجفو مع رِقّتها عما يظهره . وجهٌ بماءِ الحُسْنِ مغسول ،وطَرْف بِمرْود السّحْرِ مكحول . ثغر حُمِيَ حمايةَ الثغور ، وجُعِل ضرة لقلائد النحور . السحْرُ في ألحاظه ، والشـهدُ في ألفاظه . اختلس قامةَ الغُصْنِ ، وتوشّح بمطارف الحسن ، وحكى الروض غبَّ المُزْن . الأرضُ مشرقة بنورِ وجهِه ، وليل السرَارِ في مثل شَعْره . الجنةُ مجتناةٌ من قُرْبِه ، وماءُ الجمالِ يترقرقُ في خدِّه ، ومحاسنُ الربيع بين سَحْرِه ونَحْرِه ، والقمرُ فَضْلَةٌ من حُسْنِه . ما هو إلا خال في خدِّ الظّرف ، وطِرَازٌ على علم الحُسْنِ ، ووَرْدَةٌ في غُصْنِ الدهر ، ونَقْشٌ على خاتم الملك ، وشمسٌ في فَلَك اللطف . هو قَمَرٌ في التصوير ، شمسٌ في التأثير . منظر يملأ العيونَ ، ويملكُ النفوس ، زَرافينُ أصداغه معاليق القلوب ، كأنَّ صُدْغه قرط من المسك على عارِض البَدْر . وجهُه عرس ، وصدغه مَأْتم ، ووصله جنة ، وهجره جهنم . أصداغُه قد اتخذت شَكْلَ العقاربِ ، وظلمت ظُلْمَ الأقارب . إن كان عقرب صُدْغه تلسع ، فترياق رِيقه يَنْفَع . كأن شاربَه زِئْبَرُ الخزّ الأخضرِ ، وعِذَارُه طراز المِسْك والعَنبر الإذفر ، على الوَرْدِ الأحمر . إذا تكلم تكشَّفَ حِجَابُ الزمزد والعقيق ، عن سِمْط الدرِّ الأنيق . قد همَّ أرقمُ الشعْر على شاربِه ، وكاد فم الحُسْن يقبّله . كأنَّ العِذَار ينقش فمنَ وَجْهِه ، ويحرق فِضة خدّه . طرَّزَ الجمالُ ديباج وجْهِه ، وأبانَ عِذَارُه العذرَ في حُبّه . لعب الربيعُ بخده ، فأنبت البنفسجَ في وَرْده . لما احترقتْ فضةُ خده ، احترق سواد القلب من حبِّه : المديد :
كيف لا يخضرّ ُشاربهُ . . . ومياهُ الحسْنِ تسقيهِ ؟
ولهم في نقيض ذلك ، في ذم خروج اللحية : قد انتقب بالدَّيجُورِ ، بعد النور ؛ فدَوْلةُ حُسْنِه قد أَعرضَتْ أيامـه ، وانقرضَتْ دَوْلته وأحكامُه . استحال خَدُّه دُجا ، وزمرد خَدِّهِ سُبَجا ؛ وأخمدت نارُ حُسْنِه بعد الإيقاد ، ولَبس عارضُه ثوبَ الحِدَاد . ذَبُل وَردُ خدِّه ، وتشوَّك زعْفرانُ خطه . فارقنا خَشْفاً ، ووافانا جِلْفاً ، وفارَقنا هلالاً وغَزَالاً ، وعاد وبالاًونكالاً . ما لي أرى الآباط جائِشة ؛ والآنافَ مُعْشِبة ، والعيون منورة ، والأزرار مرعى ، والأظفارَ حمَى ، واللحى لبودا ، والأسنان خُضْراً وَسُوداً ؟ .
