في أقسام القرآن
وهو سبحانـه يقسم بأمور على أمور وإنما يقسم بنفسه الموصوفة بصفاته وآياته المستلزمة لذاته وصفاته وإقسامـه ببعض المخلوقات دليل على أنـه من عظيم آياته
فالقسم إما على جملة خبرية - وهو الغالب - كقوله تعالى { فورب السماء والأرض إنـه لحق } وإما على جملة طلبية كقوله تعالى { فوربك لنسألنـهم أجمعين * عما كانوا يعملون } مع أن هذا قد يراد بـه تحقيق المقسم عليه فيكون من باب الخبر وقد يراد تحقيق القسم
والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه فلابد أن يكون بما يحسن فيه ذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها فأما الأمور الظاهرة المشـهورة كالشمس والقمر والليل والنـهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولايقسم عليها
وما أقسم عليه الرب فهو من آياته فيجوز أن يكون مقسما بـه ولا ينعكس
وهو سبحانـه يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب وتارة يحذفه كما يحذف جواب لو كثيرا كقوله تعالى { كلا لو تعلمون علم اليقين } وقوله { ولو أن قرآنا سيرت بـه الجبال أو قطعت بـه الأرض } { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة } { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت } { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام لأن المراد أنك لو رأيت ذلك لرأيت هولا عظيما فليس في ذكر الجواب زيادة على مادل عليه الشرط وهذه عادة الناس في كلامـهم إذا رأوا أمورا عجيبة وأرادو أن يخبروا بها الغائب عنـها يقول أحدهم : ارباب وبرده لو رأيت ماجرى يوم كذا بموضع كذا ؟ ومنـه قوله تعالى { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب } فالمعنى في أظهر الوجهين : لو يرى الذي ظلموا في الدنيا إذ يرون العذاب في الآخرة والجواب محذوف ثم قال : { أن القوة لله جميعا } كما قال تعالى { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت } { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة } أي لو ترى ذلك الوقت ومافيه
وأما القسم فإن الحالف قد يحلف على الشيء ثم يكرر القسم فلا يعيد المقسم عليه لأنـه قد عرف مايحلف عليه فيقول : والله إن لي عليه ألف درهم ثم يقول : ورب السموات والأرض والذي نفسي بيده وحق القرآن العظيم ولايعيد القسم عليه لأنـه قد عرف المراد
والقسم لما كان يكثر في الكلام اختصر فصار فعل القسم يحذف ويكتفى بالباء ثم عوض من الباء الواو في الأسماء الظاهرة والتاء في أسماء الله كقوله { وتالله لأكيدن أصنامكم } وقد نقل : ترب الكعبة وأما الواو فكثيرة
إذا عرف هذا فهو سبحانـه يقسم على أصول الإيمان التي يجب على الخلق معرفتها تارة يقسم على التوحيد وتارة يقسم على أن القرآن حق وتارة على أن الرسول حق وتارة على الجزاء والوعد والوعيد وتارة على حال الإنسان
فالأول كقوله { والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا * إن إلهكم لواحد } والثاني كقوله { فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنـه لقسم لو تعلمون عظيم * إنـه لقرآن كريم } وقوله { حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة } { حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا } إذا جعل ذلك جواب القسم كما هو الظاهر وإن قيل : بل الجواب محذوف كان كقوله : { ص والقرآن ذي الذكر } فإنـه هنا حذف الجواب ومن قال : إن الجواب هو قوله { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } فقد أبعد النجعة
والقسم على الرسول كقوله { والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين * على صراط مستقيم } إذا قيل هو الجواب وإن قيل الجواب محذوف كان كما ذكر ومنـه { ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون } ومنـه { والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى } إلى آخر القصة ومنـه قوله { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون * إنـه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون } وقوله { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس * إنـه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين }
وأما القسم على الجزاء والوعد والوعيد ففي مثل قوله { والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات أمرا * إنما توعدون لصادق * وإن الدين لواقع } ثم ذكر تفصيل الجزاء وذكر الجنة والنار وذكر أن في السماء رزقهم وما يوعدون ثم قال { فورب السماء والأرض إنـه لحق مثل ما أنكم تنطقون } ومثل قوله { والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا * والناشرات نشرا * فالفارقات فرقا * فالملقيات ذكرا * عذرا أو نذرا * إنما توعدون لواقع } ومثل { والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور * إن عذاب ربك لواقع * ما له من ع }
وقد أمر نبيه أن يقسم على الجزاء والمعاد في ثلاث آيات فقال تعالى { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن } وقال تعالى { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم } وقال تعالى { ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنـه لحق وما أنتم بمعجزين }
وهذا لأن المعاد إنما يعلمـه عامة الناس بأخبار الأنبياء وإن كان من الناس من قد يعلمـه بالنظر وقد تنازع النظار في ذلك فقالت طائفة أنـه لا يمكن علمـه إلا بأسمع وهو الخبر وهو قول من لا يرى تعليل الأفعال ويقولون لا ندري ما يفعل الله إلا بعادة أو خبر كما يقوله جهم بن صفوان ومن تبعه و الأشعري وأتباعه وكثير من أهل الكلام في الفقه والحديث من أتباع الأئمة الأربعة بخلاف العلم بالصانع فإن الناس متفقون على أنـه لا يعلم إلا بالفعل وإن كان ذلك مما نبهت الرسول عليه وصفاته قد تعلم بالعقل وتعلم بالسمع أيضا كما قد بسط في موضوع آخر
وأما القسم على أحوال الإنسان فكقوله { والليل إذا يغشى * والنـهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى } الآية ولفظ السعي هو العمل لكن يراد بـه العمل الذي يهتم بـه صاحبه ويجتهد فيه بحسب الإمكان فإن كان يفتقر إلى عدو بدنـه عدا وإن كان يفتقر إلى جمع أعوانـه جمع وإن كان يفتقر إلى تفريغ له وترك غيره فعل ذلك فلفظ السعي في القرآن جاء بهذا الإعتبار ليس هو مرادفا للفظ العمل كما ظنـه طائفة بل هو عمل مخصوص يهتم بـه صاحبه ويجتهد فيه لهذا قال في الجمعة { فاسعوا إلى ذكر الله } وهذه أحسن من قراءة من قرأ { فاسعوا إلى ذكر الله } وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنـه قال [ إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وائتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم
وأقسم على صفة الإنسان بقوله { والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن بـه نقعا * فوسطن بـه جمعا * إن الإنسان لربه لكنود } وأقسم على عاقبته وهو قسم على الجزاء في قوله { والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } وفي قوله { والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين * لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات }
وحذف جواب القسم لأنـه قد علم بأنـه يقسم على هذه الأمور وهي متلازمة فمتى ثبت أن الرسول حق ثبت القرآن والمعاد ومتى ثبت أن القرآن حق ثبت صدق الرسول الذي جاء بـه ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدق الرسول الذي جاء بـه ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدقه وصدق الكتاب الذي جاء به
والجواب يحذف تارة ولا يراد ذكره بل يراد تعظيم المقسم بـه وأنـه مما يحلف بـه كقوله النبي صلى الله عليه و سلم [ من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ] ولكن هذا يذكر معه الفعل دون مجرد حرف القسم كقولك : فلان يحلف بالله وحده وأنا أحلف بالحالق لا بالمخلوق ونحو ذلك والنصراني يحلف بالصليب والمسيح وفلان أكذب مايكون إذا حلف بالله
وقد يكون هذا النوح بحرف القسم مجردا كما في الحديث : كان أكثر يمين رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لا ومقلب القلوب ] وكان بعض السلف إذا اجتهد في يمينـه قال : والله الذي لا إله إلاهو وتارة يحذف الجواب وهو مراد إما لكونـه قد ظهر وعرف إما بدلاله الحال كمن قيل له كل فقال لا والله الذي لا إله إلا هو أو بدلالة السياق وأكثر ما يكون هذا إذا كان في نفس المقسم بـه مايدل على المقسم عليه وهي طريقة القرآن فإن المقصود يحصل بذكر المقسم بـه فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز كمن أراد أن يقسم على أن الرسول حق فقال : والذي أرسل محمدا بالهدى ودين الحق وأيده بالآيات البينات وأظهر دعوته وأعلى كلمته ونحو ذلك فلا يحتاج إلى ذكر الجواب استغناء عنـه بما في القسم من الدلالة عليه كمن أراد أن يقسم على التوحيد وصفات الرب ونعوت جلاله فقال : والله الذي لا إله إلاهو عالم الغيب والشـهادة الرحمن الرحيم الأول الآخر الظاهر الباطن وكمن أراد أن يقسم على علوه فوق عرشـه فقال : والذي استوى على عرشـه فوق سمواته يصعد إليه الكلم الطيب وترفع إليه الأيدي وتعرج الملائكة والروح إليه ونحو ذلك
وكذلك من حلف لشخص أنـه يحبه ويعظمـه فقال : والذي ملأ قلبي من محبتك وإجلالك ومـهابتك ونظائر ذلك - لم يحتج إلى جواب القسم وكان في المقسم بـه مايدل على المقسم عليه فمن هذا قوله تعالى { ص والقرآن ذي الذكر } فإن في المقسم بـه من تعظيم القرآن ووصفه بأنـه ذي الذكر المتضمن لتذكير العباد مايحتاجون إليه وللشرف والقدر مايدل على المقسم عليه وكونـه حقا من عند الله غير مفترى كمايقوله الكافرون وهذا معنى قول كثير من المفسرين - متقدميهم ومتأخريهم : إن الجواب محذوف تقديره : إن القرآن لحق وهذا مطرد في كل ماشأنـه ذلك وأما قول بعضهم إن الجواب قوله تعالى { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } فاعترض بين القسم وجوابه بقوله { بل الذين كفروا في عزة وشقاق } فبعيد لأن كم لا يتلقى بها القسم فلا تقول : والله كم أنفقت مالا وبالله كم أعتقت عبدا وهؤلاء لما لم يخف عليهم ذلك احتاجوا أن يقدروا ما يتلقى بها الجواب أي لكم أهلكنا وأبعد من هذا قول من قال : الجواب في قوله { إن كل إلا كذب الرسل } وأبعد منـه قول من قال : الجواب { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } وأبعد منـه قول من قال : الجواب قوله { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } وأقرب ماقيل في الجواب لفظا وإن كان بعيدا معنى عن قتاده وغيره : إنـه في قوله { بل الذين كفروا } كما قال { ق والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جاءهم منذر منـهم } وشرح صاحب النظم هذا القول فقال : معنى بل توكيد الخبر الذي بعده فصار كإن الشديدة في تثبيت مابعدها وقيل ههنا بمنزلة إن لأنـه يؤكد ما بعده من الخبر وإن كان له معنى سواه في نفي خبر متقدم فكأنـه عز و جل قال : { ص والقرآن ذي الذكر * بل الذين كفروا في عزة وشقاق } كما تقول : والله إن زيدا لقائم قال : واحتج صاحب هذا القول بأن هذا النظم وإن لم يكن للعربية فيه أصل ولا لها رسم فيحتمل أن يكون نظما أحدثه الله عزوجل لما بينا من احتمال ( أن يكون ) بل بمعنى أن 1هـ
وقال أبو القاسم الزجاج قال النحويون : إن بل تقع في جواب القسم كما تقع إن لأن المراد بها توكيد الخبر وهذا القول اختيار أبي حاتم وحكاه الأخفش عن الكوفيين وقرره بعضهم بأن قال : أصل الكلام بل الذين كفروا في عزة وشقاق والقرآن ذي الذكر فلما قدم القسم ترك على حاله قال الأخفش : وهذا يقوله الكوفيون وليس بجيد في العربية لو قلت : والله قام وأنت تريد قام والله لم يحسن وقال النحاس : هذا خطأ على مذهب النحويين لأنـه إذا ابتدأ بالقسم وكان الكلام معتمدا عليه لم يكن بد من الجواب وأجمعوا أنـه لايجوز : والله قام عمرو بمعنى قام عمرو والله لأن الكلام يعتمد على القسم وذكر الأخفش وجها آخر في جواب القسم فقال : يجوز أن يكون لصاد معنى يقع عليه القسم لاندري نحن ماهو كأنـه يقول : الحق والله قال أبو الحسن الواحدي : وهذا الذي قال الأخفش صحيح المعنى على قول من يقول ( ص ) الصادق الله أو صدق محمد وذكر الفراء هذا الوجه أيضا فقال ( ص ) جواب القسم وقال هو كقولك وجب والله وترك والله فهي جواب لقوله { والقرآن } وذكر النحاس وغيره وجها آخر في الجواب وهو أنـه محذوف تقديره : والقرآن ذي الذكر فالأمر كمايقوله هؤلاء الكفار ودل على المحذوف قوله تعالى { بل الذين كفروا } وهذا اختيار ابن جرير وهو مخرج من قوله قتادة وشرحه الجرجاني فقال بل رافع لخبر قبله ومثبت لخبر بعده فقد ظهر مابعده وظهر ماقبله ومابعده دليل على ماقبله فالظاهر يدل على الباطن فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله { بل الذين كفروا في عزة وشقاق } مخالفا لهذا المضمر فكأنـه قيل : والقرآن ذي الذكر إن الذين كفروا يزعمون أنـهم على الحق أو كل مافي هذا المعنى فهذهة ستة أوجه سوى مابدأنا بـه في جواب القسم والله أعلم
ونظير هذا قوله تعالى { ق والقرآن المجيد * بل عجبوا } قيل جواب القسم ( قد علمنا ) وقال الفراء : محذوف دل عليه قوله { أإذا متنا } أي لتبعثن وقيل قوله { بل عجبوا } كما تقدم بيانـه
ومن ذلك قوله { لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة } فقد تضمن الأقسام ثبوت الجزاء ومستحق الجزاء وذلك يتضمن إثبات الرسالة والقرآن والمعاد وهو سبحانـه يقسم على هذه الأمور الثلاثة ويقررها أبلغ التقرير لحاجة النفوس إلى معرفتها والإيمان بها وأمر رسوله أن يقسم عليه كما قال تعالى { ويستنبئونك : أحق هو ؟ قل : إي وربي إنـه لحق } وقال تعالى { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم } وقال تعالى { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير } فهذه ثلاثة مواضع لارابع لها يأمر نبيه صلى الله عليه و سلم أن يقسم على ما أقسم عليه هو سبحانـه من النبوة والقرآن والمعاد
فأقسم سبحانـه لعباده وأمر أصدق خلقه أن يقسم لهم وأقام البراهيم القطعية على ثبوت ما أقسم عليه فأبى الظالمون إلا جحودا وتكذبيا
واختلف في النفس المقسم بها ههنا هل هي خاصة أوعامة ؟ على قولين بناء على الأقوال الثلاثة في اللوامة فقال ابن عباس : كل نفس تلوم نفسها يوم القيام يلوم المحسن نفسه أن لايكون ازداد إحسانا ويلوم المسيء نفسه أن لايكون رجع عن إساءته واختار الفراء قال : ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرا قالت : هلا ازددت خيرا ؟ وإن كانت عملت سوءا قالتك يا ليتني لم أفعل
والقول الثاني : أنـهاخاصة ؟ قال الحسنك هي النفس المؤمنة وأن المؤمن - والله - لاتراه إلا يلوم نفسه على كل حالة لأنـه يستقصر في كل ماتفعل فيندم ويلوم نفسه وإن الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه
والقول الثالث : أنـها النفس الكافرة وحدها قاله قتاده ومقاتل وهي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على مافرطت في أمر الله
قال شيخنا : والأظهر أن المراد نفس الإنسان مطلقا فإن نفس كل إنسان لوامة كما أقسم بجنس النفس في قوله { ونفس وما سواها * فألهمـها فجورها وتقواها } فإنـه لابد لكل إنسان أن يلوم نفسه أوغيره على أمره ثم هذا اللوم قد يكون محمودا وقد يكون مذموما كماقال تعالى { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون * قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين } وقال تعالى { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } فهذا اللوم غير محمود وفي الصحيحين في قصة احتجاج آدم وموسى [ أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق ؟ ] فحج آدم موسى فهو سبحانـه يقسم على صفة النفس اللوامة كقوله { إن الإنسان لربه لكنود } وعلى جزائها كقوله { فوربك لنسألنـهم أجمعين } وعلىتباين عملها كقوله { إن سعيكم لشتى } وكل نفس لوامة فالنفس السعيدة تلوم على فعل الشر وترك الخير فتبادر إلى التوبة والنفس الشقية بالضد من ذلك
وجمع سبحانـه في القسم بين محل الجزاء وهو يوم القيامة ومحل الكسب وهو النفس اللوامة ونبه سبحانـه بكونـها لوامة على شدة حاجتها وفاقتها وضرورتها إلى من يعرفها الخير والشر ويدلها عليه ويرشدها إليه ويلهمـها إياه فيجعلها مريدة للخير مرشدة له كارهة للشر مجانبة له لتخلص من اللوم ومن شر ما تلوم عليه ولأنـها متلومة مترددة لا تثبت على حال واحدة فهي محتاجة إلى من يعرفا ماهو أنفع لها في معاشـها ومعادها فتؤثرة وتلوم نفسها عليه إذا فاتها فتتوب منـه إن كانت سعيدة ولتقوم عليها حجة عدله فيكون لومـها في القيامة لنفسا عليه لوما بحق قد أعذر الله خالقها وفاطرها إليها فيه ففي صفة اللوم تنبيه على ضرورتها إلى التصديق بالرسالة والقرآن وأنـها لاغنى لها عن ذلك ولا صلاح ولا فلاح بدونـه البتة ولما كان يوم معادها هو محل ظهور هذا اللوم وترتب أثره عليه قرن بينـهما في الذكر
ومن ذلك قوله تعالى { والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنـهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها * فألهمـها فجورها وتقواها } قال الزجاج وغيره : جواب القسم { قد أفلح من زكاها } ولما طال الكلام حسن حذف اللام من الجواب
وقد تضمن هذا القسم الأقسام بالخالق والمخلوق فأقسم بالسماء وبانيها والأرض وطاحيها والنفس ومسويها
وقد قيل إن مصدرية فيكون الأقسام بنفس فعله تعالى فيكون قد أقسم بالمصنوع الدال عليه وبصنعته الدالة على كمال علمـه وقدرته وحكمته وتوحيده ولما كانت حركة الشمس والقمر والليل والنـهار أمرا يشـهد الناس حدوثه شيئا فشيئا ويعلمون أن الحادث لابد له من محدث كان العلم بذلك منزلا منزلة ذكر المحدث له لفظا فلم يذكر الفاعل في الأقسام الأربعة
ولهذا سلك طائفة من النظار طريق الإستدلال بالزمان على الصانع وهو استدلال صحيح قد نبه عليه القرآن في غير موضع كقوله { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنـهار لآيات لأولي الألباب }
ولما كانت السماء والأرض ثابتتين حتى ظن من ظن أنـهما قد يمتان ذكر مع الأقسام بهما بانيهما ومبدعهما وكذلك النفس فإن حدوثها غير مشـهود حتى ظن بعضهم قدمـها فذكر مع الأقسام بها مسويها وفاطرها مع ما في ذكر بناء السماء وطحو الأرض وتسوية النفس من الدلالة على الرحمة والحكمة والعناية بالخلق فإن بناء السماء يدل على أنـها كالقبة العالية على الأرض وجعلها سقفا لهذا العالم والطحو هو مد الأرض وبسطها وتوسيعها ليستقر عليها الأنام والحيوان ويمكن فيها البناء والغراس والزرع وهو متضمن لنضوب الماء عنـها وهو مما حير عقول الطبائعيين حيث كان مقتضى الطبيعة أن يغمرها كثرة الماء فبروز جانب منـها على خلاف مقتضى الطبيعة وكونـه هذا الجانب المعين دون غيره مع استاء الجوانب في الشكل الكروي يقتضي تخصيصا فلم يحدوا بدا أن يقولوا : عناية الصانع اقتضت ذلك قلنا فنعم إذا ولكن عناية من لا مشيئة له ولا إرادة ولا اختيار ولا علم بمعين أصلا كما تقولونـه فيه محال فعنايته تقتضي ثبوت صفات كماله ونعوت جلاله وأنـه الفاعل يفعل باختيار ما يريد
وكذلك النفس أقسم بها وبمن سواها وألهمـها فجورها وتقواها فإن من الناس من يقول قديمة لا مبدع لها ومنـهم من يقول بل هي التي تبدع فجورها وتقواها فذكر سبحانـه أنـه هو الذي سواها وأبدعها وأنـه هو الذي ألهمـها الفجور والتقوى فأعلمنا أنـه خالق نفوسا وأعمالها وذكر لفظ التسوية كما ذكره في قوله { ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك } وفي قوله { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } إيذانا ب البدن في لفظ النفس كقوله { خلقكم من نفس واحدة } وقوله { فسلموا على أنفسكم } { ولا تقتلوا أنفسكم } { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا } ونظائره وباجتماع الروح مع البدن تصبر النفس فاجرة أو تقية وإلا فالروح بدون البدن لا فجور لها
وقوله { قد أفلح من زكاها } الضمير مرفوع في { زكاها } عائد على ( من ) وكذلك هو في { دساها } المعنى قد أفلح من زكى نفسه وقد خاب من دساها هذا القول هو الصحيح وهو نظير قوله { قد أفلح من تزكى } وهو سبحانـه إذا ذكر الفلاح علقه بفعل المفلح كقوله { قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون } إلى آخر الآيات وقوله { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } وقوله { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينـهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون } ونظائره قال الحسن : قد أفلح من زكى نفسه وحملها على طاعة الله وقد خاب من أهلكها وحملها على معصية الله وقاله قتادة وقال ابن قتيبة : يريد أفلح من زكى نفسه أي نماها وأعلاها بالطاعة والبر والصدقة واصطناع المعروف وقد خاب من دساها أي نقصها وأخفاها بترك عمل البر وركوب المعاصي والفاجر أبدا خفي المكان زمن المروءة غامض الشخص ناكس الرأس فكأن المتصف بارتكاب الفواحش دس نفسه وقمعها ومصطنع المعروف شـهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل الربى و بقاع الأرض لتشـهر أنفسها للمعتفين وتوقد النيران في الليل للطارقين وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام لتخفى أماكنـها على الطالبين فأولئك أعلوا أنفسهم وزكوها وأولئك أخفوا أنفسهم ودسوها وأنشد :
( وبوأت بيتك في معلم رحيب المباحات والمسرح )
( كفيت العفاة طلاب القرى ونبح الكلاب لمستنبح )
وقال أبو العباس : سألت ابن الأعرابي عن قوله ( وقد خاب من دساها ) : فقال دسى معناه دس نفسه مع الصالحين وليس منـهم وعلى هذا فالمعنى أخفى نفسه في الصالحين يرى الناس أنـه منـهم و هو منطو على غير ما ينطوي عليه الصالحون وقال طائفة أخرى : الضمير يرجع إلى الله سبحانـه قال ابن عباس في رواية عطاء : قد أفلحت نفس زكاها الله وأصلحها وهذا قول مجاهد وعكرمة والكلبي وسعيد بن جبير ومقاتل قالوا : سعدت نفس وأفلحت نفس أصلحها الله وطهرها ووفقها للطاعة حتى عملت بها وخابت وخسرت نفس أضلها الله وأغواها وأبطلها وأهلكها
قال أرباب هذا القول : قد أقسم الله بهذه الأشياء التي ذكرها لأنـها تدل على وحدانيته وعلى فلاح من طهره وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنـه هو الذي يتولى تطهير نفسه وإهلاكها بالمعصية من غير قدر سابق وقضاء متقدم قالوا : وهذا أبلغ في التوحيد الذي سيقت له هذه السورة قالوا : ويدل عليه قوله { فألهمـها فجورها وتقواها } قالوا : ويشـهد له حديث نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنـها أنـها قالت : إنتبهت نفسي ليلة فوجدت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يقول [ رب أعط نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ] قالوا فهذا الدعاء هو تأويل الآية بدليل الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا قرأ { قد أفلح من زكاها } وقف ثم قال [ اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها وزكها أنت خير من زكاها ] قالوا : وفي هذا ما يبين أن الأمر كله له سبحانـه فإنـه هو خالق النفس وملهمـها الفجور والتقوى وهو مزكيها ومدسيها فليس للعبد في الأمر شيء ولا هو مالك من أمر نفسه شيئا
قال أرباب القول الأول : هذا القول وإن كان جائزا في العربية حاملا للضمير المنصوب على معنى من وإن كان لفظها مذكرا كما في قوله { ومنـهم من يستمعون إليك } جمع الضمير وإن كان لفظ من مفردا حملا على نظمـها فهذا إنما يحسن حيث لا يقع لبس في مفسر الضمائر وههنا قد تقدم لفظ من والضمير المرفوع في ( زكاها ) يستحقه لفظا ومعنى فهو أولى بـه ثم يعود الضمير المنصوب على النفس التي هي أولى بـه لفظا ومعنى فهذا هو النظم الطبيعي الذي يقتضيه سياق الكلام ووضعه وأما عود الضمير الذي يلي من على الموصول السابق وهو قوله { وما سواها } وإخلاء جاره الملاصق له وهو ( من ) ثم عود الضمير المنصوب وهو مؤنث على من ولفظه مذكر دون النفس المؤنثة فهذا يجوز لو لم يكن للكلام محمل غيره أحسن منـه فأما إذا كان سياق الكلام ونظمـه يقتضي خلافه ولم تدع الضرورة إليه فالحمل عليه ممتنع
قالوا : والقول الذي ذكرناه أرجح من جهة المعنى لوجوده :
( أحدها ) أن فيه إشارة إلى ما تقدم من تعليق الفلاح على فعل العبد واخيتاره كما هي طريقة القرآن ( الثاني ) أن فيه زيادة وهي إثبات فعل العبد وكسبه وما يثاب وما يعاقب عليه وفي قوله { فألهمـها فجورها وتقواها } إثبات القضاء والقدر السابق فتضمنت الآيتان هذين الأصلين العظيمين وهما كثيرا ما يقترنان في القرآن كقوله { إنـه تذكرة * فمن شاء ذكره * وما يذكرون إلا أن يشاء الله } وقوله { لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } فتضمنت الآيتان الرد على القدرية والجبرية فإنما يزكيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته وإنما يدسيها بعد تدسية الله لها بخذلانـه والتخلية بينـه وبين نفسه بخلاف ما إذا كان المعنى على القدر السابق المحض لم يبق للكسب وفعل العبد ههنا ذكر البتة
وذكر في هذه السورة ثمود دون غيرهم من الأمم المكذبة فقال شيخنا : هذا - والله أعلم - من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فإنـه لم يكن في الأمم المكذبة أخف ذنبا وعذابا منـهم إذ لم يذكر عنـهم من الذنوب ماذكر من عاد ومدين وقوم لوط وغيرهم ولهذا لماذكرهم وعادا قال { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منـهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون * فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون } وكذلك إذا ذكرهم مع الأمم المكذبة لم يذكر عنـهم ماذكر عن أولئك من التجبر والتكبر والأعمال السيئة كاللواط وبخس المكيال والميزان والفساد في الأرض كمافي سورة هود والشعراء وغيرهما فكان في قوم لوط - مع الشرك - إتيان الفاحشة التي لم يسبقوا إليها وفي قوم عاد - مع الشرك - التجبر والتكبر والتوسع في الدنيا وشدة البطش وقولهم { من أشد منا قوة } وفي أصحاب مدين - مع الشكر - الظلم في الأموال وفي قوم فرعون - مع الشرك - الفساد في الأرض والعلو وكان عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم وجرائمـهم فعذب قوم عاد بالريح الشديدة العاتية التي لايقوم لهاشيء وعذب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم فجمع لهم بين الهلاك والرجم بالحجارة من السماء وطمس الأبصار وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها والخسف بهم إلىأسفل سافلين وعذب قوم شعيب بالنار التي أحرقتهم وأحرقت تلك الأموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان وأما ثمود فأهلكوا بالصيحة فماتوا في الحال فإذا كان عذاب هؤلاء - وذنبهم مع الشرك عقر الناقة التي جعلها الله آية لهم - فمن انتهك محارم الله واستخف بأوامره ونواهيه وعقر عباده وسفك دماءهم كان أشد عذابا ومن اعتبر أحوال العالم قديما وحديثا ومايعاقب بـه من سعي في الأرض بالفساد وسفك الدماء بغير حق وأقام الفتن واستهان بحرمات الله علم أن النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكان يتقون
ومن ذلك قوله تعالى { والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * والليل إذا يسر * هل في ذلك قسم لذي حجر } قيل جوابه { إن ربك لبالمرصاد } وهذا ضعيف لوجهين ( أحدهما ) طول الكلام والفصل بين القسم وجوابه بجمل كثيرة ( والثاني ) قوله { إن ربك لبالمرصاد } ذكر لتقرير عقوبة الله الأمم المذكورة وهي عاد وثمود وفرعون فذكر عقوبتهم ثم قال مقررا ومحذرا { إن ربك لبالمرصاد } فلا نرى تعلقه بذلك دون القسم وأحسن من هذا أن يقال : إن الفجر في الليالي العشر زمن يتضمن أفعالا معظمة من المناسك وأمكنة معظمة وهي محلها وذلك من شعائر الله المتضمنة خضوع العبد لربه فإن الحج والنسك عبودية محضة لله وذلك وخضوع لعظمته وذلك ضد ما وصف بـه عادا وثمود وفرعون من العتو والتكبر والتجبر فإن النسك يتضمن غاية الخضوع لله وهؤلاء الأمم عتوا وتكبروا عن أمر بهم وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضى الله عنـهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ مامن أيام العمل الصالح فيمن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر ] قيل يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال [ ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله لم يرجع من ذلك بشيء ] فالزمان المتضمن لمثل هذه الأعمال أهل أن يقسم الرب عزوجل به
{ والفجر } إن أريد بـه جنس الفجر كماهو ظالم اللفظ فإنـه يتضمن وقت صلاة الصبح التي هي أول الصلوات فافتتح القسم بمايتضمن أول الصلوات وختمـه بقوله { والليل إذا يسر } المتضمن لآخر الصلوات وإن أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النحر وليلته التي هي ليلة عرفة فتلك الليلة من أفضل ليالي العام وما رؤى الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منـه فيها وذلك الفجر فجر يوم النحر الذي هو أفضل الأيام عند الله كماثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنـه قال [ أفضل الأيام عند الله يوم النحر ] رواه أبو داود بإسناد صحيح وهو آخر أيام العشر وهو يوم الحج الأكبر كماثبت في صحيح البخاري وغيره وهو اليوم الذي أذن فيه مؤذن رسول الله صلى الله عليه و سلم [ إن الله بريء من المشركين ورسوله وأن لايحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ] ولا خلاف أن المؤذن أذن بذلك في يوم النحر لايوم عرفة وذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم امتثالا وتأويلا للقرآن
وعلى هذا فقد تضمن القسم المناسك والصلوات وهما المختصان بعبادة الله والخضوع له والتواضع لعظمته ولهذا قال الخليل عليه السلام { إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين } وقيل لخاتم الرسل صلى الله عليه و سلم { فصل لربك وانحر } بخلاف حال المشركين المتكبرين الذين لايعبدون الله وحده بل يشركون بـه ويستكبرون عن عبادته كحال من ذكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون
وذكر سبحانـه من جملة هذه الأقسام ( الشفع والوتر ) إذ هذه الشعائر المعظمة منـها شفع ومنـها وتر في الأمكنة والأزمنة والأعمال فالصفا والمروة شفع والبت وتر والجمرات وتر ومنى ومزدلفة شفع وعرفة وتر وأما الأعمال فالطواف وتر وركعتاه شفع والطواف بين الصفا والمروة وتر ورمي الجمار وتر كل ذلك سبع سبع وهو الأصل فإن الله وتر يحب الوتر والصلاة منـها شفع ومنـها وتر والوتر يوتر الشفع فتكون كلها وترا كما قال النبي صلى الله عليه و سلم [ صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ماقد صليت ] وأما الزمان فإن يوم عرفة وتر ويوم النحر شفع وهذا قول أكثر المفسرين وروى مجاهد عن إبن عباس : الوتر آدم وشفع بزوجته حواء وقال في رواية أخرى : الشفع آدم وحواء والوتر الله وحده وعنـه رواية ثالثة الشفع يوم النحر والوتر اليوم الثالث وقال عمران بن حصين وقتادة : الشفع والوتر هي الصلاة وروى فيه حديثا مرفوعا وقال عطية العوفي الشفع الخلق قال الله تعالى { وخلقناكم أزواجا } الوتر هو الله وهذا قول الحكم قال : كل شيء شفع والله وتر وقال أبو صالح : خلق الله من كل شيء زوجين إثنين والله وتر واحد وهذا قول مجاهد ومسروق وقال الحسن : الشفع والوتر العدد كله من شفع ووتر وقال ابن زيد : الشفع والوتر الخلق كله من شفع ووتر وقال مقاتل : الشفع الأيام والليالي : والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة ؟
وذكرت أقوال أخر هذه أصولها ومدارها كلها على قولين ( أحدهما ) أن الشفع والوتر نوعان للمخلوفات والمأمورات ( والثاني ) أن الوتر الخالق والمخلوق فهو نظير ماتقدم في قوله { والشمس وضحاها } ونظير ماذكر في قوله { وشاهد ومشـهود } وماذكر في قوله { والليل إذا يغشى * والنـهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى } وقال ههنا { والليل إذا يسر } وفي سورة المدثر أقسم بالليل إذا أدبر وفي سورة التكوير أقسم بالليل إذا عسعس وقد فسر بأقبل وفسر بأدبر فإن كان المراد إقباله وحالة امتداده وسريانـه وحالة إدباره وهي من آياته الدالة عليه سبحانـه
وعرف الفجر باللام إذ كل أحد يعرفه ونكر الليالي العشر لأنـها إنما تعرف بالعلم وأيضا فإن التنكير تعظيم لها فإن التنكير يكون للتعظيم
وفي تعريف الفجر مايدل على شـهرته وأنـه الفجر الذي يعرفه كل أحد ولا يجهله
فلما تضمن هذا القسم ماجاء بـه إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم كان في ذلك مادل على المقسم عليه ولهذا اعتبر القسم بقوله تعالى { هل في ذلك قسم لذي حجر ؟ } فإن عظمة هذا المقسم بـه يعرف بالنبوة وذلك يحتاج إلى حجر بحجر صاحبه عن الغفلة واتباع الهوى ويحمله على اتباع الرسل لئلا يصيبه ما أصباب من كذب الرسل كعاد وفرعون وثمود
ولما تضمن ذلك مدح الخاضعين والمتواضعين ذكر حال المستكبرين المتجبرين الطاغين ثم أخبر أنـه صب عليهم سوط عذاب ونكره إما للتعظيم وإما لأن يسيرا من عذابه استأصلهم وأهلكهم ولم يكن معه بقاء ولاثبات
ثم ذكر حال الموسع عليهم في الدنيا والمقتر عليهم وأخبر أن توسعته على من وسع عليه - وإن كان إكراما له في الدنيا - فليس ذلك إكراما على الحقيقة ولا يدل على أنـه كريم عنده من أهل كرامته ومحبته وأن تقتيره علىمن قتر عليه لا يدل على إهانته له وسقوط منزلته عنده بل يوسع ابتلاء وامتحانا ويقتر ابتلاء وامتحانا فيبتلى بالنعم كما يبتلى بالمصائب وسبحانـه هو يبتلى عبده بنعمة تجلب له نقمة وبنعمة تجلب له نعمة أخرى وبنقمة تجلب له نقمة أخرى وبنقمة تجلب له نعمة فهذا شأن نعه ونقمـه سبحانـه
وتضمنت هذه السورة ذم من اغتر بقوته وسلطانـه وماله وهم هؤلاء الأمم الثلاثة : قوم عاد اغتروا بقوتهم وثمود اغتروا بجنانـهم وعيونـهم وزروعهم وبساتينـهم وقوم فرعون اغتروا بالمال والياسة فصارت عاقبتهم إلى ماقص الله علينا وهذا شأنـه دائما مع كل من اغتر بشيء من ذلك لابد أن يفسده عليه ويسلبه إياه ثم ذكر سبحانـه حال الإنسان في معاملته لمن هو أضعف منـه كاليتيم والمسكين فلا يكرم هذا ولا يحض علىطعام هذا ثم ذكر حرصه علىجمع المال وأكله وحبه له وذلك هو الذي أوجب له عدم رحمته لليتيم والمسكين
ثم ختم السورة بمدح النفس المطمئنة وهي الخاشعة المتواضعة لربها وماتؤول إليه من كرامته ورحمته كما ذكر قبلها حال النفس الأمارة وما تؤول إليه من شدة عذابه ووثاقة
وأما سورة { لا أقسم بهذا البلد } فذكر فيها جواب القسم وهو قوله { لقد خلقنا الإنسان في كبد } وفسر الكبد بالاستواء وانتصاب القامة قال ابن عباس في رواية مقسم : منتصبا على قدميه وهذا قول أبي صالح والضحاك وإبراهيم وعكرمة وعبد الله بد شداد قال المنذر : سمعت أبا طالب يقول : الكبد الاستواء والاستقامة وفسر بالنصب هذا قول مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ورواية عن علي وعن ابن عباس قال الحسن : لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم وقال سعيد بن أبي الحسن : يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة وقال قتادة : يكابد أمر الدنيا والآخرة فلا تلقاه إلا في مشقة وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال : يعني حمله وولادته ورضاعه وفصاله ونبت أسنانـه وحياته ومعاشـه ومماته كل ذلك شدة قال مجاهد : حملته أمـه كرها ووضعته كرها ومعيشته في شدة فهو يكابد ذلك وعلى هذا فالكبد من مكابدة الأمر وهي معاناة شدته ومشقته والرجل يكابد الليل إذا قاسى هوله وصعوبته والكبد شدة الأمر ومنـه تكبد اللبن إذا غلظ واشتد ومنـه الكبد لأنـها دم يغلظ ويشتد وانتصاب القامة والاستواء من ذلك لأنـه إنما يكون عن قوة وشدة فإن الإنسان مخلوق في شدة بكونـه في الرحم ثم في القماط والرباط ثم هو على خطر عظيم عند بلوغه حال التكليف ومكابدة المعيشة والأمر والنـهي ثم مكابدة الموت وما بعده في البرزخ وموقف القيامة ثم مكابدة العذاب في النار ولا راحة له إلا في الجنة
وفسر الكبد بشدة الخلق وإحكامـه وقوته ومنـه قول لبيد :
( يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد ؟ )
أي في شدة وعناء وهذا يشبه قوله تعالى { نحن خلقناهم وشددنا أسرهم } قال ابن عباس : أي خلقهم وقال أبو عبيدة : الأسر شدة الخلق يقال : فرس شديد الأسر قال وكل شيء شددته : من قتب أو غيره فهو مأسور وقال المبرد : الأسر القوى كلها وقال الليث : الأسر قوة المفاضل والأوصال وشد الله أسر فلان أي قوى خلقه وكل شيء جمع طرفاه فشد أحدهما بالآخر فقد أسر وقال الحسن : شددنا أوصالهم بعضهم إلىبعض بالعروق والعصب وقال مجاهد : هو الشرج يعني موضع البول والغائط إذا خرج الأذى تقبضا
والمقصور أنـه سبحانـه أقسم في سورة البلد على حال الإنسان وأقسم سبحانـه بالبلد الأمين وهو مكة أم القرى
ثم أقسم بالوالد وما ولد وهو آدم وذريته في قول جمـهور المفسرين وعلى هذا فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل السكان فمرجع البلاد إلى مكة ومرجع العباد إلى آدم
وقوله { وأنت حل بهذا البلد } فيه قولان ( أحدهما ) أنـه من الاحلال وهو ضد الإحرام ( والثاني ) أنـه من الحلول وهو ضد الظعن فإن أريد بـه المعنى الأول فهو حلال ساكن البلد بخلاف المحرم الذي يحج ويعتمر ويرجع ولأن أمنـه إنما تظهر بـه النعمة عند الحل من الإحرام وإلا ففي حال الإحرام هو في أمان والحرمة هناك للفعل لا للمكان والمقصود هو ذكر حرمة المكان وهي إنما تظهر بحال الحلال الذي لم يتلبس بما يقتضي أمنـه ولكن على هذا ففيه تنبيه فإنـه إذا أقسم بـه وفيه الحلال فإذا كان فيه الحرام فهو أولى بالتعظيم والأمن وكذلك إذا أريد المعنى الثاني المشتمل على رسوله وعبده فهو خير البقاع وقد اشتمل على خير العباد فجعل بيته هدى للناس ونبيه إماما وهاديا لهم وذلك من أعظم ن وإحسانـه إلى خلقه كما هو من أعظم آياته ودلائل وحدانيته وربوبيته فمن اعتبر حال بيته وحال نبيه وجد ذلك من أظهر أدلة التوحيد والربوبية
وفي الآية قول ثالث وهو أن المعنى : وأنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد الأمين الذي يأمن فيه الطير والوحش والجاني وقد استحل قومك خير حرمتك وهم لا يعضدون بـه شجرة ولا ينفرون بـه صيدا وهذا مروي عن شرحبيل بن سعد وعلى كل حال فهي جملة اعتراض في أثناء القسم موقعها من أحسن موقع وألطفه
فهذا القسم متضمن لتعظيم بيته ورسوله
ثم أنكر سبحانـه على الإنسان ظنـه وحسبانـه أن لن يقدر عليه من خلقه في هذا الكبد والشدة والقوة التي يكابد بها الأمور فإن الذي خلقه كذلك أولى بالقدرة منـه وأحق فكيف يقدر على غيره من لم يكن قادرا على نفسه فهذا برهان مستقل بنفسه مع أنـه متضمن للجزاء الذي مناطه القدرة والعلم فنبه على ذلك بقوله { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } وبقوله { أيحسب أن لم يره أحد ؟ } فيحصى عليه ما عمل من خير وشر ولا يقدر عليه فيجازيه بما يستحقه ؟
ثم أنكر سبحانـه على الإنسان قوله { أهلكت مالا لبدا } وهو الكثير الذي يلبد بعضه فوق بعض فافتخر هذا الإنسان بإهلاكه وإنفاقه في غير وجهه إذ لو أنفقه في وجوهه التي أمر بإنفاقه فيها ووضعه مواضعه لم يكن ذلك إهلاكا له بل تقربا بـه إلى الله وتوصلا بـه إلى رضاه وثوابه وذلك ليس بإهلاكه له فأنكر سبحانـه افتخارا وتبجحه بإنفاق المال في شـهواته وأغراضه التي إنفاقه فيها إهلاك له
ثم وبخه بقوله { أيحسب أن لم يره أحد ؟ } وأتى ههنا بلم الدالة على المضي في مقابلة قوله { أهلكت مالا لبدا } فإن ذلك في الماضي أفيحسب أن لم يره أحد فيما أنفقه وفيما أهلكه ؟
ثم ذكر برهانا مقدرا أنـه سبحانـه أحق بالرؤية وأولى من هذا العبد الذي له عينان يبصر بهما فكيف يعطيه البصر من لم يره ؟ وكيف يعطيه آلة البيان من الشفتين واللسان فينطق ويبين عما في نفسه ويأمر وينـهى من لا يتكلم ولايكلم ولا يخاطب ولا يأمر ولاينـهى ؟ وهل كمال المخلوق مستفاد إلا من كمال خالقه ؟ ومن جعل غيره عالما بنجدى الخير والشر - وهما طريقاهما - أليس هو أولى وأحق بالعلم منـه ومن هذه إلى هذين الطريقين كيف يليق بـه أن يتركه سدى لا يعرفه ما يضره وما ينفعه في معاشـه ومعاده ؟ وهل النبوة والرسالة إلا لتكميل هداية النجدين ؟ فدل هذا كله على إثبات الخالق وصفات كماله وصدق رسله ووعده
وهذه أصول الإيمان التي اتفقت عليها جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم إذا تأمل الإنسان حاله وخلقه وجده من أعظم الأدلة على صحتها وثبوتها فتكفي الإنسان فكرته في نفسه وخلقه والرسل بعثوا مذكرين بما في القطر والعقول مكملين له لتقوم على العبد حجة الله بفطرته ورسالته ومع هذا فقامت عليه حجته ولم يقتحم العقبة التي بينـه وبين ربه التي لا يصل إليها حتى يقتحمـها بالإحسان إلى خلقه بفك الرقبة وهو تخليصها من الرق ليخلصه الله من رق نفسه ورق عدوه وإطعام اليتيم والمسكين في يوم المجاعة وبالإخلاص له سبحانـه بالإيمان الذي هو خالص حقه عليه وهو تصديق خبره وطاعة أمره وابتغاء وجهه وبنصيحة غيره أن يوصيه بالبر والرحمة ويقبل وصية من أوصاه بها فيكون صابرا رحيما في نفسه معينا لغيره على الصبر والرحمة فمن لم يقتحم هذه العقبة وهلك دونـها هلك منقطعا عن بـه غير واصل إليه بل محجوبا عنـه
والناس قسمان : ناج وهو من قطع العقبة وصار وراءها وهالك وهو من دون العقبة وهم أكثر الخلق ولا يقتحم هذه العقبة إلا المضمرون فإنـها عقبة كؤود شاقة لا يقطعها إلا خفيف الظهر وهم أصحاب الميمنة والهالكون دون العقبة الذين لم يصدقوا الخبر ولم يطيعوا الأمر فهم { أصحاب المشأمة * عليهم نار مؤصدة }
قد أطبقت عليهم فلا يستطيعون الخروج منـها كما أطبقت عليهم أعمال الغى والاعتقادات الباطلة المنافية لما أخبرت بـه رسله فلم تخرج قلوبهم منـها كذلك أطبقت عليهم هذه النار فلم تستطع أجسامـهم الخروج منـها
فتأمل هذه السورة على اختصارها وما اشتملت عليه من مطالب العلم والإيمان وبالله التوفيق
وأيضا فإن طريقة القرآن بذكر العلم والقدرة تهديدا وتخويفا لترتب الجزاء عليهما كما قال تعالى { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } وقوله تعالى { أرأيت الذي ينـهى * عبدا إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * أرأيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى } وقوله تعالى { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } وقال { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون } وهذا كثير جدا في القرآن وليس المراد بـه مجرد الأخبار بالقدرة والعلم لكن الأخبار مع ذلك بما يترتب عليهما من الجزاء بالعدل فإنـه إن كان قادرا أمكن مجازاته وإذا كان عالما أمكن ذلك بالقسط والعدل ومن لم يكن قادرا لم يمكن مجازاته وإذا كان قادرا لكنـه غير عالم بتفاصيل الأعمال ومقادير جزائها لم يجاز بالعدل والرب تعالى موصوف بكمال القدرة وكمال العلم فالجزاء منـه موقوف على مجرد مشيئته وإرادته فحينئذ يجب على العاقل أن يطلب النجاة منـه بالإخلاص والاحسان فهو اقتحام العقبة المتضمن للتوبة إلى الله تعالى و الإحسان إلى خلقه
وقال { فلا اقتحم العقبة } وهو فعل ماض ولم يكرر معه لا إما استعمالا لأداة لا كاستعمال ما وإما إجراء لهذا الفعل مجرى الدعاء نحو فلا سلم ولا عاش ونحو ذلك وإما لأن العقبة قد فسرت بمجموع أمور فاقتحامـها فعل كل واحد منـها فأغنى ذلك من تكريرها فكأنـه قال : فلا فكل رقبة ولا أطعم ولا كان من الذين آمنوا
وقراءة من قرأ { فك رقبة } بالفعل كأنـها أرجح من قراءة من قرأها بالمصدر لأن قوله { وما أدراك ما العقبة ؟ } على حد قوله { وما أدراك ما الحاقة } { وما أدراك ما يوم الدين } { وما أدراك ما هيه * نار حامية } ونظائره تعظيما لشأن العقبة وتفخيما لأمرها وهي جملة اعتراض بين المفسر والمفسر فإن قوله { فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة * ثم كان من الذين آمنوا } تفسير لاقتحام العقبة مكان شاق كؤود يقتحمـه الناس حتى يصلوا إلى الجنة واقتحامـه بفعل هذه الأمور فمن فعلها فقد اقتحم العقبة ويدل على ذلك قوله تعالى { ثم كان من الذين آمنوا } وهذا عطف على قوله { فك رقبة } والأحسن تناسب هذه الجمل المعطوفة التي هي تفسير لما ذكر أولا
وأيضا فإن من قرأها بالمصدر المضاف فلابد له من تقدير وهو : ما أدراك ما اقتحام العقبة ؟ واقتحامـها فك رقبة وأيضا فمن قرأها بالفعل فقد طابق بين المفسر وما فسره ومن قرأها بالمصدر فقد طابق بين المفسر وبعض ما فسره فإن التفسيران كان لقوله ( اقتحم ) طابقه بقوله { ثم كان من الذين آمنوا } وما بعده دون { فك رقبة } وما يليه وإن كان لقوله ( العقبة ) طابقة { فك رقبة * أو إطعام } دون قوله { ثم كان من الذين آمنوا } وما بعده وإن كانت المطابقة حاصلة معنى فحصولها لفظا ومعنى أتم وأحسن
واختلف في هذه العقبة هل هي في الدنيا أو في الآخرة ؟ فقالت طائفة : العقبة ههنا مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة الناس والشيطان في أعمال البر وحكوا ذلك عن الحسن ومقاتل قال الحسن : عقبة والله شديدة : مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه والشيطان وقال مقاتل : هذا مثل ضربه الله يريد أن المعتق رقبة والمطعم اليتيم والمسكين يقاحم نفسه وشيطانـه مثل أن يتكلف صعود العقبة فشبه المعتق رقبة في شدته عليه بالمكلف صعود العقبة وهذا قول أبي عبيدة وقالت طائفة : بل هي عقبة حققة يصعدها الناس قال عطاء : هي عقبة جهنم وقال الكلبي : هي عقبة بين الجنة والنار وهذا قول مقاتل إنـها عقبة جهنم وهذا قول مقاتل إنـها عقبة جهنم وقال مجاهد والضحاك : هي الصراط يضرب على جهنم وهذا لعله قول الكلبي وقول هؤلاء أصح نظرا وأثرا ولغة قال قتادة : فإنـها عقبة شديدة فاقتحموها بطاعة الله وفي أثر معروف إن بين أيديكم عقبة كؤودا لا يقتحمـها إلا المخفون أو نحو هذا وأن الله سمى الإيمان بـه وفعل ما أمر وترك ما نـهى عقبة فكثيرا ما يقع في كلام السلف الوصية بالتضمر لاقتحام العقبة وقال بعض الصحابة : وقد حضره الموت فجعل يبكي ويقول : مالي لا أبكي وبين يدي عقبة كؤود أهبط منـها إما إلى جنة وإما إلى نار فهذا القول أقرب إلى الحقيقة والآثار السلفية والمألوف من عادة القرآن في استعماله ( وما أدراك ) في الأمور الغائبة العظيمة كما تقدم والله أعلم
ومن ذلك أقسامـه { والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين } فأقسم سبحانـه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة فالتين والزيتون المراد بـه نفس الشجرتين المعروفتين ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس فإنـها أكثر البقاع زيتونا وتينا وقد قال جماعة من المفسرين : أنـه سبحانـه أقسم بهذين النوعين من الثمار لمكان العزة فيهما فإن التين فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص لاعجم له وهو على مقدار اللقمة وهوفاكهة وقوت وغذاء وأدم ويدخل في الأدوية ومزاجه من أعدل الأمزجة وطبعه طبع الحياة الحرارة والرطوبة وشكله من أحسن الأشكال ويدخل أكله والنظر إليه في باب المفرحات وله لذة يمتاز بها عن سائر الفواكه ويزيد في القوة ويوافق الباءة وينفع من البواسير والنقرس ويؤكل رطبا ويابسا وأما الزيتون ففيه من الآيات ماهو ظاهر لمن اعتبر فإن عوده يخرج ثمرا يعصر منـه هذا الدهن الذي هو مادة الور وصبغ للآكلين وطيب ودواء وفيه من مصالح الخلق مالا يخفى وشجره باق على مر السنين المتطاولة وورقه لايسقط وهذا الذي قالوله حق ولاينفي أن يكون منبته مرادا فإن منبت هاتين الشجرتين حقيق بأن يكون من جملة البقاع الفاضلة الشريفة فيكون الأقسام قد تناول الشجرتين ومنبتهما وهو مظهر عبدالله ورسوله وكلمته وروحه عيسى بن مريم كما أن طور سينين مظهر عبده ورسوله وكليمـه موسى فإنـه الجبل الذي كلمـه عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومـه
ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل فبدأ بموضع مظهر المسيح ثم نثى بموضع مظهر الكليم ثم ختمـه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه ونظير هذا بعينـه في التورارة التي أنزلها الله على كليمـه موسى جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من فاران فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن عمران وبدأ بـه على حكم الترتيب الواقع ثم ثنى بنبوة المسيح ثم ختمـه بنبوة محمد صلى الله عليه و سلم وجعل نبوة موسى بمنزلة مجيء الصبح ونبوة المسيح بعده بمنزلة طلوع الشمس وإشراقها ونبوة صلى الله عليه و سلم وعليهما بمنزلة استعلائها وظهورها للعالم ولما كان الغالب على بني إسرائيل الحسن ذكر ذلك مطابقا للواقع ولما كان الغالب على الأمة الكاملة حكم العقل ذكرها على الترتيب العقلي وأقسم بها بداية الإنسان ونـهايته فقال { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } أي في أحسن صورة وشكل واعتدال معتدل القامة مستوى الخلقة كامل الصورة أحسن من كل حيوان سواه والتقويم تصيير الشيء على ماينبغي أن يكون في التأليف والتعديل وذلك صنعته تبارك وتعالى في قبضة من تراب وخلقه بالمشاهدة من نطفة من ماء وذلك من أعظم الآيات الدالة على وجوده وقدرته وحكمته وعلمـه وصفات كماله ولهذا يكررها كثيرا في القرآن لمكان العبرة بها والاستدلال بأقرب الطرق على وحدانيته وعلى المبدأ والمعاد
وتضمن إقسامـه بتلك الأمكنة الثلاثة الدالة عليه وعلى علمـه وحكمته - عنايته بخلقه بأن أرسل منـها رسلا أنزل عليهم كتبه يعرفون العباد بربهم وحقوقه عليهم وينذرونـهم بالله ونقمته ويدعونـهم إلى كرامته وثوابه
ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منـهم من أجاب ومنـهم من أبى ذكر حال الفريقين فذكر حال الأكثرين وهم المردودون إلى أسفل سافلين والصحيح أنـه النار قاله مجاهد والحسن وأبو العالية قال علي بن أبي طالب رضي الله عنـه : هي النار بعضها أسفل من بعض وقالت طائفة منم قتادة وعكرمة وعطاء والكلبي وإبراهيم : أنـه أرذل العمر وهو مروى عن ابن عباس والصواب القول الأول لوجوه ( أحدها ) أن أرذل العمر لايسمى أسفل سافلين لا في لغة ولاعرف وإنما أسفل سافلين هو سجين الذي هو مكان الفجار كماأن عليين مكان الأبرار ( الثاني ) أن المردودين إلى أسفل العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليل جدا فأكثرهم يموت ولا يرد إلى أرذل العمر ( الثالث ) أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في رد من طال عمره منـهم إلى أرذل العمر فليس ذلك مختصا بالكفار حتى يستثنى منـهم المؤمنين ( الرابع ) أن الله سبحانـه لما أراد ذلك لم يخصه بالكفار بل جعله لجنس بني آدم فقال { ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } فجعلهم قسمين : قسما متوفى قبل الكبر وقسما مردودا إلى أرذل العمر ولم يسمـه أسفل سافلين ( الخامس ) أنـه لاتحسن المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء المؤمنين وهو سبحانـه قابل بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان فجعل جزاء الكفار أسفل سافلين وجزاء المؤمنين أجرا غير ممنون ( السادس ) أن قول من فسره بأرذل العمر يستلزم خلو الآية عن جزاء الكفار وعاقبة أمرهم ويستلزم تفسيرها بأمبر محسوس فيكون قد ترك الأخبار عن المقصود الأهم وأخبر عن امر يعرف بالحس والمشاهدة وفي ذلك هضم لمعنى الآية وتقصيره بها عن المعنى اللائق بها ( السابع ) أنـه سبحانـه ذكر حال الإنسان في مبدأه ومعاده فمبدؤه خلقه في أحسن تقويم ومعاده رده إلى أسفل سافلين أو إلى أجر غير ممنون وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته في ذكر مبدأ العبد ومعاده فما لأرذلك العمر وهذا المعنى المطلوب المقصود إثباته والاستدلال عليه ؟ ( الثامن ) أن أرباب القول الأول مضطرون إلى مخالفة الحس وإخراج الكلام عن ظاهره والتكلف البعيد له فإنـهم إن قالوا : إن الذي يرد إلى أرذل العمر هم الكفار احتاجوا إلى التكلف لصحة الاستثنناء ؟ فمنـهم من قدر ذلك بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لاتبطل أعمالهم إذا ردوا إلى أ رذل العمر بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونـها في الصحة فهذا - وإن كان حقا - فإن الاستثناء إنما وقع من الرد لامن الأجر والعمل ولما علم أرباب هذا القول مافيه من التكلف خص بعضهم الذي آمنوا وعملوا الصالحات بقراءة القرآن خاصة فقالوا من قرأ القرآن لايرد إلى أرذل العمر وهذا ضعيف من وجهين ( أحدهما ) أن الاستثناء عام في المؤمنين قارئهم وأميهم وأنـه لادليل على ماادعوه وهذا لايعلم بالحس ولاخبر يجب التسليم له يقتضيه والله أعلم
( التاسع ) أنـه سبحانـه ذكر نعمته على الإنسان بخلقه في أحسن تقويم وهذه النعمة توجب عليه أن يشكرها بالإيمان وعبادته وحده لاشريك له فينقله حينئذ من هذه الدار إلى أعلى عليين فإذا لم يؤمن بـه وأشرك بـه وعصى رسله نقله منـها إلى أسفل سافلين وبدله بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورة من أقبح الصور في أسفل سافلين فتلك نعمته عليه وهذا عدله فيه وعقوبته على كفران نعمته ( العاشر ) أن نظير هذه الآية قوله تعالى { فبشرهم بعذاب أليم * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } فالعذاب الأليم هو أسفل سافلين والمستثنون هنا هم المستثنون هناك والأجر غير الممنون هناك هو المذكور هنا والله أعلم
وقوله { غير ممنون } أي غير مقطوع ولامنقوص ولامكدر عليهم وهذا هو الصواب وقالت طائفة : غير ممنون بـه عليهم بل هو جزاء أعمالهم ويذكر هذا عن عكرمة ومقاتل وهو قول كثير من القدرية قال هؤلاء : إن المنة تكدر النعمة فتمام النعمة أن يكون غير ممنون بها على المنعم عليه وهذا القول خطأ قطعا أتى أربابه من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق وهذا من أبطل الباطل فإن المنة التي تكدر النعمة هي منـه المخلوق على المخلوق وأما منـه الخالق على المخلوق فبها تمام النعمة ولذتها وطيبها فإنـها منة حقيقية قال تعالى { يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين } وقال تعالى { ولقد مننا على موسى وهارون * ونجيناهما وقومـهما من الكرب العظيم } فتكون منة عليهما بنعمة الدنيا دون نعمة الآخرة وقال لموسى { ولقد مننا عليك مرة أخرى } وقال أهل الجنة { فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم } وقال تعالى { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } الآية وقال { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } الآية وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قال للأنصار [ ألم اجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؟ ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي ؟ ] فجعلوا يقولون له : الله ورسوله أمن فهذا جواب العارفين بالله ورسوله وهل المنة كل المنة إلا لله المان بفضله الذي جميع الخلق في منته وإنما قبحت منـه المخلوق لأنـها منة بماليس منـه وهي منة يتأذى بها الممنون عليه وأما منة المنان بفضله التي ماطاب العيش إلا بمنته وكل نعمة منـه في الدنيا والآخرة فهي منة يمن بها على من أنعم عليه فتلك لايجوز نفيها وكيف يجوز أن يقال إنـه لامنة لله على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة ؟ وهل هذاإلا من أبطل الباطل ؟
فإن قيل : هذا القدر لايخفى على من قال هذا القول من العلماء وليس مرادهم ماذكر وإنما مرادهم أنـه لايمن عليهم بـه بل يقال : هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا وهذا أجركم فأنتم تستوفون أجور أعمالكم لانمن عليكم بما أعطيناكم قيل : وهذا أيضا هو الباطل بعينـه فإن ذلك الأجر ليست الأعمال ثمنا له ولامعاوضة عنـه وقد قال أعلم الخلق بالله صلى الله عليه و سلم [ لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ] قالوا : ولا أنت يارسول الله ؟ قال [ ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منـه وفضل ] فأخبر أن الجنة برحمة الله وفضله وذلك محض منته عليه وعلى سائر عباده وكما أنـه سبحانـه المان بإرسال رسله وبالتوفيق لطاعته وبالإعانة عليها فهو المان بإعطاء الجزاء وذلك كله محض منته وفضله وجوده لاحق لأحد عليه بحيث إذا وفاه إياهم لم يكن له عليه منة فإن كان في الدنيا باطل فهذا ليس منـه في شيء
فإن قيل : كيف تقولون هذا وقد أخبر رسوله عنـه بأن حق العباد عليه إذا وحدوه أن لايعذبهم وقد أخبر عن نفسه أن حقا عليه نصر المؤمنين ؟ قيل : لعمر الله هذا من أعظم منته على عباده أن جعل على نفسه حقا بحكم وعده الصادق : أن يثيبهم ولايعذبهم إذا عبدوه ووحدوه ؟ فهذا من تمام منته فإنـه لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولكن منته اقتضت أن أحق على نفسه ثواب عابديه وإجابة سائليه
( ما للعباد عليه حق واجب كلا ولاسعي لديه ضائع )
( إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله فهو الكريم الواسع )
وقوله سبحانـه { فما يكذبك بعد بالدين } أصح القولين أن هذا خطاب للإنسان أي فما يكذبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان ؟ فتقول إنك لا تبعث ولا تحاسب ولو تفكرت في مبدأ خلقك وصورتك لعلمت أن الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خلقا جديدا وأن ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خلقك الأول وأيضا فإن الذي كمل خلقك في أحسن تقويم بعد أن كنت نطفة من ماء مـهين كيف يليق بـه أن يتركك سدى لايكمل ذلك بالأمر والنـهي وبيان ما ينفعك ويضرك ولاتنقل لدار هي أكمل من هذه ويجعل هذا الدار طريقا لك إليها فحكمة أحكم الحاكمين تأبى ذلك وتقضي خلافه قال منصور : قلت لمحاهد { فما يكذبك بعد بالدين } عنى بـه محمدا ؟ فقال : معاذ الله إنما عنى بـه الإنسان وقال قتادة : الضمير للنبي صلى الله عليه و سلم واختاره الفراء وهذا موضع يحتاج إلى شرح وبيان
يقال : كذب الرجل إذا قال الكذب وكذبته أنا إذا نسبته إلى الكذب ولو اعتقدت صدقه وكذبته إذا اعتقدت كذبه وإن كان صادقا قال تعالى { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك } وقال { فإنـهم لا يكذبونك } فالأول بمعنى وأن ينسبوك إلى الكذب والثاني بمعنى لايعتقدون أنك كاذب ولكنـهم يعاندون ويدفعون الحق بعد معرفته جحودا وعنادا هذا أصل هذه اللفظة ويتعدى الفعل إلى الخبر بنفسه وإلى خبره بالباء وبقي فيقال : كذبته بكذا وكذبته فيه والأول أكثر استعمالا ومنـه قوله { بل كذبوا بالحق لما جاءهم } وقوله { وكذبوا بآياتنا }
إذا عرف هذا فقوله { فما يكذبك } إختلف في ما هل هي بمعنى أي شيء يكذبك أو بمعنى من الذي يكذبك ؟ فمن جعلها بمعنى أي شيء تعين على قوله أني كون الخطاب للإنسان أي فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مكذبا بالدين وقد وضحت لك دلائل الصدق والتصديق ؟ ومن جعلها بمعنى فمن الذي يكذبك جعل الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم قال الفراء : كأنـه يقول من يقدر على تكذبيك بالثواب والعقاب بعدما تبين له من خلق الإنسان ما وصفناه ؟ وقال قتادة : فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا بالدين ؟
وعلى قول قتادة والفراء إشكال من وجهين : ( أحدهما ) إقامة مامقام من وأمره سهل ( والثاني ) أن الجار والمجرور يستدعى متعلقا وهو يكذبك أي فمن يكذبك بالدين ؟ فلا يخلو إما أن يكون المعنى فمن يجعلك كاذبا بالدين أو مكذبا بـه ولايصح واحد منـهما أما الثاني والثالث فظاهر فإن كذبته ليس معناه جعلته مكذبا أو مكذبا وإنما معناه نسبته إلى الكذب فالمعنى على هذا فمن يجعلك بعد كاذبا بالدين وهذا إنما يتعدى إليه بالباء الفعل المضاعف لا الثلاثي فلا يقال : كذب كذا وإنما يقال كذب به
وجواب هذا الإشكال أن قوله : كذب بكذا معناه كذب المخبر بـه ثم حذف المفعول بـه لظهور العلم بـه حتى كأنـه نسي وعدوا الفعل إلى المخبر بـه فإذا قيل من يكذبك بكذا ؟ فهو بمعنى كذبوك بكذا سواء أي نسبوك إلى الكذب في الأخبار بـه بل الأشكال في قول مجاهد والجمـهور فإن الخطاب إذا كان للإنسان وهو المكذب أي فاعل التكذيب فكيف يقال له : مايكذبك ؟ أي يجعلك مكذبا والمعروف كذبه إذا جعله كاذبا لامكذبا ومثل فسقه إذا جعله فاسقا لامفسقا لغيره
وجواب هذا الأشكال : أن صدق وكذب - بالتشديد - يراد بـه معنيان : ( أحدهما ) النسب وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم ( والثاني ) الداعي والحامل على ذلك وهو يكون للفاعل قال الكسائي : يقال : ماصدقك بكذا أو ماكذبك بكذا أي ماحملك على التصديق والتكذيب
قلت وهو نظير ماأجرأك علىهذا أي ماحملك على الاجتراء عليه وما قدمك وما أخرك أي ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير وهذا استعمال سائغ موافق للعربية وبالله التوفيق
ثم ختم السورة بقوله { أليس الله بأحكم الحاكمين } وهذا تقرير لمضمون السورة من إثبات النبوة والتوحيد والمعاد وحكمـه بتضمن نصره لرسوله على من كذبه وجحد ماجاء بـه بالحجة والقدرة والظهور عليه وحكمـه بين عباده في الدنيا بشرعه وأمره وحكمـه بينـهم في الآخرة بثوابه وعقابه وإن أحكم الحاكمين لايليق بـه تعطيل هذه الأحكام بعدما ظهرت حكمته في خلق الإنسان في أحسن تقويم ونقله في أطوار التخليق حالا بعد حال إلىأكمل الأحوال
فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لايجازي المحسن بإحسانـه والمسيء بإساءته ؟ وهل ذلك إلا قدح في حكمـه وحكمته ؟ فلله ما أخصر لفظ هذه السورة وأعظم شأنـها وأتم معناها والله أعلم
ومن ذلك قسمـه سبحانـه وتعالى بـ { والليل إذا يغشى * والنـهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى } وقد تقدم ذكر القسم عليه وأنـه سعى الإنسان في الدنيا وجزاؤه في العقبى فهو سبحانـه يقسم بالليل في جميع أحواله اذ هو من آياته الدالة عليه فأقسم بـه وقت غشيانـه وأتى بصيغة المضارع لأنـه يغشى شيئا بعد شيء وأما النـهار فإنـه إذا طلعت الشمس ظهر وتجلى وهلة واحدة ولهذا قال في سورة الشمس وضحاها { والنـهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها } وأقسم بـه وقت سريانـه كما تقدم وأقسم بـه وقت إدباره وأقسم بـه إذا عسعس فقيل معناه أدبر فيكون مطابقا لقوله { والليل إذ أدبر * والصبح إذا أسفر } وقيل : معناه أقبل فيكون كقوله { والليل إذا يغشى * والنـهار إذا تجلى } فيكون قد أقسم بإقبال الليل والنـهار وعلى الأول يكون القسم واقعا على انصرام الليل ومجيء النـهار عقبيه وكلاهما من آيات ربوبيته
ثم أقسم بخلق الذكر والأنثى وذلك يتضمن الأقسام بالحيوان كله على اختلاف أصنافه ذكره وأنثاه وقابل بين الذكر والأنثى كما قابل بين الليل والنـهار وكل ذلك من آيات ربوبيته فإن إخراج الليل والنـهار بواسطة الأجرام العلوية كإخراج الذكر والأنثى بواسطة الأجرام السفلية فأخرج من الأرض ذكور الحيوان وإناثه على اختلاف أنواعها كما أخرج من السماء الليل والنـهار بواسطة الشمس فيها وأقسم سبحانـه بزمان السعي وهو الليل والنـهار وبالساعي وهو الذكر والأنثى على اختلاف السعي كما اختلف الليل والنـهار والذكر والأنثى وسعيه وزمانـه مختلف وذلك دليل على اختلاف جزائه وثوابه وأنـه سبحانـه لا يسوي بين من اختلف سعيه في الجزاء كما لم يسو بين الليل والنـهار والذكر والأنثى
ثم أخبر عن تفريقه بين عاقبة سعي المحسن وعاقبة سعي المسيء فقال { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى } فتضمنت الآيتان ذكر شرعه وذكر الأعمال وجزائها وحكمة القدر في تيسير هذا لليسرى وهذا للعسرى وأن العبد ميسر بأعماله لغاياتها ولا يظلم ربك أحدا وذكر للتيسير لليسرى ثلاثة أسباب ( أحدها ) إعطاء العبد وحذف مفعول الفعل إرادة للإطلاق والتعميم أي أعطى ما أمر بـه وسمحت بـه طبيعته وطاوعته نفسه وذلك يتناول إعطاءه من نفسه الإيمان والطاعة والإخلاص والتوبة والشكر وإعطاءه الإحسان والنفع بماله ولسانـه وبدنـه ونيته وقصده فتكون نفسه نفسا مطيعة باذلة لا لئيمة مانعة فالنفس المطيعة هي النافعة المحسنة التي طبعها الإحسان وإعطاء الخير اللازم والمتعدي فتعطي خيرها لنفسها ولغيرها فهي بمنزلة العين التي ينتفع الناس بشربهم منـها وسقي دوابهم وأنعامـهم وزرعهم فهم ينتفعون بها كيف شاءوا فهي ميسرة لذلك وهكذا الرجل المبارك ميسر للنفع حيث حل فجزاء هذا أن ييسره الله لليسرى كما كانت نفسه ميسرة للعطاء
( السبب الثاني ) التقوى وهي اجتناب ما نـهى الله عنـه وهذا من أعظم أسباب التيسير وضده من أسباب التعسير فالمتقي ميسرة عليه أمور دنياه وآخرته وتارك التقوى وإن يسرت عليه بعض أمور دنياه تعسر عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه من التقوى وأما تيسير ما تيسر عليه من أمور الدنيا فلو اتقى الله لكان تيسيرها عليه أتم ولو قدر أنـها لم تتيسر له فقد يسر الله له من الدنيا ما هو أنفع له مما ناله بغير التقى فإن طيب العيش ونعيم القلب ولذة الروح وفرحها وابتهاجها من أعظم نعيم الدنيا وهو أجل من نعيم أرباب الدنيا بالشـهوات واللذات وقال تعالى { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا } فأخبر أنـه ييسر على المتقي مالا ييسر على غيره وقال تعالى { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب } وهذا أيضا ييسر عليه بتقواه وقال تعالى { ومن يتق الله يكفر عنـه سيئاته ويعظم له أجرا } وهذا يتيسر عليه بإزالة ما يخشاه وإعطائه ما يحبه و يرضاه وقال { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم } وهذا يتيسر بالفرقان المتضمن النجاة والنصر والعلم والنور الفارق بين الحق والباطل وتكفير السيئات ومغفرة الذنوب وذلك غاية التيسير وقال تعالى { واتقوا الله لعلكم تفلحون } والفلاح غاية اليسر كما أن الشقاء غاية العسر وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون بـه ويغفر لكم } فضمن لهم سبحانـه بالتوقى ثلاثة أمور : ( أحدها ) أعطاهم نصيبين من رحمته نصيبا في الدنيا ونصيبا في الآخرة وقد يضاعف لهم نصيب الآخرة فيصير نصيبين ( الثاني ) أعطاهم نورا يمشون بـه في الظلمات ( الثالث ) مغفرة ذنوبهم وهذا غاية التيسير فقد جعل سبحانـه التقوى سببا لكل يسر وترك التقوى سببا لكل عسر
( السبب الثالث ) التصديق بالحسنى وفسرت بلا إله إلا الله وفسرت بالجنة وفسرت بالخلف وهي أقوال السلف واليسرى صفة لموصوف محذوف أي الحالة والخلة اليسرى وهي فعلى من اليسرى والأقوال الثلاثة ترجع إلى أفضل الأعمال وأفضل الجزاء فمن فسرها بلا إله إلا الله فقد فسرها بمفرد يأتي بكل جمع فإن التصديق الحقيقي بلا إله إلا الله يستلزم التصديق بشعبها وفرعها كلها وجميع أصول الدين وفروعه من شعب هذه الكلمة فلا يكون العبد مصدقا بها حقيقة التصديق حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ولا يكون مؤمنا بالله إله العالمين حتى يؤمن بصفات جلاله ونعوت كماله ولا يكون مؤمنا بأن الله لا إله إلا هو حتى يسلب خصائص الإلهية عن كل موجود سواه ويسلبها عن اعتقاده وإرادته كما هي منفية في الحقيقة والخارج ولا يكون مصدقا بها من نفى الصفات العليا ولامن نفى كلامـه وتكليمـه ولامن نفى استوائه على عرشـه وأنـه يرفع إليه الكلم الطيب والعمل الصالح وأنـه رفع المسيح إليه وأسرى برسوله صلى الله عليه و سلم إليه وأنـه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه إلى سائر ما وصف بـه نفسه ووصفه بـه رسوله صلى الله عليه و سلم ولا يكون مؤمنا بهذه الكلمة مصدقا بها على الحقيقة من نفى عموم خلقه لكل شيء وقدرته على كل شيء وعلمـه بكل شيء وبعثة الأجساد من القبور ليوم النشور ولا يكون مصدقا بها من زعم أنـه يترك خلقه سدى لم يأمرهم ولم ينـههم على ألسنة رسله وكذلك التصديق بها يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة بالتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه هو تفصيل لا إله إلا الله فالمصدق بها على الحقيقة الذي يأتي بذلك كله وكذلك لم تحصل عصمة المال والدم على الإطلاق إلا بها وبالقيام بحقها وكذلك لاتحصل النجاة من العذاب على الإطلاق إلا بها وبحقها فالعقوبة في الدنيا والآخرة على تركها أو ترك حقها
ومن فسر الحسنى بالجنة فسرها بأعلى أنواع الجزاء وكماله ومن فسرها بالخلف ذكر نوعا من الجزاء فهذا جزاء دنيوي والجنة الجزاء في الآخرة فرجع التصديق بالحسنى إلى التصديق بالإيمان وجزائه والتحقيق أنـها تتناول الأمرين
وتأمل ما اشتملت عليه هذه الكلمات الثلاث - وهي الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى - من العلم والعمل وتضمنته من الهدى ودين الحق فإن النفس لها ثلاث قوى : قول البذل والإعطاء وقوة الكف والإمتناع ودقة الإدراك والفهم ففيها قوة العلم والشعور ويتبعها قوة الحب والإرادة وقوة البعض والنفرة فهذه القوى الثلاثة عليها مدار صلاحها وسعادتها وبفسادها يكون فسادها وشقاوتها ففساد قوة العلم والشعور يوجب له التكذيب بالحسنى وفساد قوة الحب والإرادة يوجب له ترك الاعطاء وفساد قوة البعض والنفرة يوجب له ترك الاتقاء فإذا كملت قوة حبه وإرادته بإعطائه ما أمر بـه وقوة بغضه ونفرته باتقائه من نـهى عنـه وقوة علمـه وشعوره بتصديقه بكلمة الإسلام وحقوقها وجزائها فقد زكى نفسه وأعدها لكل حالة يسرى فصارت النفس بذلك ميسرة لليسرى
ولما كان الدين يدور على ثلاث قواعد فعل المأمور وترك المحظور وتصديق الخبر وإن شنت قلت الدين طلب وخبر والطلب نوعان : طلب فعل وطلب ترك فقد تضمنت هذه الكلمات الثلاث مراتب الدين أجمعها فانتظم ذلك الدين كله أكمل الناس من كملت له هذه التقوى الثلاث و النقص بحسب نقصانـها أو بعضها فمن الناس من يكون قوة إعطائه وبذلك أتم من قوة انكفافه وتركه فقوة الترك فيه أضعف من قوة الإعطاء ومن الناس من يكون قوة التصديق أتم من قوة الاعطاء والمنع ومن الناس من يكون فيه قوة التصديق أتم من قوة الاعطاء والمنع فقوته العلمية والشعورية أتم من قوته الإرادية وبالعكس فيدخل النقص بحسب ما نقص من قوة هذه القوى الثلاث ويفوته من التيسير لليسرى بحسب ما فاته منـها ومن كملت له هذه القوى يسر لكل يسرى قال ابن عباس { فسنيسره لليسرى } أي نـهيئه لعمل الخير تيسر عليه أعمال الخير وقال مقاتل والكلبي والفراء : نيسره للعود إلى العمل الصالح
وحقيقة اليسرى أنـها الخلة والحالة السهلة النافعة الواقعة له وهي ضد العسرى وذلك يتضمن تيسيره للخير وأسبابه فيجري الخير وييسر على قلبه ويديه ولسانـه وجوارحه فتصير خصال الخير ميسرة عليه مذللة ما منقادة لا تستعصي عليه ولا تستصعب لأنـه مـهيأ لها ميسر لفعلها يسلك سبلها ذللا وتقاد له علما وعملا فإذا خاللته قلت هو الذي قيل فيه :
( مبارك الطلعة ميمونـها يصلح للدنيا وللدين )
{ وأما من بخل } فعطل قوة الإرادة والاعطاء عن فعل ما امر بـه ( استغنى ) بترك التقوى عن ربه فعطل قوة الإنكفاف والترك عن فعل ما نـهى عنـه ( وكذب بالحسنى ) فعطل قوة العلم والشعور عن التصديق بالإيمان وجزائه { فسنيسره للعسرى } قال عطاء : سوف أحول بين قلبه وبين الإيمان بي وبرسولي وقال مقاتل : يعسر عليه أن يعطى خيرا وقال عكرمة عن ابن عباس : نيسره للشر قال الواحدي : وهذا هو القول لأن الشر يؤدي إلى العذاب فهو الخلة العسرى والخير يؤدي إلى اليسر والراحة في الجنة فهو الخلة اليسرى يقول : سنـهيؤه للشر بأن يجريه على يديه قال الفراء : العرب تقول قد يسرت غنم فلان إذا تهيأت للولادة وكذلك إذا ولدت وغزرت ألبانـها أي يسرت ذلك على أصحابها إنتهى
والتيسير للعسرى يكون بأمرين ( أحدهما ) أن يحول بينـه وبين أسباب الخير فيجري الشر على قلبه ونيته ولسانـه وجوارحه ( والثاني ) أن يحول بينـه وبين الجزاء الأيسر كما حال بينـه وبين أسبابه فإن قيل : كيف قابل اتقى باستغنى ؟ وهل يمكن العبد أن يستغني عن ربه طرفة عين ؟
قيل : هذا من أحسن المقابلة فإن المتقي لما استشعر فقره وفاقته وشدة حاجته إلى ربه اتقاه ولم يتعرض لسخطه وغضبه ومقته بارتكاب ما نـهاه عنـه فإن من كان شديد الحاجة والضرورة إلى شخص فإنـه يتقي غضبه وسخطه عليه غاية الإتقاء ويجانب ما يكرهه غاية المجانية ويعتمد فعل ما يحبه ويؤثره فقابل التقوى بالإستغناء تبشيعا لحال تارك التقوى ومبالغة في ذمـه بأن فعل فعل المستغني عن ربه لافعل الفقير المضطر إليه الذي لاملجأ له إلا إليه ولاغنى له عن فضله وجوده وبره طرفة عين فلله ما أحلى هذه المقابلة وما أجمع هاتين الآيتين للخيرات كلها وأسبابها والشرور كلها وأسبابها فسبحان من تعرف إلى خصائص عباده بكلامـه وتجلى لهم فيه فهم لا يطلبون أثرا بعد عين ولا يستبدلون الحق بالباطل والصدق بالمين
وقد تضمنت هاتان الآيتان فصل الخطاب في مسألة القدر وإزالة كل لبس وإشكال فيها وذلك بين بحمد الله لن وفق لفهمـه ولهذا أجاب بها النبي صلى الله عليه و سلم من أورد عليه السؤال الذي لا يزال الناس يلهجون بـه في القدر فأجاب بفصل الخطاب وأزال الأشكال ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنـه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنـه قال : [ ما منكم من أحد إلا وقد علم ه من الجنة والنار ] قيل : يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب ؟ قال [ اعملوا فكل ميسر لما خلق له ] ثم قرأ [ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ] فقد تضمن هذا الحديث الرد على القدرية والجبرية وإثبات القدر والشرع وإثبات الكتاب الأول المتضمن لعلم الله سبحانـه الأشياء قبل كونـها وإثبات خلق الفعل الجزائي وهو يبطل أصول القدرية الذين يمنعون خلق الفعل مطلقا ومن أقر منـهم بخلق فعل الجزاء دون الإبتداء هدم أصله ونقض قاعدته والنبي صلى الله عليه و سلم أخبر بمثل ما أخبر بـه الرب تعالى أن العبد ميسر لما خلق له لا مجبور فالجبر لفظ بدعى والتيسير لفظ القرآن والسنة وفي الحديث دلالة على أن الصحابة كانوا أعلم الناس بأصول الدين فإنـهم تلقوها عن أعلم الخلق بالله على الإطلاق وكانوا إذا استشكوا شيئا سألوه عنـه وكان يجيبهم بما يزيل الأشكال ويبين الصواب فهم العارفون بأصول الدين حقا لا أهل البدع والأهواء من المتكلمين ومن سلك سبيلهم
وفي الحديث استدلال النبي صلى الله عليه و سلم على مسائل أصول الدين بالقرآن وإرشاده الصحابة لاستنباطها منـه خلافا لمن زعم أن كلام الله ورسوله لا يفيد العلم بشيء من أصول الدين ولا يجوز أن تستفاد معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله منـه وعبر عن ذلك بقوله : الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين
وفي الحديث بيان أن من الناس من خلق للسعادة ومنـهم من خلق للشقاوة خلافا لمن زعم أنـهم كلهم خلقوا للسعادة ولكن اختاروا الشقاوة ولم يخلقوا لها وفيه إثبات الأسباب وأن العبد ميسر للأسباب الموصلة له إلى ما خلق له وفيه دليل على اشتقاق السنة من الكتاب ومطابقتها له فتأمل قوله صلى الله عليه و سلم [ إعملوا فكل ميسر لما خلق له ] ومطابقته لقوله تعالى { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى } كيف انتظم الشرع والقدر والسبب والمسبب ؟
وهذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه و سلم هو الذي فطر الله عليه عباده بل الحيوان البهيم بل مصالح الدنيا وعمارتها بذلك فلو قال كل أحد : إن قدر لي كذا وكذا فلابد أن أناله وإن لم يقدر فلا سبيل إلى نيله فلا أسعى ولا أتحرك لعد من السفهاء الجهال و لم يمكنـه طرد ذلك أبدا وإن أتى بـه في أمر معين فهل يمكنـه أن يطرد ذلك في مصالحه جميعها من طعامـه وه ولباسه ومسكنـه وهروبه مما يضاد بقاءه وينافي مصالحه أم يجد نفسه غير منفكة ألبتة عن قول النبي صلى الله عليه و سلم [ إعملوا فكل ميسر لما خلق له ] ؟ فإذا كان هذا في مصالح الدنيا وأسباب منافعها فما الموجب لتعطيله في مصالح الآخرة وأسباب السعادة والفلاح فيها ورب الدنيا والآخرة واحد فكيف يعطل ذلك في شرع الرب وأمره ونـهيه ويستعمل في إرادة العبد وأغراضه وشـهواته ؟ وهل هذا إلا محض الظلم والجهل والإنسان ظلوم جهول ظلوم لنفسه جهول بربه فهذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه و سلم وتلا عنده هاتين الآيتين موافقا لما جعله الله في عقول العقلاء وركب عليه فطر الخلائق حتى الحيوان البهيم وأرسل بـه جميع رسله وأنزل بـه جميع كتبه
ولو اتكل العبد على القدر ولم يعمل لتعطلت الشرائع وتعطلت مصالح العالم وفسد أمر الدنيا والدين وإنما يستروح إلى ذلك معطلوا الشرائع ومن خلع ربقه الأوامر والنواهي من عنقه وذلك ميراث من إخوانـهم المشركين الذين دفعوا أمر الله ونـهيه وعارضوا شرعه بقضائه وقدره كما حكى الله سبحانـه ذلك عنـهم في غير موضع من كتابه كقوله تعالى { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون * قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } وقال تعالى { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونـه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونـه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } وقال تعالى { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون } وقال تعالى { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أط إن أنتم إلا في ضلال مبين } ؟
فإن قيل : فالإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى هي من اليسرى بل هي أصل اليسرى من يسرها للعبد أولا ؟ وكذلك أضدادها ؟
قيل : الله سبحانـه هو الذي يسر لعبد أسباب الخير والشر وخلق خلقه قسمين : أهل سعادة فيسرهم لليسرى وأهل شقاوة فيسرهم للعسرى واستعمل هؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وهؤلاء في الأسباب التي خلقوا لغاياتها لا يصلحون لسواها وحكمته الباهرة تأبى أن يضع عقوبته في موضع لا تصلح له كما يأبى أن يضع كرامته وثوابه في محل لا يصلح لهما ولا يليق بهما بل حكمة آحاد خلقه تأبى ذلك ومن جعل محل المسك والرجيع واحدا فهو من أسفه السفهاء
فإن قيل : فلم جعل هذا لا يليق بـه إلا الكرامة وهذا لا يليق بـه إلا الإهانة ؟ قيل : هذا سؤال جاهل لا يستحق الجواب كأنـه يقول : لم خلق الله كذا وكذا ؟
فإن قيل : وعلى هذا فهل لهذا الجاهل من جواب لعله يشفى من جهله ؟ قيل : نعم شأن الربوبية خلق الأشياء وأضدادها وخلق الملزومات ولوازمـها وذلك هو محض الكمال فالعلو لازم وملزوم للسفل والليل لازم وملزوم للنـهار وكمال هذا الوجود بالحر والبرد والصحو والغيم ومن لوازم الطبيعة الحيوانية الصحة والمرض واختلاف الإرادات والمرادات و وجود اللازم بدون ملزومـه ممتنع ولولا خلق المتضادات لما عرف كمال القدرة والمشيئة والحكمة ولما ظهرت أحكام الأسماء والصفات وظهور أحكامـها وآثارها لابد منـه إذ هو مقتضى الكمال المقدس والملك التام وإذا أعطيت اسم الملك حقه - ولن تستطيع - علمت أن الخلق والأمر والثواب والعقاب والعطاء والحرمان أمر لازم لصفة الملك وأن صفة الملك تقتضي ذلك ولابد وأن تعطيل هذه الصفة أمر ممتنع فالملك الحق يقتضي إرسال الرسل وإنزال الكتب وأمر العباد ونـهيهم وثوابهم وعقابهم وإكرام من يستحق الإكرام وإهانة من يستحق الإهانة كما تستلزم حياة الملك وعلمـه وإرادته وقدرته وسمعه وبصره وكلامـه ورحمته ورضاه وغضبه واستواءه على سرير ملكه يدبر أمر عباده وهذه الإشارة تكفي اللبيب في مثل هذا الموضع ويطلع منـها على أرض مونقة وكنوز من المعرفة وبالله التوفيق
ثم قال تعالى { إن علينا للهدى * وإن لنا للآخرة والأولى } قيل : معناه إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال قال قتادة : على الله البيان بيان حلاله وحرامـه وطاعته ومعصيته إختاره أبو إسحاق وهو قول مقاتل وجماعة وهذا المعنى حق ولكن مراد الآية شيء آخر وقيل : المعنى إن علينا للهدى والإضلال قال ابن عباس رضي الله عنـهما في رواية عطاء : يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي وأحول بين أعدائي وبين أن يعملوا بطاعتي قال الفراء : فترك ذكر الإضلال كما قال { سرابيل تقيكم الحر } أي والبرد وهذا أضعف من القول الأول وإن كان معناه صحيحا فليس هو معنى الآية وقيل المعنى : من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله { وعلى الله قصد السبيل } وهذا قول مجاهد وهو أصح الأقوال في الآية قال الواحدي : علينا للهدى أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته وهذا المعنى في القرآن في ثلاث مواضع : ههنا وفي النحل في قوله { وعلى الله قصد السبيل } وفي الحجر في قوله { هذا صراط علي مستقيم } وهو معنى شريف جليل يدل على أن سالك طريق الهدى يوصله طريقه إلى الله ولابد والهدى هو الصراط المستقيم فمن سلكه أوصله إلى الله فذكر الطريق والغاية فالطريق الهدى والغاية الوصول إلى الله فهذه أشرف الوسائل وغايتها أعلى الغايات ولما كان مطلوب السالك إلى الله تحصيل مصالح دنياه وآخرته لم يتم له هذا المطلوب إلا بتوحيد طلبه والمطلوب منـه فأعلمـه سبحانـه أن سواه لا يملك من الدنيا والآخرة شيئا وأن الدنيا والآخرة جميعا له وحده فإذا تيقن العبد ذلك اجتمع طلبه و مطلوبه على من يملك الدنيا والآخرة وحده فتضمنت الآيتان أربعة أمور هي المطالب العالية : ذكر أعلى الغايات وهو الوصول إلى الله سبحانـه وأقرب الطرق والوسائل إليه وهي طريقة الهدى وتوحيد الطريق فلا يعدل عنـها إلى غيرها وتوحيد المطلوب وهو الحق فلا يعدل عنـه إلى غيره فاقتبس هذه الأمور من مشكاة هذه الكلمات فإن هذه غاية العلم والفهم وبالله التوفيق
والهدى التام يتضمن توحيد المطلوب وتوحيد الطلب وتوحيد الطرق الموصلة والإنقطاع و تخلف الوصول يقع من الشركة في هذه الأمور أوفي بعضها فالشركة في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص والشركة في الطلب تنافي الصدق والعزيمة والشركة في الطريق تنافي اتباع الأمر فالأول يوقع في الشرك والرياء والثاني يوقع في المعصية والبطالة والثالث يوقع في البدعة ومفارقة السنة فتأمله
فتوحيد المطلوب يعصم من الشرك وتوحيد الطلب يعصم من المعصية وتوحيد الطريق يعصم من البدعة والشيطان إنما ينصب فخه بهذه الطرق الثلاثة
ولما أقام سبحانـه الدليل وأنار السبيل وأوضح الحجة وبين المحجة أنذر عباده عذابه الذي أعده لمن كذب خبره وتولى عن طاعته وجعل هذا الصنف من الناس هم أشقاهم كما جعل أسعدهم أهل التقوى والإحسان والإخلاص فهذا الصنف هو الذي يجنب عذابه كما قال { وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي ماله يتزكى } فهذا المتقي المحسن لا يفعل ذلك إلا ابتغاء وجه ربه فهو مخلص في تقواه وإحسانـه
وفي الآية الإرشاد إلى أن صاحب التقوى لا ينبغي له أن يتحمل من الخلق ونم وإن حمل منـهم شيئا بادر إلى جزائهم عليه لئلا يتبقى لأحد من الخلق عليه نعمة تجزى فيكون بعد ذلك عمله كله لله وحده ليس للمخلوق جزاء على نعمته
ونبه يقول { تجزى } على أن نعمة الإسلام التي لرسول الله صلى الله عليه و سلم على هذا الأتقى لا تجزى فإن كل ذي نعمة يمكن جزاء نعمته إلا نعمة الإسلام فإنـها لا يمكن المنعم بها عليه أن يجزى بها وهذا يدل على أن الصديق رضي الله عنـه أول وأولى من ذكر في هذه الآية وأنـه أحق الأمة بها فإن عليا رضي الله عنـه تربى في بيت النبي صلى الله عليه و سلم فلرسول الله صلى الله عليه و سلم عنده نعمة غير نعمة الإسلام يمكن أن تجزى
ومن ذلك إقسامـه سبحانـه بـ { والضحى * والليل إذا سجى } على إنعامـه على رسوله صلى الله عليه و سلم وإكرامـه له وإعطائه ما يرضيه وذلك متضمن لتصديقه له فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته وحكمته ورحمته وهما الليل والنـهار
فتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافى بعد ظلام الليل للمقسم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنـه حتى قال أعداؤه : ودع محمدا ربه فأقسم بضوء النـهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه وأيضا فإن فالق ظلمة الليل عن ضوء النـهار هو الذي فلق ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنبوة فهذان للحس وهذان للعقل ؟ وأيضا فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدا بل هداهم بضوء النـهار إلى مصالحهم ومعايشـهم لا يليق بـه أن يتركهم في ظلمة الجهل والغي بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم
فتأمل حسن ارتباط المقسم بـه بالمقسم عليه وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ والجلالة التي على معانيها
ونفى سبحانـه أن يكون ودع نبيه أو قلاه فالتوديع الترك والقلى البغض فما تركه منذ اعتنى بـه وأكرمـه ولا أبغضه منذ أحبه وأطلق سبحانـه أن الآخرة خير له من الأولى وهذا يعم كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها كما أن الدار الآخرة خير له مما قبلها ثم وعده بما تقر بـه عينـه وتفرح بـه نفسه وينشرح بـه صدره وهو أن يعطيه فيرضى وهذا يعم ما يعطيه من القرآن والهدى والنصر وكثرة الأتباع ورفع ذكراه و إعلاه كلمته وما يعطيه بعد مماته وما يعطيه في موقف القيامة وما يعطيه في الجنة وأما ما يغتر بـه الجهال من أنـه لا يرضى وواحد من أمته في النار أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار فهذا من غرور الشيطان لهم ولعبة بهم فإنـه صلوات الله وسلامة عليه يرضى بما يرضى بـه ربه تبارك وتعالى وهو سبحانـه يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة ثم يحد لرسوله حدا يشفع فيهم ورسوله أعرف بـه وبحقه من أن يقول : لا أرضى أن يدخل أحدا من أمتي النار على أن يدعه فيها بل ربه تبارك وتعالى يأذن له فيشفع فيمن شاء الله أن يشفع فيه ولا يشفع في غير من أذن له فيه ورضيه
ثم ذكر سبحانـه ن عليه من إيوائه بعد تيمـه وهدايته بعد الضلالة وإغنائه بعد الفقر فكان محتاجا إلى من يؤويه ويهديه ويغنيه فآواه ربه وهداه وأغناه فأمره سبحانـه أن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق بها من الشكر فنـهاه أن يقهر اليتيم وأن ينـهر السائل وأن يكتم النعمة بل يحدث بها فأوصاه سبحانـه باليتامى والفقراء والمتعلمين قال مجاهد ومقاتل : لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيما وقال الفراء : لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه وكذلك كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم وتظلمـهم فغلظ الخطاب في أمر اليتيم وكذلك من لاناصر له يغلظ في أمره وهو نـهى لجميع المكلفين
{ وأما السائل فلا تنـهر } قال أكثر المفسرين : هو سائل المعروف والصدقة لا تنـهره إذا سألك فقد كنت فقيرا فأما أن تط وإما أن ترده ردا لينا قال الحسن : أما إنـه ليس بالسائل الذي يأتيك ولكن طالب العلم وهذا قول يحيى بن آدم قال : إذا جاءك طالب العلم فلا تنـهره والتحقيق أن الآية تتناول النوعين
ومن ذلك إقسامـه سبحانـه بـ { والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا } وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك فقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنـهما : هي إبل الحاج تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى وهذا اختيار محمد بن كعب وأبي صالح وجماعة من المفسرين وقال عبدالله بن عباس : هي خيل الغزاة وهذا قول أصحاب ابن عباس والحسن وجماعة واختاره الفراء والزجاج قال أصحاب الإبل : السورة مكية ولم يكن ثم جهاد ولاخيل تجاهد وإنما أقسم بما يعرفونـه ويألفونـه وهي إبل الحاج إذا عدت من عرفة إلى مزدلفة فهي عاديات والضبح والضبع مد الناقة ضبعها في السير يقال ضبحت وضبعت بمعنى واحد وأنشد أبو عبيدة وقد اختار هذا القول :
( فكان لكم أجري جميعا وأضبحت بي البازل الوجناء في الآل تضبح )
قالوا فهي تعدو ضبحا فتورى بأخفافها النار من حك الأحجار بعضها ببعض فتثير النقع - وهو الغبار - بعدوها فيتوسط جمعا وهي المزدلفة
قال أصحاب الخيل المعروف في اللغة أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدون والمعنى والعاديات ضابحة فيكون ضبحا مصدرا على الأول وحالا على الثاني قالوا والخيل هي التي تضبح في عدوها ضبحا وهو صوت يسمع من أجوافها ليس بالصهيل ولا الحمحمة ولكن صوت أنفاسها في أجوافها من شدة العدو وقال الجرجاني كلا القولين قد جاء في التفسير إلا أن السياق يدل على أنـها الخيل وهو قوله تعالى { فالموريات قدحا } والايراء لا يكون إلا للحافر لصلابته وأما الخف ففيه لين واسترخاء إنتهى
قالوا : والضبح في الخيل أظهرمنـه في الإبل والايراء لسنابك الخيل أبين منـه لاخفاف الإبل قالوا : والنقع هو الغبار وإثارة الخيل بعدوها له أظهر من إثارة أخفاف الإبل والضمير في بـه عائد على المكان الذي تعدو فيه قالوا وأعظم مايثير الغبار عند الإغارة إذا توسطت الخيل جمع العدو لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان وأما حمل الآية في إثارة الغبار في وادي محسر عند الإغارة فليس بالبين ولا يثور هناك غبار في الغالب لصلابة المكان قالوا : وأما قولكم إنـه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهاد ولا خيل تجاهد فهذا لا يلزم لأنـه سبحانـه أقسم بما يعرفونـه من شأن الخيل إذا كانت في غزو فأغارت فأثارت النقع وتوسطت جمع العدو وهذا أمر معروف وذكر خيل المجاهدين أحق ما دخل في هذا الوصف فذكره على وجه التمثيل لا الإختصاص فإن هذا شأن خيل المقاتلة وأشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين والقسم إنما وقع بما تضمنـه شأن هذه العاديات من الآيات البينات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم البهيم وأشرفه وهو الذي يحصل بـه العز والظفر والنصر على الأعداء فتعدوا طالبة للعدو وهاربة منـه فيثير عدوها الغبار لشدته وتورى حوافرها وسنابكها النار من الأحجار لشدة عدوها فتدرك الغارة التي طلبتها حتى تتوسط جمع الأعداء فهذا من أعظم آيات الرب تعالى وأدلة قدرته وحكمته فذكرهم بنعمة عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون بـه على أعدائهم ويدركون بـه ثأرهم كما ذكرهم سبحانـه بن عليهم في خلق الإبل التي تحمل أثقالهم من بلد إلى بلد فالإبل أخص بحمل الأثقال والخيل أخص بنصرة الرجال فذكرهم بن بهذا وهذا وخص الإغارة بالضبح لأن العدو لم ينتشروا إذ ذاك ولم يفارقوا محلهم وأصحاب الإغارة حامون مستريحون يبصرون مواقع الغارة والعدو لم يأخذوا أهبتهم بل هم في غرتهم وغفلتهم ولهذا كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا أراد الغارة صبر حتى يطلع الفجر فإن سمع مؤذنا أمسك وإلا أغار
ولما علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورى النار تأولوا الآية على وجوه بعيدة فقال محمد بن كعب : هم الحاج إذا أوقدوا نيرانـهم ليلة المزدلفة وعلى هذا فيكون التقدير : فالجماعات الموريات وهذا خلاف الظاهر وإنما الموريات هي العاديات وهي المغيرات روى سعيد بن جبير عن ابن عباس : هم الذين يغيرون فيورون بالليل نيرانـهم لطعامـهم وحاجتهم كأنـهم أخذوه من قوله تعالى { أفرأيتم النار التي تورون } وهذا إن أريد بـه التمثيل وأن الآية تدل عليه فصحيح وإن أريد بـه اختصاص الموريات فليس كذلك لأن الموريات هي العاديات بعينـها ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب فإنـها عدت فأورت وقال قتادة : الموريات هي الخيل تورى نار العداوة بين المقتتلين وهذا ليس بشيء وهو بعيد من معنى الآية وسياقها وأضعف منـه قول عكرمة : هي الألسنة تورى نار العداوة بعظيم ما نتكلم بـه وأضعف منـه ما ذكر عنـه مجاها : هي أفكار الرجال تورى نار المكر والخديعة في الحرب
وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها وأنـها هي المراد فغلط وإن أريد أنـها أخذت من طريق الإشارة والقياس فأمرها قريب
وتفسير الناس يحاور على ثلاثة أصول : تفسير على اللفظ وهو الذي ينجو إليه المتأخرون وتفسيره على المعنى وهو الذي يذكره السلف وتفسير على الإشارة والقياس وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم وهذا لابأس بـه بأربعة شرائط : أن لا يناقض معنى الآية وأن يكون معنى صحيحا في نفسه وأن يكون في اللفظ إشعار بـه وأن يكون نبيه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطا حسنا
وأضعف من ذلك كله قول ابن جريج : قدحا يعني : فالمنجحات أمرا يريد البالغين بنجحهم فيما طلبوه وعطف قوله ( فأثرن فوسطن ) وهما فعلان على العاديات والموريات لما فيه من معنى الفعل
فهذا شأن القسم وأما شأن المقسم عليه فهو حال الإنسان وهو كون الإنسان كنودا بشـهادته على نفسه أو شـهادة ربه عليه وكونـه بخيلا لحبه المال والكنود للنعمة وفعله كند يكند كنودا مثل كفر يكفر كفورا والأرض الكنود التي لا تنبت شيئا وامرأة كندى أي كفور للمعاشرة وأصل اللفظ منع الحق والخير ورجل كنود إذا كان مانعا لما عليه من الحق وعبارات المفسرين تدور على هذا المعنى قال ابن عباس رضي الله عنـهما وأصحابه رحمـهم الله تعالى : هو الكفور وقيل هو البخيل الذي يمنع رفده ويجيع عبده ولا يعطى في النائبة وقال الحسن : هو اللوام لربه يعد المصائب وينسى النعم
وأما قوله { وإنـه على ذلك لشـهيد } فقال ابن عباس : يريد أن ربه على ذلك لشـهيد وقيل إن الإنسان لشـهيد على ذلك إن أنكر بلسانـه أشـهد ربه عليه حاله ويؤيد هذا القول سياق الضمائر فإن قوله { وإنـه لحب الخير لشديد } للإنسان فافتتح الخبر عن الإنسان بكونـه كنودا ثم ثناه بكونـه شـهيدا على ذلك ث م ختمـه بكونـه بخيلا بماله لحبه إياه ويؤيد قول ابن عباس رضي الله عنـهما أنـه أتى بعلي فقال { وإنـه على ذلك لشـهيد } أي مطلع عالم بـه كقوله { ثم الله شـهيد على ما يفعلون } ولو أريد شـهادة الإنسان لأتى بالباء فقيل وإنـه بذلك لشـهيد كماقال تعالى { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر } فلو أراد شـهادة الإنسان لقال : وإنـه على نفسه لشـهيد فإن كنوده المشـهود بـه ونفسه هي المشـهود عليها
ثم قال تعالى { وإنـه لحب الخير لشديد } والخير هنا المال باتفاق المفسرين والشديد البخيل من أجل حب المال فحب المال هو الذي حمله على البخل هذا قول الأكثرين وقال ابن قتيبة : بل المعنى : إنـه لشديد الحب للخير فتكون اللامز في قوله { لحب الخير } متعلقة بقوله { لشديد } على حد تعلق قولك : إنـه لزيد لضارب ومنعت طائفة من النحاة أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها وهذه الآيات حجة على الجواز فإن قوله { لربه } معمول ( لكنود ) وقوله ( على ذلك ) معمول ( لشـهيد ) ولاوجه للتكلف البارد في تقدير عامل مقدم محذوف يفسره هذا المذكور فالحق جواز إن لزيد لضارب فوصف سبحانـه الإنسان بكفران نعم ربه وبخله بما آتاه من الخير فلاهو شكور للنعم ولامحسن إلى خلقه بل بخيل بشكره بخيل بماله وهذا ضد المؤمن الكريم فإن مخلص لربه محسن إلىخلقه فالمؤمن له الإخلاص والإحسان والفاجر له الكفر والبخل وقد ذم الله سبحانـه هذين الخلقين المـهلكين في غير موضع من كتابه كقوله { فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراؤون * ويمنعون الماعون } فالرياء ضد الإخلاص ومنع الماعون ضد الإحسان وكذلك قوله تعالى { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا * الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله } فاختياله وفخره من كفره وكنوده وهذا ضد قوله { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } وقوله { واعبدوا الله ولا تشركوا بـه شيئا وبالوالدين إحسانا } وكذلك ذكر الخلقين الذميمين في قوله { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } ونظيره { وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله } ونظيره ماتقدم في سورة الليل من ذم المستغني البخيل ومدح المعطى المصدق بالحسنى ونظيره قوله { ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع مالا وعدده } فإن الهمزة واللمزة من الفجر والكبر وجمع المال وتعديده من ا لبخل وذلك مناف لسر الصلاة والزكاة ومقصودهما