من إنشاء بديع الزمان
وكتب إلى بديع الزمان بعضُ من عُزل عن ولاية حسنة يستمدُّ وداده ويستميل فؤاده ؛ فأجابه بما نسخته : وردَتْ رقعَتُك أطالَ الله بقاءَك فأَعَرْتُهَا طرف التعزز ومددت إليها يدَ التقزّز ، وجمعت عليها ذريلَ التحرُّز ، فلم تَنْدَ على كَبدي ، ولم تَحْظَ بناظرِي ويَدِي ، ولقد خطبت من مَودّتي ما لم أجِدْك لها كَفِيّاً ، وطلبت من عِشرتي ما لم أرَك لها رضياً ؛ وقلت : هذا الذي رفع عنَّا أجفان طَرْفه ، وشال بشعرات أنفه ، وتَاه بحُسْنِ قَدِّه ، وزهَا بوَرْد خَدِّه ، ولم يَسْقِنا من نَوْئِه ، ولم نَسِرْ بضوئه ، فالآنَ إذْ نسخ الدهرُ آيةَ حُسْنِه ، وأقام مائل غُصْنِه ، وفَلَلَ غَرْب عُجبِه ، وكفَّ شأْو زهْوه وانتصر لنا منـه بشعرات قد كسفت هِلاله ، وأكسفَتْ بالَه ، ومسخَتْ جمالَه ، وغيّرتْ حاله ، وكدّرَتْ شِرْعتَه ، ونكّرت طَلْعته ، جاء يستقي من جرفنا جَرفاً ، ويغرف من طينتنا غَرْفاً ، فمـهلاً يا أبا الفضل مـهلاً : مجزوء الكامل :
أَرِغبْتَ فينا إذْ عَلاَ . . . ك الشَعْرُ في خَدّ قَحِلْ ؟
وخرجْتَ من حدِّ الظبا . . . ءِ وصِرْتَ في حدّ الإِبِلْ ؟
أنشأت تطلبُ عِشْرَتي . . . عُدْ للعداوةِ يا خجلْ أنسيت أيامك ؛ إذ تكلِّمنا نَزْراً ، وتنظرنا شَزْراً ، وتجالسُ مَنْ حضر ، ونسرق إليك النظر ، ونـهتز لكلامك ، ونـهش لسلامك : الطويل :
فمَن لكَ بالعينِ التي كنتُ مرة . . . إليك بها في سالفِ الدَّهْرِ أَنْظُرُ ؟
أيام كنت تتمايل ، والأعضاء تتزايَل ، وتتغانج ، والأجساثُ تتفَالج ، وتتفلّت ، والأكبادُ تتفتت ، وتخطر وترفل ، والوَجْدُ بنا يَعْلو ويسفل ، وتُدْبر وتُقبل ، فتمنّى وتخيل ، وتصدّ ، وتُعْرِض ، فتضني وتمرض : الطويل :
وتبسم عن ألمي كأنَ منوراً . . . تخلّل حرّ الرمل دعصٌ له ندُّفأَقْصِر الآنَ فإنـه سوقٌ كَسَد ، ومتاعٌ فَسد ، ودولة أعرضت ، وأيام انقضت : مجزوء المتقارب :
وعهد نِفَاق مَضَى . . . وسوق كسادٍ نَزلْ
وخدّ كأَنْ لم يكُنْ . . . وخَطّ كأن لم يَزَلْ
ويوم صار أمس ، وحسرة بقيتْ في النفس ، وثغر غاضَ ماؤُه فلا يرشف ، وريق خدع فلا ينشف ، وتمَايل لا يعجب ، وتئنّ لا يطرب ، ووجه زال بهاؤه ، ومُقْلة لا تجرح ألحاظها ، وشفَة لا تفتن ألفاظها ، فحتّام تُدِلّ ، وإلاَمَ نحتملُ وعَلاَم . وآن أن تذْعِن الآن ، وقد بلغني ما أنت مُتَعَاطيه من تمويه يجوز بعد العِشاء في الغَسَق ، وتشبيه يفتضحُ عند ذوي البصر والصدق ؛ من إفنائك لتلك الشعرات جفّاً وحَصّاً ، وإنْحَائك عليه نقصاً وقصّاً . وسيكفينا الدهرُ مؤونة الإنكار عليك ، بما يزفّ من بنات الشعر وأمـهاته إليك ؛ فأمأ ما استأذنت فيه رَأيي من الاختلاف إلى مجلسي فما أقلَّ إليك نشاطي ؛ وأضيق عنك بساطي ، وأشنع قلقي منك ، وأشدّ استغنائي عن حضورك ، فإن حضرت فأنت داءٌ نَرُوضُ عليه الحلم ، ونتعلّم بـه الصبر ، ونتكلّف فيه الاحتمال ، ونُغْضِي منـه الجَفْنَ على قَذى ، ونَطوِي منـه الصدر على أذى ، ونجعله للقلوب تأنيباً ، وللعيون تاْديباً . وما لك إلا أن تعتاض من الرغبة عنّا رغبةً فينا . ومن ذلك التدلل علينا تذللاً لنا ، ومن ذلك التعالي تَبَصبصا ، ومن ذلك التغالي ترخُصَاً ، وما بال الدهر أعقبك من التزايد تنقصاً ، ومن التسحُّب على الإخوان تقمُّصاً ، ولئن اعتَضْتَ من الذهاب رُجوعاً ، لقد اعتضنا من النزاعُ نُزوعاً ، فانْأَ برَحْلكِ وجانبك ، ملقًى حَبْلك على غارِبك ، لا أُوثِر قُرْبك ، ولا أَنْدَهُ سِرْبك ، والسلام .
ومن إنشاء بديع الزمان في مقامات الإسكندري ، ولعلّ ما فيها من الطول غير مملول . قال : حدثنا عيسى بن هشام قال : كان يبلغُني من مقامات الإسكندري ما يُصغِي له النَفُور ، ويَنتفضُ له العصفور ، ويُرْوَى لي من شِعْرِه ما يَمْتزج بِأَجْزاء الهواء رِقَّة ، ويَغْمُضُ عن أوهام الكَهَنَةِ دِقة ، وأنا أسألُ الله بقاءه ، حتى أرْزَق لقاءَه ، وأتعجب من قعودِ هِمَّته بحالتهِ ، مع حُسْنِ آلتهِ ، وقد ضربَ الدهر شؤونـه أسداداً وهلم جراً . إلى أنِ اتفقَتْ ليحاجةٌ بحِمْصَ ، فشحَذتُ إليها الحِرْصَ ، في صُحْبَة أفرادٍ كنجوم اللَيل ، أَحْلاَس لظهورِ الخيلِ ، فأخذنا الطريق نَنْتهبُ مسافتَه ، ونستأصِلُ شَأْفَته ، ولم نزلْ نَفْرِي أسْنِمَةَ النِّجَادِ بتلك الجِيَادِ ، حتَّى صِرْن كالعِصِيِّ ، ورَجَعْن كالقسِي ، وتَاحَ لنا وادٍ في سفْح جبل ، ذي ألاَءٍ وآثلٍ ، كالعذَارى يُسَرِّحْن الضفائرَ ، وينْشُرْن الغدائر ، فقالتِ الهاجرةُ بنا إليها ، فنزلنا نُغوِّر ونَغُور ، ورَبطْنا الأفراسَ بالأَمْراس ، ومِلْنا مع النُّعاس ، فما راعَنا إلا صهيلُ الخيول ، ونظرت إلى فَرَسي وقد أرْهَفَ أُذنيه ، وطمَحَ بعينيه ، يجُذُّ قُوَى الْحَبل بمشافره ، ويخُدُّ خَدَّ الأرض بحوافره ، ثم اضطربت الخيلُ ، فأرسلت الأَبوال ، وقطَّعَتِ الحبال ، وصار كل منا إلى سلاحه ، فإذا الأسد في فَرْوة الموت ، قد طلع من غابه ، منتفخاً في إهابه ، كاشراً عن أنيابه ، بطَرْف قد ملئ صَلَفاً ، وأنف قد حشي أنفاً ، وصدر لا يبرحه القلب ، ولا يسكنـه الرُعب ، فقلنا : خطْبٌ واللّه ملم ، وحادِث مـهمٌ ، وتبادَرَنا إليه من سَرْعان الرُفقة فتى : الرمل :
أخضر الجِلْدة من بيْت العَرَب . . . يملأُ الدَلْوَ إلى عقد الكَرَبْ بقلبٍ ساقه قدر ، وسيفٍ كله أثرٌ ، فملكتْهُ سورة الأسد ، فخانته أرضُ قدمـه ، حتى سقط ليده وفمـه ، وتجاوز الأسد مَصْرَعه ، إلى مَن كان معه ، ودَعا الحينُ أخاه ، إلى مثل . ما دعاه ، فسار إليه ، وعقل الرُّعب يديه ، فأخذ أرضه وافترس الليثُ صدره ، ولكن شغلتُ بعمامتي فمـه ، حتى حقنتُ دمـه ، وقام الفتى فوَجأَ بطنـه حتى هلك من خوفه ، والأسد بالوجأة في جوفه ، ونـهضنا على أثر الخيل ، فتألفنا منـها ما ثبت ، وتركنا ما أَفلتَ ، وعدنا إلى الرفيق لنجهزَه : الطويل :