ثم خوف سبحانـه الإنسان الذي هذا وصفه حين يبعثر مافي القبور ويحصل مافي الصدور أي ميز وجمع وبين وأظهر ونحو ذلك وجمع سبحانـه بين القبور والصدور كما جمع بينـهما النبي صلى الله عليه و سلم في قوله [ ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا ] فإن الإنسان يواري صدره مافيه من الخير والشر ويواري قبره جسمع فيخرج الرب جسمـه من قبره وسره من صدره فيصير جسمـه بارزا على الأرض وسره باديا على وجهه كماقال تعالى { يعرف المجرمون بسيماهم } وقال { سنسمـه على الخرطوم }
ومفعول العلم إن علمت فيه وكسرت لمكان اللام وقيد سبحانـه كونـه خبيرا بهم ذلك اليوم - وهو خبير بهم في كل وقت - إيذانا بالجزاء وأنـه يجاريهم في ذلك اليوم بما يعلمـه منـهم فذكر العلم والمراد لازمـه والله سبحانـه وتعالى أعلم
ومن ذلك اقسامـه ( بالعصر ) على حال الإنسان في الآخرة هذه السورة على غاية اختصارها لها شأن عظيم حتى قال الشافعي رحمـه الله : لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم
والعصر المقسم بـه قيل : هو أول الوقت الذي يلي المغرب من النـهار وقيل : هو آخر ساعة من ساعاته وقيل : المراد صلاة العصر وأكثر المفسرين على أنـه الدهر وهذا هو الراجح وتسمية الدهر عصرا أمر معروف في لغتهم قال :
( ولن يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما )
ويوم وليلة بدل من العصران فأقسم سبحانـه بالعصر لمكان العبرة والآية فيه فإن مرور الليل والنـهار على تقدير قدرة العزيز العليم منتظم لمصالح العالم على اكمل ترتيب ونظام وتعاقبهما واعتدالهما تارة وأخذ أحدهما من صاحبه تارة واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد وانتشار الحيوان وسكونـه وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشـهر والأيام والساعات وما دونـها - آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته
فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الانسان ومحلها على عاقبة تلك الأفعال وجزائها ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم على المعاد وأن قدرته كما لم تقصر على المبدأ لم تقصر عن المعاد وأن حكمته التي اقتضت خلق الزمان وخلق الفاعلين وأفعالهم وجعلها قسمين خيرا وشرا تأبى أن يسوى بينـهم وأن لايجازى المحسن بإحسانـه والمسيء بإساءته وأن يجعل النوعين رابحين أو خاسرين بل الانسان من حيث هو إنسان خاسر إلا من رحم الله فهداه ووفقه للإيمان والعمل الصالح في نفسه وأمر غيره بـه وهذا نظير رده الانسان إلى أسفل سافلين واستثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هؤلاء المردودين
وتأمل حكمة القرآن لما قال { إن الإنسان لفي خسر } فإنـه ضيق الاستثناء وخصصه فقاله { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } ولما قال { ثم رددناه أسفل سافلين } وسع الاستثناء وع فقال { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ولم يقل { وتواصوا } فإن التواصي هو امر الغير بالإيمان والعمل الصالح وهو قدر زائد على مجرد فعله فمن لم يكن كذلك قد خسر هذا الربح فصار في خسر ولا يلزم أن يكون في أسفل سافين فإن الإنسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره فإن الأمر بالمعروف والنـهي عن المنكر مرتبة زائدة وقد تكون فرضا على الأعيان وقد تكون فرضا على الكفاية وقد تكون مستحبة
والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب والحق الذي يستحب والصبر يدخل فيه الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم يأمروا غيرهم بـه وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فمطلق الخسار شيء والخسار المطلق شيء وهو سبحانـه إنما قال { إن الإنسان لفي خسر } ومن ربح في سلعة وخسر في غيرها قد يطلق عليه أنـه في خسر وأنـه ذو خسر كما قال عبدالله بن عمرو رضي الله عنـهما : لقد قرطنا في قراريط كثيرة فهذا نوع تقريط وهو نوع خسر بالنسبة إلى من حصل ربح ذلك
ولما قال في سورة والتين { ثم رددناه أسفل سافلين } قال { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فقسم الناس إلى هذين القسمين فقط ولما كان الإنسان له قوتان قوة العلم وقوة العمل وله حالتان حالة يأتمر فيها بأمر غيره وحالة يأمر فيها غيره استثنى سبحانـه من كمل قوته العلمية بالإيمان وقوته العملية بالعمل الصالح وإنقاد لأمر غيره له بذلك وأمر غيره بـه من الانسان الذي هو في خسر فإن العبد له حالتان حالة كمال في نفسه وحالة تكميل لغيره وكماله وتكميله موقوف على أمرين : علم بالحق وصبر عليه فتضمنت الآية جميع مراتب الكمال الانساني من العلم النافع والعمل الصالح والاحسان إلى نفسه بذلك وإلى أخيه بـه وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك
ومن ذلك أقسامـه سبحانـه : { والسماء ذات البروج } التي تنزلها الشمس والقمر وفسرت بالنجوم أو نوع منـها وفسرت بالقصور العظام وكل ذلك من آيات قدرته وشواهد وحدانيته فإن السماء كرة متشابهة الأجزاء والشكل الكروي لايتميز منـه جانب عن جانب بطول ولاقصر ولاوضع بل هو متساوي الجوانب فجعل هذه البروج في هذه الكرة على اختلاف صورها وأشكالها ومقاديرها يستحيل أن توجد بغير فاعل ويستحيل أن يكون فاعلها غير قادر ولاعالم ولامريد ولاحي ولاحكيم ولامباين للمفعول وهذا ونحوه مماهدم قواعد الطبائعية والملاحدة والفلاسفة الذين لا يثبتون للعالم ربا بائنا قادرا فاعلا بالاختيار عالما بتفاصيله حكيما مدبرا له
فبروج السماء هي منازلها أو منازل السيارة التي فيها من أعظم آياته سبحانـه فلهذا أقسم بها مع السماء ثم أقسم باليوم الموعود وهو يوم القيامة وهو المقسم بـه وعليه كما أن القرآن يقسم بـه وعليه ودل على وقوع اليوم الموعود باتفاق جميع الرسل عليه وبما عرفه عباده من حكمته وعزته التي تأبى أن يتركهم سدى ويخلقهم عبثا وبغير ذلك من الآيات والبراهين التي يستدل بها سبحانـه على إمكانة تارة وعلى وقوعه تارة وعلى تنزيهه عما يقول أعداؤه من أنـه لا يأتي بـه تارة فالأقسام بـه عند من آمن بالله كالأقسام بالسماء وغيرها من الموجودات المشاهدة بالعيان
ثم أقسم سبحانـه بالشاهد والمشـهود مطلقين غير معينين وأعم المعاني فيه أنـه المدرك والمدرك والعالم والمعلوم والرائي والمرئي وهذا أليق المعاني بـه وماعداه من الأقوال ذكرت على وجه التمثيل لاعلى وجه التخصيص
فإن قيل : فما وجه الارتباط بين هذه الأمور الثلاثة المقسم بها ؟ قيل : هي بحمد الله في غاية الارتباط والأقسام بها متناول لكل موجود في الدنيا والآخرة وكل منـها آية مستقلة دالة على ربوبيته وإلهيته فأقسم بالعالم العلوي وهي السماء ومافيها من البروج التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها ثم أقسم بأعظم الأيام وأجلها قدرا الذي هو مظهر ملكه وأمره ونـهيه وثوابه وعقابه ومجمع أوليائه وأعدائه والحكم بينـهم بعلمـه وعدله ثم أقسم بما هو أعم من ذلك كله وهو الشاهد والمشـهود وناسب هذا القسم ذكر أصحاب الأخدود الذين عذبوا أولياءه وهم شـهود على ما يفعلون بهم والملائكة شـهود عليهم بذلك والأنبياء وجوارحهم تشـهد بـه عليهم وأيضا فالشاهد هو المطلع والرقيب والمخبر والمشـهود وهو المطلع عليه المخبر بـه المشاهد
فمن نوع الخليقة إلى شاهد ومشـهود وهو أقدر القادرين كما نوعها إلى مرئي لنا وغير مرئي كما قال { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون } كما نوعها إلى أرض وسماء وليل ونـهار وذكر وأنثى وهذا التنويع والاختلاف من آياته سبحانـه - كذلك نوعها إلى شاهد ومشـهود
وفيه سر آخر وهو أن من المخلوقات ماهو مشـهود عليه ولايتم نظام العالم إلا بذلك فكيف يكون المخلوق شاهدا رقيبا حفيظا على غيره ولايكون الخالق تبارك وتعالى شاهدا على عباده مطلعا عليهم رقيبا ؟
وأيضا فإن ذلك يتضمن القسم بملائكته وأنبيائه وسله فإنـهم شاهدون على العباد فسيكون من باب اتحاد المقسم بـه والمقسم عليه كما أقسم باليوم الموعود وهو المقسم بـه وعليه وأيضا فيوم القيامة مشـهود كماقال تعالى { ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشـهود } يشـهده الله وملائكته والانس والجن والوحش من آياته والمشـهود من آياته
وأيضا فكلامـه مشـهود كما قال تعالى { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشـهودا } تشـهده ملائكة الليل وملائكة النـهار فالمشـهود من أعظم آياته وكذلك الشاهد فكل ما وقع عليه اسم شاهد ومشـهود فهو داخل في هذا القسم فلا وجه لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان إلا على سبيل التمثيل
وأيضا فكتاب الأبرار في عليين يشـهده المقربون فالكتاب مشـهود والمقربون شاهدون
والأحسن أن يكون هذا القسم مستغنيا عن الجواب لأن القصة التنبيه على المقسم بـه وأنـه من آيات الرب العظيمة ويبعد أن يكون الجواب ( قتل أصحاب الأخدود ) الذين فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار ذات الوقود
ثم وصف حالهم القبيحة بأنـهم قعود على جانب الأخدود شاهدين ما يجري على عباد الله تعالى وأوليائه عيانا ولا تأخذهم بهم رأفة ولا رحمة ولا يعيبون عليهم دينا سوى إيمانـهم بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض وهذا الوصف يقتضي إكرامـهم وتعظيمـهم ومحبتهم فعاملوهم بضد ما يقتضي أن يعاملوا بـه وهذا شأن أعداء الله دائما ينقمون على أوليائه ما ينبغي أن يحبوا ويكرموا لأجله كما قال تعالى { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون } وكذلك اللوطية نقموا من عباد الله تننزيههم عن مثل فعلهم فقالوا { أخرجوهم من قريتكم إنـهم أناس يتطهرون } وكذلك أهل الأشراك ينقمون من الموحدين تجريدهم التوحيد وإخلاص الدعوة والعبودية لله وحده وكذلك أهل البدع ينقمون من أهل السنة تجريد متابعتها وترك ما خالفها وكذلك المعطلة ينقمون على أهل السنة محبتهم للصحابة جميعهم وترضيهم عنـهم وولايتهم إياهم وتقديم من قدمـه رسول الله صلى الله عليه و سلم منـه وتنزيلهم منازلهم التي أنزلهم الله ورسوله بها وكذلك أهل الرأي المحدث ينقمون على أهل الحديث وحزب الرسول أخذهم بحديثه وتركهم ماخالفه وكل هؤلاء لهم نصب وفيهم شبه من أصحاب الأخدود وبينـهم وبينـه نسب قريب أو بعيد
ثم أخبر سبحانـه أنـه أعد لهم عذاب جهنم وعذاب الحريق حيث لم يتوبوا وأنـهم لو تابوا بعد أن فتنوا أولياءه وعذبوهم بالنار لغفر لهم ولم يعذبهم وهذا غاية الكرم والجود قال الحسن : أنظروا إلى هذا الكرم والجود يقتلون أولياءه ويفتنونـهم وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة أنظروا إلى كرم الرب تعالى يدعوهم إلى التوبة وقد فتنوا أولياءه فحرقوهم بالنار فلا ييأس العبد من مغفرته وعفوه ولو كان منـه ماكان فلا عداوة أعظم من هذه العداوة ولا اكفر ممن حرق بالنار من آمن بالله وحده وعبده وحده ومع هذا فلو تابوا لم يعذبهم وألحقهم بأوليائه
ثم ذكر سبحانـه جزاء أوليائه المؤمنين ثم ذكر شدة بطشـه وأنـه لايعجزه شيء فإنـه هو المبدئ المعيد ومن كان كذلك فلا أشد من بطشـه وهو مع ذلك الغفور الودود يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه فهو سبحانـه الموصوف بشدة البطش ومع ذلك هو الغفور الودود المتودد إلى عباده بن الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه وهو الودود أيضا أي المحبوب قال البخاري في صحيحه : الودود الحبيب والتحقيق أن اللفظ يدل على المرين على كونـه ودا لأوليائه ومودودا لهم فأحدهما بالوضع والآخر باللزوم فهو الحبيب المحب لأوليائه يحبهم ويحبونـه وقال شعيب عليه السلام { إن ربي رحيم ودود }
وما ألطف اقتران اسم الودود بالرحيم وبالغفور فإن الرحل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه وكذلك قد يرحم من لايحب والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه ويرحمـه ويحبه مع ذلك فإنـه يحب التوابين وإذا تاب إليه عبده أحبه ولوكان منـه ماكان
ثم قال ( ذو العرش ) فأضاف العرش إلى نفسه كما تضاف إليه الأشياء العظيمة الشريفة وهذا يدل على عظمة العرش وقربه منـه سبحانـه واختصاصه بـه بل يدل على غاية القرب والاختصاص كمايضيف إلى نفسه بذو صفاته القائمة بـه كقوله { ذو القوة } { ذو الجلال والإكرام } ويقال : ذو العزة وذو الملك وذو الرحمة ونظائر ذلك فلو كان حظ العرض منـه حظ الأرض السابعة لكان لافرق أن يقال : ذو العرش وذو الأرض
ثم وصف نفسه بالمجيد وهو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها وعدم إحصاء الخلق لها وسعة أفعاله وكثرة خيره ودوامـه وأما من ليس له صفات كمال ولا أفعال حميدة فليس له من المجد شيء والمخلوق إنما يصير مجيدا بأوصافه وأفعاله فكيف يكون الرب تبارك وتعالى مجيدا وهو معطل عن الأوصاف والأفعال ؟ تعالى الله عما يقول المعطلون علوا كبيرا بل هو المجيد الفعال لما يريد والمجد في لغة العرب كثرة أوصاف الكمال وكثرة أفعال الخير وأحسن ما قرن اسم المجيد إلى الحميد كما قالت الملائكة لبيت الخليل عليه السلام { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنـه حميد مجيد } وكما شرع لنا في آخر الصلاة أن نثني على الرب تعالى بأنـه حميد مجيد وشرع في آخر الركعة عند الاعتدال أن نقول ربنا ولك الحمد أهل الثناء والمجد فالحمد والمجد على الاطلاق لله الحميد المجيد فالحميد الحبيب المستحق لجميع صفات الكمال والمجيد العظيم الواسع القادر الغني ذو الجلال والإكرام
ومن قرأ ( المجيد ) بالكسر فهو صفة لعرشـه سبحانـه وإذا كان عرشـه مجيدا فهو سبحانـه أحق بالمجد وقد استشكل هذه القراءة بعض الناس وقال : لم يسمع في صفات الخلق مجيد ثم خرجها على أحد الوجهين إما الجوار وإما أن يكون صفة لربك وهذا من قلة بضاعة هذا القائل فإن الله سبحانـه مطابق وصف عرشـه بالكرم وهو نظير المجد ووصفه بالعظمة فوصفه سبحانـه بالمجد مطابق لوصفه بالعظمة والكرم بل هو أحق المخلوقات أن يوصف بذلك لسعته وحسنـه وبهاء منظره فإنـه أوسع كل شيء في المخلوقات وأجمله وأجمعه لصفات الحسن وبهاء المنظر وعلو القدر والرتبة والذات ولايقدر قدر عظمته وحسنـه وبهاء منظره إلا الله ومجده مستفاد من مجد خالقه ومبدعه والسموات السبع والأرضون السبعون في الكرسي - الذي بين يديه - كحلقة ملقاة في أرض فلاة والكرسي فيه كتلك الحلقة في الفلاة قال ابن عباس : السموات السبع في العرش كسبعة دراهم جعلن في ترس فكيف لا يكون مجيدا وهذا شأنـه فهو عظيم كريم مجيد وأما تكلف هذا المتكلف جره إلى الجوار أو أنـه صفة لربك فتكلف شديد وخروج عن المألوف في اللغة من غير حاجة إلى ذلك
وقوله { فعال لما يريد } دليل على أمور ( أحدها ) انـه سبحانـه يفعل بإرادته ومشيئته ( الثاني ) انـه لم يزل كذلك لأنـه لم يزل كذلك لأنـه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه وأن ذلك من كماله سبحانـه فلا يجوز أن يكون عادما لهذا الكمال في وقت من الأوقات وقد قال تعالى { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } وما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثا بعد أن لم يكن ( الثالث ) أنـه إذا أراد شيئا فعله فإن ما موصولة عامة أي يفعل كل ما يريد أن يفعله وهذا في إرادته المتعلقة بفعله وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شأن آخر فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينـه ويجعله فاعلا لم يوجد الفعل فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينـه ويجعله فاعلا لم يوجد الفعل وإن أراده حتى يريده من نفسه أن يجعله فاعلا وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية وخبطوا في مسألة القدر لغفلتهم عنـها فإن هنا إرادتين : إرادة أن يفعل العبد وإرادة أن يجعله الرب فاعلا وليستا متلازمتين وإن لزم من الثانية الأولى من غير عكس فمتى أراد من نفسه أن يعين عبده وأن يخلق له أسباب الفعل فقد أراد فعله وقد يريد فعله ولا يريد من نفسه أن يخلق له أسباب الفعل فلا يوجد الفعل
فإن اعتاص عليك فهم هذا الموضع وأشكل عليك فانظر إلى قول النبي صلى الله عليه و سلم حاكيا عن ربه قوله للعبد يوم القيامة [ قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب أبيك : أن لاشرك بي شيئا ] ولم يقع هذا المراد لأنـه لم يرد من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له
( الرابع ) أن فعله سبحانـه وإرادته متلازمان فما أراد أن يفعله فعله وما فعله فقد أراده بخلاف المخلوق فإنـه يريد مالايفعل وقد يفعل مالا يريد فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده
( الخامس ) إثبات إرادة متعددة بحسب الأفعال وأن كل فعل له إرادة تخصه وهذا هو المعقول في الفطر وهو الذي يفعله الناس من الإرادة فشأنـه تعالى أن يريد على الدوام ويفعل ما يريد
( السادس ) أن كل ما صلح أن تتعلق بـه إرادته جاز فعله فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء وأن يرى نفسه لعباده وأن يتجلى لهم كيف شاء وأن يخاطبهم ويضحك إليهم وغير ذلك مما يريد سبحانـه لم يمتنع عليه فعله فإنـه فعال لما يريد وإنما تتوقف صحة ذلك على إخبار الصادق بـه فإذا أخبر بـه وجب التصديق بـه وكان رده ردا لكماله الذي اخبر بـه عن نفسه وهذا عين الباطل وكذلك إذا أمكن إرادته سبحانـه محو ما شاء وإثبات ما شاء أمكن فعله وكانت الإرادة والفعل من مقتضيات كماله المقدس
وقد اشتملت هذه السورة على اختصارها من التوحيد على وصفه سبحانـه بالعزة المتضمنة للقدرة والقوة وعدم النظير والحمد المتضمن لصفات الكمال والتنزيه عن اضدادها مع محبته وإلهيته وملكه السموات والأرض المتضمن لكمال غناه وبواطنـها وإحاطة بصره بمرئياتها وسمعه بمسموعاتها وعلمـه بمعلوماتها ووصفه بشدة البطش المتضمن لكمال القوة والعزة والقدرة وتفرد بالإبداء والإعادة المتضمن لتوحيد ربوبيته وتصرفه في المخلوقات بالإبداء والإعادة وانقيادها لقدرته فلا يستعصى عليه منـها شيء ووصفه بالمغفرة المتضمن لكمال جوده وإحسانـه وغناه ورحمته ووصفه بالودود المتضمن لكونـه حبيبا إلى عباده محبا لهم ووصفه بأنـه ذو العرش الذي لا يقدر قدره سواه وأن عرشـه المختص بـه لا يليق بغيره أن يستوى عليه ووصفه بالمجد المتضمن لسعة العلم والقدرة والملك والغنى والجود والإحسان والكرم وكونـه فعالا لما يريد المتضمن لحياته وعلمـه وقدرته ومشيئته وحكمته وغير ذلك من أوصاف كماله
فهذه السورة كتاب مستقل في أصول الدين تكفي من فهمـها
فالحمد لله الذي انزل على عبده الكتاب وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده
ثم ختمـها بذكر فعله وعقوبته بمن أشرك بـه وكذب رسله تحذيرا لعباده من سلوك سبيلهم وأن من فعل فعلهم فعل بـه كما فعل بهم ثم اخبر عن أعدائه بأنـهم مكذبون بتوحيده ورسالاته مع كونـهم في قبضته وهو محيط بهم ولا أسوأ حالا ممن عادى من هو في قبضته ومن هو قادر عليه من كل وجه وبكل اعتبار فقال { بل الذين كفروا في تكذيب * والله من ورائهم محيط } فهذا أعجب عجب ممن كفر بمن هو محيط بـه وآخذ بناصيته قادر عليه ثم وصف كلامـه بأنـه مجيد وهو أحق بالمجد من كل كلام كما ان المتكلم بـه له المجد كله فهو المجيد وكلامـه مجيد وعرشـه مجيد قال ابن عباس رضي الله عنـهما : قرآن مجيد كريم لأن كلام الرب ليس كما يقول الكافرون : شعر وكهانة وسحر وقد تقدم أن المجد السعة وكثرة الخير وكثرة خير القرآن لا يعلمـها إلا من تكلم به
وقوله { في لوح محفوظ } اكثر القراء على الجر صفة للوح وفيه إشارة إلى أن الشياطين لا يمكنـهم التنزل بـه لأن محله محفوظ أن يصلوا إليه وهو في نفسه محفوظ أن يقدر الشيطان على الزيادة فيه والنقصان فوصفه سبحانـه بأنـه محفوظ في قوله { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ووصف محله بالحفظ في هذه السورة فالله سبحانـه حفظ محله وحفظه من الزيادة والنقصان والتبديل وحفظ معانيه من التحريف كماحفظ ألفاظه من التبديل وأقام له من يحفظ حروفه من الزيادة والنقصان ومعانيه من التحريف والتغيير
ومن ذلك أقسامـه سبحانـه بـ { والسماء والطارق } وقد فسره بأنـه { النجم الثاقب } الذي يثقب ضوؤه والمراد بـه الجنس لا نجم معين ومن عينـه بأنـه الثريا أوزحل فإن أراد التمثيل فصحيح وإن أراد التخصيص فلا دليل عليه
والمقصود أنـه سبحانـه أقسم بالسماء ونجومـها المضيئة وكل منـها آية من آياته الدالة على وحدانيته وسمى النجم طارقا لأنـه يظهر بالليل بعد اختفائه بضوء الشمس فشبه بالطارق الذي يطرق الناس أو أهلا ليلا قال الفراء : ما أتاك ليلا فهو طارق وقال الزجاج والمبرد : لا يكون الطارق نـهارا ولهذا تستعمل العرب الطروق في صفة الخيال كثيرا كما قال ذو الرمة :
( ألا طرقت مي هيوما بذكرها وأيدي الثريا جنح بالمغارب )
وقال جرير :
( طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة فارجعي بسلام )
ولهذا قيل : أول من رد الطيف جرير فلم يزل الناس على قبوله وإكرامـه كالضيف فالطيف والضيف كلاهما لايرد وقال الآخر :
( ألا طرقت من آخر الليل زينب عليك سلام هل لما فات مطلب ؟ )
والمقسم عليه ههنا حال النفس الإنسانية والاعتناء بها وإقامة الحفظة عليها وأنـها لم تترك سدى بل قد أرصد عليها من يحفظ عليها أعمالها ويحصيها فأقسم سبحانـه أنـه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها وقولها ويحصي ما تكتسب من خير أو شر
واختلف القراء في لما فشددنا بعضهم وخففها بعضهم فمن قرأها بالتشديد جعلها بمعنى إلا وهي تكون بمعنى إلا في موضعين ( أحدهما ) بعد إن المخففة مثل هذا الموضع أو المثقلة مثل قوله { وإن كلا لما ليوفينـهم ربك أعمالهم } ( والثاني ) في باب القسم نحو سألتك بالله لما فعلت قال أبو علي الفارسي : من خفف كانت عنده هي المخففة من الثقيلة واللام في خبرها هي الفارقة بين إن النافية والخفيفة وما زائدة وإن هي التي يتلقى بها القسم كما يتلقى بالمثقلة
ومن قرأها مشددة كانت إن عنده نافية بمعنى ما ولما في معنى إلا قال سيبويه عن الخليل - في قولهم : نشدتك بالله لما فعلت - قال المعنى : إلا فعلت
ثم نبه سبحانـه الانسان على دليل المعاد بما يشاهده من حال مبدئه على طريقة القرآن في الاستدلال على المعاد بالمبدأ فقال { فلينظر الإنسان مم خلق } أي فلينظر نظر الفكر والاستدلال ليعلم أن الذي ابتدأ أول خلقه من نطفة قادر على إعادته
ثم أخبر سبحانـه أنـه خلقه من ماء ق والدفق صب الماء يقال دفقت الماء فهو مدفوق وق ومندفق فالمدفوق الذي وقع عليه فعلك كالكسور والمضروب والمندفق المطاوع لفعل الفاعل تقول دفقته فاندفق كماتقول كسرته فانكسر والق قيل إنـه فاعل بمعنى مفعول كقولهم سر كاتم وعيشة راضية وقيل : هو على النسب لا على الفعل أي ذي دفق أو ذات ولم يرد الجريان على الفعل وقيل - وهو الصواب - إنـه اسم فاعل على بابه ولا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعل الدفق فإن اسم الفاعل هو من قام بـه الفعل سواء فعله هو أو غيره كما يقال : ماء جار ورجل ميت وإن لم يفعل الموت بل لما قام بـه من الموت نسب إليه على جهة الفعل وهذا غير منكر في لغة أمة من الأمم فضلا عن أوسع اللغات وأفصحها وأما العيشة الراضية فالوصف بها أحسن من الوصف بالمرضية فإنـها اللائقة بهم فشبه ذلك برضاها بهم كما رضوابها كأنـها رضيت بهم ورضوا بها وهذا أبلغ من مجرد كونـها مرضية فقط فتأمله وإذا كانوا يقولون : الوقت الحاضر والساعة الراهنة - وإن لم يفعلا ذلك فكيف يمتنع أن يقولوا ماء ق وعيشة راضية ؟
ونبه سبحانـه بكونـه قا على أنـه ضعيف غير متماسك ثم ذكر محله الذي يخرج منـه وهو بين الصلب والترائب قال ابن عباس : صلب الرجل وترائب المرأة وهو موضع القلادة من صدرها والولد يخلق من المائين جميعا وقيل : صلب الرجل وترائبه وهي صدره فيخرج من صلبه وصدره وهذه الآية الدالة على قدرة الخالق سبحانـه نظير إخراجه اللبن الخالص من بين الفرث والدم
ثم ذكر الأمر المستدل عليه والمعاد بقوله { إنـه على رجعه لقادر } أي على رجعه إليه يوم القيامة كما هو قادر على خلقه من ماء هذا شأنـه هذا هو الصحيح في معنى الآية وفيها قولان ضعيفان ( أحدهما ) قول مجاهد : على رد الماء في الاحليل لقادر ( والثاني ) قول عكرمة والضحاك على رد الماء في الصلب وفيه قول ثالث قال مقاتل : إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا إلى النطفة
والقول الصواب هو الأول لوجوه ( أحدهما ) أنـه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد ( الثاني ) أن ذلك أدل على المطلوب من القدرة على رد الماء في الاحليل ( الثالث ) أنـه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانـه الدليل عليه ( الرابع ) أنـه قيد الفعل بالظرف وهو قوله { يوم تبلى السرائر } وهو يوم القيامة أي ان الله قادر على رجعه إليه حيا في ذلك اليوم ( الخامس ) أن الضمير في ( رجعه ) هو الضمير في قوله { فما له من قوة ولا ناصر } وهذا للانسان قطعا لا للماء ( السادس ) أنـه لاذكر للاحليل حتى يتعين كون المرجع إليه فلو قال قائل : على رجعه إلى الفرج الذي صب فيه لم يكن فرق بينـه وبين هذا القول ولم يكن أولى منـه ( السابع ) أن رد الماء إلى الاحليل أو الصلب بعد خروجه منـه غير معروف ولا هو أمر معتاد جرت بـه القدرة وإن كان مقدورا للرب تعالى ولكن هو لم يجره ولم تجر بـه العادة ولا هو مما تكلم الناس فيه نفيا أو إثباتا ومثل هذا لا يقرره الرب ولا يستدل عليه وينبه على منكريه وهو سبحانـه إنما يستدل على امر واقع ولابد إما قد وقع ووجد أو سيقع
فإن قيل : فقد قال تعالى { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامـه * بلى قادرين على أن نسوي بنانـه } أي نجعله كخف البعير قيل : هذه أيضا فيها قولان ( أحدهما ) ( والثاني ) - وهو الأرجح - أن تسوية بنانـه إعادتها كماكانت بعد مافرقها البلى في التراب
( الثامن ) أنـه سبحانـه دعا الانسان إلى النظر فيما خلق منـه ليرده نظره عن تكذيبه بما أخبر بـه وهو لم يخبره بقدرة خالقه على رد الماء في إحليله بعد مفارقته له حتى يدعوه إلى النظر فيما خلق منـه ليستقبح منـه صحة إمكان رد الماء ( التاسع ) أنـه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه ورد الماء في الاحليل بعد خروجه ولاتلازم بينـهما حتى يجعل أحدهما دليلا على إمكان الآخر بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد والخلق الأول والخلق الثاني والنشأة الأولى والنشأة الثانية فإنـه ارتباط من وجوه عديدة ويلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر ومن وقوعه صحة وقوع الآخر فحسن الاستدلال بأحدهما على الآخر
( العاشر ) أنـه سبحانـه نبه بقوله { إن كل نفس لما عليها حافظ } على أنـه قد وكل عليه من يحفظ عليه عمله ويحصيه فلا يضيع منـه شيء ثم نبه بقوله : { إنـه على رجعه لقادر } على بعثه لجزائه على العمل الذي حفظ وأحصى عليه فذكر شأن مبدأ عمله ونـهايته فمبدؤه محفوظ عليه ونـهايته الجزاء عليه ونبه على هذا بقوله { يوم تبلى السرائر } أي تختبر وقال مقاتل : تظهر وتبدو وبلوت الشيء إذا اختبرته ليظهر لك باطنـه وما خفى منـه والسرائر جمع سريرة وهي سرائر الله التي بينـه وبين عبده في ظاهره وباطنـه لله فالايمان من السرائر وشرائعه من السرائر فتختبر ذلك اليوم حتى يظهر خيرها من شرها ومؤديها من مضيعها وما كان لله مما لم يكن له قال عبدالله بن عمر رضي الله عنـهما : يبدي الله يوم القيامة كل سر فيكون زينا في الوجوه وشينا فيها والمعنى تختبر السرائر بإظهارها وإظهار مقتضياتها من الثواب والعقاب والحمد والذم
وفي التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة وهو أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحا فتبدو سريرته على وجهه نورا وإشراقا وحياء ومن كانت سريرته فاسدة كان علمـه تابعا لسريرته لا اعتبار بصورته فتبدو سريرته على وجهه سوادا وظلمة وشيئا وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته فيوم القيامة تبدو عليه سريرته ويكون الحكم والظهور لها قال الشاعر :
( فان لها في مضمر القلب والحشا سريرة حب يوم تبلى السرائر )
ثم أخبر سبحانـه عن حال الانسان في يوم القيامة أنـه غير ممتنع من عذاب الله لا بقوة منـه ولا بقوة من خارج وهو الناصر فإن العبد إذا وقع في شدة فإما أن يدفعها بقوته أوقوة من ينصره وكلاهما معدوم في حقه ونظيره قوله سبحانـه { لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون }
ثم أقسم سبحانـه بـ { والسماء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع } فأقسم بالسماء ورجعها بالمطر والأرض وصدعها بالنبات قال الفراء : تبدى بالمطر ثم ترجع بـه في كل عام وقال أبو إسحق : الرجع المطر لأنـه يجيء ويرجع ويتكرر وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنـهما : تبدى بالمطر ثم ترجع بـه في كل عام والتحقيق أن هذا على وجه التمثيل ورجع السماء هو إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعا أي تعطيه مرة بعد مرة والخير كله من قبل السماء يجيء ولما كان أظهر الخير المشـهود بالعيان المطر فسر الرجع بـه وحسن تفسيره بـه ومقابلته بصدع الأرض عن النبات وفسر الصدع بالنبات لأنـه يصدع الأرض أي يشقها فأقسم سبحانـه بالسماء ذات المطر والأرض ذات النبات وكل من ذلك آية من آيات الله تعالى الدالة على ربوبيته
وأقسم على كون القرآن حقا وصدقا فقال { إنـه لقول فصل * وما هو بالهزل } كما أقسم في أول السورة على حال الانسان في مبدئه ومعاده والقول الفصل هو الذي يفصل بين الحق والباطل فميز هذا من هذا ويفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ومصيب الفصل الذي ينفصل عنده المراد ويتميز من غيره كما قال : أصاب الفصل وأصاب المرء إذا أصاب بكلامـه نفس المعنى المراد ومنـه فصل الخطاب وأيضا فالقول الفصل ببيان المعنى ضد الاجمال فكون القرآن فصلا يتضمن هذه المعاني كلها ويتضمن كونـه حقا ليس بالباطل وجدا ليس بالهزل ولما كان الهزل هو الذي لا حقيقة له - وهو الباطل واللعب - قابل بين الفصل والهزل وإنما يكيد المكذبون ويحيلون ويخادعون لرده ولا يردونـه بحجة والله يكيدهم كما يكيدون دينـه ورسوله وعباده وكيده سبحانـه استدراجهم من حيث لا يعلمون والاملاء لهم حتى يأخذهم على غرة كما قال تعالى { وأملي لهم إن كيدي متين } فالانسان إذا أراد أن يكيد غيره يظهر له إكرامـه وإحسانـه إليه حتى يطمئن إليه فيأخذه كما يفعل الملوك فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ودينـه كان كيد الله لهم حسنا لاقبح فيه فيعطيهم ويعافيهم وهو يستدرجهم حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة
ثم قال { فمـهل الكافرين أمـهلهم رويدا } أي أنظرهم قليلا ولا تستعجل لهم والرب تعالى هو الذي يمـهلهم وإنما خرج الخطاب للرسول على جهة التهديد والوعيد لهم أو على معنى انتظر بهم قليلا ورويدا في كلامـهم يكون اسم فعل فينصب بها الاسم نحو رويدا زيدا أي خله وأمـهله وارفق بـه : الثاني أن يكون مصدرا مضافا إلى المفعول نحو رويد زيد أي إمـهال زيد نحو ضرب الرقاب الثالث أن يكون نعتا منصوبا نحو قولك : ساروا رويدا تقول العرب : ضعه رويدا أي وضعا رويدا وفي حديث عائشة في خروج النبي صلى الله عليه و سلم بالليل من عندها إلى البقيع [ فخرج رويدا وأجاف الباب رويدا ] ويجوز في هذا الوجه وجهان : أحدهما أن يكون حالا والثاني أن يكون نعتا لمصدر محذوف فإن اظهرت المنعوت تعين الوجه الثاني ورويدا في هذه الآية هو من هذا النوع الثالث والله أعلم
ومن ذلك أقسامـه بـ { الشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق } فأقسم بثلاثة أشياء متعلقة بالليل ( أحدها ) الشفق وهو في اللغة الحمرة بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة وكذلك هو في الشرع قال الفراء والليث والزجاج وغيرهم : الشفق الحمرة في السماء أصل موضوع الحرف لرقة الشيء ومنـه شيء لا تماسك له لرقته ومنـه الشفقة وهو الرقة وأشفق عليه إذا رقه له وأهل اللغة يقولون : الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها ولهذا كان الصحيح أن الشفق الذي يدخل وقت العشاء الآخرة بغيبوبته هو الحمرة فإن الحمرة لما كانت بقية ضوء الشمس جعل بقاؤها حدا لوقت المغرب فإذا ذهبت الحمرة بعدت الشمس عن الأفق فدخل وقت العشاء وأما البياض فإنـه يمتد وقته بطول لبثه ويكون حاصلا مع بعد الشمس عن الأفق ولهذا صح عن ابن عمر رضي الله عنـهما أنـه قال : الشفق الحمرة والعرب تقول : ثوب مصبوغ كأنـه الشفق إذا كان أحمر حكاه الفراء وكذلك قال الكلبي : الشفق الحمرة التي تكون في المغرب وكذلك قال مقاتل : هو الذي يكون بعد غروب الشمس في الأفق قبل الظلمة وقال عكرمة : هو بقية النـهار وهذا يحتمل أن يريد بـه أن تلك الحمرة بقية ضوء الشمس التي هي آية النـهار وقال مجاهد : هو النـهار كله وهذا ضعيف جدا وكأنـه لما رآه قابله بالليل وما وسق ظن أنـه النـهار وهذا ليس بلازم
( الثاني ) قسمـه بالليل وما وسق أي وما ضم وحوى وجمع والليل وما ضمـه وحواه آية أخرى والقمر آية واتساقه آية أخرى والشفق يتضمن إدبار النـهار وهو آية وإقبال الليل وهو آية أخرى فإن هذا إذا أدبر خلفه الآخر يتعاقبان لمصالح الخلق فإدبار النـهار آية وإقبال الليل آية وتعقب أحدهما الى آخر آية والشفق الذي هو متضمن الأمرين آية والليل - آية وما حواه آية والهلال آية وتزايده كل ليلة آية واتساقه - وهو امتلاؤه نورا - آية ثم أخذه في النقص آية وهذه وأمثالها آيات دالة على ربوبيته مستلزمة للعلم بصفات كماله ولهذا شرع - عند إقبال الليل وإدبار النـهار - ذكر الرب تعالى بصلاة المغرب وفي الحديث [ اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نـهارك وأصوات دعائك وحضور صلواتك اغفر لي ] كما شرع ذكر الله بصلاة الفجر عند إدبار الليل وإقبال النـهار ولهذا يقسم سبحانـه بهذين الوقتين كقوله { والليل إذ أدبر * والصبح إذا أسفر } وهو يقابل إقسامـه بالشفق : ونظيره إقسامـه بـ { والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس }
ولما كان الرب تبارك وتعالى يحدث عن كل واحد من طرفي إقبال الليل والنـهار وإدبارهما ما يحدثه ويبث من خلقه ما شاء فينشر الأرواح الشيطانية عند إقبال الليل وينشر الأرواح الإنسانية عند إقبال النـهار فيحدث هذا الانتشار في العالم أثره - شرع سبحانـه في هذين الوقتين هاتين الصلاتين العظيمتين مع ما في ذلك من ذكره عند هاتين الآيتين المتعاقبتين وعند انصرام إحداهما واتصال الأخرى بها مع ما بينـهما من التضاد والاختلاف وانتقال الحيوان عند ذلك من حال إلى حال ومن حكم إلى حكم وذلك مبدأ ومعاد يومي مشـهود للخليقة كل يوم وليلة فالحيوان والنبات في مبدأ ومعاد وزمان العالم في مبدأ ومعاد { أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير }
وقوله { لتركبن طبقا عن طبق } الظاهر أنـه جواب القسم ويجوز أن يكون من القسم المحذوف جوابه ولتركبن وما بعده مستأنف
وقرئ ( لتركبن ) بضم الباء للجمع وبفتحها فمن فتحها فالخطاب عنده للإنسان أي لتركبن أيها الإنسان وقيل هو النبي صلى الله عليه و سلم خاصة وقيل : ليست التاء للخطاب ولكنـها للغيبة أي لتركبن السماء طبقا عن طبق ومن ضمـها فالخطاب للجماعة ليس إلا فمن جعل الكناية للسماء قال : المعنى لتركبن السماء حالا بعد حال من حالاتها التي وصفها الله تعالى من الانشقاق والانفطار والطي وكونـها كالمـهل مرة وكالدهان مرة ومورانـها وتفتحها وغير ذلك من حالاتها وهذا قول عبدالله بن مسعود رضي الله عنـه ودل على السماء ذكر الشفق والقمر وعلى هذا فيكون قسما على المعاد وتغيير العالم
ومن قال الخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم فله ثلاث معان : لتركبن سماء بعد سماء حتى تنتهي إلى حيث يصعدك الله هذا قول ابن عباس في رواية مجاهد وقول مسروق والشعبي قالوا : والسماء طبق ولهذا يقال للسماوات السبع الطباق والمعنى الثاني لتصعدن درجة بعد درجة ومنزلة بعد منزلة ورتبة بعد رتبة حتى تنتهي إلى محل القرب والزلفى من الله والمعنى الثالث لتركبن حالا بعد حال من الأحوال المختلفة التي نقل فيها رسوله صلى الله عليه و سلم من الهجرة والجهاد ونصره على عدوه وإدالة العدو عليه تارة وغناه وفقره وغير ذلك من حالاته التي تنقل فيها إلى أن بلغ ما بلغه إياه
ومن قال : الخطاب للإنسان أو لجملة الناس فالمعنى واحد وهو تنقل الإنسان حالا بعد حال من حيث كونـه نطفة إلى مستقره من الجنة أو النار فكم بين هذين من الأطباق والأحوال للإنسان
وأقول المفسرين كلها تدور على هذا قال ابن عباس رضي الله عنـهما : لتصيرن الأمور حالا بعد حال وقيل لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى كونـه حيا إلى خروجه إلى هذه الدار ثم ركوبه طبق التمييز بين ما ينفعه ويضره ثم ركوبه بعد ذلك طبقا آخر وهو طبق البلوغ ثم ركوبه طبق الأشد ثم طبق الشيخوخة ثم طبق الهرم ثم ركوبه طبق ما بعد الموت في البرزخ وركوبه في أثناء هذه الأحوال أطباقا عديدة لا يزال ينتقل فيها حالا بعد حال إلى دار القرابة فذلك آخر أطباقه التي يعلمـها العباد ثم يفعل الله سبحانـه بعد ذلك ما يشاء
واختار أبو عبيدة قراءة الضم وقال : المعنى بالناس أشبه منـه بالنبي صلى الله عليه و سلم فإنـه ذكر قبل الآية من يؤتى كتابه بيمينـه ومن يؤتى كتابه بشماله ثم ذكر بعدها قوله { فما لهم لا يؤمنون ؟ } فذكر كونـهم طبقا بعد طبق قال الواحدي : وهذا قول أكثر المفسرين قالوا : لتركبن حالا بعد حال ومنزلا بعد منزل وأمرا بعد أمر قال سعيد بن جبير وابن زيد : لتكونن في الآخرة بعد الأولى ولتصيرن أغنياء بعد الفقر وفقراء بعد الغنى وقال عطاء : شدة بعد شدة وقال أبو عبيدة لتركبن سنة من كان قبلكم في التكذيب والاختلاف على الرسل
وأنت إذا تأملت هذا المقسم بـه والمقسم عليه وجدته من أعظم الآيات الدالة على الربوبية وتغيير الله سبحانـه للعالم وتصريفه له كيف أراد ونقله إياه من حال إلى حال وهذا محال أن يكون بنفسه من غير فاعل مدبر له ومحال أن يكون فاعله غير قادر ولاحي ولا مريد ولاحكيم ولا عليم وكلاهما في الامتناع سواء
فالمقسم بـه وعليه من أعظم الأدلة على ربوبيته وتوحيده وصفات كماله وصدقه وصدق رسله وعلى المعاد ولهذا عقب ذلك بقوله { فما لهم لا يؤمنون } إنكارا على من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزمة لمدلولها أتم استلزام وأنكر عليهم عدم خضوعهم وسجودهم للقرآن المشتمل على ذلك بأفصح عبارة وأبينـها وأجزلها و أوجزها فالمعنى أشرف معنى والعبارة أشرف عبارة : غاية الحق بغاية البيان والفصاحة
{ بل الذين كفروا يكذبون } ولا يصدقون بالحق جحودا وعنادا { والله أعلم بما يوعون } بما يضمرون في صدروهم ويكتمونـه وما يسرونـه من أعمالهم وما يجمعونـه فيجازيهم عليه بعلمـه وعدله { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون }
( 22 ) فصل
ومن ذلك قوله سبحانـه { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس } أقسم سبحانـه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانـها وغروبها هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب
ومن ذلك قوله سبحانـه { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس } أقسم سبحانـه بالنجوم في أحوالها الثلاثة من طلوعها وجريانـها وغروبها هذا قول علي وابن عباس وعامة المفسرين وهو الصواب
والخنس جمع خانس والخنس الانقباض والاختفاء ومنـه سمي الشيطان خناسا لانقباضه وانكماشـه حين يذكر العبد ربه ومنـه قول أبي هريرة فانخنست والكنس جمع كانس وهو الداخل في كناسه أي في بيته ومنـه تكنست المرأة إذا دخلت في هودجها ومنـه كنست الظباء إذا أوت إلى أكناسها
والجواري جمع جارية كغاشية و غواش قال علي بن أبي طالب رضي الله عنـه : النجوم تخنس بالنـهار وتظهر بالليل وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة وغيرهم قالوا : الكواكب تخنس بالنـهار فتختفي ولا ترى وتكنس في وقت غروبها ومعنى تخنس - على هذا القول - تتأخر عن البصر وتتوارى عنـه بإخفاء النـهار لها وفيه قول آخر وهو أن خنوسها رجوعها وهي حركتها الشرقية فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة بنفسها فخنوسها حركتها بنفسها راجعة وعلى هذا فهو قسم أن خنوسها و كنوسها اختفاؤها وقت مغيبها فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها وهذا قول الزجاج
ولما كان للنجوم حال ظهور وحال اختفاء وحال جريان وحال غروب أقسم سبحانـه بها في أحوالها كلها ونبه بخنوسها على حال ظهورها لأن الخنوس هو الاختفاء بعد الظهور ولا يقال لما لا يزال مختفيا : أنـه قد خنس فذكر سبحانـه جريانـها وغروبها صريحا وخنوسها وظهورها واكتفى من ذكر طلوعها بجريانـها الذي مبدؤه الطلوع فالطلوع أول جريانـها
فتضمن القسم طلوعها وغروبها وجريانـها واختفاءها وذلك من آياته ودلائل ربوبيته
وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه ( أحدها ) أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة ( الثاني ) اشتراك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان ( الثالث ) أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقا بل لا تزال ظاهرة في الفلوات ( الرابع ) إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا ليس خنوسها من الاختفاء قال الواحدي هو من الخنس في الأنف وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة والبقر والظباء أنوفهن خنس والبقرة خنساء والظبي أخنس ومنـه سميت الخنساء لخنس أنفها ومعلوم أن هذا امر خفي يحتاج إلى تامل وأكثر الناس لا يعرفونـه وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية يشترك في معرفتها الخلائق وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم فالآية فيه أظهر ( الخامس ) أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوى فيه ولا اظهر منـه حتى يتعين للقسم ( السادس ) أنـه لو كان جمعا للظبي لقال الخنس - بالتسكين - لأنـه جمع أخنس فهو كأحمر وحمر ولو أريد بـه جمع بقرة خنساء لكان على وزن فعلاء أيضا كخمراء وحمر فلما جاء جمعه على فعل - بالتشديد - استحال أن يكون جمعا لواحد من الظباء والبقر وتعين أن يكون جمعا لخانس كشاهد وشـهد وصائم وصوم وقائم وقوم ونظائرها ( السابع ) أنـه ليس بالبين أقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان وليس هذا عرف القرآن ولاعادته وإنما يقسم سبحانـه من كل جنس بأعلاه كما أنـه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها وهي النفس الإنسانية ولما أقسم بكلامـه أقسم بأشرفه وأجله وهو القرآن ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء وشمسها وقمرها ونجومـها ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفها وهو الليالي العشر وإذا أراد سبحانـه أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم كقوله { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون } وقوله { الذكر والأنثى } في قراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحو ذلك ( الثامن ) أن اقتران القسم بالليل والصبح يدل على أنـها النجوم وإلا فليس باللائق اقتران البقر والغزلان والليل والصبح في قسم واحد ؟ وبهذا احتج أبو إسحاق على أنـهار النجوم فقال : هذا أليق بذكر النجوم منـه بذكر الوحش ( التاسع ) أنـه لو أراد ذلك سبحانـه لبينـه وذكر ما يدل عليه كما أنـه لما أراد بالجواري السفن قال { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام } وهنا ليس في اللفظ ولا في السياق ما يدل على أنـها البقر والظباء وفيه ما يدل على أنـها النجوم من الوجوه التي ذكرناها وغيرها ( العاشر ) أن الارتباط الذي بين النجوم التي هي هداية للسالكين و رجوم للشياطين وبين المقسم عليه - وهو القرآن الذي هو هدى للعالمين وزينة للقلوب وداحض لشبهات الشيطان - أعظم من الارتباط الذي بين البقر والظباء والقرآن والله أعلم
واختلف في عسعسة الليل هل هي إقباله أم إدباره ؟ فالأكثر ون على أن عسعس بمعنى ولى وذهب وأدبر هذا قول علي وابن عباس وأصحابه قال الحسن : أقبل بظلامـه وهو إحدى الروايتين عن مجاهد
فمن رجح الإقبال قال : أقسم الله سبحانـه وتعالى بإقبال الليل وإقبال النـهار فقوله { والصبح إذا تنفس } مقابل لليل إذا عسعس قالوا : ولهذا أقسم الله بـ { والليل إذا يغشى * والنـهار إذا تجلى } وبالضحى قالوا فغشيان الليل نظير عسعسته وتجلى النـهار نظير تنفس الصبح إذ هو مبدؤه وأوله
ومن رجح أنـه إدباره احتج بقوله تعالى { كلا والقمر * والليل إذ أدبر * والصبح إذا أسفر } فأقسم بإدبار الليل وإسفار الصبح وذلك نظير عسعسة الليل وتنفس الصبح قالوا : والأحسن أن يكون القسم بانصرام الليل وإقبال النـهار فإنـه عقيبه من غير فصل فهذا أعظم في الدلالة والعبرة بخلاف إقبال الليل وإقبال النـهار فإنـه لم يعرف القسم في القرآن بهما ولأن بينـهما زمنا طويلا فالآية في انصرام هذا ومجيء الآخر عقيبه بغير فصل أبلغ فذكر سبحانـه حالة ضعف هذا و إدباره و حالة قوة هذا وتنفسه وإقباله يطرد ظلمة الليل بتنفسه فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه وهذا هو القول والله أعلم
ثم ذكر سبحانـه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنـه قول رسول كريم وهو ههنا جبريل قطعا لأنـه ذكر صفته بعد ذلك بما يعنيه بـه وأما الرسول الكريم في الحاقة فهو محمد صلى الله عليه و سلم لأنـه نفى بعده أن يكون قول من زعم من أعدائه أنـه قوله فقال { وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون } فأضافه إلى الرسول الملكي تارة وإلى البشرى تارة وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده وإلا تناقصت النسبتان ولفظ الرسول يدل على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله وهذا صريح في أنـه كلام من أرسل جبريل ومحمدا صلى الله عليه و سلم وأن كلا منـهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغا وقول الله الذي تكلم بـه حقا فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلما بالقرآن وهو كلامـه حقا في هاتين الآيتين بل هما من أظهر الأدلة على كونـه كلام الرب تعالى وأنـه ليس للرسولين الكريمين منـه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد صلى الله عليه و سلم سمعه من جبريل
ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنـه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع في السموات أمين فهذه خمس صفات تتضمن تذكية سند القرآن وأنـه سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين فناهيك بهذا السند علوا وجلالة : قول الله سبحانـه بنفسه تزكيته
الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء بـه إلى محمد صلى الله عليه و سلم كريما ليس كما يقول أعداؤه : إن الذي جاء بـه شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح المنظر عديم الخير باطنـه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنـه وليس فيه ولا عنده خير فهو أبعد شيء عن الكرم والرسول الذي أ لقى القرآن إلى محمد صلى الله عليه و سلم كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه على يده وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي
الوصف الثاني أنـه ذو قوة كما قال في موضع آخر { علمـه شديد القوى } وفي ذلك تنبيه على أمور :
( أحدها ) أنـه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منـه وأن ينالوا منـه شيئا وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منـه بل إذا رآه الشيطان هرب منـه ولم يقربه
( الثاني ) أنـه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما قال تعالى { وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير } ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانـه ومعلمـه فهو المـهدي المنصور والله هاديه وناصره
( الثالث ) أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك
( الرابع ) أنـه قادر على تنفيذ ما أمر بـه لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما أمر بـه لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها الوي عليه الأمين على فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قويا أمينا معظما ذا مكانة عنده مطاعا في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل على عظمة شان المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين فإن الملوك لا ترسل في مـهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية
وقوله { عند ذي العرش مكين } أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب الملائكة إليه وفي قوله { عند ذي العرش } إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان قريبا من ذي العرش سبحانـه
وفي قوله ( مطاع ثم ) إشارة إلى أن جنوده وأعوانـه يطيعونـه إذا ندبه لنصر صاحبه وخليله محمد صلى الله عليه و سلم وفيه إشارة أيضا إلى أن هذا الذي تكذبونـه وتعادونـه سيصير مطاعا في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء وأن كلا من الرسولين مطاع في محله وقومـه وفيه تعظيم له بأنـه بمنزلة الملوك المطاعين في قومـهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع
وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه على وجهه
ثم نزه رسوله البشرى وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال { وما صاحبكم بمجنون } وهذا أمر يعلمونـه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنـهم كانوا كاذبين
ثم أخبر عن رؤيته صلى الله عليه و سلم لجبريل وهذا يتضمن أنـه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدركه البصر لاكما يقول المتفلسفة ومن قلدهم : أنـه العقل الفعال وأنـه ليس مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنـه خيال موجود في الأذهان لا في الأعيان وهذا مما خالفوا بـه جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا بـه عن جميع الملل ولهذا كان تقرير رؤية النبي صلى الله عليه و سلم لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعا وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح جماعة من الصحابة بأنـه لم يره وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونـه فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة
ثم نزه رسوليه كليهما - أحدهما بطريق النطق والثاني بطريق اللزوم - عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب النـهمة فقال { وما هو على الغيب بضنين } فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين : أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما - وهي قراءة الضاد - تنزيهه عن البخل فإن الضنين هو البخيل يقال ضننت بـه أضن بوزن بخلت بـه أبخل ومعناه ومنـه قول جميل بن معمر :
( أجود بمضنون التلاد وإنني بسرك عمن سالني لضنين )
قال ابن عباس رضي الله عنـهما : ليس بخيلا بما أنزل الله وقال مجاهد : لا يضن عليهم بما يعلم
وأجمع المفسرون على أن الغيب ههنا القرآن والوحي وقال الفراء يقول تعالى : يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن بـه عليكم وهذا معنى حسن جدا فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولاسيما عمن لا يعرف قدره ويذمـه ويذم من هو عنده ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله وقال أبو علي الفارسي : المعنى يأتيه الغيب فيبينـه ويخبر بـه ويظهره ولا يكتمـه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا وفيه منى آخر وهو أنـه على ثقة من الغيب الذي يخبر بـه فلا يخاف أن ينتقض ويظهر الأمر بخلاف ما أخبر ب كما يقع للكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن كذبهم أضعاف صدقهم وإذا أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منـه بل هو خائف من ظهور كذبه فإقدام هذا الرسول على الأخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب واثقا بـه مقيما عليه مبديا له في كل مجمع ومعيدا مناديا بـه على صدقه مجلبا بـه على أعدائه من أعظم الأدلة على صدقه
أما قراءة من قرأ ( بظنين ) بالظاء فمعناه المتهم يقال : ظننت زيدا بمعنى اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين ومنـه ما أنشده أبو عبيدة :
( أما وكتاب الله لا عن شناءة هجرت ولكن المحب ظنين )
والمعنى : وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد فيه ولا ينقص وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد صلى الله عليه و سلم لأنـه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال { وما صاحبكم بمجنون } ثم قال ( وما هو ) أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل
واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين : أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل الثاني أنـه قال ( على الغيب ) ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنـه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا
قلت : ويرجحه أنـه وصفه بما وصف بـه رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنـه التهمة كما وصف جبريل بأنـه أمين ويرجحه أيضا أنـه سبحانـه نفى أقسام ا لكذب كلها عما جاء بـه من الغيب فإن ذلك لو كان كذبا فإما أن يكون منـه أو ممن علمـه وإن كان منـه فإما أن يكون تعمده أولم يتعمده فإن كان من معلمـه فليس هو بشيطان رجيم وإن كان منـه مع التعمد فهو المـهم ضد الأمين وإن كان عن غير تعمد فهو المجنون فنفى سبحانـه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية فلهذا قال سبحانـه { وما هو بقول شيطان رجيم } ليس تعليم الشيطان ولا يقدر عليه ولا يحسن منـه كما قال تعالى { وما تنزلت بـه الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون } فنفى فعله وابتغاءه منـهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى خبرة بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علما لا يمارى فيه ولايشك بل علما ضروريا كسائر الضروريات - منافاة أحدهما للآخر ومضادته له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين للعقل أبين من ظهور المنافاة بين النور والظملة للبصر ولهذا وبخ سبحانـه من كفر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال { أين تذهبون } ؟ قال أبو إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم ؟
قلت : هذا من أحسن اللازم وأبينـه أن تبين للسامع الحق ثم تقول له : إيش تقول خلاف هذا ؟ وأين تذهب خلاف هذا ؟ قال تعالى { فبأي حديث بعده يؤمنون } وقال { فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ؟ } فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال فإذا عدلتم عن الهدى والحق فأين العدول وأين المذهب
ونظير هذا قوله { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا الفساد في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى { بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج } لما تركوا الحق وعدلوا عنـه مرج عليهم أمرهم والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئا إلا كان باطلا ولا يفعلون شيئا إلا كان ضائعا غير نافع لهم وهذا شأن كل من خرج عن الطريق الموصل إلى المقصود ونظيره قوله تعالى { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } وقد كشف هذا المعنى كل الكشف بقوله عز و جل { فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون }
ثم أخبر تعالى عن القرآن بأنـه ذكر للعالمين وفي موضع آخر تذكرة للمتقين وفي موضع آخر لرسوله صلى الله عليه و سلم ولقومـه وفي موضع آخر ذكر مطلق وفي موضع آخر ذكر مبارك وفي موضع آخر وصفه بأنـه ذو الذكر
ويجمع هذه المواضع تبين المراد من كونـه ذكرا عاما وخاصا وكونـه ذا ذكر فإنـه يكر العباد بمصالحهم في معاشـهم ومعادهم ويذكرهم بالمبدأ والمعاد ويذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه على عباده ويذكرهم بالخير ليقصدوه وبالشر ليجتنبوه ويذكرهم بنفوسهم وأحوالها وآفاتها وما تكمل بـه ويذكرهم بعدوهم وما يريد منـهم وبماذا يحترزون من كيده ومن أي الأبواب والطرق يأتي إليهم ويذكرهم بفاقتهم وحاجتهم إليه وأنـهم مضطرون إليه لا يستغنون عنـه نفسا واحدا ويذكرهم بن عليهم ويدعوهم بها إلى نعم أخرى أكبر منـها ويذكرهم بأسه وشده بطشـه وانتقامـه ممن عصى أمره وكذب رسله ويذكرهم بثوابه وعقابه
ولهذا يأمر سبحانـه عباده أ يذكروا ما في كتابه كما قال : { خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون } وإذا كان كذلك فأحق وأولى وأول من كان ذاكرا له من أنزل عليه ثم لقومـه ثم لجميع العالمين وحيث خص بـه المتقين فلأنـهم الذين انتفعوا بذكره
وأما وصفه بأنـه ذو الذكر فلانـه مشتمل على الذكر فهو صاحب الذكر ومنـه الذكر فهو ذكر وفيه الذكر كما أنـه هدى وفيه الهدى وشفاء وفيه الشفاء ورحمـه وفيه الرحمة
وقوله سبحانـه { لمن شاء منكم أن يستقيم } بدل من العالمين وهو بدل بعض من كل وهذا من أحسن ما يستدل بـه على أن البدل في قوة ذكر عاملين مقصودين فإن جهة كونـه ذكرا للعالمين كلهم غير جهة كونـه ذكرا لأهل الإستقامة فإنـه ذكر للعموم بالصلاحية والقوة وذكر لأهل الاستقامة بالحصول والنفع فكما أن البدل أخص من المبدل منـه فالعامل المقدر فيه أخص من العامل الملفوظ في المبدل منـه ولابد من هذا فتأمله
وقوله { لمن شاء منكم } رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط بينـها وبينـه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سببا فيه
وقوله { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله } رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله
فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين فإن قال الجبري : هو سبحانـه لم يقل إن الفعل واقع بمشيئة العبد بل أخبر أن الاستقامة تحصل عند المشيئة ونحن قائلون بذلك وقال القدري قوله { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله } مختلفة فمشيئة العبد هي الموجبة للفعل التي بها يقع ومشيئة الله لفعله هو أمره بذلك ونحن لا ننكر ذلك
فالجواب أن هذا من تحريف الطائفتين أما الجبري فيقال له اقتران الفعل عندك بمشيئة العبد بمنزلة اقترانـه بكونـه وشكله وسائر أغراضه التي لا تأثير لها في الفعل فإن نسبة جميع أغراضه إلى الفعل في عدم التأثير نسبة إرادية عندك و الإتران حاصل بجميع أغراضه فما الذي أوجب تخصيص المشيئة ؟ سوى الله سبحانـه في فطر الناس أو عقولهم أو شرائعهم بين نسبة المشيئة والإرادة إلى الفعل ونسبة سائر أغراض الحي إذا كان عندك ليس إلا مجرد الاقتران عادة ؟ والاقتران العادي حاصل مع الجميع
وأما القدي فتحريفه أشد لأنـه حمل المشيئة على الأمر وقال : المعنى وما تشاؤون إلا بأمر الله وهذا باطل قطعا فإن المشيئة في القرآن لم تستعمل في ذلك وإنما استعملت في مشيئة التكوين كقوله { ولو شاء ربك ما فعلوه } وقوله { ولو شاء الله ما اقتتلوا } وقوله { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } وقوله { أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا } ونظائر ذلك مما لا يصح فيه حمل المشيئة على الأمر البتة
والذي دلت عليه الآية مع سائر أدلة التوحيد وأدلة العقل الصريح أن مشيئة العبادة من جملة الكائنات التي لا توجد إلا بمشيئة الله سبحانـه وتعالى فما لم يشأ لم يكن البتة كما أن ما شاء كان ولابد
ولكن ههنا أمرا يجب التنبيه عليه وهو أن مشيئة الله سبحانـه تارة تتعلق بفعله وتارة تتعلق بفعل العبد فتعلقها بفعله وهو أن يشاء من نفسه إعانة عبده وتوفيقه وتهيئته للفعل فهذه المشيئة تستلزم فعل العبد ومشيئته ولا يكفي في وقوع الفعل مشيئة الله لمشيئة عبده دون أن يشاء فعله فإنـه سبحانـه قد يشاء من عبده المشيئة وحدها فيشاء العبد الفعل ويريده ولا يفعله لأنـه لم يشأ من نفسه إعانته عليه وتوفيقه له
وقد دل على هذا قوله تعالى { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } وقوله { وما يذكرون إلا أن يشاء الله }
وهاتان الآيتان متضمنتان إثبات الشرع والقدر والأسباب والمسببات وفعل العبد واستناده إلى فعل الرب ولكل منـهما عبودية مختص بها : فعبودية الآية الأولى والاجتهاد و استفراغ الوسع والاختيار و السعي وعبودية الثانية الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجوء إليه واستنزال التوفيق والعون منـه والعلم بأن العبد لا يمكنـه أن يشاء ولا يفعل حتى يجعله الله كذلك
وقوله ( رب العالمين ) ينتظم ذلك كله ويتضمنـه فمن عطل أحد الأمرين فقد جحد كمال الربوبية وعطلها وبالله التوفيق
ومن ذلك قوله تعالى { والنازعات غرقا * والناشطات نشطا * والسابحات سبحا * فالسابقات سبقا * فالمدبرات أمرا } فهذه خمسة أمور وهي صفات الملائكة
فأقسم سبحانـه بالملائكة الفاعلة لهذه الأفعال إن ذلك من أعظم آياته وحذف مفعول النزع والنشط لأنـه لو ذكر ما تنزع وتنشط لأوهم التقييد بـه وأن القسم على نفس الأفعال الصادرة من هؤلاء الفاعلين فلم يتعلق الغرض بذكر المفعول كقوله { فأما من أعطى واتقى } ونظائره فكان نفس النزع هو المقصود لا عين المنزوع
وأكثر المفسرين على أنـها الملائكة التي تنزع أرواح بني آدم من أجسامـهم وهم جماعة كقوله { توفته رسلنا } وقوله { إن الذين توفاهم الملائكة } وأما قوله { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } فأما أن يكون واحدا وله أعوان وإما أن يكون المراد الجنس لا الوحدة كقوله { وصدقت بكلمات ربها وكتبه } وقوله { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }
والنزع هو اجتذاب الشيء بقوة والإغراق في النزع هو أن يجتذبه إلى آخره ومنـه إغراق النزع في جذب القوة بأن يبلغ بها غاية المد فيقال : أغرق في النزع ثم صار مثلا لكل من بالغ في فعل حتى وصل إلى آخره
والغرف اسم مصدر أقيم مقامـه كالعطاء والكلام أقيم مقامـه الاعطاء والتكلم
واختلف الناس هل النازعات متعد أو لازم ؟ فعلى القول الذي حكيناه يكون متعديا وهذا قول علي ومسروق ومقاتل وأبي صالح وعطيه عن ابن عباس وقال ابن مسعود : هي أنفس الكفار وهو قول قتادة والسدي وعطاء عن ابن عباس وعلى هذا فهو فعل لازم وغرقا على هذا معناه نزعا شديدا أبلغ ما يكون وأشده
وفي هذا القول ضعف من وجوه ( أحدها ) أن عطف ما بعده عليه يدل على أنـها الملائكة فهي السابحات والمدبرات والنازعات ( الثاني ) أن الأقسام بنفوس الكفار خاصة ليس بالبين ولا في اللفظ ما يدل عليه ( الثالث ) أن النزع مشترك بين نفوس بني آدم والإغراق لا يختص بالكافر وقال الحسن : النازعات هي النجوم تنزع من الشرق إلى الغرب وغرقا هي غروبها قال : تنزع من ههنا وتغرق ههنا واختاره الأخفش وأبو عبيد وقال مجاهد : هي شدائد الموت وأهواله التي تنزع الأرواح نزعا شديدا وقال عطاء وعكرمة : هي القسى والنازعات على هذا القول بمعنى النسب أو ذوات النزع التي ينزع بها الرامي فهو النازع
قلت : النازعات اسم فاعل من نزع ويقال : نزع كذا إذا اجتذبه بقوة ونزع عنـه إذا خلاه وتركه بعد ملابسته له ونزع إليه ذهب إليه وما إليه وهذا إنما توصف بـه النفوس التي لها حركة إرادية للميل إلى الشيء أو الميل عنـه وأحق ما صدق عليه الوصف الملائكة لأن هذه القوة فيها أكمل وموضع الآية فيها أعظم فهي التي تغرق في النزع إذا طلبت ما تنزعه أو تنزع إليه والنفس الإنسانية أيضا لها هذه القوة والنجوم أيضا تنزع من أفق إلى أفق فالنزع حركة شديدة سواء كانت من ملك أو نفس إنسانية أونجم والنفوس تنزع إلى أوطانـها وإلى مألفها وعند الموت تنزع بها إلى المنايا تنزع النفوس والقسى تنزع بالسهام والملائكة تنزع من مكان إلى مكان وتنزع ما وكلت بنزعه والخيل تنزع في أعنتها نزعا تغرف فيه الأعنة لطول أعناقها
فالصفة واقعة على كل من له هذه الحركة التي هي آية من آيات الرب تعالى فإنـه هو الذي خلقها وخلق محلها وخلق القوة والنفس التي بها تتحرك ومن ذكر صورة من هذه الصور فإنما أراد التمثيل وإن كانت الملائكة أحق من تناوله هذا الوصف
فأقسم بطوائف الملائكة وأصنافهم : فهم النازعات التي تنزع الأرواح من الأجساد والناشطات التي تنشطها أي تخرجها بسرعة وخفة من قولهم : نشط الدلو من البئر إذا أخرجها وأنا أنشط بكذا أي أخف له وأسرع ( والسابحات ) التي تسبح في الهواء في طريق ممرها إلى ما أمرت بـه كما تسبح الطير في الهواء ( فالسابقات ) التي تسبق وتسرع إلى ما أمرت بـه لا تبطئ عنـه ولا تتأخر ( فالمدبرات ) أمور العباد التي أمرها ربها بتدبيرها وهذا أولى الأقوال
وقد روي عن ابن عباس : أن ( النازعات ) الملائكة تنزع نفوس الكفار بشدة وعنف ( والناشطات ) الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين بيسر وسهولة واختار الفراء هذا القول فقال : هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها وتنزع نفس الكافر قال الواحدي : إنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين فالنزع الجذب بشدة والنشط الجذب برفق ولين ( والناشطات ) هي النفوس التي تنشط لما أمرت بـه والملائكة أحق الخلق بذلك ونفوس المؤمنين ناشطة لما أمرت به
وقيل ( السابحات ) هي النجوم تسبح في الفلك كما قال تعالى { كل في فلك يسبحون } وقيل : هي السفن تسبح في الماء وقيل : هي نفوس المؤمنين تسبح بعد المفارقة صاعدة إلى ربها
قلت : والصحيح أنـها الملائكة والسياق يدل عليه وأما السفن والنجوم فإنما تسمى جارية وجواري كما قال تعالى { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام } وقال { حملناكم في الجارية } وقال { الجوار الكنس } ولم يسمـها سابحات وإن أطلق عليها فعل السباحة كقوله { كل في فلك يسبحون } ويدل عليه ذكره السابقات بعدها والمدبرات بالفاء وذكره الثلاثة الأول بالواو لأن السبق والتدبير مسبب عن المذكور قبله فإنـها نزعت ونشطت وسبحت فسبقت إلى ما أمرت بـه فدبرته ولو كانت هي السفن أو النجوم أو النفوس الآدمية لما عطف عليها فعل السبق والتدبير بالفاء فتأمله
قال مسروق ومقاتل والكلبي : ( فالسابقات سبقا ) هي الملائكة قال مجاهد وأبو روق : سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح والإيمان والتصديق قال مقاتل : تسبق بأرواح المؤمنين الجنة وقال الفراء والزجاج : هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء إذا كانت الشياطين تسترق السمع وهذا القول خطأ لا يخفى فساده إذ يقتضي الاشتراك بين الملائكة والشياطين في إلقائهم الوحي وأن الملائكة تسبقهم بـه إلى الأنبياء وهذا ليس بصحيح فإن الوحي الذي تأتى بـه الملائكة إلى الأنبياء لا تسترقه الشياطين وهم معزولون عن سماعه وإن استرقوا بعض ما يسمعونـه من ملائكة السماء الدنيا من أمور الحوادث فالله سبحانـه صان وحيه إلى الأنبياء أن تسترق الشياطين شيئا منـه وعزلهم عن سمعه ولو أن قائل هذا القول فسر السابقات بالملائكة التي تسبق الشياطين بالرجم بالشـهب قبل إلقاء الكلمة التي استرقها لكان له وجه فإن الشيطان يبدو مسرعا بإلقائه إلى وليه فتسبقه الملائكة في نزوله بالشـهب الثاقب فتهلكه وربما ألقى الكلمة قبل إدراك الشـهاب له
وفسرت ( السابقات سبقا ) بالأنفس السابقات إلى طاعة الله ومرضاته
وأما ( المدبرات أمرا ) فأجمعوا على أنـها الملائكة قال مقاتل : هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت : يدبرون أمر الله تعالى في الأرض وهم ( المقسمات أمرا ) قال عبد الرحمن بن ساباط : جبريل موكل بالرياح والجنود وميكائيل موكل بالفطر والنبات وملك الموت موكل بقبض الأنفس وإسرافيل ينزل بأمر الله عليهم وقال ابن عباس : هم الملائكة وكلهم الله بأمور عرفهم العمل بها والوقوف عليها بعضهم لبني آدم يحفظون ويكتبون وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف والمسخ والرياح والسحاب إنتهى
وقد أخبر أن الله وكل بالرجم ملكا وللرؤيا ملك موكل بها وللجنة ملائكة موكلون بعمارتها وعمل آلاتها وأوانيها وغراسها وفرشـها ونمارقها وأرائكها وللنار ملائكة موكلة بعمل ما فيها وإيقادها وغير ذلك
فالدنيا وما فيها والجنة والنار والموت وأحكام البرزخ - وكل الله بذلك كله ملائكة يدبرون ما شاء الله من ذلك ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم الإيمان إلا به
وأما من قال أنـها النجوم فليس هذا من قول أهل الإسلام ولم يجعل الله النجوم تدبر شيئا من الخلق بل هي مدبرة ومسخرة كما قال تعالى { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } فالله سبحانـه هو المدبر بملائكته لأمر العالم العلوي والسفلي
قال الجرجاني : وذكر السابقات والمدبرات بالفاء وما قبلها بالواو لأن ما قبلها أقسام مستأنفة وهذان القسمان منشآن عن الذي قبلهما كأنـه قال : فاللاتي سبحن فسبقن كما نقول قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سببا للذهاب ولو قلت : قام وذهب لم تجعل القيام سببا للذهاب
واعترض عليه الواحدي فقال : هذا غير مطرد في هذه الآية لأنـه يبعد أن يجعل السبق سببا للتدبير مع أن السابقات ليست الملائكة في قول المفسرين
قلت : الملائكة داخلون في السابقات قطعا وأما اختصاص السابقات بالملائكة فهذا محتمل وأما قوله : يبعد أن يكون السبق سببا للتدبير فليس كما زعم بل السبق المبادرة إلى تنفيذ ما يؤمر بـه الملك فهو سبب للفعل الذي أمر بـه وهو التدبير مع أن الفاء دالة على التعقيب وأن التدبير يتعقب السبق بلا تراخ بخلاف الأقسام الثلاثة والله أعلم
وجواب القسم محذوف يدل عليه السياق - وهو البعث المستلزم لصدق الرسول وثبوت القرآن أو أنـه من القسم الذي أريد بـه التنبيه على الدلالة والعبرة بالمقسم بـه دون أن يراد بـه مقسما عليه بعينـه وهذا القسم يتضمن الجواب المقسم عليه وإن لم يذكر لفظا ولعل هذا مراد من قال أنـه محذوف العلم بـه لكن هذا الوجه ألطف مسلكا فإن المقسم بـه إذا كان دالا على المقسم عليه مستلزما استغنى عن ذكره بذكره وهذا غير كونـه محذوفا لدلالة ما بعده عليه فتأمله ولعل هذا قول من قال أنـه إنما أقسم برب هذه الأشياء وحذف المضاف فإن معناه صحيح لكن على غير الوجه الذي قدروه فإن إقسامـه سبحانـه بهذه الأشياء لظهور دلالتها على ربوبيته ووحدانيته وعلمـه وقدرته وحكمته فالاقسام بها في الحقيقة إقسام بربوبيته وصفات كماله فتأمله
ثم قرر سبحانـه بعد هذا القسم أمر المعاد ونبوة موسى المستلزمة لنبوة محمد صلى الله عليه و سلم إذ من المحال أن يكون موسى نبيا ومحمد ليس نبيا مع أن ما يثبت نبوة موسى فلمحمد نظيره أو أعظم منـه وقرر سبحانـه تكليمـه لموسى بندائه لو بنفسه فقال { إذ ناداه ربه } فأثبت المستلزم للكلام والتكليم وفي موضع آخر أثبت النجاء والنداء والنجاء نوع من التكليم ومحال ثبوت النوع بدون الجنس
ثم أمره أن يخاطبه بألين خطاب فيقول له : { هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى } ففي هذا من لطف الخطاب ولينـه وجوهك
( أحدهما ) : إخراج الكلام مخرج العرض ولم يخرج مخرج الأمر والإلزام وهو ألطف ونظيره قول إبراهيم لضيفه المكرمين { ألا تأكلون } ولم يقل كلوا ( الثاني ) قوله { إلى أن تزكى } والتزكي والنماء والطهارة والبركة والزيادة فعرض عليه أمرا يقبله كل عاقل ولا يرده إلا كل أحمق جاهل ( الثالث ) قوله ( تزكى ) ولم يقل أزكيك فأضاف التزكية إلى نفسه وعلى هذا يخاطب الملوك ( الرابع ) قوله ( وأهديك ) أي أكون دليلا لك وهاديا بين يديك فنسب الهداية إليه والتزكي إلى المخاطب أي أكون دليلا لك وهاديا فتزكى أنت كما تقول للرجل : هل لك أن أدلك على كنز تأخذ منـه ما شئت ؟ وهذا أحسن من قوله أعطيك ( الخامس ) قوله ( إلى ربك ) فإن في هذا ما يوجب قبول ما دل عليه وهو أنـه يدعوه ويوصله إلى ربه فاطره وخالقه الذي أوجده ورباه بن : جنينا وصغيرا وكبيرا وآتاه الملك وهو نوع من خطاب الاستعطاف والإلزام كما تقول لمن خرج عن طاعة سيده : ألا تطيع سيدك ومولاك و مالكك ؟ وتقول للوالد ألا تطيع أباك الذي رباك ( السادس ) قوله ( فتخشى ) أي إذا اهتديت إليه وعرفته خشيته لأن من عرف الله خافه ومن لم يعرفه لم يخفه فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته وعلى قدر المعرفة تكون الخشية ( السابع ) أن في قوله { هل لك } فائدة لطيفة وهي أن المعنى هل لك في ذلك حاجة أو أرب ؟ ومعلوم أن كل عاقل يبادر إلى قبول ذلك لأن الداعي إنما يدعو إلى حاجته ومصلحته لا إلى حاجة الداعي فكأنـه يقول : الحاجة لك وأنت المتزكي وأنا الدليل لك والمرشد لك إلى أعظم مصالحك فقابل هذا بغاية الكفر والعناد وادعى أنـه رب العالمين هذا وهو يعلم أنـه ليس بالذي خلق فوسى ولا درون فهدى فكذب الخبر وعصى الأمر ثم أدبر يسعى بالخديعة والمكر فحشر جنوده فأجابوه ثم نادى فيهم بأنـه ربهم الأعلى و استخفهم فأطاعوه فبطش بـه جبار السموات والأرض بطشة عزيز مقتدر وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر فاعتبر بذلك من خشى ربه من المؤمنين وحق القول على الكافرين
ثم أقام سبحانـه حجته على العالمين بخلق ما هو أشد منـهم وأكبر وأعظم وأعلى وأرفع وهو خلق السماء وبناؤها ورفع سمكها وتسويتها وإظلام ليلها وإخراج ضحاها وخلق الأرض ومدها وبشطها وتهيئتها لما يراد منـها وأخرج منـها الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض لئلا تميد بأهلها وأودعها من المنافع ما يتم بـه مصالح الحيوان الناطق والبهيم فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتهم خلقا جديدا ؟
فتأمل دلالة المقسم بـه المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجا إلى جواب والله أعلم
ومن ذلك قوله تعالى { والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا * والناشرات نشرا * فالفارقات فرقا * فالملقيات ذكرا * عذرا أو نذرا * إنما توعدون لواقع } فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريره وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الرواينين عن ابن عباس وقول قتاده وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس
قلت : الله سبحانـه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء فإرساله واقع على ذلك كله وهو نوعان : إرسال دين يحبه ويرضاه كإرسال رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان : نوع يحبه ويرضاه كإرسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لايحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار
فالإرسال المقسم بـه ههنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال : والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضا فاقتران اللفظة بما بعدها من الأقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضا فإن الرسل مقسم عليهم في القرآن لا مقسم بهم كقولهم { تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } وقوله { إنك لمن المرسلين } وقوله { يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين } وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجيه إليه - جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الإرسال عرفا عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونـها الرياح عطف العاصفات عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنـها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال : هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح و الأكثرون على أنـها الرياح وفيها قول ثالث أنـها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشي :
( تعصف بالدارع والحاسر )
حكاه أبو اسحق وهو قول متكلف فإن المقسم بـه لا بد أن يكون آية ظاهره تدل على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها يقسم عليه وإنما يقسم سبحانـه بملائكته وكتابه لظهور شأنـهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهره الدالة على ثبوتهما
وأما { الناشرات نشرا } فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى بـه بالواو وما قبله معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة : هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قولهم قوله تعالى { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } يعني أنـها تنشر السحاب نشرا وهو ضد الطي وقال مقاتل : هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء بن ابن عباس وقالت طائفة : هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها وقيل : تنشر أوامر الله في الأرض والسماء وقيل : تنشر النفوس فتحييها بالإيمان وقال أبو صالح : هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها
قلت : ويجوز أن تكون الناشرات لازما لا مفعول له ولا يكون المراد أنـهن نشرن كذا فإنـه يقال : نشر الميت : حيى وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس التي حييت بالعرف الذي أرسلت بـه المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات والوحي سبب لنشور الأرواح وحياتها لكن هنا أمرا ينبغي التفطن له وهو أنـه سبحانـه جعل الأقسام في هذه السورة نوعين وفصل أحدهما من الآخر وجعل العاصفات معطوفا على المرسلات بفاء التعقيب فصارا كأنـهما نوع واحد ثم جعل الناشرات كأنـه قسم مبتدأ فأتى فيه بالواو ثم عطف عليه الفارقات والملقيات بالفاء فأوهم هذا أن الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات وقد اختلف في الفارقات والأكثرون على أنـها الملائكة ويدل عليه عطف الملقيات ذكرا عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق
وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذارا وإنذارا
ومن جعل الناشرات الرياح جعل الفارقات صفة لها وقال : هي تفرق السحاب ههنا وههنا ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها ومن قال : الفارقات أي القرآن يفرق بين الحق والباطل فقوله يلتئم مع كون الناشرات الملائكة أكثر من التئامـه إذا قيل : إنـها الرياح ومن قال : هي جماعات الرسل فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول
ويظهر - والله أعلم بما أراد من كلامـه - أن القسم في هذه الآية وقع على النوعين : الرياح والملائكة ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح فإنـها من روح الله وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة القلوب والأرواح بالملائكة فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة ولهذا - والله أعلم - فصل أحد النوعين من الآخر بالواو وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء
وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله { ألم نخلقكم من ماء مـهين } فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الأقسم بما يحصل من نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة فكان في القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة ولهذا كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منـه الكفر والتكذيب
فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منـه موقعا فإنـه تكرر عشر مرات ولم يذكر إلا في أثر دليل أو مدلول عليه عقيب ما يوجب التصديق وما يوجب التصديق بـه فتأمله
ومن ذلك قوله تعالى { لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة } وقد تقدم ذكر هذين القسمين ومناسبة الجمع بينـهما في الذكر وكون الجواب غير مذكور وأنـه يجوز أن يكون مما حذف لدلالة السياق عليه والعلم بـه ويجوز أن يكون من القسم المقصود بـه التنبيه على دلالة المقسم بـه وكونـه آية ولم يقصد بـه مقسما عليه معينا فكأنـه يقول : اذكر يوم القيامة والنفس اللوامة مقسما بها لكونـها من آياتنا وأدلة ربوبيتنا
ثم أنكر على الإنسان بعد هذه الآية حسبانـه وظنـه أن الله لا يجمع عظامـه بعدما فرقها البلى ثم أخبر سبحانـه عن قدرته على جمع غيرها من عظامـه وعلى هذا فيكون سبحانـه قد احتج على فعله لما أنكره أعداؤه بقدرته عليه وأخبر عن فعله بأنـه لا يلزمـهم من القدرة ووقوع المقدور والمعنى : بل نجمعها قادرين على تسوية بنانـه ودل على هذا المعنى المحذوف قوله ( بلى ) فإنـها حرف إيجاب لما تقدم من النفي فلهذا يستغنى عن ذكر الفعل بذكر الحرف الدال عليه فدلت الآية على الفعل وذكرت القدرة لإبطال قول المكذبين
وفي ذكر البنان لطيفة أخرى وهي أنـها أطرافه وآخر ما يتم بـه خلقه فمن قدر على جمع أطرافه وآخر ما يتم بـه خلقه مع دقتها وصغرها ولطافتها فهو على مادون ذلك أقدر فالقوم لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء و الإرمام قيل إنا نجمع ونسوى أكثرها تفرقا وأدقها أجزاء وآخر أطراف البدن وهي عظام الأنامل ومفاصلها
وقالت طائفة : المعنى نحن قادرون على أن نسوى أصابع يديه ورجليه ونجعلها مستوية شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار لا نفرق بينـهما ول أيمكنـه أن يعمل بها شيئا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من فنون الأعمال والبسط والقبض والتأتي لما يريد من الحوائج وهذا قول ابن عباس وكثير من المفسرين والمعنى على هذا القول : إنا في الدنيا قادرون على أن نجعل عظام بنانـه مجموعة دون تفرق فكيف لا نقدر على جمعها بعد تفريقها
فهذا وجه من الاستدلال غير الأول وهو الاستدلال بقدرته سبحانـه على جمع العظام التي فرقها ولم يجمعها والأول استدلال بقدرته سبحانـه على جمع عظامـه بعد تفريقها وهما وجهان حسنان وكل منـهما له ترجيح من وجه فيرجح الأول أنـه هو المقصود وهو الذي انكره الكفار وهو إجراء على نسق الكلام وأطراده و لأن الكلام لم يسق لجمع العظام وتفريقها في الدنيا وإنما سبق لجمعها في الآخرة بعد تفرقها بالموت ويرجح القول الثاني - ولعله قول جمـهور المفسرين حتى أن فيهم من لم يذكر غيره - وأنـه استدلال بآية ظاهرة مشـهورة وهي تفريق البنان مع انتظامـها في كف واحد وارتباط بعضها ببعض فهي متفرقة في عضو واحد يقبض منـها واحدة ويبسط أخرى ويحرك واحدة والأخرى ساكنة ويعمل بواحدة والأخرى معطلة وكلها في كف واحد قد جمعها ساعد واحد فلو شاء سبحانـه لسواها فجعلها صفة واحدة كباطن الكف ففاته هذه المنافع والمصالح التي حصلت بتفريقها ففي هذا أعظم الأدلة على قدرته سبحانـه على جمع عظامـه بعد الموت
ثم أخبر سبحانـه عن سوء حال الإنسان وإصراره على المعصية والفجور وأنـه لا يرعوي ولا يخاف يوما يجمع الله فيه عظامـه و يبعثه حيا بل هو مريد للفجور ما عاش فيفجر في الحال ويريد الفجور في غد وما بعده وهذا ضد الذي يخاف الله والدار الآخرة فهذا لا يندم على ما مضى منـه ولا يقلع في الحال ولا يعزم في المستقبل على الترك بل هو عازم على الاستمرار وهذا ضد التائب المنيب
ثم نبه سبحانـه على الحامل له على ذلك وهو استبعاده ليوم القيامة وليس هذا استبعادا لزمنـه مع إقراره بوقوعه بل هو استبعاد لوقوعه كما حكى عنـه في موضع آخر قوله { ذلك رجع بعيد } أي بعيد وقوعه وليس المراد أنـه واقع بعيد زمنـه هذا قول جماعة من المفسرين منـهم ابن عباس وأصحابه قال ابن عباس : يقدم الذنب ويؤخر التوبة وقال قتادة : وعكرمة : قدما في معاصي الله لا ينزع عن فجوره
وفي الآية قول آخر وهو أن المعنى بل يريد الإنسان ليكذب بما أمامـه عن البعث ويوم القيامة وهذا قول ابن زيد واختيار ابن قتيبة وابن اسحق قال هؤلاء : ودليل ذلك قوله { يسأل أيان يوم القيامة } ويرجع هذا القول لفظه ( بل ) فإنـها تعطى أن الإنسان لم يؤمن بيوم القيامة مع هذا البيان والحجة بل هو مريد للتكذيب بـه ويرجحه أيضا أن السياق كله في ذم المكذب بيوم القيامة لا في ذم العاصي والفاجر وأيضا فإن ما قبل الآية وما بعدها يدل على المراد فإنـه قال { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامـه * بلى قادرين على أن نسوي بنانـه } فأنكر سبحانـه عليه حسبانـه أن الله لا يجمع عظامـه ثم قرر قدرته على ذلك ثم أنكر عليه إرادة التكذيب بيوم القيامة فالأول حسبان منـه أن لا يحييه بعد موته والثاني تكذيب منـه بيوم البعث وأنـه يريد أن يكذب بما وضح وبان دليل وقوعه وثبوته فهو مريد للتكذيب بـه ثم أخبر عن تصريحه بالتكذيب فقال { يسأل أيان يوم القيامة } فالأول إرادة التكذيب والثاني نطق بالتكذيب وتكلم بـه وهذا قول قوي كما ترى لكن ينبغي إفراغ هذه الألفاظ في قوالب هذا المعنى فإن لفظة ( يفجر ) إنما تدل على عمل الفجور لا على التكذيب وحذف الموصول مع ما جره وإبقاء الصلة خلاف الأصل فإن أصاب هذا القول قالوا تقديره ليكفر بما أمامـه وهذا المعنى صحيح لكن دلالة هذا اللفظ عليه ليست بالبينة
فالجواب أن الأمر كذلك لكن الفعل إذا ضمن معنى فعل آخر لم يلزم إعطاءه حكمـه من جميع الوجوه بل من جلالة هذه اللغة العظيمة الشأن وجزالتها أن يذكر المتكلم فعلا وما يضمنـه معنى فعل آخر ويجري على المضمن أحكامـه لفظا وأحكام الفعل الآخر معنى فيكون في قوة ذكر الفعلين مع غاية الاختصار ومن تدبر هذا وجده كثيرا في كلام الله تعالى
فلفظ ( يفجر ) اقتضت ( أمامـه ) بلا واسطة حرف ولا اسم موصول فأعطيت ما اقتضته لفظا واقتضى ما تضمنـه الفعل من ذكر الحرف والموصول فأعطيته معنى فهذا وجه هذا القول لفظا ومعنى والله أعلم
ثم أخبر سبحانـه عن حال هذا الإنسان إذا شاهد اليوم الذي كذب بـه فقال { فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين المفر } فبرق بصره أي يشخص بما يشاهده من العجائب التي كان يكذب بها وخسف القمر ذهب ضوءه وانمحى وجمع الشمس والقمر ولم يجتمعا قبل ذلك بل يجمعهما الذي يجمع عظام الإنسان بعدما فرقها البلى ومزقها ويجمع للإنسان يومئذ جميع عمله الذي قدمـه وأخره من خير أو شر ويجمع ذلك من جمع القرآن في صدر رسوله ويجمع المؤمنين في دار الكرامة فيكرم وجوههم بالنظر إليه ويجمع المكذبين في دار الهوان وهو قادر على ذلك كله كما جمع خلق الإنسان من نطفة من منى يمنى ثم جعله علقة مجتمعة الأجزاء بعدما كانت نطفة متفرقة في جميع بدن الإنسان وكما يجمع بين الإنسان وملك الموت ويجمع بين الساق والساق إما ساق الميت أو ساق من يجهز بدنـه من البشر ومن يجهز روحه من الملائكة أو يجمع عليه شدائد الدنيا والآخرة فكيف ( أنكر ) هذا الإنسان أن يجمع بينـه وبين عمله وجزائه وأن يجمع مع بني ليوم الجمع وأن يجمع عليه بين أمر الله ونـهيه وعبوديته فلا يترك سدى مـهملا معطلا لا يؤمر ولا ينـهى ولا يثاب ولا يعاقب فلا يجمع عليه ذلك
فما أجمع هذه السورة لمعان الجمع والضم وقد افتتحت بالقسم بيوم القيامة الذي يجمع الله فيه بين الأولين والآخرين وبالنفس اللوامة التي اجتمع فيها همومـها وغمومـها وإرادتها واعتقاداتها وتضمنت ذكر المبدأ والمعاد والقيامة الصغرى والكبرى وأحوال الناس في المعاد وانقسام وجوههم إلى ناظرة منعمة و باسرة معذبة وتضمنت وصف الرياح بأنـها جسم ينتقل من مكان إلى مكان فتجمع من تفاريق البدن حتى تبلغ التراق ويقول الحاضرون ( من راق ؟ ) أي من يرقى من هذه العلة التي أعيت على الحاضرين أي التمسوا له من يرقيه والرقية آخر الطب وقيل : من يرقى بها ويصعد أملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ؟ فعلى الأول تكون من رقى يرقى كرمى يرمى وعلى الثاني من رقى يرقى كشقى يشقى ومصدره الرقاء ومصدر الأول الرقية والقول الأول أظهر لوجوه ( أحدها ) أنـه ليس كل ميت يقول حاضروه من يرقى بروحه وهذا إنما يقوله من يؤمن برقي الملائكة بروح الميت وأنـهم ملائكة رحمة وملائكة عذاب بخلاف التماس الرقية وهي الدعاء فإنـه قل ما يخلو منـه المحتضر ( الثاني ) أن الروح إنما يرقى بها الملك بعد مفارقتها وحينئذ يقال من يرقى بها وأما قبل المفارقة فطلب الرقية للمريض من الحاضرين أنسب من طلب علم من يرقى بها إلى الله ( الثالث ) أن فاعل الرقية يمكن العلم بـه فيحسن السؤال عنـه ويفيد السامع وأما الراقي إلى الله فلا يمكن العلم بتعيينـه حتى يسأل عنـه و ( من ) إنما يسأل بها عن تعيين ما يمكن السائل أن يصل إلى العلم بتعيينـه ( الرابع ) أن مثل هذا السؤال إنما يراد بـه تحضيض وإثارة اهتمام إلى فعل يقع بعد من نحو قوله { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنـه } وفعل الراقي إلى الله لا يحسن فيه واحد من الأمرين هنا بخلاف فاعل الرقية فإنـه يحسن فيه الأول ( الخامس ) أن هذا خرج على عادة العرب وغيرهم في طلب الرقية لمن وصل إلى مثل تلك الحال فحكى الله سبحانـه ما جرت عادتهم بقوله وحذف فاعل القول لأنـه ليس الغرض متعلقا بالقائل بل بالقول ولم تجر عادة المخاطبين بأن يقولوا من يرقى بروحه فكان حمل الكلام على ما ألف وجرت العادة بقوله أولى إذ هو تذكير لهم بما يشاهدونـه ويسمعونـه ( السادس ) أنـه لو أريد هذا المعنى لكان وجه الكلام أن يقال من هو الراقي ومن الراقي ولا وجه للكلام غير ذلك كما يقال من هو القائل منكما كذا وكذا وفي الحديث [ من القائل كلمة كذا ] ( السابع ) إن كلمة من إنما يسأل بها عن التعيين كما يقول : من الذي فعل كذا ومن ذا الذي قاله فيعلم أن فاعلا وقائلا فعل وقال ولا يعلم تعيينـه فيسأل عن تعيينـه بمن تارة وبأي تارة وهم لم يسألوا عن تعيين الملك الراقي بالروح إلى الله
فإن قيل : بل علموا أن ملك الرحمة والعذاب صاعد بروحه ولم يعلموا تعيينـه فيسأل عن تعيين أحدهما قيل : هم يعلمون أن تعيينـه غير ممكن فكيف يسألون عن تعيين ما لا سبيل للسامع إلى تعيينـه ولا إلى العلم بـه ( الثامن ) أن الآية إنما سيقت لبيان يأسه من نفسه ويأس الحاضرين معه وتحقق أسباب الموت وأنـه قد حضر ولم يبق شيء ينجع فيه ولا مخلص منـه بل هو قد ظن أنـه مفارق لا محالة فالحاضرون قد علموا أنـه لم يبق لأسباب الحياة المعتادة تأثير في بقائه فطلبوا أسبابا خارجة عن المقدور تستجلب بالرقى والدعوات فقالوا من راق ؟ أي من يرقى هذا العليل من أسباب الهلاك والرقية عندهم كانت مستعملة حيث لا يجدي الدواء ( التاسع ) أن مثل هذا إنما يراد بـه النفي والاستبعاد : وهو أحد التقديرين فهو استبعاد لنفي الرقية لا طلب لوجود الراقي كقوله { قال من يحيي العظام وهي رميم } أي لا أحد يحييها وقد صارت إلى هذه الحال فإن أريد بها هذا المعنى استحال أن يكون من الرقي وإن أريد بها الطلب استحال أيضا أن يكون منـه وقد بينا أنـها في مثل هذا إنما تستعمل للطلب أو للإنكار وحينئذ أن يراد بـه طلب الفعل أو طلب التعيين ولا سبيل إلى حمل واحد من هذه المعاني على الرقي لما بيناه والله أعلم
ومن أسرار هذه السورة أنـه سبحانـه جمع فيها لأوليائه بين جمال الظاهر والباطن : فزين وجوههم بالنضرة و بواطنـهم بالنظر إليه فلا أجمل لبواطنـهم ولا أنعم ولا أحلى - من النظر إليه ولا أجمل لظواهرهم من نضرة الوجه وهي إشراقه وتحسينـه وبهجته وهذا كما قال في موضع آخر { ولقاهم نضرة وسرورا } ونظيره قوله { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا } فهذا جمال الظاهر وزينته ثم قال { وحفظا من كل شيطان مارد } فهذا جمال باطنـها ونظيره قوله عن امرأة العزيز بعد أن قالت ليوسف { اخرج عليهن فلما رأينـه أكبرنـه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } فذكرها لهذا هو من تمام وصفها لمحاسنـه وأنـه في غاية المحاسن ظاهرا وباطنا وينظر إلى هذا المعنى ويناسبه قوله { إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } فقابل بين الجوع والعرى لأن الجوع ذل الباطن والعرى ذل الظاهر وقابل بين الظمأ وبين حر الباطن والضحى وهو حر الظاهر بالبروز للشمس وقريب من هذا قوله { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } في ذكر الزاد الظاهر الحسي والزاد الباطن المعنوي فهذا زاد سفر الدنيا وهذا زاد سفر الآخرة ويلم بـه قول هود { يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم } فالأول القوة الظاهرة المنفصلة عنـهم والثاني الباطنة المتصلة بهم ويشبهه قوله { فما له من قوة ولا ناصر } فنفى عنـهم العين : الع من أنفسهم والع من خارج وهو الناصر
ومن أسرارها أنـها تضمنت إثبات قدرة الرب على ما علم أنـه لا يكون ولا يفعله وهذا على أحد القولين في قوله { بلى قادرين على أن نسوي بنانـه } فأخبر أنـه قادر عليه ولم يفعله ولم يرده وأصرح من هذا قوله تعالى { وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب بـه لقادرون } وهذا أيضا على أحد القولين أي تغور العيون في الأرض فلا يقدر على الماء قال ابن عباس : يريد أن سيغيض فيذهب فلا يكون من هذا الباب بل يكون من باب القدرة على ما سيفعله وأصرح من هذين الموضعين قوله تعالى { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنـه قال عند نزول هذه الآية أعوذ بوجهك ولكن قد ثبت عنـه صلى الله عليه و سلم أنـه لابد أنـه لابد أن يقع في أمته خسف ولكن لا يكون عاما وهذا عذاب من تحت الأرجل وروى أنـه كان في الأمة قذف أيضا وهذا عذاب من فوق فيكون هذا من باب الإخبار بقدرته على ما سيفعله وإن أريد بـه القدرة على عذاب الاستئصال فهو من القدرة على مالا يريده وقد صرح سبحانـه بأنـه لو شاء لفعل ما لم يفعله في غير موضع من كتابه كقوله { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا } وقوله { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } ونظائره وهذا مما لا خفاء فيه بين أهل السنة وبه تبين فساد قول من قال : إن القدرة لا تكون إلا مع الفعل لا قبل وأن الصواب التفصيل بين القدرة الموجبة والمصححة فنفي القدرة عن الفاعل قبل الملابسة مطلقا خطأ والله أعلم
ومن أسرارها أنـها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامـه بل من آداب الرب التي أدب بها نبيه صلى الله عليه و سلم أمره بترك الاستعجال على تلقي الوحي بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل من قراءته ثم يقرأه بعد فراغه عليه فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلمـه حتى يقضي كلامـه ثم يعيده عليه أو يسأل عما أشكل عليه منـه ولا يبادره قبل فراغه
وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في ثلاثة مواضع من كتابه هذا أحدها والثاني قوله { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا * فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما } والثالث قوله { سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله } فضمن لرسوله أن لا ينسى ما أقرأه إياه وهذا يتناول القراءة وما بعدها
وقد ذم الله سبحانـه في هذه السورة من يؤثر العاجلة على الآجلة وهذا لاستعجاله بالتمتع بما يفنى وإيثاره ما يبقى و رتب كل ذم ووعيد في هذه السورة على هذا الاستعجال ومحبة العاجلة فإرادته أن يفجر أمامـه هو من استعجاله وحب العاجلة وتكذيبه بيوم القيامة من فرط حب العاجلة وإيثاره لها واستعجاله بنصيبه وتمتعه بـه قبل أوانـه ولولا حب العاجلة وطلب الاستعجال لتمتع بـه في الآجلة أكمل ما يكون وكذلك تكذيبه وتوليه وترك الصلاة هو من استعجاله ومحبته العاجلة والرب سبحانـه وصف نفسه بضد ذلك فلم يعجل على عبده بل أمـهله إلى أن بلغت الروح التراقي وأيقن بالموت وهو إلى هذه الحال مستمر على التكذيب والتولي والرب تعالى لا يعاجله بل يمـهله ويحدث له الذكر شيئا بعد شيء ويصرف له الآيات ويضرب له الأمثال وينبهه على مبدئه : من كونـه نطفة من منى يمني ثم علقة ثم خلقا سويا فلم يعجل عليه بالخلق وهلة واحدة ولا بالعقوبة إذ كذب خبره وعصى أمره بل كان خلقه وأمره وجزاؤه بعد تمـهيل وتدريج وأناة ولهذا ذم الإنسان بالعجلة بقوله : { وكان الإنسان عجولا } وقال { خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون }
ومن أسرارها أن إثبات النبوة والمعاد يعلم بالعقل وهذا أحد القولين لأصحابنا وغيرهم فإن الله سبحانـه أنكر على من حسب أنـه يترك سدى فلا يؤمر ولا ينـهى ولا يثاب ولا يعاقب ولم ينف سبحانـه ذلك بطريق الخير المجرد بل نفاه نفي مالا يليق نسبته إليه ونفي منكر على من حكم بـه وظنـه ثم استدل سبحانـه على فساد ذلك وبين أن خلقه الإنسان في هذه الأطوار وتنقله فيها طورا بعد طور حتى بلغ نـهايته - يأبى أن يتركه سدى فإنـه ينزه عن ذلك كما ينزه عن العبث والعيب والنقص
وهذه طريقة القرآن في غير موضع كماقال تعالى { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم } فجعل كماله ملكه وكونـه سبحانـه الحق وكونـه لا إله إلا هو وكونـه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل مادونـه - مبطلا لذلك الظن الباطل والحكم الكاذب وإنكار هذا الحسبان عليهم مثل إنكاره عليهم حسبانـهم أنـه لا يسمع سرهم ونجواهم وحسبان أنـه لايراهم ولايقدر عليهم وحسبان أن يسوي بين أوليائه وبين أعدائه في محياهم ومماتهم وغير ذلك مما هو منزه عنـه تنزيهه عن سائر العيوب والنقائص وأن نسبة ذلك كنسبة ما يتعالى عنـه مما لا يليق : من اتخاذ الولد والشريك ونحو ذلك مماي نكره سبحانـه على من حسبه أشد الإنكار فدل على أن ذلك قبيح ممتنع نسبته إليه كما يمتنع أن ينسب إليه سائر ما ينافي كماله المقدس
ولو كن نفي تركه سدى إنما يعلم بالسمع المجرد لم يقل بع ذلك { ألم يك نطفة } إلى آخره ومما يدل أن تعطيل أسمائه وصفاته ممتنع وكذلك تعطيل موجبها ومقتضاها فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونـهيه وثوابه وعقابه وكذلك يستلزم إرسال رسله وإنزال كتبه وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانـه والمسيء بإساءته فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه ولم يثبت له الملك الحق ولذلك كان منكر ذلك كافرا بربه وإن زعم أنـه يقر بصانع العالم فلم يؤمن بالملك الحق ولذلك كان منكر ذلك كافرا بربه وإن زعم أنـه يقر بصانع العالم فلم يؤمن بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال والمستحق لنعوت الكمال كما أن المعطل لكلامـه وعلوه على خلقه لم يؤمن بـه سبحانـه فإنـه آمن برب لا يتكلم ولا يأمر ولا ينـهى و لا يصعد إليه قول ولا عمل ولا ينزل من عنده ملك ولا أمر ولانـهي ولاترفع إليه الأيدي ومعلوم أن هذا النفي آمن بـه رب مقدر في ذهنـه ليس هو رب العالمين وإله المرسلين
وكذلك إذا اعتبرت اسمـه الحي وجدته مقتضيا لصفات كماله من علمـه وسمعه وبصره وقدرته وإرادته ورحمته وفعله ما يشاء واسمـه القيوم مقتض لتدبير أمر العالم العلوي والسفلي وقيامـه بمصالحه وحفظ له فمن أنكر صفات كماله لم يؤمن بأنـه الحي القيوم وإن أقر بذلك ألحد في أسمائه وعطل حقائقها حيث لم يمكنـه تعطيل ألفاظها وبالله التوفيق
ومن ذلك قوله تعالى { كلا والقمر * والليل إذ أدبر * والصبح إذا أسفر * إنـها لإحدى الكبر * نذيرا للبشر * لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر } أقسم سبحانـه بالقمر الذي هو آية الليل وفيه من الآيات الباهرة الدالة على ربوبية خالقه وبارئه وحكمته وعلمـه وعنايته بخلقه - ما هو معلوم بالمشاهدة
وهو سبحانـه أقسم بالسماء وما فيها ممالا نراه من الملائكة وما فيها مما نراه من الشمس والقمر والنجوم وما يحدث بسبب حركات الشمس والقمر : من الليل والنـهار وكل ذلك آية من آياته ودلالة من دلائل ربوبيته
ومن تدبر أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما وجرمـهما ونورهما وحركتهما على نـهج واحد لا ينيان ولا يفتران دائبين ولا يقع في حركتهما اختلاف بالبطء والسرعة والرجوع والاستقامة والانخفاض والارتفاع ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل عليه في سلطانـه ولا تدرك الشمس القمر ولايجيء الليل قبل انقضاء النـهار بل لكل حركة مقدرة ونـهج معين لا يشركه فيه الآخر كما أن له تأثيرا ومنفعة لا يشركه فيها الآخر وذلك مما يدل من له أدنى عقل على أنـه بتسخير مسخر وأمر آمر تدبير مدبر بهرت حكمته العقول وأحاط علمـه بكل دقيق وجليل وفرق ما علمـه الناس من الحكم التي في خلقهما مالا تصل إليه عقولهم ولا تنتهي إلى مباديها أوهامـهم فغايتنا الاعتراف بجلال خالقهما وكمال حكمته ولطف تدبيره وأن نقول ما قاله أولوا الألباب قبلنا { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } ولو أن العبد وصف له جرم أسود مستدير عظيم الخلق يبدو فيه النور كخيط متسخن ثم يتزايد كل ليلة حتى يتكامل نوره فيصير أضوأ شيء وأحسنـه وأجمله ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حاله الأول فيحصل بسبب ذلك معرفة الأشـهر والسنين وحساب آجال العالم : من مواقيت حجهم وصلاتهم ومواقيت أجائرهم ومدايناتهم ومعاملتهم التي لا تقوم مصالحهم إلابها فمصالح الدنيا والدين متعلقة بالأهلة
وقد ذكر سبحانـه ذلك في ثلاثة آيات من كتابه : أحدها قوله { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } والثانية قوله { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون } والثالثة قوله { وجعلنا الليل والنـهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النـهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا } فلولا ما يحدثه الله سبحانـه في آيات الليل من زيادة ضوئها ونقصانـه لم يعلم ميقات الحج والصوم والعدد ومدة الرضاع ومدة الحمل ومدة الإجارة ومدة آجال الحاملات
فإن قيل : كان يمكن هذا بحركة الشمس والأيام التي تحفظ بطلوع الشمس وغروبها كما يعرف أهل الكتابين مواقيت صيامـهم وأعيادهم بحساب الشمس قيل : هذا وإن كان ممكنا إلا أنـه يعسر ضبطه ولا يقف عليه إلا الآحاد من الناس ولا ريب أن معرفة أوائل الشـهور وأوساطها وأواخرها بالقمر أمر يشترك فيه الناس وهو أسهل من معرفة ذلك بحساب الشمس وأقل اضطرابا واختلافا ولا يحتاج إلى تكلف حساب وتقليد من لا يعرفه من الناس لمن يعرفه فالحكمة البالغة التي في تقدير السنين والشـهور بسير القمر أظهر وأنفع وأصلح واقل اختلافا من تقديرها بسير الشمس فالرب جل جلاله دبر الأهلة بهذا التدبير العجيب لمنافع خلقه في مصالح دينـهم ودنياهم مع ما يتصل بـه من الاستدلال بـه على وحدانية الرب وكمال حكمته وعلمـه وتدبيره فشـهادة الحق بتغير الأجرام الفلكية وقيام أدلة الحدوث والخلق عليها فهي آيات ناطقة بلسان الحال على تكذيب الدهرية وزنادقة الفلاسفة والملاحدة القائلين : بأنـها أزلية أبدية لا يتطرق إليها التغيير ولا يمكن عدمـها
فإذا تأمل البصير القمر مثلا وافتقاره إلى محل يقوم بـه وسيره دائبا لا يفتر مسير مسخر مدبر وهبوطه تارة وارتفاعه تارة وأفوله تارة وظهوره تارة وذهاب نوره شيئا فشيئا ثم عوده إليه كذلك وسبب ضوئه جملة واحدة حتى يعود قطعة مظلمة بالكسوف - علم قطعا أنـه مخلوق مربوب مسخر تحت أمر خالق قاهر مسخر له كما يشاء وعلى أن الرب سبحانـه لم يخلق هذا باطلا وأن هذه الحركة فيه لابد أن تنتهي إلى الانقطاع والسكون وأن هذا الضوء والنور لابد أن ينتهي إلى ضده وأن هذا السلطان لابد أن ينتهي إلى العزل وسيجمع بينـهما جامع المتفرقات بعد أن لم يكونا مجتمعين ويذهب بهما حيث شاء ويرى المشركين من عبدتهما حال آلهتم التي عبدوها من دونـه كما يرى عباد الكواكب انتثارها وعباد السماء انفطارها وعباد الشمس تكويرها وعباد الأصنام إهانتها وإلقاءها في النار أحقر شيء في النار أحقر شيء وأذله وأصغره كما أرى عباد العجل في الدنيا حاله ومبارد عباده تسحقه وتمحقه والريح تمزقه وتذروه وتنسفه في اليم وكما أرى الأصنام في الدنيا صورها مكسرة مخردلة ملقاة بالأمكنة القذرة ومعاول الموحدين قد هشمت منـها تلك الوجوه وكسرت تلك الرؤوس وقطعت تلك الأيدي والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه سنة الله والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام وهذه سنة الله التي لا تبدل وعادته التي لا تحول أنـه يرى عابد غيره حال معبوده في الدنيا والآخرة وإن كان المعبود غير راض بعبادة غيره ويريه تبريه منـه ومعاداته له أحوج ما يكون إليه { ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة } ويعلم الذين كفروا أنـهم كانوا كاذبين :
( تأمل سطور الكائنات فإنـها من الملك الأعلى إليك رسائل )
( وقد خط فيها - لو تأملت خطها - ألا كل شيء ما خلا الله باطل )
ولو شاء تعالى لأبقى القمر على حالة واحدة لا يتغير وجعل التغيير في الشمس ولو شاء لغيرهما معا ولو شاء لأبقاهما على حالة واحدة ولكن يرى عباده آياته في أنواع تصاريفها ليدلهم على أنـه الله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين الفعال لما يريد { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } وأما تأثير القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وفي المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال وغير ذلك من المنافع فأمر ظاهر
وما أقسامـه سبحانـه بـ { والليل إذ أدبر } فلما في أدباره وإقبال النـهار من أبين الدلالات الظاهرة على المبدأ والمعاد فإنـه مبدأ ومعاد يومي مشـهود بالعيان بينما الحيوان في سكون الليل قد هدأت حركاتهم وسكنت أصواتهم ونامت عيونـهم وصاروا إخوان الأموات إذا أقبل من النـهار داعيه وأسمع الخلائق مناديه فانتشرت منـهم الحركات وارتفعت منـهم الأصوات حتى كأنـهم قاموا أحياء من القبور يقول قائلهم [ الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور ] فهو معاد جديد بدأه وأعاده الذي يبدئ ويعيد فمن ذهب بالليل وجاء بالنـهار سوى الواحد القهار ؟
فمن تأمل حال الليل إذا عسعس وأدبر والصبح إذا تنفس وأسفر فهزم جيوش الظلام بنفسه وأضاء أفق العالم بقبسه و فل كتائب الكواكب بعساكره وأضحك نواحي الأرض بتباشيره وبشائره فيالهما آيتان شاهدتان بوحدانية منشئهما وكمال ربوبيته وعظم قدرته وحكمته فتبارك الذي جعل طلوع الشمس وغروبها مقيما لسلطان الليل والنـهار فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس يسعون في معاشـهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم ؟ وكيف كانت تهنيهم الحياة مع فقد لذة النور وروحه وأي ثمار ونبات وحيوان كان يوجد ؟ وكيف كانت تتم مصالح أبدان الحيوان والنبات ؟ ولولا غروبها لم يكن للناس هدر ولا قرار مع علم حاجتهم إلى الهدوء لراحة أبدانـهم وجموم حواسهم فلولا جثوم هذا الليل عليهم بظلمته ما هدأوا ولا قروا ولا سكنوا بل جعله أحكم الحاكمين سكنا ولباسا كما جعل النـهار ضياء ومعاشا ولولا الليل وبرده لاحترقت أبدان النبات والحيوان من دوام شروق الشمس عليها وكان يحرق ما عليها من نبات وحيوان فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجا يطلع على العالم في وقت حاجتهم إليه ويغيب في وقت استغنائهم عنـه فطلوعه لمصلحتهم وغيبته لمصلحتهم وصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متضافرين على مصلحة هذا العالم وقوامـه فلو جعل الله سبحانـه النـهار سرمدا إلى يوم القيامة والليل سرمدا إلى يوم القيامة لفاتت مصالح العالم واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته بضده
وتأمل حكمته سبحانـه في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من مصالح الخلق ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منـها مواد الثمار ويكثف الهواء فينشأ منـه السحاب وينعقد فيحدث المطر وحركات الطبائع وفي الصيف يخرم الهواء فينضج الثمار وتشتد الحبوب ويحفف وجه الأرض فيتهيأ العمل وفي الخريف يصفو الهواء وتبرد الحرارة ويمتد الليل وتستريح الأرض والشجر للحمل والنبات مرة ثانية بمنزلة راحة الحامل بين الحملين ففي هذه الأزمنة مبدأ ومعاد مشـهود وشاهد بالمبدأ والمعاد الغيبي
والمقصود أن بحركة هذين النيرين تتم مصالح العالم وبذلك يظهر الزمان فإن الزمان مقدار الحركة فالسنة الشمسية مقدار سير الشمس من نقطة الحمل إلى مثلها والسنة القمرية مقدرة بسير القمر وهو أقرب إلى الضبط واشترك الناس في العلم بـه وقدر أحكم الحاكمين تنقلهما في منازلهما لما في ذلك من تمام الحكمة ولطف التدبير فإن الشمس لو كانت تطلع وتغرب في موضع واحد لا تتعداه لما وصل ضوءها وشعاعها إلى كثير من الجهات فكان نفعها يفقد هناك فجعل الله سبحانـه طلوعها دولا بين الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه من نفعها واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنـهار على أربعة وعشرين ساعة ويأخذ كل منـهما من صاحبه ومنتهى كل منـهما إذا امتد خمسة عشر ساعة فلو زاد مقدار النـهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلا أو أكثر لاختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضا وتعطلت المصالح ولو استويا دائما لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما يشـهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا يذكر سبحانـه هذا التقدير ويضيفه إلى عزته وعلمـه كما قال تعالى { وآية لهم الليل نسلخ منـه النـهار فإذا هم مظلمون * والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم } وقال تعالى : { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم } وقال تعالى { فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم } فهذه ثلاثة مواضع يذكر فيها أن تقدير حركات الشمس والقمر والأجرام العلوية وما ينشأ عنـها كان من مقتضى عزته وعلمـه وأنـه قدره بهاتين الصفتين وفي هذا تكذيب لأعداء الله الملاحدة الذين ينفون قدرته واختياره وعلمـه بالمغنيات
وأقسم سبحانـه بهذه الأشياء الثلاثة - وهي القمر والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر - على المعاد لما في القسم من الدلالة على ثبوت المقسم عليه فإنـه يتضمن كمال قدرته وحكمته وعنايته بخلقه وإبداء الخلق وإعادته كما هو مشـهود في إبداء النـهار والليل وإعادتهما وفي إبداء النور وإعادته في القمر وفي إبداء الزمان وإعادته الذي هو حاصل بسير الشمس والقمر وإبداء الحيوان والنبات وإعادتهما وإبداء فصول السنة وإعادتها وإبداء ما يحدث في تلك الفصول وإعادته فكل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي أخبرت بـه الرسل كلهم عنـه فصرف سبحانـه الآيات الدالة على صدق رسله ونوعها وجعلها للفطر تارة وللسمع تارة وللمشاهدة تارة فجعلها آفاقية ونفسية ومنقولة ومعقولة ومشـهودة بالعيان ومذكورة بالحنان فأبى الظالمون إلا كفورا { واتخذوا من دونـه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا }
ولما أقام الحجة وبين المحجة إرتهن كل نفس يكسبها وآخذها بذنبها واستثنى من أولئك من قبل هداه واتبع رضاه وهم أصحاب اليمين الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وسلكوا غير سبيل المجرمين الذين ليسوا من المصلين ولا من مطمعي المسكين وهم من أهل الخوض مع الخائضين المكذبين بيوم الدين فهذه أربع صفات أخرجتهم من زمرة المفلحين وأدخلتهم في جملة الهالكين : ( الأولى ) ترك الصلاة وهي عمود الإخلاص للمعبود ( الثانية ) ترك إطعام المسكين الذي هو من مراتب الإحسان للعبيد فلا إخلاص للخالق ولا إحسان للمخلوق كما قال تعالى { الذين هم يراؤون * ويمنعون الماعون } وقال { لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون } وهذا ضد ما وصف بـه أصحاب اليمين بقوله { الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } وقال { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون } وقرن سبحانـه بين هذين الأصلين في غير موضع في كتابه : أمر بهما تارة وأثنى على فاعليهما تارة وتوعد بالويل والعقاب تاركهما تارة فإن مدار النجاة عليهما ولا فلاح لمن أخل بهما
الصفة الثالثة والرابعة الخوض بالباطل والتكذيب بالحق فاجتمع لهم عدم الإخلاص والإحسان والخوض بالباطل والتكذيب بالحق واجتمع لأصحاب ( اليمين ) الإخلاص والإحسان والتصديق بالحق والتكلم بـه فاستقام إخلاصهم وإحسانـهم ويقينـهم وكلامـهم واستبدل أصحاب الشمال بالإخلاص شركا وبالإحسان اساءة وباليقين شكا وتكذيبا وبالكلام النافع خوضا في الباطل فلذلك لم تنفعهم شفاعة الشافعين أي لم يكن لهم من شفيع فيهم لأن الشفاعة تقع فيهم ولا تنفع وهذا لما أعرضوا عن التذكرة ولم يرفعوا بها رأسا وجفلوا عن سماعها كما تجفل حمر الوحش من الأسد أو من الرماة
ثم ختم السورة بأنـه جمع فيها بين شرعه وقدره وإقامة الحجة عليهم بإثبات المشيئة لهم وبيان مقتضى التوحيد والربوببية وأن ذلك إليه لا إليهم فالأول عدله والثاني فضله فالأول يوجب السعي والطلب والحرص على ما ينجيهم كما يفعلون ذلك في مصالح دنياهم بل أشد والثاني يوجب الإستعانة والتوكل والتفويض والرغبة إلى من ذلك بيده ليسهل لهم ويوفقهم والله المستعان وعليه التكلان
ومن ذلك قوله { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون * إنـه لقول رسول كريم } إلى آخرها قال مقاتل : بما تبصرون من الحلق وما لا تبصرون منـه وقال قتادة : أقسم بالأشياء كلها بما يبصر منـها وما لا يبصر وقال الكلبي تبصرون من شيء وما لا تبصرون من شيء وهذا أعم قسم وقع في القرآن فإنـه يعم العلويات والسفليات والدنيا والآخرة وما يرى وما لا يرى ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والأنس والعرش والكرسي وكل مخلوق وكل ذلك من آيات قدرته وربوبيته وهو سبحانـه يصرف الأقسام كما يصرف الآيات ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى وما يرى آية ودليل على صدق رسوله وأن ما جاء بـه هو من عند الله وهو كلامـه لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن
ومن تأمل المخلوقات ما يراه منـها وما لا يراه واعتبر ما جاء بـه الرسول بها ونقل فكرته في مجاري الخلق والأمر ظهر له أن هذا القرآن من عند الله وأنـه كلامـه وهو أصدق الكلام وأنـه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منـها ومالا يرى حق كما قال تعالى { فورب السماء والأرض إنـه لحق مثل ما أنكم تنطقون } أي إن كان نطقكم حقيقة وهو أمر موجود لا تمارون فيه ولا تشكون فهذا ما أخبرتكم بـه من التوحيد والمعاد والنبوة حق كما في الحديث [ إنـه لحق مثل ما أنك ههنا ] فكأنـه سبحانـه يقول : إن القرآن حق كما أن ما شاهدوه من الخلق وما لا يشاهدونـه حق موجود بل لو فكرتم فيما تبصرون وما لا تبصرون لدلكم وما لا يشاهدونـه حق موجود بل لو فكرتم فيما تبصرون ومالا تبصرون لدلكم ذلك على أن القرآن حق ويكفي الإنسان من جميع ما يبصره ومالا يبصره بعينـه ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرا وباطنا ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر بـه رسوله وما لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه
ثم ذكر سبحانـه المقسم عليه فقال { إنـه لقول رسول كريم } وهذا رسول البشرى محمد صلى الله عليه و سلم وفي إضافته إليه باسم الرسالة أبين دليل أنـه كلام المرسل فمن أنكر أن يكون الله قد تكلم بالقرآن فقد أنكر حقيقة الرسالة لو كانت إضافته إليه إنشاء وابتداء لم يكن رسولا ولناقض ذلك إضافته إلى رسوله الملكي في سورة التكوير
ثم بين سبحانـه كذب أعدائه وبهتهم في نسبة كلامـه تعالى إلى غيره وأنـه لم يتكلم بـه بل قاله من تلقاء نفسه كما بين كذب من قال { إن هذا إلا قول البشر } فمن زعم أنـه قول البشر فقد كفر وسيصليه الله سقر
ثم أخبر سبحانـه أنـه تنزيل من رب العالمين وذلك يتضمن أمورا : ( أحدها ) أنـه تعالى فوق خلقه كلهم وأن القرآن نزل من عنده ( والثاني ) أنـه تكلم بـه حقيقة لقوله { من رب العالمين } ولو كان غيره هو المتكلم بـه لكان من ذلك الغير ونظير هذا قوله { ولكن حق القول مني } ونظيره قوله { قل نزله روح القدس من ربك بالحق } وقوله { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } وقوله { تنزيل من حكيم حميد } وما كان من الله فليس بمخلوق ولا ينتقض هذا بأن الزرق والمطر وما في السموات والأرض جميعا منـه وهو مخلوق لأن ذلك كله أعيان قائمة بنفسها وصفات وأفعال لتلك الأعيان فإضافتها إلى الله سبحانـه وانـها منـه إضافة خلق كإضافة بيته وعبده وناقته وروحه وبابه - إليه بخلاف كلامـه فإنـه لابد أن يقوم بمتكله إذ كلام من غير متكلم كسمع من غير سامع وبصره من غير مبصر وذلك عين المحال فإذا أضيف إلى الرب كان بمنزلة إضافة سمعه وبصره وحياته وقدرته وعلمـه ومشيئته إليه ومن زعم أن هذه إضافة مخلوق إلى خالق فقد زعم أن الله لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا مشيئة تقوم بـه وهذا هو التعطيل الذي هو شر من الاشراك وإن زعم أن إضافة السمع والبصر والعلم والحياة القدرة إضافة صفة إلى موصوف فإضافة الكلام إليه إضافة مخلوق إلى خالق فقد تناقض وخرج عن موجب العقل والفطرة والشرع ولغات الأمم وفرق بين مماثلين حقيقة وعقلا وشرعا وفطرة ولغة
وتأمل كيف إضافه سبحانـه إلى الرسول بلفظ القول وأضافه إلى نفسه بلفظ الكلام في قوه { حتى يسمع كلام الله } فإن الرسول يقول للمرسل إليه ما أمر بقوله فيقول : قلت كذا وكذا وقلت له : ما أمرتني أن أقوله كما قال المسيح { ما قلت لهم إلا ما أمرتني بـه } والمرسل يقول للرسول : قل لهم كذا وكذا كما قال تعالى { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } ونظائره فإذا بلغ الرسول ذلك صح أن يقال : قال الرسول كذا وهذا قول الرسول - أي قاله مبلغا - وهذا قوله مبلغا عن مرسله ولا يجيء في شيء من ذلك تكلم لهم بكذا وكذا ولا تكلم الرسول بكذا وكذا ولا أنـه بكلام رسول كريم ولا في موضع واحد بل قيل للصديق - وقد تلى آية - هذا كلامك وكلام صاحبك فقال : ليس بكلامي ولا كلام صاحبي هذا كلام الله
الأمر الثالث ما تضمنـه قوله { تنزيل من رب العالمين } إنـه ربوبيته الكاملة لخلقة تأبى أن يتركهم سدى : لا يأمرهم ولا ينـهاهم ولا يرشدهم إلى ما ينفعهم ويحذرهم ما يضرهم بل يتركهم هملا بمنزلة الأنعام السائمة فمن زعم ذلك لم يقدر رب العالمين قدره ونسبه إلا ما لا يليق بـه تعال { فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم }
ثم أقام سبحانـه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنـه لم يتقول عليه فيما قاله وأنـه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمـه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عله وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمـهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلقـ فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك ؟ بل كيف يليق بـه أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق : يسفك دماءعم ويسبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلا : إن الله أمرني بذلك وأباحه لي ؟ بل كيف يليق بـه أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها
فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامـه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامـه فيشـهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجى ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله
وأذمر في عذل مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له - بعد أن أقضى في نبوة النبي صلى الله عليه و سلم - إلى أن قلت له : إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح النقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال : كيف تقول مثل هذا الكلام ؟ فقلت له : بيانـه علي فاسمع الآن : أنتم تزعمون أنـه لم يكن رسولا وإنما كان ملكا قاهرا قهر الناس بسيفه صلى الله عليه و سلم ( حتى دانوا له ومكث ثلاثا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول : أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونـهاني ولم ينـهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمـه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبا مفتريا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده : يسفك دماءهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته وهو في ذلك كله يقول : الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالما بذلك مطلعا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم بـه قد حتم في الرب تعالى ونسبتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمـه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمـه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرا على أن يغير ذلك ويأخذ على يديه ويحول بينـه وبينـه أم لا ؟ فإن قلتم ليس قادرا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منـه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرا ولكن مكنـه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينـه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته ومـهلك من خالفه وكذبه ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منـها لما أمكنـهم ولعجزوا عن ذلك وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرا خارجا عن العادة فظهر أن من أنكر كونـه رسولا نبيا فقد سبب الله وقدح منـه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه
قلت له : ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنـهم الله في الأرض وقتا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانـه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادتين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينـهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسبنة الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينـه
فلما سمع ذلك قال : معاذ الله لا نقول أنـه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا ؟
قلت له : بطل كل ما تموهون بـه بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنـه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر بـه وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنـه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن بـه فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن بـه من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منـه وجورا لم يكن نبيا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر بـه وطاعته فيما أمر
وقد أرشد سبحانـه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال { ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منـه باليمين * ثم لقطعنا منـه الوتين * فما منكم من أحد عنـه حاجزين } يقول سبحانـه : لو تقول علينا قولا واحدا من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوجه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمينـه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنـه قلت : وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين
قال : ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم : خذ بيده واسفع بيده فكأن قال : لو كذب علينا في شيء ( مما بلغ ) إليكم عنا لأخذنا بيمينـه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن
فقد أخبر سبحانـه أنـه لو تقول عليه شيئا من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذبا على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق بـه أن يقر الكاذب عليه فضلا عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه
ويقوله : { ثم لقطعنا منـه الوتين } والوتين : نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة وقال ابن قتيبة : ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينـه ولكن أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينـه قال : ومثله قوله : ( [ مازالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري ] والأبهر : عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنـه قال : فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره
ثم قال تعالى { فما منكم من أحد عنـه حاجزين } أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني
الموضع الثاني قوله تعالى { أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنـه عليم بذات الصدور } وفي معنى الآية للناس قولان : أحدهما قول مجاهد ومقاتل : إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة : إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه
( أحدهما ) أن هذا خرج جوابا لهم وتكذيبا لقولهم : أن محمدا كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قاد لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون م على قلبه فلا يمكنـه أن يأتي بشيء منـه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى مافيه فيعود المعنى إلى أنـه لو افترى علي لم أمكنـه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمـه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والأخبار بالغيوب ما لم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي بـه ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانـه - لما أمكنـه أن يأتيكم بشيء منـه فأين هذا المعنى إلى المعنى الذي ذكره الآخرون ؟ وكيف يلتئم مع حكاية قولهم ؟ وكيف يتضمن الرد عليهم ؟
( الوجه الثاني ) أن مجر الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينـهما ولا يكون فيه رد لقولهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر
( الثالث ) أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال ام على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله { ختم الله على قلوبهم } وقوله { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة } ونظائره وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض } وقوله { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي بـه لولا أن ربطنا على قلبها } والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول : اللهم إربط على قلبي ولا يحسن أن يقول : اللهم اختم على قلبي
( الرابع ) أنـه سبحانـه حيث يحكى أقوالهم ( أنـه افتراه ) لا يجيبهم عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنـه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئا بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله { أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا } وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء منـه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنـه الحق وأنـهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر
( الخامس ) أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنـه لو شاء لما أقره ولا مكنـه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير
( السادس ) أنـه لا دلالة في سياق الآية على الصبر يوجه ما : لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنـه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونـه يحول بينـه وبينـه ولا يمكنـه من الإفتراء عليه فقد ذكره في مواضع ( السابع ) أنـه سبحانـه أخبر أنـه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم بـه وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنـه وعلمـه كما قال تعالى { قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم بـه } وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدروا لي لكان مقدروا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منـهم ولكن الله بعثني بـه ولو شاء سبحانـه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وإن أعلمكم بـه البتة لا على لساني ولا على لسان غيري ولكنـه أوحاه إلي وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم بـه بعد أن لم تكونوا دارين بـه فلو كان كذبا وافتراء كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون بـه من جهته لأن الكذب لا يعجز عنـه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري
ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنـه تعلمـه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله } تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منـه ألبته ولا كان لي بـه علم ولا ببعضه ثم أتيتكم بـه وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منـه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنـه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكنني من تلاوته ولا أمكمكم من العلم بـه بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم بـه فلم تكونوا عالمين بـه ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تاليا له ولا لبعضه
فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته
ومن هذا قوله سبحانـه { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك بـه علينا وكيلا } وهذا هو المناسب لقوله { أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك } ولقوله { ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منـه باليمين } وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم ؟
( الثامن ) أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } وقوله { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين } وقوله { إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره } وقوله { إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء } ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفيا
( التاسع ) أن ام على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنـه يستلزم الصبر كما قال تعالى { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم بـه ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم } ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر بط قلبه كأنـه حبس قلبه عن الإضطراب ومنـه يقال : هو رابط الجأش وقد ظن الواحدي أن على زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنـه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء و قيل : ربط عليه كأنـه أحاط عليه بالربط فلهذا قيل : ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف ام
( العاشر ) أن ام هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي صلى الله عليه و سلم كان يعلم قول أعدائه : أنـه افترى القرآن ويشعر بـه فلم يجعل الله على قلبه مانعا من الأذى بقولهم قيل : هذا أولى أن يسمى ختما وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنـهم كما قال تعالى { قد نعلم إنـه ليحزنك الذي يقولون } وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنـه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم
ثم أخبر سبحانـه أن القرآن تذكره للمتقين يتذكر بـه المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر بـه أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر بـه ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونـهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر بـه علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين
ثم قال سبحانـه { وإنا لنعلم أن منكم مكذبين } أي لا يخفون عليناـ فسنجازيهم بتكذيبهم
ثم أخبر سبحانـه أن رسوله وكلامـه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر بـه كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنـه إذا انكشف له حقيقة ما كذب بـه وصدق بـه كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة
ثم أخبر سبحانـه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل : هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق :
ذكر الله سبحانـه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة : حق اليقين وعلم اليقين وعين اليقين كما قال تعالى { كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونـها عين اليقين } فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها عليه وهو التصديق التام بـه بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيفنـهم أنـها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينـهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنـهم صدق المخبر
( المرتبة الثانية ) عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى { لترونـها عين اليقين } وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة : فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعا ( ليس الخبر كالمعاين ) وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الحبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي صلى الله عليه و سلم لفظ الشك حيث قال ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ) ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشـهود بعد خبر ومعاينة بعد سماع
( المرتبة الثالثة ) مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس بـه كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منـهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمـها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال { إنـه لحق اليقين } فإن القلب يباشر الإيمان بـه ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين
وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثلا فقال : إذ قال لك من تجزم بصدقه : عندي عسل أريد أن أطعمك منـه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونـها يقينا فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك : دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنـها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايرا للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم
ثم ختم السورة بقولة { فسبح باسم ربك العظيم } وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الأخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظمة ملكه وجريان حكمـه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأن تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سمواته والمؤمنين من عباده من أن يقر كذبا متقولا عليه مفترى عليه يبدل دينـه وينسخ شرائعه ويقتل عباده ويخبر عنـه بما لا حقيقة له وهو سبحانـه مع ذلك يؤيده وينصره ويجيب دعواته ويأخذ أعداءه ويرفع قدره ويعلي ذكره فهو سبحانـه العظيم الذي تأبى عظمته أن يفعل ذلك بمن أتى بأقبح أنواع الكذب والظلم فسبحان ربنا العظيم وتعالى عما ينسبه إليه الجاهلون علوا كبيرا
ومن ذلك قوله عز و جل { فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا منـهم وما نحن بمسبوقين } أقسم سبحانـه برب المشارق والمغارب وهي إما مشارق النجوم ومغاربها أومشارق الشمس ومغاربها وأن كل موضع من الجهة مشرق ومغرب فكذلك جمع في موضع وأفرد في موضع وثنى في موضع آخر فقال { رب المشرقين ورب المغربين } فقيل : هما مشرقا الصيف والشتاء وجاء في كل موضع ما يناسبه فجاء : في سورة الرحمن { رب المشرقين ورب المغربين } لأنـها سورة ذكرت فيها المزدوجات فذكر فيها الخلق والتعليم والشمس والقمر والنجوم والشجر والسماء والأرض والحب والثمر والجن والإنس ومادة أبي البشر وأبي الجن والبحرين والجنة والنار وقسم الجنة إلى جنتين عاليتين وجنتين دونـهما وأخبر أن في كل جنة عينين فناسب كل المناسبة أن يذكر المشرقين والمغربين
وأما سورة ( سأل سائل ) فإنـه أقسم سبحانـه على عموم قدرته وكمالها وصحة تعلقها بإعادتهم بعد العدم فذكر المشارق والمغارب بلفظ الجمع إذ هو أدل على المقسم عليه سواء أريد مشارق النجوم ومغاربها أو مشارق الشمس ومغاربها أو كل جزء من جهتي المشرق والمغرب فكل ذلك آية ودلالة على قدرته تعالى على أن يبدل أمثال هؤلاء المكذبين وينشئهم فيما لا يعلمون فيأتي بهم في نشأة أخرى كما يأتي بالشمس كل يوم من مطلع ويذهب ( بها ) في مغرب
وأما في سورة ( المزمل ) فذكر المشرق والمغرب بلفظ الإفراد لما كان المقصود ذكر ربوبيته ووحدانيته وكما أنـه تفرد بربوبية المشرق والمغرب وحده فكذلك يجب أن يتفرد بالربوبية والتوكل عليه وحده فليس للمشرق والمغرب رب سواه فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إله ولا وكيل سواه وكذلك قال موسى لفرعون حين سأله { وما رب العالمين } فقال { رب المشرق والمغرب وما بينـهما إن كنتم تعقلون } وفي ربوبيته سبحانـه للمشارق والمغارب تنبيه على ربوبيته للسموات وما حوته من الشمس والقمر والنجوم وربوبيته ما بين الجهتين وربوبيته الليل والنـهار وما تضمناه ثم قال { إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا منـهم وما نحن بمسبوقين } أي لقادرون على أن يذهب بهم ونأتي بأطوع لنا منـهم وخيرا منـهم كما قال تعالى { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا } وقوله { وما نحن بمسبوقين } أي لا يفوتني ذلك إذا أردته ولا يمتنع مني وعبر عن هذا المعنى بقولة { وما نحن بمسبوقين } لأن المغلوب يسبقه الغالب إلى ما يريده فيفوت عليه ولهذا عدى بعلى دون إلى كما في قوله { وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم } فإنـه لما ضمنـه معنى مغلوبين ومقهورين عداه بعلى بخلاف سبقه إليه فإنـه فرق بين سبقته إله وسبقته عليه فالأول بمعنى غلبته وقهرته عليه والثاني بمعنى وصلت إليه قبله
وقد وقع الأخبار عن قدرته عليه سبحانـه على تبديلهم بخير منـهم وفي بعضها تبديل أمثالهم وفي بعضها استبداله قوما غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم فهذه ثلاثة أمور يجب معرفة ما بينـها من الجمع والفرق فحيث وقع التبديل بخير منـهم فهو إخبار عن قدرته على أن يذهب بهم ويأتي بأطوع واتقى له منـهم في الدنيا وذلك قوه { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } يعني بل يكونوا خيرا منكم قال مجاهد : يستبدل بهم من شاء من عباده فيجعلهم خيرا من هؤلاء فلم يتولوا بحمد الله فلم يستبدل بهم وأما ذكره تبديل أمثالهم ففي سورة الواقعة وسورة الإنسان فقال في الواقعة { نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون } وقال في سورة الإنسان { نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا } قال كثير من المفسرين : المعنى أنا إذا أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا سابق ولم يفتنا ذلك وفي قوله { وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا } إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منـهم قال المـهدوي : قوما موافقين لهم في الخلق مخالفين لهم في العمل ولم يذكر الواحدي ولا ابن الجوزي غير هذا القول وعلى هذا فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } فيكون استدلالا بقدرته على إذهابهم والإتيان بأمثالهم على إتيانـه بهم أنفسهم إذا ماتوا
ثم استدل سبحانـه بالنشأة الأولى فذكرهم بها فقال { ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } فنبههم بما علموه وعاينوه على صدق ما أخبرتهم بـه رسله من النشأة الثانية
والذي عندي في معنى هاتين الآيتين وهما آية الواقعة والإنسان أن المراد بتبديل أمثالهم الخلق الجديد والنشأة الآخرة التي وعدوا بها وقد وفق الزمخشري لفهم هذا من سورة الإنسان فقال : وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر يعني النشأة الأخرى ثم قالوا : وقيل وبدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يأتي بأن لا بإذا كقوله { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم } قلت : وإتيانـه بإذا التي لا تكون إلا للمحق الوقوع يدل على تحقق وقوع هذا التبديل وأنـه واقع لا محالة وذلك هو النشأة الأخرى التي استدل على إمكانـها بقوله { ولقد علمتم النشأة الأولى } واستدل بالمثل على المثل وعلى ما أنكروه بما عاينوه وشاهدوه وكونـهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقا جديدا بعينـه فهم هم بأعيانـهم وهم أمثالهم وكونـهم أمثالهم هو إنشاؤهم خلقا جديدا بعينـه فهم هم بأعيانـهم وهم أمثالهم فهم أنفسهم يعادون فإذا قلت : المعاد هذا هو الأول بعينـه صدقت وإن قلت : هو مثله صدقت فهو هو معاد أو هو مثل الأول وقد أوضح هذا سبحانـه بقوله { بل هم في لبس من خلق جديد } فهذه الخلق الجديد هو المتضمن لكونـهم أمثالهم وقد سماه الله سبحانـه وتعالى إعادة والمعاد مثل المبدأ وسماه نشأة أخرى وهي مثل الأولى وسماه خلقا جديدا وهو مثل الخلق الأول كما قال { فعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } وسماه أمثالا وهم هم فتطابقت ألفاظ القرآن وصدق بعضها بعضا وبين بعضها بعضا ولهذا تزول إشكالات أوردها من لم يفهم المعاد الذي أخبرت بـه الرسل عن الله ولا يفهم من هذا القول ما قاله بعض المتأخرين أنـهم غيرهم من كل وجه فهذا خطأ قطعا - معاذ الله من اعتقاده - بل هم أمثالهم وهم أعيانـهم فإذا فهمت الحقائق فلا يناقش في العبارة إلا ضيق العطن صغير العقل ضعيف العلم
وتأمل قوله تعالى في الواقعة { أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونـه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت } كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلا بها على النشأة الثانية بقولة { وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون } فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمـهاتكم ومبدأها مما تمنون ولن نغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة منشئها على النشأة التي كذبتم بها فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك ؟ وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت بـه الرسل والإيمان