فلما حَثَوْنَا التربَ فوقَ رفيقنا . . . جَزعنا ولكن أيُّ ساعة مَجزع
وعدنا إلى الفلاة ، فهبطْنا أرضها ، وسرْنا حتى إذا ضمرت المزاد ، ونفدَ الزادُ ، أو كاد يدركه النفاد ، ولم نملك الذهاب ولا الرجوع ، وخفنا القاتلين الظمأ والجوعَ ، عنَّ لنا فارسٌ فصَمَدْنا صَمْده ، وقصدنا قصده ، ولما بلغنا نزلَ عن حاذ فرسه ينقُشُ الأرضَ بشفتيه ، ويلقي الترابَ بيديه ، وعمدني من بين الجماعة ، فقبل ركابي ، وتحزَم بثيابي ، ونظرتُ فإذا وَجه يبرق برق العارض المتهلّل ، وفرس متى ما ترقُّ العينُ فيه تسهل ،وعارضٌ قد اخضرَ ، وشاربٌ قد طرّا ، وساعدٌ ملآن ، وقضيب رَيان ، ونجار تركيّ ، وزي ملكي ، فقلت : ما جاء بك ؟ لا أبالك فقال : أنا عبد بعض الملوك ، همَّ من قتلي بهم ، فهمت على وجهي إلى حيث تراني ، وشـهدت شواهدُ حاله ، على صدق مقاله ، ثم قال : أنا اليوم عبدُك ، ومالي مالك ، فقلت : بشرى لك وبك ، أدَّاك سيرُك إلى فناءٍ رَحْب ، وعيش رَطْب ، وهنأتني الجماعة ، بحسب الاستطاعة ، وجعل ينظرُ فتقتلنا ألحاظه ، وينطقُ فتفتننا ألفاظه ، والنفس تناجيني فيه بالمحظور ، والشيطان من وراء الغرور ، فقال : يا سادة ، إنَّ في سفح هذا الْجبل عيناً ، وقد ركبتم فلاة عَوْراء ، فخذوا من هنالك الماء ، فلوينا الأعنة ، إلى حيث أشار ، وبلغناه وقد صهرت الهاجرة الأبدان ، وركبت الجنادبُ العيدان ، فقال : ألا تقيلون في هذا الظل الرَحب ، على هذا الماء العذب ؟ فقلنا : أنت وذاك ، فنزل عن فَرَسه ، ونحى منطقته ، وحلَّ قُرْطَقَته ، فما استتر عنّا إلا بغلالةٍ تنمُ ، على بدنِهِ ، فما شكَكْنا أنّه خاصم الوِلدَان ، ففارقَ الجنَان ، وهرَب من رضْوَان ، وعمد إلى السروج فحطَّها ، وإلى الأفراسِ فحشَّهَا ، وإلى الأمكنة ففرشـها ، وقد حارتِ البصائر فيه ، ووقعت الأبصارُ عليه ، ووَتد كلّ منا شبقاً ، وخنث اللفظ ملَقاً . وقلت : يا فتى ، ما أَلطفَك في الخِدْمَة وأحسنَك في الجملة فالويلُ لمن فارَقْتَه ، وطُوبى لمن رافَقْتَه ، فكيفَ نشْكُر الله على النعمةِ بك ؟ فقال : ما ستَرَوْنـه أكْثر ، أتُعْجِبكم خِفِّتي في الخِدْمة ، فكيف لو رأيتمُوني في الرُّفْقة ؟ أُرِيكم من حِذْقي طُرَفاً ، لئزدادُوا بي شَغَفاً ؟ فقلنا : هاتِ ، فعمد إلى قَوْس أحدِنا فأَوْتَرَه ؛ وفوَّق سَهْماً فرماه في السماء ، وأتْبَعه بآخر فشقه في الهواء ، وقال : سأريكم نوعاً آخر ، ثم عمد إلى كنانتي فأخذها ، وإلى فرسي فعلاه ، ورمى أحدنا بسهم أثبته في صدرِه ، وآخر طيّره من ظهره ، فقلت : ويحك ما تصنعُ ؟ قال : اسكت يا لُكَع ، واللّه ليشدنَّ كل منكم يَدَ رفيقه ، أو لأغصَّنّه بريقهِ ، فلم نَدْر ما نصنعُ ، وأفراسنا مربوطة ، وسرُوجنا محطوطة ، وأسلِحَتُنا بعيدة ، وهو راكبٌ ونحن رَجَّالة ، والقوسُ في يده يرشقُ بها الظهورَ ، ويمشُق بها البطونَ والصدورَ ، وحين رأينا منـهالجِدَّ ، أخَذْنا القدَّ ، فشدَّ بعضنا بعضاً ، وبقيت وَحْدي لا أجِدُ من يشدُّني ، فقال : اخرُجْ بإهابك ، عن ثيابك ، ثم نزل عن فرسه ، وجعل يصفعُ الواحِدَ منّا بعد الآخر ، ويقول : أقمت قضيبك ، فخذ نصيبك ، ونزع ثيابه ، وصار إليَّ وعليّ خُفّانِ جديدان فقال : اخلعهما لا أُمَّ لك ، فقلت : هذا خفٌّ لبسْتُه رَطباً ، فليس يمكنني خلعه فقال : عليّ نزعه ، ثم دنا لينزعَ الخُفّ ، ومدَدْتُ يَدِي إلى سكّين فيه وهو مشغول ، فأثْبَتُّه في بطنـه ، وأبَنْتُه من مَتْنِه . فما زاد على فَم فَغَرَه ، وأَلْقَمَه حجَره ، وقُمْتُ إلى أصحابي فحَللْتُ أيدِيَهم ، وتوَزَّعْنا سلَب المقتوليْن ، وأدَرَكْنَا الرفيق ، وقد جاد بنفسه ، وصار إلى رَمْسِه ، وصِرْنَا إلى الطريق فوردْنا حِمْص بعد ليال ، فلما انتهينا إلى فُرْضَةٍ من سُوقِها رأينا رجلاً قد قام على رأس ابن وبُنَيّة ، بِجِراب وعُصَيَّة ، وهو يقول : مجزوء الخفيف : رَحِمَ الله مَنْ حَشَا . . . في جِرَابِي مَكارِمَهْ
رَحِمَ الله من رَثَى . . . لسعيد وفَاطِمَهْ
إنّهُ خادِمٌ لَكُمْ . . . وهْيَ لا شكَّ خَادِمَهْ
قال عيسَى بن هشام : فقلت : إنَ هذا الرجل هو الإسكَندري الذي سَمِعْتُ بـه وسأَلْتُ عنـه فإذا هو هو ، فدَلًفْتُ إليه ، فقلت له : أحكمك حكمك ، فقال : درهم ، فقلت : مجزوء الكامل :
لَكَ دِرهمٌ في مِثْلِه . . . مَادامَ يُسْعِدُني النفَسْ
فاحْسِبْ حِسابكَ والتمسْ . . . كيما تنالَ الملتمَسْ
لك دِرهم في اثنين ، وفي ثلاثة ، وفي أَربعة ، في خَمْسة حتى بلغث العشرين ، ثم قلت : كم معك ؟ قال : عشرون رغيفاً ، فأمرْتُ له بها ، وقلت : لا نصرة مع الخِذْلان ، ولا حِيلَة مع الحِرْمَانِ .
وقال أبو فراس الحمداني : البسيط :
سكرتُ منْ لَحْظِه لا مِنْ مُدَامتِه . . . ومالَ بالنوم عن عيني تَمَايُلُهُوما السُّلافُ دَهَتْني بل سَوالِفهُ . . . ولا الشَّمولُ دَهَتْنِي بل شَمائِلُهُ
ألوَى بصبْرِيَ أَصْدَاغٌ لُوِينَ لهُ . . . وغَالَ عَقْلِي بما تَحْوِي غَلاَئِلُه
وقال ابنُ المعتزّ ، وقد تقدَم عنـه في هذه الألفاظ : الوافر :
ويوم فاخِتيّ الدَّجنِ مُرْخٍ . . . عَزَالِيَهُ بهَطْل وانـهمال
أبحْتُ سرورَه وظللت فيهِ . . . برَغْمِ العاذلات رَخِيَّ بَالِ
وساقِ يجعلُ المنديل منـهُ . . . مكان حمائلِ السيفِ الطوالِ
غلالة خَدّه صبغَتْ بوَرْدٍ . . . ونون الصُّدْغ مُعْجَمة بخَالِ
بَدَا والصبحُ تحت الليل بادٍ . . . كطِرْفٍ أبلقٍ مرخي الجِلال
بكأس من زجاج فيه أسْدٌ . . . فرائسهنّ ألبابُ الرجالِ
أقولُ وقد أخذت الكاس منـهُ . . . وَقَتْكَ السوءَ ربَّاتُ الحجالِ
وقد أَحسنَ ما شاء في قوله :
فرائسهن ألْبابُ الرجالِ
وإن كان أصل المعنى لأبي نواس في ذكر تصاوير الكاس .
قال الصولي : مَرَّ أبو نواس بالمدائن فعدل إلى سَاباط ، فقال بعضُ أصحابه : ندخل إيوان كسرى ، فرأينا آثاراً في مكانٍ حَسَنٍ تدلُّ على اجتماع كان لقومٍ قبلنا ، فأقمنا خمسةَ أيام نشربُ هناك ، وسألنا أبا نواس صِفَةَ الحالِ ، فقال : الطويل :
ودارِ نَدامَى عَطَّلُوها وأَدْلجُوا . . . بها أثرٌ منـهمْ جَدِيدٌ ودارِسُ
مَساحِبُ من جَرِّ الرقاق على الثرَى . . . وأَضْغاثُ رَيْحانٍ جَنِيٌّ ويَابِسُ
ولم أرَ منـهم غيرَ ما شـهِدَتْ بهِ . . . بشرقيَّ سَابَاطَ الديارُ البَسَابسحبَسْتُ بها صَحْبي فجمَّعْتُ شَمْلَهم . . . وإني على ، أمثال تلك لحابسُ
أقَمْنَا بها يوماً ويوماً ثالثاً . . . ويومٌ له يوم الترحُّل خَامِسُ
تُدَارُ علينا الراحُ في عَسجديّةٍ . . . حَبَتْها بأنواع التصاويرِ فارسُ
قرارَتُها كِسْرَى وفي جَنَباتها . . . مَهًى تدَّريها بالقِسِيِّ الفوارسُ
فللرَّاحِ ما زُرَّتْ عليه جيوبُها . . . وللماءِ ما دارت عليه القَلانِسُ
وقال علي بن العباس النوبختي : قال لي البحتري : أتدري من أين أخذ الحسن قوله :
ولم أرَ منـهم غير ما شَهِدَتْ بـه ؟
. . . البيتَ . فقلت : لا ، قال : من قول أبي خراش : الطويل :
ولم أَدْرِ مَنْ ألقَى عليه رِداءهُ . . . سوى أنـه قد سُلَّ عن مَاجِدٍ مَحْضِ
فقلت : المعنى مختلف ، فقال : أما ترى حَذْوَ الكلامِ واحداً ، وإن اختلف المعنى ؟ قال الجاحظ : نظَرْنَا في الشعر القديم والمحْدَث فوجَدْنَا المعاني تُقْلَب ويؤخذ بعضُها من بعض ، غير قول عَنترة في الأوائل : الكامل :
وخلا الذبابُ بها يُغَنّي وحْدَه . . . غَرداً كفعْلِ الشارب المترنِّمِ
هَزِجاً يحُكُّ ذرَاعَه بذراعهِ . . . قَدْحَ المُكِبِّ على الزنادِ الأَجْذَمِ
وقول أبي نواس في المحدثين : الطويل :