وقال في سورة الإنسان { نحن خلقناهم وشددنا أسرهم } فهذه النشأة الأولى ثم قال { وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا } فهذه النشأة الأخرى ونظير هذا { وأنـه خلق الزوجين الذكر والأنثى * من نطفة إذا تمنى * وأن عليه النشأة الأخرى } وهذا في القرآن كثير جدا يقرن بين النشأتين مذكرا للفطر والعقول بإحداهما على الأخرى وبالله التوفيق
فلما أقام عليهم الحجة وقطع المعذرة قال { فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومـهم الذي يوعدون } وهذا تهديد شديد يتضمن ترك هؤلاء الذين قامت عليهم حجتي فلم يقبلوها ولم يخافوا بأسي ولا صدقوا رسالاتي في خوضهم بالباطل ولعبهم فالخوض في الباطل ضد التكلم بالحق واللعب ضد السعي فلا يعود نفعه على ساعيه فالأول ضد العلم الناقع والثاني ضد العمل الصالح فلا تكلم بالحق ولا عمل بالصواب وهذا شأن كل من أعرض عما جاء بـه الرسول لا بد له من هذين الأمرين
ثم ذكر سبحانـه حالهم عند خروجهم من القبور فقال { يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنـهم إلى نصب يوفضون } أي يسرعون والنصب العلم والغاية التي تنصب فيؤمونـها وهذا من ألطف التشبيه وأبينـه وأحسنـه فإن الناس يقومون من قبورهم مـهطعين إلى الداعي يؤمون الصوت لا يعرجون عنـه يمنة ولا يسرة كما قال { يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له } أي يقبلون من كل أوب إلى صوته وناحيته لا يعرجون عنـه قال الفراء : وهذا كما تقول : دعوتك دعوة لا عوج لك عنـها وقال الزجاج : المعنى لا عوج لهم من دعائه أي لا يقدرون إلا على اتباعه وقصده
فإن قلت : إذا كان المعنى لا عوج لهم عن دعوتي فكيف قال ( لا عوج له ) قيل : قالت طائفة : اللام بمعنى عن أي لا عوج عنـه وقالت طائفة : المعنى لا عوج لهم عن دعائي كما قال الزجاج وفي القولين تكلف ظاهر ولما كانت الدعوة تسمع الجميع لا تعوج عنـهم وكلهم يؤم صوت الداعي ويتبعه لا يعوج عنـه كان مجيء اللام منتظما للمعنيين ودالا عليهما والمعنى لا عوج لدعائه لا في إسماعهم إياه ولا في إجابتهم له
ثم قال تعالى { خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة } فوصفهم بذل الظاهر وهو خشوع الأبصار وذل الباطن وهو ما يرهقهم من الذل خشعت عنـه أبصارهم وقريب من هذا قوله { ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة } ونظيره قوله { وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما } وضد هذا قوله تعالى { إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى } فنفى عنـه الجوع الذي هو ذلك الباطن والعري الذي هو ذلك الظاهر وضده أيضا قوله : { ولقاهم نضرة وسرورا } فالنضرة عز الظاهر وجماله والسرور عز الباطن وجماله ومثله أيضا قوله { عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم ا طهورا } فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن ومثله قوله { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير } فجمع لهم بين زينة الظاهر والباطن ومثله قوله { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد } فرين ظاهرها بالنجوم وباطنـها بالحفظ من كل شيطان رجيم ومثله قوله أيضا { وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات } وقريب منـه قوله تعالى { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } ومنـه قوله { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون } فجمع لهؤلاء بين جمال الظاهر والباطن ولأولئك بين تسويد الظاهر والباطن ومنـه قول امرأة العزيز { فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } فوصفت ظاهره بالجمال وباطنـه بالعفة فوصفته بجمال الظاهر والباطن فكأنـها قالت : هذا ظاهره وباطنـه أحسن من ظاهره وهذا كله يدلك على ارتباط الظاهر بالباطن قدرا وشرعا والله أعلم بالصواب
ومن ذلك قوله تعالى { ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون } الصحيح أن ن وق وص من حروف الهجاء التي يفتتح بها الرب سبحانـه بعض السور وهي أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة وهي أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة ولم تذكر قط في أول سورة إلا وعقبها بذكر القرآن إما مقسما بـه وإما مخبرا عنـه ما خلا سورتين سورة كهيعص ون كقوله { الم * ذلك الكتاب } { الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب } { المص * كتاب أنزل إليك } { المر تلك آيات الكتاب } وهكذا إلى آخره ففي هذا تنبيه على شرف هذه الحروف وعظم قدرها وجلالتها إذ هي مباني كلامـه وكتبه التي تكلم سبحانـه بها وأنزلها على رسله وهدى بها عباده وعرفهم بواسطتها نفسه وأسماءه وصفاته وأفعاله وأمره ونـهيه ووعيده ووعده وعرفهم بها الخير والشر والحسن والقبيح وأقدرهم على التكلم بها بحيث يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم بأسهل طريق وقلة كلفة ومشقة وأوصله إلى المقصود وأدل عليه وهذا من أعظم ن عليهم كما هو من أعظم آياته ولهذا عاب سبحانـه على من عبد إلها لا يتكلم وامتن على عباده بأن أقدرهم على البيان بها بالتكلم فكان في ذكر هذه الحروف التنبيه على كمال ربوبيته وكمال إحسانـه وإنعامـه فهي أولى أن يقسم بها من الليل والنـهار والشمس والقمر والسماء والنجوم وغيرها من المخلوقات فهي دالة أظهر دلالة على وحدانيته وقدرته وحكمته وكماله وكلامـه وصدق رسله
وقد جمع سبحانـه بين الأمرين - أعني القرآن ونطق اللسان - وجعل تعليمـها من تمام نعمته وامتنانـه كما قال { الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمـه البيان } فبهذه الحروف علم القرآن وبها علم البيان وبها فضل الإنسان على سائر أنواع الحيوان وبها أنزل كتبه وبها أرسل رسله وبها جمعت العلوم وحفظتـ وبها انتظمت مصالح العباد في المعاش والمعاد وبها يتميز الحق من الباطل والصحيح من الفاسد وبها جمعت أشتات العلوم وبها أمكن تنقلها في الأذهان وكم جلب بها من نعمة ودفع بها من نقمة ؟ وأقيلت بها من عثرة وأقيمت بها من حرمة وهدى بها من ضلالة وأقيم بها من حق وهدم بها من باطل ؟ فآياته سبحانـه في تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان ولولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب فسبحان من هذا صنعه في هواء يخرج من قصبة الرئة فينضم في الحلقوم وينفرش في أقصى الحلق ووسطه وآخره وأعلاه وأسفله وعلى وسط اللسان وأطرافه وبين الثنايا وفي الشفتين والخيشوم فيسمع له عند كل مقطع من تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له فإذا هو حرف
فألهم سبحانـه الإنسان بضم بعضها إلى بعض فإذا هي كلمات قائمة بأنفسها ثم ألهمـهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض وإذا هي كلام دال على أنواع المعاني أمرا ونـهيا وخبرا واستخبارا ونفيا وإثباتا وإقرارا وإنكارا وتصديقا وتكذيبا وإيجابا واستحبابا وسؤالا و جوابا إلى غير ذلك من أنواع الخطاب نظمـه ونثره و وجيزه و مطوله على اختلاف لغات الخلائق كل ذلك صنعته تبارك وتعالى في هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره في مجار قد هيئت وأعدت لتقطيعه وتفصيله ثم تأليفه وتوصيله فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فهذا شأن الحرف المخلوق
وأما الحرف الذي بـه تكون المخلوقات فشأنـه أعلى وأجل وإذا كان هذا شأن الحروف فحقيق أن تفتتح بها السور كما افتتحت بالأقسام لما فيها من آيات الربوبية وأدلة الوحدانية فهي دالة على كمال قدرته سبحانـه وكمال علمـه وكمال حكمته وكمال رحمته وعنايته بخلقه ولطفه وإحسانـه وإذا أعطيت الاستدلال بها حقه استدللت بها على المبدأ والمعاد والخلق والأمر والتوحيد والرسالة فهي من أظهر أدلة شـهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن القرآن كلام الله تكلم بـه حقا وأنزله على رسوله وحيا وبلغه كما أوحي إليه صدقا ولا تهمل الفكرة في كل سورة افتتحت بهذه الحروف واشتمالها على آيات هذه المطالب وتقريرها وبالله التوفيق
ثم أقسم سبحانـه بـ { ن والقلم وما يسطرون } فأقسم بالكتاب وآلته وهو القلم الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى بـه قدره وشرعه وكتب بـه الوحي وقيد بـه الدين وأثبتت بـه الشريعة وحفظت بـه العلوم وقامت بـه مصالح العباد في المعاش والمعاد فوطدت بـه الممالك وأمنت بـه السبل والمسالك وأقام في الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه وواعظا تشفى مواعظه القلوب من السقم وطبيبا يبرئ بإذنـه من أنواع الألم : يكسر العساك العظيمة على أنـه الضعيف الوحيد ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد وبالأقلام تدبر الأقاليم وتساس الممالك والعلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن الأسماع فينسج حلل المعاني في الطرفين فتعود أحسن من الوشي المرقوم ويودعها حكمـه فتصير بوادر الفهوم والأقلام نظام للأفهام وكم أن اللسان يريد القلب فالقلم يريد اللسان ويولد الحروف المسموعة عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة عن القلم والقلم بريد القلب ورسوله وترجمانـه ولسانـه الصامت
والأقلام متفاوتة في الرتب فأعلاها وأجلها قدرا قلم القدر السابق الذي كتب الله بـه مقادير الخلائق كما في سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : [ إن أول ما خلق الله القلم فقال له : اكتب قال : يا رب وما أكتب ؟ قال : أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ] واختلف العلماء هل القلم أو المخلوقات أو العرش ؟ على قولين ذكرهما الحافظ أبو يعلى الهمداني أصحهما أن العرش قبل القلم لما ثبت في الصحيح من حديث عبدالله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام عرشـه على الماء ] فهذا صريح أن التقدير وقع قبل خلق العرش والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة هذا
ولا يخلو قوله [ إن أول ما خلق الله القلم ] إلى آخره إما أن يكون جملة أو جملتين فإن كل جملة - وهو الصحيح - كان معناه أنـه عند أول خلقه قال له : أكتب كما في لفظ [ أول ما خلق الله القلم قال له أكتب ] بنصب أول والقلم فإن كانا جملتين وهو مروى برفع أول والقلم فيتعين حمله على أنـه أول المخلوفات من هذا العالم ليتفق الحديثان إذ حديث عبدالله بن عمر صريح في أن العرش سابق على التقدير والتقدير مقارن لخلق القلم وفي اللفظ الآخر [ لما خلق الله القلم قال له اكتب ]
فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها وقد قال غير واحد من أهل التفسير أنـه القلم الذي أقسم الله به
القلم الثاني
قلم الوحي وهو الذي يكتب بـه وحي الله إلى أنبيائه ورسله وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم والعالم خدم لهم وإليهم الحل والعقد والأقلام كلها خدم لأقلامـهم وقد رفع النبي صلى الله عليه و سلم ليلة الإسراء إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام : فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى من الأمور التي يدبر بها أمر العالم العلوي والسفليوالقلم الثالث
قلم التوقيع عن الله ورسوله وهو قلم الفقهاء والمفتين وهذا القلم أيضا حاكم غير محكوم عليه فإليه التحاكم في الدماء والأموال والفروج والحقوق وأصحابه مخبرون عن الله بحكمـه الذي حكم بـه بين عباده وأصحابه حكام وملوك على أرباب الأقلام وأقلام العالم خدم لهذا القلمالقلم الرابع
قلم طب الأبدان التي تحفظ بها صحتها الموجودة وترد إليها صحتها المفقودة وتدفع بـه عنـها آفاتها وعوارضها المضادة لصحتها وهذا القلم أنفع الأقلام بعد قلم طب الأديان وحاجة الناس إلى أهله تلتحق بالضرورةالقلم الخامس التوقيع عن الملوك ونوابهم وسياس الملك ولهذا كان أصحابه أعز أصحاب الأقلام والمشاركون للملوك في تدبير الدول فإن صلحت أقلامـهم صلحت المملكة وإن فسدت أقلامـهم فسدت المملكة وهم وسائط بين الملوك ورعاياهم
القلم السادس
قلم الحساب وهو القلم الذي تضبط بـه الأموال مستخرجها ومصروفها ومقاديرها وهو قلم الأرزاق وهو قلم الكم المتصل والمنفصل الذي تضبط بـه المقادير وما بينـها من التفاوت والتناسب ومبناه على الصدق والعدل فإذا كذب هذا القلم وظلم فسد أمر المملكةالقلم السابع
قلم الحكم الذي تثبت بـه الحقوق وتنفذ بـه القضايا وتراق بـه الدماء وتؤخذ بـه الأموال والحقوق من اليد العادية فترد إلى اليد المحقة ويثبت بـه الإنسان وتنقطع بـه الخصومات وبين هذا القلم وقلم التوقيع عن الله عموم وخصوص فهذا له الفنوذ واللزوم وذاك له العموم والشمول وهو قلم قائم بالصدق فيما يثبته وبالعدل فيما يمضيه وينفذهالقلم الثامن
قلم الشـهادة وهو القلم الذي تحفظ بـه الحقوق وتصان عن الإضاعة وتحول بين الفاجر وإنكاره ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويشـهد للمحق بحقه وعلى المبطل بباطله وهو الأمين على الدماء والفروج والأموال والأنساب والحقوق ومتى خان هذا القلم فسد العالم أعظم فساد وباستقامته يستقيم أمر العالم ومبناه على العلم وعدم الكتمانالقلم التاسع
قلم التعبير وهو كاتب وحي المنام وتفسيره وتعبيره وما أريد منـه وهو قلم شريف جليل مترجم للوحي المنامي كاشف له وهو من الأقلام التي تصلح للدنيا والدين وهو يعتمد طهارة صاحبه ونزاهته وأمانته وتحريه للصدق والطرائق الحميدة والمناهج السديدة مع علم راسخ وصفاء باطن وحسن مؤيد بالنور الإلهي ومعرفة بأحوال الخلق وهيآتهم وسيرهم وهو من ألطف الأقلام وأا جولانا وأوسعها تصرفا وأشدها تشبثا بسائر الموجودات : علويها وسفليها وبالماضي والحال والمستقبل فتصرف هذا القلم في المنام هو محل ولايته وكرسي مملكته وسلطانـهالقلم العاشر
قلم تواريخ العالم ووقائعه وهو القلم الذي تضبط بـه الحوادث وتنقل من أمة إلى أمة ومن قرن إلى قرن فيحصر ما مضى من العالم وحوادثه في الخيال وينقشـه في النفس حتى كأن السامع يرى ذلك ويشـهده فهو قلم المعاد الروحاني وهذا القلم قلم العجائب فإنـه يعيد لك العالم في صورة الخيال فتراه بقلبك وتشاهد ببصيرتكالقلم الحادي عشر
قلم اللغة وتفاصيلها من شرح المعاني ألفاظها ونحوها وتصريفها وأسرار تراكيبها وما يتبع ذلك من أحوالها ووجوهها وأنواع دلالتها على المعاني وكيفية الدلالة وهو قلم التعبير عن المعاني باختيار أحسن الألفاظ وأعذبها وأسهلها وأوضحها وهذا القلم واسع التصرف جدا بحسب سعة الألفاظ وكثرة مجاريها وتنوعهاالقلم الثاني عشر
القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين ورفع سنة المحقين وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها وبيان تناقضهم وتهافتهم وخروجهم عن الحق وهم في الباطل وهذا القلم في الأفلاك نظير الملوك في الأنام وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت بـه الرسل المحاربون لأعدائهم وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال وأصحاب هذا القلم حرب لكل مبطل وعدو لكل مخالف للرسل فهم في شأن وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأنفهذه الأقلام التي فيها انتظام مصالح العالم ويكفي في جلالة القلم أنـه لم تكتب كتب الله إلا بـه وأن الله سبحانـه أقسم بـه في كتابه وتعرف إلى غيره بأن علم بالقلم وإنما وصل إلينا ما بعث بـه نبينا صلى الله عليه و سلم بواسطة القلم ولقد أبدع أبو تمام إذ يقول في وصفه :
( لك القلم الأعلى الذي بشباته
يصاب من الأمر الكلى والمفاصل )
( له ريقة طل ولكن وقعها
بآثاره في الغرب والشرق وابل )
( لعاب الأفاعي القاتلات لعابه
وأرى الجنا اشتارته أيد عواسل )
( له الخلوات اللاء لولا نجيها
لما احتلفت للملك تلك المحافل )
( فصيح إذا استنطقته وهو راكب
وأعجم إن خاطبته وهو راجل )
( إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت
عليه شعاب الفكر وهي حوافل )
( أطاعته أطراف القنا وتقوضت
لنجواه - تقويض الخيام - الجحافل )
( إذا استغزر الذهن الذي وأقبلت
أعاليه في القرطاس وهي أسافل )
( وقد رفدته الخنصران وسددت
ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل )
( رايت جليلا شأنـه وهو مرهف
ضنا وسمينا خطبه وهو ناحل )
والمقسم عليه بالقلم والكتابة في هذه السورة تنزيه نبيه ورسوله عما يقول فيه أعداؤه وهو قوله تعالى { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } وأنت إذا طابقت بين هذا القسم والمقسم بـه وجدته دالا عليه أظهر دلالة وأبينـها فإن ما سطر الكاتب بالقلم من أنواع العلوم التي يتلقاها البشر بعضهم عن بعض لا تصدر من مجنون ولا تصدر إلا من عقل وافر فكيف يصدر ما جاء بـه الرسول من هذا الكتاب الذي هو في أعلى درجات العلوم ؟ بل العلوم التي تضمنـها ليس في قوى البشر الإتيان بها ولاسيما من أمي لا يقرأ كتابا ولا يخط بيمينـه مع كونـه في أعلى أنواع الفصاحة سليما من الاختلاف بريا من التناقض يستحيل من العقلاء كلهم لو اجتمعوا في صعيد واحد أن يأتوا بمثله ولو كانوا في عقل رجل واحد منـهم فكيف يتأتى ذلك من مجنون لا عقل له يميز بـه ما عسى كثير من الحيوان أن يميزه وهل هذا إلا من أقبح البهتان وأظهر الإفك
فتأمل شـهادة هذا المقسم بـه للمقسم عليه ودلالته عليه أتم دلالة ولو أن رجلا أنشأ رسالة واحدة بديعة منتظمة الأول والآخر متساوية الأجزاء يصدق بعضها بعضا أو قال قصيدة كذلك أو صنف كتابا كذلك لشـهد له العقلاء بالعقل ولما استجاز أحد رميه بالجنون مع إمكان - بل وقوع - معارضتها ومشاكلتها والإتيان بمثلها أو أحسن منـها فكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء كلهم قاطبة عن معارضته ومماثلته وعرفهم من الحق ما لا تهتدي عقولهم إليه بحيث أذعنت له عقول العقلاء وخضعت له ألباب الأولياء وتلاشت في جنب ما جاء بـه بحيث لم يسعها إلا التسليم له والانقياد والإذعان طائعة مختارة وهي ترى عقولها أشد فقرا وحاجة إلى ما جاء بـه ولا كمال لها إلا بما جاء بـه ؟ فهو الذي كمل عقولها كما يكمل الطفل برضاع الثدي ولهذا فإن أتباعه أعقل الخلق على الإطلاق وهذه مؤلفاتهم وكتبهم في الفنون إذا وازنت بينـها وبين مؤلفات مخالفيه ظهر لك التفاوت بينـها ويكفي في عقولهم أنـهم عمورا الدنيا بالعلم والعدل والقلوب بالإيمان والتقوى فكيف يكون متبوعهم مجنونا وهذا حال كتابه وهديه وسيرته وحال أتباعه ؟ وهذا إنما حصل له ولأتباعه بنعمة الله عليه وعليهم فنفى عنـه الجنون بنعمته عليه
وقد اختلف في تقدير الآية فقالت فرقة : الباء في ( بنعمة ربك ) باء القسم فهو قسم آخر اعتراض بين المحكوم بـه والمحكوم عليه كما يقول ما أنت بالله بكاذب وهذا التقدير ضعيف جدا لأنـه قد تقدم القسم الأول فكيف يقع القسم الثاني في جوابه ؟ ولا يحسن أن تقول : والله ما أنت بالله بقائم وليس هذا من فصيح الكلام ولا عهد في كلامـهم وقالت فرقة : العامل في ( بنعمة ربك ) أداة معنى النفي أو معنى أنفى عنك الجنون بنعمة ربك ورد أبو عمر ابن الحاجب وغيره وهذا القول بأن الحروف لا تعمل معانيها وإنما تعمل ألفاظها وقال الزمخشري يتعلق ( بنعمة ربك بمجنون ) منفيا كما يتعلق بعاقل مثبتا في قولك : أنت بنعمة الله عاقل يستويان في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك ضرب زيد عمرا وما ضرب زيد عمرا يعمل الفعل مثبتا ومنفيا إعمالا واحدا ومحله النصب على الحال أي ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنـها زائدة لتأكيد النفي
واعترض عليه بأن العامل إذا تسلط على محكوم بـه وله معمول فإنـه يجوز فيه وجهان : أحدهما نقى ذلك المعمول فقط نحو قولك : ما زيد بذاهب مسرعا فإنـه ينتفى الإسراع دون القيام ولا يمتنع أن يثبت له ذهاب في غير إسراع والثاني ينفي المحكوم بـه فينتفي معموله بانتفائه فينتفي الذهاب في هذه الحال فينتفي الإسراع بانتفائه فإذا جعل { بنعمة ربك } معمولا لمجنون لزم أحد الأمرين وكلاهما منتف جزما
وهذا الإعتراض هنا فاسد لأن المعنى إذا حصل ما أنت بمجنون منعما عليك لزم من صدق هذا الخب نفيها قطعا ولا يصح نفي المعمول وثبوت العامل في هذا الكلام ولا يفهم منـه من آلة الفهم وإنما يفهم الآدمي من هذا الكلام أن الجنون انتقى عنك بنعمة الله عليك وانتفى عنا فهمـه هذا المعترض بنعمة الله علينا ثم اخبر سبحانـه عن كماله حالتي نبيه صلى الله عليه و سلم في دنياه وأخراه فقال { وإن لك لأجرا غير ممنون } أي غير مقطوع بل هو دائم مستمر ونكر الأجر تنكير تعظيم كما قال { إن في ذلك لعبرة } و { إن في ذلك لآية } و { إن في ذلك لذكرى } و { إن للمتقين مفازا } و { وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } وهو كثير وإنما كان التنكير للتعظيم لأنـه صور للسامع بمنزلة أمر عظيم لا يدركه الوصف ولا يناله التعبير ثم قال { وإنك لعلى خلق عظيم } وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته لمن منحه الله فهما ولقد سئلت أم المؤمنين عن خلقه صلى الله عليه و سلم فأجابت بما شفى وكفى فقالت : كان خلقه القرآن فهم سائلها أن يقوم لا يسألها شيئا بعد ذلك ومن هذا قال ابن عباس وغيره : أي على دين عظيم وسمى الدين خلقا لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات زاكية وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل والحكمة والمصلحة وأقوال مطابقة للحق تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات فتكتسب النفس بها أخلاقا هي أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها فهذه كانت أخلاق رسول الله صلى الله عليه و سلم المقتبسة من مشكاة القرآن فكان كلامـه مطابقا للقرآن تفصيلا له وبيينا وعلومـه علوم القرآن وإرادته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن وإعراضه وتركه لما منع منـه القرآن ورغبته فيما رغب فيه وزهده فيما زهد فيه وكراهته لما كرهه ومحبته لما أحبه وسعيه في تنفيذ أوامره وتبليغه والجهاد في إقامته فترجمت أم المؤمنين لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول صلى الله عليه و سلم وحسن تعبيرها عن هذا كله بقولها : كان خلقه القرآن وفهم هذا السائل لها عن هذا المعنى فاكتفى بـه واشتفى
فإذا كانت أخلاق العباد وعلومـهم وإراداتهم وأعمالهم مستفادة من القلم وما يسطرون وكان في خلق القلم والكتابة إنعام عليهم وإحسان إليهم إذ وصلوا بـه إلى ذلك فكيف ينكرون إنعامـه وإحسانـه على عبده ورسوله الذي أعطاه أعلى الأخلاق وأفضل العلوم والأعمال والإرادات التي لاتهتدي للقول على تفاصيلها من غير قلم ولا كتابة ؟ فهل هذا إلا من أعظم آيات نبوته وشواهد صدق رسالاته ؟ وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون هو أم هم ؟ وقد علموا هم والعقلاء ذلك في الدنيا ويزداد علمـهم في البرزخ وينكشف ويظهر كل الظهور في الآخرة بحيث تتساوى أقدام الخلائق في العلم به
وقد اختلف تقدير قوله { بأيكم المفتون } فقال أبو عثمان المازني : هو كلام مستأنف والمفتون عنده مصدر أي : بأيكم الفتنة والاستفهام عن أمر دائر بين إثنين قد علم انتفاؤه عن أحدهما قطعا فتعين حصوله للآخر والجمـهور على خلاف هذا التقدير وهو عندهم متصل بما قبله ثم لهم فيه أربعة أوجه :
( أحدها ) أن الباء زائدة والمعنى : أيكم المفتون وزيدت في المبتدأ كما زيدت في قولك : بحسبك أن تفعل قاله أبو عبيد
( الثاني ) أن المفتون بمعنى الفتنة أي ستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة والباء على هذا ليست بزائدة قال الأخفش
( الثالث ) أن المفتون مفعول على بابه ولكن هنا مضاف محذوف تقديره بأيكم فتون المفتون وليست الباء زائدة قاله الأخفش أيضا
( الرابع ) أن الباء بمعنى في والتقدير في أي فريق منكم النوع المفتون والباء على هذا ظرفية وهذه الأقوال كلها تكلف ظاهر لا حاجة إلى شيء منـه و ( ستبصر ) مضمن معنى تشعر وتعلم فعدى بالباء كما تقول : ستشعر بكذا وتعلم بـه قال تعالى { ألم يعلم بأن الله يرى } وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب فلا تجب من دعاك إليه من مكان بعيد
ومن ذلك قوله تعالى { فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنـه لقسم لو تعلمون عظيم * إنـه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون * تنزيل من رب العالمين } ذكر سبحانـه هذا القسم عقيب ذكر القيامة الكبرى وأقسام الخلق فيها ثم ذكر الأدلة القاطعة على قدرته وعلى المعاد بالنشأة الأولى وإخراج النبات من الأرض وإنزال الماء من السماء وخلق النار ثم ذكر بعد ذلك أحوال الناس في القيامة الصغرى عند مفارقة الروح للبدن وأقسم بمواقع النجوم على ثبوت القرآن وأنـه تنزيله
وقد اختلف في النجوم التي أقسم بمواقعها فقيل : هي آيات القرآن ومواقعها نزولها شيئا بعد شيء وهذا قول ابن عباس رضي الله عنـهما في روياة عطاء وقول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل وقتادة وقيل : النجوم هي الكواكب ومواقعها مساقطها عند غروبها هذا قول أبي عبيدة وغيره وقيل : مواقعها اتنشارها و انكدارها واندثارها يوم القيامة وهذا قول الحسن ومن حجة هذا القول أن لفظ مواقع تقتضيه فإنـه مفاعل من الوقوع وهو السقوط فلكل نجم موقع وجمعها مواقع ومن حجة قول من قال هي مساقطها عند الغروب أن الرب تعالى يقسم بالنجوم وطلوعها وجريانـها وغروبها إذ فيها وفي أحوالها الثلاث آية وعبرة ودلالة كما تقدم في قوله تعالى { فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس } وقال { والنجم إذا هوى } وقال { فلا أقسم برب المشارق والمغارب } ويرجح هذا القول أيضا أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منـها الكواكب كقوله تعالى { وإدبار النجوم } وقوله { والشمس والقمر والنجوم }
وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النجوم في القسم وبين المقسم عليه وهو القرآن من وجوه : ( أحدها ) أن النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الجهل والغي فتلك هداية في الظلمات الحسية وآيات القرآن في الظلمات المعنوية فجمع بين الهدايتين مع ما في النجوم من الرجوم للشياطين وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس والجن والنجوم آيات المشـهودة المعاينة والقرآن آياته المتلوة السمعية مع ما فيها مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول
ومن قرأ { بمواقع النجوم } على الأفراد فلدلالة الواحد المضاف إلى الجميع على التعدد والمواقع اسم جنس والمصادر إذا اختلفت جمعت وإذا كان النوع واحدا أفردت قال تعالى { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } فجمع الأصوات لتعدد النوع وأفرد صوت الحمير لوحدته فإفراد موقع النجوم لوحدة المضاف إليه وتعدد المواقع لتعدده إذ لكل نجم موقع
والمقسم عليه ههنا قوله { إنـه لقرآن كريم } ووقع الاعتراض بين القسم وجوابه بقوله : { وإنـه لقسم لو تعلمون عظيم } ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله تعالى { لو تعلمون عظيم } فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض ألطف شيء وأحسنـه موقعا وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمن تأكيدا أو تنبيها أو احترازا كقوله تعالى { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } فاعترض بين المبدأ والخبر بقوله : { لا نكلف نفسا إلا وسعها } لما تضمنـه ذلك من الاحتراز الع لتوهم متوهم : أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات فرفع ذلك بقوله { لا نكلف نفسا إلا وسعها } وهذا أحسن من قول من قال : أنـه خبر عن الذين آمنوا ثم أخبر عنـهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا بل هو حكم شامل لجميع الخلق مع ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط وتقدير صفة محذوفة أي نفسا منـهم وتعطيل هذه الفائدة الجليلة
ومن ألفط الاعتراض وأحسنـه قوله تعالى { ويجعلون لله البنات سبحانـه ولهم ما يشتهون } فاعترض بقوله سبحانـه بين الجعلين وفوائد الاعتراض تختلف بحسب قصد المتكلم وسياق الكلام من قصد الاعتناء والتقرير والتوكيد وتعظيم المقسم بـه والمخبر عنـه ورفع توهم خلاف المراد والجواب عن سؤال مقدر وغير ذلك :
فمن الاعتراض الذي يقصد بـه التقرير والتوكيد قول الشاعر :
( لو أن الباخلين - وأنت منـهم - ... ارباب وبرده رأوك تعلموا منك المطالا )
ومما يقصد بـه الجواب عن سؤال مقدر قول الآخر :
( فلا هجره يبدو - وفي اليأس راحة - ... ارباب وبرده ولا وصله يصفو لنا فنكارمـه )
فقوله : وفي اليأس راحة جواب لتقدير سؤال سائل وما يغني عنك هجره ؟ فقال : وفي اليأس راحة أي المطلوب أحد أمرين : إما يأس مريح أو وصال صاف
ومن اعتراض الاحتراز قول الجعدي :
( ألا زعمت بنو جعد بأني ... - وقد كذبوا - كبير السن فاين )
ومنـه قول نصيب :
( فكدت - ولم اخلق من الطير - إن بدا ... سنا بارق نحو الحجاز أطير )
فقوله : ولما أخلق من الطير لرفع استفهام يتوجه عليه على سبيل الإنكار لو قال فكدت أطير فيقال له : وهل خلقت من الطير فاحترز بهذا الاعتراض وعندي أن هذا الاعتراض يفيد غير هذا وهو قوة شوقه ونزوعه إلى أرض الحجاز فأخبر انـه كاد يطير على أنـه أبعد شيء من الطيران فإنـه لم يخلق من الطير ولا عجب طيران من خلق من الطير وإنما العجب طيران من لم يخلق من الطير لشدة نزوعه وشوقه إلى جهة محبوبة فتأمله
ومن مواقع الاعتراض بالدعاء كقول الشاعر :
( قد كنت أبكي وأنت راضية حذار هذا الصدود والغضب )
( إن تم ذا الهجر يا ظلوم - ولا ... تم - فما لي في العيش من أرب )
وقول الآخر :
( إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها )
وقول الآخر :
( إن الثمانين - وبلغتها - ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان )
ومنـه الاعتراض بالقسم كقوله :
( ذاك الذي - وأبيك - يعرف مالكا ... والحق يدفع ترهات الباطل )
ومن اعتراض الاستعطاف قوله :
( فمن لي بعين التي كنت مرة ... إلي بها - نفس فداؤك - تنظر )
فاعترض بقوله : نفس فداؤك استعطافا
فتأمل حسن الاعتراض وجزالته في قول الرب تعالى { وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر } فقوله { والله أعلم بما ينزل } اعتراض بين الشرط وجوابه أفاد امورا : منـها الجواب عن سؤال سائل : ما حكمة هذا التبديل وما فائدته ومنـها أن الذي بدل وأتى بغيره منزل محكم نزوله قبل الإخبار ومنـها أن مصدر الأمرين عن علمـه تبارك وتعالى وأن كلا منـهما منزل فيجب التسليم والإيمان بالأول والثاني
ومن الاعتراض الذي هو في أعلى درجات الحسن قوله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمـه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك } فاعترض بذكر شأن حمله ووضعه بين الوصية والموصى بـه توكيدا لأمر الوصية بالوالدة التي هذا شأنـها وتذكيرا لولدها بحقها وما قاسته من حمله ووضعه مما لم يتكلفه الأب ومنـه قوله تعالى { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون * فقلنا اضربوه ببعضها } فاعترض بقوله : { والله مخرج ما كنتم تكتمون } بين الجمل المعطوف بعضها على بعض إعلاما بأن تدارؤهم وتعهم في شأن القتيل ليس نافعا لهم في كتمانـه فالله يظهره ولابد ولا تستطل هذا الفصل وأمثاله فإن يعطيك ميزانا وينـهج لك طريقا يعينك على فهم الكتاب والله المستعان
ثم قال : { إنـه لقرآن كريم } فوصفه بما يقتضي حسنـه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم النفع وهو من كل شيء أحسنـه وأفضله والله سبحانـه وصف نفسه بالكرم ووصف بـه كلامـه ووصف بـه عرشـه ووصف بـه ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره ولذلك فسر السلف الكريم بالحسن قال الكلبي : إنـه لقرآن كريم أي حسن كريم على الله وقال مقاتل : كرمـه الله وأعزه لأنـه كلامـه وقال الأزهري : الكريم اسم جامع لما يحمد والله كريم جميل الفعال وإنـه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة وبالجملة فالكريم الذي من شأنـه أن يعطي الخير الكثير بسهولة ويسر وضده اللئيم الذي لا يخرج خيره النزر إلا بعسر وصعوبة وكذلك الكريم في الناس واللئيم
ثم قال تعالى : { في كتاب مكنون } اختلف المفسرون في هذا : فقيل هو اللوح المحفوظ والصحيح أنـه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله : { في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة } ويدل على أنـه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله : { لا يمسه إلا المطهرون } فهذا يدل على أنـه بأيديهم يمسونـه وهذا هو الصحيح في معنى الآية ومن المفسرين من قال : إن المراد بـه أن المصحف لا يمسه إلا طاهر
والأول أرجح لوجوه :
( أحدها ) أن الآية سيقت تنزيها للقرآن أن تنزل بـه الشياطين وأن محله لا يصل إليه فيمسه إلا المطهرون فيستحيل على أخابث خلق الله وأنجسهم أن يصلوا إليه أو يمسوه كما قال تعالى { وما تنزلت بـه الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون } فنفي الفعل وتأتيه منـهم وقدرتهم عليه فما فعلوا ذلك ولا يليق بهم ولا يقدرون عليه فإن الفعل قد ينتفى عمن يحسن منـه وقد يليق بمن لا يليق عليه فنفى عنـهم الأمور الثلاثة وكذلك قوله في سورة عبس { في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة } فوصف محله بهذه الصفات بيانا أن الشيطان لا يمكنـه أن يتنزل بـه وتقرير هذا المعنى أهم وأجل وأنفع من بيان كون المصحف لا يمسه إلا طاهر
( الوجه الثاني ) أن السورة مكية والاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية
( الثالث ) إن القرآن لم يكن في مصحف عند نزول هذه الآية ولا في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم وإنما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر وهذا وإن جاز أن يكون باعتبار ما يأتي فالظاهر أنـه إخبار بالواقع حال الأخبار يوضحه
( الوجه الرابع ) وهو قوله : { في كتاب مكنون } والمكنون المصون المستور عن الأعين الذي لا تناله أيدي البشر كما قال تعالى ك { كأنـهن بيض مكنون } وهكذا قال السلف قال الكلبي : مكنون من الشياطين وقال مقاتل : مستور وقال مجاهد : لايصيبه تراب ولا غبار وقال أبو اسحق : مصون في السماء يوضحه
( الوجه الخامس ) أن وصفه بكونـه مكنونا نظير وصفه بكونـه محفوظا فقوله { لقرآن كريم * في كتاب مكنون } كقوله { بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ } يوضحه
( الوجه السادس ) أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين وابلغ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسه محدث
( الوجه السابع ) قوله { لا يمسه إلا المطهرون } بالرفع فهذا خبر لفظا ومعنى ولو كان نـهيا لكان مفتوحا ومن حمل الآية على النـهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النـهي والأصل في الخبر والنـهي حمل كل منـهما على حقيقته وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النـهي
( الوجه الثامن ) أنـه قال : { إلا المطهرون } ولم يقل إلا المطهرون ولو أراد بـه منع المحدث من مسه لقال إلا المتطهرون كما قال تعالى { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } وفي الحديث [ اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ] فالمتطهر فاعل التطهير والمطهر الذي طهره غيره فالمتوضئ متطهر والملائكة مطهرون
( الوجه التاسع ) أنـه لو أريد بـه المصحف الذي بأيدينا لم يكن في الاختبار عن كونـه مكنونا كبير فائدة إذ مجرد كون الكلام مكنونا في كتاب لا يستلزم ثبوته فكيف يمدح القرآن بكونـه مكنونا في كتاب وهذا أمر مشترك والآية إنما سيقت لبيان مدحه وتشريفه وما اختص بـه من الخصائص التي تدل على أنـه منزل من عند الله وأنـه محفوظ مصون لا يصل إليه شيطان بوجه ما ولا يمس محله إلا المطهرون وهم السفرة الكرام البررة
( الوجه العاشر ) ما رواه سعيد بن منصور في سننـه حدثنا أبو الأحوص حدثنا عاصم الأحول عن أنس بن مالك في قوله { لا يمسه إلا المطهرون } قال المطهرون الملائكة وهذا عند طائفة من أهل الحديث في حكم المرفوع وقال الحاكم : تفسير الصحابة عندنا في حكم المرفوع ومن لم يجعله مرفوعا فلا ريب أنـه عنده أصح من تفسير من بعد الصحابة والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن ويجب الرجوع إلى تفسيرهم وقال حرب في مسائله : سمعت اسحق في قوله { لا يمسه إلا المطهرون } قال : النسخة التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون قال الملائكة :
وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر فقال هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر والحديث مشتق من هذه الآية وقوله [ لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر ] رواه أهل السنن من حديث الزهري عن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده : أن في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه و سلم إلى أهل اليمن في السنن والقرائض والديات [ أن لا يمس القرآن إلا طاهر ] قال أحمد : أرجو أن يكون صحيحا وقال أيضا : لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتبه وقال أبو عمر بن عبدالبر : هو كتاب مشـهور عن اهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بشـهرتها عن الإسناد لأنـه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة ثم قال : وهو كتاب معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلا وقد رواه ابن حبان في صحيحه ومالك في موطنـه وفي المسألة آثار أخر مذكورة في غير هذا الموضع
ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنـه لا يدرك معانيه ولا يفهمـه إلا القلوب الطاهرة وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمـه كما ينبغي قالت البخاري في صحيحه في هذه الآية : لا يجد ط إلا من آمن بـه وهذا أيضا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنـه لا يلتذ بـه وبقراءته وفهمـه وتدبره إلا من شـهد أنـه كلام الله تكلم بها حقا و أنزله على رسوله وحيا ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منـه بوجه من الوجوه فمن لم يؤمن بأنـه حق من عند الله ففي قلبه منـه حرج ومن لم يؤمن بأن الله سبحانـه تكلم بـه وحيا وليس مخلوقا من جملة مخلوقاته ففي قلبه من حرج ومن قال : إن له باطنا يخالف ظاهره وإن له تأويلا بخالف ما يفهم منـه ففي قلبه منـه حرج ومن قال : إن له تأويلا لا نفهمـه ولا نعلمـه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منـه حرج ومن سلط عليه آل الآرائيين وهذيان المتكلمين وسفسطة المسفسطين وخيالات المتصوفين ففي قلبه منـه حرج ومن جعله تابعا ومذهبه وقول من قلده دينـه ينزله على أقواله ويتكلف حمله عليها ففي قلبه منـه حرج ومن لم يحكمـه ظاهرا وباطنا في أصول الدين وفروعه ويسلم وينقاد لحكمـه أين كان ففي قلبه منـه حرج ومن لم يأتمر بأوامره وينزجر عن زواجره ويصدق جميع أخباره ويحكم أمره ونـهيه وخبره ويرد له كل أمر ونـهي وخبر خالفه ففي قلبه منـه حرج وكل هؤلاء لم تمس قلوبهم معانيه ولا يفهمونـه كما ينبغي أن يفهم ولا يجدون من لذة حلاوته وط ما وجده الصحابة ومن تبعهم
وأنت إذا تأملت قوله { لا يمسه إلا المطهرون } وأعطيت الآية حقها من دلالة اللفظ وإيمائه وإشارته وتنبيهه وقياس الشيء على نظيره واعتباره بمشاكله وتأملت المشابهة التي عقدها الله سبحانـه وربطها بين الظاهر والباطن - فهمت هذه المعاني كلها من الاية وبالله التوفيق
ثم أكد ذلك وقرره وأوطده بقوله : { تنزيل من رب العالمين } وكما أنـه لازم لكونـه قرآنا كريما في كتاب مكنون فهو ملزوم له فهو دليل عليه مدلول له
وأفاد كونـه تنزيلا من رب العالمين مطلوبين عظيمين من أجل مطالب الدين :
( أحدهما ) أنـه المتكلم وأنـه منـه نزل ومنـه بدأ وهو الذي تكلم بـه ومن هنا قال السلف : منـه بدأ ونظيره { ولكن حق القول مني } وقوله : { قل نزله روح القدس من ربك }
( والثاني ) علو الله سبحانـه فوق خلقه فإن النزول والتنزيل الذي تعقله العقول وتعرفه الفطر - هو وصول الشيء من أعلا إلى أسفل والرب تعالى إنما يخاطب عباده بما تعرفه فطرهم وتشـهد بـه عقولهم وذكر التنزيل مضافا إلى ربوبيته للعالمين المستلزمة تملكه لهم وتصرفه فيهم وحكمـه عليهم وإحسانـه وإنعامـه عليهم وأن من هذا شأنـه مع الخلق كيف يليق بـه مع ربوبيته التامة أن يتركهم سدى ويدعهم هملا ويخلقهم عبثا لا يأمرهم ولاينـهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم فمن أقر بأنـه رب العالمين أقر بأن القرآن تنزيله على رسوله واستدل بكونـه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء بـه وهذا الإستدلال اقوى وأشرف من الإستدلال بالمعجزات والخوارق وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم الناس وتلك إنما تكون لخواص العقلاء
وقد أشار سبحانـه إلى الطريقين في غير موضع من كتابه كقوله { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنـه الحق } فهذا استدلال بالآيات المعاينة المخلوقة ثم قال : { أولم يكف بربك أنـه على كل شيء شـهيد } فهذا استدلال بكمال ربوبيته وكمال أوصافه على صدق رسوله فيما جاء بـه وهذه الطريق أخص وأقوى وأكمل وأعلى والأول أعم واشمل وقد تقدم بيانـها عنده قوله تعالى : { ولو تقول علينا بعض الأقاويل } وأين الإستدلال بأوصاف الرب تعالى وكماله المقدس على ثبوت النبي وبعثه من الإستدلال عليه ببعض مخلوقاته ؟
وتأمل فرق ما بين استدلال سيدة نساء العالمين خديجة الله عنـها بصفات الرب تعالى وصفات محمد صلى الله عليه و سلم واستنتاجها من بين هذين الأمرين صحة نبوته وأنـه رسول الله حقا وأن من كانت هذه صفات ربه وخالقه تأبى أن يخزيه وأنـه يؤيده ويعليه ويتم نعمته عليه
وأنت إذا تأملت هذه الطريقة وهذا الإستدلال وجدت بينـها وبين طريقة المتكلمين من الفرق مالا يخفى وإذا حصل للعبد الفقه في الأسماء والصفات إنتفع بـه في باب معرفة الحق والباطل من الأقوال والطرائق والمذاهب والعقائد - أعظم انتفاع وأتمـه وقد بينا في كتابنا المعالم بطلان التحيل وغيره من الحيل الربوبية من أسماء الرب وصفاته وأنـه يستحيل على الحكيم أن يحرم الشيء ويتوعد على فعله بأعظم أنواع العقوبات ثم يبيح التوصل إليه بنفسه بأنواع التحيلات فأين ذلك الوعد الشديد وجواز التوصل إليه بالطريق البعيد إذ ليست حكمة الرب تعالى وكمال علمـه وأسمائه وصفاته تنتقض بإحالة ذلك وامتناعه عليه فهذا استدلال بالفقه الأكبر في الأسماء والصفات على الفقه العملي في باب الأمر والنـهي وهذا باب حرام على الجهمي المعطل أن يلجه إلى الجنة حرام عليه ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين ألف سنة والله العزيز الوهاب لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع وبه التوفيق
ثم وبخهم سبحانـه على وصفهم الادهان في غير موضعه وأنـهم يداهنون بما حقه أن يصدع بـه ويفرق بـه ويعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر وتعقد عليه القلوب والأفئدة ويحارب ويسالم لأجله ولا يلتوي عنـه لا يمنة ولا يسرة ولا يكون للقب التفات إلى غيره ولا محاكمة إلا إليه ولا مخاصمة إلا بـه ولابه اهتداء في طرق المطالب العالية إلا بنوره ولا شفاء إلا بـه فهو روح الوجود وحياة العالم ومدار السعادة وقائد الفلاح وطريق النجاة وسبيل الرشاد ونور البصائر فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنـه ولم ينزل للمداهنة ؟ وإنما أنزل بالحق وللحق والمداهنة إنما تكون في باطل قوي لا يمكن إزالته أو في حق ضعيف لا يمكن إقامته فيحتاج المداهن إلى أن يترك بعض الحق ويلتزم بعض الباطل فأما الحق الذي قام بـه كل حق فكيف يدهن بـه ؟
ثم قال سبحانـه { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } لما كان قوام كل واحد من البدن والقلب إنما هو بالرزق فرزق البدن الطعام وال ورزق القلب الإيمان والمعرفة بربه وفاطره ومحبته والشوق إليه والأنس بقربه والإبتهاج بذكره وكان لا حياة له إلا بذلك كما أن البدن لا حياة له إلا بالطعام وال - أنعم سبحانـه على عبادة بهذين النوعين من الرزق وجعل قيام أبدانـهم وقلوبهم بهما ثم فاوت سبحانـه بينـهم في قسمة هذين الرزقين بحسب ما اقتضاه علمـه وحكمته : فمنعم من وفر حظه من الرزقين ووسع عليه فيهما ومنـهم من قتر عليه في الرزقين ومنـهم من وسع عليه رزق البدن وقتر عليه رزق القلب وبالعكس وهذا الرزق إنما يتم ويكمل بالشكر والشكر مادة زيادته وسبب حفظه وبقائه وترك الشكر سبب زواله وانقطاعه عن العبد فإن الله تعالى تأذن أنـه لابد ان يزيد الشكور من ن ولابد أن يسلبها من لم يشكرها فلما وضعوا الكفر والتكذيب موضع الشكر والإيمان جعلوا رزقهم نفسه تكذيبا فإن التصديق والشكر لما كانا سبب زيادة الرزق وهما رزق القلب حقيقة فهؤلاء جعلوا مكان هذا الرزق التكذيب والكفر فجعلوا رزقهم التكذيب وهذا المعنى هو الذي حام حوله من قال : التقدير وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون وقال آخرون : التقدير وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون فحذف مضافين معا وهؤلاء أطالوا اللفظ وقصروا بالمعنى ومن بعض معنى الآية قوله : مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا لا يصح أن تدل عليه الآية ويراد بها وإلا فمعناها أوسع منـه وأعم وأعلى والله أعلم
ثم ختم السورة ب
أحوالهم عند القيامة الصغرى كما ذكر في أولها أحوالهم في القيامة الكبرى وقسمـهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمـهم هناك إلى ثلاثة وذكر بين يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته بأنـهم مربوبون مدبرون مملوكون فوقهم رب قاهر مالك يتصرف فيهم بحسب مشيئته وإرادته وقررهم على ذلك بما لا سبيل لهم إلى دفعه ولا إنكاره فقال { فلولا إذا بلغت الحلقوم } أي وصلت الروح إلى هذا الموضع بحيث فارقت ولم تفارق فهي برزخ بين الموت والحياة كما أنـها إذا فارقت صارت في برزخ بين الدنيا والآخرة ملائكة الرب تعالى أقرب إلى المحتضر من حاضريه من الأنس ولكنـهم لا يبصرون بهم فلولا تردونـها إلى مكانـها إلى البدن أيها الحاضرون إن كان الأمر كما تزعمون أنكم غير مجزيين ولا مدينين ولا مستوعبين ليوم الحسابفإن قيل : أي ارتباط بين هذين الأمرين حتى يلازم بينـهما ؟
قيل : هذا من أحسن الاستدلال وأبلغه فإنـهم إما أن يقروا بأنـهم مربوبون مملوكون عبيد لمالك قادر متصرف فيهم قاهر آمر ناه أو لا يقرون بذلك : فإن أقروا بـه لزمـهم القيام بحقه عليهم وشكره وتعظيمـه وإجلاله وأن لا يجعلوا له ندا ولا شريكا وهذا هو الذي جاءهم بـه رسوله ونزله عليه بـه كتابه وإن أنكروا ذلك وقالوا إنـهم ليسوا بعبيد ولا مملوكين ولا مربوبين وإن الأمر إليهم يردون الأرواح إلى مقارها إذا بلغت الحلقوم فإن المتصرف في نفسه الحاكم على روحه لا يمتنع منـه ذلك بخلاف المحكوم عليه المنصرف فيه غير المدبر له سواء الذي هو عبد مملوك من جميع الجهات وهذا الاستدلال لا محيد عنـه ولا مدفع له ومن أعطاه حقه من التقرير والبيان إنتفع بـه غاية النفع وانقاد لأجله للعبودية وأذعن ولم يسعه غير التسليم للربوبية والإلهية والإقرار بالعبودية ولله ما احسن جزالة هذه الألفاظ وفصاحتها وبلوغها أقصى مراتب البلاغة والفصاحة والاختصار التام وندائها إلى معناها من أقرب مكان واشتمالها على التوبيخ والتقرير والإلزام ودلائل الربوبية والتوحيد والبعث وفصل النزاع في معرفة الروح وأنـها تصعد وتنزل وتنتقل من مكان إلى مكان وما أحسن إعادة لولا ثانيا قبل ذكر الفعل الذي يقتضيه الأول وجعل الحرفين يقتضيانـه اقتضاء واحدا وذكر الشرطين بين لولا الأولى والثانية وما تقتضيه من الفعل ثم الموالاة بين الشرط الأول والثاني مع الفصل بينـهما بكلمة واحدة هي الرابط بين لولا الأولى والثانية والشرط والأول والثاني وهذا تركيب يستحد العقل والسمع لمعناه ولفظه