قرارتُها كِسرى وفي جنَباتها . . . مَهًى تَدَّريها بالقِسيّ الفوارسُ فللِزَاح ما زُرَّتْ عليه جيوبُها . . . وللماء ما دارَتْ عليه القلانسُأخذه أبو العباس الناشئ فقال وولَد معنًى زائداً : الكامل :
ومُدَامَةٍ لا يبتغي مِنْ رَبِّهِ . . . أَحدٌ حَباه بها لَدَيهِ مزِيدا
في كأسها صوَر تُظنّ لحُسْنـها . . . عُرُباً بَرَزنَ من الخيام وغِيدَا
وإذا المزاج أَثارها فتقسَّمت . . . ذهباً ودُرّاً تَوْأَماً وفريدا
فكأنـهن لبسْنَ ذاك مَجَاسِدا . . . وجَعَلْنَ ذا لِنُحُورِهنّ عقُودا
وأبياتُ أبي خراش ، وكان خراش وعروة غَزَوا ثمالة فأسَروهُمَا ، وأخذوهما وهمّوا بقتلهما ، فنـهاهم بنو رزام ، وأَبى بنو هلال إلا قَتْلَهما ، وأقبل رجل من بني رزام فألْقَى على حراش رداءَه ، وشُغِل القومُ بقَتْل عُرْوة ، وقال الرجل لخراش : انْجُهْ ، فنجا إلى أبيه ، فأَخبره الخبر ، ولا تعرفُ العرب رجلاً مدح مَنْ لا يعرفه غيرُهُ : الطويل :
حَمِدْتُ إلهي بعد عُرْوةَ إذ نَجا . . . خِرَاشٌ وبعض الشَرِّ أهونُ من بعضِ
فواللهِ لا أَنْسَى قتيلاً رُزِئْتُهُ . . . بجانب قَوْسَى ما مشيتُ على الأرض
بلى إنـها تَعْفُو الكُلومُ ، وإنما . . . نُوكَّلُ بالأدنى وإنْ جَلَّ ما يَمضِي
ولم أَدْرِ مَنْ ألْقَى عليه رِدَاءهُ . . . سوى أنَّه قد سُلَّ عن ماجِدٍ مَحْضِ
ولم يك مثلوجَ الفؤاد مـهبّجاً . . . أضاع الشبابَ في الرَّبيلةِ والخَفْضِ
ولكنـه قد لوَّحَتْه مَخَامِص . . . على أنـه ذو مِرّة صادِقُ النـهضِ
كأنـهمُ يشَّبّثون بطائر . . . خفيفِ المُشَاسِ عَظْمُهُ غيرُ ذي نَحْضِيُبادِر فَوْتَ الليلِ فهو مُهَابدٌ . . . يَحُث الجناحَ بالتبسّطِ والقَبْضِ
الربيلة : الخَفض والدعة ، والمعابد : المجتهد في العَدْو والطيران .
وقال أبو خراش يرثي أخاه عروة : الطويل :
تقولُ أراه بعد غزوَةَ لاهياً . . . وذلك رُزءٌ لو علمْتِ جليلُ
فلا تحسَبي أني تناسيت عَهْدَهُ . . . ولكنَ صَبْرِي يا أميمَ جَمِيلُ
ألم تَعْلمي أنْ قد تَفَرَّقَ قبْلَنا . . . خليلاَ صفاءٍ مالكٌ وعَقِيلُ
وأنِّي إذا ما الصبحُ أنسِيتُ ضوءَه . . . يعاوِدُني قِطْعٌ عليَّ ثقيلُ
أبى الصبرَ أني لا أزالُ يهيجني . . . مبيتٌ لنا فيما مَضَى ومَقِيلُ
مالك وعقيل اللذان ذكرهما ، نَدِيما جذيمة الأبرش ، وكانا أتياه بابنِ أخته عمرو ، وكان قد استهوَتْه الجِنّ ، فمنّاهما فتمنّيا مُنادمتَه ، وهما اللذان عني متمِّم ابن نُوَيْرَةَ في مرثية أخيه مالك : الطويل :
وكنا كنَدْمَانَيْ جَذِيمةَ حِقْبَةً . . . من الدهرِ حتى قيل لن يَتَصَدَّعا
فلمّا تفرّقْنا كأني ومالكاً . . . لطولِ اجتماع لم نَبِتْ ليلَةً معا
وقول عنترة في وَصْفِ الذباب أَوْحَد فرد ، ويتيم فَذّ ، وقد تعلق ابن الرومي بذيله وزاد معنًى آخر في قوله : الطويل :
إذا رنقتْ شمسُ الأصيلِ ونفَضَتْ . . . على الأفق الغربيّ وَرْساً مُزعْزَعا
ولاحظتِ النُوارَ وهي مريضةٌ . . . قد وضعَتْ خَدّاً على الأرض أضرَعا
كما لاحظت عُوَّادَها عَيْنُ مُدْنَفٍ . . . توجَّع من أوصابِه ما توجعَا
وبين إغضاء الفِرَاق عليهما . . . كأنـهما خِلاَّ صَفاء تودّعا
وقد ضربَتْ في خُضْرَةِ الرَّوضِ صُفْرةٌ . . . من الشمس فاخضرّ اخضِرَاراً مشَعشعا
وظلَّت عيونُ النورِ تخضَلُّ بالندى . . . كما اغرورقَتْ عَيْنُ الشَجِيِّ لتَدْمَعَا
وأذْكى نسيم الرّوْضِ ريعانُ ظلِّه . . . وغَنّى مُغَنَي الطيرِ فيه مُرَجِّعَا
وغَرَّد ربعي الذبابِ خلالَهُ . . . كما حَثْحَتَ النشْوَان صَنْجاً مشرَّعا
فكانت أرانين الذباب هناكمُ . . . على شدَواتِ الطيرِ ضَرْباً موقعاوذكر أبو نواس معنَى قوله في تصاوير الكؤوس في مواضع من شعره فمن ذلك : الطويل :
بَنَيْنَا على كِسْرَى سماءَ مُدَامَةٍ . . . مكلّلةً حافاتُها بنجُومِ
فَلَوْ رُدَّ في كِسْرَى بن ساسانَ رُوحُهُ . . . إذاً لاصطَفاني دونَ كلِّ نَدِيم
وأول هذا الشعر : الطويل :
لِمَنْ دِمَنٌ تَزْدادُ طِيبَ نسيمِ . . . على طولِ ما أقْوَت وحُسن رسُومِ
تجافَى البِلَى عنـهنَّ حتى كأنما . . . لبِسْنَ على الإقْوَاءِ ثوبَ نَعيمِ
وهذا معنًى مليح وإن أخذه من قول أعرابي : المنسرح :
شطّتْ بهمْ عنك نيَّةٌ قُذُفٌ . . . غادرت الشعْبَ غيرَ مُلْتَئِمِ
واستودَعَت سِرَّهَا الديارَ فما . . . تزدادُ طِيباً إلا على القِدَمِ
وهذا ضدّ قول محمد بن وهيب : الكامل :
طَلَلاَنِ طالَ عليهما الأمدُ . . . دَرَسَا فلا عَلَمٌ ولا قَصَدُ
لَبِسَا البِلَى فكأنما وَجَدَا . . . بعد الأحِبَّة مثلَ ما وَجَدُوا
وقال الأخطل : الطويل :
لأسماءَ مُحتَلّ بناظرةِ البِشْرِ . . . قَدِيمٌ ولمَّا يَعْفُهُ سالفُ الدَّهْرِ
يكادُ من العِرْفَان يَضْحك رَسْمُهُ . . . وكم من ليالٍ للديار ومن شَهْرِ
هذا أيضاً كقول أبي صخر الهذلي : الطويل :
للَيْلَى بذاتِ الْجَيْش دارٌ عرَفتُها . . . وأخرى بذاتِ البَيْنِ آياتُها سَطْرُ
كأنـهما مِ الآنَ لم يتغَيّرا . . . وقد مرَّ للدارينِ من بَعْدِنا عَصْرُ
وقد قال مُزَاحم القيلي : الطويل :
تراها على طولِ الْقَوَاء جَدِيدةً . . . وعَهْدُ المغانِي بالحلولِ قدِيمُ أقسام الكتاب1 2 3 4 5 6 7 8




[كتاب : زهر الأداب وثمر الألباب 5 انشا در مورد غرور ملي]

نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Thu, 26 Jul 2018 19:58:00 +0000



تمامی مطالب این سایت به صورت اتوماتیک توسط موتورهای جستجو و یا جستجو مستقیم بازدیدکنندگان جمع آوری شده است
هیچ مطلبی توسط این سایت مورد تایید نیست.
در صورت وجود مطلب غیرمجاز، جهت حذف به ایمیل زیر پیام ارسال نمایید
i.video.ir@gmail.com