فتضمنت الآيتان تقريرا وتوبيخا واستدلالا على أصول الإيمان : من وجود الخالق سبحانـه وكمال قدرته ونفوذ مشيئته وربوبيته و تصرفه في أرواح عباده حيث لا يقدرون على التصرف فيها بشيء وأن أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ويردها إليهم إذا شاء ويخلي أبدانـهم منـها تارة ويجمع بينـها وبينـهما تارة وإثبات المعاد وصدق رسوله فيما اخبر بـه عنـه وإثبات ملائكته وتقرير عبودية الخلق وأتى بهذا في صورة تحضيضين وتوبيخين وتقريرين وجوابين وشرطين وجزاءين - منتظمة أحسن الإنتظام ومتداخلة أحسن التداخل متعلقا بعضها ببعض وهذا كلام لا يقدر البشر على مثل نظمـه ومعناه قال الفراء : وأجيبت { فلولا إذا بلغت } و { فلولا إن كنتم غير مدينين } بجواب واحد وهو { ترجعونـها إن كنتم صادقين } قال : ومثله قوله تعالى : { فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } أجيبا بجواب واحد وهما شرطان قال الجرجاني : قوله { ترجعونـها } جواب قوله { فلولا } المتقدمة والمتأخرة علىتأويل : فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم تردونـها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون ؟ يقول تعالى : إن كان الأمر كما تزعمون أنـه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله ولا رب يقوم بذلك فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم ؟ فإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فهل دلكم ذلك على أن الأمر إلى مليك قادر قاهر متصرف فيكم وهو الله الذي لا إله إلا هو ؟ وقال أبو اسحق : معناه فلا ترجعون الروح إن كنتم غير مملوكين مدبرين ؟ فهلا إن كان الأمر كما تزعمون كما يقول قائلكم { لو أطاعونا ما قتلوا } و { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم ؟ وهلا تردون عن أنفسكم الموت
قلت : وكان هذا يلتفت إلى قوله تعالى : { قل كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر في صدوركم } أي إن كنتم كما تزعمون لا تبعثون بعد الموت خلقا جديدا فكونوا خلقا لا يغنى ولا يبلى إما من حجارة أو من حديد أو أكبر من ذلك ووجه الملازمة ما تقدم ذكره وهو إما أن تقروا بأن لكم ربا متصرفا فيكم ومالكا لكم تنفذ فيكم مشيئته وقدرته يميتكم إذا شاء ويحييكم إذا شاء فكيف تنكرون قدرته على إعادتكم خلقا جديدا بعدما أماتكم وإما أن تنكروا أن يكون لكم رب قادر قاهر مالك نافذ المشيئة فيكم والقدرة فيكم فكونوا خلقا لا يقبل الفناء والموت فإذا لم تستطيعوا إن تكونوا كذلك فما تنكرون من قدرة من جعلكم خلقا يموت ويحيا أن يحييكم بعدما أماتكم ؟ فهذا استدلال يعجزهم عن كونـهم خلقا لا يموت والذي في الواقعة استدلال يعجزهم عن رد الروح إلى مكانـها إذا قاربت الموت وليس بعد هذا الاستدلال إلا الإذعان والانقياد أو الكفر والعناد
فلما قام الدليل ووضح السبيل وتم البرهان على انـهم مملوكون مربوبون مجزيون محاسبون - ذكر طبقاتهم عند الحشر الأول والقيامة الصغرى وهي ثلاث طبقات : طبقة المقربين وطبقة أصحاب اليمين وطبقة المكذبين فجعل تحية المقربين عند الوفاة الروح والريحان والجنة وهذه الكرامات الثلاثة التي يعطونـها بعد الموت نظير الثلاث التي يعطونـها يوم القيامة : فالروح الفرح والسرور والإبتهاج ولذة الروح فهي كلمة جامعة لنعيم الروح ولذتها وذلك قوتها وغذاؤها والريحان الرزق وهو الأكل والشرب والجنة المسكن الجامع لذلك كله فيعطون هذه الثلاث في البرزج وفي المعاد الثاني
ثم ذكر الطبقة الثانية وهي طبقة أصحاب اليمين ولما كانوا دون المقربين في المرتبة جعل تحيتهم عند القدوم عليه السلامة من الآفات والشرور التي تحصل للمكذبين الضالين فقال : { وأما إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين } والسلام مصدر من سلم أي فلك السلامة والخطاب له نفسه أي : يقال لك السلامة كما يقال للقادم : لك الهناء ولك السلامة ولك البشرى ونحو ذلك من الألفاظ كما يقولون : خير مقدم ونحو ذلك فهذه تحية عند اللقاء قال مقاتل : يسلم الله لهم أمرهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويتقبل حسناتهم وقال الكلبي : يسلم عليه أهل الجنة ويقولون : السلامة لك وعلى هذا فقوله { من أصحاب اليمين } أي : هذه التحية حاصلة لك من إخوانك أصحاب اليمين فإنـه إذا قدم عليهم حيوه بهذه التحية وقالوا السلامة لك وفي الآية أقوال أخر فيها تكلف وتعسف فلا حاجة إلى ذكرها
ثم ذكر الطبقة الثالثة وهي طبقة الضال في نفسه المكذب لأهل الحق وإن له عند الموافاة نزل الحميم وسكنى الجحيم ثم أكد هذا الجزاء مما جعله كأنـه رأى العين لمن آمن بالله ورسوله فقال { إن هذا لهو حق اليقين } فرفع شأنـه عن درجة الظن والعلم إلى اليقين وعن درجة اليقين إلى حقه
ثم أمره أن ينزه اسمـه تبارك وتعالى عما لا يليق بـه وتنزيه الاسم متضمن لتنزيه المسمى عما يقوله الكاذبون والجاحدون
ومن ذلك قوله تعالى : { والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى } أقسم سبحانـه بالنجم عند هويه على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغي
واختلف الناس في المراد بالنجم : فقال الكلبي عن ابن عباس : أقسم بالقرآن إذا نزل منجما على رسوله : أربع آيات وثلاثا والسورة وكان بين أوله وآخره عشرون سنة وكذلك روى عطاء عنـه وهو قول مقاتل والضحاك ومجاهد واختاره الفراء وعلى هذا فسمي القرآن نجما لتفرقه في النزول والعرب تسمي التفرق تنجما والمفرق نجما ونجوم الكتاب أقساطها ويقول : جعلت مالي على فلان نجوما منجمة كل نجم كذا وكذا وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر و مساقطها مواقيت لحلول ديونـها وآجالها فيقولون : إذا طلع النجم - يريدون الثريا - حل عليك الدين ومنـه قوله زهير في دية جعلت نجوما على العاقل :
( ينجمـها قوم لقوم غرامة ولم يهرقوا ما بينـهم ملء مجحم )
ثم جعل كل تنجم تفريقا وإن لم يكن موقتا بطلوع نجم
وقوله ( هوى ) على هذا القول أي : نزل من عل إلى سفل قال أبوزيد : هوت العقاب تهوي هويا - بفتح الهاء - إذا انقضت على صيد أو غيره وكذلك قال ابن الأعرابي وفرق بين الهوى لقوله :
( والدلو في اصعادها عجل الهوى )
وقال الليث : العامة تقول الهوى - بالضم - في مصدر هوى يهوى وكذلك قال الأصمعي : هوى يهوى هو بفتح الهاء إذا سقط إلى أسفل قال وكذلك الهوى في السهر إذا مضى
وههنا أمر يجب التنبيه عليه غلط فيه أبو محمد بن حزم أقبح غلط فذكر في السماء الرب تعالى الهوى بفتح الهاء واحتج بمافي الصحيح من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول في سجود ( سبحان ربي الأعلى ) فظن أبو محمد : أن الهوى صفة للرب وهذا من غلط رحمـه الله وإنما الهوى على وزن فعيل اسم لقطعة من الليل يقال : مضى هوى من الليل على وزن فعيل ومضى هزيع منـه أي : طرف وجانب وكان يقول ( سبحان ربي الأعلى ) في قطعة من الليل وجانب منـه وقد صرحت بذلك في اللفظ الآخر فقالت : كان يقول ( سبحان ربي الأعلى ) الهوى من الليل
عدنا إلى قوله { والنجم إذا هوى } وقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وعطية : يعني الثريا إذا سقطت وغابت وهو الرواية الأخرى عن مجاهد والعرب إذا أطلقت النجم تعني بـه الثريا قال : فباتت تعد النجم وقال أبو حمزة اليماني : يعني النجوم إذا انتشرت يوم القيامة وقال ابن عباس في رواية عكرمة : يعني النجوم التي ترمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع وهذا قول الحسن وهو أظهر الأقوال ويكون سبحانـه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها الله سبحانـه آية وحفظا للوحي من استراق الشياطين له على أن ما أتى بـه رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه بل قد أحرس بالنجم إذا هوى رصدا بين يدي الوحي وحرسا له وعلى هذا فالارتباط بين المقسم بـه والمقسم عليه في غاية الظهور وفي المقسم بـه دليل على المقسم عليه
وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى ولا تسمية نزوله هويا ولا عهد في القرآن ذلك فيحمل هذا اللفظ عليه وليس بالبين تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت وليس بالبين أيضا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة بل هذا مما يقسم الرب عليه ويدل عليه بآياته فلا يجعله نفسه دليلا لعدم ظهوره للمخاطبين لاسيما منكرو البعث فإنـه سبحانـه إنما استدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه فأظهر الأقوال قول الحسن والله أعلم
وبين المقسم بـه والمقسم عليه من التناسب ما لا يخفى فإن النجوم التي ترمى الشياطين آيات من آيات الله يحفظ بها دينـه ووحيه وآياته المنزلة على رسوله بها ظهر دينـه وشرعه وأسماؤه وصفاته وجعلت هذه النجوم المشاهدة خدما وحرسا لهذه النجوم الهاوية ونفى سبحانـه عن رسوله الضلال المنافي للهدى والغي المنافي للرشاد ففي ضمن هذا النفي الشـهادة له بأنـه على الهدى والرشاد فالهدى في علمـه والرشاد في علمـه وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد وبهما سعادته وفلاحه وبهما وصل النبي صلى الله عليه و سلم خلفاءه فقال [ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المـهدين من بعدي ] فالراشد ضد الغاوي والمـهدي ضد الضال وهو الذي زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو صاحب الهدى ودين الحق ولا يشتبه الراشد المـهدي بالضال الغاوي إلا على أجهل خلق الله و أعمالهم قلبا وأبعدهم من حقيقة الإنسانية ولله درون القائل :
( وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظلم )
فالناس أربعة أقسام : ضال في علمـه غاو في قصده وعمله وهؤلاء شرار الخلق وهم مخالفو الرسل
( الثاني ) مـهتد في علمـه غاو في قصده وعمله وهؤلاء هم الأمة الغضبية ومن تشبه بهم وهو حال كل من عرف الحق ولم يعمل به
( الثالث ) مـهتد في علمـه راشد في قصده وهؤلاء ورثة الأنبياء وهم وإن كانوا الأقلين عددا فهم الأكثرون عند الله قدرا وهم صفوة الله من عباده وحزبه من خلقه
وتأمل كيف قال سبحانـه { ما ضل صاحبكم } ولم يقل ما ضل محمد تأكيدا لإقامة الحجة عليهم بأنـه صاحبهم وهم أعم الخلق بـه وبحاله وأقواله وأعماله وأنـهم لا يعرفونـه بكذب ولاغي ولا ضلال ولا ينقمون عليه أمرا واحدا قط وقد نبه على هذا المعنى بقوله { أم لم يعرفوا رسولهم } وبقوله { وما صاحبكم بمجنون }
ثم قال سبحانـه { وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى } ينزه نطق رسوله أن يصدر عن هوى وبهذا الكمال هداه ورشده وقال { وما ينطق عن الهوى } ولم يقل وما ينطق بالهوى لأن نطقه عن الهوى أبلغ فإنـه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق بـه فتضمن نفي الأمرين نفي الهوى عن مصدر النطق ونفيه عن نفسه : فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد لا الغي والضلال
ثم قال { إن هو إلا وحي يوحى } فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل أي ما نطقه إلا وحي يوحى وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائدا إلى القرآن فإنـه يعم نطقه بالقرآن والسنة وإن كليهما وحي يوحى وقد احتج الشافعي لذلك فقال : لعل من حجة من قال بهذا قوله { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } قال ولعل من حجته أن يقول : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم [ والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله : الغنم والخادم رد عليك - الحديث ] وفي الصحيحين أن يعلى بن أمية كان يقول لعمر : ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه و سلم حين ينزل عليه الوحي فلما كان بالجعرانة سأله رجل فقال : كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبته بعدما تضمخ بالخلوق فنظر إليه النبي صلى الله عليه و سلم ساعة ثم سكت فجاء الوحي فأشار عمر بيده إلى يعلى فجاء فأدخل رأسه فإذا النبي صلى الله عليه و سلم محرم يعظ ثم سرى عنـه فقال [ أين السائل آنفا ] فجيء بـه فقال [ إنزع عنك الجبة وغسل أثر الطيب واصنع في عمرتك ما نصع في حجتك ] قال الشافعي : أخبرنا مسلم بن ابن جريج عن أبي طاووس عن أبيه أن عنده كتابا نزل بـه الوحي وما فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم من صدقة وعقول فإنما نزل بـه الوحي وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية قال : كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمـه إياه وذكر الأوزاعي أيضا عن أبي عبيد صاحب سليمان أخبرني القاسم بن مخمرة حدثني ابن فضيلة قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم : سعر لنا قال [ لا تسألني عن سن أحدثها فيكم لم يأمرني بها ولكن سلوا الله من فضله ] وابن فضيلة هذا يسمى طلحة وهذا صح عنـه أنـه قال [ ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ] وهذا هو السنة بلا شك و قد قال تعالى { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } وهما القرآن والسنة وبالله التوفيق
ثم أخبر تعالى عن وصف من علمـه الوحي والقرآن مما يعلم أنـه مضاد لا وصاف الشيطان معلم الضلال والغواية فقال ( علمـه شديد القوى ) وهذا نظير قوله ( ذي قوة عند ذي العرش ) وذكرنا هناك السر في وصفه بالقوة
وقوله ( ذو مرة ) أي جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة ليس شيطانا أقبح خلق الله وأشوههم صورة بل هو من أجمل الخلق وأقواعم وأعظمـهم أمانة ومكانة عند الله وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة وتزكية له كما تقدم نظيره في سورة التكوير فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته وهذه كانت أوصاف الرسول البشري والملكي فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم أشجع الناس وأعلمـهم وأجملهم وأجلهم والشياطين وتلامذتهم بضد من ذلك فهم أقبح الخلق صورة ومعنى وأجهل الخلق وأضعفهم همما ونفوسا
ثم ذكر استواء هذا المعلم بالأفق الأعلى ودنوه وتدليه وقربه من رسول الله صلى الله عليه و سلم وإيحاء الله ما أوحى فصور سبحانـه لأهل الإيمان صورة الحال من نزول جبريل من عنده إلى أن استوى بالأفق ثم دنى وتدلى وقرب من رسوله فأوحى إليه ما أمره الله بإيحائه حتى كأنـهم يشاهدون صورة الحال ويعاينونـها هابطا من السماء إلى أن صار بالأفق الأعلى مستويا عليه ثم نزل وقرب من محمد صلى الله عليه و سلم وخاطبه بما أمرع الله بـه قائلا : ربك يقول لك كذا وكذا وأخبر سبحانـه عن مسافة هذا القرب بأن قدر قوسين أو أدنى من ذلك وليس هذا على وجه الشك بل تحقيق لقدر المسافة وأنـها لا تزيد عن قوسين ألبتة كما قال تعالى { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } تحقيق لهذا العدد وأنـهم لا ينقصون عن مائة ألف رجل واحدا ونظيره قوله { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة } أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونـها وهذا المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جعل أو في هذه المواضع بمعنى بل ومن قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرأي وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمله انتهى
ثم أخبر تعالى عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه وأن القلب صدق العين وليس كمن رأى شيئا على خلاف ما هو بـه فكذب فؤاده وبصره بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد وعلم أنـه كذلك وفيها قراءتان : إحداهما بتخفيف كذب والثانية بتشديدها يقال كذبته عينـه وكذبه قلبه وكذبه جسده إذا أخلف ما ظنـه وحدسه قال الشاعر :
( كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا )
أي أرتك مالا حقيقة له فنفى هذا عن رسوله وأخبره أن فؤاده لم يكذب ما رآه و ( ما ) إما أن تكون مصدرية فيكون المعنى : ما كذب فؤاده رؤيته وإما أن تكون موصولة فيكون المعنى : ما كذب الفؤاد الذي رآه بعينـه وعلى التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر وتوافقهما وتصديق كل منـهما لصاحبه وهذا ظاهر جدا في قراءة التشديد وقد استشكلها طائفة منـهم المبرد وقال : في هذه القراءة بعد قال : لأنـه إذا رأى بقلبه فقد علمـه أيضا بقلبه وإذا وقع العلم فلا كذب معه فإنـه إذا كان الشيء في القلب معلوما فكيف يكون معه تكذيب ؟
قلت : وجواب هذا من وجهين ( أحدهما ) أن الرجل قد يتخيل الشيء على خلاف ما هو بـه فيكذبه قلبه إذ يريه صورة المعلوم على خلاف ما هي عليه كما تكذبه عينـه فيقال : كذبه قلبه وكذبه ظنـه وكذبته عينـه فنفى سبحانـه ذلك عن رسوله وأخبر أن ما رآه الفؤاد فهو كما رآه كمن رأى الشيء على حقيقة ما هو بـه فإنـه يصح أن يقال : لم تكذبه عينـه
( الثاني ) أن يكون الضمير في ( رأى ) عائدا إلى الرأي لا إلى الفؤاد ويكون المعنى : ما كذب الفؤاد ما رآه البصر وهذا بحمد الله لا إشكال فيه والمعنى ما كذب الفؤاد ما رآه البصر بل صدقه وعلى القراءتين فالمعنى : ما أوهمـه الفؤاد أنـه رأى ولم ير ولا اتهم بصره
ثم أنكر سبحانـه عليهم مكابرتهم و جحدهم له على ما رآه كما ينكر على الجاهل مكابرته للعالم ومماراته له على ما علمـه وفيها قراءتان أفمارونـه وأفتمرونـه وهذه المماراة أصلها من الجحد والدفع يقول مريت الرجل حقه إذا جحدته كما قال الشاعر :
( لئن هجرت أخا صدق ومكرمة لقد مريت أخا ما كان يمريكا )
ومنـه المماراة وهي المجادلة والمكابرة ولهذا عدى هذا الفعل بعلى وهي على بابها وليست بمعنى عن كما قاله المبرد بل الفعل متضمن معنى المكابرة وهذا في قراءة الألف أظهر ورجح أبو عبيدة : قراءة من قرأ ( أفتمرونـه ) قال : وذلك أن المشركين إنما شأنـهم الجحود لما كان يأتيهم من الوحي وهذا كان أكثر من المماراة منـهم يعني أن من قرأ ( أفتمارونـه ) فمعناه أفتجادلونـه ؟ ومن قرأ ( أفتمرونـه ) معناه أفتجحدونـه ؟ وجحودهم لما جاء بـه كان هو شأنـهم وكان أكثر من مجادلتهم له وخالفه أبو علي وغيره واختاروا قراءة ( أفتمارونـه ) قال أبو علي : من قرأ أفتمارونـه فمعناه أفتجادلونـه جدالا ترومون بـه دفعه عما علمـه وشاهده ؟ ويقوي هذا الوجه قوله تعالى { يجادلونك في الحق بعد ما تبين } ومن قرأ ( أفتمرونـه ) كان المعنى أفتجحدونـه ؟ قال : والمجادلة كأنـها أشبه في هذا لأن الجحود كان منـهم في هذا وغيره وقد جادله المشركون في الإسراء
قلت : القوم جمعوا بين الجدال والدفع والإنكار فكان جدالهم جدال جحود ودفع لا جدال استرشاد وتبين الحق : وإثبات الألف يدل على المجادلة والإتيان بعلى يدل على المكابرة فكانت قراءة الألف منتظمة للمعنيين جميعا فهي أولى وبالله التوفيق
ثم أخبر سبحانـه عن رؤيته لجبريل مرة أخرى عند سدرة المنتهى : فالمرة الأولى كانت دون السماء بالأفق الأعلى والثانية كانت فوق السماء عند سدرة المنتهى وقد صح عنـه صلى الله عليه و سلم أنـه جبريل عليه الصلاة و السلام رآه على صورته التي خلق عليها مرتين كما في الصحيحين عن زر بن حبيش أنـه سئل عن قوله تعالى { فكان قاب قوسين أو أدنى } قال : أخبرني ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه و سلم رأى جبريل له ستمائة جناح وفي الصحيحين أيضا عن عبدالله بن مسعود { ما كذب الفؤاد ما رأى } قال : [ رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح ] وقال البخاري عنـه : [ رأى رفرفا أخضر يسد الأفق ] وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة [ ولقد رآه نزلة أخرى ] قال : رأى جبريل عليه السلام وفي صحيحه أيضا عن مسروق قال : كنت متكئا عند عائشة فقالت : ثلاث من تكلم بواحدة منـهن فقد أعظم على الله الفرية قلت : ما هن ؟ قالت : من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية قال : وكنت متكئا فجلست فقلت : يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز و جل { ولقد رآه بالأفق المبين } { ولقد رآه نزلة أخرى } ؟ فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : [ إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منـهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ] فقالت : أولم تسمع أن الله عز و جل يقول { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } أو لم تسمع أن الله عز و جل يقول { وما كان لبشر أن يكلمـه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنـه ما يشاء إنـه علي حكيم } قالت : ومن زعم أن محمدا كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله عز و جل يقول { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } قال : ومن زعم أنـه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله عز و جل يقول { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } ولو كان محمد كاتما شيئا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } وفي الصحيحين عن مسروق أيضا قال : سألت عائشة رضي الله عنـها هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : سبحان الله ! لقد وقف شعري مما قلت وفيهما أيضا قال قلت لعائشة : فأين قوله عز و جل { ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى } قالت : إنما ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال وإنـه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق وفي صحيح مسلم بأن أبا ذر سأله صلى الله عليه و سلم : هل رأيت ربك فقال [ نور أنى أراه ] وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أبي موسى الأشعري قام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم بخمس كلمات فقال : [ إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النـهار وعمل النـهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ] وهذا الحديث ساقه مسلم بعد حديث أبي ذر المقدم وهو كالتفسير له ولا ينافي هذا قوله في حديث الصحيح حديث الرؤية يوم القيامة [ فيكشف الحجاب فينظرون إليه ] فإن النور الذي هو حجاب الرب تعالى يراد بـه الحجاب الأدنى إليه وهو لو كشف لم يقم له شيء كما قال ابن عباس في قوله عز و جل { لا تدركه الأبصار } قال : ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بـه لم يقم له شيء وهذا الذي ذكره ابن عباس يقتضي أن قوله ( لا تدركه الأبصار ) على عمومـه وإطلاقه في الدنيا والآخرة ولا يلزم من ذلك أن لايرى بل يرى في الآخرة بالأبصار من غير إدراك وإذا كانت أبصارنا لا تقوم لأدراك الشمس على ماهي عليه وإن رأتها مع القرب الذي بين المخلوق والمخلوق فالتفاوت الذي بين أبصار الخلائق وذات الرب جل جلاله أعظم وأعظم ولهذا لما حصل للجبل أدنى شيء من تجلي الرب تسافى الجبل واندك لسبحات ذلك القدر من التجلي وفي الحديث الصحيح المرفوع [ جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ] فهذا يدل أن رداء الكبرياء على وجهه تبارك وتعالى هو المانع من رؤية الذات ولا يمنع من أصل الرؤية فإن الكبرياء والعظمة أمر لازم لذاته تعالى فإذا تجلى سبحانـه لعباده يوم القيامة وكشف الحجاب بينـهم وبينـه فهو الحجاب المخلوق وأما أنوار الذات الذي يحجب عن إدراكها فذاك صفة للذات لا تفارق ذات الرب جل جلاله ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه وتكفي هذه الإشارة في هذا المقام للمصدق الموقن وأما المعطل الجهمي فكل هذا عنده باطل ومحال
والمقصود أن المخبر عنـه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل
وأما قول ابن عباس : رأى محمد ربه بفؤاده مرتين فالظاهر أن مستنده هذه الآية وقد تبين أن المرئي فيها جبريل فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس وقد حكى عثمان بن سعيد الدرامي الإجماع على ما قالته عائشة فقال - في نقضه على بشر المريسي في الكلام على حديث ثوبان ومعاذ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ رأيت ربي البارحة في أحسن صورة ] فحكى تأويل المريسي الباطل - ثم قال : ويلك إن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبت إليه أما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال في حديث أبي ذر [ إن لم ير بـه ] وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لن تروا ربكم حتى تموتوا ] وقالت عائشة رضي الله عنـها : من زعم أن محمدا رأى بـه فقد أعظم على الله الفرية وأجمع المسلمون على ذلك مع قوال الله { لا تدركه الأبصار } يعنون أبصار أهل الدنيا وإنما هذه الرؤية كانت في المنام يمكن رؤية الله على كل حال كذلك وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه و سلم أنـه قال [ صليت ما شاء الله من الليل ثم وضعت جنبي فأتاني ربي في أحسن صورة ] فهذا تأويل هذا الحديث عند أهل العلم وقد ظن القاضي أبو يعلى أن الرواية اختلفت عن الإمام أحمد : هل رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ربه ليلة الإسراء أم لا على ثلاث روايات :
( إحداها ) أنـه رآه قال الروزي : قلت لأبي عبدالله يقولون إن عائشة قالت : من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فبأي شيء يدفع قول عائشة ؟ فقال : بقول النبي صلى الله عليه و سلم رأيت ربي وقول النبي صلى الله عليه و سلم أكبر من قولها قال : وذكر المروزي في موضع آخر أنـه قال لأبي عبدالله ههنا رجل يقول : إن الله يرى في الآخرة ولا أقول إن محمدا رأى بـه في الدنيا فغضب وقال هذا أهل أن يخفى يسلم الخبر كما جاء قال : فظاهر هذا أنـه أثبت رؤية عين ونقل حنبل قال قلت لأبي عبدالله : النبي صلى الله عليه و سلم رأى ربه رؤيا حلم بقلبه ؟ قال فظاهر هذا نفي الرؤية وكذلك نقل الأثرم وقد سأله عن حديث عبدالرحمن بن عابس عن النبي صلى الله عليه و سلم [ رأيت ربي في أحسن صورة ] فقال معمر مضطرب لأن معمرا رواه عن أيوب عن معبد عن عبدالرحمن بن عابس عن النبي صلى الله عليه و سلم ورواه حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ورواه يوسف بن عطية عن قتادة عن أنس ورواه عبدالرحمن بن يزيد عن جابر عن خالد بن الجلاج عن عبدالرحمن بن عابس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وأصل الحديث واحد قال الأثرم : فقلت لأبي عبدالله : فإلى أي شيء تذهب ؟ فقال قال الأعمش بن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس قال : رأى محمد ربه بقلبه ونقل الأثرم أن رجلا قال لأحمد عن الحسين الأشيب أنـه قال لم ير النبي صلى الله عليه و سلم ربه تعالى فأنكره عليه إنسان وقال لم تقول رآه ولا تقول بعينـه ولا بقلبه ؟ كما جاء الحديث فاستسحن ذلك الأشيب فقال أبو عبدالله حسن قال وظاهر هذا إثبات رؤية لا يعقل معناها هل كانت بعينـه أم بقلبه ؟ فهذه نصوص أحمد وقد جعلها القاضي مختلفة وجعل المسألة على ثلاث روايات ثم احتج للرواية الأولى بحديث أن الطفيل وحديث عبدالرحمن ابن عابس الحضرمي ولا دلالة فيهما لأنـها رؤية منام فقط واحتج لها بما لا يرضي أحمد أن يحتج بـه وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا [ لما كانت ليلة أسرى بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ معاذ بن جبل احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه و سلم في صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس ثم خرج فصلى بنا ثم قال رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ ] وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والإسراء كان بمكة وليس عن الإمام أحمد ولا عن النبي صلى الله عليه و سلم نص أنـه رآه بعينـه يقظة وإنما حمل القاضي كلام أحمد ما لا يحتمله واحتج لما فهم منـه بما لا يدل عليه وكلام أحمد يصدق بعضه بعضا والمسألة رواية واحدة عنـه فإنـه لم يقل بعينـه وإنما قال رآه واتبع في ذلك قول ابن عباس رأى محمد ربه ولفظ الحديث رأيت ربي وهو مطلق وجاء بيانـه في الحديث الآخر
ولكن في رد أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي صلى الله عليه و سلم إشعار بأنـه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة وهي لم تنكر رؤية المنام ولم تقل من زعم أن محمدا رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية وهذا يدل على أحد أمرين إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية إذ هو مخالفته للحديث وإما أن يكون رواية عنـه بإثبات الرؤية وقد صرح بأنـه رآه رؤيا حلم بقلبه وهذا تقييد منـه للرؤية وأطلق أنـه رآه وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينـه ولا بقلبه وهذه النصوص عنـه متفقة لا مختلفة وكيف يقول أحمد رآه بعيني رأسه يقظة ولم يجىء ذلك في حديث قط فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت وإنكاره من قال لم يره أصلا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينـه والله أعلم
وقوله تعالى { ما زاغ البصر وما طغى } قال ابن عباس ما زاغ البصر يمينا ولا شمالا ولا جاوز ما أمر بـه وعلى هذا المفسرون فنفى عن نبيه ما يعرض للرائي الذي لا أدب له بين يدي الملوك والعظماء من التفاتة يمينا وشمالا ومجاوزة بصره لما بين يديه وأخبر عنـه بكمال الأدب في ذلك المقام وفي تلك الحضرة إذ لم يلتفت جانبا ولم يمد بصره إلى غير ما أرى من الآيات وما هناك من العجائب بل قام مقام العبد الذي أوجب أدبه إطراقه وإقباله على ما رأى دون التفاته إلى غيره ودون تطلعه إلى ما لم يره مع ما في ذلك من ثبات الجأش وسكون القلب وطمأنينته وهذا غاية الكمال وزيغ البصر التفاته جانبا وطغيانـه مده أمامـه إلى حيث ينتهي فنزه في هذه السورة علمـه من الضلال وقصده وعمله عن الغي ونطقه عن الهوى وفؤاده عن تكذيب بصره وبصره عن الزيغ والطغيان وهكذا يكون المدح
( تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد )
ولما ذكر رؤيته لجبريل عند سدرة المنتهى استطرد منـها وذكر أن جنة المأوى عندها وأنـه يغشاها من أمره وخلقه ما يغشى وهذا من أحسن الاستطراد وهو أسلوب لطيف جدا في القرآن وهو نوعان :
( أحدهما ) أن يستطرد من الشيء إلى لازمـه مثل هذا ومثل قوله { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم } ثم استطرد من جوابهم إلى قوله { الذي جعل لكم الأرض مـهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون * والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا بـه بلدة ميتا كذلك تخرجون * والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره } وهذا ليس من جوابهم ولكن تقرير له وإقامة الحجة عليهم ومثله قوله تعالى { فمن ربكما يا موسى * قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى * قال فما بال القرون الأولى * قال علمـها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } فهذا جواب موسى ثم استطر سبحانـه منـه إلى قوله : { الذي جعل لكم الأرض مـهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا بـه أزواجا من نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النـهى * منـها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنـها نخرجكم تارة أخرى } ثم عاد إلى الكلام الذي استطرد منـه
( والنوع الثاني ) أن يستطرد من الشخص إلى النوع كقوله { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين } إلى آخره فالأول آدم والثاني بنوه ومثله قوله { هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منـها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت بـه فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين * فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما } إلى آخر الآيات فاستطرد من ذكر الأبوين إلى ذكر المشركين من أولادهما والله أعلم
ومن ذلك قوله تعالى : { والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور * إن عذاب ربك لواقع * ما له من ع } تضمن هذا القسم خمسة أشياء وهي مظاهر آياته وقدرته وحكمته الدالة على ربوبيته ووحدانيته فالطور هو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه وكليمـه موسى بن عمران عند جمـهور المفسرين من السلف والخلف وعرفه ههنا باللام وعرفه في موضع آخر بالإضافة فقال { وطور سينين } وهذا الجبل مظهر بركة الدنيا والآخرة وهو الجبل الذي اختاره الله لتكليم موسى عليه قال عبدالله ابن أحمد في كتاب الزهد لأبيه / حدثني محمد بن عبيد بن حبان قال حدثنا جعفر ابن سليمان قال حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالى قال : أوحى الله عز و جل إلى الجبال : إني نازل على جب منكم قال فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنـه تواضع وقال أرضي بما قسم الله لي فكان الأمر عليه وجبل هذا شأنـه حقيق أن يقسم الله بـه وإنـه لسيد الجبال
( الثاني ) الكتاب المسطور في الرق المنشور واختلف في هذا الكتاب فقيل في اللوح المحفوظ وهذا غلط فإنـه ليس برق وقيل هو الكتاب الذي تضمن أعمال بني آدم وقال مقاتل تخرج إليهم أعمالهم يوم القيامة في رق منشور وهذا وإن كان أقوى وأصح من القول الأول واختاره جماعة من المفسرين ومنـهم من لم يزك غيره فالظاهر أن المراد بـه الكتاب المنزل من عند الله وأقسم الله بـه لعظمته وجلالته وما تضمنـه من آيات ربوبيته وأدلة توحيده وهداية خلقه
ثم قيل هو التوراة التي أنزل الله على موسى وكأن صاحب هذا القول رأى اقتران الكتاب بالطور فقال هو التوراة ولكن التوراة إنما أنزلت في ألواح لا في رق إلا أن يقال هي في رق السماء وأنزلت في ألواح وقيل هو القرآن ولعل هذا أرجح الأقوال لأنـه سبحانـه وصف القرآن بأنـه في صحف مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة فالصحف هي الرق وكونـه بأيدي سفرة هو كونـه منشورا وعلى هذا فيكون قد أقسم بسيد الجبال وسيد الكتب ويكون ذلك متضمنا للنبوتين المعظمتين نبوة موسى ونبوة محمد وكثيرا ما يقرن بينـهما وبين محلهما كما في سورة التين والزيتون
ثم أقسم بسيد البيوت وهو البيت المعمور وفي وصفه الكتاب بأنـه مسطور تحقيق لكونـه مكتوبا مفروغا منـه وفي وصفه بأنـه منشور إيذان بالإعتناء بـه وأنـه بأيدي الملائكة منشور غير مـهجور
وأما البيت المعمور فالمشـهور أنـه الضراح الذي في السماء الذي رفع للنبي صلى الله عليه و سلم ليلة الإسراء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم وهو بحيال البيت المعمور في الأرض وقيل هو البيت الحرام ولا ريب أن كلا منـهما معمور : فهذا معمور بالملائكة وعبادتهم وهذا معمور بالطائفين والقائمين والركع والسجود وعلى كلا القولين فكل منـهما سيد البيوت
ثم أقسم سبحانـه بمخلوقين عظيمين من بعض مخلوقاته وهما مظهر آياته وعجائب صنعته وهما : السقف المرفوع وهو السماء فإنـها من أعظم آياته قدرا وارتفاعا وسعة وسمكا ولنا وإشراقا وهي محل ملائكته وهي سقف العالم وبها انتظامـه ومحل النيرين اللذين بهما قوام الليل والنـهار والسنين والشـهور والأيام والصيف والشتاء والربيع والخريف ومنـها تنزل البركات وإليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة
( والثاني ) البحر المسجور وهو آية عظيمة من آياته وعجائبه لا يحصيها إلا الله واختلف في هذا البحر هل هو الذي فوق السموات أو البحر الذي نشاهده ؟ على قولين فقالت طائفة : هو البحر الذي عليه العرش وبين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عام كما في الحديث الذي رواه أبو داود من حديث سماك عن عبدالله بن مخيمرة عن الأحنف بن قيس قال كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فمرت بهم سجابة فنظر إليها فقال : ما تسمون هذه ؟ قالوا : السحاب قال والمزن قالوا والمزن قال والعنان قالوا والعنان قال هل تدرون ما بين السماء والأرض ؟ قالوا : لا ندري قال إن بعد ما بينـهما إما واحدة أو إثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سموات ثم فوق السابعة بحرا بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم العرش ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم اله فوق ذلك وهذا لا يناقض ما في جامع الترمذي [ إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام ] إذ المسافات تختلف مقاديرها باختلاف المقدر بـه فالخمسمائة مقدرة بسير الإبل والسبعون بسير البريد وهو يقطع بقدر ما تقطعه الإبل سبعة أضعاف وهذا القول في البحر الذي تحت العرش محكى من علي بن أبي طالب
والثاني أنـه بحر الأرض واتلف في المسحور فقيل المملوء هذا قول جميع أهل اللغة قال الفراء المسجور في كلام العرب المملوء يقال : سجرت الاناء إذا ملأته قال لبيد
( فتوسطا عرض السرى وصدعا مسجورة متجاور أقلامـها )
وقال المبرد : المسجور المملوء عند العرب وأنشد للنمر بن تولب :
إذا شاء طالع مسجورة
يريد عينا مملوءة ماء وكذا قال ابن عباس : المسجورة الممتلىء وقال مجاهد : المسجور الموقد قال الليث : السجر إيقادك في التنور تسجره سجرا والسجر اسم الحطب وهذا قول الضحاك وكعب وغيرهما قال : البحر يسجر فيزداد في جهنم وحكى هذا القول عن علي بن أبي طالب رضي الله عنـه قال مسجور : قال الفراء : وهذا يرجع إلى القول الأول لأنك تقول : سجرت التنور إذا ملأته حطبا وروى ذو الرمة الشاعر عن أبي عباس أن المسجور اليابس الذي قد نضب ماؤه وذهب وليس لذي الرمة رواية عن ابن عباس غير هذا الحرف وهذا القول اختيار أبي العالية قال أبو زيد : المسجور المملوء و المسجور الذي ليس فيه شيء جعله من الأضداد وقد روى عن ابن عباس أن المسجور المحبوس ومنـه ساجور الكلب وهو القلادة من عود أو حديد تمسكه والمعنى على هذا أنـه محبوس بقدرة الله أن يفيض على الأرض فيغرقها فإن ذلك مقتضى الطبيعة أن يكون الماء غامرا للأرض فوقها كما أن الهواء فوق الماءـ ولكن أمسكه الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا وفي هذا حديث ذكره أحمد مرفوعا [ ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم ]
وهذا الموضع مما هدم أصول الملاحدة والدهرية فإنـه ليس في الطبيعة ما يقتضي حبس الماء عن بعض جوانب الأرض مع كون كرة الماء عالية على كرة الأرض بالذات ولو فرض أن في الطبيعة ما يقتضي بروز جوانبها لم يكن فيها ما يقتضي تخصيص هذا الجانب بالبروز دون غيره وما ذكره الطبائعيون والمتفلسفة أن العناية الإلهية اقتضت ذلك لمصلمى العالم فنعم هو كما ذكروا ولكن عناية من يفعل بقدرته ومشيئته وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وهو أحكم الحاكمين - غير معقولة فإن العناية الإلهية تقضي حياته وقدرته ومشيئته وعلمـه وحكمته ورحمته وإحسانـه إلى خلقه وقيام الأفعال بـه فإثبات العناية الألهية مع نفي هذه الأمور ممتنع وبالله التوفيق
وأقوى الأقوال في المسجور أنـه الموقد وهذا هو المعروف في اللغة من المسجور ويدل عليه قوله تعالى { وإذا البحار سجرت } قال علي وابن عباس : أوقدت فصارت نارا ومن قال يبست وذهب ماؤها فلا يناقض كونـها نارا موقدة وكذا من قال ملئت فإنـها تملأ نارا
وإذا اعتبرت أسلوب القرآن ونظمـه ومفرداته رأيت اللفظة تدل على ذلك كله فإن البحر محبوس بقدرة الله ومملوء ماء ويذهب ماؤه يوم القيامة ويصير نارا : فكل من المفسرين أخذ معنى من هذه المعاني والله أعلم
وأقسم سبحانـه بهذه الأمور على المعاذ والجزاء فقال { إن عذاب ربك لواقع * ما له من ع } ولما كان الذي يقع قد يمكن دفعه أخبر سبحانـه أنـه لا ع له وهذا يتناول أمرين : أحدهما أنـه لا ع لوقوعه والثاني أنـه لا ع له إذا وقع
ثم ذكر سبحانـه وقت وقوعه فقال { يوم تمور السماء مورا * وتسير الجبال سيرا } والمور قد فسر بالحركة وفسر بالدوران وفسر بالتموج والاضطراب والتحقيق أنـه حركة في تموج وتكفؤ وذهاب ومجيء ولهذا فرق بين حركة السماء وحركة الجبال فقال { وتسير الجبال سيرا } وقال { وإذا الجبال سيرت } من مكان إلى مكان وأما السماء فإنـها تتكفأ وتموج وتذهب تجيء قال الجوهري : مار الشيء يمور مورا ترهيأ أي : تحرك جاء وذهب كما تكفأ النخلة العيدانة أي الطويلة ومنـه قوله { يوم تمور السماء مورا } قال الضحاك : تموج موجا وقال أبو عبيدة والأخفض : تكفأ وأنشد للأعشى :
( كأن مشيتها من بيت جارتها مور السحابة لا ريث ولا عجل )
ثم ذكر وعيد المكذبين بالمعاد والنبوة وذكر أعمالهم وعلومـهم التي كانوا عليها وهي الخوض الذي هو كلام باطل واللعب الذي هو سعى ضائع فلا علم نافع ولا عمل صالح بل علومـهم خوض بالباطل وأعمالهم لعب ولما كانت هذه العلوم والأعمال مستلزمة لدفع الحق بعنف وقهر أدخلوا جهنم وهم يدعون إليها دعا أي يدفع في أقفيتهم وأكتافهم دفعا بعد دفع فإذا وقفوا عليها وعاينوها وقفوا وقيل لهم { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } وتقولون لا حقيقة لها ولا من أخبر بها صادق ثم يقال { أفسحر هذا ؟ } الآن كما كنتم تقولون للحق لما جاءتكم بـه الرسل : أن سحر وأنـهم سحرة فهذا الآن سحر لا حقيقة له كما قلتم أم على أبصاركم غشاوة فلا تبصرونـها كما كان عليها غشاوة في الدنيا فلا تبصرون الحق ؟ أفعميت أبصاركم اليوم عن رؤية هذا الحق كما عميت في الدنيا فلا تبصرون الحق ؟ ثم سلب عنـهم نفع البصر الذي كانوا في الدنيا إذا دهمتهم الشدائد وأحاطت بهم لجأوا إليه وتعللوا بانقضاء البلية لانقضاء أمدها فقيل لهم يومئذ : ( اصبروا أو لا تصبروا ) كلاهما سواء عليكم لا يجدي عنكم الصبر ولا الجزع فلا الصبر يخفف عنكم حمل هذا العذاب ولا الجزع يعطف عليكم قلوب الحزنة ولا يستنزل لكم الرحمة ثم أعلموا بأن الرب تعالى لم يظلمـهم بذلك وإنما هو نفس أعمالهم صارت عذابا فلم يجدوا من اقترانـهم بـه بدا بل صارت عذابا لازما لهم كما كانت إرادتهم وعقائدهم الباطلة وأعمالهم القبيحة لازمة لهم ولزوم العذاب لأهله في النار بحسب لزوم تلك الإرادة الفاسدة والعقائد الباطلة وما يترتب عليها من الأعمال لهم في الدنيا فإذا زال ذلك اللزوم في وقت ما بضده وبالتوبة النصوح زوالا كليا لم يعذبوا عليه في الآخرة لأن أثره قد زال من قاوبهم وألسنتهم وجوارحهم ولم يبق له أثر يترتب عليه فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له والمادة الفاسدة إذا زالت من البدن بالكلية لم يبق هناك ألم ينشأ عنـها وإن لم تزل تلك الإرادة والأعمال ولكن عارضها معارض أقوى منـها كان التأثير للمعارض وغلب الأقوى الأضعف وإن تساوى الأمران تعا وقاوم كل منـهما الآخر وكان محل صاحبه جبال الأعراف بين الجنة والنار فهذا حكم الله وحكمته في خلقه وأمره ونـهيه وعقابه ولا يظلم ربك أحدا
ثم ذكر سبحانـه أرباب العلوم النافعة والعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة وهم المتقون فذكر مساكنـهم وهم في الجنان وحالهم في المساكن وهو النعيم وذكر نعيم قلوبهم وراحتهم بكونـهم { فاكهين بما آتاهم ربهم } والفاكهه : المعجب بالشيء المسرور المغبتط بـه وفعله فكه - بالكسر - يفكه فهو فكه وفاكه إذا كان طيب النفس والفاكهه البال ومنـه الفاكهة وهي المرح الذي ينشأ عن طيب النفس وتفكهت بالشي إذا تمتعت بـه ومنـه الفاكهة التي يتمتع بها ومنـه قوله { فظلتم تفكهون } قيل : معناه تندمون وهذا تفسير بلازم المعنى وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكه وإذا زال التفكه خلفه ضده يقال : تحنث إذا زال الحنث عنـه وتحرج وتحوب وتأثم ومنـه تفكه وهذا البناء يقال للداخل في الشيء : كتعلم وتحلم وللخارج منـه : كتحرج وتأثم
والمقصود أنـه سبحان جمع لهم بين النعيمين : نعيم القلب بالتفكه ونعيم البدن بالأكل والشرب والنكاح ووقاهم عذاب الجحيم فوقاهم مما يكرهون وأعطاهم ما يحبون جزاء وفاقا لأنـهم تركوا ما يكره وأتوا بما يحب : فكان جزاءهم مطابقا لأعمالهم
ثم أخبر عن دوام ذلك لهم بما أفهمـه قوله ( هنيئا ) فإنـهم لو علموا زواله وانقطاعه لنغص عليهم ذلك نعيمـهم ولم يكن هناء لهم
ثم ذكر مجالسهم وهيئاتهم فيها فقال { متكئين على سرر مصفوفة } وفي ذكر اصطفافها تنبيه على كمال النعمة عليهم بقرب بعضهم من بعض ومقابلة بعضهم بعضا كما قال تعالى { متكئين عليها متقابلين } فإن من تمام اللذة والنعيم أن يكون مع الإنسان في بستانـه ومنزله من يحب معاشرته ويؤثر قربه ولا يكون بعيدا منـه قد حيل بينـه وبينـه بل سريره إلى جانب سرير من يحبه
وذكر أزواجهم وأنـهم الحور العين وقد تكرر وصفهم في القرآن بهاتين الصفتين قال أبو عبيدة : جعلناهم أزواجا كما يزوج البعل بالبعل جعلناهم اثنين اثنين وقال يونس قرناهم بهن وليس من عقد التزويج واحتج على هذا بأن العرب لا تقول تزوجت بها وإنما تقول تزوجتها قال تعالى { فلما قضى زيد منـها وطرا زوجناكها } وفي الحديث [ زوجتكها بما معك من القرآن ] وقال غيره : العرب تقول تزوجت بامرأة وقال الأزهري : العرب تقول : زوجة امرأة وتزوجت امرأة وليس في كلامـهم تزوجت بامرأة ومنـه قوله تعالى { وزوجناهم بحور عين } أي قرناهم وعلى هذا فزوجناهم عند هؤلاء من الاقتران والشفع أي شفعناهم وقرناهم بهن وقالت طائفة منـهم مجاهد : زوجناهم بهن أي أنحكناهم إياهن
قلت : وعلى هذا فتلويح فعل التزويج قد دل على النكاح وتعديته بالباء المتضمنة معنى الاقتران والضم فالقولان واحد والله أعلم
وأما الحور العين فقال مجاهد : التي يحار فيها الطرف باديا مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون وقال قتادة بحور أي بيض وكذا قال ابن عباس وقال مقاتل : الحور البيض الوجوه العين : الحسان الأعين وعين حوراء : شديدة السواد نقية البياض طويلة الأهداب مع سوادها كاملة الحسن ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون مع حور عينـها بياض لون الجسد فوصفهن بالبياض والحسن والملاحة كما قال { خيرات حسان } فالبياض في ألوانـهن والحسن في وجوههن والملاحة في عيونـهم وقد وصف الله سبحانـه نساء أهل الجنة بأحسن الصفات ودل بما وصف بما سكت عنـه
فإن شئت التفصيل فالذي يحمد ويستحب من وجه المرأة وبدنـها وأخلاقها البياض في أربعة أشياء : اللون وبياض العين والفرق والثغر والسواد في أربعة سواد العين وسواد شعر الرأس والجفن وسواد الحاجبين والحمرة في أربعة اللسان والشفتين والوجنتين وحمرة تشوب البياض فتحسنـه وتزينـه ومن التدوير أربعة أشياء الوجه والرأس والكعب وال ومن الطور أربعة : القامة والعنق والشعر والحاجب والسعة في أربعة : الجبهة والعين والوجه والصدر ومن الصغر في أربعة : الثدي والفم والكف والقدم ومن الطيب في أربعة : الفم والأنف والفرق والفرج ومن الضيق في موضع واحد ومن الأخلاق كما قال تعالى { عربا أترابا } إذ العرب جمع عروب وهي المرأة المتحببة إلى زوجها بأخلاقها ولطافتها وشمائلها قال ابن الأعرابي العروب من النساء المطيعة لزوجها المتحببة إليه وقال أبو عبيدة : هي الحسنة التبعل قال المبرد : هي العاشقة لزوجها وقال البخاري في صحيحه : هي الغنجة ويقال الشكلة فهذا وصف أخلاقهن وذلك وصف خلقهن وأنت إذا تأملت الصفات التي وصفهن الله بها رأيتها مستلزمة لهذه الصفات ولما وراءها والله المستعان
ثم أخبر سبحانـه عن تكميل نعيمـهم بإلحاق ذرياتهم بهم في الدرجة وإن لم يعملوا أعمالهم لتقر أعينـهم بهم ويتم سرورهم وفرحهم وأخبر سبحانـه أنـه لم ينقص الآباء من عملهم من شيء بهذا الإلحاق فينزلهم من الدرجة العليا إلى الدرجة السفلى بل ألحق الأبناء بالآباء ووفر على الآباء أجورهم ودرجاتهم
ثم أخبر سبحانـه أن هذا إنما هو فعله في أهل الفضل وأما أهل العلد فلا يفعل بهم ذلك بل { كل امرئ بما كسب رهين } ففي هذا دفع لتوهم التسوية بين الفريقين بهذا الإلحاق كما في قوله : { وما ألتناهم من عملهم من شيء } دفع لتوهم حط الآباء إلى درجة الأبناء وقسمة أجور الآباء بينـهم وبين الأبناء فينقص أجر أعمالهم فرفع هذا التوهم بقوله { وما ألتناهم من عملهم من شيء } أي ما نقصناهم ثم ذكر إمدادهم باللحم والفاكهة والشرب وأنـهم يتعاطون كؤوس ال بينـهم يشرب أحدهم ويناول صاحبه ليتم بذلك فرحهم وسرورهم
ثم نزه ذلك ال عن الآفات من اللغو من أهله عليه ولحوق الإثم لهم فقال { لا لغو فيها ولا تأثيم } فنفى باللغو السباب والتخاصم والهجر والفحش في المقال والعربدة ونفى بالتأثيم جميع الصفات المذمومة التي أثمت شارب الخمر وقال سبحانـه { ولا تأثيم } ولم يقل ولا إثم أي : ليس فيها ما يحملهم على الإثم ولا يؤثم بعضهم بعضا بشربها ولا يؤثمـهم الله بذلك ولا الملائكة فلا يلغون ولا يأثمون قال ابن قتيبة : لا يذهب بعقولهم فيلغوا ولم يقع منـهم ما يؤثمـهم
ثم وصف خدمـهم الطائفين عليهم بأنـهم كاللؤلؤ في بياضهم والمكنون : المصون الذي لا تدنسه الأيدي فلم تذهب الخدمة تلك المحاسن وذلك اللون والصفاء والبهجة بل مع انتصابهم لخدمتهم كأنـهم لؤلؤ مكنون ووصفهم في موضع آخر { إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا } ففي ذكره المنثور إشارة إلى تفرقهم في حوائج ساداتهم وخدمتهم وذهابهم ومجيئهم وسعة المكان بحيث لا يحتاجون أن ينضم بعضهم إلى بعض فيه لضيقه
ثم ذكر سبحانـه ما يتحدثون بـه هناك وأنـهم يقولون { إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } أي : كنا خائفين في محل الأمن بين الأهل والأقارب والعشائر فأوصلنا ذلك الخوف والإشفاق إلى أن من الله علينا فأمنا مما تخاف { ووقانا عذاب السموم } وهذا ضد حال الشقى الذي كان في أهله مسرورا فهذا كان مسرورا مع إساءته وهؤلاء كانوا مشفقين مع إحسانـهم فبدل الله سبحانـه إشفاقهم بأعظم الأمن وبدل أمن أولئك بأعظم المخاوف فبالله سبحانـه المستعان
ثم أخبر عن حالهم في الدنيا وأنـهم كانوا يعبدون الله فيها فأوصلتهم عبادته وحده إلى قربه وجواره ومحل كرامته والذي جمع لهم ذلك كله بره ورحمته فإنـه هو البر الرحيم فهذا هو المقسم عليه بتلك الأقسام الخمسة في أول السورة والله أعلم
ومن ذلك قوله { والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات أمرا } أقسم بالذاريات وهي الرياح تذرو المطر وتذرو التراب وتذرو النبات إذا تهشم كما قال تعالى { فأصبح هشيما تذروه الرياح } أي تفرقه وتنشره ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقرا أي ثقلا من الماء وهي روايا الأرض يسوقها الله سبحانـه على متون السحاب الرياح كما في جامع الترمذي من حديث الحسن بن أبي هريرة قال : [ بينما نبي الله صلى الله عليه و سلم جالس في أصحابه إذا أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه و سلم هل تدرون ما هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونـه ولا يدعونـه ]
ثم أقسم سبحانـه بما فوق ذلك وهي { الجاريات يسرا } وهي النجوم التي من فوق الغمام و { يسرا } أي : مسخرة مذللة منقادة وقال جماعة من المفسرين : أنـها السفن تجري ميسرة في الماء جريا سهلا ومنـهم من لم يذكر غيره واختار شيخنا رحمـه الله القول الأول وقال هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي فإنـه بدأ بالرياح وفوقها السحاب وفوقه النجوم وفوقها الملائكة المقسمات أمر الله الذي أمرت بـه بين خلقه والصحيح أن { المقسمات أمرا } لا تختص بأربعة وقيل : هم جبريل يقسم الوحي والعذاب وأنواع العقوبة على من خالف الرسل وميكائيل على القطر والبرد والثلج والنبات يقسمـها بأمر الله وملك الموت يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانـها عند النفخ في الصور وهم المدبرات أمرا وليس في اللفظ ما يدل على الاختصاص بهم والله أعلم
وأقسم سبحانـه بهذه الأمور الأربعة لمكان العبرة والآية والدلالة الباهرة على ربوبيته ووحدانيته وعظم قدرته ففي الرياح من العبر هبوبها وسكونـها ولينـها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومـهابها وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها فللمطر خمسة رياح : ريح ينشر سحابه وريح يؤلف بينـه وريح تلقحه وريح تسوقه حيث يريد الله وريح تذور أمامـه وتفرقه وللنبات ريح وللسفن ريح وللرحمة ريح وللعذاب ريح إلى غير ذلك من أنواع الرياح وذلك تقضى بوجود خالق مصرف لها مدبر لها يصرفها كيف شاء ويجعلها رخاء تارة ورحمة تارة وعذابا تارة فتارة يحيي بها الزرع والثمار وتارة بغطيها بها وتارة ينحى بها السفن وتارة يهلكها بها وتارة ترطب الأبدان وتارة تذيبها وتارة عقيما وتارة لاقحة وتارة جنوبا وتارة دبورا وتارة صبا وتارة شمالا وتارة حارة وتارة باردة وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة المسارق بين السماء والأرض إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك يحسبها الله سبحانـه إذا شاء ويرسلها إذا شاء تحمل الأصوات إلى الأذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجرز وهي من روح الله تأتي بالرحمة ومن عقوبته تأتي بالعذاب وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه و سلم قال [ لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا يارب هل من خلقك شيء أشد من الحديد ؟ قال نعم النار قالوا : يارب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد ؟ قال نعم النار قالوا : يارب فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟ قاع نعم الماء قالوا : يارب فهل من خلقك أشد من الماء ؟ قال نعم الريح قالوا : يارب فهل من خلقك أشد من الريح ؟ قال نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينـه يخفيها عن شماله ] ورواه الإمام أحمد في مسنده وفي الترمذي في حديث قصة عاد أنـه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر حلقة الخاتم فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقد وصفها الله بأنـها عاتية قال البخاري في صحيحه : عتت على الخزنة فلم يستطيعوا أن يردوها
والمقصود أن الرياح أعظم من آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته
ثم أقسم بالسحاب وهو من أعظم آيات الله في الجو في غاية الخفة ثم يحمل الماء والبرد فيصير أثقل شيء فيأمر الرياح فتحمله على متونـهما وتسير بـه حيث أمرت فهو مسخر بين السماء والأرض حامل لأرزاق العباد والحيوان فإذا أفرغه حيث أمر بـه اضمحل وتلاشى بقدرة الله فإنـه لو بقي لأضر النبات والحيوان فأنشأه سبحانـه في زمن يصلح إنشاؤه فيه وحمله من الماء ما يحمله وساقه إلى بلد شديد الحاجة إليه
فسل السحاب من أنشأه بعد عدمـه ؟ وحمله الماء والثلج والبرد ؟ ومن حمله على ظهور الرياح ؟ ومن أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد ؟ ومن أغاث بقطره العباد وأحيا بـه البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد وأخرج ذلك القطر بقدر معلوم وأنزله منـه وأفناه بعد الاستغناء عنـه ولو شاء لأدامـه عليهم فلم يستطيعوا إلى دفعه سبيلا ولو شاء لأمسكه عنـهم فلا يجدون إليه وصولا فإن لم يحبك جوابا حباك اعتبار مرسل الرياح من أنشأها بقدرته ؟ وصرفها بحكمته وسخرها بمشيئته وأرسلها بشرا بين يدي رحمته جعلها سببا لتمام نعمته وسلطانا على من شاء بعقوبته ؟ ومن جعلها رخاء وذراية ولاقحة ومثيرة ومؤلفة ومغذية لأبدان الحيوان والشجر والنبات وجعلها قاصفا وعاصفا ومـهلكة وعاتية ؟ إلى غير ذلك من صفاتها فهل ذلك لها من نفسها وذاتها أم تدبير مدبر شـهدت الموجودات بربوبيته وأقرت المصنوعات بوحدانيته بيده النفع والضر وله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ؟
وسل الجاريات يسرا من السفن : من أمسكها على وجه الماء وسخر لها البحر ؟ ومن أرسل لها الرياح التي تسوقها على الماء سوق السحاب على متون الرياح ؟ ومن حفظها في مجراها ومرساها من طغيان الماء وطغيان الريح ؟ فمن الذي جعل الريح لها بقدر لو زاد عليها لأغرقها ولو نقص عنـه لعاقها ؟ ومن الذي أجرى لها ريحا واحدة تسير بها ولم يسلط على تلك الريح ما يصادمـها ويقاومـها فتتموج في البحر يمينا وشمالا تتلاعب بها الريح ؟ ومن الذي علم الخلق الضعيف صنعة هذا البيت العظيم الذي يمشي على الماء فيقطع المسافة البعيدة ويعود إلى بلده يشق الماء ويمخره مقبلا ومدبرا بريح واحدة تجري في موج كالجبال { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام * إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور * أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير } ومن الذي حمل في هذا البيت نبيه وألياءه خاصة وأغرق جميع أهل الأرض سواهم ؟
وسل الجاريات يسرا من الكواكب والشمس والقمر : من الذي خلقها وأحسن خلقها ورفع مكانـها وزين بها قبة العالم وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانـها وحركاتها وأماكنـها من السماء فمنـها الكبير ومنـها الصغير والمتوسط والأبيض والأحمر والزجاجي اللون والدري اللون والمتوسط في قبة الفلك والمتطرف في جوانبها وبين ذلك ؟ ومنـها ما يقطع الفلك في شـهر ومنـها ما يقطعه في عام ومنـها ما يقطعه في ثلايين عاما ومنـها ما يقطعه في أضعاف ذلك ومنـها ما لا يزال ظاهرا لا يغيب بحال فهو أبدي ومنـها أبدي الخفاء ومنـها ما له حالتان ظهور واختفاء ومنـها ما له حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب وحركة ذاتية من المغرب إلى المشرق فحالما يأخذ الكوكب في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته وكوكب آخر قد طلع وهو آخذه في الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنـه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته
وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كما له دل على صدق رسله فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانـه وقدرته وعلمـه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا تقتصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا
وأما دلالة ( المقسمات أمرا ) وهم الملائكة فلأن ما يشاهد من تدبير العالم العلوي والسفلي ومالا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منـهم فوكل بالشمس والقمر والنجوم والأفلاك طائفة منـهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات طائفة ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم طائفة وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة وبكل شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن وما فيهم من القوة والشدة ولطاقة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد لأمره والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في أقطار العالم
ثم أقسم سبحانـه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب فقال : { إنما توعدون لصادق } أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لحق كائن وهو وعد صدق لا كذب ( وإن الدين لواقع ) أي إن الجزاء لكائن لا محالة ويجوز أن تكون ( ما ) موصولة والعائد محذوف والمعنى أن الذي توعدونـه لصادق أي كائن وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق
ووصف الوعد بكونـه صادقا أبلغ من وصفه بكونـه صدقا ولا حاجة إلى تكلف جعله بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنـه صادق في كلامـه فوصف كلامـه بأنـه صادق وهذا مثل قولهم : سر كاتم وليل قائم ونـهار صائم وماء ق ومنـه { عيشة راضية } وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب
وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم بـه والمقسم عليه وجدته دالا عليه مرشدا إليه
ثم أقسم سبحانـه ( بالسماد ذات الحبك ) أصل الحبك في اللغة إجادة النسج يقال : حبك الثوب إذا أجاج نسجه وحبل محبوك إذا كان شديد الفتل وفرس محبوك الكفل أي : مدمجه وقال شمر : المحبوك في اللغة ما أجيد عمله ودابة محبوكة : إذا كانت مدمجة الخلق وقال أبو عبيدة والمبرد الحبك : الطريق واحدها حباك وحباك ال : طرائق على جناحيه وحبك الماء طريقه وقال الفراء : الحبك تكسير كل شيء كالرمل إذا مرت بـه الريح والماء الدائم إذا مرت بـه الريح وتجعد الشعر حبك أيضا واحدها حبيكة مثل طرق وطريقة وحباك مثل مثال ومثل والمقصود بهذا كله ما أفصح بـه ابن عباس فقال : يريد الخلق الحسن
وروى سعيد بن جبير عنـه قال : الحبك حسنـها واستواؤها وقال قتادة : ذات الخلق الشديد وقال مجاهد : متقنة البنيان وقال أيضا : ذات الطرائق ولكنـها بعيدة من العباد فلا يرونـها كحبك الماء إذا ضربته الريح وكحبك الرمل وكحبك الشعر وقال عكرمة : بنيانـها كالبرد المسلسل
قلت وفي الحديث في صفة الدجال [ ورأسه حبط ] أي جعد الشعر ومن أحسن ما قيل في تفسير الحبك ما ذكره الترمذي في تفسير الجامع من حديث الحسن [ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : هل تدرون ما فوقكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال فإنـها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ] وذكر الحديث
ثم ذكر المقسم عليه فقال : ( إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنـه من أفك ) فالقول المختلف أقوالهم في القرآن وفي النبي صلى الله عليه و سلم وهو خرص كله فإنـهم لما كذبوا بالحق اختلفت مذاهبهم وآراؤهم وطرائقهم وأقوالهم فإن الحق شيء واحد وطريق مستقيم فمن خالفه اختلفت بـه الطرق والمذاهب كما قال تعالى { بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج } أي : مختلط ملتبس وفي ضمن هذا الجواب : أنكم في أقوال باطلة متناقضة يكذب بعضها بعضا بسبب تكذيبهم بالحق
ثم أخبر سبحانـه أنـه يصرف بسبب ذلك القول المختلف من صرف فعن ههنا فيها طرف من معنى التسبيب كقوله { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك }
وقوله { من أفك } أي من سبق في علم الله أنـه يضل ويؤفك كقوله { فإنكم وما تعبدون * ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم }
وقالت طائفة : الضمير يرجع إلى القرآن وقيل إلى الإيمان وقيل إلى الرسول والمعنى يصرف عنـه من صرف حتى يكذب به
ولما كان هذا القول المختلف خرصا وباطلا ( قتل الخراصون ) أي المكذبون ( الذين هم في غمرة ساهون ) وجهالة قد عمرت قلوبهم أي غطتها وغشتها كغمرة الماء وغمرة الموت فالغمرات ما غطاها من جهل أو هوى أو سكر أو غفلة أو حب أو بغض أو خوف أو غم ونحو ذلك قال تعالى { بل قلوبهم في غمرة من هذا } أي غفلة وقيل جهالة
ثم وصفهم بأنـهم ساهون في غمرتهم والسهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنـه والفرق بينـه وبين النسيان أن النسيان الغفلة بعد الذكر والمعرفة والسهو لا يستلزم ذلك
ثم قال { يسألون أيان يوم الدين ؟ } استبعادا للوقوع وجحدا فأخبر تعالى أن ذلك { يوم هم على النار يفتنون } والمشـهور في تفسير هذا الحرف أنـه بمعنى يحرقون ولكن لفظة على تعطي معنى زائدا على ما ذكروه ولو كان المراد نفس الحرق لقيل يومـهم في النار يفتنون ولهذا لما علم هؤلاء ذلك قال كثير منـهم : على بمعنى في كما تكون في بمعنى على والظاهر أن فتنتهم على النار قبل فتنـهم فيها لهم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنة وعند هم والتعذيب بها فتنة أشد منـها ومن جعل الفتنة ههنا من الحريق أخذه من قوله تعالى { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا } واستشـهد على ذلك أيضا بهذه اللفظة التي في الذاريات وحقيقة الأمر أن الفتنة تطلق على العذاب وسببه ولهذا سمى الله الكفر فتنة فهم لما أتوا بالفتنة التي هي أسباب العذاب في الدنيا سمى جزاءهم فتنة ولهذا قال { ذوقوا فتنتكم } وكان وقوفهم على النار وعرضهم عليها من أعظم فتنتهم وآخر هذه الفتنة النار والتعذيب بها ففتنوا أولا بأسباب الدنيا وزينتها ثم فتنوا بإرسال الرسل إليهم ثم فتنوا بمخالفتهم وتكذيبهم ثم فتنوا بعذاب الدنيا ثم فتنوا بعذاب الموت ثم يفتنون في موقف القيامة ثم إذا حشروا إلى النار ووقفوا عليها وعرضوا عليها وذلك من أعظم فتنتهم ثم الفتنة الكبرى التي أنستهم جميع الفتن قبلها
ثم ذكر سبحانـه جزاء من خلص من هذه الفتن بالتقوى وهو الجنات والعيون وأنـهم { آخذين ما آتاهم ربهم } من الخير والكرامة
وفي ذلك دليل على أمور : منـها قبولهم له ومنـها رضاهم بـه ومنـها وصولهم إليه بلا مانع ولا عائق ومنـها أن جزاءهم من جنس أعمالهم فكما أخذوا ما أمرهم بـه في الدنيا وقابلوه بالرضا والتسليم وانشراح الصدر أخذوا ما آتاهم من الجزاء كذلك ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك وهو إحسانـهم المتضمن لعبادته وحده لا شريك له والقيام بحقوقه وحقوق عباده ثم ذكر ليلهم وأنـهم قليل هجوعهم منـه
وقد قيل إ ن ( ما ) نافية والمعنى ما يهجعون قليلا من الليل فكيف بالكثير ؟ وهذا ضعيف لوجوه ( أحدها ) أن هذا ليس بلازم لوصف المتقين الذين يستحقوق هذا الجزاء ( الثاني ) أن قيام من نام من الليل نصفه أحب إلى الله من قيام من قامـه كله ( الثالث ) أنـه لو كان المراد بذلك إحياء الليل جميعه لكان أولى الناس بهذا رسول الله صلى الله عليه و سلم وما قام ليلة حتى الصباح ( الرابع ) أن الله سبحانـه إنما أمر رسوله أن يتهجد بالقرآن من الليل لا من الليل كله فقال { ومن الليل فتهجد بـه } ( الخامس ) أنـه سبحانـه لما أمره بقيام الليل في سورة المزمل إنما أمره بقيام النصف أو النقصان منـه أو الزيادة عليه فذكر له هذه المراتب الثلاثة ولم يذكر قيامـه كله ( السادس ) أنـه صلى الله عليه و سلم لما بلغه عن عثمان بن مظعون أنـه لا ينام من الليل بعث إليه فجاء فقال [ يا عثمان أرغبت عن سنتي ؟ قال : لا والله يا رسول و لكن سنتك أطلب قال : فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله ياعثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا فصم وأفطر وصل ونم ] ولما بلغه عن زينب بنت جحش أنـها تصلي الليل كله حتى جعلت حبلا بين ساريتين إذا فترت تعلقت بـه أنكر ذلك وأمر بحله ( السابع ) أن الله أثنى عليهم بأنـهم كانت { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } وتقلق عنـها حتى يقوموا إلى الصلاة ولهذا جازاهم عن هذا التجافي - الذي سببه قلق القلب واضطرابه حتى يقوم إلى الصلاة - بقرة الأعين - ( الثامن ) أن الصحابة الذين هم أول وأولى من دخل في هذه الآية - لم يفهموا منـها عدم نومـهم بالليل أصلا فروى بجبر بن سعد عن سعيد عن قتادة عن أنس في قوله { كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } قال : كانوا يصلون مابين المغرب والعشاء ( التاسع ) أن في هذا التقرير تفكيكا للكلام وتقديما لمعمول العامل المنفى عليه لأنك تجعل قليلا مفعول يهجعون وهو منفى والبصريون لايجيزون ذلك وإن أجازه الكوفيون وفصل بعضهم فأجازه في الظرف ولم يجزه في غيره
وقيل : ما زائدة وخبر كان ( يهجعون ) و ( قليلا ) منصوب إما على المصدرية أي هجوعا قليلا وإما على الظرف أي زمنا قليلا
واستشكل هذا بأن نوم نصف الليل وقيام ثلثه ثم نومـه سدسه أحب القيام إلى الله فيكون وقت الهجوع أكثر من وقت القيام فكيف يثني عليهم بما الأفضل خلافه ؟
وأجيب عن ذلك بأن من قام هذا القيام فزمن هجوعه أقل من زمن يقظته قطعا فإنـه مستيقظ من المغرب إلى العشاء ومن الفجر إلى طلوع الشمس فيبقى ما بين العشاء إلى طلوع الفجر فيقومون نصف ذلك الوقت فيكون زمن الهجوع أقل من زمن الاستيقاظ
وقيل : ما مصدرية وهي في موضع رفع بقليل أي كانوا قليلا هجوعهم وهو قول الحسن وقيل : إنـها موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي قليلا من الليل الوقت الذي يهجعون وفيه تكلف وقيل : ما يهجعون بدل اشتمال من اسم كان والتقدير كان هجوعهم من الليل قليلا ويراد عليه أن من الليل متعلق يهجعون و معمول المصدر لا يتقدم عليه وأجيب عنـه أنـه منصوب على التفسير ومعناه أن يقدر له فعل محذوف ينصبه مفسره هذا المذكور وقليلا خبر كان وتم الكلام بذلك والمعنى كانوا صنفا أو جنسا قليلا ثم قال { من الليل ما يهجعون } وأصحاب هذا القول يجعلون ما نافية فيعود الكلام إلى نفي هجوعهم شيئا من الليل وقد تقدم ما فيه
ثم أخبر عنـهم بأنـهم مع صلاتهم بالليل كانوا يستغفرون الله عند السحر فختموا صلاتهم بالاستغفار والتوبة فباتوا لربهم سجدا وقياما ثم تابوا إليه واستغفروه عقيب ذلك وكان النبي صلى الله عليه و سلم إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثا وأمره الله سبحانـه أن يختم عمره بالاستغفار وأمر عباده أن يختموا إفاضتهم من عرفات بالاستغفار وشرع صلى الله عليه و سلم للمتوضئ أني ختم وضوءه بالتوبة فأحسن ما ختمت بـه الأعمال التوبة والاستغفار
ثم أ خبر سبحانـه عن إحسانـهم إلى الخلق مع إخلاصهم لربهم فجمع لهم بين الإخلاص والإحسان ضد { الذين هم يراؤون * ويمنعون الماعون } وأكد إخلاصهم في هذا الإحسان بأن مصرفه للسائل والمحروم الذي لا يقصد بإعطائه الجزاء منـه ولا الشكور والمحروم المتعفف الذي لا يسأل
وتأمل حكمة الرب تعالى في كونـه حرمـه بقضائه وشرع لأصحاب الجدة إعطاءه وهو أغنى الأغنياء وأجود الأجودين فلم يجمع عليه بين الحرمان بالقدر وبالشرع شرع عطاءه بأمره وحرمـه بقدره فلم يجمع عليه حرمانين
ثم ذكرهم سبحانـه بآياته الأفقية والنفسية فقال { وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون } فآيات الأرض أنواع كثيرة منـها خلقها وحدوثها بعد عدمـها وشواهد الحدوث والافتقار إلى الصانع عليها لا تجحد فإنـها شواهد قائمة بها ومنـها بروز هذا الجانب فيها عن الماء مع كون مقتضى الطبيعة أن يكون مغمورا بـه ومنـها سعتها وكبر خلقها ومنـها تسطيحها كما قال تعالى { وإلى الأرض كيف سطحت } ولا ينافى ذلك كونـها كرية فهي كرة في الحقيقة لها سطح يستقر عليه الحيوان ومنـها أنـه جعلها فراشا لتكون مقر الحيوان ومساكنـه وجعله قرارا وجعلها مـهادا ذلولا توطأ بالأقدام وتضرب بالمعاول والفئوس وتحمل على ظهرها الأبينة الثقال فهي ذلول مسخرة لما يريد العبد منـها وجعلها بساطا وجعلها كفاتا للأحياء تضمـهم على ظهرها وللأموات تضمنـهم في بطنـها وطحاها فمدها وبسطها ووسعها ودحاها فهيأها لما يراد منـها بأن أخرج منـها ماءها ومرعاها وشق فيها الأنـهار وجعل فيها السبل والفجاج ونبه بجعلها مـهادا وفراشا على حكمته في جعلها ساكنة وذلك آية أخرى إذ لا دعامة تحتها تمسكها ولا علاقة فوقها ولكنـها لما كانت على وجه الماء كانت تكفأ فيه كما تكفأ السفينة فاقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها رواسي يثبتها بها لئلا تميد وليستقر عليها الأنام وجعلها ذلولا على الحكمة في أن لم تكن في غاية الصلابة والشدة كالحديد فيمتنع حفرها وشقها والبناء فيها والغرس والزرع وبعث النوم عليها والمشي فيها ونبه بكونـها قرارا على الحكمة في أنـها لم تخلق في غاية اللين والرخاوة والدماثة فلا تمسك بناء ولا يستقر عليها الحيوان ولا الأجسام الثقيلة : بل جعلها بين الصلابة والدماثة وأشرف الجواهر عند الإنسان الذهب والفضة والياقوت والزمرد فلو كانت الأرض من هذه الجواهر لفاتت مصالح العباد والحيوان منـها وتعطلت المنافع المقصودة منـها وبهذا يعلم أن جواهر التراب أشرف من هذه الجواهر وأنفع وأبرك وإن كانت تلك أعلى وأعز فغلاؤها وعزتها لقاتها وإلا فالتراب أنفع منـها وأبرك وأنفس وكذلك لم يجعلها شفافة فإن الجسم الشفاف لا يستقر عليه النور وما كان كذلك لم يقبل السخونة فيبقى في غاية البرد فلا يستقر عليه الحيوان ولا يتأتى فيه النبات وكذلك لم يجعلها صقيلة براقة لئلا يحترق ما عليها بسبب انعكاس أشعة الشمس كما يشاهد من احتراق القطن ونحوه عند انعكاس شعاع الجسم الصقيل الشفاف فاقتضت حكمته سبحانـه أن جعلها كثيفة غبراء فصلحت أن تكون مستقرا للحيوان والأنام والنبات
ولما كان الحيوان الهوائي لا يمكنـه أن يعيش في الماء كالحيوان المائي أبرز له جانبها كما تقدم وجعله على أوفق الهيئات لمصالحه وأنشأ منـها طعامـه وقوته وكذلك خلق منـها النوع الإنساني وأعاده إليها ويخرجه منـها
ومن آياتها أن جعلها مختلفة الأجناس والصفات والمنافع مع أنـها قطع متجاورات متلاصقة فهذه سهلة وهذه حزنة تجاورها وتلاصقها وهذه طيبة تنبت وتلاصقها أرض لا تنبت وهذه تربة وتلاصقها رمال وهذه صلبة ويلاصقها ويليها رخوة وهذه سوداء ويليها أرض بيضاء وهذه حصى كلها ويجاورها أرض لا يوجد فيها حجر وهذه تصلح لنبات كذا وكذا وهذه لا تصلح له بل تصلح لغيره وهذه سبخة مالحة وهذه بضدها وهذه ليس فيها جبل ولا معلم وهذه مسجرة بالجبال وهذه لا تصلح إلا على المطر وهذه لا ينفعها المطر بل لا تصلح إلا على سقي الأنـهار فيمطر الله سبحانـه الماء على الأرض البعيدة ويسوق الماء إليها على وجه الأرض
فلو سألتها من نوعها هذا التنوع ؟ ومن فرق أجزاءها هذا التفريق ؟ ومن خصص كل قطعة منـها بما خصها بـه ؟ ومن ألقى عليها رواسيها وفتح فيها السبل وأخرج منـها الماء والمرعى ؟ ومن أمسكها عن الزوال ؟ ومن بارك فيها وقدر فيها أقواتها وأنشأ منـها حيوانـها ونباتها ؟ ومن وضع فيها معادتها وجواهرها ومنافعها ؟ ومن هيأها مسكنا ومستقرا للأنام ؟ ومن يبدأ الخلق منـها ثم يعيده إليها ثم يخرجه منـها ؟ ومن جعلها ذلولا غير مستصعبة ولا ممتنعة ؟ ومن وطأ مناكبها وذلك مسالكها ووسع مخارجها وشق أنـهارها وأنبت أشجارها وأخرج ثمارها ؟ ومن صدعها عن النبات وأودع فيها جميع الأقوات ؟ ومن بسطها ؟ وفرشـها ومـهدها وذللها وطحاها ودحاها وجعل ما عليها زينة لها ؟ ومن الذي يمسكها أن تتحرك فتتنزلزل فيسقط ما عليها من بناء ومعلم أو يخسفها بمن عليها فإذا هي تمور ؟ ومن الذي أنشأ منـها النوع الإنساني الذي هو أبدع المخلوقات وأحسن المصنوعات بل أنشأ منـها آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلى الله عليه و سلم وعليهم أجمعين وأنشأ منـها أولياءه وأحباءه وعباده الصالحين ؟ ومن جعلها حافظة لما استودع فيها من المياه والأرزاق والمعادن والحيوان ؟ ومن جعل بينـها وبين الشمس والقمر هذا القدر من المسافة فلو زادت على ذلك لضعف تأثرها بحرارة الشمس ونور القمر فتعطلت المنفعة الواصلة إلى الحيوان والنبات بسبب ذلك ولو زادت في القرب لاشتدت الحرارة والسخونة - كما نشاهده في الصيف - فاحترقت أبدان الحيوان والنبات وبالجملة فكانت تفوت هذه الحكمة التي بها انتظام العالم ؟ ومن الذي جعل فيها الجنات والحدائق والعيون ؟ ومن الذي جعل باطنـها بيوتا للأموات وظاهرها بيوتا للأحياء ؟ ومن الذي يحييها بعد موتها فينزل عليها الماء من السماء ثم يرسل عليها الريح ويطلع عليها الشمس فتأخذ في الجبل فإذا كان وقت الولادة مخضت للوضع واهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج
فسبحان من جعل السماء كالأب والأرض كالأم والقطر كالماء الذي ينعقد منـه الولد فإذا حصل الحب في الأرض ووقع عليه الماء أثرت نداوة الطين فيه وأعانتها السخونة المختفية في باطن الأرض فوصلت النداوة والحرارة إلى باطن الحبة فاتسعت الحبة وربت وانتفخت وانفلقت عن ساقين : ساق من فوقها وهو الشجرة وساق من تحتها وهو العرق ثم عظم ذلك الولد حتى لم يبق لأبيه نسبة إليه ثم وضع من الأولاد بعد أبيه آلافا مؤلفة كل ذلك صنع الرب الحكيم في حبة واحدة لعلها تبلغ في الصغر إلى الغاية وذلك من البركة التي وضعها الله سبحانـه في هذه الأمر
فيالها من آية تكفي وحدها في الدلالة على وجود الخالق وصفات كماله وأفعاله وعلى صدق رسله فيما أخبروا بـه عنـه بإخراج من في القبور ليوم البعث والنشور
فتأمل اجتماع هذه العناصر الأربعة وتجاورها وامتزاجها وحاجة بعضها إلى بعض وانفعال بعضها عن بعض وتأثيره فيه وتأثره بـه بحيث لا يمكنـه إلا الاتباع من التأثر والانفعال ولا يستقل الآخر بالتأثير ولا يستغني عن صاحبه وفي ذلك أظهر دلالة على أنـها مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة حادثة بعد عدمـها فقيرة إلى موجد غني عنـها مؤثر غير متأثر قديم غير حديث تنقاد المخلوقات كلها لقدرته وتجيب داعي مشيئته وتلبي داعي وحدانيته وربوبيته وتشـهد بعلمـه وحكمته وتدعو عباده إلى ذكره وشكره وطاعته وطاعته وعبوديته ومحبته وتحذرهم من بأسه ونقمته وتحثهم على المبادرة إلى رضوانـه وجنته
فانظر إلى الماء والأرض كيف لما أراد الرب تعالى امتزاجهما وازدواجهما أنشأ الرياح فحركت الماء وساقته إلى أن قذفته في عمق الأرض ثم أنشأ لها حرارة لطيفة سماوية وحصل بها الإنبات ثم أنشأ لها حرارة أخرى أقوى منـها حصل بها الانفتاح وكانت حالته الأولى تضعف عن الحرارة الثانية فادخرت إلى وقت قوته وصلابته فحرارة الربيع للإخراج وحرارة الصيف للإنضاج هذا وإن الأم واحدة والأب واحد واللقاح واحد والأولاد في غاية التباين والتنوع كما قال تعالى { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون }
فهذا بعض آيات الأرض ومن الآيات التي فيها وقائعه سبحانـه التي أوقعها بالأمم المكذبين لرسلهم المخالفين لأمره وأبقى آثارهم دالة عليهم كما قال تعالى { وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنـهم } وقال في قوم لوط { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون } وقال { فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل * إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنـها لبسبيل مقيم } أي بطريق ثابت لا يزول عن حاله وقال { وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين * فانتقمنا منـهم وإنـهما لبإمام مبين } أي ديار هاتي الأمتين لبطريق واضح يمر بـه السالكون وقال تعالى { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم } وقال عن قوم عاد { فأصبحوا لا يرى إلا مساكنـهم } وقال { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنـهم } فأي دلالة أعظم من رجل يخرج وحده لا عدة له ولا عدد ولا مال فيدعو الأمة العظيمة إلى توحيد الله والإيمان بـه وطاعته ويحذرهم من بأسه ونقمته فتتفق كلمتهم أو أكثرهم على تكذيبه ومعاداته فيذكرهم أنواع العقوبات الخارجة عن قدرة البشر فيغرق المكذبين كلهم تارة ويخسف بغيرهم الأرض تارة ويهلك آخرين بالريح وآخرين بالصيحة وآخرين بالمسخ وآخرين بالصواعق وآخرين بأنواع العقوبات وينجو داعيهم ومن معه والهالكون أضعاف أضعاف أضعافهم عددا وقوة ومنعة وأموالا
( فيالك من آيات حق لو اهتدى بهن مريد الحق كن هواديا )
( ولكن على تلك القلوب أكنة فليست وإن أصغت تجيب المناديا )
فهلا امتنعوا - إن كانوا على الحق وهم أكثرهم عددا وأقوى شوكة - بقوتهم وعددهم من بأسه وسلطانـه وهلا اعتصموا من عقوبته كما اعتصم من هو أضعف منـهم من أتباع الرسل ؟
ومن الآيات التي في الأرض مما يحدثه الله فيها كل وقت ما يصدق بـه رسله فيما أخبرت بـه فلا تزال آيات الرسل وأعلام صدقهم وأدلة نبوتهم يحدثها الله سبحانـه وتعالى في الأرض إقامة للحجة على من لم يشاهد تلك الآيات التي قاربت عصر الرسل حتى كأن أهل كل قرن يشاهدون ما يشاهده الأولون أو نظيره كما قال { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنـه الحق } وهذه الإرادة لا تختص بقرن دون قرن بل لابد أن يري الله سبحانـه أهل كل قرن من الآيات ما يبين لهم أن الله الذي لا إله إلا هو وأن رسله صادقون وآيات الأرض أعظم مما ذكر وأكثر فنبه باليسير منـها على الكثير
ثم قال { وفي أنفسكم أفلا تبصرون ؟ } لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه دعاه خالقه وبارئه ومصوره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصر والتفكر في نفسه فإذا تفكر الانسان في نفسه استنارت له آيات الربوبية وسطعت له أنوار اليقين واضمحلت عنـه غمرات الشك والريب وانقشعت عنـه ظلمات الجهل فإنـه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائمات وأدلة التوحيد على ربه ناطقات شاهدة لمدبره دالة عليه مرشدة إليه إذا يجده مكونا من قطره ماء : لحوما منضدة وعظما مركبة وأوصالا متعددة مأسورة مشددة بحباله العروق والأعصاب قد قمطت وشدت وجمعت بجلد متين مشتمل على ثلاثمائة وستين مفصلا ما بين كبير وصغير وثخين ودقيق ومستطيل ومستدير ومستقيم ومنحن وشدت هذه الأوصال بثلاثمائة وستين عرقا للإتصال والإنفصال والقبض والبسط والمد والضم والصنايع والكتابة
وجعل فيه تسعة أبواب : فبابان للسمع وبابان للبصر وبابان للشم وبابان للكلام والطعام وال والتنفس وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها
وجعل داخل بابي السمع مرا قاتلا لئلا تلج فيها تخلص إلى الدماغ فتؤذيه وجعل داخل بابي البصر مالحا لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم وجعل داخل باب الطعام وال حلوا ليسيغ بـه ما يأكله ويشربه فلا يتنغص بـه لو كان مرا أو مالحا
وجعل له مصباحين من نور كالسراج المضيء مركبين في أعلى مكان منـه وفي أشرف عضو من أعضائه طليعة له وركب هذا النور في جزء صغير جدا يبصر بـه السماء والأرض وما بينـهما وغشاه بسبع طبقات وثلاث رطوبات بعضها فوق بعض حماية له وصيانة وحراسة وجعل على محله غلقا بمصراعين أعلا وأسفل وركب في ذيل المصراعين أهدابا من الشعر وقاية للعين وزينة وجمالا وجعل فوق ذلك كله حاجبين من الشعر يحجبان العين من العرق النازل ويتلقيان عنـها ما ينصب من هناك وجعل سبحانـه لكل طبقة من طبقات العين شغلا مخصوصا ولكل واحد من الرطوبات مقدارا مخصوصا لو زاد على ذلك أو نقص منـه لاختلت المنافع والمصالح المطلوبة وجعل هذا النور الباصر في قدر عدسة ثم أظهر في تلك العدسة صورة السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والعالم العلوي والسفلي مع اتساع أطرافه وتباعد أقطاره واقتضت حكمته سبحانـه أن جعل فيها بياضا وسوادا وجعل القوة الباصرة في السواد وجعل البياض مستقرا لها ومسكنا وزين كلا منـهما بالآخر وجعل الحدقة مصونة بالأجفان والحواجب كما تقدم والحواجب الأهداب وجعلها سوداء إذ لو كانت بيضاء لتفرق النور الباصر فضعف الإدراك فإن السواد يجمع البصر ويمنع من تفرق النور الباصر وخلق سبحانـه لتحريك الحدقة وتقليبها اربعا وعشرين عضلة لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر العين
ولما كانت العين كالمرآة التي إنما تنطبع فيها الصور إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء جعل سبحانـه هذه الأجفان متحركة جدا بالطبع إلى الانطباق من غير تكلف لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات ولهذا لما لم يخلق لعين الذبابة أجفانا فإنـها لا تزال تراها تنظف عينـها بيدها من آثار الغبار و الكدورات
وكما جعل سبحانـه العينين مؤديتين للقلب ما يريانـه فيوصلانـه إليه كما ترياه جعلهما مرآتين للقلب يظهر فيهما ما هو مودع فيه من الحب والبغض والخير والشر والبلادة والفطنة والزيغ والاستقامة فيستدل بأحوال العين على أحوال القلب وهو أحد أنواع الفراسة الثلاثة : وهي فراسة العين وفراسة الأذن وفراسة القلب فالعين مرآة للقلب وطليعة ورسول ومن عجيب أمرها أنـها من ألطف الأعضاء وأبعدها تأثرا بالحر والبرد على أن الأذن على صلابتها وغلظها لتتأثر بهما أكثر من تأثر العين على لطافتها وليس ذلك بسبب الغطاء الذي عليها من الأجفان فإنـها لو كانت متفتحة لم تتأثر بذلك تأثر الأعضاء اللطيفة
ومن ذلك : الأذنان شقهما تبارك وتعالى في جانبي الوجه وأودعهما من الرطوبة ما يكون معينا على إدراك السمع وأودعهما القوة السمعية وجعل سبحانـه في هذه الصدقة انحرافات واعوجاجات لتطول المسافة قليلا فلا يصل الهواء إلا بعد انكسار حدته فلا يصدمـها وهلة واحدة فيؤذيها وأيضا لئلا يفجأها الداخل إليها من الدبيب والحشرات بل إذا دخل إلى عوجة من تلك الإنعطافات وقف هناك فسهل إخراجه
وكانت العينان في وسط الوجه والأذنان في جانبيه لأن العينين محل الملاحة والزينة والجمال وهما بمنزلة النور الذي يمشي بين يدي الإنسان وأما الأذنان فكان جعلهما في الجانبين لكون إدراكهما لما خلف الإنسان وأمامـه وعن يمينـه وعن شماله سواء فتأتي المسموعات إليهما على نسبة واحدة وخلف العينان بغطاء والأذنان بغير غطاء وهذا في غاية الحكمة إذ لو كان للأذنين غطاء لمنع الغطاء إدراك الصوت فلا يحصل إلا بعد ارتفاع الغطاء والصوت عرض لا ثبات له فكان يزول قبل كشف الغطاء بخلاف ماتراه العين فإنـه أجسام وأعراض لاتزول فيما بين كشف الغطاء وفتح العين وجعل سبحانـه الأذن عضوا غضروفيا ليس بلحم مسترخ ولا عظم صلب بل هي بين الصلابة واللين فتقبل بلينـها وتحفظ بصلابتها ولا تنصدع انصداع العظام ولا تتأثر بالحر والبرد والشمس والسموم تأثر اللحم إذ المصلحة في بروزها لتتلقى ما يرد عليها من الأصوات والأخبار
ومن ذلك الأنف نصبه سبحانـه في وسط الوجه قائما معتدلا في أحسن شكل وأوفقه للمنفعة وأودعه حاسة الشم التي يدرك بها الروائح وأنواعها وكيفياتها ومنافعها ومضارها ويستدل بها على مضار الأغذية والأدوية ومنافعها وأيضا فإنـه يستنشق بالمنخرين الهواء البارد الرطب فيؤديه إلى القلب فيتروح بـه فيستغني بذلك عن فتح الفم أبدا وجعل تجويفه بقدر الحاجة فلم يوسعه عن ذلك فيدخله هواء كثير ولم يضيقه فلا يدخله من الهواء ما يكفيه وجعل ذلك التجويف مستطيلا لينحصر فيه الهواء وينكسر وحدته قبل أن يصل إلى الدماغ فلولا ذلك لصدمـه بحدته وقوته
والهواء الذي يستنشقه الأنف ينقسم شطرين : شطرا يصعد إلى الدماغ وشطرا ينزل إلى الرئة وهو من آلات النطق فإن له إعانة على تقطيع الحروف وكما أن تجويفه جعل لاستنشاق الهواء فإنـه جعل مصبا لفضلات الدماغ تنحدر فيه في تلك القصبة فيخرج فيستريح الدماغ ولذلك جعل عليها سترا ولم يجعلها بارزة فتستقبحها العيون وجعل فيها تجويفا فإنـه قد ينسد أحدهما أو يعرض له آفة تمنعه من الإدراك والاستنشاق فيبقى التجويف الثاني نائبا عنـه يعمل عمله كما اقتضت الحكمة مثل ذلك في العينين
ثم تأمل الهواء الذي يستنشقه الأنف كيف يدخله أولا من المنخرين وينكسر هناك ثم يصل إلى الحلق فيعتدل مزاجه هناك ثم يصل إلى الرئة ألطف ما يكون ثم تبعثه الرئة إلى القلب فيروح عن الحرارة الغريزية التي فيه ثم ينفذ من القلب إلى العروق المتحركة ويبلغ إلى أقاصي أطراف البدن ثم إذا سخن في الباطن وخرج عن حد الانتفاع خرج عن تلك الأقاصي إلى البدن ثم إلى الرئة ثم إلى الحلقوم ثم إلى المنخرين خارجا فيخرج منـهما ويعود عوضه هواء بارد نافع والنفس الواحد من أنفاس العبد إنما يتم بمجموع هذه الأمور والقوى والأفعال وهو له في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس لله في كل نفس عدة نعم قد وقفت على القليل منـها فما ظنك بما وراء النفس من الأعضاء والقوى ومنافعها وتمام النعمة بها ؟
وأما الفم فمحل العجائب وباب الطعام وال والنفس والكلام ومكن اللسان الناطق الذي هوآلة العلوم وترجمان القلب ورسوله المؤدي عنـه
ولما كان القلب ملك البدن ومعدنا للحرارة الغريرية فإذا دخل الهواء البارد وصل إليه فاعتدلت حرارته وبقي هناك ساعة فسخن واحترق فاحتاج القلب إلى دفعه وإخراجه فجعل أحكم الحاكمين إخراجه سببا لحدوث الصوت في الحنجرة والحنك واللسان والشفتين والأسنان مقاطع ومخارج مختلفة وبسبب اختلافها تميزت الحروف بعضها عن بعض ثم ألهم العبد تركيب تلك الحروف ليؤدي بها عن القلب ما يأمر به
فتأمل الحكمة الباهرة حيث لم يضع سبحانـه ذلك النفس المستغنى عنـه المحتاج إلى دفعه وإخراجه بل جعل فيه إذا استغنى عنـه منفعة ومصلحة هي من أكمل المنافع والمصالح فإن المقصود الأصلي من النفس هو اتصال الريح البارد إلى القلب فأما إخراج النفس هو جار مجرى دفع الفضلة الفاسدة فصرف ذلك سبحانـه إلى رعاية مصلحة ومنفعة أخرى وجعله سببا للأصوات والحروف والكلام
ثم أنـه سبحانـه جعل الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة لتختلف الأصوات باختلافها فلا يتشابه صوتان كما لا تتشابه صورتان وهذا من أظهر الأدلة فإن هذا الاختلاف - الذي بين الصور والأصوات على كثرتها وتعددها فقلما يشتبه صوتان أو صورتان - ليس في الطبيعة ما يقتضيه وإنما هو صنع الله الذي أتقن كل شيء وأحسن كل شيء خلقه فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فميز سبحانـه بين الأشخاص بما يدركه السمع والبصر
وأودع اللسان من المنافع منفعة الكلام - وهي أعظمـها - ومنفعة الذوق والإدراك وجعله دليلا على اعتدال مزاج القلب وانحرافه كما جعله دليلا على استقامته واعوجاجه فترى الطبيب يستدل بما يبدو للبصر على اللسان من الخشونة والملاسة والبياض والحمرة والتشقق وغيره على حال القلب والمزاج وهو دليل قوي على أحوال المعدة والأمعاء كما يستدل السامع بما يبدو عليه من الكلام على ما في القلب فيبدو عليه صحة القلب وفساده معنى وصورة
وجعل سبحانـه اللسان عضوا لحميا لا عظم فيه ولا عصب لتسهل حركته ولهذا لا تجد في الأعضاء من لا يكترث بكثرة الحركة سواه فإن أي عضو من الأعضاء إذا حركته كما تحرك اللسان لم يطق ذلك ولم يلبث أن يكل ويخلد إلى السكون إلا اللسان وأيضا فإن من أعدل الأعضاء وألطفها وهو في الأعضاء بمنزلة رسول الملك ونائبه فمزاجه من أعدل أمزجة البدن ويحتاج إلى قبض وبسط وحركة في أقاصي الفم وجوانبه فلو كان فيه عظام لم يتهيأ منـه ذلك ولمي تهيأ منـه الكلام التام ولا الذوق التام فكونـه الله كما اقتضاه السبب الفاعي والغائي والله أعلم
وجعل سبحانـه على اللسان غلقين : أحدهما الأسنان والثاني الفم وجعل حركته اختياريه وجعل على العين غطاء واحدا ولم يجعل على الأذن غطاء وذلك لخطر اللسان وشرفه وخطر حركاته وكونـه في الفم بمنزلة القلب في الصدر وذلك من اللطائف فإن آفة الكلام اكثر من آفة النظر وآفة النظر أكثر من آفة السمع فجعل للأكثر آفات طبقين وللمتوسط طبقا وجعل الأقل آفة بلا طبق
وجعل سبحانـه الفم اكثر الأعضاء رطوبة والريق يتحلل إليه دائما لا يفارقه وجعله حلوا لا مالحا كماء العين ولا مرا كالذي في الأذن ولا عفنا كالذي في الأنف بل هو أعذب مياه البدن وأحلاها حكمة بالغة فإن الطعام وال يخالطه بل هو الذي يحيل الطعام ويمتزج بـه امتزاج العجين بالماء فلولا أنـه حلو لما التذ الإنسان بل ولا الحيوان بطعام ولا ولا ساغه إلا على كره وتنغيص ولما كان كثير من الطعام لا يمكن تحوله إلى بعد طبخه جعل الرب تعالى له آلة للتقطيع والتفصيل وآلة للطحن فجعل آلة القطع - وهي الثنايا وما يليها - حادة الرؤوس ليسهل بها القطع وجعل النواجذ وما يليها من الأضراس مسطحة الرؤوس عريضة ليتأتى بها الطحن ونظمـها احسن نظام كاللؤلؤ المنظم في سلك وجعلها من الجانب الأعلى والأسفل ليتأتى بها القطع والطحن وجعلها من الجانب الأيمن والأيسر إذ ربما كلت إحدى الآلتين أو تعطلت أو عرض لها عارض فينتقل إلى الآلة الأخرى وأيضا لو كان العمل على جانب واحد دائما أوشك أن يتعطل ويضعف
وتأمل كيف أنبتها سبحانـه من نفس اللحم وتخرج من خلاله نابتة كما ينبت الزرع في الأرض ولم يكسها سبحانـه لحما كسائر العظام سواها إذ لو كساها اللحم لتعطلت المنفعة المقصودة ولما كانت العظام محتاجة إلى لحم يكسوها ويحفظها ويتلقى عنـها الحرارة والبرد ويحفظ عليها رطوبتها لم تكمل مصلحة الحيوان إلا بهذه الكسوة ولما كانت عظام الإنسان محتاجة إلى ذلك من وجه مستغنية عنـه من وجه جعلت كسوتها منفصلة عنـها وجعلت هي المكتيسة العارية لتمام المنفعة بذلك ولما كانت آلة القطع والكسر والطحن لم تنشأ مع الطفل من أول نشأته - كسائر عظامـه لعدم الحاجة إليها - عطل عنـها وقت استغنائه عنـها بالرضاع وأعطيها وقت حاجته إليها وفيه حكمة أخرى وهي أنـه لو نشأت معه من حين يولد لأضرت بحلمة الثدي إذ لا عقل له يحرزه عن عضها فكانت الأم تمتنع من إرضاعه
ومن عجيب أمرها الإتفاق والموالاة التي بينـهما وبين المعدة فإنـه يسلم إليها الشيء اليابس والصلب فتطحنـه ثم تسلمـه إلى اللسان فيعجنـه ثم اللسان يسلمـه إلى الحلق فيوصله إلى المعدة فتنضجه وتطبخه ثم يرسل إليها منـه معلومـها المقدر لها فإذا عجزت عن قطع شيء وطحنـه عجزت المعدة عن إنضاجه وطبخه وإذا كلت الأسنان كلت المعدة وإذا ضعفت ضعفت
وهي تصحب الإنسان وتخدمـه ما لم يرها فإذا وقعت عينـه عليها فارقته الأبد وهي سلاح ومنشار وسكين وروح وزينة وفيها منافع ومصالح غير هذه
ثم تأمل حال الشعر ومنبته وسببه فإن البدن لما كان حارا رطبا والحرارة إذا عملت في الرطوبة فلابد أن تثير بخارا وتلك الأبخرة تتصاعد من عمق البدن إلى سطحه وتريد الانفصال من هناك فلابد أن تحدث مساما و منافذه في ظاهر الجلد وتلك الأبخرة إما أن تكون رطبة لطيفة فحينئذ تنفصل من المسام ولا تحدث شيئا وإما أن تكون دخانية يابسة غليظة فالجلد حينئذ إما أن يكون في نـهاية النعومة والنضارة كجلد الصبيان أو في غاية اليبس والقشف أو يكون معتدلا فإذ ذاك لا يتولد فيه الشعر لأن البخار إذا شق سطح الجلد وانفصل عاد الجلد إلى الحال إلى اتصاله الأول بسبب كثرة رطوبته ونعومته مثاله السمك إذا رفع رأسه من الماء إنشق له الماء فإذا عاد إلى الماء عاد إلى اتصاله الأول وكذلك نشاهد الأشياء الرطبة كالنشاء مثلا إذا أغلي فخرج البخار من موضع الغليان عادت الرطوبة إلى الموضع الذي خرج منـه ذلك البخار فسدته فإن كان الجلد في غاية اليبس لم يتولد الشعر لأن الجلد اليابس إذا انثقب بقيت تلك الثقب مفتوحة ليبس الجلد فيفرق أجزاءه البخار ولا يجتمع بعضه إلى بعض فإن الجلد متوسط بين النعومة والكثافة فإنـه ينفتح فيه المسام بسبب تلك الأبخرة ولايعود ينسد بعد خروج البخار ولكن لا تبقى المسام شديدة الانفتاح وحينئذ يبقى ذلك البخار الدخاني في تلك الثقبة لا يزال يمده بخار آخر يدفعه أولا فأولا إلى خارج من غير أن ينقطع أصله فيبقى بعضه مركوزا في الجلد منزلته منزلة أصل النبات وبعضه يطلع إلى خارج منزلته منزلة ساق النبات وكذلك الشعر فمادة الشعر هي البخار الدخاني اليابس وسببه هو الحرارة الطبيعية المحرقة لذلك البخار والآلة التي بها يتم أمره هي المسام التي ارتكن فيها البخار فتلبد هناك فصار شعرا بإذن الله تعالى
والغاية التي من أجلها وجد شيئان : أحدهما عام وهو تنقية البدن من الفضول الدخانية الغليظة والآخر خاص وهو إما للزينة وإما للوقاية
وإذا بان أن الشعر إنما يتولد مع الحرارة واليبس المعتدل بقيت ثلاثة أقسام : أحدها حرارة غالبة على اليبس كالصبيان الثاني عكسه وهو يبس غالب على الحرارة كالمشائخ الثالث حرارة ضعيفة ويبس ضعيف كأبدان النساء ففي هذه الأقسام يقل الشعر : وأما الشباب فإن حرارة أبدانـهم ويبسهم معتدل فيقوى تولد الشعر فيهم
وفي شعر الرأس منافع ومصالح : منـها وقايته عن الحر والبرد والمرض ومنـها الزينة والحسن
والسبب الذي صار بـه شعر الرأس أكثر من شعر البدن هو أن البخار شأنـه أن يصعد من جميع البدن إلى الدماغ ومن الدماغ إلى فوق وكان هذا الشعر ناميا على الدوام لأن البخار يتصاعد إلى الرأس أبدا وهو مادة الشعر فبنماء الشعر ينمو البخار وكان فيه تخليص للبدن من تلك المواد وتكثير لوقايته وغطائه
[كتاب : التبيان في أقسام القرآن ارباب وبرده]
نویسنده و منبع | تاریخ انتشار: Tue, 24 Jul 2018 06:38:00 +0000